المعوذتان
عن زر أنه سأل أبي بن كعب عن المعوذتين وقال: إن أخاك ابن مسعود يحكهما من المصحف فقال أبي: سألت رسول الله ﷺ فقال: قيل لي قل فقلت: فنحن نقول كما قال الرسول ﷺ ففي هذا الجواب لا دلالة على كونهما من القرآن ولا نفيهما عنه ولكن حديث عقبة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت على آيات لم تنزل علي مثلهن المعوذات" ثم قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ يدل على كونهما من القرآن ولم يكن في حديث أبي ما يخالف ذلك فاتفق جميع ما روي أنهما من القرآن ولا حجة لأحد مع النبي ﷺ .
стр. 947
كتاب جامع مما يتعلق بالموطأ
في دعائه لأهل مكة
روى عن النبي ﷺ دعاؤه لأهل مكة: أن يبارك لهم في صاعهم ومدهم يعني: في المكيل بصاعهم ومدهم مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ .
стр. 948
في البيعة والهجرة
عن عقبة الجهني بلغني قدوم النبي ﷺ المدينة وأنا في غنيمة لي فربضتها ثم أتيته فقلت: جئت أبايعك قال: "بيعة أعرابية تريد أو بيعة هجرة" قال: قلت: بيعة هجرة قال: فبايعته فأقمت فقال ﷺ يوما: "من كان ههنا من معد فليقم" فقام رجال وقمت معهم فقال لي: "اجلس" مرتين أو ثلاثا فقلت: يا رسول الله ألسنا من معد؟ قال: "لا" قلت: فممن نحن؟ قال: "من قضاعة".
فيه أن البيعة من المهاجر توجب الإقامة عنده ﷺ ليتصرف فيما يصرفه فيه من أمور الإسلام بخلاف البيعة الإعرابية فإنها لا توجب الإقامة عنده يؤكده حديث مالك بن الحويرث قال: أتيت النبي ﷺ في ناس ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا واشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه فقال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم ومروهم" وذكر أشياء أحفظها أولا أحفظها "وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" وكان واجبا على المبايعين على الهجرة الإقامة بدار الهجرة في حياته ﷺ وبعد وفاته حتى يصرفهم هو في حياته ثم خلفاؤه بعده فيما يصرفونهم من غزو من بقي على الكفر
стр. 949
ومن حفظ من أسلم وكان رجوعهم إلى دار أعرابيتهم حراما ويكونون مرتدين عن الهجرة إلى الأعرابية ملعونين.
عن ابن مسعود آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده إذا علموا به والواشمه والمستوشمة للحسن والمرتد أعرابيا بعد هجرته ملعونون على لسان محمد ﷺ .
ومنه حديث الأعرابي المستقيل بيعته مرارا حتى خرج من غير إذن فقال رسول الله ﷺ : "إنما المدينة كالكبر تنفي خبثها وينصع طيبها".
ثم أعلم أن خروج من اسلم من دار الهجرة إلى الدار الأعرابية إنما يصير مذموما إذا ارتد ارتدادا يخرج به من الهجرة التي توجب عليه الطاعة إلى الأعرابية التي لا طاعة معها وأسلم لم يكونوا كذلك على ما روي جابر مرفوعا: "إبدوا يا اسلم" فقالوا: يا رسول الله إنا نخاف أن نرتد عن هجرتنا فقال: "ابدوا فأنتم مهاجرون حيث كنتم" وفي رواية: "ابدوا انتسموا الرياح واسكنوا الشعاب" فدل أن التبدي١ المذموم هو التبدي الذي لا يجيب أهله إذا دعوا فأما التبدي الذي هو بخلاف ذلك فهو كالمقام بالحضرة ألا ترى أن الأعراب ذموا في قوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾ ومدحوا في قوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فالمذمومون هم الذين يغيبون حتى لا يعلموا الأحكام من الحلال والحرام والمحمودون من كان على خلاف ذلك كالأسلميين.
وفيما روي عن النبي ﷺ : أمرت بقرية تأكل القرى بالهجرة إلى قرية يغلب أهلها القرى لأن الأكل فيه معنى القدرة على الشيء والغلبة عليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ ليس بمعنى الأكل بالفم وكذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ .
стр. 950
فيقيمون الحجة عليكم فيها فينزعونها منكم لأنفسهم وكذا قوله ﷺ : "تأكل القرى" أي: يغلبونهم على قراهم فيفتحونها وقد كان ذلك منهم عليه حتى أظهر الله تعالى نبيه ﷺ على الدين كله وذلك علم من جليل من أعلام نبوته.
стр. 951
في اليهود والنصارى
عن عمر يقول: أن رسول الله ﷺ قال: "لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا يبقى بها إلا مسلم".
وعن أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي ﷺ أن قال: "أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب"، فجزيرة العرب التي لا يترك اليهود والنصارى يقيمون بها إلا مقدار ما يقضون حوائجهم مكة والمدينة والطائف والوبزة١ ووادي القرى على ما قال محمد بن الحسن وقال أبو عبيدة: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول فأما العرض فما بين يبرين إلى منقطع السماوة وقيل: الطول من أقصى عدن إلى ريف العراق والعرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام فيرون أن عمر إنما استخار إخراج أهل نجران من اليمن وكانوا نصارى إلى العراق وأهل خيبر إلى الشام لهذا الحديث ورسول الله ﷺ أجلى بني النضير وفي شأنهم نزلت: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ .
