← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11818

النهاية في الفتن والملاحم - ت محمد عبد العزيز

ابن كثير

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

توقع قيام الساعة بين لحظة وأخرى ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عن سليمان بن طرخان التميمي، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ سليمان التميمي، عَنْ أَسْلَمَ الْعِجْلِيِّ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ١ حَسَنٌ وَلَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ أَسْلَمَ الْعِجْلِيِّ. وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمرفينفخ؟ ". فقال أصحاب محمد: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: "حَسْبُنَا اللَّهُ وِنعم الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو كُدَيْنَةَ عن يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ، عَنْ مُطَرِّفٍ بِهِ، وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

стр. 387

"كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ الْتَقَمَ صَاحِبُ الْقَرْنِ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ، مَتَى يُؤْمَرُ؟ " قَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ خَالِدُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِهِ، وحسنه أيضاً، وقال شيخنا أبو حجاج الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أبو يحيى التميمي، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، كَذَا قَالَ ﵀. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأَهْوَالِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أخبرنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سعيد الخدري، قال: قال رسول ﷺ : "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَ الصُّورَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ أَنْ يَنْفُخَ فَيَنْفُخَ. " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ١". وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى الموصلي في مسند أبي هريرة: روى أبو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ عِمْرَانَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْعَمُ أو كيف أنتم - شك أبو صالح- وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ بِفِيهِ، وَأَصْغَى سمعه، وحنى جبهته، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ، فَيَنْفُخُ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى الله توكلنا".

стр. 388

وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاحِبَ الصُّورِ فَقَالَ: "عَنْ يَمِينِهِ جِبْرِيلُ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِيلُ، عليهم الصلاة والسلام". وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إن صاحبي الصور بأيدهما أو في أيديهما قرنان: يلاحظان مَتَى يُؤْمَرَانِ؟ ١". وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي مُرَيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "النَّفَّاخَانِ فِي السَّمَاءِ الثانية، رَأْسُ أَحَدِهِمَا بِالْمَغْرِبِ، وَرِجْلَاهُ بِالْمَشْرِقِ، يَنْتَظِرَانِ مَتَى يُؤْمَرَانِ يَنْفُخَانِ فِي الصُّورِ فَيَنْفُخَانِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَأَبُو مُرَيَّةَ هَذَا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْعِجْلِيُّ، وَلَيْسَ بِالْمَشْهُورِ، وَلَعَلَّ هَذَيْنِ الملكين أحدهما هو إِسْرَافِيلُ وَهُوَ الَّذِي يَنْفُخُ فِي الصُّورِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ الصُّورِ بِطُولِهِ، وَالْآخَرُ هُوَ الَّذِي يَنْقُرُ فِي النَّاقُورِ، وَقَدْ يَكُونُ الصور، والناقور اسم جنس يعم أفراداً كثيرين، والألف وَاللَّامُ فِيهِمَا لِلْعَهْدِ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَتْبَاعٌ، يَفْعَلُونَ كَفِعْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ ابن أبي الدنيا: أخبرنا عبد الله بن جرير، حدثنا موسى بن

стр. 389

إسماعيل: أخبرنا عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبد الله بن عبد الله الأصم، أخبرنا يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ صَاحِبَ الصُّورِ لَمْ يَطْرِفْ مُنْذُ وُكِّلَ به، كأن عينيه كوكبان دريان، ينظرتجاه العرش مخافة أن يؤمرأن يَنْفُخَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ. وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حدثنا مروان بن معاوية، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ما أطرق صاحب الصور منذ وكّل به، ينظرنحو العرش مخافة أن يؤمرقبل أن يرتد إليه طرفه، كأنه عينيه كوكبان دريان".

стр. 390

حديث الصور بطوله تصوير لمشاهد القيامة أو لبعض مشاهدها قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عمرو بن الضحاك بن مجالد، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مجالد، حَدَّثَنَا أَبُو رَافِعٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ: "إِن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والْأَرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ، فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ على فيه، شاخصاً إلى العرش ببصره، ينتظرمتى يؤمر؟ " قال: قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا الصور؟ قال: "قرن". قال: كيف هو؟ قال: "عظيم". قال: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ عِظَمَ دَائِرَةٍ فِيهِ لعرض السموات والْأَرْضِ، يُنْفَخُ فِيهِ ثَلَاثُ نَفَخَاتٍ، الْأُولَى نَفْخَةُ الْفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات وَالْأَرْضِ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَأْمُرُهُ تَعَالَى فَيَمُدُّهَا وَيُطِيلُهَا وَلَا يَفْتُرُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ الله فيها:

стр. 391

﴿وَمَا يَنْظر هؤلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاق﴾ [ص:١٥] . فَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرَ السَّحَابِ، فَتَكُونُ سَرَابًا، وَتَرْتَجُّ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا، فتكون كالسفينة فِي الْبَحْرِ، تَضْرِبُهَا الْأَمْوَاجُ، تُكْفَأُ بِأَهْلِهَا كَالْقِنْدِيلِ المعلق بالعرش، ترجه الأرواح، ألا وهو الذي يقول الله تعالى فيه: ﴿يَوْمَ تَرْجفُ الرَاجِفَةُ تَتبَعهَا الرَّادِفةُ قلوبٌ يومَئِذ واجِفةٌ﴾ [النازعات:٦-٨] . فتميد الأرض بأهلها، وتذهل المراضع، وتضع كل الحوامل، وتشيب الولدان، ويطير الناس هاربين من الفزع، فتلقاهم الملائكة، فتضرب وجوههم فيرجعون، ثُمَّ يُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ، مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ من عاصم، ينادي بعضهم بعضاً، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ بصدعين، مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا، لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وَأَخَذَهُمْ لِذَلِكَ مِنَ الْكَرْبِ والهول ما الله به عليم، نظروا في السَّمَاءُ فَإِذَا هِيَ كَالْمُهْلِ، ثُمَّ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ، فَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا، وَخَسَفَتْ شَمْسُهَا، وَقَمَرُهَا"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْأَمْوَاتُ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: من استثناه اللَّهُ حِينَ يَقُولُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال: أولئك الشهداء، وإنما يَصِلُ الْفَزَعُ إِلَى الْأَحْيَاءِ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ، عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَوَقَاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَمَّنَهُمْ مِنْهُ، وَهُوَ عَذَابُ اللَّهِ، يَبْعَثُهُ عَلَى شرار خلقه هو الذي يقول الله فيه: ﴿يَايًّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شيءٌ عَظِيمٌ يَومَ تَرَونها تَذهَلُ كلُّ مُرضِعةٍ عَمَّا أرْضَعَتْ وَتضعً كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلَها وتَرَى النَّاسَ سُكارَى وَمَا هُمْ بِسُكارى ولكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَديدٌ﴾ [الحج:١-٢] .

