← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11816

المعتصر من المختصر من مشكل الآثار

جمال الدين الملطي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

تفسير القرآن فاتحة الكتاب عن أبي سعيد بن المعلي أنه كان يصلي قائما في المسجد فدعاه النبي ﷺ فلما صلى أتاه فقال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تجيبني؟ أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ " الآية ثم قال: "ألا أعلمك سورة أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" فمشيت مع رسول الله ﷺ حتى كاد يبلغ باب المسجد فذكرته قال لي رسول الله ﷺ : "فاتحة الكتاب هي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أوتيته"، وروى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أن في كتاب الله سورة ما أنزل مثلها" فسأله أبي عنها فقال: "كيف تقرأ إذا قمت في صلاتك"؟ قلت: أم الكتاب قال: "والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة والإنجيل والقرآن -أو قال: الفرقان- مثلها إنها السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أعطيته"، وللحديث طرق ففيه أن الفاتحة هي السبع المثانى والقرآن العظيم، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي

стр. 877

وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ على سعيد بن جبير. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية السابعة وقال سعيد قال ابن عباس قد أخرجها الله لكم وما أخرجها لأحد قبلكم. ففيه أن فاتحة الكتاب هي السبع المثانى والقرآن العظيم وعن سعيد عن ابن عباس أيضا ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال فاتحة الكتاب ثم قرأ ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم وقال هي الآية السابعة وقرأ بها سعيد بن جبير كما قرأ عليه ابن عباس. ففيه خلاف ما في الحديث الذي قبله عنه لأن في الذي قبله أنها السبع المثانى ولم يذكر غير ذلك فاحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي﴾ أن فاتحة الكتاب المرادة بأنها السبع المثانى وإن معنى ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ أي وآتيناك القرآن العظيم دليله مجيئه بالنصب لا بالجر مع أنه روي عنه مجاهد في السبع المثانى أنها السبع الطوال وعن سعيد عنه أقرأني رسول الله ﷺ سبعا من المثاني الطوال، وهو أولى وعن علي أنها فاتحة الكتاب، ومعنى حديث أبي سعيد بن المعلي وحديث أبي هريرة يحتمل أنها القرآن كله في الثواب كما روي أن قل هو الله أحد ثلث القرآن أي في الثواب، روي عن ابن مسعود قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن كل ليلة"؟ قالوا: ومن يطيق يا رسول الله؟ قال: "قل هو الله أحد"، وعن أبي هريرة خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "أقرا عليكم ثلث القرآن" فقرأ قل هو الله أحدا حتى ختمها، وعن أنس مرفوعا "جزأ الله القرآن ثلاثة أجزاء فقال: قل هو الله أحد جزء منه"، ففي هذه الأحاديث أن قل هو الله أحد ثلث القرآن يعني في الثواب وروي أنها تعدل ثلث القرآن، وإذا جاز أن يكون قل هو الله أحد ثلث القرآن جاز أن تكون الفاتحة أيضا في الآثار التي رويت فيها أنها القرآن يعني ثوابها كثواب كل القرآن، وروي عن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع ثم صلى ووعد الناس يخرجون يوما قالت: عائشة وخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فحمد الله ثم قال: أنكم شكوتم إلي جدب

стр. 878

جنابكم واستئخار المطر عن ابان زمانه عنكم وقد وعدكم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم قال: الحمد الله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد الحديث فيه قراءة رسول الله ﷺ ملك لا مالك وعن أم سلمة مثل ذلك تعدها بأصابع أحدى يديها سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم. وما روي عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قرآته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين فلا حجة لأنها نعتت قراءة مفسرة حرفا حرفا فاحتمل أن تكون نعتت قراءته بالحمد لله رب العالمين فيما سمعته بقراءته غير الحمد لله وعن أم حصين أنها صلت خلف النبي ﷺ فقرأ مالك يوم الدين حتى بلغ ولا الضالين قال: آمين. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ ملك يوم الدين فلما نظرنا فيه وجدنا حديث أبي هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: يقول العبد: ملك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي"، وروي عنه فقال: مالك مكان ملك وعن الزهري أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يقرؤن ملك والصحيح عنه رواية من رواه عن الزهري عن أبي بكر وعمر ولم يذكر فيه أنسا وعن أبي هريرة من رواية ذكوان وأبي صالح أنه كان يقرأ مالك. وعن عمر كذلك مالك وعن الأعمش كذلك وقراءته ترجع إلى عبد الله بن مسعود وهي قراءة عاصم وترجع قراءته إلى علي بن أبي طالب ووجدنا عن حمزة قراءة ملك وقراءته ترجع إلى علي وابن مسعود وكذلك يقرأها نافع واختار أبو عبيدة قراءة ملك على مالك لأن في ملك ما ليس في مالك لأنه لا يكون ملكا إلا مالكا وقد يكون مالكا غير ملك

стр. 879

واحتج عاصم على من قرأ مالك فقال: يلزمه أن يقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مالك الناس﴾ فقال أبو بكر: نعم لموافقته عاصما أولا يقرؤن ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ المالك الحق﴾ واحتج بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ والأولى أن يرد هذا الحزب المختلف في قراءته إلى ما سمى به نفسه في كتابه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ .

стр. 880

سورة البقرة قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ النسخ على وجهين نسخ العمل مع بقاء التلاوة ونسخهما والأول كثير والثاني قد يخرج من قلوب المؤمنين كافة مثل ما حدث أبو أمامة بن سهل لابن شهاب في مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا كانت معه سورة فقام من الليل ليقرأها فلم يقدر عليها وقام الآخر فقرأها فلم يقدر وقام آخر كذلك فأصبحوا فأتوا رسول الله ﷺ فقال بعضهم قمت البارحة أقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها وقال الآخر: ما جئت إلا لذلك وقال الآخر: وأنا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "أنها نسخت البارحة". وهذا حديث مسند لأن أبا أمامة ولد في حياته ﷺ وسماه رسول الله ﷺ أسعد وقد يخرج من القرآن ويبقى في الصدور مثل ما روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: نزلت سورة فرفعت وحفظ منها لو أن لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وعنه كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيناها غير أني حفظت منها يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في اعناقكم فلتسئلن عنها يوم القيامة وعنه أنه قال: نزلت سورة براءة ثم رفعت فحفظ منها أن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين، الحديث. وعن أبي هريرة لما نزلت: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية جثوا على الركب فقالوا: لا نطيق لا نستطيع كلفنا من العمل ما لا نطيق

стр. 881

ولا نستطيع فأنزل الله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ، ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية فيه أن الصحابة فهموا مؤاخذتهم بالخواطر التي لا يقدر الإنسان على دفعها من نفسه فبين الله تعالى بقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي لا يكلف الله ما لا يملكه أن المراد بالإبداء والإخفاء المحاسب عليهما هو الإبداء الذي يقدر صاحبه على إخفائه والإخفاء الذي يقدر صاحبه على إظهاره لا الخواطر التي لا يملكونها ولا يستطيعون فيها إبداء ولا إخفاء وعن ابن عباس: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ﴾ من الشهادة وفيه نظر لأن كتمان الشهادة غير مغفور لأنه حق المشهود له ويرده قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ومعنى ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ أن تركنا من قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ لا النسيان الذي هو ضد الذكر لأنه غير مؤاخذ به وكذا قوله: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ليس من الخطأ الذي هو ضد العمد لأنه غير مأخوذ به قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ بل هو من الخطاء الذي عمله قصدا في الخطيئة وله اختيار فيه ومنه قيل خطئت في كذا مهموز فبان أنهم سألوا في موضعه وأنه تعالى غفر لهم فيما كان له أخذهم بهما وعقوبتهم عليهما وهو المحمود على فضله ورحمته.

стр. 882

سورة آل عمران عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتموهم فاحذروهم" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ثم قال الراسخون في العلم هم الذين آمنوا بمتشابهه وعملوا بمحكمه، وعنها قالت: قرأ رسول الله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "إذا سمعت الذين يجادلون فهم الذين عني الله ". المحكمات هي المتفق على تأويلها والمعقول معناها والمتشابهات هي المختلف في تأويلها والزيغ الجور عن الاستقامة والعدل والفتنة التي يتبعها أهل الزيغ هي فساد ذات البين التي يكون عنها القتل والشحناء.

стр. 883

والتفرق المنهي قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ومن كان كذلك خرج من الإسلام واستحق النار يدل عليه ما روي أن أبا أمامة خرج من المسجد بدمشق فإذا رؤس منصوبة على القناة قريب من سبعين رأسا فلما نظر إليها أبو أمامة وقف، ثم قال: يا سبحان الله يا سبحان الله يا سبحان الله ثلاث مرات ما يعمل الشيطان لهؤلاء ثلاثا قال: شر قتيل تحت ظل السماء ثلاث مرات وخير قتيل من قتل هؤلاء، وبكى فقيل: يا أبا أمامة تقول لهم القول فمم تبكي؟ قال: رحمة لهم أنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه ثم تلا هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ﴾ حتى ختمها ثم قال: هم هؤلاء ثم تلا ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ﴾ حتى ختمها ثم قال: هم هؤلاء قال: فقلت: يا أبا أمامة هذا شيء تحدث به من رأيك أو سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا سبحان الله ثلاث مرات إني إذا لجرى قال ذلك ثلاث مرات لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى بلغ سبعا ما حدثتكموه ثم قال: من أنتم؟ قال: قلت: من أهل العراق قال: أما أنهم عندكم كثير. فأهل الحق يردون المتشابه إلى عالمه ثم يلتمسون تأويله من المحكم الذي هو أم الكتاب فإن وجدوه فيه عملوا به كما عملوا بالمحكم فإن لم يجدوا لقصورهم هم لم يتجاوزوا في ذلك الإيمان به ولا استعملوا فيه الظنون المحرم استعمالها في غيره فكيف به قال ﵇: "المراء في القرآن كفر" عن ابن عباس فقدوا قطيفة حمراء مما أصيب من المشركين يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله ﷺ أخذها فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية قال: خصيف فقلت لعكرمة: أن سعيدا يقرأ القرآن قال: بلى ويغل ويقرأ عاصم وأبو عمرو وابن كثير يغل والباقون يغل والأولى أولى لأن العرب إنما تقول للرجل في الشيء الذي لا يجوز له إتيانه ما كان له أن يفعل وإذا أتى إليه ما لا ينبغي أن يؤتى ما كان لهم أن يغفلوا ذلك به ولا يخالف هذا ما ذكرنا أن قومه كانوا لا يتهمونه ويسمونه الأمين لأن هذا كان بالمدينة من المنافقين الذين لا ينكر منهم مثل

стр. 884

هذا وشبهه. عن ابن عباس في حديث مبيته عند خالته ميمونة فجعل يمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران لم يبين. أولى العشر الآيات وقد اختلف فيها فذهب قراء المدينة والكوفة إلى أن أولها الذين يذكرون الله وأهل الشام أولها إن في خلق السموات والأرض وهو الأصح لأنه في هذا الحديث من غير هذا الطريق قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقد روي أنه قرأ الخمس الآيات من آل عمران والاختلاف من قبل رواته لا من الرسول ﷺ ويحتمل أنه إنما قرأ الخمس الآيات أو لهن ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأن فيهن التماس الدعاء والتفكر في الآيات وما بعد الخمس إنما هو في ذكر استجابة الله للمذكورين فيها إلى غير ذلك من المعاني والحكم.

