← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11818

النهاية في الفتن والملاحم - ت محمد عبد العزيز

ابن كثير

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ ﵁ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حبيب، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عمر، وأخرجه البخاري من حديث مالك، كلاهما عن حبيب بن عبد الرحمن به، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هريرة قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا محمد بن فليح، حدثنا أبي، حدثنا هلال، عن يسار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ، خَرَجَ رَجُلٌ من بيني وبينهم. فقال لهم: هلم، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ القهقرى ثم إذا زمرة أخرى، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل بيني وبينهم، فقال: هلم قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم، فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ ١ النعم ٢ " انفرد به.

стр. 562

طريق أخرى عن أبي هريرة قَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الجمحي، حدثني الرَّبِيعُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَأَذُودَنَّ١ عَنْ حَوْضِي رِجَالًا كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبل". وَحَدَّثَنِيهِ عبد اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن محمد بن زياد، أنه سمع أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مثله. طريق أخرى عن أبي هريرة قَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا، عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ أبي حازم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ حوضي أبعد من أيلة إلى عدن، هو أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. لَكُمْ سِيمَا ٢ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عليَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ من أثر الوضوء". هذا لفظه أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به، والله أعلم.

стр. 563

طريق أخرى عن أبي هريرة روى الحافظ الضياء أيضاً: مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن هلال، حدثنا إبراهيم ابن أَبِي أَسِيدٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إذا أنا هلكت فأنا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْحَوْضُ؟ قَالَ: "عَرْضُهُ مِثْلُ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ، بَيَاضُهُ بَيَاضُ اللَّبَنِ، وَهُوَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ، آنِيَتُهُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ وَرَدَ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ منه لم يظمأ أبداً، وإياكم أن يرد عَلَىَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، فَيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنْ أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: بعداً أو سحقاً لمن بدل". ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: لَا أَعْلَمُ أَنِّي سَمِعْتُ بِلَفْظِ السُّكَّرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قُلْتُ: بل قَدْ وَرَدَ لَفْظُ السُّكَّرِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ وَالنِّثَارِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَضَرَ عَقْدًا فَأُتِيَ بِأَطْبَاقِ الْجَوْزِ وَالسُّكَّرِ، فَنُثِرَ، فَجَعَلَ يُخَاطِفُهُمْ وَيُخَاطِفُونَهُ". الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. طَرِيقٌ أخرى عن أبي هريرة قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سعيد الخيطي، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

стр. 564

"يَرِدُ عليَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ. مِنْ أَصْحَابِي، فيجفلون١ من الْحَوْضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لا تعلم بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى". قال: قال شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فيجفلون وقال عقيل: فيجلون٢. وقال الزبيري: عن أبي هريرة، عن محمد بن علي، عن عبد اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَهَذَا كله تعليق ولم أر أحد أسنده بشيء من هذا الوجه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ بعدهذا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عن الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: "إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيد، عن كلثوم امام مسجد بني قشير، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَأَنِّي بِكُمْ صَادِرِينِ٣ عَلَى الْحَوْضِ، يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: أَشَرِبْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: واعطشاه".

стр. 565

رِوَايَةُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عن نافع، عن ابن عمر، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 566

"إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ، حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عليّ منكم، وسيؤخذ أناس دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ: مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فيقال: هل شعرت بما عَمِلُوا بَعْدَكَ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ". فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ: عَنْ داود بن عمر، عن نافع، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ مِثْلَهُ.

стр. 567

رواية أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْكَوْثَرِ فَقَالَتْ: "هُوَ نهر أعطيه نبيكم ﷺ فِي الْجَنَّةِ، حَافَّتَاهُ دُرٌّ مُجَوَّفٌ، عَلَيْهِ مِنَ الآنية عدد النجوم". رواه البيهقي، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْكَاهِلِيِّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ وَاسْتَشْهَدَ بِرِوَايَةِ مُطَرِّفٍ. وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أبي أسلم، عن ابن خيثم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بين ظهراني أصحابه يقول: "إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرُدُّ عليَّ مِنْكُمْ، فَوَاللَّهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ، مِنِّي، وَمِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ على أعقابهم". تفرد به مسلم، والله تعالى الموفق للصواب.

