في رباع النبي ﷺ
روى أسامة بن زيد قال لرسول الله ﷺ : أتنزل في دارك بمكة فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه جعفر ولا علي لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين وكان عمر يقول: لا يرث المؤمن الكافر قوله: وكان عقيل إلى آخره ليس من الحديث أنما هو من كلام الزهري ولهذا قال له موسى بن عقبة: أفصل كلامك من كلام النبي ﷺ احتج المحتج بهذا على أن أراضي مكة مملوكة ولا حجة فيه لأن إضافة الدار من أسامة إليه وإضافته إياها إلى نفسه قد تكون بسكناها لا على أنها ملك له كإضافته تعالى بيت العنكبوت إلى العنكبوت ومساكن النمل إلى النمل وكما يقال باب الدار وجل الفرس يؤيده إن ارث أبي طالب لا يرجع إلا إلى أولاده وكذا مال عبد المطلب لا يرجع إليه ﷺ لأن أباه عبد الله مات قبل عبد المطلب.
стр. 772
في التولي
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" فيه جواز التولي بإذن مواليه الذين كانوا مواليه قبل ذلك بخلاف العتاق فإنه لا يكون مولى لأحد سوى معتقه أذن له في ذلك أو لم يأذن وفي رواية ومن تولى مولى بغير إذنه فعليه لعنة الله ففيه جواز التولي بإذنه وبقبول الذين يتولى ذلك منه وفيه إطلاق وجوب الولاء بغير العتاق كما يقوله العراقيون خلافا للحجازيين مستدلين بقوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" ولا حجة فيه لأن القصد به إلى الولاء بالعتاق لا غير لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية فكان ذلك نفيا منه أن تكون الزكوات لغير المسلمين في الآية ولم يمنع أن تكون صدقات سوى الزكاة لقوم آخرين فكذا قوله صلى الله عيه وسلم: "إنما
стр. 773
الولاء لمن أعتق" هو على الولاء بالعتاق أي: لا يكون الولاء بالعتاق إلا لمن أعتق ولا يمنع أن يكون ولاء سواه وهو المذكور في الأحاديث بالموالاة فالولاء يكون بالموالاة ويكون للمولى بها أن ينتقل بولائه عمن كان مولى له إلى من سواه من الناس بإذن من ينتقل عنه وبإذن من ينتقل إليه به لا يكون مولى لمن ينتقل إليه إلا بهذه الأشياء الثلاثة وقد كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يذهبون إلى وجوب الولاء بالموالاة ويذهبون إلى أن للمولى أن ينتقل رضى مولاه بذلك أو لم يرض ما لم يكن عقل عنه جناية جناها فإن عقل فلا يمكن الانتقال ولكن الحديث مطلق عن قيد العقل فلا يصح العدول عنه إلى غيره تحقيقا للأتباع.
стр. 774
في من أسلم على يد رجل ووالاه
عن تميم الداري قلت: يا رسول الله الرجل من المشركين يسلم على يدي الرجل من المسلمين فقال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته" تعلق به قوم منهم عمر بن عبد العزيز وربيعة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب فأثبتوا به ولاء الذي أسلم للذي أسلم على يده وورثوه منه وأكثر العلماء على أنه لا يكفي مجرد الإسلام على يده حتى يواليه بعده كما لو والاه ولم يكن أسلم على يديه وهو مذهب الكوفيين وقد أجاز ذلك عمر بن الخطاب على ما رواه ابن شهاب ويحتمل قوله ﷺ : "هو أولى الناس بمحياه ومماته" أن يكون المراد أحق الناس أن يقصد لموالاته إذ كان الإرشاد والهداية على يديه وهو كلام عربي يفهمه المخاطبون كما فهم المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: فحنثتم وذلك أن الناس يحتاجون إلى التعارف إذ كان الله جعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا فاحتاج من أسلم أن يكون في شعب وقبيلة حتى ينسب إليها ويعرف بها فقد روى عن ابن أبي عبد الرحمن المقبري أنه قال: أتيت أبا حنيفة فقال لي: ممن الرجل فقلت: رجل من الله على بالإسلام فقال لي: لا تقل هكذا ولكن وال بعض هذه الأحياء ثم أنتم إليهم فإني كنت أنا كذلك.
стр. 775
في ميراث المرأة
روى عن النبي ﷺ : "تحرز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي تلاعن عليه" يحتمل أن يكون للمرأة ولاء من التقطته ويحتمل أن يكون معناه أن من التقط فالأولى به أن يوالي من التقطه إذ هو أحق الناس به حيث التقطه وكفله وتسبب لحياته إذ لا ولاء لأحد عليه ولا نسب له أحد يمنعه ذلك من المولاة وما روى عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي جميلة في لقيطه الذي التقطه: اذهب فهو حر ولك ولاء وعلينا نفقته يسعه من التاويل ما وسع الحديث وقد كان محمد بن الحسن يذهب إلى أن معناه أن ولاءه لك لأن للإمام أن يجعل ولاء صبي لا ولاء عليه لمن شاء من المسلمين فيكون بذلك مولاه كما لو والاه وهو بالغ صحيح العقل وكذلك أبو حنيفة وأصحابه يقولون في اللقيط: أنه حر ويوالي من شاء إذا كبر وقول عمر في اللقيط هو حر ليس على حقيقة بل هو على ظاهره لأنه قد يكون عبدا وعن على أنه قال في المنبوذ: هو حر فإن أحب أن يوالي ملتقطه وإلاه وأن أحب أن يوالي غيره وإلاه يؤكد ما قلنا والله أعلم.
стр. 776
في المولى الأسفل
عن ابن عباس أن رجلا مات ولم يدع وارثا إلا غلاما له كان أعتقه فقال رسول الله ﷺ : "هل له أحد" قالوا: لا إلا غلام له كان أعتقه فجعل رسول الله ﷺ ميراثه للغلام، وفي رواية: أن رجلا مات فقال ﵇: "ابتغوا له وارثا" فلم يجدوا له وارثا فدفع رسول الله ﷺ ميراثه إلى الذي أعتقه من أسفل، وفي رواية: أن رجلا مات ولم يترك وارثا إلا عبدا قد أعتقه فأعطاه النبي ﷺ ميراثه كان القياس توريث المولى الأسفل من العلى كعكسه لأن من ورث بمعنى وجب أن يورث به كذوي التزويجات وذوي الأنساب بالتزويج والنسب ولكن
стр. 777
العلماء ما اتفقوا على ترك استعمال هذا الحديث والقياس إلا لمعنى وهو إعتاق الأعلى الأسفل وإليه يشير قوله ﷺ : "ابتغوا له وارثا" فدل أن الأسفل لم يكن وارثا له وإنما دفع إليه ماإليه صرفه فيما يراه والذي جاء في رواية أخرى ولم يدع وارثا إلا غلاما له يحتمل أن يكون وارثه بنسب كان بينهما كما قالوا أو ولاء إذ قد يحتمل أن يكون الغلام قد أعتق بعد أن أعتق أبا المعتق للرجل١ فيكون بذلك كل واحد منهما مولى لصاحبه وإذا احتمل الحديث هذا كان من عدل به عنها إلى خلاف ما قالته العلماء بغير دليل قد قال قولا شاذا لا يقبل منه لأن أقوال العلماء لأنهم الخلف الذين أخذوا عن السلف هي الحجة قال ﵊: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".
