سورة المؤمنون
...
المؤمنون
عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي سمع عنده دوي كدوي النحل فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عنا" ثم قال: لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيات. يحتمل أن يكون
стр. 912
هذا قبل فرض رمضان وفرض الحج على من فرضه الله عليه فكان من جاء بغيرهما مستحقا للوعد المذكور فلما فرضا عاد الوعد إلى من أدى جميع الفرائض التي منها صوم رمضان والحج.
стр. 913
النور
عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح الزاني إلا مجلودا مثله" وهذا في مجلود في الزنا مقيم عليه لا على النازع عنه لأن وصفه إياه بالجلد وصف له بحال هو فيها مذموم لأن الجلد كفارة فذمه بذلك بعد الجلد يدفع أن يكون كفارة له إذ كان مقيما على ما يوجب مثله وروي مرفوعا الزاني لا ينكح إلا زانية مثله والمجلود لا ينكح إلا مجلودة مثله فيه زيادة على الأول وهو لا يتزوج الزاني إلا زانية ومعناه أيضا على الزانيين المقيمين على الأحوال المذمومة لا على زانيين جلد كل واحد منهما في زناه جلدا يكون كفارة له بنزوعه عنه وتوبته منه والمعقول من قصده إلى ذمه بالجلد ذمه بالزنا الذي كان جلد فيه وروي أن مرثدا لما أراد نكاح عناق استأذن النبي ﷺ في ذلك وكانت بغيا فسكت حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية فنهاه عن ذلك.
وعن ابن عمر كن نساء بغايا كان الرجل يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه منهن أم مهزول١ فاحتمل أن يكون ما في آثار الأول هو على الرجل ينكح لهذا المعنى الذي يطلق لها الزنا لما يصل إليه بذلك من النفع فسمى زانيا لما كان سببا كنحو ما روي مرفوعا أيما امرأة استعطرت ومرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية.
стр. 914
الفرقان
روي عن النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف أيها
стр. 915
قرأت أصبت أو قال: اقرأوا ولا حرج غير أن لا تجمعوا بين ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة وقال فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ " ذهب قوم إلى أن السبعة الأحرف هي سبعة أنحاء كل نحو منها جزء من القرآن كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ فإنه صنف من الأصناف التي يعبد الله عليها فمنها ما هو محمود ومنها ما هو على خلافه فمن ذلك الأحرف حرف زاجر وأمرو وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال قيل هذا فاسد لأنه روي عن أبي بن كعب أتى جبريل النبي ﷺ فقال له: اقرأ على حرف واحد فاستزاده فقال: اقرأ على حرفين، فقد علمنا أن الحرف الذي أمره أن يقرأ عليه محال أن يكون حراما لا سواه أو يكون حلالا لا سواه.
وعن ابن مسعود كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا وقيل: سبعة أحرف سبع لغات لأن منه المعرب مثل طور سيناء.
قال الطحاوي: تأملنا فوجدنا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ وهم قريش وكان ﷺ يقرأ: ما ينزل عليه على أهل ذلك اللسان وعلى غيرهم من أهل الألسن كالفارسي وغيره وكان يشق عليهم حفظ ما يقرأه عليهم بحروفه التي يقرأها بها عليهم ولا يتهيأ لهم كتابة ذلك وتحفظهم إياه لما عليهم من المشقة في ذلك مع أنهم أهل لسانه وكانوا محتاجين إلى حفظ ما قد تلى عليهم ليقرؤه في صلاتهم وليتعلموا به شرائع دينهم فوسع عليهم ذلك أن يتلوه بمعانيه وإن خالفت ألفاظهم التي يتلونه بها ألفاظ نبيهم دل عليه اختلاف عمر مع هشام بن حكيم وهما قرشيان لسانهما واحد في قراءة آية من سورة الفرقان فقرأها على رسول الله ﷺ فقال: "هكذا أنزلت
стр. 916
هكذا أنزلت أن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ .
واختلافها إنما كان في ألفاظه لا في الحلال والحرام والأمر والنهي كقول الرجل أقبل وتعال وأدن وشبهه يؤكده ما روي أن أبي بن كعب قال: ماحك في نفسي منذ أسلمت شيء إلا أني قرأت آية وقرأها غيري فقال: أقرأنيها رسول الله ﷺ فأتيناه فقلت: يا رسول الله اقرأتني آية كذا كذا قال: "نعم" وقال صاحبي: اقرأتنيها كذا قال: "نعم أتاني جبريل وميكائيل فجلس جبريل عن يميني وجلس ميكائيل عن يساري فقال: اقرأ القرآن على حرف وقال: ميكائيل استزده فقال: اقرأ القرآن على حرفين حتى بلغ سبعة أحرف كل كاف شاف".