стр. 568

رِوَايَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعلى الصدفي، أنبأنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نافع مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبي قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلما كنت يوماً، والجارية تمشطني، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَيُّهَا النَّاسُ": فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي، فقالت: إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ، فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إني فرط لكم على الحوض، فأنا انتظر من يرد عليَّ منكم، لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذاب ١ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ: سُحْقًا". ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَفْلَحَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عنها، فَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ صفة هذا الحوض العظيم، والمورد الكريم، مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ، مِنْ نَهْرِ الْكَوْثَرِ، الَّذِي هو أشهد بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ وَهُوَ في غاية الإشباع، عَرْضُهُ وَطُولُهُ سَوَاءٌ، كُلُّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ مسيرة شهر، وأنه ينبت في حال من المسك، ورضراض من اللؤلؤ، فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء، لا إله إلا هو، ولا معبود سواه.

стр. 569

ذِكْرُ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَأَنَّ حَوْضَ نبينا ﷺ عظمها وأجلها وأكثرها وراداً قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأَهْوَالِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لي حوضاً مَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ يَدْعُو أُمَّتَهُ، وَلِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيهِ الْفِئَامُ ١ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيهِ الْعُصْبَةُ ٢، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيهِ النَّفَرُ ٣ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيهِ الرَّجُلَانِ، وَالرَّجُلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ، فَيُقَالُ: لَقَدْ بَلَّغْتَ، وَإِنِّي لَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عطية بن سعيد العوني، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ والله أعلم بالصواب.

стр. 570

أولياء الله يردون حياض أنبياء الله ﵊ حَدِيثٌ آخَرُ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا العباس بن محمد، حدثنا الحسن بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا مِحْصَنُ بْنُ عُقْبَةَ اليماني، عن الزبير بن شبيب، عن أبي عثمان، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَلْ فِيهِ مَاءٌ؟ قَالَ: "إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ فِيهِ لَمَاءً، إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَيَرِدُونَ حِيَاضَ الْأَنْبِيَاءِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ فِي أَيْدِيهِمْ عِصِيٌّ من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء".

стр. 571

وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَتَقَدَّمَ مَا رواه الترمذي وغيره من حديث شعبة بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سميرة بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَاهُ أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الملك عن الحسن مرسلاً وهو أصح. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ حراش، حَدَّثَنَا حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا فَقَدْتُمُونِي فَأَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى حَوْضِهِ، بِيَدِهِ عَصًا يَدْعُو مَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّتِهِ، أَلَا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ تَبَعًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَبَعًا". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، وَهَذَا مُرْسَلٌ عَنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ حَسَنٌ، صَحَّحَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَفْتَى شَيْخُنَا المزي بصحته من هذه الطرق.

стр. 572

فصل: الحوض المورود قبل الصراط الممدود وما أفهم عكس ذلك ضعيف أو مردود أو مؤول مدخل ... فصل: الحوض المورود قبل الصراط الممدود وما أفهم عكس ذلك ضعيف أو مردود أو مؤول إِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يَكُونُ الْحَوْضُ قَبْلَ الجواز على الصراط أو بعده قلت: أَنَّ ظَاهِرَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ قَبْلَ الصِّرَاطِ، لِأَنَّهُ