стр. 885

سورة النساء عن عائشة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ لا تجوروا، ومثله عن ابن عباس لا تميلوا، ومثل هذا ألا يقال بالرأي بل بالتوقيف ولا نعلم أحدا من الصحابة ولا من التابعين ذهب إلى خلاف هذا التأويل غير زيد ابن أسلم فإنه قال أن لا تكثر عيالكم وهو فاسد لأن المناسب حينئذ ذلك أدنى أن لا تعيلوا. عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أملي عليه ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها فقال يا رسول الله لو استطعت الجهاد لجاهدت وكان رجلا أعمى فأنزل الله على رسول الله ﷺ وفحذه على فخذي فثقلت حتى خفت أن ترض فخذي ثم سرى عنه ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ . ولا يعارضه ما روي عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس عن قول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الآية فقال أقوام: حبسم أوجاع وأمراض فكانوا أولائك أولى الضرر، فإن ظاهره يقتضي نزولها

стр. 886

كلها معا لذكرها نسقا لأن حديث زيد أخبار عن سبب نزولها وحديث ابن عباس أخبار بتأويلها المستقر عليه أمرها وكان ذلك منه بعد رسول الله ﷺ ولم يرد الله بقوله أولا لا يستوي القاعدون الأصحاء وأولي الضرر جميعا لأن فيه تكليف ما ليس في الوسع وليس على أعمى حرج وإنما المراد بذلك الأصحاء لا غير وإنما ذهب عن ابن أم مكتوم ذلك وظن أنه مراد فكان منه هذا القول فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بيانا لما أراد أولا وليس هذا ببعيد فإنه ذهب على كثير من الصحابة معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ حتى كان منهم من ربط الخيط الأبيض والأسود في رجله ولا يزال يأكل حتى يتبين أحدهما من الآخر فبين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وبعضهم جعل تحت وسادته حتى قال ﷺ : "أن وسادك لعريض إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل". قال الطحاوي: قراءة غير بالرفع أصح لأن نزولها في وقت آخر بيانا لما كان أنزل قبل ذلك في تفضيل المجاهد على القاعد ولو كان النزول معا لجاز أن يكون منصوبا على الاستثناء كقراءة المدنيين فإنه روى من الصحابة غير واحد أن نزولها كان على الاستثناء ولكن لم يرو عن أحد منهم أنها نزلت استثناء. لا يقال: أن ابن أم مكتوم يوم القادسية حمل الرأية للمسلمين وكان أعمى على حاله التي اعتذر بها فكيف لم يبذل ذلك من نفسه لرسول الله ﷺ لأنه يحتمل أنه ما كان يحسن ذلك القدر يوم الاعتذار ثم أحسنه بعد ذلك فتكلفة حسبة وعن ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على النبي ﷺ فيأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله فانزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآية، وعنه كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفر لهم فنزلت.

стр. 887

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ولم يكن لهم ذنوب فيعفى لهم عنها قلنا: العفو المراد هو رفع العبادة عنهم منه قوله ﷺ : "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" ومنه قول ابن عباس: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويدعون أشياء تقذرا فلما بعث الله نبيه أحل حلاله وحرم حرامه فما حرم من شيء فهو حرام وما أحل من شيء فهو حلال وما سكت عنه عفو يريد أنه تركه بلا عبادة عليهم فكذا معنى عسى الله هو على إيجابه العفو منه لهم فلم يتعبدهم فيه بما تعبد به سواهم من قوله على لسان رسوله: "أنا برئ من كل مسلم مع مشرك" لا تراءى نارهما فقد رفع الله هذا الوعيد عنهم في إقامتهم في تلك الأمكنة لعدم استطاعتهم الهروب عنها والتحول إلى الأمكنة المحمودة ورفع التعبد عنهم في ذلك وعن زيد بن ثابت ذكر المنافقون عند رسول الله ﷺ فقال فريق: نقتلهم وقال فريق: لا نقتلهم فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ هذا حديث لم يضبطه رواته لأن المنافقين بالمدينة غير متعرضين بقتل ولا غيره لأنه كان يحملهم على علانيتهم وإن كان قد وقف من باطنهم على خلافه قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ الآية وأخبر بمصيرهم إلى النار إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولم يذكر في الحديث المعني الذي من أجله كانت الصحابة فيهم فئتين وروي عن زيد أن قوما خرجوا إلى أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم١ فاختلفوا فيهم فقالت فرقة: نقتلهم وقالت فرقة: لا نقتلهم فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ فدل هذا على أن ذلك الاختلاف في أمرهم إنما كان لتركهم رسول الله ﷺ بعد خروجهم معه إلى قتال أعدائه بأحد ورجوعهم إلى ما سواها فحل بذلك قتلهم ورجعوا إلى غير المدينة قال زيد: رجع ناس عن النبي ﷺ يوم أحد فقال بعض: نقتلهم وقال بعض: لا نقتلهم فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فقال النبي ﷺ : " أنها لتنقي الرجل كما تنقي النار الفضة" يعني المدينة ودل

стр. 888

على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ والمهاجر إنما كان إلى المدينة لا من المدينة إلى ما سواها ولم نحد ما يدل على الموضع الذي رجعوا إليه غير ما روى عن مجاهد قال قوم: خرجوا من مكة حتى جاؤا إلى المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك فاستأذنوا إلى مكة ليأخذوا بضائع لهم فيتجرون بها فاختلف فيهم الصحابة فقيل هم منافقون وقيل هم مؤمنون فبين الله نفاقهم وأمر بقتالهم.