стр. 392

فَيَمْكُثُونَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ مَا شَاءَ اللَّهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَطُولُ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ فينفخ نفخة الصعق؟ فيصعق أهل السموات وَالْأَرْضِ؟ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ؟ فَإِذَا هُمْ خمدوا، جاء ملك الموت إلى الجبارة فيقول: يا رب: مات أهل السموات وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شِئْتَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ بَقِيَ؟ فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: يَا رب: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة عرشك، وبقي جبريل وميكاثيل، وبقيت أنا؟ فيقول الله: لِيَمُتْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَيُنْطِقُ اللَّهُ الْعَرْشَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ يَمُوتُ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ؟ فَيَقُولُ: اسْكُتْ، فَإِنِّي كَتَبْتُ الْمَوْتَ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ تَحْتَ عَرْشِي، فَيَمُوتَانِ، ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ: قَدْ مات جبريل وميكائيل؟ وبقيت أنا وحملة العرش فيقول الله: فليمت حَمَلَةُ عَرْشِي فَيَمُوتُونَ، وَيَأْمُرُ اللَّهُ الْعَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ مِنْ إِسْرَافِيلَ ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ إِلى الجبار فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ فَيَقُولُ: وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ بَقِيَ، فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ يَا رَبِّ: بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا تموت وَبَقِيتُ أَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي، خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ فَمُتْ، فَيَمُوتُ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ كَانَ آخِرًا كَمَا كان أولاً، طوى السموات والأرض كطي السجل للكتاب ثم دحاها ثم لفها ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: أَنَا الْجَبَّارُ ثَلَاثًا. ثُمَّ هتف بِصَوْتِهِ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَا يجيبه أحد، فيقول لنفسه: لله الواحد القهار، ويبدل الأرض غير الأرض والسموات، فَيَبْسُطُهَا، وَيَسْطَحُهَا، وَيَمُدُّهَا مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ، لَا تَرَى فِيهَا عوجاَ وَلَا أَمْتًا، ثُمَّ يَزْجُرُ الله الخلق زجرة، فإذا هم في مثل ما كانوا فيه في الْأُولَى، مَنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا كَانَ فِي بَطْنِهَا، وَمَنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِهَا كَانَ عَلَى ظهرها، ثم ينزل الله عليكم من مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ فَوْقَهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، ثُمَّ يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كَنَبَاتِ الْبَقْلِ، حَتَّى

стр. 393

إذا تكاملت أجسادهم، فكانت كما كانت، قال الله: ليحيي جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَيَحْيَيَانِ، ثُمَّ يَدْعُو اللَّهُ بِالْأَرْوَاحِ، فَيُؤْتَى بِهَا تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُسْلِمِينَ نُورًا، وَالْأُخْرَى ظُلْمَةً، فَيَقْبِضُهَا جَمِيعًا، ثُمَّ يُلْقِيهَا فِي الصُّورِ، ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نَفْخَةَ الْبَعْثِ، فَيَنْفُخَ نَفْخَةَ الْبَعْثِ، فَتَخْرُجَ الْأَرْوَاحُ كَأَنَّهَا النَّحْلُ قَدْ مَلَأَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرض فيقول الله: "وعزتي وجلالي، ليرجعن كل روح إلى جسده، فَتَدْخُلُ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَرْضِ إِلَى الْأَجْسَادِ، فَتَدْخُلُ في الخياشيم، ثم تمشي فِي الْأَجْسَادِ مَشْيَ السُّمِّ فِي اللَّدِيغِ ثُمَّ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْكُمْ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، فَتَخْرُجُونَ مِنْهَا سِرَاعًا إِلَى رَبِّكُمْ تَنْسِلُونَ. ﴿مُهْطِعينَ ١ إِلى الدَّاع يَقُولُ الْكَافِرونَ هذَا يوم عسيرٌ﴾ . حُفَاةً، عُرَاةً، غُلْفًا غُرْلًا، ثُمَّ تَقِفُونَ مَوْقِفًا وَاحِدًا، مِقْدَارَ سَبْعِينَ عَامًا لَا يُنْظَرُ إِلَيْكُمْ، وَلَا يُقْضَى بَيْنَكُمْ، فَتَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثم تدمعون دماء وَتَعْرَقُونَ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنْكُمْ أَنْ يُلْجِمَكُمْ، أَوْ يَبْلُغَ الْأَذْقَانَ، فَتَضِجُّونَ، وَتَقُولُونَ: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّنَا لِيَقْضِيَ بَيْنَنَا؟ فَيَقُولُونَ: مَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَكَلَّمَهُ قِبَلًا، فيأتون آدم، فيطلبون إليه ذلك، فيأبى، فيقول: حُفَاةً عُرَاةً غُلْفًا غُرْلًا ثُمَّ تَقِفُونَ مَوْقِفًا واحداً، مقدار سبعين عاماً. ما أنا صاحب ذلك، ثم يسعون للأنبياء نَبِيًّا نَبِيًّا، كُلَّمَا جَاءُوا نَبِيًّا أَبَى عَلَيْهِمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حتى تأتوني، فَأَنْطَلِقُ، حَتَّى آتِيَ الْفَحْصَ، فَأَخِرُّ سَاجِدًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا الْفَحْصُ قال: موضع قُدَّامُ الْعَرْشِ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ إِلَيَّ مَلَكًا، فَيَأْخُذُ بِعَضُدِي، فَيَرْفَعُنِي، فَيَقُولُ لِي: يَا مُحَمَّدُ:

стр. 394

فَأَقُولُ: نَعَمْ لَبَّيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ مَا شَأْنُكَ؟ - وَهُوَ أَعْلَمُ- فَأَقُولُ: يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ، فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُ شَفَّعْتُكَ، أَنَا آتيكمِ، فَأَقْضِي بَيْنَكُمْ"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَرْجِعُ فَأَقِفُ مع الناس، فبينما نحن وقوف، إذا سمعنا حساً من السماء شديداً، فينزل أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا مِثْلَ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ والإِنس، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ، أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ، وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ، وَقُلْنَا لَهُمْ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ قَالُوا: لَا وَهُوَ آتٍ، ثم ينزلون عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيفِ حَتَّى يَنْزِلَ الْجَبَّارُ ﵎ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ، وَيَحْمِلُ عَرْشَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، وَهُمُ الْيَوْمَ أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والأرض والسموات إلى حجرهم وَالْعَرْشُ عَلَى مَنَاكِبِهِمْ، لَهُمْ زَجَلٌ مِنْ تَسْبِيحِهِمْ، يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، سبحان الَّذِي يُمِيتُ الْخَلَائِقَ وَلَا يَمُوتُ، فَيَضَعُ اللَّهُ كُرْسِيَّهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِهِ، ثُمَّ يَهْتِفُ بصوته، فيقول: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ والإِنس، إِنِّي قَدْ أَنْصَتُّ لَكُمْ مِنْ يَوْمِ خَلَقْتُكُمْ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا، أسمع قولكم، وأرى أعمالكم، فأنصتوا إلي، فَإِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ، وَصُحُفُكُمْ، تُقْرَأُ عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يلومنَّ إِلا نَفْسَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ جَهَنَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ سَاطِعٌ مُظْلِمٌ". ثم يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يّس:٥٩] . ﴿ألَمْ أعْهَدْ إِلَيْكمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعبُدوني هذَا صراطٌ مُسْتَقِيم وَلَقَدْ أضلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرونَ﴾ [يس:٦٠-٦٤] .

стр. 395

فيميز الله الناس، وينادي الأمم داعياً لكل أمة إلى كتابها، والأمم جاثية من الهول قال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى كُل أمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تدْعَى إِلَى كِتابِهَا الْيَوْم تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨] . فَيَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ، الإِنس وَالْجِنَّ، فَيَقْضِي بَيْنَ الْوُحُوشِ وَالْبَهَائِمِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُقِيدُ الْجَمَّاءَ مِنْ ذَاتِ الْقَرْنِ، فَإِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ تَبْقَ تَبِعَةٌ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لِأُخْرَى، قَالَ اللَّهُ لها: كوني تراباً، فعند ذلك ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ ثُمَّ يَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَكُونُ أَوَّلَ ما يقضى فيه الدماء، فيأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله من قتل فيحمل رأسه تشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول الله تعالى وهو أعلم: فيم قتلته؟ فيقول: قتلته يا رب لتكون العزة لك، فيقول الله: صدقت، فيجعل الله وجهه مثل نور السموات، ثم تسبقه الْمَلَائِكَةُ إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَأْتِي كُلُّ مَنْ كان يقتل على غير ذلك ويأمر من قتل فيحمل رأسه تشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول الله وَهُوَ أَعْلَمُ: فِيمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قتلته لتكون العزة لي، فيقول الله: تعست، ثم ما تبقى نفس قتلها قاتل إِلا قُتِلَ بِهَا، وَلَا مَظْلَمَةٌ إِلَّا أُخِذَ بها، وكان في مشيئة الله إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ، ثُمَّ يَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِهِ، حَتَّى لَا تَبْقَى مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ عِنْدَ أَحَدٍ إِلَّا أَخَذَهَا اللَّهُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، حَتَّى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء أَنْ يُخَلِّصَ اللَّبَنَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، نَادَى مُنَادٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ كلهم، فقال: ليلحق كل قوم بآلهتهم وماكانوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ عبد من دون الله شيئاً إِلا مثلت له الهيئة بين يديه، فيجعل يَوْمَئِذٍ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صُورَةِ عُزَيْرٍ، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى، فَيَتْبَعُ هَذَا الْيَهُودُ، وَيَتْبَعُ هَذَا النَّصَارَى ثُمَّ قادتهم آلِهَتُهُمْ إِلَى النَّارِ فَهَذَا الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تعالى:

стр. 396

﴿لَوْ كَانَ هؤلاَءَ آلِهَةً مَا وَردوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُون﴾ [الأنبياء:٩٩] . فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا الْمُؤْمِنُونَ، فِيهِمُ الْمُنَافِقُونَ، جَاءَهُمُ اللَّهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ هَيْئَةٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ذَهَبَ النَّاسُ فَالْحَقُوا بِآلِهَتِكُمْ، وَمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: والله ما لنا إِلَّا اللَّهُ، مَا كُنَّا نَعْبُدُ غَيْرَهُ، فَيَنْصَرِفُ عنهم- وهو الله- فَيَمْكُثُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ يَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ذَهَبَ النَّاسُ، فَالْحَقُوا بِآلِهَتِكُمْ، وَمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا لنا إِلَّا اللَّهُ، وَمَا كُنَّا نَعْبُدُ غَيْرَهُ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ مِنْ عَظَمَتِهِ مَا يعرفون به أنه ربهم، فيخرون سُجَّدًا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَيَخِرُّ كُلُّ مُنَافِقٍ عَلَى قفاه، ويجعل الله أصلابهم كَصَيَاصِي١ الْبَقَرِ، ثُمَّ يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُمْ فَيَرْفَعُونَ رؤوسهم، ويضرب الله بالسراط بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، كَقَدِّ الشَّعَرِ، أَوْ كَعَقْدِ الشَّعَرِ، وَكَحَدِّ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَخَطَاطِيفُ، وَحَسَكٌ كحسك السعدان، ودونه جِسْرٌ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ فَيَمُرُّونَ كَطَرْفِ الْبَصَرِ، أَوْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، أَوْ كَمَرِّ الرِّيحِ، أَوْ كَجِيَادِ الْخَيْلِ، أَوْ كَجِيَادِ الرِّكَابِ، أَوْ كَجِيَادِ الرِّجَالِ، فناج سالم، وناج مخدوش، ومكدوح عَلَى وَجْهِهِ فِي جَهَنَّمَ، فَإِذَا أَفْضَى أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، قَالُوا: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إلى ربنا فيدخلنا الْجَنَّةَ فَيَقُولُونَ: مَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أبيكمٍ آدم؟ إنه خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَكَلَّمَهُ قِبَلًا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَطْلُبُونَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَيَذْكُرُ ذَنْبًا، وَيَقُولُ: مَا أَنَا بِصَاحِبِ ذَلِكَ، ولكن عليكم بنوح، فإنه أول رسله إلى خلقه، فيؤتى نوحٍ، فيطلبون ذلك إليه فيذكر شيئاً ويقول: ما أنا بصاحبكم، عليكم بموسى، فيطلبون ذلك إليه فيذكر ذنباً، ويقول لست بِصَاحِبِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِرُوحِ اللَّهِ وَكَلِمَتِهِ عيسى ابن مريم، فَيَطْلُبُونَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَيَقُولُ مَا أَنَا بِصَاحِبِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 397