стр. 573

يُذَادُ عَنْهُ أَقْوَامٌ يُقَالُ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ لَمْ يزالوا يرتدون على أعقابهم مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ كُفَّارًا فَالْكَافِرُ لَا يُجَاوِزُ الصِّرَاطَ، بَلْ يُكَبُّ عَلَى وَجْهِهِ في النار قبل أن يجاوزه، وإن كانوا عصاة فهم مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَبْعُدُ حَجْبُهُمْ عَنِ الْحَوْضِ لَاسِيَّمَا وعليهم سيما الوضوء، وقد قال ﷺ : "أَعْرِفُكُمْ غُرًّا مُحَجَّلِينَ من آثار الوضوء". "ثم من جاوز لَا يَكُونُ إِلَّا نَاجِيًا مُسْلِمًا فَمِثْلُ هَذَا لَا يُحْجَبُ عَنِ الْحَوْضِ فَالْأَشْبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْحَوْضَ قَبْلَ الصِّرَاطِ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: "أَنَا فَاعِلٌ" قَالَ: فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: "اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ" قلت: فإن لم ألقك؟ قال: "فاطلبني عند المنبر"، قال: فإن لم ألقك؟ قال: "فأنا عند الحوض لا أخطىء هذه الثلاثة المواطن يَوْمَ الْقِيَامَةِ" وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَدَلِ بْنِ الْمُحَبَّرِ وَابْنُ مَاجَهْ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ كِلَاهُمَا عَنْ حَرْبِ بْنِ ميمون بن أَبِي الْخَطَّابِ الْأَنْصَارِيِّ الْبَصْرِيِّ، مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ وَثَّقَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَعَمْرُو بْنُ علي الغلاس وقوفاً بينه وبين حرب بن ميمون بن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَبْدِيِّ الْبَصْرِيِّ أَيْضًا صَاحِبِ الأدعية وَضَعَّفَا هَذَا، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَجَعَلَهُمَا وَاحِدًا، وَحَكَى عن سليمان بن حرب أنه قال: هَذَا أَكْذَبَ الْخَلْقِ وَأَنْكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ ومسلم جعلهما هذين حديثاً واحداً وقال: شيخنا الْمِزِّيُّ جَمَعَهُمَا غَيْرُ وَاحِدٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ واحد، وهو الصحيح. قُلْتُ: وَقَدْ حَرَّرْتُ هَذَا فِي التَّكْمِيلِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَوْضَ بَعْدَ الصِّرَاطِ، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ أَيْضًا، وَهَذَا لَا أَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يكون ذَلِكَ حَوْضًا ثَانِيًا لَا يُذَادُ عَنْهُ أَحَدٌ، والله أعلم.

стр. 574

فصل وَإِذَا كَانَ الظَّاهِرُ كَوْنَهُ قَبْلَ الصِّرَاطِ، فَهَلْ يكون ذلك قبل وضع الكرسي للفصل أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا مِمَّا يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ؟ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا فاصلاً، فالله أعلم أي ذلك يكون.

стр. 575

صحيح العلماء أن الحوض قبل الميزان وقال العلامة أبو عبد الله القرطبي في التذكرة أيضاً، واختلف في كون الحوض قبل الميزان، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَوْضَ قَبْلُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ عِطَاشًا مِنْ قُبُورِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيُقَدَّمُ على الميزان والصراط، قال أبوحامد الغزالي في كتاب علم كشف الْآخِرَةِ، حَكَى بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ التَّصْنِيفِ: أن الحوض يورد عبد الصِّرَاطِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ كَمَا قَالَ، ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ مَنْعِ المرتدين على أعقابهم القهقرى عنه، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ صِحَّتِهِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْحَوْضَ يَكُونُ فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ الصِّرَاطِ، لِأَنَّ الصِّرَاطَ مَنْ جَازَ عَلَيْهِ سَلِمَ، كَمَا سَيَأْتِي، قُلْتُ: وَهَذَا التَّوْجِيهُ قَدْ أسلفناه ولله الحمد.

стр. 576

اختلاف تحديد الرسول ﵇ لحجم الحوض طولاً وعرضاً لاختلاف المخاطبين فحدد لكل بالأمكنة التي يعرف قَالَ الْقُرْطُبِيُّ١: وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ فِي تَحْدِيدِ الْحَوْضِ تَارَةً بِجَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ، وَتَارَةً بما بَيْنَ الْكَعْبَةِ إِلَى كَذَا وَتَارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ اضطراباً، قال: وليس الأمر كذلك، فإنه ﵊ حدث أصحابه مرات متعددة، فخاطب في كل مرة القوم بِمَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْأَمَاكِنِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الصحيح