وفي رواية ليس منها إلا شاف كاف قلت غفورا رحيما أو قلت سميعا حليما أو عليما حكيما أوعزيزا حكيما أي ذلك قلت فإنه كذلك ما لم تختم عذابا برحمة أو رحمة بعذاب فبان أن ذلك توسعة من الله لضرورتهم إلى ذلك وحاجتهم إليه حتى كثر من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ فحفظوا القرآن بألفاظه التي نزل بها فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤه بخلافها إذ كانت التوسعة في السبعة الأحرف في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف بارتفاع تلك الضرورة وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد ومما يدل على عود التلاوة إلى حرف واحد بعد ما كانت على الأحرف السبعة ما كان من أبي بكر في جمعه القرآن واكتتابه بمشورة عمر ومن حضر من الصحابة ومن متابعة عثمان إياهما على ذلك ثم تابعهم على ذلك زيد بن ثابت كاتب الوحي وجميع الصحابة فصارا إجماعا والنقل بالإجماع هو الحجة التي بمثلها نقل الإسلام إلينا حتى علمنا شرائعه وعاد ذلك إلى أن من كفر بحرف منه كان كافرا حلال الدم إلى أن يرجع إلى ما عليه الجماعة بخلاف حكم الأخبار التي يرويها الآحاد مما يخالف شيئا مما في المصحف الذي ذكرنا في أنه لا يكون كافرا من كفر بما جاءت به.
وعن النبي ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل
стр. 917
آية منها ظهر وبطن. ظهر الآية ما يظهر من معناها وبطنها هو ما يبطن من معناها فعلى الناس طلب باطنها كما عليهم طلب ظاهرها ليقفوا بذلك على ما تعبدهم الله تعالى من حلال أو حرام.
وعن النبي ﷺ : "أنزل القرآن على ثلاثة أحرف" قيل: هو قول: يقال ويقين يوقن به وعمل يعمل به والأولى أن يقال: لما قال له جبريل: اقرأ علي حرف وقال له ميكائيل: استزده فقال: اقرأ على حرفين فاستزاده حتى بلغ ثلاثة أحرف أعلم الناس بذلك فسمعه من حدث عنه ولم يسمع الزيادة وسمع ذلك غيره إلى سبعة أحرف فحدث به فكان من سمع حجة على من لم يسمع.
عن أبي ظبيان قال لي ابن عباس: على أي القراءتين تقرأ؟ قلت: على القراءة الأولى قراءة ابن مسعود قال: بل قراءة ابن مسعود هي الآخرة أن جبريل كان يعرض على نبي الله القرآن في كل رمضان فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه مرتين فشهد عبد الله ما نسخ منه وما بدل والقراءة التي لا يختلف خطها باختلافها مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فتثبتوا ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ ولنثوبنهم وما أشبه ذلك مما في القرآن كثير فإنه قراءة الرسول ﷺ على الناس كما أنزل ثم نزل عند عرض القرآن على جبريل فقرأه أيضا على ما أنزل فحضر الثانية من غاب عن القراءة الأولى وغاب عن الثانية من حضر الأولى فلزم كل فريق منهم قراءته التي سمع من النبي ﷺ وكان محمودا على ذلك إذ هي كلها من عند الله إذ ليس في المصحف شكل ولا نقط لأنهم تركوا ذلك مخافة أن يخلطوا بكتاب الله غيره حتى كره كثير منهم كتابة فواتح السور والتعشير والتخميس واروهم١ حجة وهذا كمثل ما كان في الأحكام مما نسخه الله تعالى على لسان نبيه بعد ذلك بما نسخه فوقف بعض الصحابة على الحكم الأول وغاب عن الثاني ووقف بعضهم عن الثاني وغاب عن الأول فكان فرض كل فريق منهم الذي تعبد به ما وقف عليه لما لم يسمع خلافه.
стр. 918
عن أنس أن رجلا كان يكتب بين يدي رسول الله ﷺ قد قرأ البقرة وآل عمران وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا وكان النبي ﷺ يملي عليه غفورا رحيما فكتب عليما حكيما فيقول للنبي ﷺ : أكتب كذا وكذا؟ فيقول: "نعم اكتب كيف شئت" ويملي عليه عليما حكيما فيقول: سميعا بصيرا فيقول له النبي: "اكتب كيف شئت" فهو كذلك فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين وقال: أنا أعلمكم بمحمد إن كان ليكل الأمر إلي حتى اكتب ما شئت فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "أن الأرض لن تقبله" فأخبرني أبو طلحة: أنه رأى الأرض التي مات بها فوجده منبوذا قال أبو طلحة: ما شأن هذا؟ قالوا: إنا دفناه مرارا فلم تقبله الأرض.