стр. 889

سورة المائدة عن جبير بن نفير أنه قال: دخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير هل تقرأ المائدة فقلت نعم فقالت: إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. وعن البراء آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وآخر سورة نزلت: براءة، المروى عن عائشة أشبه بالحق والله أعلم لأن رسوله بعث عليا بسوره براءة في الحجة التي حجها أبو بكر قبل حجة الوداع فقرأها على الناس حتى ختمها وسورة المائدة نزلت بعد ذلك في حجة الوداع ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية على ما روي أن اليهود قالوا: لو نزلت علينا هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لاتخذنا ذلك اليوم عيدا فقال ابن عباس: أنها نزلت في عيدين اثنين يوم عرفة والجمعة وعن عمر أنها نزلت ليلة جمعة ونحن واقفون معه بعرفة. وعن علي أنزلت على رسول الله ﷺ عشية عرفة وعن أبي بكر قال: تقرؤن هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب". هذا خطاب فيه نقصان من بعض رواته لا من أبي بكر والأولى به

стр. 890

ما روي عنه أنه قال يا أيها الناس إنكم تقرؤن هذه الآية من كتاب الله وتضعونها على غير ما وضعها الله عليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أن الناس إذا عمل فيهم بالمعاصي أو بغير الحق يوشك أن يعمهم الله بعقاب". وعن أبي ثعلبة الخشني سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا بد لك منه فعليك بنفسك إياك من١ العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل يومئذ منهم كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله فعلمنا أن قول أبي بكر تضعونها غير موضعها أراد به تستعملونها في غير زمنها وإن زمنها الذي تستعمل فيه" هو الزمن الذي وصفه ﷺ في حديث أبي ثعلبة الخشنى لما وصفه به ونعوذ بالله منه وإن ما قبله من الأزمنة فرض الله فيه على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن النبي ﷺ : "أن الله لا يهلك العامة بعمل الخاصة ولكن إذا رأوا المنكر بين أظهرهم فلم يغيروه عذب الله العامة والخاصة"، ففي هذا تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يكون الزمان الذي ينقطع فيه ذلك وهو الزمان الموصوف في حديث أبي ثعلبة الذي لا منفعة فيه بأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر ولا قوة مع من ينكره على القيام بالواجب في ذلك فسقط الفرض عنه ويرجع أمره إلى خاصة نفسه ولا يضره مع ذلك من ضل هكذا يقول أهل الآثار أما من يتعلق بالتأويل فيقول: أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم﴾ ليس على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنهم لا يكونون مهتدين إذا لم يفعلوا ذلك وإنما يهتدون إذا فعلوا إلا إذا قصروا عنه ويقول نظيره ليس عليك هداهم ومع هذا يفترض

стр. 891

عليه الجهاد والقتال إلى أن يردهم إلى دينه الذي بعثه الله به وأمره١ أن يقاتل الناس عليه كافة والأول أبين معنى وهذا صحيح أيضا عن ابن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "كيف بكم وبزمان -أو قال- يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة ويبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا" وشبك بين أصابعه قالوا: وكيف بنا يا رسول الله؟ قال: "تأخذون بما تعرفون وتذرون ما تنكرون وتقبلون على أمر خاصتكم وتذرون أمر عامتكم". وعن العرباض قال: وعظ رسول الله ﷺ الناس ورغبهم وحذرهم وقال: "ما شاء الله أن يقول" ثم قال: "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأطيعوا من ولاه الله أمركم ولا تنازعوا الأمر أهله ولو كان عبد أسود وعليكم ما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين وعضوا على نواجذكم بالحق"، وفي حديث آخر: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" ففي هذه الآثار تسديد ما في الآثار التي قبلها وتصديقه وأعلام بأن الأزمنة تختلف وتتباين وإن كل زمان منها له حكمه الذي قد بينه رسول الله ﷺ لأمته وأعلمهم إياه وعلمهم ما يعملون به فيه فعلى الناس التمسك بذلك ووضع كل أمر موضعه الذي أمر أن يضعه فيه وإن لا يخرجوا عن ذلك إلى ما سواه. وعن ابن عباس كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة للتجارة فخرج رجل من بني سهم فتوفي في أرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما ودفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوص بذهب فاستحلفهما رسول الله ﷺ ما كتمنا ولا اطلعنا ثم عرف الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله إن هذا لجام السهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين وأخذا الجام وفيهم

стр. 892

نزلت هذه الآية وعنه في قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: من غير أهل الإسلام من الكفار إذا لم تجدوا المسلمين. وعن أبي زائدة عن عامر قال: خرج رجل من خثعم فتوفي بدقوقاء فلم يشهد وصيته إلا رجلان نصرانيان من أهله فأشهدهما على وصيته فقدما الكوفة فاحلفهما أبو موسى الأشعري في دبر صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله الذي لا إله إلا هو ما خانا ولابد ولا كتما وإنها لوصيته ثم أحاز شهادتهما هذا يدل على أن الآية محكمة غير منسوخة عند ابن عباس وأبي موسى ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة والتابعين وعن شريح أنه قال: لا تجوز شهادة المشرك على المسلم إلا في وصيته تكون في سفر. وعن ابن المسيب وابن جبير وابن سيرين ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير دينكم. وعن مجاهد إذا حضر موته مسلمان أو كافران ولا يحضر غير اثنين منهم فإن رضي ورثته بما غابا عليه من تركته بذلك١ ويحلفان أنهما صادقان فإن عثر بلطخ وجد أو لبس أو شبهه حلف الإثنان٢ للأولين من الورثة فاستحقا وابطلا إيمان الشاهدين وهو قول فقهاء الأمصار ابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري وقال الحسن ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير أهل قبلتكم٣ كلهم من أهل الصلاة ألا تراه يقول: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ وإليه ذهب أبو حنيفة في أصحابه ومالك في

стр. 893

أصحابه والشافعي في أصحابه ومن قال أنها منسوخة بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وهذا ليس بشيء لأن ما أنزل الله في كتابه وعمل به رسوله ﷺ والصحابة فحصل بذلك إجماع لا يجوز أن ينسخ إلا بما تقوم به الحجة وقوله: ﴿بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ لا دليل فيه للحسن لاحتمال أن يكون القصد بذلك إلى الوقت المعظم عند أهل الأديان جميعا ويخافون نزول العقوبة بهم عند المعصية فيه وهو ما بعد صلاة العصر وقيل أنها كانت في أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار والوصية فريضة فلما نسخت الوصية لم يبق هذا مشروعا وفيه نظر.