стр. 577

تَحْدِيدُهُ بِشَهْرٍ فِي شَهْرٍ، قَالَ: وَلَا يَخْطُرُ في بالك أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، بَلْ فِي الْأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ، وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّةِ، لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ، وَلَمْ يُظْلَمْ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدٌ قَطُّ، تُطَهَّرُ لِنُزُولِ الْجَبَّارِ ﷻ لِفَصْلِ القضاء، قال: ورد في الحديث: أن على كل جانب منه وَاحِدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَعَلَى الرُّكْنِ الْأَوَّلِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَلَى الثَّانِي عُمَرُ، وَعَلَى الثَّالِثِ عُثْمَانُ، وَعَلَى الرَّابِعِ عَلِيٌّ، ﵃، قُلْتُ: وَقَدْ رَوَيْنَاهُ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ، وَلَا يَصِحُّ إسناده، لضعف بعض رجاله.

стр. 578

فصل: مجيء الرب يوم القيامة لفصل القَضَاءَ مدخل ... فصل مجيء الرب يَومَ الْقِيَامَة لفصل القَضَاءَ ذكر في حديث الصوم الْمُتَقَدِّمِ: أَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَشْفَعَ عند الله ليفصل بين عباده بعدما يسأل في ذلك آدم فمن بعده، فكل يقول لست بصاحب ذاكم، حتى ينتهي الأمر إليه صلوات الله وسلامه عليه، فيشفع عند ربه، وَتُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا، فَيَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وهم قدر هل الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ والإِنس، فَيُحِيطُونَ بِهِمْ دَائِرَةً، ثم تنشق السماء الثانية وتنزل ملائكتها، وهم قدر أهل الأرض، فيحيطون بهم دائرة، ثم كذلك السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، ثُمَّ الْخَامِسَةِ، ثُمَّ السَّادِسَةِ، ثم السابعة، فكل سَمَاءٍ تُحِيطُ بِمَنْ قَبْلَهُمْ دَائِرَةً، ثُمَّ تَنْزِلُ الملائكة الكروبيون، وحملة العرش المقربون، وَلَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّعْظِيمِ، يَقُولُونَ سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، سُبْحَانَ الَّذِي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، سُبْحَانَ رَبِّنَا الْأَعْلَى، رَبِّ الْمَلَائِكَةِ والروح، سبحان ربنا الأعلى، يميت الخلائق ولا يموت. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الأهوال: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ الرِّيَاحِيِّ، حَدَّثَنَا شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ،

стр. 579

قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مُدَّتِ الْأَرْضُ مد الأديم، وزيد في سعتها كذا، وجمع الخلائق في صعيد واحد، جنهم وإنسهم، فإذا كان كذلك قبضت هذه السماء الدنيا عن أهلها نشوراً على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكبر مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، جِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ، بِالضِّعْفِ، فإذا رآهم أهل الأرض فزعوا إليهم يقولون: أفيكم ر بنا فَيَفْزَعُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ رَبِّنَا، لَيْسَ فينا، وهو آت، ثم يقبض السموات سماء سماء، كلما قبضت سماء كانت أكثر من أهل السماء الَّتِي تَحْتَهَا، وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، بِالضِّعْفِ، جنهم وإِنسهم، كلما مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهلها يقولون مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى تقبض السماء السابعة، ولأهلها وحدهم أكبر من أهل ست سموات، ومن أهل الأرض بالضعف ويجيء الله تعالى فيهم والأمم صفوف فينادي مناد: سَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الْكَرَمِ الْيَوْمَ، لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَن الْمَضَاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمعاً وَمِمَّا رزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] . فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إِلى الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُنَادِي ثَانِيَةً سَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الْكَرَمِ الْيَوْمَ، لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ ﴿لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَام الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقلَّبُ فِيهِ الْقلوبُ وَالأبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] . فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إِلى الجنة فإِذا أخذ هؤلاء، خَرَجَ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَأَشْرَفَ عَلَى الْخَلَائِقِ، لَهُ عَيْنَانِ بَصِيرَتَانِ وَلِسَانٌ فَصِيحٌ فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ وُكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، فَيَلْقُطُهُمْ من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيحبس بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ ثُمَّ يَخْرُجُ الثَّانِيَةَ فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِمَنْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَيَلْقُطُهُمْ من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فيحبس