ليس في الحديث خلاف لما قلنا من أن السبعة الأحرف إنما أطلقت للناس للضرورة إلى ذلك والعجز منهم عن حفظ الحروف بعينها وأنه لا يسع لنا أن نقرأ شيئا من القرآن بخلاف الألفاظ التي فيها وإن كان معناها معنى ما فيها لأنه يحتمل أن يكون ذلك الكتاب الذي أمره بالكتابة إنما هو كتابه إلى الناس في دعائهم إلى التوحيد وتعليم الشرائع ولم يكن الرجل من قريش ولا من الأنصار وإنما كان نصرانيا أسلم وكان يقول ما يقرأ محمد إلا ما كتبت له وليس في قوله ما يقرأ دليل على أنه قرآن وليس كل مقروء ﴿قرآنا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ، فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ- فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الآية وكذا لا يلزم أنه كان يقرأ بنفسه ولكن كان يأمر به فيقرأ عليه ليعلم الناس فيعلموا ما فيه قبل أن ينفذه إلى من يريد إنفاذه إليه.
عن عطية العوفي قال: قرأت على عبد الله بن عمر ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً﴾ فرد على ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً﴾ ثم قال قرأت على رسول الله صلى الله عيه وسلم كما قرأت علي فرد علي كما رددت عليك
стр. 919
والأولى قراءة الرسول وإن كان القراء قد اختلفوا في قراءته على الوجهين المذكورين وكان ذلك واسعا ويحمل أن يكون سبب الاختلاف ما روي أن رسول الله ﷺ كان يقرأ القرآن على الناس فيأخذونه عنه كما يقرأه عليهم ثم يعرض القرآن على جبريل فيبدل من ذلك ما يبدل فيكون أحد المعنيين قد لحقه التبديل فاتسعت القراءة بالوجهين جميعا لأنهم لم يقرؤها إلا من حيث جاز لهم قراءتها وإن كان الأولى منهما هو المأثور.
стр. 920
العنكبوت
عن أبي هريرة قيل للنبي ﷺ : أن فلانا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق فقال: "سينهاه ما يقول" أو قال: "ستمنعه صلاته" قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ أي: أنها تنهى عن أضدادها أن يأتيها على الوجه المأمور به لأن الله تعالى سيتفضل على هذا المصلي بالتوبة عن السرقة ورد ما سرق إلى أهله حتى يلقاه يوم يلقاه ولا تبعة قبله تمنعه من دخول جنته.
стр. 921
الروم
عن ابن عباس كان المشركون يحبون أن يظهر فارس على الروم لأنهم أهل أوثان فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ فقال: "أنهم سيهزمون" فذكر أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهروا كان لك كذا وكذا وإن ظهر فارس كان لنا كذا وكذا فجعل بينهم أجلا خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ فقال: "ألا جعلته دون العشرة لأن البضع ما دون العشرة" قال: فظهرت الروم بعد ذلك فذلك قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ الآية قال: فغلبت الروم ثم غلبت بعد ذلك فقال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر.
стр. 922
وروي لما أنزل ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لقي أبو بكر رجالا من المشركين فقال: إن أهل الكتاب سيغلبون على فارس قالوا: في كم؟ قال: في بضع سنين قال ثم خاطر بينهم خطرا فجاء أبو بكر فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال له رسول الله ﷺ : "فإن ما دون العشرة من البضع" وكان ظهور فارس على الروم لسبع سنين ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب وظهور المسلمين بعد الحديبية.
في قوله ﷺ في هذا الحديث: "ما دون العشرة من البضع" يفهم منه أن نهاية البضع دون العشرة يعني: ما بينه وبين ثلاث لأن أقل البضع ثلاث فإنه ﷺ قال لأبي بكر لما أخبره بذلك: "ألا احتطت فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع" ويدل عليه أن أبا بكر لما أخبرهم بما أنزل الله قالوا له: نبايعك على أن الروم لا تغلب فأرسا وكانت فارس قد غلبت الروم فقال لهم أبو بكر: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فقالوا: الوسط من ذلك ست لا أقل ولا أكثر فوضعوا الرهان وذلك قبل تحريم القمار فانقلب أبو بكر إلى أصحابه فأخبرهم الخبر فقالوا: بئس ما صنعت ألا أقررت بها على ما قال الله لو شاء الله أن يقول ستا لقال فلما كانت سنة ست لم يظهر الروم على فارس فأخذوا الرهان فلما كانت سنة سبع ظهر الروم على فارس فذلك قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ فليس في قول النبي ﷺ : "فإن ما دون العشرة من البضع" بخلاف لقوله في الحديث الثاني: "فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع" ولا لقول أبي بكر الذي ذكرنا وقد روي عن أبي عبيدة أن البضع: ما بين الواحد إلى الأربعة والصحيح أن أقل البضع ثلاثة لا أقل منها إلى تسعة لا أكثر منها وقال الخليل: البضع من العدد ما بين الثلاث إلى العشر.
