Полный текст (1 343 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
في إقامة الحد في الحرم
روي عن عبد الله بن عمرو قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلوا بقبر أبي رغال فقال: "هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان امرأ من ثمود وكان منزله بالحرم فلما أهلك الله قومه بما أهلكهم به منعه لمكانه من الحرم وأنه خرج حتى إذا بلغ ههنا إصابته النقمة بهذا المكان ودفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن"، فيه إن الحرم يمنع في الجاهلية من العقوبات ألتي معها إتلاف الأنفس فكان في الإسلام مثل ذلك أمنع ويؤكده ما روي عن ابن عباس من اصاب حدا في الحرم أقيم عليه وإن أصابه خارج الحرم ثم دخل الحرم لم يكلم ولم يجالس ولم يبايع حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد وعن ابن عمر: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ لا يجوز تخصيصه بالصيد فإنه جهل باللغة لأن من لا يكون إلا لبني آدم ويكون لمن سواهم ما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ
стр. 842
إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ونظائره كثيرة وقد تستعمل ما بمعنى من كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ وأما من فلا تستعمل مكان ما في حال وما روي عن ابن عباس وابن عمر قال به أبو حنيفة وأصحابه ولا نعلم لأحد من الصحابة خلافا لهما والقرآن نزل بلغتهم وهم العالمون بما خوطبوا به فيه والله أعلم.
стр. 843
في وطء البهيمة
روي عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه". فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ فقال: ما سمعت في ذلك شيئا ولكني أرى رسول الله ﷺ كره أن يؤكل لحمها أو ينتفع بها وقد عمل بها ذلك العمل وعنه أن رسول الله ﷺ قال: "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها"، قال الطحاوي: الحديثان مردودان إلى ابن عباس وقد وجدنا من وجوه صحاح ما يدفع ذلك روي عنه بطريق صحيح أنه قال: ليس على من أتى بهيمة حد فإن كان الحديثان غير صحيحين كفينا مؤنتهما وإن كانا صحيحين فابن عباس لم يقل بعد النبي ﷺ ما يخالفه إلا بعد ثبوت نسخه عنده وفي ذلك ما دل على سقوط الحديثين ووجوب تركهما ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس" وفيه ما يدفع القتل بما سواها إلا ان تقوم الحجة بإلحاق رسول الله ﷺ بها غيرها ولم نجد ذلك.
стр. 844
في وطء المحارم
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه" ومداره على إبراهيم بن اسماعيل وهو متروك الحديث
стр. 845
وقوله: "لا يحل دم امرئ مسلم" - الحديث، يوجب رد من أتى ذات محرم منه إلى الحد الذي ذكره الله في كتابه على لسان رسول الله ﷺ في الزنا.
стр. 846
في اللواطة
روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموا الأعلى والأسفل ارجموهما جميعا". وعن ابن عباس مرفوعا قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به". والمراد بالقتل: هو الرجم إذا القتل بما سوى الثلاثة الأشياء المذكورة لا يجوز ثم الحديث مطلق عن قيد الإحصاء فيحتمل أن يكون هذا الفعل خص بذلك سماعا واحتمل أن يكون قاله رأيا وعن الحسن وعطاء حد اللوطي حد الزاني وعطاء من أصحاب ابن عباس قال الطحاوي: إذا وجب أن يرد حد المحصن في ذلك إلى حد الزاني وجب أن يرد حد البكر فيه إلى حد الزاني وقد وجدناهم لا يختلفون في وجوب الغسل منه وإن لم ينزل كما في الفرج فيجب الفرق بين المحصن وغيره كما في الفرج أيضا فإن قيل إذا وطئها بشبهة في دبرها لا يجب مهر بخلاف قبلها فليكن في الحد كذلك قلنا: قياس الحد على الغسل وهما حق الله أولى من قياسه على المهر الذي هو حق الآدمي وهذا قول أبي يوسف ومحمد جميعا.
стр. 847
في زنا أهل الذمة وشهادتهم
روى جابر قال: زنى رجل من أهل فدك فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن يسألوا محمدا عن ذلك فإن أمركم بالجلد فحدوه وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه فسألوه عن ذلك فقال: "أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم" فجاؤه برجل أعور يقال له: ابن صوريا وآخر، فقال النبي ﷺ : "أنتما أعلم من قبلكما" فقالا: قد نحلنا ذلك قومنا فقال النبي ﷺ : "أليس عندكما التوراة فيها حكم الله"؟ فقال: بلى فقال النبي ﷺ : "نشدتكما بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى وأنزل المن والسلوى وظلل عليكم الغمام
стр. 848
وأنجاكم من آل فرعون ما تجدون في التوارة في شأن الرجم"؟ فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط ثم قالا: نجد أن النظر زنية والاعتناق زنية والقبلة زنية فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئى ويعيد كما يدخل الميل في المكحله فقد وجب الرجم فقال ﷺ : "هو ذاك" فأمر به فرجم ونزلت ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية، قيل: أنها محكمة غير منسوخة والنبي ﷺ إنما رجم اليهودي باختياره أن يرجمه وكان له أن لا يرجمه لقوله: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: فلا تحكم عليهم وخالفهم آخرون فقالوا: هي منسوخة لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ .
روي عن ابن عباس قال: نسخت من المائدة آيتان: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فردهم إلى أحكامهم فنزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم على كتبانا وحكم من بعده ﷺ في ذلك كحكم النبي ﷺ فإن قلنا: بأنها منسوخة فالحكم بينهم مفترض واجب وإن لم نقل بذلك فالحكم بينهم هو الأولى من الإعراض عنهم لأنه إذا حكم بينهم فقد سلم على القولين لأنه فعل الواجب أو الجائز وإن لم يحكم بينهم فقد ترك فرضا واجبا عليه في أحد القولين فالأولى به أن يفعل وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يحتمل معناه أن تحاكموا إليك ويحتمل إن وقفت على ما يوجب لك الحكم عليهم وإن لم يتحاكموا إليك وقد روي أن رسول الله ﷺ مر عليه بيهودي قد حمم وجهه وقد ضرب يطاف به فقال ﷺ : "ما شأن هذا"؟ فقالوا: زنى قال: "فما تجدون في كتابكم"؟ قال: يحمم وجهه ويعزر ويطاف به فقال: "أنشدكم بالله ما تجدون حده في كتابكم"؟ فأشاروا إلى رجل منهم فسأله رسول الله ﷺ فقال الرجل نجد في التوراة الرجم ولكنه كثر في إشرافنا فكرهنا أن نقيم الحد على سفلتنا وندع أشرافنا فصطلحنا على شيء فوضعنا هذا فرجمه رسول الله ﷺ وقال: "أنا أولى بإحياء ما أماتوا من أمر الله
стр. 849
عز وجل"، ففيه أن رسول الله ﷺ رجم ذلك اليهودي من غير أن يتحاكم إليه اليهود في ذلك فكان أولى الاحتمالين ما وافق الحديث ومن ذهب إلى ترك الرجم في أهل الذمة وهم أبو حنيفة والثورى وزفر وأبو يوسف ومحمد قال: إن الحكم في التوراة الرجم احصن أو لم يحصن على ما يدل عليه ظاهر الاثار من غير اشتراط الاحصان وكان ذلك قبل ان ينزل الله تعالى في كتابه في حد الزنا ما انزل من الإمساك في البيوت والإيذاء ثم نسخه بما في سورة النور وبقوله ﷺ : "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم" فبين حد كل صنف وقال عبد الله بن عمر: من أشرك بالله فليس بمحصن بعدان علم برجم رسول الله ﷺ من كان رجمه من اليهود وإذا لم يكونوا محصنين لم يكونوا مرجومين وذكر عن مالك أن النصراني إذا اسلم ثم زنى وهو متزوج في النصرانية لا يكون محصنا حتى يطأ زوجته بعد الإسلام وإذا لم كان كذلك دل على ان من أسباب الإحصان التي يجب بها الرجم في الزنا الإسلام وفي حديث ابن عمر ان اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله ﷺ فذكر وله ان رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شان الرجم"؟، الحديث، مجيء اليهود بهما إلى رسول الله ﷺ يدل على أنهما لم يأتياه باختيارهما وعدم طلب الشهود الأربعة من المسلمين يدل قبول شهادة اليهود عليهما وقد جاء في حديث جابر قال: أتى النبي ﷺ بيهودي ويهودية قد زنيا فقال رسول الله ﷺ لليهود: "ما يمنعكم أن تقيموا عليها الحد"؟ فقالوا: كنا نفعل إذ كان الملك لنا وفينا فأما إذ ذهب ملكنا فلا نجترئ على القتل فقال لهم رسول الله ﷺ : "ائتوني بأعلم رجلين منكم" فأتوه بابن صوريا وآخر فقال لهما: "أتتما علما من وراء كما" قالا: كذلك يقولون فقال لهما رسول الله ﷺ : "فأنشدكما بالذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدون حدهما في التوراة"؟ فقالا: نجد أن الرجل
стр. 850
يقبل المرأة زنية وفيه عقوبة والرجل يوجد على بطن المرأة زنية وفيه عقوبة فإذا شهد أربعة نفر أنهم رأوه يدخله في فرجها كما يدخل الميل في المكحلة رجما فقال لهم رسول الله ﷺ : "ائتوني بشهود" فشهد أربعة منهم على ذلك فرجمهما رسول الله ﷺ .
وعلى ذلك وجدنا المتقدمين من أئمة الأمصار في الفقه يجيزون شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم ففيه خلاف منهم شريح وهو قاضي الخلفاء الراشدين عمر وعثمان وعلي والشعبي كان يجيز شهادة بعضهم على بعض ومنهم عمر بن عبد العزيز كان يجيز شهادة أهل الملل بعضهم على بعض ومنهم ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة والليث إذا اتفقت مللهم كالنصراني على النصراني واليهودي على اليهودي قال ابن وهب: خلف مالك معلميه كابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة في رده شهادة النصاري بعضهم على بعض وعن يحيى بن أكثم جمعت قوم مائة فقيه من المتقدمين في قبول شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض إلا عن ربيعة فإنه وجدت عنه قبولها وردها وإنما جاز شهادتهم دون الفساق منا لأن الكفر لم يخرجهم عن ولاية بعضهم على بعض في تزويج بناتهم والبيع على صغارهم كما أخرج أهل الفسق فسقهم عن ذلك ولأنه يجوز تقرير الكافر على كفره ولا يجوز تقرير الفاسق على فسقه وهو قول أبي حنيفة وأبي ليلى والوري وسائر الكوفيين إلا أن أبا ليلى يعتبر اتفاق الملة للقبول وعن ابن عمر أن اليهود ذكروا لرسول الله ﷺ أن رجلا وامرأة منهم زنيا فقال: "ما تجدون في التوراة"؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فنشروا التوراة فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق محمد فأمر بهما فرجما إنما أمرهم بالرجوع إلى التوراة التي أعلمه الله أن أعلها بدلوها لإعلام الله إياه أن الرجم في التوراة وإنما أخفاه اليهود
стр. 851
فأمرهم بالإتيان بها لإقامة الحجة عليهم دل عليه ما روي عن ابن عباس من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية.