"فيأتوني، ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدتهن، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي الْجَنَّةَ، فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، ثُمَّ أستفتح فيفتح لي، فأحيي ويرحب بي، فَإِذَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَنَظَرْتُ إِلَى رَبِّي خَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَأْذَنُ اللَّهُ لِي من حمده ومجده بِشَيْءٍ مَا أَذِنَ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، ثم يقول لي الله: ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع، وسل تعط، فَإِذَا رَفَعْتُ رَأْسِي قَالَ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ : قَدْ شَفَّعْتُكَ، وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ"، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَزْوَاجِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ". "فَيَدْخُلُ كُلُّ رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة كما ينشئهن الله، واثنتين آدميتين، لهما فضل على من شاء اللَّهُ بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سريرمن ذهب مكلل باللؤلؤ، له سبعون درجة من سندس واستبرق، ويضع يده بين كتفيها، ثم ينظر من صدرها ما وراء ثيابها من جلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى لحم سَاقِهَا، كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتَةِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا، لَا يَمَلُّهَا وَلَا تمله إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ، وَلَا تُمَلُّ، إِلا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا جَاءَ واحدة قالت: والله ما في الجنة أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ، قَالَ: وَإِذَا وَقَعَ أَهْلُ النَّارِ في النار، وقع فيها خلق مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ، أَوْبَقَتْهُمْ أَعْمَالُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ تأخذه إلى قدميه لا يجاوز ذلك منهم، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تأخذ جسده كله، إلا وجهه قد حرم الله صوره عَلَيْهَا"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَقُولُ: يَا رَبِّ شَفِّعْنِي فِيمَنْ وَقَعَ فِي النَّارِ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ اللَّهُ : أخرجوا من عرفتم، فيخرج أولئك،

стр. 398

حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثَمَّ يَأْذَنُ اللَّهُ لِي فِي الشَّفَاعَةِ، فَلَا يَبْقَى نَبِيٌّ ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أَخْرِجُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ زِنَةَ الدِّينَارِ إِيمَانًا، فَيَخْرُجُ أُولَئِكَ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أحد، ثم يشفع اللَّهُ فَيَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ إيماناً ثلثي دينار، ثم يقول: وثلث دينار، ثم يقول: قيراطاً، ثُمَّ يَقُولُ: حَبَّةً مِنْ خَرْدَلٍ، فَيَخْرُجُ أُولَئِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَحَتَّى لَا يَبْقَى فِي النَّارِ مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ خَيْرًا قَطُّ، وَحَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ لَهُ شَفَاعَةٌ إِلا شُفِّعَ، حَتَّى إِنَّ إِبْلِيسَ لَيَتَطَاوَلُ لِمَا يرى من رحمة الله رَجَاءَ أَنْ يُشْفَعَ لَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: بقيت أنا، وأنا أرحم الراحمين، فيدخل يَدَهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا مَا لَا يحصيه غيره، كأنهم حب فَيَبُثُّهُمُ اللَّهُ عَلَى نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، مما يلي الشمس أخضر، ومما يلي الظل منها أصفر، فينبتون حتى يكونوا أمثال الدر، مكتوباً فِي رِقَابِهِمْ الْجَهَنَّمِيُّونَ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِذَلِكَ الْكِتَابِ، مَا عَمِلُوا الله خيراً قط، فيبقون في الجنة". إِلَى هُنَا كَانَ فِي أَصْلِ أَبِي بَكْرِ العربي، عن أبي يعلى ﵀، وهو حديث مشهور، رواه جماعات مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي كُتُبِهِمْ، كَابْنِ جَرِيرٍ فِي تفسيره، والطبراني في المطولات، والحافظ البيهقي في كتابه: الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالْحَافِظِ أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ فِي المطولات أيضاً من طرق متعددة عن إسماعيل ابن رَافِعٍ قَاصِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ بسببه وفي بعض سياقه نَكَارَةٌ وَاخْتِلَافٌ، وَقَدْ بَيَّنْتُ طُرُقَهُ فِي جُزْءٍ منفرد. قلت: وإسماعيل بن رافع المديني ليس في الْوَضَّاعِينَ، وَكَأَنَّهُ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ وأماكن متفرقة، فجمعه وَسَاقَهُ سِيَاقَةً وَاحِدَةً، فَكَانَ يَقُصُّ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ حَضَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ النَّاسِ فِي عَصْرِهِ وَرَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكِبَارِ كَأَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، ومَكي بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ سابور، وعبده بن سليمان، وغيرهم، واختلف عليه،

стр. 399

فتارة يقول: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أبي هريرة، وَتَارَةً يُسْقِطُ الرَّجُلَ، وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بن رافع، عن محمد بن زيد، عن أَبِي زِيَادٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ محمد بن كعب، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بطوله: وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْقَطَ الرَّجُلَ الْأَوَّلَ، قَالَ شَيْخُنَا الحافظ المزي، وهذا أقرب، قال: وقد رواه عن إسماعيل بن رافع عن الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَلَهُ عَلَيْهِ مُصَنَّفٌ، بَيَّنَ شواهده من الأحاديث الصحيحة، وقال الحافظ ابن مُوسَى الْمَدِينِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ لَهُ بِتَمَامِهِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ تُكُلِّمَ فيه فعامة ما فيه يروى مفرقاً من أسانيد ثَابِتَةٍ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى غَرِيبِهِ. قُلْتُ: وَنَحْنُ نتكلم عليه فصلاً فصلاً وبالله المستعان.

стр. 400

فصل: نفخات الصور لا يبقي من الإِنسان بعد موته إِلا عجب ذنبه النفخات في الصور ثلاث نفخات، نَفْخَةُ الْفَزَعِ، ثُمَّ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، ثُمَّ نَفْخَةُ الْبَعْثِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ بِطُولِهِ. وَقَدْ قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ النفختين أربعون يوماً، قال: أبيت. قال: أربعون شهراً. قال: أبيت. قال: أربعون سنة. قال: ثم ينزل مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا

стр. 401

يَنْبُتُ الْبَقْلُ"، قَالَ: "وَلَيْسَ مِنَ الإِنسان شَيْءٌ إِلا يَبْلَى، إِلا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ١. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، وَحَدِيثُ عَجْبِ الذَّنَبِ وأنه لا يبلى وأن الخلق بدؤوا منه ومنه يركبون يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. ورواه أحمد، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى وَيَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ ومنه يُرَكَّبُ" ٢. انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ مسلم.