стр. 894

سورة الأنعام عن خباب بن الأرت أن الأقرع وعيينة جاؤوا فوجدوا النبي ﷺ مع بلال وعمار وصهيب وخباب في ضعفاء المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا له: نحب أن تجعل لنا منك مجلسا يعرف به العرب فضلنا وإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا قعودا مع هذه الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال: "نعم" قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا فدعا بالصحيفة ليكتب لهم ودعا عليا ليكتب فلما أراد ذلك ونحن قعود في ناحية نزل جبريل فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فدعا رسول الله بالصحيفة ودعانا فأتيناه وهو يقول: "سلام عليكم" فدنونا منه فوضعنا ركبنا على ركبته فكان إذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يقول: مجالس الأشراف ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ فهو عيينة والأقرع والفرط الهلاك ثم ضرب لهم مثلا رجلين ومثل الحيوة الدنيا فكنا نقعد مع النبي ﷺ فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم

стр. 895

والا صبرنا أبدا حتى يقوم١ الآيتان عامتان فيمن كان على صفة النفر المذكور وليستا بخاصتين فيهم بما دل عليه ما روي عن ابن عمر أنه قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ قال: هم الذين يشهدون الصلوات المكتوبات.

стр. 896

سورة الأعراف روي أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَافِلِينَ﴾ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها فقال رسول الله ﷺ : "أن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية" فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون" فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : "أن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار"، فيه أعلام رسول الله ﷺ أيانا أن الله استخرج من ظهر آدم ذريته وفي الآية بنو آدم لا آدم نفسه وعقلنا بما ذكر فيه أن علم الله متقدم بأهل السعادة بما يستعملهم به في الدنيا من أعمال الخير حتى يدخلهم الجنة ثوابا على عملهم وكذلك بأهل الشقاء حتى يدخلهم النار عقوبة لهم على عملهم. وعن ابن عباس مرفوعا: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بعرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى ﴿فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ " ففيه زيادة على ما في الحديث الأول كلام الله إياهم وذلك غير مستنكر في لطيف قدرة الله وقد أول هذه الآية من لم يقف على المروى بأن الله ألهم ذرية آدم في خلقه إياهم المعرفة به التي هي موجودة في جميعهم من أن لهم خالقا

стр. 897

سواهم بخلافهم لأنه قدر على خلقهم وهم عاجزون عن مثل ذلك حتى لا يستطيع أحد أن يقول خلافه فكان ذلك شهادة منهم على أنفسهم أنه ربهم وحجة عليهم أن قال: الأشقياء منهم يوم القيامة عند أخذهم بأعمالهم ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ أي: عن عقوبتك لنا على عملنا أو على أن نقر لك بالربوبية إذ كان الله قد بعث إليهم في الدنيا رسله مبشرين ومنذرين وأنزل عليهم كتبه بما جعلهم به متعبدين وهذا تأويل حسن لو لم نكن سمعنا عن رسول الله ﷺ ما في الحديثين لاحتمال الآية له ولكن لما بين ﷺ مراد الله بها لم يجز القول بخلافه ولا تأويل سواه والمعنى في مسح ظهر آدم والتلاوة إنما هي في بني آدم أنه لما كان أصل بنيه نسب ما استخرجه منه إليهم كما قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ والمخلوق من ذلك آدم لا ذريته.

стр. 898

سورة هود في قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أهل اللغة مهم الفراء وقطرب يذهبون إلى أن معنى إلا ما شاء ربك خرج مخرج الزيادة على ما يقيمونه في النار مثل دوام السماوات والأرض مما هو أكثر من ذلك المقدار كقول الرجل لي عليك ألف إلا العشرة الآلاف الدرهم التي لي عليك أي والعشرة الآلاف التي لي عليك ليس على الاستثناء لأن الكثير لا يستثنى من القليل فعلى هذا يكون معنى الأسوى وقيل بل على الاستثناء كقولك والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك على ضربه فكذلك إلا ما شاء ربك ولا يشاؤه وقيل معنى إلا ما شاء ربك الوقف في الحساب قبل أن يدخل أهل النار النار والأولى رد المعنى إلى ما روي مرفوعا فيمن يخرج من النار بالشفاعة من ذلك ما روي عن قتادة عن أنس ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ يخرج قوم من النار ولا نكذب بها كما كذب بها أهل حروراء. ومنه ما روي عن طليق بن حبيب قال: لقيت جابر بن عبد الله وكنت أشد الناس تكذيبا بالشفاعة فقرأت عليه كل آية في القرآن وعد الله أهلها

стр. 899

بالخلود في النار فقال لي: يا طليق أتراك أعلم بكتاب الله وبسنة نبيه مني؟ قال: لا قال: فصمتا وأشار إلى أذنيه إن لم أكن سمعت محمدا ﷺ يقول: "يخرجون من النار" قلت: ومن هؤلاء القوم؟ قال: "قوم أصابوا ذنوبا كثيرة". ويؤيده قوله تعالى أخبارا عن أهل النار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ففيه أن غيرهم تنفعه الشفاعة وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.. وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ .

стр. 900

سورة يوسف عن ابن عباس: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ قال: كانت رؤيا الأنبياء وحيا لا لشك أنه ما قاله رايا وإنما قاله سماعا والأحسن في تأويله أن رؤيا الأنبياء في مناماتهم ما شاء أن يوحيه إليهم فيها وكل ذلك وحي منه فجعل ما شاء منه في مناماتهم وجعل منه ما شاء في يقاظاتهم.