стр. 852
كتاب الحراب
مدخل
...
كتاب الحراب
عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية نزلت في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل وليست تحرر هذه الآية المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار ثم تاب قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك عن إقامة الحد الذي أصابه وروي عن أنس أنها نزلت في العرنيين الذين قطع رسول الله ﷺ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم فعلى هذا تكون الآية في المرتدين والحق أنها تعم كل محارب ساع بالفساد مسلما كان أو مرتدا أو معاهدا أو غيره لأن سبب العقوبة قد يكون من المسلم وغيره وهي المحاربة التي هي العداوة لله بالأفعال التي لا يرضى يدل عليه ما روى عن معاذ بن جبل وهو يبكي عند قبر رسول الله ﷺ فمر عمر وقال: ما يبكيك؟ فقال: شيء سمعته من صاحب هذا القبر قال: وما هو؟ قال: سمعته يقول: "أن يسيرا من الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة" الحديث ومما يدل عليه ما روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل قتل امرء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: زان بعد حصانه أو رجل قتل فقتل به أو رجل خرج محاربا لله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض".
وروي عنها: لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: زان محصن يرجم أو رجل قتل متعمدا فيقتل أو رجل خرج من الإسلام فحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض والرواية الأولى أولى لأنه لما قال:
стр. 853
"لا يحل دم امرء مسلم" دل أن هذه الخصال لا تكون إلا مع الإسلام ويحتمل أنه أراد بقوله: خرج من الإسلام أي خرج عن جملة أهل الإسلام إلى الخروج عليهم بسيفه فيكون ذلك موافقا للرواية الأولى وإنما تركنا ما فيه من تخيير الإمام في عقوبات المحارب لقول ابن عباس إذا خرج الرجل محاربا فأخاف السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وإن هو قتل ولم يأخذ المال قتل وإن هو أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفى وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد فأما أبو حنيفة يقول: إذا أخذ المال وقتل كان الإمام بالخيار إن شاء قطع يده ورجله من خلاف ثم قتله وإن شاء قتله فقط وحكى التخيير عن جماعة من السلف وهو مذهب مالك وفيه نظر لأنه يستعمل التخيير ما لم يقتل أو يطل مكثه في المحاربة فإذا كان كذلك كان حكمه أن يقتله فقد عاد قوله بذلك إلى قول من يجعل الآية على المراتب لا على التخيير وإنما لم يجز أن يقتل بالمحاربة إذا لم يوجد منهم قتل لما روي عن عثمان قال وهو محصور في الدار سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد احصانه أو قتل نفسا بغير نفس، فوالله ما زينب في جاهلية ولا إسلام ولا تمنيت بديني بدلا منذ هداني الله ولا قتلت نفسا فبم تقتلونني"؟ فثبت بهذا أنه لا يحل دم من خرج من المسلمين بخروجه حتى يكون في ذلك القتل وعن أنس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: هم قوم من عكل قطع النبي ﷺ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم.
وروى عنه أيضا قال: أتى رسول الله ﷺ حي من أحياء العرب فأسلموا وبايعوه فوقع الموم وهو البرسام فقالوا: يا رسول الله هذا الوجع قد وقع فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل فكنا فيها قال: "نعم أخرجوا فكونوا فيها" فخرجوا فقتلوا أحد الراعيين وذهبوا بالإبل قال: وجاء الآخر وقد جرح فقال:
стр. 854
قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فأرسل إليهم وبعث معهم قائفا يقص آثارهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم زاد بعض الرواة ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا
وروي أن الحجاج سأله عن أعظم عقوبة عاقب بها النبي ﷺ فحدثه بالذين قطع رسول الله ﷺ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم وألقاهم بالحرة ولم يسقهم حتى ماتوا، استدل بعض الناس بذلك لما ذهب إليه أبو حنيفة في المحاربين إذا أخذوا المال وقتلوا أن الإمام فيه بالخيار إن شاء جمع بين القطع والقتل وإن شاء اقتصر على القتل خلافا لأبي يوسف فإنه قال: لا يجوز إلا القتل المجرد وقوله: أولى لأنه لما جاز ترك قطع الأيدي والأرجل والاكتفاء بالقتل علمنا أن القطع ليس بحد إذا لو كان حدا لما جاز تركه والقطع الذي أقيم على أولئك القوم كان قبل النهي عن المثلة فكان له حيئذ أن يقتل من حل قتله بقطع الأيدي والأرجل وترك حسمها ومنع أهلها من الطعام والشراب حتى يموتوا بذلك لا لأنه كان حدا عليهم قطع الأيدي والأرجل ألا ترى أنه ﷺ سمل أعينهم أراد منه به قتلهم لا ما سوى ذلك من حد عليهم ثم منع من ذلك بنهيه ﷺ عن المثلة لأنه لا خلاف فيما لو قطعوا الآذان والأرجل والأيدي أنه لا يفعل بهم مثلة وأنه يقتصر على المنزل في آية المحاربة وقيل أنما سمل أعينهم لأنهم سملوا عين الراعي وهو ممنوع وفيما روي عن ابن مسعود مرفوعا: أن اعف للناس قتلة أهل الإيمان وعنه أنه قال: يقال: اعف الناس قتلة أهل الإيمان ولم يرفعه إلى رسول الله ﷺ .