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى أجلاهم إلى قصرهم فغلب على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا للصحابة غلمان يقومون عليها وكادوا لا يفرغون للقيام عليها فأعطاهم
стр. 952
رسول الله ﷺ خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل ما بدا لرسول الله ﷺ فلما كان زمان عمر غشوا المسلمين ورموا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يده فقال عمر: من كان له سهم من خيبر فليحضر حتى نقسمها فقال رئيسهم: لا تغير ما قرره الرسول فقال عمر لرئيسهم: أتراه سقط عني قول رسول الله ﷺ : "كيف بك إذا وقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما" وقسمها عمر بين من كان شهد الحديبية.
وما روي عن ابن عباس أنه قال: أوصى رسول الله ﷺ بثلاث فقال: "اخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، الحديث ففيه غلط عن ابن عيينة لأنه كان يحدث من حفظه فيحتمل أن يكون جعل مكان اليهود والنصارى المشركين إذ لم يكن معه من الفقه ما يميز به بين ذلك١ وما حفظه الجماعة أولى وخالفهم فيه الواحد.
يؤيده ما روي عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "لا تصلح قبلتان بأرض وليس على مسلم جزية" فذكر القبلة دل على أنه أراد من يدين بدين وهم اليهود والنصارى لأنهم ذوو قبلة لا المشركون ولأنه ﷺ إنما أوصى بذلك في مرضه الذي مات فيه وقد كان أفنى الله الشرك وأهله قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ ٢ فكيف يوصى بإخراج المعدومين بل أوصى بإخراج الموجودين وهم اليهود والنصارى.
стр. 953
في القدر والتفاؤل والتطير
سئلت عائشة ما كان رسول الله ﷺ يقول في القدر؟
стр. 954
فقالت: كان يقول: "كل شيء بقدر" وكان يعجبه الفال الحسن.
وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "الطير يجري بقدر" وكان يعجبه الفال الحسن.
وعنه ﷺ : "لا طيرة وخيرها الفال" قيل: ما الفال؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم"، ففيها أنه لا معنى للطيرة والأشياء كلها تجري بقدرة الله ولا تأثير للكلام المسموع مكروها كان أو محبوبا وإعجابه الفال الحسن من أجل أنه لا طيرة معه وسامعوه يعدونه بشارة من الله تعالى لهم بما يحبون فيحمدون عليه.
عن أنس كان النبي ﷺ يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع يا راشد يا نجيح ومثله ما روي أنه ﷺ مر بأرض تسمى عزرة فتطير بها.
وعنه ﷺ لا طيرة والطيرة على من تطير أي عليه إثم تطيره لأنها نوع شرك وما روي مرفوعا من قوله: "أقروا الطير على مكانتها" ١ معناه ما قاله الشافعي أن أحدهم كان إذا غدا من منزله يريد إمرار طير أول طائر يراه فإن سنح عن يساره فاحتال على يمينه قال: هذه طير الأيامن فمضى لحاجته وإن سنح عن يمينه فمر على يساره قال: هذه طير الأشائم فرجع وإذا لم ير طائرا سانحا ورأى طائرا في وكره حركه من وكره فيطيره ليعلم حاله فقال ﷺ : "أقروا الطير على مكانتها ولا تحركوها" لأنه لا يصنع شيئا إنما يصنع فيما يتوجهون به قضاء الله .
وعن جابر أراد ﷺ أن ينهى أن يسمى بعلاء وبركة وأفلح ونحو ذلك وروي: "لئن عشت إلى قابل لأنهى أن يسمى نافعا ويسارا وبركة" فقبض ﷺ ولم ينه عنه.
وفيه أنه ليس بحرام إذ لو كان حراما لم يؤخر ذلك إلى قابل فالإباحة
стр. 955
بالتسمية بها قائمة إذ لم ينه عنها وما روي سمرة بن جندب أنه ﷺ قال: "لا تسم غلامك رباحا ولا أفلح ولا بشير أو يسارا" فيه دليل على أنه إنما نهى عن تسمية بها خوف التطير بها كما نهى أن يورد ممرض على مصح فيصيبه ما أصاب الممرض فيقال: أصابه لأنه أورده عليه ثم نهى عن الطيرة بقوله: "لا عدوى ولا طيرة".
وعن ابن مسعود الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهب بالتوكل يؤكد ما قلنا أنه ﷺ كان له غلاما يسمى رباحا وإن علاء بن الحضرمي كان عاملا على البحرين وبقيا على اسميهما وما روي أنه ﷺ نهى عن التسمية ببرة وقال: "لا تزكوا أنفسكم الله اعلم بأهل البر منكم" كان قبل النهي عن الطيرة وعاد بذلك الحكم في الأسماء إلى استعمالها كلها ما لم يكن منها نهى متأخر عن الطيرة لأنها إشارات ليبين به ما يشار إليه بها عما سواه من جنسه.