стр. 901

سورة سبحان عن ابن مسعود في حديث ركوب النبي ﷺ البراق لما أسرى به إلى بيت المقدس قال: "ثم مشينا إلى بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي ربط فيها الأنبياء ثم دخلت المسجد وتشوف بي الأنبياء من سمى الله في كتابه ومن لم يسم فصليت بهم إلا هؤلاء النفر عيسى وموسى وإبراهيم"، ففيه أنه أم الأنبياء إلا المستثنين، وعن أنس امامته بهم جميعا. وعنه أنه قال: أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فلم نزايل ظهره وهو وجبريل حتى أتيا بيت المقدس ففتحت أبواب السماء فرأى الجنة والنار قال حذيفة: ولم يصل في بيت المقدس؟ قلت: بل صلى قال حذيفة: ما اسمك يا أصلع فإني أعرف وجهك ولا أعرف اسمك؟ قلت: أنا زر بن حبيش قال: وما يدريك أنه قد صلى فيه؟ قلت: يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى

стр. 902

الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ قال: أنه لو كان صلى فيه لصليتم فيه كما تصلون في المسجد الحرام قال: فقيل له: أنه ربط الدابة بالحلقة التي ربط بها الأنبياء قال حذيفة: أو كان يخاف أن تذهب وقد أتاه الله بها ولكن ما روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وأنس في إثبات الصلاة هناك أولى من نفي حذيفة وقوله: لو كان صلى لوجب على أمته أن يصلوا هناك لا حجة فيه إذ كان رسول الله ﷺ قد يأتي مواضع ويصلي فيها لم يكتب علينا إتيانها ولا الصلاة فيها بل قد نهى عمر أن يتتبع تلك المواضع فيصلي فيها وعن معرور وافيت الموسم مع أمير المؤمنين وانصرفت إلى المدينة معه ثم رأى ناسا يذهبون مذهبا فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجد أصلي فيه رسول الله ﷺ قال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله ﷺ فليصل فيها وإلا فلا يتعمدها. وأبين من هذا أنه لا مسجد أجل مقدارا ولا أكثر ثوابا بعد المسجد الحرام من مسجد النبي ﷺ ولم يكتب على الناس إتيانه والصلاة فيه كما كتب عليهم ما كتب في المسجد الحرام وأما ربط البراق ليلتئذ فإثباته أولى من نفي حذيفة أيضا إذ ليس كل مسخر لمعنى يطاع١ لذلك المعنى ألا ترى أنه سخر الله لنا الدواب ونحن نعاني في ركوبها ما نعاني فكذا رباط البراق غير مستنكر مع تسخير الله تعالى إياه له. وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ قال: لقي الرسل ليلة أسرى به. فيه ما قد دل أن نزول الآية كان بغير مكة وبغير المدينة لأن رسول الله ﷺ أسرى به إلى حيث لا يعلم حتى علم بوروده إياه وباجتماعه فيها هناك مع الأنبياء حتى أمهم وهم الذين أمر بسؤالهم عنه لأنه لم يلقهم في غير ذلك الموضع وعن أبي زميل قال رجل لابن عباس: أنه ليقع في نفسي ما أن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به فقال

стр. 903

ابن عباس من الشك تعني؟ قال: نعم قال: فقال: وهل يسلم من ذلك أحد وقد قال تعالى لنبيه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ لا نعلمه روى عن أحد من الصحابة في المراد بهذه الآية غير هذا الحديث عن ابن عباس وأما التابعون فروى عن سعيد بن جبير والحسن أنهما قالا: لم يشك ولم يسأل. وأما أهل اللغة فقد رويت عنهم أقوال منها قال الكسائي والفراء: ليس قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ خبرا عن أنه في شك إنما هو كقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فافعل كذا وأحسن منه أن المراد بذلك غير النبي ﷺ وهم الشاكون بمعنى فإن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا إليك وهو قول أبي عبيدة كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ جاء بالخطاب للنبي وأمته والمراد به نوح وأمته بقرينة قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وكان المرادون على هذا بقوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ هم الذين آمنوا به قبل ذلك كعبد الله بن سلام. قال الطحاوي: ويحتمل أن يكون هو المراد بالمذكورين في تلك الآية وأن يكون هم الذين لقيهم ﷺ في بيت المقدس من الأنبياء الذين كانوا أنزل عليهم قبله من الكتب ما أنزل عليهم منها مما فيها ذكره وذكر أمته مثل ما قاله ابن عباس في حديث أبي زميل ووجهه عندنا عن ابن عباس على أن الخطاب له ﷺ والمراد به غيره فإن العرب قد تخاطب من تريد غيره وقد روي عن عمر بن الخطاب من قوله في حديث المتظاهرتين على رسول الله ﷺ فقلت: يا نبي الله أنت نبي الله وصفيه وخيرته من خلقه على ما أرى من خصفة مضطجعا عليها ومن وسادة محشوة ليفا تحت رأسه وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير فجلس فقال: يا عمر لعلك شككت قلت لا والذي بعثك بالحق إني لعلى يقين من الله فيك إنك لنبيه وصفيه ولكني عجبت لما زوى عنك من الدنيا وبسط على هؤلاء فقال: هم قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا وأنا أخرت لنا في آخرتنا وإذا كان عمر

стр. 904

قد نفي عن نفسه الشك كان عند أمثاله من الصحابة منتفيا كانتفائه عنه وكان من النبي ﷺ أشد انتفاء فتحققنا أن المرادين بالشك في ذلك هم غير رسول الله ﷺ وغير عمر وغير من سواه من الصحابة وأنهم من سواهم من أهل الشك فيه ممن ليس إسلامه كإسلام الصحابة أو ممن لم يؤمن به ولم يدخل في شريعته وفيه نظر لأن سؤاله الأنبياء لا تأثير له في نفي الشك عمن شك ممن يجوز عليه الشك. وعن ابن مسعود كان نفر من الأنس يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون وثبت الأنسيون على عبادتهم وهم لا يشعرون فهم الذين قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ والمنكر ذهب إلى ما روي عن مجاهد أنه قال: يبتغون إلى ربهم الوسيلة عيسى وعزير والملائكة لأن هؤلاء عبدوا من دون الله ولا يعلم غيرهم وقول ابن مسعود أولى لموضعه من رسول الله ﷺ ويؤيده قوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ولم نجد من الصحابة خلاف قوله. وعنه نزلت على نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن وهذا دليل صحة حديثه.