стр. 778
في مولى ابنة حمزة
روى عن عبد الله بن شداد أن ابنة حمزة أعتقت مولى لها فمات المولى وتركها وترك ابنته فأعطاها النبي ﷺ النصف وأعطى ابنة حمزة النصف ثم قال يعني: عبد الله بن شداد: هل تدرون ما بيني وبينها هي أختي من أمي كانت أمنا أسماء بنت عميس الحثعمية وقد كان مصعب بن الزبير وموضعه من الأنساب موضعه منها يقول عبد الله بن شداد مولى بني ليث وأمه سلمى بنت عميس وكان أخا ابنة حمزة لأمها فدل أن عبد الله بن شداد إنما كان ابن سلمى ابنة الحارث وهي امرأة حمزة لا أسماء بنت عميس فإنها كانت زوجة جعفر بن أبي طالب ثم صارت إلى أبي بكر ثم صارت إلى علي بن أبي طالب.
стр. 779
في هبة الولاء
روى عن عمرو بن دينار أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن
стр. 780
يسار لا بن عباس فيه إجازة هبة الولاء عن ميمونة وابن عباس لكنه صح عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته ولم يرو ما يخالفه فوجب القول به وفقهاء الأمصار على موافقته وعلى مخالفة ما روى عن ابن عباس وميمونة في ذلك ولو علما به لرجعا عما قالاه إليه ولأن الولاء في ذلك ولو علما به لرجعا عما قالاه إليه ولأن الولاة في ثبوته له شبه بالعتاق الذي يشبه النسب فكما لا يصح هبة الرجل نسب ولده لا يصلح هبة ولاء مولاه لغيره.
стр. 781
كتاب الديات في دية الخطأ
عن ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : "دية الخطأ عشرون جذعة وعشرون حقة وعشرون ابنة لبون وعشرون ابنة مخاض وعشرون ابن لبون" وروى عنه قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون ابنة لبون وعشرون ابنة مخاض وعشرون ابن مخاض ذكر مكان ابن لبون وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وذهب مالك في جماعة من أهل العلم إلى أن الدية أخماس والخمس الزائد بنو لبون ذكور ورووا ذلك عن سليمان بن يسار والأول أولى لأن بني المخاض دون بني اللبون والأولى أن لا نوجب في ذلك شيئا إلا ما أحطنا علما بوجوبه لأن الأموال محظورة حتى تعلم الوجوبات فيها ولم نحط علما بوجوب السن الأعلى فيها والدية الواجبة في شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل خلفات كلها وهو قول محمد وقال أبو حنيفة وأبو يوسف أنها أرباع خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون ابنة لبون وخمس وعشرون ابنة مخاض.
стр. 782
في دية شبه العمد
روى أن رسول الله ﷺ خطب يوم فتح مكة فقال
стр. 783
في خطبته: "ألا أن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه دية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها " فيه أنه ﷺ لم يجعل فيه قودا كما ذهب إليه الحجازيون فإنهم يقولون: القتل أما خطأ وأما عمد لا ثالث لهما والحق أنه عمد وفيه القود وخطأ وفيه الدية على العاقلة وشبه عمد وفيه الدية المذكورة في هذا الحديث غير أن الكوفيين اختلفوا في الحجر الثقيل الذي مثله يقتل فعند أبي حنيفة فيه الدية مغلظة وقال طائفة: فيه القود بالسيف وقال: الحجر المذكور في الحديث الذي لا يقتل مثله من جنس السوط والعصا وكذلك السوط والعصا أن كرر الضرب به حتى يكون الضرب في جملته موهوما منه القتل كان عمدا وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن والقياس معهما فإن القاتل بالحجر الثقيل مأثوم كالقاتل بالسيف فكذا عليه القود بخلاف القاتل بالعصا والحجر الذي لا يقتل مثلهما فإنه لا يأثم ذلك الإثم فلا يجب عليه القود ففيه الدية مغلظة، واختلف في الدية المغلظة ما هي فكان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان هي مائة من الإبل خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنات لبون ومثلها حقاق ومثلها جذعة وقال محمد: ثلاثون جذعة ومثلها حقة وأربعون خلفة في بطونها أولادها وهذا أولى لموافقة قائلية ما روى عن النبي ﷺ مما قد ذكرناه فأما ما دون النفس فلا اختلاف بين أهل العلم فيه أنه وجهان: خطأ وعمد لا شبه عمد وقد روى مرفوعا ما يدل على مذهب الكوفيين وهو ما روي عن أنس بن مالك أن عمته الربيع لطمت جارية فكسرت ثنيتها فطلبوا إليهم العفو فأبوا والأرش فأبوا الا القصاص فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فأمر بالقصاص فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال رسول الله ﷺ : "يا أنس كتاب الله القصاص" فرضي القوم فعفوا فقال رسول الله ﷺ : "أن من عباد الله من لو أقسم على الله لا بره" واللطمة لو كانت في النفس لم يكن فيها قود فالحديثان يدلان على أن في النفس شبه عمد لا قود فيه وما دون النفس ليس فيه شبه عمدا إنما هو عمدا وخطأ لا ثالث لهما.