стр. 956
في التشاؤم
روي مرفوعا "الشؤم في المرأة والدار والفرس" وفي رواية "إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة والدار والفرس" الحديث الأول يقتضي تحقق الشؤم في الثلاثة والثاني لا يقتضيه وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال ذلك إخبارا عن أهل الجاهلية أنهم كانوا يقولونه غير أنها ذكرته عنه ﷺ في الطيرة لا في الشؤم والمعنى فيهما واحد وكان ما روي عنها في إضافة الكلام إلى الجاهلية أولى لحفظها عنه في ذلك ما قصر غيرها عن حفظه عنه فيه لا سيما وقد روي اليمن في هذه الأشياء روي معاوية بن حكيم عن عمه محمد بن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا شؤم وقد يكون اليمن في المرأة والفرس والدابة" ويجوز أن يكون مكان الدابة الدار والذي ذكرنا عن عائشة في الطيرة ما روي أنه ﷺ قال: "إن الطيرة في
стр. 957
المرأة والدار والفرس" ١ فغضبت وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض وقالت والذي أنزل القرآن على محمد ﷺ ما قالها رسول الله قط إنما قال: "أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك".
стр. 958
في الخلق الحسن
عن النواس بن سمعان سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: "البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
وعن وابصة أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئا من الإثم والبر إلا سألته عنه فانتهيت إليه فلما قعدت بين يديه فقال: "تسئل أو أخبرك"؟ قلت: لا بل أخبرني قال: "جئت تسأل عن البر والإثم"؟ قلت: نعم يا رسول الله فجعل ينكث بهن في صدري ويقول: "يا وابصة استفت قلبك- قالها ثلاثا البر- ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في نفسك وتردد في الصدر وإن أفتاك أو أفتوك".
الحديثان راجعان إلى معنى واحد لأن النفس إذا اطمأنت كان منها حسن الخلق والإثم ضد ذلك من انتفاء الطمأنينة ومع ذلك يكون سوء الخلق وما يتردد في الصدر مثله ولا يخرجه فتيا الناس عن صاحبه ومثله ما روى الصدق طمأنينة والكذب ريبة والطمانينة معها حسن الخلق والريبة معها سوء الخلق وما يتردد في الصدر ولا تخرجه فتيا الناس.
وعن أسامة بن شريك قال: شهدت النبي ﷺ والأعراب يسألونه ما خير ما أعطى العبد؟ قال: "حسن الخلق".
لا يقال: العبد يعطي الإيمان فكيف يكون حسن الخلق خيرا منه لأن حسن الخلق مشترك بين لين العريكة وبين السجية المحمودة وبين الدين ومنه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قاله مجاهد والفراء وهو المراد في هذا الحديث
стр. 959
تقديره خير ما أعطى العبد هو الدين الحسن ومنه ما روي مرفوعا "اللهم حسنت خلقي فحسن خلقي ومثله أن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" يعني وإن لم يقم بالليل ولم يصم بالنهار تطوعا ومنه أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق وقوله: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" المراد هنا السجية التي توجد في بعض المؤمنين دون بعض تفضلا منه ورحمة زائدة وقوله إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق يعني إنما بعث ﷺ ليكمل للناس دينهم وقد وفي بالقصد إذ نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ والإكمال هو الإتمام يعني بعثت لأكمل مصالح الأديان التي قد كان تعبد من تقدم من أنبيائه بما تعبده به منها ثم أكملها بهذه الآية والدين هو الإسلام.
وسئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق ولكنه كان يعفو ويغفر هذه أحسن الصفات من الأخلاق التي هي السجية التي يكون عليها من تحمد سجيته وعنها أنها قالت: كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه وهذا أيضا من أحسنها لأنه لا شيء أحسن من آداب القرآن التي دعانا الله إليها وكان صلى الله عله وسلم غير خارج عنها إلى ما سواه في شيء.
وعن سعد بن هشام قلت لعائشة أخبريني عن خلق الرسول؟ فقالت: كان خلقه القرآن أما تقرأ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قلت: فإني أريد أن أتبتل قالت: لا أما تقرأ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قد تزوج رسول الله ﷺ وولد له ومعنى خلقه القرآن أنه ممتثل لأوامره منته عن نواهيه وهذا يؤيد ما أولنا عليه قوله: "خير ما أعطي العبد قال خلق حسن".
стр. 960
في الحياء
روي مرفوعا: "الحياء من الإيمان" لما كان الإيمان الذي هو مكتسب يمنع صاحبه عن اقتراف المعاصي قولا وفعلا والحياء وإن كان غريزة في الإنسان يمنع عن مثل ذلك كان عملهما واحدا وكانا كشيء واحد فكان كل واحد من
стр. 961
صاحبه والعرب تقيم الشيء مقام الشيء الذي هو مثله أو شبهه ويعمل عمله فجاز أن يسمى باسمه كما سمي الدعاء صلاة إذ كان مفعولا فيها وعليه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله ﵇: "وإن كان صائما فليصل".
стр. 962
في البذاذة
عن النبي ﷺ : "البذاذة من الإيمان" يعني التقشف من سيما أهل الإيمان لأن معهم الزهد والتواضع وكان الأنبياء يلبسون الصوف ويركبون الحمير ويحلبون الشاء.