قال الطحاوي: اتفق أهل اللغة على أن البضع يذكر ويؤنث
стр. 923
فيقال: بضع كما قال: في بضع سنين ويقال: بضعة أيام فعلم أن البضع عدد يختلف فيه التذكير والتأنيث ولا يكون ذلك من العدد في أقل من ثلاثة.
стр. 924
الأحزاب
عن ابن عباس ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ قال: كان النبي ﷺ يصلي يوما فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون أن له قلبين قلبا معكم وقلبا معهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وعن مجاهد نزلت في رجل قال: في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكذب، وقيل: نزلت في رجل كان يقال له: ذو قلبين في الجاهلية وعن الحسن كان الرجل يقول: أمرتني نفسي بكذا فأنزل الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وأول التأويلات أولى بها لا سيما وقد دخل في المسند برد رواته إياه إلى ابن عباس.
стр. 925
سبأ
عن ابن عباس سئل رسول الله ﷺ عن سبأ ما هو؟ فقال رسول الله ﷺ : "هو رجل ولد له عشر قبائل فسكن اليمن ستة والشام أربعة فأما اليمانون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير والشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان".
وعن فروة بن مسيك قلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ قال: "بلى" ثم بدا لي فقلت: يا رسول الله لا بل أهل سبأ فهم أعز وأشد فأمرني رسول الله ﷺ وأذن لي في قتال سبأ فلما خرجت من عنده أنزل الله في سبأ ما أنزل فقال رسول الله ﷺ : "ما فعل الغطفاني" ١ فأرسل إلى منزلي فوجدني قد سرت فردني فلما أتيت رسول الله ﷺ وأصحابه قال: "ادع القوم فمن أجابك منهم فأقبل ومن لم يجب فلا تعجل عليه حتى تحدث إلي" فقال رجل: يا رسول الله من القوم
стр. 926
وما سبأ أرض هي أم امرأة. فقال: "ليست بأرض ولا بامرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العربة فأما ستة فتيامنوا وأما أربعة فتشاءموا فأما الذين تشاءموا لخم وجذام وغسان وعاملة وأما الذين تيامنوا فالأزد وكندة وحمير والأشعريون وأنمار ومذحج" فقال: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: "هم الذين منهم خثعم".
في قوله: لا بل أهل سبأ علم به أن سبأ أرض فيها المنتسبون إليها يؤكده قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ واحتمل ان يكون سميت سبأ كما سميت القبائل في البلدان فقيل: همدان للقبيلة التي نزلتها همدان ومراد للقبيلة التي نزلتها مراد وكذا حمير وغيره فيحتمل أن يكون قيل: سبأ للقبيلة التي نزلتها من يرجع نسبته إلى سبأ فإن كان أرضا وجب أن لا ينصرف وإن كان لسكانها فكذلك لأنهم قبيلة فيقرأ ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ﴾ لا سبأ وقيل: أن من نون جعله أبا للقبيلة ومن لم ينون جعلها أرضا.
стр. 927
حم فصلت
عن ابن مسعود اني لمستند بأستار الكعبة إذ جاء ثلاثة نفر ثقفي وقرشيان كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ فقال أحدهم: أراه يسمع إذا رفعنا ولا يسمع إذا خفضنا وقال الآخر: إن كان يسمع منه شيئا إنه ليسمعه كله فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ إلى ﴿الْمُعْتَبِينَ﴾ .
قيل سياق الآية ﴿وهو وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ثم قال توبيخا: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية ينافي صحة ما في الحديث لأن ذلك كله في الآخرة.
قلنا: يحتمل أن الله تعالى أنزل على رسوله في الحين الذي ذكر ابن مسعود ما ذكره له أولائك الجهال ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ الآية توبيخا لهم
стр. 928
وإعلاما من الله إياهم بذلك ثم أنزل ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ الآية فجعل ﷺ ذلك في المكان الذي يعلمه فيه مما هو شكل له ووصله به إذ كان ذلك كله مما يخاطب به أهل النار.