وروي عن إبراهيم النخعي أنه كان مع علقمة في المسجد فرأى الناس يعدون نحو باب القصر فقال: ما لهم فقيل: أن زيادا مثل بابن لكعة قال: كان يقال أحسن الناس قتلة المسلم.
стр. 855
لا يقال هذا يدفع ما رويتموه فيما فعل بالعرنيين ويدفعه أيضا ما روي عن شداد قال رسول الله ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليعد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" فإذا أبيح قتل ابن آدم صار كسائر الحيوانات بل أولى لأن الذي كان من الرسول ﷺ في العرنيين هو الحكم يومئذ قبل نزول آية المحاربة ثم نسخ ألا ترى أن رجم في ذلك المدة حتى يموت بذلك وإن هرب اتبع حتى يؤتى على نفسه قد يتسع الزاني المحصن بالنسبة إلى القتل بالسيف ومع هذا مشروع اليوم فالحاصل أنه لا يخرج عن عقوبات الله تعالى إلى ما سواها مما هو أكثر منها.
стр. 856
في المرتد
روي أن علي بن أبي طالب أتى بقوم زنادقة ارتدوا عن الإسلام ووجدوا معهم كتب فأمر بنار فأججت فألقاهم فيها وكتبهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو أني كنت لقتلتهم لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ولم أحرقهم لقوله ﷺ : "لا تعذبوا بعذاب الله" ذهب بعض إلى أن المرتد عن الإسلام يجب قتله تاب أو لم يتب وجعل الارتداد موجبا للقتل جزاء لما كان منه كالسارق والزاني لا يسقط الحد عنهما بتوبتهما والحجة لمن خالفهم أن اسم الزنا والسرقة لا يفارقهما وإن تاب بخلاف المرتد إذا عاد إلى الإسلام لم يجز أن يسمى كافرا لأنه مسلم فاستحال أن يسمى كافرا مسلما في حال واحد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ فأثبت منهم الإيمان بعد كفرهم فعقلنا أن من لزمه اسم معنى ولم يزل ذلك الاسم عنه فهو من أهله تقام عيه عقوبته وإن زال ذلك الاسم عنه زالت العقوبة عنه وروي أن رجلا من الأنصار ارتد فلحق بمكة ثم ندم فأرسل إلى قومه سلوا رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فكتبوا بها إليه
стр. 857
فرجع وأسلم.
ولا يعارض بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ لأن المراد به الشرك حتى يموت عليه كما قال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ الآية روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: كانت الأنصارية لا يعيش لها ولد فتحلف إن عاش لها ولد لتهودنه فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار فقالوا: يا رسول الله أبناءنا وأخواننا فيهم فنزل: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ يعني: من شاء لحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام لا خلاف فيمن أسلم وله ولد صغير أنه يصير مسلما بإسلام أبيه وإن اختلف في إسلام الأم فيجعله أبو حنيفة وأصحابه والشافعي كإسلام الأب خلافا لمالك وهذه مسألة مختلف فيها فقال طائفة: من انتحل دين اليهودية من العرب صار منهم وله حكمهم في حل الذبيحة والنكاح عن ابن عباس: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ولا فرق بين دخولهم في الجاهلية أو في الإسلام وخالفهم طائفة فقالوا: لا تحل ذبائحهم ونساؤهم وهو قول ابن مسعود وعلي بن أبي طالب روي عن عبد الله كان ينهى عن ذبائح اليهود ونصارى العرب وإن ذكروا اسم الله وعن عكرمة سألت عليا عن ذبائح نصارى العرب قال: لا تحل ذبائحهم فإنهم لم يتعلقوا من دينهم إلا بشرب الخمر.
وفيه أنهم لو تعلقوا بشرائع دينهم كلها لكانوا مثلهم وقال آخرون منهم الشافعي: إن كان ذلك منهم قبل نزول الفرقان خلى بينهم وبين ذلك وإن كان بعده منعوا وليس هذا بشيء لأنه لو كان يفترق لكشف ﷺ من خلى بينه وبين اليهودية من أبناء الأنصار هل كان ذلك بعد نزول القرآن أو قبله لأن الفرقان كان أنزل عليه بمكة والمدينة بعد أن قدمها مهاجرا تسع سنين إلى أن أجلى بني النضير حتى يعلم حقيقة الأمر في ذلك وكيف يؤخذ كافر دخل في الكفر برجوع إلى كفر آخر إنما يؤخذ الناس بالرجوع الإسلام لا غيره.