стр. 784
في العاقلة
روى عن جابر قال: كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله وقال: "لا يتولى مولى قوما إلا بإذنهم" فيه دليل على ما كان فقهاء الكوفة والمدينة عليه من تحميلهم الاروش على عواقل الجاني الذين يجمعهم البطن الذي هو منه إلا أن يعجزوا عن ذلك فيضم إليهم أقرب البطون إليهم فيه حتى يعقلوا عنهم الواجب لأن في كتاب رسول الله ﷺ جنايات كل بطن على ذلك البطن من غير اعتبار الأقرب فالأقرب بالجاني بخلاف ما قال غيرهم منهم الشافعي أن معرفة العاقلة أن ينظر إلى أخوة الجاني لأبيه فيحملون ارش جنايته فإن لم يحملوها رفعت إلى بني جده لأبيه ثم هكذا لا ترتفع إلى بني أب حتى يعجز من هو أقرب منه عما يحمل عن الجاني من ذلك لأن هؤلاء جميعا وإن تباينوا في القرابة من الجاني بالقرب والبعد فهم من أهل البطن الذي هو منه وإنما كتب لرسول الله ﷺ عقل كل بطن على ذلك البطن ولم يكتبه على اقرب ذلك البطن إلى الجاني دون من سواهم من أهل ذلك البطن ممن هو أبعد منهم عن الجاني وقد روى عن سلمة بن نعيم قال: شهدت مع خالد ابن الوليد بوم اليمامة فلما شددنا على القوم جرحنا رجلا منهم فلما وقع قال: اللهم على ملتك وملة رسولك وإني برئ مما عليه مسيلمة فعقدت في رجله خيطا ومضيت مع القوم فلما رجعت ناديت من يعرف هذا الرجل فمر بي أناس من أهل اليمن فقالوا: رجل من المسلمين فرجعت إلى المدينة زمن عمر بن الخطاب فحدثته الحديث فقال: قد أحسنت فإن عليك وعلى قومك الدية وعليك تحرير رقبة فجعلها على سلمة وعلى قومه ولم يجعلها عليه وعلى أقرب قومه إليه من عصبته وفيها روى عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 785
قال: "لا حلف في الإسلام وإيما حلف كان في الجاهلية فإن الإسلام لا يزيده الا شدة" وعن قيس بن عاصم أنه سأل رسول الله ﷺ عن الحلف فقال: "لا حلف في الإسلام ولكن تمسكوا بحلف الجاهلية" والمراد بهذا التمسك إجراؤه في الإسلام على ما كانوا يجرونه في الجاهلية بأن تكون الحلفاء كالبطن الواحد فيما يحمله بعضهم عن بعض من عقل الجنايات وهذه مسئلة اختلف فيها قال أبو حنيفة وأصحابه هذا القول وبعضهم لا يجعل الحلف بهذه المنزلة وهو محجوج بما ذكرنا من الأمر بالتمسك به في الإسلام يحققه ما روى عن عمران بن حصين قال: أسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ وأسر الصحابة رجلا من بني عامر بن صعصعة فمر به على النبي ﷺ وهو موثق فأقبل إليه رسول الله ﷺ فقال: على ما أحبس قال: "بجريرة حلفائك" ثم مضى رسول الله ﷺ فناداه فأقبل إليه فقال له الأسير: أني مسلم فقال له رسول الله ﷺ : "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح".
وروى أنه كانت العضباء لرجل من عقيل أسر فأخذت العضباء منه فأتى عليه رسول الله ﷺ فقال: يا محمد علام تأخذونني وتأخذون سابقة الحاج وقد أسلمت فقال له رسول الله ﷺ : "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" وقال النبي ﷺ : "أخذت بجريرة حلفائك" وكانت ثقيف أسرت رجلين من الصحابة وإذا كان المحالفون يؤخذون بجرائر حلفائهم كما يؤخذون بحرائر عمومتهم فيما ذكر كانوا بالأخذ بعقول جناياتهم وكان المحالفون بأخذها منهم أولى وفيما ذكرنا دليل على أن الحلفاء يعقلون عمن حالفوهم ويعقل من حالفوه عنهم كما يعقل أهل الفخذ بعضهم عن بعض.
стр. 786
في دية المعاهد
عن ابن عباس لما نزلت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
стр. 787
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية قال كان إذا قتل بنوا النضير من بني قريظة قتيلا ادوا نصف الدية وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير قتيلا أدوا إليهم الدية قال فسوى رسول الله ﷺ في الدية وفيما روى عنه أن الآية في المائدة: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ .
إنما نزلت في الدية من بني النضير وبني قريظة وذلك لأن بني النضير لهم شرف فكانت ديتهم كاملة وقريظة على نصفهم فتحاكوا فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله ﷺ على الحق فجعل الدية سواء، والله أعلم أي ذلك كان يعني من رد من كانت ديته كاملة إلى النصف أو رد من كان ديته النصف إلى جميع الدية وروى خلاف هذا عن ابن عباس قال: كانت النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به وإذا قتل رجل من النضير رجلا من بني قريظة أدوا مائة وسوق من التمر فلما بعث النبي ﷺ قتل رجل من بني النضير رجلا من بني قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ فأتوه فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ وهو النفس بالنفس ثم نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ فيحتمل أن يكون القوم اختصموا إلى النبي ﷺ في هذين المعنيين فأنزل الله تعالى هذه الآية في السببين جميعا فسوى بينهم في الديات وفي القصاص وقيل: أن دية المعاهد أربعة آلاف درهم مما روى عن عثمان أنه قضى في دية المعاهد باربعة آلاف درهم ولكن يعارضه ما روى أن مسلما قتل كافرا معاهدا فقضى عليه عثمان بدية المسلم.
وهذا أولى لأن الحديث الأول رواه سعيد بن المسيب عنه وهو يقول: دية المعاهد ألف دينار وهو قول علقمة والشعبي ومجاهد وعطاء ويدل على ضعفه حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ حملهم على الحق فجعل الدية سواء فذلك صريح على أنه رد الدية لهم جميعا إلى الدية الكاملة أو إلى نصف الدية وفي ذلك نفى الأربعة آلاف أن تكون دية المعاهد ثم تأملنا فوجدنا
стр. 788
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ثم ابتع ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فلما ساوى الله تعالى بينهما في الكفارة وجب أن يستويان في الدية إذ كان الخطاب فيهما سواء ولم نجد أحسن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "عقل أهل الكتاب على النصف من عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى"، فإن كان هذا ثابتا فالرسول ﷺ هو المبين للدية في ذي الميثاق ما هي وإن كان بخلاف ذلك فظاهر القرآن يدل على تساوي المسلمين وذوي العهود في الديات وممن يقول بالتنصيف: مالك وأصحابه وممن يقول: أربعة آلاف فيهم الشافعي غير أنه روى عن ابن عباس قال: كان عمر وأبو بكر وعثمان يجعلون دية اليهود والنصارى المعاهدين مثل دية المسلم وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه.