стр. 929
الأحقاف
عن عامر بن سعد عن أبيه ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض أنه من أهل الجنة: إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ لا حجة فيه على من نفى كون الآية فيه كالشعبي وابن جبير لأن السورة مكية وإسلام عبد الله متأخر قبل وفاة النبي بعامين كما نفى كون ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ مؤولا فيه إذ ليس ذكر النزول فيه من كلام النبي ﷺ ولا من كلام سعد بن أبي وقاص والحق أن الآية قد تنزل بالمدينة فتوضع في سورة مكية ألا ترى أن المصريين قالوا لعبد الله بن سلام لما حذرهم من قتل عثمان: كذب اليهودي كذب اليهودي فقال كذبتم: والله وأثمتم ما أنا بيهودي، وإني لأحد المؤمنين يعلم الله ذلك ورسوله والمؤمنون وقد أنزل الله في: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية والآية الأخرى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ﴾ وأخبار عبد الله بذلك أولى إذ كان أعلم بما أنزل فيه.
стр. 930
القتال
عن ابن عمر قال: كنا معاشر الصحابة نرى أنه ليس من حسناتنا مقبول١ حتى نزلت: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فقلنا: ما هذا المبطل فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فلما نزلت كففنا عن القول وكنا نخاف
стр. 931
على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها.
فيه أن معتقد الصحابة كان قبل نزول الآية أن صاحب الكبيرة لا تقبل منه الحسنات بعد ذلك واعتقدوا بعد النزول أنه قد يغفر لأهل الكبائر إذ كانوا لا يشركون به شيئا.
عن أبي هريرة لما نزلت ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ الآية قالوا: من هم يا رسول الله وسلمان إلى جنبه؟ فقال: "هم الفرس هذا وقومه".
وفي رواية: "والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لنا له رجال من فارس" - الخطاب وإن كان للصحابة لكن المقصود غيرهم لأنهم لم يتولوا بحمد الله وهو مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقد علم الله أن ذلك لا يكون منه لأنه المعصوم على الإطلاق فكان المراد بالوعيد غيره وفيه أنه إذا كان الوعيد يلحقه مع منزلته العظيمة لو كان منه شرك فلحوقه بغيره أولى وهو به أحرى ومثله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ الآية الوتين نياط القلب وقد علم أن ذلك لا يكون منه ولو كان لحل به الوعيد فإذا كان منهم يكون الحلول والوقوع بهم أولى.
стр. 932
الطور
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في جنته وإن لم يبلغها ليقربهم عينه" ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أوقفه بعضهم على ابن عباس ولا يعلم مثل هذا إلا توقيفا وإذا دخل غير النبي ﷺ من المؤمنين في عموم الآية فالنبي ﷺ أدخل فيها منهم وهو في إلحاق الله ذريته المتبعة له بالإيمان لتقر بهم عينه أولى من سائر المؤمنين.
стр. 933
سورة الواقعة
عن أبي هريرة لما نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ شق
стр. 934
ذلك على المسلمين فنزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ :
"إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة شطر أهل الجنة" وقال مرة: نصف أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الباقي.
لما تأملنا وجدنا الآية الأولى في السابقين المقربين بما تقدمها وهم أعلى رتبة من أصحاب اليمين وهم أول لأنهم بعض أصحاب اليمين فأخبر في كتابه أن المقربين ثلة من الأولين يعني ممن تقدمهم من أمم الأنبياء وقليل من الآخرين يعني من أمة نبينا وإن أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين يؤكده قوله في آخر السورة ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فهما غير أن وهما من أهل الجنة إلا أن المقربين أعلى من في الجنة وارفع رتبة فيها وإنما فرح الصحابة لما علموا بالآية الثانية أن من الجنة سوى المقربين وهم أصحاب اليمين دل عليه قوله ﷺ : "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ثم تفضل الله بأن جعلهم ثلثي أهل الجنة على ما روي أنه ﷺ قال: "أهل الجنة مائة وعشرون صفا هذه الأمة منها ثمانون صفا" -
قال أبو الوليد: ويحتمل أن يكونوا ثلاثة أرباع أهل الجنة على ما في هذا الحديث من قوله وقال مرة: نصف أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الآخر فثلاثة أرباع أهل الجنة أمة نبينا وربعهم أمم سائر الأنبياء وهم في الكافرين كالشعرة السوداء في الثور الأبيض على ما ورد مرفوعا عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: "ما شأنكم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا". وكان قولهم كفرا فأنزل الله وتجعلون شكركم على ما أنزلت عليكم من الرزق والغيث إنكم تكذبون تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا.