стр. 858
في الداخل بيت غيره بغير إذنه
روي عن علي بن أبي طالب قال: كان الناس قد كثروا على مارية في قبطى كان يختلف إليها فقال لي رسول الله ﷺ : "انطلق فإن وجدته عندها فاقتله" فقلت: يا رسول الله أكون في أمرك كالسكة المحماة وأمضي لما أمرتني لا يثنيني شيء أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب قال الشاهد: يرى ما لا يرى الغائب فتوشحت سيفي ثم انطلقت فوجدته خارجا من عندها على عنقه جرة فلما رأيته اخترطت سيفي فلما رأني إياه أريد ألقي الجرة وانطلق هاربا فرقى نخلة فلما كان في نصفها وقع مستلقيا على قفاه وانكشف ثوبه عنه فإذا أنا به أجب أمسح ليس له شيء مما خلق الله للرجال فأغمدت سيفي وقلت: هه قال: حه أنا رجل من القبط وهي امرأة من القبط زوجة رسول الله ﷺ احتطب لها واستعذب لها فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت"، فيه حل قتل من دخل بيت غيره بغير إذنه كما حل فقء عين من اطلع في بيت غيره على ما روينا من غير قصاص ولا دية ويكون هذا مضافا إلى قوله: "لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث" لأن الأحكام لم تبق على ما كانت عليه يوم قال ﷺ ذلك القول ألا ترى أن من شهر سيفه على رجل ليقتله فقد حل له قتله ومن أريد ماله فكذلك فكما لحقت هذه الأشياء بالثلاث فكذلك يلحق هذا، وقال القاضي: فيه نظر لأنه إنما يصح هذا لو ثبت تقدم قوله: "لا يحل دم امرء مسلم" على هذا الحديث فأما إذا لم يثبت واحتمل أن يكون بعده يكون قوله: "لا يحل دم امرء مسلم" ناسخا له حينئذ ويجب أن لا يستباح مه إلا بإجماع الذي تقوم به الحجة كما قامت في الشاهر سيفه ليقتل أو يأخذ مالا على سبيل الحرابة قلت ولولا ثبت عنده التقدم لما قال بحله فإنه أعلى كعبا من أن يقول ما لم يحط به علما سيما في حل الدم فأفهم والله أعلم.
стр. 859
كتاب أسباب النزول في سبب نزول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
روي انه ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة في الصبح قال: "اللهم ألعن فلانا" على ناس من المنافقين فنزل قوله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وروي أنه كان يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم حتى نزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
وعن أنس أنه ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج فجعل يسلت الدم عن وجهه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله " فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية يبعد أن يكون النزول الواحد لسببين لأن غزوة أحد كانت في سنة ثلاث وفتح مكة في سنة ثمان ودعاء النبي ﷺ قبل فتح مكة ويبعد النزول مرتين إذ لو كان كذلك لوجدت في موضعين فالأولى أنها نزلت قرآنا لواحد من السببن والله أعلم أيهما هو ثم أنزلت بعد ذلك للسبب الآخر لأعلى أنها قرآن لاحق بما قبله من القرآن ولكن على أعلام الله أنه ليس له من الأمر شيء وإن الأمر إلى الله وحده يتوب على من يشاء ويعذب من يشاء وهذا أقرب الاحتمالات وأولاها.
стр. 860
في سبب نزول: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾
روي أن رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة فقال مروان لرافع: في أي شيء أنزلت هذه الآية؟ قال رافع: أنزلت في ناس من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى
стр. 861
سفر تخلفوا عنه فإذا قدم رسول الله ﷺ وأصحابه اعتذروا إليهم وقالوا: ما حبسنا عنكم إلا السقم والشغل ولوددنا أنا كنا معكم فأنزل الله تعالى هذه الآية فيهم فكأن مروان أنكر ذلك وقال: ما هذا فجزع رافع من ذلك وقال لزيد: أنشدك بالله هل تعلم ما أقول؟ فقال زيد: نعم فلما خرجا من عند مروان قال له زيد: وهو يمزح معه أما تحمدني بما شهدت لك فقال رافع: وأين هذا من هذا؟ أنشدك أن تشهد بالحق، قال زيد: نعم قد حمد الله على الحق أهله.
مع ما روي أن مروان قال لرافع: اذهب إلى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد على ما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعين فقال ابن عباس: مالكم ولهذه الآية إنما نزلت في أهل الكتاب ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية ثم تلا: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآية قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أنهم قد أخبروه بما سألهم فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه ليس في هذا تضاد لاحتمال الأمرين جميعا على ما ذكره رافع وعلى ما ذكره ابن عباس فأنزل الله الآية مما كان في المنافقين ومما كان من أهل الكتاب ولم يعلم واحد الفريقين ما علم الآخر فحدث كل فريق بما علم مما كانت الآية نزلت فيه من السببن اللذين كان نزولها فيهما لا في أحدهما فلا تضاد فيما بين الروايات.
стр. 862
في نزول ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية
عن ابن عباس قالت قريش للنبي ﷺ : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فإن أصبح ذهبا أتبعناك فدعا ربه فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول: إن شئت أصبح لكم ذهبا ومن كفر عذبته عذابا أليما لم أعذبه أحدا من العالمين وإن شئت فتحت لكم باب التوبة والرحمة، فقال: "بلى يا رب
стр. 863
باب التوبة والرحمة".