стр. 402

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ التُّرَابُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الإِنسان إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ، قيل وما هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مِثْلُ حَبَّةِ خردل، منه ينبتون". والمقصود هنا ذكر النفختين، وأن بينهما إِمَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً، وَهَاتَانِ النَّفْخَتَانِ هُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، نَفْخَةُ، الصَّعْقِ، وَنَفْخَةُ الْقِيَامِ لِلْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، بِدَلِيلِ إِنْزَالِ الْمَاءِ بَيْنَهُمَا، وَذِكْرِ عَجْبِ الذَّنَبِ الَّذِي مِنْهُ يُخْلَقُ الإِنسان ومنه يُرَكَّبُ عِنْدَ بَعْثِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يكون المراد منهما ما بين نفخة الصعق، ونفخة الفزع وهو الذي يريد ذِكْرَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ بَيْنَ نَفْخَتَيِ الْفَزَعِ وَالصَّعْقِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ أَنَّهُ يكون فيها أمور عظام.

стр. 403

من أهوال يوم القيامة مِنْ ذَلِكَ زَلْزَلَةُ الْأَرْضِ، وَارْتِجَاجُهَا وَمَيَدَانُهَا، بِأَهْلِهَا يَمِينًا وَشِمَالًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالها وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقَالَها وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَها﴾ [الزلزلة:١-٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيُهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنْ زَلزَلةَ السًاعَةِ شَيءٌ عَظِيم يَوْمَ تَرْونَهَا

стр. 404

تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاس سُكَارَىَ وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١-٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَة خافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّت الْأَرْضُ رَجّاً وبَسّتِ الْجِبَالُ بَساً فَكَانَتْ هَبَاءَ مُنْبَثّاً وَكُنْتُمْ أزْواجاً ثَلاَثَةً﴾ [الْوَاقِعَةِ:١-٧] . وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ النَّفْخَةُ، أَعْنِي نَفْخَةَ الفزع أولى مبادىء الْقِيَامَةِ، كَانَ اسْمُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ صَادِقًا عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نشر الرجلان ثوباً بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ، وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا" ١. وَهَذَا إِنَّمَا يَتَّجِهُ عَلَى ما قبل نَفْخَةِ الْفَزَعِ بِأَنَّهَا السَّاعَةُ لَمَّا كَانَتْ أَوَّلَ مَبَادِئِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ فِي صِفَةِ أَهْلِ آخِرِ الزَّمَانِ أَنَّهُمْ شِرَارُ النَّاسِ، وَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ رَافِعٍ فِي حَدِيثِ الصُّورِ الْمُتَقَدِّمِ، أَنَّ السَّمَاءَ تَنْشَقُّ فيما بين نفختي الفزع والصعق، وأن نجومهما تتناثر، وتخسف شَمْسُهَا وَقَمَرُهَا، وَالظَّاهِرُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ هَذَا إنما يكون بعد نفخة الصعق.

стр. 405

قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأرْض والسَّموَاتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمجْرِمِينَ يَوْمَئِذ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٨-٥٠] . وقال تعالى: ﴿إِذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِربِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١-٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ الْمَفَرّ كَلَّا لاَ وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرّ يُنَبّؤاْ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذ بِمَا قَدّمَ وَأخَّر بَل الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ ألْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:٧-١٥] . وسيأتي تقرير أن هذا كله كائن، بَعْدَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ، وَأَمَّا زِلْزَالُ الْأَرْضِ، وَانْشِقَاقُهَا بِسَبَبِ تِلْكَ الزَّلْزَلَةِ، وَفِرَارُ النَّاسِ إِلَى أَقْطَارِهَا، وأرجائها، فمناسب أن يكون بَعْدَ نَفْخَةِ الْفَزَعِ وَقَبْلَ الصَّعْقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَيَا قوْم إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التنَادِ يَوْمَ تُوَلًّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِم﴾ [غافر:٣٢-٣٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإِنْس إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذوا مِنْ أَقْطَارِ السَّموَاتِ وَالأَرْض فَانْفُذُوا لاَ تَنفذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ فَبِأَيَ آلاءِ رَبكمَا تُكَذِّبَانِ

стр. 406

يُرسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ونُحاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرَان فبَأيِّ آلاء ربِّكمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ:٣٣-٣٦] . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ، فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وصحيح مسلم، والسنن الأربعة، عن أبي شريحة حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ السَّاعَةَ لَنْ تقوم حتى تروا عشر آيات" فذكرها إِلَى أَنْ قَالَ: "وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ، تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ". وَهَذِهِ النَّارُ تَسُوقُ الْمَوْجُودِينَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ من سائر أقصار الْأَرْضِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ مِنْهَا وَهِيَ بُقْعَةُ المحشر والنشر.

стр. 407

ذِكْرُ أَمْرِ هَذِهِ النَّارِ وَحَشْرِهَا النَّاسَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ وُهَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ، وَرَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وتحشر بقيتهم النار، فتقيل معهم حيث قالوا، وتبيت مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا" ١. وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، عن ثابت بن أَنَسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ أَوَّلِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَقَالَ: "نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ". الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَهُوَ في الصحيح.

стр. 408

يحشر الناس يوم القيامة أصنافاً ثلاثة وَرَوَى الإِمام أَحْمَدُ، عَنْ حَسَنٍ وَعَفَّانُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ مُشَاةٌ، وَصِنْفٌ رُكْبَانٌ، وَصِنْفٌ عَلَى وُجُوهِهِمْ"، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: "إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قادر أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ ١ وَشَوْكٍ". وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، يَنْحَازُ النَّاسُ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ، لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ إِلَّا شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أرضوهم، تَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا، وَتَأْكُلُ من تخلَّف".

стр. 409

ورواه الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِنَحْوِهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللهّ الخرقي بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ: حدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ: أَخْبَرَنِي الوليد بن جميع القرشي، قال: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن مسعود، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو الوليد، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عامر بن وائلة، عن أبي شريحة حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ الغفاري وقد تلا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَنَحْشُرهمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجوهِهِمْ عُمْيَاَ وَبُكْماً وصُمّاً﴾ [الإسراء:٩٧] . يقول: حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ : "أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْوَاجٍ، فَوْجٍ طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ، وَفَوْجٍ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ، وَفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ"، قُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا هَذَيْنِ، فَمَا بَالُ الَّذِينَ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ؟ قَالَ: "يُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ، حتى تبقى ذَاتُ ظَهْرٍ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْطِي الْحَدِيقَةَ المعجبة بالممارن ١ ذَاتِ الْقَتَبِ٢" لَفْظُ الْحَاكِمِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الإِمام أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَلَمْ يَذْكُرْ تلاوة أبي ذر الآية وزاد في آخره فلا يقدر عليها.