стр. 935
وعن ابن عباس وتجعلون شكركم مكان رزقكم١ كما تقول العرب: زرتك لتكرمني فجعلت زيارتي إياك أنك استخففت بي أي جعلت ثوابها الاستخفاف فمثله جعلهم الشكر لما كان منه إليهم التكذيب.
وعن الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لو حبس الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبح قوم كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدح" أي: كافرين بنعمة الله وهذا مثل قوله: "واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء بكفرهن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "لا. يكفرن الإحسان ويكفرن العشير لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط".
стр. 936
فنزلت آية التخيير ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿ظَهِيرٍ﴾ ونزلت في ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله التخيير فيه. أخبار عمر بأنه المستنبط لما ذكره في الحديث وإن المستنبطين في الآية هم أولوا الخير والعلم الذين تؤخذ عنهم أمور الدين.
وعن جابر وأولوا الأمر، قال: أولوا الخير، وعن جماعة من السلف أنهم قالوا: أولوا الفقه والخير، وليس بخلاف لما روي عن ابن عباس في، وأولي الأمر منكم ما أنها نزلت في عبد الله بن حذافة إذ بعثه ﷺ في السرية إذ كان من أهل الخير والصحبة ومن أهل الفقه ولولا أنه كذلك لما ولي رسول الله ﷺ ما ولاه إياه لله فيه أحكام لا يدركها إلا أهل الفقه الذين يعلمون أمثالها يدل عليه ما روي عن ابن عباس أولوا الأمر أهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أوجب الله طاعتهم على العباد- وعن أبي هريرة أمراء السرايا فدل أن أولى الأمر المأمور بطاعتهم من هذه صفتهم أمراء كانوا أو غير أمراء.
стр. 937
التغابن
عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ قال: هؤلاء قوم من أهل مكة أسلموا فأبى زواجهم وأولادهم أن يدعوهم فهاجروا فلما قدموا المدينة فرأوا الناس قد تفقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فنزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ الآية فيه أنه لا يحل طاعة زوجة ولا ولد في صد عن طاعة الله ومن حاول ذلك منهم عدو لهم وأمرهم بالعفو إذ كانت عقوباتهم لا يستدركون بها شيئا قد فات.
стр. 938
التحريم
عن عمر بن الخطاب حلف رسول الله ﷺ على نسائه أن لا يدخل عليهن شهرا قال: قلت: يا رسول الله: "إن كنت طلقتهن فإن الله وملائكته وجبريل وميكائيل معك وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله تعالى يصدق قولي".
стр. 939
الجن
روي مرفوعا أن الشهب التي أرسلت على مستمعي السمع عند المبعث لم تكن قبل ذلك.
عن ابن عباس كان الجن يصعدون السماء فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا باطلا فلما بعث رسول الله ﷺ منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمي بها فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من حدث فبعث جنوده فوجدوا رسول الله ﷺ قائما يصلي بين جبلي قال: أراه بمكة فأتوه فأخبروه فقال: هذا الذي حدث في الأرض.
وعن ابن عباس عن رجال من الأنصار أنهم بينا هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله رمى بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله صلى الله
стр. 940
عليه وسلم: "ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمى بمثل هذا"؟ قالوا: كنا نقول ولد الليلة عظيم أو مات عظيم قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "فإنها لا ترمي بموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ما قال ربكم فيخبرونهم فيستخبر أهل السماوات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر هذا السماء فتخطف الجن فيلقونه إلى أوليائهم ويروون فما جاؤابه على وجهه فهو حق ولكنهم يكذبون فيه ويزيدون".
يحتمل أنه كان في الجاهلية الرمي في وقت خاص وبعد مبعث النبي ﷺ عم الأوقات كلها يدل عليه قوله تعالى في إخباره عن الجن بقولهم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية أي: أنه لا نستطيع مثل ما كان نستطيعه قبل ذلك من الاستماع مع الشهب التي حدثت ومن ذلك قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي: أنهم مدحورون ممنوعون من ذلك الواصب الدائم أي أنه غير منقطع وكله بعد مبعث النبي ﷺ والحق أن ما كان قبل المبعث لم يكن لقطع المعاودة وكان بعد مبعثه كان يمنعهم بالكلية لا يقال: روت عائشة سأل ناس رسول الله ﷺ عن الكهان؟ فقال: "ليسوا بشيء" قالوا: فإنهم يخبروننا بالشيء أحيانا يكون حقا فقال: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجن فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيزيدون فيها أكثر من مائة كذبة" وهو مخالف لما قلتم لأن هذا منسوخ١ بما كان بعده من حديث ابن عباس عن رجال من الأنصار.