وروى عنه قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم قالوا: يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فدعا ربه فنزلت: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية فيلتفكروا فيها- وعن عطاء قال: دخلت مع عبد الله بن عمرو وعبيد الله بن عمر على عائشة وهي في خدرها فقالت: من هؤلاء؟ قلنا: فلان وفلان قال ابن عمر: حدثينا أعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ فبكت بكاء شديدا ثم قالت: كل أمره كان عجبا أتاني ذات ليلة وقد دخلت فراشي فدخل معي حتى لصق جلده بجلدي ثم قال: "يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي " قالت: فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك، قالت: فقام إلى قربة في البيت فتوضأ منها ثم قرأ القرآن ثم بكى حتى رأيت أن دموعه قد بلغت حقوته ثم جلس فدعا وبكى حتى رأيت أن دموعه بلغت حجزته ثم اضطجع على يمينه وجعل يده اليمنى تحت خده الأيمن ثم بكى حتى رأيت أن دموعه قد بلغت الأرض ثم جاءه بلال بعدما أذن فسلم فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تاخر قال: "ومالي لا أبكي وقد أنزلت علي الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ويحك يا بلال ألا أكون عبدا شكورا" - لا يقال- إن هذا مخالف لما روى ابن عباس- لأن النبي ﷺ لما دعا ربه فيما سألته قريش فخيره الله فاختار ما هو أحمد لهم في العاقبة وما فيه السبب الموصل إلى الجنة والمؤمن من العذاب وأنزل عليه الآية التي أقام بها الحجة عليهم في الليلة التي أنزلها فيه وهو في بيت عائشة فعلم ابن عباس السبب ولم تعلم ذلك عائشة فعادت الآثار إلى انتفاء التضاد عنها.
стр. 864
في سبب نزول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية
عن أبي هريرة لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال رجل: يا رسول الله كل عام فسكت ثم أعاد الرجل عليه ثلاث مرات كل ذلك يسكت عنه النبي ﷺ فقال: "لو قلت كل عام لو تركتموها لكفرتم إنما أهلك الذين من قبلكم الحرج والله لو أني أحللت لكم ما في الأرض من شيء وحرمت عليكم موضع خف بعير لوقعتم فيه"، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا﴾ الآية.
وقد روي في سبب نزولها غير ذلك عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ غضبان قد أحمر وجهه فجلس على المنبر فقال: "لا تسألوني عن شيء إلا حدثتكم به" قام إليه رجل فقال: أين أنا؟ قال: "في النار" وقام آخر وكان يدعى إلى غير أبيه فقال: من أبي؟ قال: "أبوك حذافة" فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبمحمد نبيا يا رسول الله كنا حديثي عهد بجاهلية وشرك والله أعلم من آباؤنا، قال: فسكن غضبه ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ ، يحتمل أن تكون السؤالات المذكورة قبل نزول الآية ثم أنزل الله بعد ذلك هذه الآية نهيا لهم عن السؤالات وإعلاما أنه لا حاجة بهم إلى الجوابات عنها بحقائق أمورها التي أريد منها لأنه لا منفعة لهم ولو جهلوه لم يضرهم إذ لو كانت الآية واردة على السببين لكانت موجودة في موضوعين مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ وإنما المنفعة في السؤال عما افترض عليهم في دينهم وعما يتقربون به إلى ربهم لا عما يسوءهم أو لا منفعة فيه روي عن معاذ قال: يا رسول الله إني أريد أن أسألك عن أمر ويمنعني مكان هذه الآية قال: "ما هو"؟ قال: العمل الذي يدخلني الجنة وينجيني من النار قال: "قد سألت عظيما وأنه ليسير شهادة أن لا إله
стр. 865
إلا الله وإني رسول الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان" فأجابه عن سؤله ولم يكره ذلك وروى أن سبب نزولها ما روي عن عكرمة أنها نزلت في الرجل الذي سأل من أبي، وعن سعيد بن جبير أنه في السؤال عن البحيرة والسائبة، وعن مقسم أنها نزلت فيما سألت الأمم أنبياءهم من الآيات.
стр. 866
في سبب نزول قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ الآية
عن ابن عباس قال: تشاورت قريش ليلة بمكة: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق- يريدون النبي ﷺ وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك فبات علي على فراش النبي ﷺ تلك الليلة حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليا يحسبون أنه النبي ﷺ فلما أصبح ورأوا عليا رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل ههنا لم ينسج عنكبوت فمكث ثلاثا.
стр. 867
في سبب نزول قوله تعالى ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾
عن قيس بن عباد عن أبي ذر أنه قال: تبارز حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة فنزلت فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ وعنه عن أبي ذر قال: سمعته يقسم بالله على ذلك وهذان خصمان على التثنية واختصموا على الجمع كما تقول: التقى العسكر فقتل بعضهم بعضا فالذين كفروا المتوعدون في الآية بما توعدوا والذين
стр. 868
آمنوا المرادون بالآية حمزة وعلى وعبيدة بن الحارث بالوعد لهم من الله بما في الآية كائن لا محالة إذ لا يلحقه نسخ بخلاف الشرائع التي تنسخ وقد اتبع الله وعده لهم بقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ وهو أخبار عن حالهم في الدنيا ومن كانت حاله في الدنيا محمودة كان بذلك من أهل المنازل العليا في الآخرة.