عن ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : "إن مما أدركنا من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت"، وأوقفه بعضهم فيه أعلام بأنه من لم يكن من أهل الحياء صنع ما شاء لا أنه أمر بصنع ما شاء كقوله: "من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار"، ليس بأمر بتبوئه مقعده بل على معنى أنه إذا كذب عليه تبوأ مقعده من النار وقد يكون ذلك على الوعيد أو التهديد كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ - وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ﴾ الآية.
стр. 963
في الغضب
عن النبي ﷺ : "ما تعدون الصرعة فيكم"؟ قلنا: الذي لا يصرعه الرجال قال: "ليس ذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب"، وروي: ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه فيه أن المستحق لهذا الاسم هو الذي يملك نفسه فيصرعها عما تدعوه إليه من هواها ولا يمنع إطلاقه على الذي يغلب الناس أيضا لكن الذي يغلب نفسه على هواها أحق بأن يسمى بهذا ومثله قول ﷺ : "ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان"، قالوا: فما المسكين يا رسول الله قال: "الذي لا يسأل الناس ولا يعرف فيتصدق عليه"، ليس بإخراج للسائل عن كونه مسكينا ولكنه ليس في أعلى رتبة المسكنة.
стр. 964
في التجمل
عن النبي ﷺ : "البذاذة من الإيمان". وعن أبي رجاء خرج علينا عمران بن حصين عليه مطرف خز لم أره عليه قبل ولا بعد فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه" الحديثان غير مختلفين لأن المراد بالبذاذة هي التي لا تبلغ بصاحبها نهاية البذاذة التي لا يعرف بها ذو النعمة من غيره والمراد بالحديث الذي بعده على النعمة التي ترى على صاحبها ليس مما فيه الخيلاء ولا السرف ولا الذي يذم لألبسه فاللباس المحمود هو البذاذة التي لا بذاذة أقل منها واللباس الذي لا يدخل به صاحبه في أعلى اللباس فيكون فاعل ذلك داخلا في معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ قال الثوري: البس من الثياب ما لا يشهرك عند الفقهاء ولا يزرأك به السفهاء.
وعن الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا قشب فقال: "هل لك من مال"؟ قلت: نعم قال: "من أي المال"؟ قلت: من كل المال من الإبل والخيل والرقيق والغنم قال: "فإذا أتاك الله مالا فلير عليك"، ثم قال: هل ينتج إبل أهلك صحاحا آذانها فتعمد إلى الموسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر وتشقها أو تشق جلودها فتقول: هذه صريم فتحرمها عليك؟ قال: نعم قال: "فإن ما أتاك الله حل وساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحد من موساك"، فيه أنه كان مشركا ولم يكن أسلم يومئذ وفي قوله: "إذا آتاك الله مالا فلير عليك" مع أنه مشرك ليعلم أولياء الله أن لا مقدار للدنيا عند الله وليعلموا أنها ليست بدار جزاء إذ لو كانت كان المؤمنون بذلك أولى وإنما جزاء الموحدين في الآخرة يؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية وليكون المخاطب يعلم ما آتاه الله مما قد منع مثله غيره ممن هو على دينه فيكون ذلك سببا للشكر على ذلك بما يحمده منه من دخوله في الدين الذي دعاه إليه ومن تمسكه بما خلقه لأجله
стр. 965
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فإذا شكر كان حريا أن يزيده الله من تلك النعمة في الدنيا ويدخر له في العقبى وإن لم يفعل ذلك استحق العقوبة العظمى لكفره بالله ولكفران نعمه بخلاف من لم يؤت نعمة في في الدنيا من الكفار فإن عذابه أخف منه.
стр. 966
في لبس الحرير
عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله إني مررت بعطارد أو بلبيد وهو يعرض حلة حرير فلو اشتريتها للجمعة وللوفود فقال رسول الله ﷺ : "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة"، وحج معاوية فدعا نفرا من الأنصار في الكعبة فقال: أنشدكم بالله ألم تسمعوا رسول الله ﷺ ينهى عن ثياب الحرير قالوا: اللهم نعم قال: وأنا أشهد فيه النهي عن الحرير مطلقا فاحتمل عموم الرجال والنساء وهو مذهب ابن الزبير، وروي أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: "إن كنتن تحببن حلية الجنة وحريرها فلا تلبسنها في الدنيا"، ويؤيده القياس على استعمال آنية الذهب والفضة فإن الحرمة تعم الجنسين لأنهما آنية الجنة فكذا الحرير لباس أهل الجنة قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ولكن أكثر الآثار يخالف ذلك.
وعن أنس أنه رأى أم كلثوم بنت النبي ﷺ عليها برد حرير سيراء فإن كان في زمانه ﷺ ففيه ما يعارض ما ذكرنا وإن كان بعده١ كان دليلا على نسخه.
وعن ابن الزبير وهو يخطب أيها الناس: لا تلبسوا نساءكم الحرير قال ﵇: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"، وقال ابن الزبير وأنا أقول: من لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة، وفيه نظر لأنه روى عن أبي سعيد
стр. 967
مرفوعا: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ولو دخل الجنة يلبسه أهل الجنة ولا يلبسه هو".