стр. 410

وَفِي مُسْنَدِ الإِمام أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ بَهْزٍ، وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِيهِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ جده معاوية بن حميدة الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "يحشرون هاهنا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى نَحْوِ الشَّامِ- مُشَاةً وَرُكْبَانًا، ويمرون على وجوههم ويعرضون على الله، وعلى أفواههم الفدام" ١. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، بِنَحْوِهِ. وَقَالَ: حسن صحيح. فَهَذِهِ السِّيَاقَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَشْرَ هُوَ حَشْرُ الْمَوْجُودِينَ فِي آخِرِ الدنيِا، مِنْ أقطار محلة الحشر، وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ، وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ عَلَى أَصْنَافٍ ثلاثة، فقسم يحشرون طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ، وَقِسْمٍ يَمْشُونَ تَارَةً وَيَرْكَبُونَ أُخْرَى، وَهُمْ يَعْتَقِبُوَنَ عَلَى الْبَعِيرِ الْوَاحِدِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ على بعير، وعشرة على بعير، يعني يعتقبونه من قلة الظهر، كما تقدم، كما جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ، فَتُحِيطُ بِالنَّاسِ مِنْ وَرَائِهِمْ تَسُوقُهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ، وَمَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ أكلته النار، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا في آخر الدنيا، حيث الأكل والشرب، والركوب على الظهر المستوي وغيره، وحيث يهلك المتخلفون منهم بالنار، وَلَوْ كَانَ هَذَا بَعْدَ نَفْخَةِ الْبَعْثِ، لَمْ يبق موت ولا ظهر يسري، وَلَا أَكْلٌ وَلَا شُرْبٌ، وَلَا لُبْسٌ فِي الْعَرَصَاتِ٢، وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا بَكْرٍ الْبَيْهَقِيَّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِأَكْثَرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، حَمَلَ هَذَا الرُّكُوبَ عَلَى أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وصححِ ذَلِكَ، وَضَعَّفَ مَا قُلْنَاهُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ما قاله بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحْشًرُ الْمُتّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً وَنسُوقُ المُجْرمينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ . [مريم: ٨٥-٨٦]

стр. 411

يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً وَكَيْفَ يَصِحُّ مَا ادَّعَاهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ بالحديت وفيه: "إن منهم اثنين عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ" وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قلة الظهر. هذا لا يلتثم مع هذا، والله أعلم، تلك نجائب من الجنة يركبها المؤمنون مِنَ الْعَرَصَاتِ إِلَى الْجَنَّاتِ، عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصفة كما سيأتي تقرير ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ، الْوَارِدُ من طرق أخر، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وابن مسعود، وعائشة، وغيرهم. "إنكم تحشرون إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا": ﴿كَمَا بَدَأنَا أوَّلَ خَلْق نُعِيده﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:١٠٤] . فَذَلِكَ حَشْرٌ غَيْرُ هذا، هذا يوم القيامة، بعد نفخة البعث، يَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، أيّ غير مختنين، وكذلك يحشر الكافرون إلى جهنم ورداً أي عطاشاً وقوله: ﴿وَنَحْشُرهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأوَاهُمْ جَهًنّمُ كُلُمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧] . فذلك حِينَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، مِنْ مُقَامِ الحشر، كما سيأتي بيان ذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التكلان.

стр. 412

وَقَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ أَنَّ الْأَمْوَاتَ لا يشعرون بشيء مما يقع، مما ذكر، بِسَبَبِ نَفْخَةِ الْفَزَعِ، وَأَنَّ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ فيها، إِنْمَّا هُمُ الشُّهَدَاءُ، لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَهُمْ يَشْعُرُونَ بِهَا، وَلَا يَفْزَعُونَ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ لَا يُصْعَقُونَ بِسَبَبِ نَفْخَةِ الصَّعْقِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُسْتَثْنَيْنَ مِنْهَا عَلَى أَقْوَالٍ، أحدها: كما جاء مصرحاً به، أنهم الشهداء، وَقِيلَ: بَلْ هُمْ جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الموت، قيل: وحملة العرش أيضاً، قيل: وغير ذلك، فالله أعلم. وقد ذكر في هذا الحديت، أعني حَدِيثِ الصُّورِ، أَنَّهُ يَطُولُ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مُدَّةُ مَا بَيْنَ نَفْخَةِ الْفَزَعِ وَنَفْخَةِ الصَّعْقِ، وهم يشاهدون تلك الأهوال، والأمور العظام، فيموت بسبب ذلك جميع الموجودين، من أهل السموات، ومن في الأرض، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَالْمَلَائِكَةِ، إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقِيلَ: هُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَجِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وإسرا فيل، وَقِيلَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأرْض إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثمَّ نُفِخَ فِيهِ أخْرَى فَإذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُون﴾ [الزمر:٦٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَة وَاحدَة وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَةً وَاحدَةً فَيَومَئِذٍ وَقَعَتِ الوَاقِعَة وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذ واهِيةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ ربئك فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٣-١٨] . تقدم في حديث الصور: "إن الله تعالى يقول لإِسرافيل: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيَنْفُخُ فَيُصْعَقُ مَنْ

стр. 413

في السموات وَالْأَرْضِ، إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ بَقِيَ فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَقِيَتْ حَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَبَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فيأمره الله أن يقبض روح جبريل وميكائيل، ثم يأمر الله بقبض حَمَلَةِ الْعَرْشِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَمُوتَ، وَهَوَ آخر من يموت من الخلائق". وروى أبو بكر بن أَبِي الدُّنْيَا، مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا بَلَغَهُ، وَعَنْهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أن الله تعالى يَقُولُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي، خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ، فَمُتْ ثُمَّ لَا تَحْيَا". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِيمَا بَلَغَهُ فَيَقُولُ لَهُ: مُتْ مَوْتًا لَا تَحْيَا بَعْدَهُ أَبَدًا فَيَصْرُخُ عِنْدَ ذَلِكَ صَرْخَةً لَوْ سَمِعَهَا أَهْلُ السموات وَالْأَرْضِ لَمَاتُوا فَزَعًا. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ: لَمْ يُتَابَعْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَلَمْ يَقُلْهَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ، قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَى هَذَا: مُتْ موتاً لا تحيا بعده أبداً، يعني ثم لا يكون بَعْدَ هَذَا مَلَكَ مَوْتٍ أَبَدًا، لِأَنَّهُ لَا مَوْتَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ ١، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يقال: يا أهل النار خلود ولا موت. ويا أهل الجنة خلود ولا موت". وسيأتي الحديث،.... فملك الموت فان حتى لا يكون بعد ذلك ملك موت أبداً، والله أعلم. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا اللَّفْظِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يحيى بعد ذلك أبداً، وهذا التأويل بعيد بتقدير صحة الحديث، والله أعلم بالصواب.