стр. 789
في دية الجنين
عن حمل بن مالك بن النابغة قال: كانت لي امرأتان مليكة وابنة عفيف فرحمت أحداهما الأخرى بحجر فأصاب قلبها وهي حامل فألقت صبيا وماتت فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقضى بالدية على عاقلة القاتلة وقضى في الجنين بغرة عبد أو أمة أو مائة من الشاء أو عشر من الإبل فقام أبوها أو رجل من عصبتها فقال: يا رسول الله ما شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل فمثل ذلك يطل فقال رسول الله ﷺ : "لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء".
أجمع أهل العلم أن مقدار الغرة الواجبة في الجنين من الدية أنها نصف عشرها لأن في الحديث ذكر الغرة أنها عبد أو أمة وهو أعلام للناس بماهية الغرة ثم أتبع ذلك بقوله: أو مائة من الشاء وليست بغرة ولكنه الجزء الذي هو مقدار الغرة من الدية من الشاء لأن في قول من يجعل الشاء صنفا من
стр. 790
أصناف الدية الفا شاة فالمائة نصف عشرها وهو قول أبي يوسف ومحمد وأما أبو حنيفة ومالك فلم يجعلا الدية إلا في الإبل والدنانير والدراهم والشافعي لم يجعلها إلا في الإبل خاصة وليس قصر النبي ﷺ بالدية لقتيل الأنصار إلى مائة من الإبل ولا قوله في خطأ العمد مائة من الإبل ما يدفع أن تكون للدية أصناف غير الإبل ثم قوله أو عشر من الإبل وهم في النقل لخروجه عن أقوال العلماء جميعا فالعشرة آلاف قد تيقنا وجوبها ولم نتيقن وجوب ما جاوزها فكان الأولى أن لا يقضي في الدية من الدراهم إلا بعشرة آلاف درهم.
стр. 791
في شريك قاتل نفسه
عن علي بن أبي طالب قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فوجدت حيا من أحياء العرب حفروا أو قال: زبوا زبية لأسد فصادوه فبينا هم يتطلعون فيها إذ سقط رجل فتعلق بآخر ثم هوى الآخر فتعلق بآخر ثم تعلق بآخر حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد كلهم فتناوله رجل فقتله وماتوا من جراحهم كلهم فقام أولياء الآخر إلى أولياء الأول وأخذوا السلاح ليقتلوه١ فأتاهم على تئفة ذلك فقال: تريدون أن تقتتلوا ورسول الله حي وأنا إلى جنبكم فلو أقتتلتم قتلتم أكثر مما تختلفون فيه وأنا أقضي بينكم بقضاء فإن رضيتم وإلا أحجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا رسول الله فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدل بعد ذلك فلا حق له اجمعوا من القبائل ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة فللأول ربع الدية لأنه هلك من فوقه ثلاثة والذي يليه ثلث الدية لأنه هلك من فوقه اثنان وللثالث نصف الدية لأنه هلك من فوقه واحد وللرابع الدية كاملة فأبوا أن يرضوا فأتوا رسول الله ﷺ فلقوه عند مقام إبراهيم ﵇ فقصوا عليه القصة فقال: "أنا أقضي بينكم" فاحتبى ببردة فقال رجل من القوم: أن عليا قد قضى بيننا فلما قصوا عليه القصة أجازه.
стр. 792
وفي رواية حفرت زبية الأسد باليمن فوقع فيها الأسد فأصبح الناس يتدافعون على رأسها فهوى فيها رجل فتعلق بآخر الحديث ووجهه والله أعلم أن أهل الزبية جانون على الساقطين فيها بالتدافع أو بسقوط بعضهم على بعض فكان الأول منهم بسقوطه جار الآخرين الذي يلونه لتشابكهم فكان موته من دفع من كان على رأس الزبية ومن سقوط من ثلاثة من الرجال الساقطين عليه بجره إياهم على نفسه فوجب له ربع دية نفسه وسقط من ديته ثلاثة أرباعها إذ كان هو سبب سقوط الثلاثة الرجال عليه وكان الثاني سقوطا ميتا من الدفعة المجهول فاعلها ومن جره رجلين على نفسه فكان له ثلث الدية بالدفعة واجبا على أهلها وكان ما بقي من ديته هدرا إذ كان هو سببها وكان الثالث ميتا من الدفعة ومن وقوع الذي جر عليه فوجب له نصف الدية وكان نصفها هدرا لأنه جناية منه على نفسه وكان الرابع تالفا من الدفعة خاصة فوجب له جميع ديته وإنما تؤخذ الديات من القبائل وإن لم يعلم المتدافعون لأنهم في حكم نفر اجتمعوا فاقتتلوا فأجلوا عن قتيل منهم لم يدر من قتله فديته عليهم جميعا كما جعل رسول الله ﷺ دية الأنصاري الذي قتل بخيبر على يهود خيبر إذ لم يدر قاتله قال الطحاوي وجرح الأسد إياهم لا يراعى وهو هدر كمن دفع رجلا في بئر فوقع على سكين فيها أو حجر فمات وفي هذا الحديث رد لقول الأوزاعي فيمن قتل نفسه خطأ أن ديته على عاقلته ولم يقل ذلك غيره من العلماء.
стр. 793
في العفو عن الدم
روى عن النبي ﷺ قوله: "وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأدنى فالأدنى وإن كانت امرأة" وفي بعض الآثار الأول فالأول قال الأوزاعي: ليس للنساء عفو وسئل الأوزاعي عن تأيله "فقال" ما أدري ما هو قال محمد بن عبد الحكم: إذا كان الراوي لا يدري ما تأويله فنحن أولى إن لا ندري.
وأما المزنى فقال: تأويله عندي والله أعلم في المقتتلين من أهل القبلة على
стр. 794
التأويل بأن البصائر ربما أدركت بعضهم فيحتاج من أدركته منهم إلى الإنصراف من مقامه المذموم إلى المقام المحمود فإذا لم يجد طريقا يمر إليه ففي مكانه الأول وعساه يقتل فيه فأمروا بما في هذا الحديث لهذا المعنى وقيل الإنحجاز هو العفو عن الدم وفيه ما دل على جواز عفو النساء عن الدم العمد كما يجوز عفو الرجال عنه هذا من كلام أبي عبيد وهذا وهم منه وقيل يدخل في هذا المقتتلون من المسلمين مع أهل الحرب حيث يجوز لهم الإنصراف إلى فئة من المسلمين ليتقووا بها على عدوهم فيقاتلونهم معهم وليس هذا ببعيد وعن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه قال كنا قعودا عند النبي ﷺ فجاء رجل في عنقه نسعة فقال: يا رسول الله إن هذا وأخي كانا في جب يحفرانها فرفع المنقار فضرب به رأس صاحبه فقتله فقال له النبي ﷺ : "اعف عنه" فأبى ثم قال: يا رسول الله وأعاد له الكلام فأعاد النبي ﷺ الأمر بالعفو ثم الثالثة فأعاد عليه قوله أيضا فقال النبي ﷺ : "اعف عنه" فأبى قال: "اذهب به أن قتلته كنت مثله" فخرج به حتى جاوز فناديناه ألا تسمع ما يقول رسول الله ﷺ فرجع فقال: يا رسول الله إن قتلته كنت مثله؟ قال: "نعم" فعفا عنه فخرج يجر نسعته حتى خفى عنا.