стр. 968
في الحلى
عن عائشة رأى رسول الله ﷺ عليها مسكتين من ذهب فقال رسول الله ﷺ : "ألا أخبرك بأحسن من هذا لو نزعت هذين وجعلت مسكتين من ورق ثم صفرتهما بزعفران كانتا حسنتين".
وعن ربعى عن أخت لحذيفة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "ويلكن يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تتحلين به حتى تتحلين الذهب إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا إلا عذبت به يوم القيامة"، أما حديث عائشة فقد جاء عنها ما دل على نسخه لأنها كانت تلبس بنات أخيها الذهب إذ لا يمكن مخالفتها لما سمعت إلا بعد وقوفها على ناسخ، وأما ربعى فلم يسمع من أخت حذيفة وإنما حدث به عن امرأة عنها وهي مجهولة لا يحتج بمثلها.
وقد روي عن ثوبان جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ وفي يدها فتخ من ذهب فجعل يضرب يدها فأتت فاطمة فشكت إليها ما صنع بها أبوها قال ثوبان: فدخل رسول الله ﷺ على فاطمة وأنا معه وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذه أهداها إلي أبو حسن فقال: "يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس: فاطمة ابنة محمد وفي يدك سلسلة من نار" فاشترت بها غلاما فأعتقته فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار"، وهذا أحسن ما روي في تحريم الذهب على النساء.
وعن أبي هريرة أتت امرأة فقالت: يا رسول الله طوق من ذهب قال: "طوق من نار" قالت: سوار من ذهب قال: "سوار من نار" قالت: قرطان من ذهب قال: "قرطان من نار" فرمت بسواريها وقالت: إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت عنده قال: "فما يمنع أحداكن أن تصنع قرطين من فضة ثم تصفرهما".
стр. 969
بالزعفران وهذا حديث لا يحتج به لأنه إنما روي عن أبي هريرة أبو زيد وهو مجهول وكذا ما روي عن أسماء بنت يزيد قال النبي ﷺ : "أيما امرأة تحلت قلادة من ذهب جعل في عنقها مثلها من النار يوم القيامة" الحديث لا يحتج به لأنه رواه عنها محمود بن عمرو هو مجهول.
واحتج بعض من جوز التحلي بالذهب للنساء بما روي عن علي أن رسول الله ﷺ أخذ حريرا في يمينه وأخذ ذهبا في شماله ثم قال: "هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها"،وهو فاسد الإسناد، وروي بطرق أن الحرير والذهب حرام على ذكور أمته حل لإناثهم، رواه جماعة من الصحابة كزيد بن أرقم وابن العاص وعقبة وأبي موسى، وروي إباحة الحرير للنساء عن علي بن أبي طالب قال: أتى رسول الله ﷺ بحلة حرير فبعث بها إلي فلبستها فرأيت الكراهية في وجهه فأمرني فأطرتها خمرا بين النساء.
وعن عمر أن رسول الله ﷺ أتى بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة وإلى أسامة بحلة وأعطي عليا حلة فأمره أن يشقها خمرا بين نسائه قال: فراح أسامة بحلته فنظر إليها نظرا عرف أنه كره ما صنع فقال: "أني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين نسائك"، وقال عمر لرسول الله ﷺ : قلت في حلة عطارد ما قلت وتكسوني هذه الحلة؟ قال: "إني لم أكسكها لتلبسها إنما أعطيتكها لتلبسها النساء" فلا يعارض ما تواتر من هذه الآثار بما يخالفه ولم يتواتر.
стр. 970
في الخاتم
روي أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الخاتم إلا لذى سلطان وهذا لأن الخواتم لم تكن مما تستعمله العرب يؤيده أنه ﷺ لما أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر فقيل: أنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم فاتخذ
стр. 971
خاتما من فضة نقشه محمد رسول الله لحاجته إليه وفيه أن من احتاج إلى مكاتبة الناس جاز له ذلك وكذا من احتاج إليه للختم على أمواله إتباعا له ﷺ يؤكده ما روي أنه ﷺ اتخذ خاتما من ذهب وجعل فصه مما يلي كفه فاتخذه الناس فرمى به واتخذ خاتما من ورق أو فضة.
стр. 972
في المشي بنعل واحد
روي مرفوعا: النهي عن المشي في النعل الواحد والخف الواحد وذلك لأن من يلبس كذلك يستهزئ به الناس لأنه ليس بمستحسن عندهم فلو لم يرد فيه نهي لوجب أن ينتهي عنه ولا يعارض بما روي عن عائشة ربما رأيت النبي ﷺ يمشي في نعل واحد لأنه من حديث مندل وليس بثبت في الرواية لا سيما وهو إنما رواه عن ليث بن أبي سليم وهو وإن كان من أهل الفضل ليست روايته عند أهل العلم بالأسانيد قوية.