стр. 905

سورة الكهف عن ابن عباس قال: حدثني أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن قصة موسى والخضر أنهما بينما هما يمشيان على الساحل إذا بصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية ثم ساق الحديث حتى انتهى إلى سؤال الخضر موسى عما كان فيه مما أنكره عليه وإلى قول الخضر له وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين. وعن ابن عباس عن أبي أن النبي ﷺ قال: "الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا والزكية التي

стр. 906

لم تذنب قط فهي أولى من الزاكية التي أذنبت ثم غفر لها" لأن الغلام قتل صغيرا لم يبلغ الحنث وقيل: هما لغتان بمعنى واحد وهذا أصح لأنه قد يجوز أن يسمى غلاما وهو بالغ وقوله: لو أدرك أرهقهما طغيانا قد يراد بالإدراك الاحتلام أو يكون معرفته بالأشياء المذمومة وفي الآية ما دل على بلوغه وهو ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: أنها لم تقتل نفسا ولو قتلت لكانت مستحقة لقتلها بها وطهرت بهذا القتل والصبي عمده لا يوجب قودا فهو بالغ يؤيده قوله في قصة مريم: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ أي: طاهر أو صفة فإنه زكي بغير ذنب كان منه قبل ذلك فالحق إن لا فرق بين الزكية والزاكية وأنهما بمعنى واحد مثل القاصي والقصي واختلاف الآثار في زاكية وزكية ليس حكاية عن القرآن ولكنه حكاية من النبي ﷺ بلسانه العربي لقول موسى الذي قاله للخضر بلسانه المخالف للسانه والحكايات للأشياء بغير تلك الألسن قد تحكى بألفاظ مختلفة ومثله قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً﴾ وفي موضع ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ لأنه حكى بالعربي ما قيل لزكريا بلسانه مرة بالأيام التي تدخل فيها الليالي ومرة بالليالي التي تدخل فيها الأيام لما كان المعنى في ذلك سواء فكذلك وصف الغلام بما وصفه به بلسانه مرة بزكية ومرة بزاكية لما كانا سواء. وعن أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه فقال ذات يوم: "رحمة الله علينا وعلى آل موسى لو سكت مع صاحبه لأبصر العجب ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ ". ولم يختلف القراء في نون الجماعة في لدن أنها تقرأ مثقلة حيث وقع ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ ﴿وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا﴾ وفي إجماعهم دليل على أن أولى القراءة وفي لدنى التثقيل. عن أبي ذر أنه قال: دخلت المسجد فإذا النبي ﷺ جالس

стр. 907

فلما غابت الشمس قال: "يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه"؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: "فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها ويوشك أن يقال لها: اطلعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ذلك مستقر لها"، فيه أن الشمس تغرب في السماء وقد روي مرفوعا: "في عين حمئة من الحمأة" رواه ابن عباس وقال: اقرأني ذلك أبي كما أقرأه النبي ﷺ . وعن ابن عباس كنت عند معاوية وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص فقال معاوية لعبد الله: كيف تقرأ ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ فقال: في عين حامية يريد حارة فقال ابن عباس: فقال معاوية كيف تقرأها يا ابن عباس؟ فقلت: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وأنشد تبع في ذي القرنين. بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب علم من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد فالخلب الطين والثأط الحمأة والحر مد الأسود. قيل: حديث ابن عباس عن أبي يخالف حديث أبي ذر لأن في حديث أبي ذر غروبها في السماء وفي هذا غروبها في طينة سوداء والطين في الأرض لا في السماء وشعر تبع يدل على أنها في الأرض لا في السماء أيضا قلنا: قد يكون الطين في السماء يدل عليه قوله: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ وشعر تبع يحتمل أن تكون الرؤية رؤية يقين وعلم بالقلب لا رؤية عين مع أن الحجة في اللغة وغيره قول الرسول ﷺ فحصل الالتئام بغير تضاد فيه ولا اختلاف ثم لا يعلم عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ سوى ابن عباس على حمئة والأكثر منهم على حامية وروي في العين التي تغرب فيها الشمس الحرارة والحمأة جميعا فكانا من صفاتها فمن قرأ حامية وصفها بإحدى صفاتها ومن قرأ حمئة وصفها بصفتها الأخرى وذلك واسع غير ضيق.

стр. 908

سورة الأنبياء عن ابن عباس لما نزلت ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية شق

стр. 909

ذلك على أهل مكة وقالوا: شتم محمد آلهتنا فجاءهم ابن الزبعري وقال: ادعوه لي فدعى محمد قال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله قال: بل لكل من عبد من دون الله؟ فقال: خصمناه ورب الكعبة يا محمد ألست تزعم أن عيسى عبد صالح؟ وعزيرا كذلك والملائكة صالحون؟ قال: بلى قال: فهذه النصارى تعبد عيسى واليهود تعبد عزيرا وهذه بنو مليح يعبدون الملائكة قال: فضج أهل مكة فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ونزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ وهو الضجيج. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لقريش: "يا معشر قريش لا خير مع أحد يعبد من دون الله" فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وكان عبدا صالحا؟ فأنزل: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ- وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة هكذا قال لعلم بالفتح وضجيج المشركين عند نزولها وهم أهل فصاحة يدل على أن ما قد تستعمل في بني آدم وإن كان من أكثر استعمالا ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ يعني: آدم وما ولد وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وعلم أن الأولى قراءة ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ بكسر الصاد وهو الضجيج وبالضم من الصدود ولو كانت منه لكانت إذا قومك عنه يصدون ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ وهو كثير في القرآن. وعن ابن عباس إنكار هذه القراءة وقال: إنما هي لحن وإنما هي يصدون يضجون وعن علي ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية نزلت في عثمان وأصحابه أو قال عثمان منهم يعني أن عثمان ممن سبقت له الحسنى المذكورة لأنها نزلت فيمن سبقت لهم الحسنى من الله وعثمان وأصحابه منهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ الآية الذكر المراد هنا هو المكتوب قبل خلق السماوات