وعن أنس بن مالك قال: أتى رجل بقاتل وليه إلى النبي ﷺ فقال له: "اعف" فأبى قال: "خذ الأرش" فأبى قال: "أتقتله فإنك مثله" قال: فخلى سبيله فرئى يجر نسعته ذاهبا إلى أهله فيه أن القتل كان عمدا ولولا ثبت ذلك عند النبي ﷺ لزجر خصمه عن النسعة التي أسره بها حتى جاءه به ولما قال له: "اعف عنه" ولما قال له: خذ أرشا حين أبي وفيه دليل على أن العفو من ولي المقتول لا يوجب على قاتله أرشا كما يقوله أبو حنيفة والثوري وأبو يوسف وزفر ومحمد خلافا للأوزاعي والشافعي وأما قوله: "إن قتلته كنت مثله" فيبين معناه ما روى عن أبي هريرة في الحديث من قول القاتل: لا والله يا رسول الله ما أردت قتله فقال النبي ﷺ للولي: "أما أنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار
стр. 795
قال فخلى سبيله وكا مكتوفا بنسعته وذلك لأن البينة قامت على قتل أخيه بفعل ظاهره العمد والمدعى عليه كان أعلم بنفسه أنه غير عامد فقوله ﷺ : "كنت مثله" يعني أنه في الظاهر من أهل النار فإن كان صادقا في عدم القصد فقتلته كنت أيضا من أهل النار وروى بزيادة أما أنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمك وإثم صاحبك وقيل تأويله إن قتلته فأنت مثله في أنه لا إثم ولا حرج على واحد منكما لأنك فعلت في القصاص مالك إن تفعله والقاتل إن أراد القتل كفارة له فيرتفع عنه الإثم والحرج أيضا وقال ابن قتيبة: أنك إن قتلته كنت مثله أي في أنك قاتل كما أنه قاتل لا في أنك آثم كما أنه آثم والوجه في ذلك أنه أراد منه العفو فعرض له بهذا القول ليعفو إذا سمعه وقيل إذا قتله ذهب أجره باستيفاء حقه وذهب الوزر عن المقتص منه بالقصاص على ما ورد أن الحدود كفارة لأهلها فتماثلا بأن لا أجر لهما ولا وزر عليهما والله أعلم وأما ما روي أنه لما أدبر به ليقتله قال ﷺ : "القاتل والمقتول في النار" فلا وجه له يصح به لأن القاتل إن كان عامدا فالقصاص واجب لوليه فكيف يكون في النار وإن كان القاتل غير عامد فكيف يكون من أهل النار وهو لم يتعمد وإنما جاء الغلط من فهم أحد رواته لأنه ظن أن قوله: "إن قتله كان مثله" في أنه من أهل النار فجاء بالحديث على المعني ولهذا لم يجز أكثر العلماء سياقة الحديث بالمعنى.
стр. 796
في ما يجب لولي المقتول
عن طاوس عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "من قتل في عمياء أو رمياء تكون بينهم بحجر أو سوط أو بعصا فعقله عقل خطاء ومن قتل عمدا فقود يده ومن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" وقد طعن فيه من أجل أن سفيان بن عيينة أوقفه على طاوس ولم يذكر ابن عباس ولا النبي ﷺ ولكن من زاد أولى ممن قصر لا سيما وقد رواه سفيان بن عيينة مسندا كما ذكرناه
стр. 797
وقوله فقود يده يعني الواجب للولي القود لا سواه ولا يخالف هذا حديث أبي هريرة قال لما فتح الله مكة على رسوله ﷺ قتلت هذيل رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية فقال ﷺ في خطبته: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين أما أن يقتل وأما أن يؤدي" لأن الذي في حديث ابن عباس من إيجاب القود مثله في حديث أبي هريرة وما زاد فيه من قوله: وأما أن يؤدي هو عندنا على أداء القاتل من غير جبر بطريق الصلح وكذلك رواية من روى وأهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا يعني أن القاتل أن بذل لهم الدية كانوا مخيرين بين أن يأخذوها وبين أن يقتلوا فعلى هذا ينتفي التضاد بين الآثار والمسألة مختلف فيها فطائفة يقولون بهذا القول الذي صححنا وهو مذهب أهل الحجاز والعراق وطائفة يقولون: أن لولى القتيل أن يأخذ الدية من القاتل شاء أو أبى وممن يقوله الشافعي والأوزاعي وقالوا: وعلى القاتل استحياء نفسه فإذا لم يفعل أخذ به.
قلنا: عليه ذلك ديانة إلا أنه لا يجبر عليه بدليل إجماعهم أن ولي المقتول لو طلب دار القاتل أو عبده لا يجبر على ذلك وإن كان واجبا عليه أن يفعله ويدفع القود عن نفسه ولأن الشريعة كانت في بني إسرائيل في العمد القود خاصة فخفف الله تعالى وأباح الصلح على دفع القود كذا فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ قال: العفو أن يقبل الدية في العمد ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فمن أجله خطب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة بما خطب به وما عاد إلى التخفيف والرخصة لم يكن مأخوذ إلا بطيب نفسه لا جبرا خلافا لمن قال: رأيت الله أوجب في الخط الدية وأوجب في العمد ما هو أغلظ منها وهو القود فإذا اختار الولي ترك الأغلظ وأخذ الأيسر كان قد نزل عن الواجب له إلى ما دونه وهو الدية فله أن يأخذه شاء أو أبى وقيل العفو من الولي يوجب الدية على الذي عليه القصاص والقولان فاسدان لأن الله تعالى أوجب في العمد
стр. 798
غير الذي أوجب في الخطأ فليس مما وجب في الخطأ جزء مما وجب في العمد فمن ترك الواجب له في العمد على القاتل فليس له أن يأخذ غير ما شرع له مما لم يوجبه الله تعالى إلا برضاه ولو كان بنزوله عن القصاص تجب له الدية الواجبة في الخطأ لوحبت له على العاقلة وهو خلاف الإجماع ولأنه ﷺ قال في حديث ذي النسعة: "اعف عنه" يعني: عن القاتل فأبى فقال: "فخذوا أرشا" ولو كان العفو موجبا لما قال له لما أباه فخذ أرشا وكذا قول من قال: إن لولي الدم أن يأخذ الدية من القاتل شاء أو أبى فاسد أيضا لأن الله تعالى أوجب في قتلانا القصاص لا غير بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ثم عقبه بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فلم يكن له أن يتحول عن الحق الذي جعله الله له إلى ما سواه إلا برضا من يتحول عليه بذلك فلما فسدت هذه الأقوال لم يبق غير الذي قلناه عن الطائفة الأولي وهو القصاص لا غير ولا يتحول إلى الدية إلا برضا القاتل وولي القتيل جميعا.