стр. 869
في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾
عن أبي هريرة في هذه الآية قال رسول الله ﷺ : "أن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يكاد أن يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه وقالوا: ما يتستر إلا من عيب بجلده أما برص وأما أدرة فأراد الله أن يبرئه مما قالوا" فخلا يوما واحدا فوضع ثوبه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ من غسله أقبل إلى ثوبه ليأخذه وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر- الحديث، وعن علي قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون فقال: بنوا إسرائيل أنت قتلته كان الين لنا منك وأشد حبا فآذوه فأمر الله الملائكة فحملته وتكلمت بموته حتى عرفت بنو إسرائيل أنه مات فدفنوه فلم يعرفوا موضع قبره إلا الرخم فإن الله جعله أصم أبكم، ولا تضاد بين الحديثين لأنه يجوز أن يكون بنو إسرائيل آذوا موسى بما ذكر في كل واحد من الحديثين حتى برأه الله من ذلك.
стр. 870
في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾
عن البراء أما نحن فنسمي التي يسمون فتح مكة يوم الحديبية بيعة الرضوان وعن أنس كذلك وعنه أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه
стр. 871
وسلم مرجعه من الحديبية وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة قد حيل بينهم وبين نسكهم ونحروا هداياهم بالحديبية فقال ﷺ : "لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعا فقرأها" فقال رجل: يا رسول الله هنيا مريا قد بين الله لنا ما يفعل بك فما يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ الآية، فيه أعلام أن الفتح المذكور هو ما كان في الحديبية من الصلح الذي كان بينه وبين أهل مكة الذي هو سبب لفتحها وهذا من باب قولهم: قد دخلنا مدينة كذا عند قربهم من دخولها وكذا إطلاق الذبيح على أحد ابني إبراهيم وإن لم يذبح لقربه من الذبح.
стр. 872
في سبب نزول قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية
وعن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ وأصحابه من التنعيم عند صلاة الصبح ليقتلوهم فأخذهم رسول الله ﷺ فأعتقهم فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية وروي أن سببها كان أن رسول الله ﷺ لما رد أبا جندل وأبا بصير إلى المشركين على ما كان قاضى عليه المشركين بالحديبية لحقوا سيف البحر فقطعوا الطريق على قريش فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشد بالله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل إليهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وحميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي ولم يقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينه وبين البيت ولا تضاد بين السببين لكن في الآية ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ والتنعيم من بطنها وسيف البحر ليس من بطنها وكذا في حديث أنس الظفر بهم ولا ظفر في الحديث الآخر.
стр. 873
في سبب نزول قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية
روي أن الأقرع قدم على رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله فتكلما في ذلك حتى ارتفعت أصواتهما فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك قال فنزلت: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية قال: فكان عمر إذا تكلم لم يسمع النبي ﷺ حتى يستفهمه هذا أشبه مما روي أنها أنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ورواية من روي في الحديث ما أردت إلى خلاف أولى وأشبه بهما لأن ذلك استفهام من أبي بكر لعمر ما الذي أراد بخلافه والرواية الأخرى على سبيل الإنكار والخصومة التي توجب الاختلاف والشحناء وقد برأهما الله من ذلك وطهر قلوبهما وجعل كل واحد منهما وليا لصاحبه والأولى في سبب نزول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ما روي أن رجلا صام يوم الشك فقالت عائشة: لا تفعل فإنهم كانوا يرون أن هذه الآية نزلت فيه وروى عنها أنها قالت: كان قوم يتقدمون رسول الله ﷺ في الصوم وغيره فنهوا عن ذلك وقال مجاهد: لا تقتالوا عليه حتى يقضي الله، وقال الحسن: لا تذبحوا حتى يذبح وقال الكلبي: لا تقدموا بين يديه بقول ولا عمل.
стр. 874
في سبب نزل قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية
عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله تعالى بهذه الآية إلا أربع سنين، سببه هو ما روي عن سعد بن أبي وقاص في قوله: ﴿نَحْنُ
стр. 875
نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ . الآية قال: أنزل على رسول الله ﷺ فتلاه عليهم زمانا قالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فتلاه عليهم فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا فأنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن فقالوا: يا رسول الله لو ذكرتنا فأنزل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فكان سؤالهم القصص لتلين قلوبهم فأعلمهم الله أنه لا حاجة بهم إلى القصص مع القرآن لأنه لا يقص عليهم أنفع لهم منه ثم سألوه أن يحدثهم فأنزل في ذلك ما أنزل عليه من أجله وكل ذلك يردهم إلى القرآن لأنهم لا يرجعون إلى شيء يجدون فيه ما يجدون في القرآن.
стр. 876
تفسير القرآن
فاتحة الكتاب
عن أبي سعيد بن المعلي أنه كان يصلي قائما في المسجد فدعاه النبي ﷺ فلما صلى أتاه فقال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تجيبني؟ أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ " الآية ثم قال: "ألا أعلمك سورة أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" فمشيت مع رسول الله ﷺ حتى كاد يبلغ باب المسجد فذكرته قال لي رسول الله ﷺ : "فاتحة الكتاب هي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أوتيته"، وروى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أن في كتاب الله سورة ما أنزل مثلها" فسأله أبي عنها فقال: "كيف تقرأ إذا قمت في صلاتك"؟ قلت: أم الكتاب قال: "والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة والإنجيل والقرآن -أو قال: الفرقان- مثلها إنها السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أعطيته"، وللحديث طرق ففيه أن الفاتحة هي السبع المثانى والقرآن العظيم، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي
стр. 877
وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ على سعيد بن جبير. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية السابعة وقال سعيد قال ابن عباس قد أخرجها الله لكم وما أخرجها لأحد قبلكم. ففيه أن فاتحة الكتاب هي السبع المثانى والقرآن العظيم وعن سعيد عن ابن عباس أيضا ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال فاتحة الكتاب ثم قرأ ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم وقال هي الآية السابعة وقرأ بها سعيد بن جبير كما قرأ عليه ابن عباس.