стр. 973
في الدجال
روي أن امرأة يهودية بالمدينة ولدت غلاما ممسوحة عينه طافية ناتئة فأشفق رسول الله ﷺ أن يكون الدجال فوجده تحت قطيفة يهمهم فآذنته أمه فقالت: يا عبد الله هذا أبو القاسم جاء فأخرج إليه فخرج من القطيفة فقال رسول الله ﷺ : "ما لها قاتلها الله لو تركته لبين" ثم قال: "يا ابن صياد ما ترى"؟ قال: أرى حقا وأرى باطلا وأرى عرشا على الماء فقال: "أتشهد أني رسول الله"؟ فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "آمنت بالله ورسله" فلبس عليه ثم خرج وتركه ثم جاء في الثالثة والرابعة ومعه أبو بكر في نفر من المهاجرين والأنصار فبادر رسول الله ﷺ رجاء أن يسمع من كلامه شيئا فسبقته أمه إليه فقالت: يا عبد الله هذا أبو القاسم قد جاء فقال رسول الله ﷺ : "ما لها قاتلها الله لو تركته لبين" فقال: "يا ابن صياد ما ترى"؟ فقال: أرى حقا وباطلا وأرى عرشا
стр. 974
على الماء فقال رسول الله: "آمنت بالله ورسله" فلبس عليه فقال رسول الله ﷺ : "يا ابن صياد أنا قد خبأنا لك خبيئا فما هو"؟ قال: الدخ فقال رسول الله: "أخس أخس" فقال عمر: ائذن لي فأقتله يا رسول الله فقال: "أن يكن هو فلست صاحبه إنما صاحبه عيسى بن مريم وإن لا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلا من أهل العهد"، فلم يزل رسول الله ﷺ مشفقا أن يكون هو الدجال.
لما راى رسول الله ﷺ ما رأى من عينه وسمع من همهمته ما سمع ووقف على ما في الحديث من الشواهد قال فيه ما قال بغير تحقيق منه أنه هو إذ لم يأته وحي ولم يجزم ما يقوله فيه.
وما روي عن جابر أنه حلف بالله أن ابن صياد هو الدجال وما استثنى فقيل له: تحلف ولا تستثنى فقال: سمعت عمر بن الخطاب يحلف على ذلك عند النبي ﷺ ولم ينكر عليه.
لا دليل فيه إذ كان محتملا أن يكون هو وفيه نظر إذ لا يصح الحلف إلا على ما يستيقنه المرء ولكنه إنما حلف على غالب ظنه لما رأى به من العلامات واستثنى متصلا بها في غالب ظني أو نوى ذلك وإن لم يحرك به لسانه على القول بجواز الإستثناء بالنية وهو من قبيل ما يكون الاستثناء بغير أداته على ما عرف وقيل يجوز الحلف فيما لا يستيقنه الحالف وهو فاسد لا يلتفت إليه يؤيده قول الأنصار في قتيلهم الذي قتل بخيبر كيف نحلف ولم نشهد ولم نحضر فوداه ﷺ من عنده ولم يقل لهم أن الحلف سائغ لهم وكذا ما روى عن ابن مسعود والله لأن أحلف تسعا أن ابن صياد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه ليس هو وما روي عن أبي ذر لأن أحلف أن ابن صياد هو الدجال عشرا أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به هو على ما بينا في حلف عمر.
стр. 975
ثم وقف رسول الله ﷺ على ما حدثه به تميم الداري أن قوما من بني عم له ركبوا سفينة في البحر فانتهت بهم سفينتهم إلى جزيرة لا يعرفونها فخرجوا ينظرون فإذا هم بإنسان لا يدرون ذكر هو أو أنثى من كثرة الشعر فقالوا: من أنت؟ قالت: أنا الجساسة قالوا: فحدثينا قال: أئتوا الدير فإن فيه رجلا بالأشواق إلى أن تحدثوه فدخلوا الدير فإذا هم برجل موثق بالحديد يتأوه شديدا فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: من أهل فلسطين من جزيرة العرب قال: فخرج نبيهم بعد؟ فقالوا: نعم قال: فما صنع؟ قالوا: اتبعه قوم وفارقه قوم فقاتل بمن تبعه من فارقه حتى أعطوه أهل الحجر قال: فما فعلت بحيرة الطبرية؟ قالوا: هي مملوءة تدفق قال: فما فعلت عين الزغر؟ قالوا: تدفق حافتها قال: فما فعل نخل بين عمان وبيسان؟ قالوا: قد أطعم قال: لو أفلت من وثاقي لوطئت البلدان كلها إلا طيبة فقال رسول الله ﷺ : "إلى هذا انتهى فرح نبيكم" ثم قال: "هي طيبة هي طيبة المدينة ما فيها طريق ولا موضع عرق ضيق ولا واسع ولا ضعيف إلا عليه ملك شاهر سيفه لو أراد أن يدخله ضرب وجهه بالسيف". وعن محرر بن أبي هريرة عن أبيه أنه حدثه بهذا وزاد فيه ثم قال: نحو الشام ما هو نحو العراق ما هو ثم أهوى بيده نحو المشرق عن زمره قال: فلقيت عبد الرحمن ابن أبي بكر فحدثته يقال: هل زاد فيه شيئا؟ قال: لا قال: صدق أشهد على عائشة أن عائشة حدثتني بهذا غير أنها زادت فيه أن رسول الله ﷺ قال: "ومكة مثلها".