стр. 799
في القود من اللطمة
عن ابن عباس أن رجلا من الأنصار وقع في أب للعباس كان في الجاهلية فلطمه العباس فجاء قومه فقالوا: والله لنلطمنه كما لطمه فلبسوا السلاح فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فصعد المنبر فقال: "يا أيها الناس أي أهل الأرض أكرم على الله"؟ قالوا: أنت قال: "فإن العباس مني وأنا منه فلا تسبوا موتانا فتؤذوا أحياءنا" فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله نعوذ بالله من غضبك فاستغفر لنا، احتج بهذا أهل المدينة منهم مالك في وجوب القصاص في اللطمة وقالوا: بسكوته ﷺ في ترك الإنكار عليهم دليل وجوبه.
قلنا: لو كان القصاص واجبا لما منعهم من الحكم به جلالة منزلة العباس فقد قال ﷺ : "لو أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ سرقت لقطعت يدها" ولأنه لما كان هدرا في الخطأ لا يكون فيها قصاص في العمد
стр. 800
بخلاف المال والنفس فإن في خطائهما شيء فكذا في عمدهما وكذا لا يحتج بما روى مرفوعا يقول الله تعالى يوم القيامة: "لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأهل النار عنده مظلمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولأهل الجنة عنده مظلمة حتى أقصه منها حتى اللطمة"، ففيه ما يدل على وجوب القصاص فيها في الدنيا ولهذا يؤاخذه بها.
لأن رفع القصاص في الدنيا لعدم وقوف العباد على استيفاء مثلها لكون حدها غير معلوم والله تعالى عالم بحدها قادر على استيفاء مثلها منه في الآخرة ولا حجة بماروى أن أبا بكر الصديق لطم رجلا فقالوا: ما رضى أن يمنعه حتى لطمه فقال أبو بكر للرجل: اقتص مني فعفا عنه لأنه يحتمل أنه فعل ذلك تواضعا منه وكراهية لما كان منه من الاستعلاء على غيره بلطمه إياه كما كان من خالد بن الوليد مع ابن أخيه اللاطم لرجل فقد حكم بالقود منه فعفا عنه فإنه كان تأديبا لابن أخيه وزجرا عن معاودته وكذلك ما روى أنه ﷺ أقاد من نفسه فإنه كان من تواضعه لا بواجب عليه.
стр. 801
في القود من الجبذة
عن أبي هريرة كنا نقعد مع رسول الله ﷺ في المسجد حتى إذا قام فقمنا فقام يوما فقمنا معه حتى لما بلغ وسط المسجد أدركه أعرابي فجبذ بردائه من ورائه وكان رداءه خشنا فحمر رقبته فقال: يا محمد أحمل لي على بعيري هذين فإنك لا تحمل من مالك ولا من مال أبيك وقال رسول الله ﷺ : "إني لا أحمل لك حتى تقيدني مما جبذت برقبتي" فقال الأعرابي: والله لا أقيدك فلما سمعنا قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعا فالتفت رسول الله ﷺ فقال: "عزمت على من سمع كلامي أن لا يبرح مقامه حتى آذن له" فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم: "أحمل على بعير شعير أو على بعير تمرا" ثم قال رسول الله ﷺ : "انصرفوا"، يحتمل أن المراد من ذلك أن يتخلق الأعرابي بخلق الإسلام من التواضع والرفق كما فعل أبو بكر وعمر لا أن
стр. 802
المراد به القود حقيقة بل هو استعارة للكلمة للمعنى الذي فيها مما استعاروها منه قال الله تعالى: ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ والجدار لا إرادة له ولكن كان منه ميل كما كان لأولي الإرادة عند إرادتهم إلقاء أنفسهم إلى الأرض فمثل ذلك ما أراد من الأعرابي أن يبذل له من نفسه مثل الذي يبذل بالقود والله أعلم.
стр. 803
في انتظار البرء بالقصاص
ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: طعن رجل آخر بقرن في رجله فأتى النبي ﷺ فقال: أقدني فقال: "انتظر" ثم أتاه فقال: أقدني فأقاده فبرأ الآخر وشلت رجل الأول فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني مرة أخرى فقال النبي ﷺ : "ليس لك شيء قد قلت لك انتظر فأبيت" وذكر عن النبي ﷺ قوله للرجل: "انتظر" ثلاث مرات ومن أخذه له القود لما سأله إياه في المرة الرابعة هو حديث منقطع وقد رواه ابن أبي شيبة فذكره عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله وقد ذكر فيه بعض الرواة فقال: أقدني فقال: حتى تبرأ من الجناية ثلاث مرات فأقاد فعرج المستقيد فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني فقال رسول الله ﷺ : "أبعد الله عرجك لا شيء لك".
معلوم أن النبي ﷺ لم يمنعه القود إلا وهو غير واجب له وأنه لم يقده إلا والقود واجب له، اختلف أهل العلم في أنه هل يجب الانتظار في الجناية على الجاني حتى يتحقق منتهى الجناية في نفس أو عضو فمنهم من يقول: لا يجب حتى ينتظر ما تؤول إليه الجناية وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومنهم من يقول: يجب القصاص من الجاني حين كان جنايته عليه مثل ما جناه عليه وهو قول الشافعي ولما منع ﷺ القود حين كانت الجناية علمنا أنه منعه مما لم يكن وجب له ولما أقاده في حال أخرى عقلنا أنها حال سوى الحال الأولى وعلمنا أنه إنما أمر بالإنتظار ليعلم ما يؤول إليه حال الجناية من برئه منها
стр. 804
أو تلاف نفسه أو عضوه فيها وفيما ذكرنا وجوب رفع القود عن الجاني حتى يوقف على ما تتناهى جنايته وهو القياس إذ لا يختلفون أن الجناية لو كانت خطأ فمات منها لامجني عليه أن الدية تجب في ذلك لا دية ما سواها من العضو فكذلك إذا كانت الجناية عمدا تجب مراعاة ما تتناهى إليه من ذهاب النفس فيكون الحكم للنفس لا لما سواها ويجب القود فيها لا في الأعضاء الذاهبة قبلها بالجناية وإذا كان منها البرء كان الحكم للأعضاء الذاهبة بتلك الجناية ووجب فيها القود.