стр. 414

فصل قَالَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: "فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، الْأَحَدُ، الْفَرْدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، كَانَ آخِرًا كَمَا كان أولاً، طوى السموات وَالْأَرْضَ، كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ، ثُمَّ دَحَاهُمَا، ثُمَّ لفهما ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: "أَنَا الْجَبَّارُ" ثَلَاثًا ثُمَّ يُنَادِي: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَا يجيبه أحد، ثم يقول مُجِيبًا لِنَفْسِهِ: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُة يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّموَاتِ مَطْوِيَّاتٌ بيَمِييهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَطوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ نُعِيد وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلين﴾ [الأنبياء:١٠٤] . وَقَالَ تعالى: ﴿هُوَ الأَولُ والآخِرُ والظَّاهر والْباطنُ وَهُوَ بكلِّ شَيْءٍ عَليمٌ﴾ [الحديد:٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رَفِيع الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْش يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِن عِبَاده لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَق يَوْمَ هُمْ بَارِزونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنهمْ شَيْءٌ لِمَن الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ تُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [غافر:١٥-١٧] .

стр. 415

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يقبض الله الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَيْنَ الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". وفيهما أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ السموات بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ". وَفِي مُسْنَدِ الإمام أحمد، وصحيح مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَمَا قدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمينهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] . وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كذا بيده، يحركها، يقبل بها ويدير، يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْكَرِيمُ، فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرُ حيث قُلْنَا لَيَخِرَّنَّ بِهِ. وَهَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ. وَقَدْ ذكرنا الأحاديث المتعلقة بهذا المقام عند هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ بِأَسَانِيدِهَا وَأَلْفَاظِهَا بما فيه كفاية ولله الحمد. فصل قَالَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: وَيُبَدِّلُ اللَّهُ الْأَرْضَ غَيْرَ الْأَرْضِ فَيَبْسُطُهَا وَيَسْطَحُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الْأَدِيمِ العكاظي:

стр. 416

قال تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتًا﴾ [طه:١٠٧] . ثم يزجر الله الخلائق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَلُ الأرضُ غَيْرَ الأرْض وَالسَموَاتُ وَبَرزُوا لِلّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ [إبراهيم:٤٨] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، سُئِلَ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تبدل الأرض والسموات؟ فقال: "فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ". وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بذلك تبديل آخَرَ غَيْرَ هَذَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنْ تُبَدَّلَ مَعَالِمُ الْأَرْضِ فِيمَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، نَفْخَةِ الصَّعْقِ، وَنَفْخَةِ الْبَعْثِ، فَتَسِيرُ الْجِبَالُ، وتميد الْأَرْضُ، وَيَبْقَى الْجَمِيعُ صَعِيدًا وَاحِدًا، لَا اعْوِجَاجَ فيها ولا روابي ولا أودية قال الله تَعَالَى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَن الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبي نَسْفاً فَيذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أمتاً﴾ [طه:١٠٥-١٠٧] . أي لا انخفاض فيها ولا ارتفاع. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ:٢٠] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَكُونُ الجِبَالُ كَالْعِهْن الْمَنْفُوش﴾ [القارعة:٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحُمِلَتِ الأْرْضُ وَالْجِبَالُ فدكَّتا دَكَّةً واحدَةً﴾ [الحاقة:١٤] .

стр. 417

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَ ى الأرْضَ بَارزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادرْ مِنْهُمْ أحَداً وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئتُمُونَا كَمَا خَلَقْناكمْ أوَّل مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف:٤٧] . فصل قَالَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: "ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ من تحت العرش ماء، فتمطرالسماء أَرْبَعِينَ يَوْمًا، حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ فَوْقَكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ الْأَجْسَادَ أَنْ تنبت، كنبات الطراثيت ١ وهو صِغَارُ الْقِثَّاءِ أَوْ كَنَبَاتِ الْبَقْلِ". وَتَقَدَّمَ فِي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، ومسلم، من حديث يعقوب بن عاصم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلا أصغى ليتاً، ورفع ليتاً، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه، فيصعق، ولا يسمعه أحد إلا صعق، ثم يرسل الله مطراً كأنه الطل، أو الظل، فينبت منه أجساد الخلائق، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ينظرون ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم". وقال البخاري: حدثنا عمرو بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ". قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أربعون يوماً؟ قال: أبيت٢ قالوا:

стр. 418

أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ: أَبَيْتُ قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً قال: أبيت. ويبلى كل شيء من الإِنسان إلا عجب الذنب منه يركب الخلق. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبَى كُرَيْبٍ، عَنْ أَبَى مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعمش به مثله، وزاد بعد قوله في الثالثة أبيت قال: ثم ينزل مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، قال وليس شيء من الإِنسان إِلا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الحسين بن حبيب المروزي، أخبرنا أبو الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَالَ: "سِتُّ آيَاتٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بَيْنَمَا النَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ، إِذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ وَقَعَتِ الْجِبَالُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَتَحَرَّكَتْ وَاضْطَرَبَتْ، وَاخْتَلَطَتْ، وَفَزِعَتِ الْجِنُّ إِلَى الإِنس، والإِنس إلى الجن، واختلطت الدواب والوحش والطير، فماج بعضهم في بعض، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال: انطلقت. ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ وقال أهملها أهلها. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قال الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلق إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا هُوَ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ صَدْعَةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَإِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَتْهُمْ رِيحٌ فَأَمَاتَتْهُمْ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بن عمرو الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عطاء بن يزيد السَّكْسَكِيِّ، قَالَ: "يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً بَعْدَ قبض عيسى ابن مريم، وعند دنو من الساعة، فيقبض روح كل مؤمن، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ تَهَارُجَ الْحُمُرِ،