стр. 910

وإن الأشياء المذكورة بعده هي ما سواه من التوراة والإنجيل والقرآن. وعن سعيد بن جبير أنه قال: الزبور والتوراة والإنجيل والذكر الذي في السماء أصل هذه الكتب والأرض أرض الجنة يرثها عبادي الصالحون. وعنه الزبور القرآن والذكر التوراة والأرض الجنة. وعن عامر كتبنا في الزبور قال: زبور داود من بعد الذكر وهو ذكر موسى التوراة وعن مجاهد الزبور الكتاب عند الله والأرض أرض الجنة. يؤيد ما قلنا أولا عن عمران بن حصين قال رسول الله ﷺ : "أقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا: قبلنا فأعطنا قال: "أقبلوا البشرى يا أهل اليمن" قلنا: قد قبلنا فأخبرنا عن أول الأمر كيف كان؟ قال: "كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء" - الحديث وله طرق في بعضها ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض. وأهل اللغة يقولون: الذكر القرآن ويحتجون بقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وبقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ ويقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ وعلى هذا معنى من بعد الذكر أي من قبل الذكر لأن حروف الخفض تعاقب بعضها بعضا وذلك موجود في كلام العرب إلا أن الذي ذكرنا أولا دل عليه حديث صحيح أولى بتأويل الآية مما قالوا: إذ لا ضرورة توجب حمل الأمر عليه.

стр. 911

سورة المؤمنون ... المؤمنون عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي سمع عنده دوي كدوي النحل فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عنا" ثم قال: لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيات. يحتمل أن يكون

стр. 912

هذا قبل فرض رمضان وفرض الحج على من فرضه الله عليه فكان من جاء بغيرهما مستحقا للوعد المذكور فلما فرضا عاد الوعد إلى من أدى جميع الفرائض التي منها صوم رمضان والحج.

стр. 913

النور عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح الزاني إلا مجلودا مثله" وهذا في مجلود في الزنا مقيم عليه لا على النازع عنه لأن وصفه إياه بالجلد وصف له بحال هو فيها مذموم لأن الجلد كفارة فذمه بذلك بعد الجلد يدفع أن يكون كفارة له إذ كان مقيما على ما يوجب مثله وروي مرفوعا الزاني لا ينكح إلا زانية مثله والمجلود لا ينكح إلا مجلودة مثله فيه زيادة على الأول وهو لا يتزوج الزاني إلا زانية ومعناه أيضا على الزانيين المقيمين على الأحوال المذمومة لا على زانيين جلد كل واحد منهما في زناه جلدا يكون كفارة له بنزوعه عنه وتوبته منه والمعقول من قصده إلى ذمه بالجلد ذمه بالزنا الذي كان جلد فيه وروي أن مرثدا لما أراد نكاح عناق استأذن النبي ﷺ في ذلك وكانت بغيا فسكت حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية فنهاه عن ذلك. وعن ابن عمر كن نساء بغايا كان الرجل يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه منهن أم مهزول١ فاحتمل أن يكون ما في آثار الأول هو على الرجل ينكح لهذا المعنى الذي يطلق لها الزنا لما يصل إليه بذلك من النفع فسمى زانيا لما كان سببا كنحو ما روي مرفوعا أيما امرأة استعطرت ومرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية.

стр. 914

الفرقان روي عن النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف أيها

стр. 915

قرأت أصبت أو قال: اقرأوا ولا حرج غير أن لا تجمعوا بين ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة وقال فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ " ذهب قوم إلى أن السبعة الأحرف هي سبعة أنحاء كل نحو منها جزء من القرآن كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ فإنه صنف من الأصناف التي يعبد الله عليها فمنها ما هو محمود ومنها ما هو على خلافه فمن ذلك الأحرف حرف زاجر وأمرو وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال قيل هذا فاسد لأنه روي عن أبي بن كعب أتى جبريل النبي ﷺ فقال له: اقرأ على حرف واحد فاستزاده فقال: اقرأ على حرفين، فقد علمنا أن الحرف الذي أمره أن يقرأ عليه محال أن يكون حراما لا سواه أو يكون حلالا لا سواه. وعن ابن مسعود كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا وقيل: سبعة أحرف سبع لغات لأن منه المعرب مثل طور سيناء. قال الطحاوي: تأملنا فوجدنا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ وهم قريش وكان ﷺ يقرأ: ما ينزل عليه على أهل ذلك اللسان وعلى غيرهم من أهل الألسن كالفارسي وغيره وكان يشق عليهم حفظ ما يقرأه عليهم بحروفه التي يقرأها بها عليهم ولا يتهيأ لهم كتابة ذلك وتحفظهم إياه لما عليهم من المشقة في ذلك مع أنهم أهل لسانه وكانوا محتاجين إلى حفظ ما قد تلى عليهم ليقرؤه في صلاتهم وليتعلموا به شرائع دينهم فوسع عليهم ذلك أن يتلوه بمعانيه وإن خالفت ألفاظهم التي يتلونه بها ألفاظ نبيهم دل عليه اختلاف عمر مع هشام بن حكيم وهما قرشيان لسانهما واحد في قراءة آية من سورة الفرقان فقرأها على رسول الله ﷺ فقال: "هكذا أنزلت
следующие страницы →