стр. 941
وقال القاضي: وفيه نظر إذ لا تعارض بين حديث ابن عباس بأن الشهب كان يرمي بها في الجاهلية وبين حديث عائشة أن الجن قد تخطف الكلمة من الحق بعد المبعث مع شدة الحرص وكثرة الشهب المرصدة دل عليه قوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ إلا بأن يؤل أن الجن لا تصل إلى شيء من خبر السماء بعد المبعث بخلاف ما كانت تصل إليه من قبل والحق أن الشهب قد كان يرمي بها قبل البعث إلا أن ذلك كان في وقت خاص وكان للجن مقاعد معه يسترقون السمع منها فلما بعث الله نبيه ﷺ عم الأوقات كلها وملأ السماء حرسا وجعل لكل من يسترق السمع من الجن شهابا رصدا فحال ذلك بينهم وبين ما كانوا يصلون إليه من خبر السماء إلا أن يخطف أحدهم الخطفة فيتبعه شهاب ثاقب كما أخبر الله في كتابه وكما في حديث عائشة المذكور.
стр. 942
المدثر
روي عن النبي ﷺ : كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وأصغى سمعه وحتى جبهته ينتظر متى يؤمر بنفخ فينفخ قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله نتوكل".
وعن ابن عباس ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن". فيه أن الصور ينفخ فيه وعن ابن عمر أن أعرابيا سأل النبي ﷺ ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه". فوافق ذلك ما في الآثار قبله قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ فدل ذلك على أن النفخ في الصور أعاد إليهم أرواحهم حتى عادوا ينسلون بعدما كانوا موتى لا أرواح لهم ويكون النفخ سببا لعود أرواحهم إليهم وأما أهل اللغة منهم أبو عبيدة يقول: الصور جمع صورة مثل سورة وسور وقال جرير.
стр. 943
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
قال الفراء: يقال أن الصور قرن ويقال جمع الصورة والله أعلم قوله تعالى: ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ يدل على أن النفخ كان وهم أحياء فماتوا بذلك وكذلك قوله ﷺ : "لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة" الحديث، وأما قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يحتمل أن يكون جمع صورة لأن المنفوخ فيهم حينئذ كانوا موتى فنفخ فيهم الروح والله أعلم.
стр. 944
سورة التكوير
في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ يقرأ بالضاد والظاء واختلف عن ابن عباس الروايات فروى عطاء عنه قراءة ظنين ومجاهد عنه ضنين والأولى قراءة الضاد لأن نجله بالغيب كان منفيا وكان قومه يظنونه أني كتم عنهم من الوحي ما هو أرفق لهم فنزلت ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية قالت عائشة أعظم الفرية على الله ثلاثة من قال أن محمد رأى ربه وأن محمدا كتم شيئا من الوحي وأن محمدا يعلم ما في غد.
وقيل: أن كل عالم لا يجب أن يعلم كل علمه غيره فأخبر الله تعالى أنه ﷺ فيما أعلمه بخلاف ذلك وأن معه من الفضل ما يتجاوز به علم كل العلماء ومن قرأ بالظاء نفي عنه أن يكون متهما في ذلك وقد كان ﷺ غير متهم حتى سمته قومه الأمين لصدق لهجته ألا ترى لما تشاجر قريش في بناء الكعبة فيمن يضع الحجر فقالوا: أول رجل يدخل من باب المسجد يضعه فدخل ﷺ فقالوا: هذا أمين وكذا في سؤال هرقل لقومه هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فقالوا: لا وفي تسميتهم إياه أمينا في الجاهلية آثار كثيرة عرفها أهلها في مواضعها وإذا لم يكن عند قومه الأعداء متهما لم يكن لنفي ذلك وجه والمصاحف كلها كتبت بالضاد والله أعلم.
стр. 945
سورة التكاثر
عن الزبير أنه قال لما نزلت: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قلنا: يا رسول الله وأي نعيم وإنما هو الأسودان؟ فقال ﷺ : "إنه سيكون فيه أن الذي يسأل عنه هو الفاضل عما به قوام أنفسهم وأما مقدار ما يقوم أنفسهم به فهم غير مسؤولين عنه" يدل عليه ما روي أنه خرج ليلا فمر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه١ ثم انطلق حتى دخل بعض حوائط الأنصار فقال: "أطعمنا بسرا" فأتاهم بعذق فأكلوا منه وأتاهم بماء فشربوا فقال ﷺ : "هذا من النعيم الذي تسئلون عنه" فقال عمر: أنا لمسؤولون عن هذا؟ قال: "نعم، إلا من ثلاث كسرة يسد بها جوعه وخرقة يواري بها عورته وحجرة يدخل فيها من الحر والبرد" فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر وقال: إنا لمسؤولون عن هذا.