стр. 419

عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إذ بعث الله على أهل الأرض الرجف فرجفت بهم أقدامهم ومساكنهم، فيخرج الإِنس والجن والشياطين، كلٌّ يلتمس الْمَخْرَجَ، فَيَأْتُونَ خَافِقَ الْمَغْرِبِ فَيَجِدُونَهُ قَدْ سُدَّ، وَعَلَيْهِ الْحَفَظَةُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هم كذلك، إذ شرقت عَلَيْهِمُ السَّاعَةُ، وَيَسْمَعُونَ مُنَادِيًا يُنَادِي: يَا أَيُّهَا الناس: أتى أمر الله فلا تستعجلوه، قَالَ: فَمَا الْمَرْأَةُ بِأَشَدَّ اسْتِمَاعًا مِنَ الْوَلِيدِ فِي حِجْرِهَا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَيُصْعَقُ من في السموات وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ". وقال أيضاً: حدثنا هارون بن شيبان: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النبي ﷺ وحدث هشام بن سعيد، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حجرة، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تطلع عَلَيْكُمْ سَحَابَةً سَوْدَاءَ مِثْلَ التُّرْسِ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ، فَمَا تَزَالُ تَرْتَفِعُ وَتَرْتَفِعُ حَتَّى تَمْلَأَ السحاب، وَيُنَادِي مُنَادٍ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَمْرَ اللَّهِ قَدْ أَتَى، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَنْشُرَانِ الثَّوْبَ فَمَا يَطْوِيَانِهِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلُوطُ حَوْضَهُ فَمَا يَشْرَبُ مِنْهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَحْلُبُ لِقْحَتَهُ فَمَا يَشْرَبُ مِنْهَا شَيْئًا". وَقَالَ مُحَارِبُ بن دثار: "إن الطير يوم القيامة لتضرب بأذنابها، وترمي ما في حواصلها من هول ما ترى وليس عِنْدَهَا طَلِبَةٌ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْأَهْوَالِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْعَبْدِيُّ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا عبد الله بن بحر، سمعت عبد الرحمن بن زيد الصَّنْعَانِيَّ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 420

"من سره أَن ينظر إلي يوم القيامة رأي عين فليقرأ: ﴿إذا الشمْس كُوِّرَت﴾ [التكدير:١] ﴿وإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار:١] . ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق:١] . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بجير.

стр. 421

نفخة البعث قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأرْض إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيء بِالنَّبِيينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ووُفِّيَتْ كُلًّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمْ بِمَا يَفْعُلونَ﴾ [الزمر:٦٨-٧٠] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ ينْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتونَ أفْوَاجاً وفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَراباً﴾ [النبأ:١٨-٢٠] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَدْعوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظنًّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٥٢] .

стр. 422

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإذَا هُمْ بالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣] . وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصورِ فَاذَا هُمْ مِنَ الاجْدَاثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُون قَالُواْ يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مرقَدنَا هذَا مَا وَعد الرَّحْمَنُ وصدق المُرْسَلونَ إِن كانَت إِلا صَيْحَة واحِدة فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لدَيْنَا مُحْضرون فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس٥١-٥٤] . وَذُكِرَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ بَعْدَ نَفْخَةِ الصعق، وقيام الخلائق كلها، وبقاء الحي الَّذِي لَا يَمُوتُ، الَّذِي كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الْآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ يبدل السموات والأرض، فيما بين النفختين، ثم يأمر بإنزال الماء الَّذِي تُخْلَقُ مِنْهُ الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا، وَتَتَرَكَّبُ فِي أَجْدَاثِهَا، كَمَا كَانَتْ فِي حَيَاتِهَا فِي هذه الدنيا من غير أرواح ثم يقول الله تعالى: ليحيى حملة العرش: فيحيون، ويأمر إِسْرَافِيلَ فَيَأْخُذُ الصُّورَ فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ، ثُمَّ يقول: "ليحيى جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ: فَيَحْيَيَانِ ثُمَّ يَدْعُو اللَّهُ بِالْأَرْوَاحِ، فَيُؤْتَى بِهَا، تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا، وَالْأُخْرَى ظلمة، فيقبضها جميعاً، فيلقيها في الصور، ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ، فَتَخْرُجُ الْأَرْوَاحُ كَأَنَّهَا النَّحْلُ، قَدْ مَلَأَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَعِزَّتِي وجلالي لترجعن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره في الدنيا، فتقبل الأرواح على الأجساد، فتدخل في الخياشم، ثم تمشي فِي الْأَجْسَادِ مَشْيَ السُّمِّ فِي اللَّدِيغِ، ثُمَّ تنشق الأرض عنكم" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 423

"وأنا أول من تنشق الأرض عنه". فَتَخْرُجُونَ مِنْهَا سِرَاعًا إِلَى رَبِّكُمْ تَنْسِلُونَ١ مُهْطِعِينَ٢ إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُحُونَ مِنَ الأحْدَاثِ سِرَاعاً كأنَهُمْ إِلَى نُصب يُوفضُونَ خَاشِعَةً أبْصَارُهُمْ تَرْهقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣-٤٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ، يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَة بِالْحَق ذَلِكَ يَوْمُ الْخُروج إنا نحن نحيي ونمِيتُ وَإِليْنَا المَصِيرُ يَومَ تشققُ الأرْضُ عنهمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَليْنَا يَسير﴾ [ق:٤١-٤٤] . قال تعالى: ﴿فَتَوّلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يدع الدَّاع إلى شَيْء نُكُر خُشَّعاً أبصَارُهُمْ يَخْرُحُونَ منَ الأجْدَاث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاع يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْم عَسِر﴾ [القمر:٥-٨] . وقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرجُكُمْ تَارَةً أخْرَى﴾ [طه:٥٥] .

стр. 424

وقال تعالى: ﴿فيهَا تَحْيَونَ وَفيهَا تَمُوتُونَ ومنْهَا تخْرَجون﴾ [الأعراف:٢٥] . قال تعالى: ﴿وَاللهُ أنبتًكمْ منَ الْأَرْضِ نبَاتاً ثمَّ يُعيدُكمْ فيهَا وَيُخْرجكُمْ إخْرَاجاً﴾ [نوح:١٧-١٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأتُونَ أفْوَاجاً﴾ [النبأ:١٨] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن عثمان، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزعر، عن عبد الله بن مسعود قال: "ترسل ريح فيها صر باردة زمهرير، فلا تذر على الآرض مؤمناً إِلا لفته تلك الرِّيحِ، ثُمَّ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى النَّاسِ، فَيَقُومُ مَلَكٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِالصُّورِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ، فلا يبقى خلق من خلق السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلا مَاتَ، ثُمَّ يَكُونُ بَيْنَ النفختين ما شاء الله أن يكون، ثم يرسل اللَّهُ مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، فَتَنْبُتُ جُسْمَانُهُمْ وَلُحْمَانُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، كَمَا تَنْبُتُ الْأَرْضُ من الري ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] . ثُمَّ يَقُومُ مَلَكٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِالصُّورِ، فينفخ، فَتَنْطَلِقُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَى جَسَدِهَا، فَتَدْخُلُ فِيهِ ويقومون قِيَامًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 425

وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: يَبْلَوْنَ فِي القبور فإذا سمعوا الصرخة عادت الأرواح إلى الْأَبْدَانِ وَالْمَفَاصِلُ، بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا سَمِعُوا النفخة الثانية ذهب الْقَوْمُ قِيَامًا عَلَى أَرْجُلِهِمْ، يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رؤوسهم، يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ.
следующие страницы →