ففيه خلاف ما في الحديث الذي قبله عنه لأن في الذي قبله أنها السبع المثانى ولم يذكر غير ذلك فاحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي﴾ أن فاتحة الكتاب المرادة بأنها السبع المثانى وإن معنى ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ أي وآتيناك القرآن العظيم دليله مجيئه بالنصب لا بالجر مع أنه روي عنه مجاهد في السبع المثانى أنها السبع الطوال وعن سعيد عنه أقرأني رسول الله ﷺ سبعا من المثاني الطوال، وهو أولى وعن علي أنها فاتحة الكتاب، ومعنى حديث أبي سعيد بن المعلي وحديث أبي هريرة يحتمل أنها القرآن كله في الثواب كما روي أن قل هو الله أحد ثلث القرآن أي في الثواب، روي عن ابن مسعود قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن كل ليلة"؟ قالوا: ومن يطيق يا رسول الله؟ قال: "قل هو الله أحد"، وعن أبي هريرة خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "أقرا عليكم ثلث القرآن" فقرأ قل هو الله أحدا حتى ختمها، وعن أنس مرفوعا "جزأ الله القرآن ثلاثة أجزاء فقال: قل هو الله أحد جزء منه"، ففي هذه الأحاديث أن قل هو الله أحد ثلث القرآن يعني في الثواب وروي أنها تعدل ثلث القرآن، وإذا جاز أن يكون قل هو الله أحد ثلث القرآن جاز أن تكون الفاتحة أيضا في الآثار التي رويت فيها أنها القرآن يعني ثوابها كثواب كل القرآن، وروي عن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع ثم صلى ووعد الناس يخرجون يوما قالت: عائشة وخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فحمد الله ثم قال: أنكم شكوتم إلي جدب
стр. 878
جنابكم واستئخار المطر عن ابان زمانه عنكم وقد وعدكم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم قال: الحمد الله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد الحديث فيه قراءة رسول الله ﷺ ملك لا مالك وعن أم سلمة مثل ذلك تعدها بأصابع أحدى يديها سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم.
وما روي عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قرآته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين فلا حجة لأنها نعتت قراءة مفسرة حرفا حرفا فاحتمل أن تكون نعتت قراءته بالحمد لله رب العالمين فيما سمعته بقراءته غير الحمد لله وعن أم حصين أنها صلت خلف النبي ﷺ فقرأ مالك يوم الدين حتى بلغ ولا الضالين قال: آمين.
وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ ملك يوم الدين فلما نظرنا فيه وجدنا حديث أبي هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: يقول العبد: ملك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي"، وروي عنه فقال: مالك مكان ملك وعن الزهري أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يقرؤن ملك والصحيح عنه رواية من رواه عن الزهري عن أبي بكر وعمر ولم يذكر فيه أنسا وعن أبي هريرة من رواية ذكوان وأبي صالح أنه كان يقرأ مالك.
وعن عمر كذلك مالك وعن الأعمش كذلك وقراءته ترجع إلى عبد الله بن مسعود وهي قراءة عاصم وترجع قراءته إلى علي بن أبي طالب ووجدنا عن حمزة قراءة ملك وقراءته ترجع إلى علي وابن مسعود وكذلك يقرأها نافع واختار أبو عبيدة قراءة ملك على مالك لأن في ملك ما ليس في مالك لأنه لا يكون ملكا إلا مالكا وقد يكون مالكا غير ملك
стр. 879
واحتج عاصم على من قرأ مالك فقال: يلزمه أن يقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مالك الناس﴾ فقال أبو بكر: نعم لموافقته عاصما أولا يقرؤن ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ المالك الحق﴾ واحتج بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ والأولى أن يرد هذا الحزب المختلف في قراءته إلى ما سمى به نفسه في كتابه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ .
стр. 880
سورة البقرة قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾
النسخ على وجهين نسخ العمل مع بقاء التلاوة ونسخهما والأول كثير والثاني قد يخرج من قلوب المؤمنين كافة مثل ما حدث أبو أمامة بن سهل لابن شهاب في مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا كانت معه سورة فقام من الليل ليقرأها فلم يقدر عليها وقام الآخر فقرأها فلم يقدر وقام آخر كذلك فأصبحوا فأتوا رسول الله ﷺ فقال بعضهم قمت البارحة أقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها وقال الآخر: ما جئت إلا لذلك وقال الآخر: وأنا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "أنها نسخت البارحة". وهذا حديث مسند لأن أبا أمامة ولد في حياته ﷺ وسماه رسول الله ﷺ أسعد وقد يخرج من القرآن ويبقى في الصدور مثل ما روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: نزلت سورة فرفعت وحفظ منها لو أن لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وعنه كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيناها غير أني حفظت منها يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في اعناقكم فلتسئلن عنها يوم القيامة وعنه أنه قال: نزلت سورة براءة ثم رفعت فحفظ منها أن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين، الحديث. وعن أبي هريرة لما نزلت: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية جثوا على الركب فقالوا: لا نطيق لا نستطيع كلفنا من العمل ما لا نطيق
следующие страницы →