سرور النبي ﷺ بما في هذا الحديث دليل على أنه تحقق الأمر عنده بطريقه ولولا ذلك ما قام في المسلمين خطيبا به فرحانا وابن صياد يومئذ بالمدينة وبقاء ابن مسعود وأبي ذر وجابر على ما كانوا عليه يحتمل أنهم لم يعلموا ما كان من النبي ﷺ فيما حدثه به تميم الداري ولأجله كان يدفع عن نفسه ابن الصياد أن يكون دجالا.
стр. 976
عن أبي سعيد الخدري قال: لحقني ابن صياد صادرين من مكة فقال: أن الناس يزعمون أني أنا الدجال وهو لا يولد له وقد ولد لي وهو لا يدخل الحرمين وقد دخلتهما والله إني لأعلم مكانه فما ارتبت أنه هو إلا حينئذ.
وعن أبي بكرة قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة الكذاب قبل أن يقول رسول الله ﷺ فيه شيئا ثم قام رسول الله في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد في شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم في شأنه فإنه كذاب من ثلاثين كذابا يخرجون قبل الدجال وأنه ليس بلد إلا يدخله رعب الدجال إلا المدينة على كل نقب من أنقابها يومئذ ملكان يذبان عنها رعب المسيح".
وعن سمرة يرفعه: "لن تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا كذابا كلهم يكذبون على الله ورسوله آخرهم الأعور الدجال ممسوح العين اليمنى كأنها عين ابن أبي تحيا١" يحتمل أن يكون الكذابون في الحديثين صنفا واحدا ويحتمل أن يكونوا غيرهم فيكونون كذابين ليسوا بدجالين قبل أنما سمى الكذاب دجالا لأنه في كذبه معروف كالدجال وفيه نظر لأن الكذابين في المستأنف لا يحصرون بعدد ثلاثين فالحق أنهم دجالون خلاف الدجال الأعور وأنه غير مشتق لأنه لو اشتق من الدجل وهو السرعة في السير كما ذكره بعض لوجب أن يكون كل مسرع في مشيه دجالا فوجب أن يكون من الأسماء التي ليست مشتقة من شيء فكان العدد الذي ذكره رسول الله ﷺ صنفا له وكان يحتمل لما قد ذكرنا احتماله إياه.
وعن حذيفة قال رسول الله ﷺ : "لأنا أعلم بما مع الدجال منه معه نار تحرق ونهر بارد فمن أدركه منكم فلا يهلكن ليغمض عينيه وليقع في
стр. 977
التي يراها نارا فإنها ماء بارد".
وعن جنادة بن أبي أمية عن رجل من الصحابة قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "أنذركم المسيح قالها ثلاثا ألا وأنه لم يكن نبي قبل إلا قد أنذره أمته وخافه عليها إلا فإنه فيكم أيتها الأمة ألا وأنه آدم جعد ممسوح عين اليسار ألا أن معه جنة ونار ألا وأن جنته نار وناره جنة وأن معه جبلا من خبز ونهرا من ماء الا وأنه يمطر ولا ينبت الأرض ألا وأنه يسلط على نفس فيقتلها ثم يحييها ولا يسلط على غيرها ألا وأنه يمكث فيكم أربعين صباحا يبلغ سلطانه كل منهل لا يأتي أربعة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد الطور ومسجد الرسول".
وهذا كمثل ما وقع عن سحرة فرعون قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ يؤيده ما روي عن المغيرة قال: ما سأل أحد عن الدجال أكثر مما سألته عنه فقال: ما يصيبك منه أنه لا يضرك قلت أنهم يزعمون أن معه الطعام والماء قال: هو أهون على الله من ذلك.
وعن جابر يخرج الدجال في خفقة من الدين وأدبار من العلم وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض اليوم منها كالسنة واليوم منها كالشهر واليوم منها كالجمعة ثم سائر أيامه كأيامهم هذه وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا فيقول للناس: أنا ربكم وهو أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب يرد كل ماء ومنهل إلا المدينة ومكة حرمهما الله عليه وقامت الملائكة بأبوابها ومعه جبال من خبز وخضرة يسيل١ بها في الناس والناس في جهد إلا من أتبعه وله نهران أنا أعلم بهما معه نهر يقول: الجنة ونهر يقول: النار من أدخل الذي يسميه الجنة فهو النار ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنة وتبعث معه شياطين تكلم الناس ومعه فتنة عظيمة يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس ويقتل نفسا فيحييها فيما يرى الناس فيقول للناس: هل يفعل هذا إلا الرب؟ فيفر المسلمون
стр. 978
إلى جبل الدخان بالشام فيأتيهم يحاصرون فيشتد حصارهم وجهدهم جهدا شديدا ثم ينزل عيسى ﷺ فينادى من السحر فيقول: يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث فيقولون: هذا رجل جنى فيطلعون فإذا هم بعيسى ابن مريم فتقام الصلاة فيقال: تقدم يا روح الله فيقول: ليتقدم أمامكم فيصلي بكم فإذا صلى صلاة الصبح خرجوا إليه فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء فيمشي إليه فيقتله ومن كان معه على اليهودية حتى أن الشجرة والحجر تنادي ثم قطع الحديث.
قيل هذا الحديث يحقق كون هذه الأشياء مع الدجال والحديث الأول يدل على خلاف ما ظنه وذلك أن فيه أمر السماء بالمطر وإحياء النفس فيما يراه الناس على جهة السحر وفي هذا الباب آثار اختصرتها كما اختصر هو أيضا كراهة التطويل والله أعلم.