стр. 805
في العقود بين العبيد
...
في القود بين العبيد
عن عمران بن حصين أن عبد لقوم أغنياء قطع أذن عبد القوم فقراء فلم يجعل رسول الله ﷺ بينهما قصاصا وروى عنه أن عبد القوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء الحديث فيه من الفقه معنى يجب أن يوقف عليه وهو أن جنايات العبد في الأطراف لا يوجب القود عند أبي حنيفة وأصحابه وتوجب القود في النفس خلافا لمن يوجب القود فيهما عليهم كما في الأحرار وحديث عمران دال على عدم جريان القصاص في الأطراف بينهم وما روى عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﷺ عهدا لم يعهده إلى الناس قال: لا إلا ما في كتابي هذا فأخرج كتابا من قراب سيفه فإذا فيه: المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم لا يقتل مؤمن بكافر ولاذو عهد في عهده ومن أحدث حدثا فعلى نفسه ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين دال على وجوب القصاص بينهم في الأنفس لأن تكافؤ دماء المسلمين في العبيد والأحرار على العموم فدل على أن العبيد بينهم قصاص في الأنفس من غير اعتبار قيمة وفيما دون الأنفس إلى القيمة وهي تختلف باختلاف المقومين فرفع القصاص بين العبيد فيها وبين الأحرار والعبيد كذلك وعند مالك كذلك إلا أن يقتل الحر العبد فيقتل وقد روى مثل مذهب أبي حنيفة أنه لا قود بين العبيد فيما دون النفس عن عبد الله بن مسعود.
стр. 806
كتاب القسامة
في وجوب القسامة
...
كتاب القسامة فيه أربعة أحاديث، في وجوب القسامة
روي أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قتل وطرح في فقيرا أو عين فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه فقالوا: والله ما قتلناه فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك ثم أقبل هو وأخوه حويضة وهو أكبر منه وعبد الرحمن فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال رسول الله ﷺ لمحيصة: "كبر كبر" يريد السن فتكلم حويصة قبل ثم تكلم محيصة فقال رسول الله ﷺ لمحيصة: "أما أن يدوا صاحبكم وأما أن يؤذنوا بحرب" فكتب إليهم رسول الله ﷺ فكتبوا أنا والله ما قتلناه فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: "أتحلفون وتستحقون دية صاحبكم" قالوا: لا قال: "فيحلف لكم يهود" قالوا: ليسوا بمسلمين فوداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار فيه إيجاب الدية قبل أن يحلف الأولياء على ما ادعوا بمجرد وجود القتيل بين ظهرانيهم وهذا باب متنازع فيه فطائفة أوجبوا الدية وإن لم يقسم أولياء القتيل على ذلك القوم منهم أبو حنيفة وابن أبي ليلى والثوري، وطائفة تقول: أن القسامة الواجب بها العقل بأحد أمرين: أما أن يقول الرجل دمي عند فلان ثم يموت أو يدعي أولياء الرجل على رجل أنه قتل رجلا ويأتون بلوث من بينة وإن لم تكن قاطعة منهم مالك بن أنس وطائفة تقول: أن القسامة لا تجب ولا يجب بها عقل قتيل بوجوده بين قوم حتى يكون مثل السبب الذي قضى به رسول الله ﷺ بالقسامة فيه وهو أن خيبر دار يهود لا يخالطهم غيرهم وكانت العداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة وخرج عبد الله بعد العصر فوجد قتيلا قبل
стр. 807
الليل فغالب الظن أن اليهود قتلته وكذلك القوم بينهم الحرب فلا يفترقون إلا وقتيل بينهم أو يأتي ببينة من المشركين من نواح لم يجتمعوا فيها فيثبت كل واحد منهم على الانفراد على رجل أنه قتله فتتواطأ شهادتهم ولم يسمع بعضهم شهادة بعض وإن لم يكونوا ممن يعدل أو يشهد عدل أنه قتله لأن كل سبب من هؤلاء يغلب على عقل الحاكم أنه كما ادعى الولي فللولي أن يقسم على الواحد أو الجماعة ممن أمكن أن يكون في جملتهم ولا تكون القسامة عنده ولا وجوب الدية إلا بما ذكرنا وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ولما اختلفوا وجب الكشف عما كان من رسول الله ﷺ في مثله فوجدنا في ذلك ما روي عن الأنصار أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم فأقرها رسول الله ﷺ على ما كانت عيه في الجاهلية.
وروي عنهم أن النبي ﷺ قال ليهود- بدأبهم "يحلف منكم خمسون" فأبوا فقال للأنصار: فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله فجعل رسول الله ﷺ ديته على يهود لأنه وجد بين أظهرهم فوقفنا بذلك على أن رسول الله ﷺ جعل دية القتيل الموجود بين ظهراني يهود قبل أن يقسم أولياؤه على اليهود أنهم قتلوه وكذلك الصحابة بعد رسول الله ﷺ جعلوا ديات القتلى الموجودين بين قوم على القوم الذي وجد القتلى بين ظهراينهم وإن لم تكن في ذلك قسامة كما روي أن رجلا أصيب عند البيت فسأل عمر عليا فقال له: ده من بيت المال.
وهذا مما ليس فيه قسامة على عمر ولا رآها فيه عمر وكان ذلك بحضرة الصحابة من غير نكير ومثله ما روي أن شيخا زحم في المسجد على عهد علي بن أبي طالب فمات فرفع ذلك إليه فواده من بيت المال وكذا حكم عمر على أهل الذمة أن قتل رجل من المسلمين بأرضكم فعليكم الدية وقد كان وجد قتيل بين وداعة وحي آخر والقتيل إلى وداعة أقرب فقال عمر لوداعة: يحلف منكم خمسون رجلا بالله ما قتلناه ولا نعلم قاتلا ثم تغرمون فقال له الحارث:
стр. 808
أنحلف ونغرم؟ قال نعم.