стр. 946
المعوذتان
عن زر أنه سأل أبي بن كعب عن المعوذتين وقال: إن أخاك ابن مسعود يحكهما من المصحف فقال أبي: سألت رسول الله ﷺ فقال: قيل لي قل فقلت: فنحن نقول كما قال الرسول ﷺ ففي هذا الجواب لا دلالة على كونهما من القرآن ولا نفيهما عنه ولكن حديث عقبة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت على آيات لم تنزل علي مثلهن المعوذات" ثم قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ يدل على كونهما من القرآن ولم يكن في حديث أبي ما يخالف ذلك فاتفق جميع ما روي أنهما من القرآن ولا حجة لأحد مع النبي ﷺ .
стр. 947
كتاب جامع مما يتعلق بالموطأ
في دعائه لأهل مكة
روى عن النبي ﷺ دعاؤه لأهل مكة: أن يبارك لهم في صاعهم ومدهم يعني: في المكيل بصاعهم ومدهم مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ .
стр. 948
في البيعة والهجرة
عن عقبة الجهني بلغني قدوم النبي ﷺ المدينة وأنا في غنيمة لي فربضتها ثم أتيته فقلت: جئت أبايعك قال: "بيعة أعرابية تريد أو بيعة هجرة" قال: قلت: بيعة هجرة قال: فبايعته فأقمت فقال ﷺ يوما: "من كان ههنا من معد فليقم" فقام رجال وقمت معهم فقال لي: "اجلس" مرتين أو ثلاثا فقلت: يا رسول الله ألسنا من معد؟ قال: "لا" قلت: فممن نحن؟ قال: "من قضاعة".
فيه أن البيعة من المهاجر توجب الإقامة عنده ﷺ ليتصرف فيما يصرفه فيه من أمور الإسلام بخلاف البيعة الإعرابية فإنها لا توجب الإقامة عنده يؤكده حديث مالك بن الحويرث قال: أتيت النبي ﷺ في ناس ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا واشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه فقال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم ومروهم" وذكر أشياء أحفظها أولا أحفظها "وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" وكان واجبا على المبايعين على الهجرة الإقامة بدار الهجرة في حياته ﷺ وبعد وفاته حتى يصرفهم هو في حياته ثم خلفاؤه بعده فيما يصرفونهم من غزو من بقي على الكفر
стр. 949
ومن حفظ من أسلم وكان رجوعهم إلى دار أعرابيتهم حراما ويكونون مرتدين عن الهجرة إلى الأعرابية ملعونين.
عن ابن مسعود آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده إذا علموا به والواشمه والمستوشمة للحسن والمرتد أعرابيا بعد هجرته ملعونون على لسان محمد ﷺ .
ومنه حديث الأعرابي المستقيل بيعته مرارا حتى خرج من غير إذن فقال رسول الله ﷺ : "إنما المدينة كالكبر تنفي خبثها وينصع طيبها".
ثم أعلم أن خروج من اسلم من دار الهجرة إلى الدار الأعرابية إنما يصير مذموما إذا ارتد ارتدادا يخرج به من الهجرة التي توجب عليه الطاعة إلى الأعرابية التي لا طاعة معها وأسلم لم يكونوا كذلك على ما روي جابر مرفوعا: "إبدوا يا اسلم" فقالوا: يا رسول الله إنا نخاف أن نرتد عن هجرتنا فقال: "ابدوا فأنتم مهاجرون حيث كنتم" وفي رواية: "ابدوا انتسموا الرياح واسكنوا الشعاب" فدل أن التبدي١ المذموم هو التبدي الذي لا يجيب أهله إذا دعوا فأما التبدي الذي هو بخلاف ذلك فهو كالمقام بالحضرة ألا ترى أن الأعراب ذموا في قوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾ ومدحوا في قوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فالمذمومون هم الذين يغيبون حتى لا يعلموا الأحكام من الحلال والحرام والمحمودون من كان على خلاف ذلك كالأسلميين.
وفيما روي عن النبي ﷺ : أمرت بقرية تأكل القرى بالهجرة إلى قرية يغلب أهلها القرى لأن الأكل فيه معنى القدرة على الشيء والغلبة عليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ ليس بمعنى الأكل بالفم وكذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ .
стр. 950
فيقيمون الحجة عليكم فيها فينزعونها منكم لأنفسهم وكذا قوله ﷺ : "تأكل القرى" أي: يغلبونهم على قراهم فيفتحونها وقد كان ذلك منهم عليه حتى أظهر الله تعالى نبيه ﷺ على الدين كله وذلك علم من جليل من أعلام نبوته.