стр. 979
في الفطرة
روي مرفوعا الفطرة قص الإظفار وأخذ الشارب وحلق العانة وروي مرفوعا "الفطرة خمس الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط" وعنه مرفوعا "من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وتقليم الأظفار وغسل البراجم ونتف الأباط والاستحداد والانتضاح والختان" وروي "عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك والاستنشاق بالماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الأباط وحلق العانة وانتقاص الماء" ونسي العاشرة إلا أن تكون المضمضة ولا تضاد لأنه يجوز أن تكون الفطرة ولا ثلاثا ثم زاد الله تعالى السنتين ثم زاد الأشياء في الحديث الثالث وفي الرابع التي ليست في الحديثين الأولين فجعلها الله عبادة له على خلقه في أبدانهم.
стр. 980
في معا الكافر
روي عن النبي ﷺ : "المؤمن يأكل في معا واحد والكافر
стр. 981
يأكل في سبعة أمعاء" المؤمن يسمى على طعامه فيكون فيه البركة بخلاف الكافر فلا يكون فيه بركة وقد روي أنه ﷺ ضافه ضيف كافر فأمر بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أمر بأخرى إلى سبع شياه ثم أنه أصبح فأسلم فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها فقال ﷺ : "المؤمن يشرب في معا واحد والكافر في سبعة أمعاء" فعلم أنه كان في رجل معين في حال كفره وإسلامه ويكون الحديث خرج مخرج المعرفة لم يتعد من قصد به إليه إلى من سواه ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ فقيل: لا يغلب عسر يسرين لأن العسر معرفة فهي لواحد واليسر نكرة فهما غيران وكذا كل ما يجيء مجيء المعرفة إلا أن يكون فيه دلالة على الصد إلى ما هو أكثر كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن المراد به الجنس لا الإنسان الواحد وسمعت من ابن أبي عمران يقول: حمل قوم هذا الحديث على الرغبة في الدنيا كما يقال: فلان يأكل الدنيا أكلا أي يرغب فيها ويحرص عليها فالمؤمن لزهادته يأكل في معا واحد وهو قدر البلغة والكفار يزيد فيها لرغبته قالوا: لأن المؤمن قد يأكل الطعام أكثر من الكافر وهو ظاهر.
стр. 982
في الشرب قائما
روي مرفوعا النهي عن الشرب قائما من رواية الجارود وأنس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وغيرهم وما روي أنه كان يشرب قائما من رواية علي وابن عباس وأنس وأم سليم لا يعارض هذا لأنه كان يشرب قائما إلى أن وقف على المعنى الذي يوجب كراهية فنهى عنه وهو ما روى أبو هريرة قال ﷺ : "لو يعلم الذي يشرب قائما ما في جوفه لاستقاء"، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب فقام فشرب قائما، فالنهي إشفاق منه على أمته ولكن الأشياء على الإباحة حتى يأتي نهي عنها وروي عن أبي هريرة أنه رأى رجلا
стр. 983
يشرب قائما فقال له: قئ قال: لم؟ قال: أتحب أن تشرب معك الهوام؟ قال: لا قال: قد شرب معك شر من الهوام الشيطان.
стр. 984
في الخيل
روى أن رسول الله ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها فامسحوا نواصيها وادعوا لها بالبركة وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار"، الأوتار ههنا الذحول أي لا تطلبوا عليها الذحول التي وترتم بها في الجاهلية وعن محمد بن الحسن أوتار القسي كانوا يقلدونها إياها فتختنق بها قال: ومما يصدق ذلك حديث جابر أن النبي ﷺ أمر بقطع الأوتار من أعناق الخيل وكانوا يفعلونه مخافة العين عليها فأمروا بقطعها لأنها لا ترد من قدر الله شيئا وهذا كالتمائم وقوله: "وقلدوها" دليل على أنه لم يرد بذلك الندب.
стр. 985
في العين
روى مرفوعا: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين وإذا استغسلتم فاغسلوا" وعن عائشة أنها قالت: كانوا يأمرون العائن أن يتوضأ فيغتسل به المعين والمحفوظ من أهل اللغة عائن ومعيون وروي أن عامر ابن ربيعة رأى سهلا وهو يغتسل فقال: لم أر كاليوم ولا مخبأة فما لبث أن لبط به فأتى النبي ﷺ فقيل له: أدرك سهلا صريعا فقال: "من تتهمون به"؟ قالوا: عامرا قال: "علام يقتل أحدكم أخاه إذا رأى ما يعجبه فيدعو بالبركة" وأمر عامرا أن يتوضأ ويغسل وجهه ويديه وركبتيه وداخلة إزاره أو يصب عليه ويكفأ الإناء من خلفه زاد بعض الرواة فراح سهل مع الناس ليس به بأس وداخلة الأزار التي تحت الإزار مما يلي الجسد.
قال محمد بن مسلم: والغسل الذي أدركنا عليه علماءنا يصفونه أن يؤتى بالرجل الذي يعين صاحبه بالقدح فيه الماء فيمسك له مرفوعا من الأرض فيدخل