وأما القتيل الموجود في موضع لا أهل له ولا يعلم من قتله فيه الدية لا غير وهكذا كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون فيه وقد شد ذلك قوله ﷺ للأنصار في اليهود: "أما أن يدوا صاحبكم وأما أن يؤذنوا بحرب من الله" قبل أن يكون من الأنصار في ذلك قسامة إذ لا يكون إيذانهم بحرب إلا في منع واجب عليهم وما في حديث أبي سلمة وسليمان من قول رسول الله ﷺ : "استحقوا" فقالوا: أنحلف على الغيب يحتمل أن يكون أراد به استحقوا ببينة تقيمونها على قتل صاحبكم بعينه فنقتله لكم به وما في حديث أبي ليلى من قر له ﷺ للأنصار: "أتحلفون" لا يدل على أنهم لا يستحقون ما ادعوه إلا بعد إيمانهم إذ قدم ما دل على وجوب الدية لهم بمجرد وجود القتيل بينهم وقد أنكر عبد الرحمن ابن بجيد أن يكون النبي ﷺ قال: احلفوا على ما لا علم لكم به ولكنه كتب إلى يهود خيبر حين كلمته الأنصار أنه قد وجد قتيل بين أبياتكم فدوه فكتبوا إليه يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه ﷺ من عنده وهذا هو الأولى من أن يأمر أحدا بالحلف على ما لا علم له به ولأن ابن بجيد من قوم المقتول فهو أعنى بالأمر ممن ليس منهم والحق أن قوله ﷺ للأنصار: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" ليس بأمر لهم بالحلف على مالا يعلمون بل قال ذلك على التقرير لهم أن ذلك لا يصح كما قال الله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ويحتمل أنه صرف الأمر إليهم ليحلفوا على ذلك أن تيقنوه وعلموه بما قد يقع لهم به العلم من الأسباب الموجبة له من غير المشاهدة أو يترفعوا عنه إن لم يتحققوا فترفعوا عن الإيمان إذ لم يكن عندهم علم بدعواهم إلا غالب ظنهم وعن سهل بن أبي حثمة قال: وجد عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وعماه حويصة ومحيصة إلى رسول الله ﷺ فذهب محيصة ليتكلم فقال ﷺ : "الكبر الكبر" فتكلم أحد عميه الكبير منهما قال: يا رسول الله
стр. 809
إنا وجدنا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر وذكر عداوة يهود لهم قال: "أفتبرئك يهود بخمسين يمينا أنهم لم يقتلوه" قال: كيف نرضى بإيمانهم وهم مشركون قال: "فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه" قالوا: كيف نقسم على ما لم نره فوداه رسول الله ﷺ من عنده.
فيه تبدئة رسول الله ﷺ اليهود في الإيمان وهذا خلاف ما في حديث مالك وهو أن يبدأ فيها أولياء الدم وهذا أولى لجلالة رواته وأكد ذلك ما رويناه من قضاء عمر على الحارث بن الأزمع وقومه مما لا يسع خلافه وقد وهم أبو يوسف في احتجاجه بهذا الحديث على أبي حنيفة في أن القسامة والدية إنما تكون على مالكي الموضع الذي وجد القتيل فيه لا على سكانه فقال بهذا الحديث أقول: إذا كانت دار لها سكان لا يملكونها ولها ما لكون بعداء عنها فالقسامة والدية على سكانها لأن خيبر كانت للمسلمين وكان اليهود عمالهم فيها لأنها كانت يومئذ صلحا وقد شد ذلك ما في حديث سهل أما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب من الله وروى بعض الرواة في حديث سهل أن رسول الله ﷺ قال للأنصار: "أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم قتيلكم أو صاحبكم" فيه أن الدم يستحق بالقسامة ولكن لمخالفيه أن هذا الحديث روي بالشك بأن ما يستحقونه هو الدية والقود والله أعلم غير أن في حديث مالك عن أبي ليلى عن سهل قال: "أما أن يدوا صاحبكم وأما أن يأذنوا بحرب" فالواجب أن يرد الحديث الذي وقع فيه الشك إلى الحديث الذي لا يشك فيه وفيما روى أن رسول الله ﷺ جعل دية الأنصاري الذي قتل بخيبر على اليهود لأنه وجد بين ظهرهم وفيما روي عنه أنه أداها من عنده.
وروي أنه ودى القتيل من ابل الصدقة يحتمل أن يكون قول من قال: أنه وداه من عنده أي مما يده عليه وإن لم يكن ملكا له دفعا للتضاد ويحتمل أن يكون غرمها من عنده وقد جعلها على غيره فغرمها من حيث لا يجب
стр. 810
عليه غرمها ولم يدفع أن يكون قد تقدم قضاؤه بها على من قضى بها عليه ويحتمل أن يكون أداؤه لذلك من إبل الصدقة لا غرما عن اليهود لأنهم ليسوا من أهل الصدقة وفي ذلك ما قد دل على أن من غرم عن رجل دينا كان عليه لمن هو له لم يملك الذي كان عليه الدين شيئا مما غرمه عنه وهكذا كان يقول محمد فيمن تزوج إمرأة على مائة فأدى إليها رجل عنه تلك المائة ثم طلقها قبل الدخول فالنصف مردود إلى المؤدي لا إلى الزوج وهو الحق لأن الدراهم خرجت من ملك المؤدي إلى الزوجة لا إلى ملك الزوج خلافا لما قاله مالك فيمن أدى عن رجل دينا بغير أمره إلى من هو له أنه يرجع بذلك على المديون لأنه ملكه بأدائه إياه عنه وقد علمنا أن رسول الله ﷺ لم يدفع من إبل الصدقة ما دفع ليرجع إليه مثله وما روينا عن النبي ﷺ أنه كان لا يصلي على من ترك دينا لم يترك له وفاء وإن ابا قتادة لما ضمن عن المتوفى الدين صلى عليه دليل على ما قلنا وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول الله ﷺ : "اقم شاهدين على قتله ادفعه إليك برمته" فقال لرسول الله ﷺ ومن أين أصيب شاهدين وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم قال: "فتحلف خمسين يمينا" قال: يا رسول الله وكيف أحلف على ما لا أعلم، فقال رسول الله ﷺ : "فتستحلف منهم خمسين" فقال: يا رسول الله وكيف تستحلفهم وهم كفار وهم مشركون فقسم رسول الله ﷺ ديته عليهم وأعانهم بنصفها ففيه أن رسول الله ﷺ قسم ديته على اليهود بغير حلف كان في الدعوى عليهم وفي ذلك ما قد دل على أن الدية لزمتهم بوجود القتيل بين أظهرهم وفيه أن رسول الله ﷺ عاونهم بنصف الدية وذلك عندما كان منه عونا للأنصار لا عن اليهود لأن الذي غرمه في ذلك إنما كان من الأموال التي تحل لليهود١.