стр. 580

فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الثَّالِثَةَ فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِأَصْحَابِ التَّصَاوِيرِ، فَيَلْقُطُهُمْ مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطير حب السمسم فيحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ هؤلاء، وهؤلاء نشرت الصحف، ووضعت الموازين، وعيت الْخَلَائِقُ لِلْحِسَابِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكَّاً دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً وجيءَ يَوْمَئذ بِجِهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢١-٤٢] . وقال تعالى: ﴿هلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أنْ يَأتِيَهُمُ اللَّهُ في ظلَل مِنَ الْغَمَام وَالمَلاَئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرجَعُ الأمُورُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٠] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيء بِالنَبِيِّينَ وَالشُّهَداء وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلِّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقق السَّمَاءُ بِالْغَمَام ونُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنْزِيلاً الْمُلْكُ يَوْمَئِذ الْحَقُّ لِلرَّحْمن وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥-٢٦] . وَقَالَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: فَيَضَعُ اللَّهُ كُرْسِيَّهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِهِ يَعْنِي بِذَلِكَ كُرْسِيَّ فَصْلِ الْقَضَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْكُرْسِيِّ الْمَذْكُورِ في الحديث المروي في صحيح ابن حبان.

стр. 581

"ما السموات السَّبْعُ، وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ، وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ، وما الْكُرْسِيِّ، إِلا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ وَمَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَتِلْكَ الْحَلْقَةِ بِتِلْكَ الْفَلَاةِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلا اللَّهُ ". وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى هَذَا الْكُرْسِيِّ اسم العرش وقد وَرَدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ كَمَا فِي الصحيحين: "سبعة يظلهم فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ" ١ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ. وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة، فإن يصعقون وأكون أول من يفيق

стр. 582

فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَصُعِقُ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جوزي بِصَعْقَةِ الطُّورِ" ١؟. فَقَوْلُهُ: أَمْ جُوزي بِصَعْقَةِ الطُّورِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الصَّعْقَ الَّذِي يَحْصُلُ للناس يوم القيامة، سببه تجلي الرب تعالى لعباده لفصل القضاء فيصعق الناس من الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ، كَمَا صُعِقَ مُوسَى يَوْمَ الطُّورِ، حين سأل الرؤية فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وَخَرَّ موسى صعقاَ فموسى ﵊ يوم القيامة إذا صعق الناس، إما أن يكون جوزي بتلك الصعقة الأولى فما صعق عند هذا التجلي، وإما أن يكون صعق أخف من غيره، فَأَفَاقَ قَبْلَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ الله فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ". كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ واللفظ للبخاري من بشر بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ البدر فقال:

стр. 583

"إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ ربكمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ١ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عياناَ". وَجَاءَ أَنَّهُمْ يسجدون له تعالى، كَمَا قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ المغلس الجمالي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ أَبِي الْمُسَاوِرِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جمع الله الخلائق يوم القيامة أذن لأمة مُحَمَّدٍ فِي السُّجُودِ، فَيَسْجُدُونَ لَهُ طَوِيلًا، ثُمَّ يقال: ارفعوا رؤوسكم، فقد جعلنا عدتكم فداكم من النار" ٢. له شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عنأبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

стр. 584

"حتى إن أحدكم ليلتفت فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَيَقَعُونَ سُجُودًا، وَتَرْجِعُ أَصْلَابُ الْمُنَافِقِينَ حَتَّى تَكُونَ عَظْمًا، كَأَنَّهَا صَيَاصِي الْبَقَرِ" ثم قال: لا تعلم من حَدَّثَ بِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ إِلَّا أَبَا عَوَانَةَ قُلْتُ: وَسَيَأْتِي لَهُ شَاهِدٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَذُكِرَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: "إِنَّ اللَّهَ يُنَادِي الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ أَنْصَتُّ لكم منذ خلقتكم لي يَوْمِكُمْ هَذَا، أَرَى أَعْمَالَكُمْ، وَأَسْمَعُ أَقْوَالَكُمْ فَأَنْصِتُوا إليَّ فَإِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ وَصُحُفُكُمْ تُقْرَأُ عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يلومنَّ إِلَّا نَفْسَهُ". وَرَوَى الإِمام أَحْمَدُ: مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنه اشترى راحلة فسار إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ شَهْرًا، لِيَسْمَعَ منه حديثاً بلغه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- أَوْ قَالَ العباد- عراة، غرلاً، بهماً" (قال) * قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: "لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ، يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قُرب: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجنة حق إلا قضيته له منه، حتى اللطمة، قال: قلنا: وكيف وإننا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ بُهْمًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ" ١. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الإلهي الطويل:

стр. 585

"يَا عِبَادِي: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ" ١. وَقَدْ قال الله تَعَالَى: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَاب الآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْموعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوم مَشْهود وَمَا نُؤخرُهُ إِلَّا لأجَل مَعدود يَوْمَ يأتِ لاَ تَكًلّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بإذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِي وَسَعِيدً﴾ [هود:١٠٥] . ثم ذكر ما أعده للأشقياء وما وعد به السعداء، وقال تعالى: ﴿رب السَّموات والأرْض وَمَا بَيْنَهما الرَحْمن لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً يَوْمَ يَقُومُ الروحُ والمَلاَئِكَةُ صَفّا لاَ يَتَكًلّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقَالَ صَواباً﴾ [النبأ:٣٨] . وثبت في الصحيح: وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَقَدْ عَقَدَ البخاري ﵀ باباً في ذلك، في كتاب التوحيد في صحيحه.

стр. 586

المجلد الثاني كَلَامِ الرَّبِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الأنبياء مقدمة ... كَلَامِ الرَّبِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الأَنبياء وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلا الرُّسُلُ، وَقَدْ عَقَدَ الْبُخَارِيُّ ﵀ بَابًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ في باب التوحيد من صحيحه في بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أنس في الشفاعة بتمامه وسيأتي، وحديث: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، ليس بينه وبينه ترجمان" ١. وسيأتي حديث ابن عمر في النجوى أيضاً، وَنَحْنُ نُورِدُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَحَادِيثَ أُخَرَ مناسبة له أيضاً، وبالله المستعان وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُل فيَقُولُ مَاذَا أجِبْتُمْ قَالوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عًلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ . [٥- المائدة -١٠٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أرْسِلَ إِلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْم وَمَا كنَّا غَائِبِينَ والْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقًّ فَمَنْ ثَقلَتْ مَوَازِينُهُ فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأولَئِكَ الَّذِينَ خَسِروا أنْفسَهُمْ بِمَا كَانُوا بآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ . [٧- الأعراف] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . [١٥- الحجر-٢] .

стр. 587

شهادة أمة محمد ﷺ على الأمم يوم القيامة وقال ابن أبي الدنيا: أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا رشدين بن سعد، أخبرنا ابن أرقم المغافري، عن جبلان بن أبي جبلة، بسنده إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَمَعَ اللَّهُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِسْرَافِيلَ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: مَا فَعَلْتَ فِي عَهْدِي هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي? فيقول: نعم قد بلغت، فَيُخَلَّى عَنْ إِسْرَافِيلَ، وَيُقَالُ لِجِبْرِيلَ: هَلْ بَلَّغْتَ عهدي. فيقول: نعم قد بلغت الرسل، فيقول الله لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ جِبْرِيلُ عَهْدِي? فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُخَلَّى عَنْ جِبْرِيلَ، وَيُقَالُ لِلرُّسُلِ: مَا فَعَلْتُمْ فعهدي فَيَقُولُونَ: بَلَّغْنَا أُمَمَنَا، فَتُدْعَى الْأُمَمُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هل بلغكم الرسل عهدي فيقولون: بلغناهم فمنهم المكذب ومنهم المصدق، وإن لَنَا عَلَيْهِمْ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ أَنْ قَدْ بَلَّغْنَا مَعَ شَهَادَتِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ فَيَقُولُونَ: أمة محمد، فتدعى أمة محمد فيقول الله تعالى لهم: أَتَشْهَدُونَ أَنَّ رُسُلِي هَؤُلَاءِ قَدْ بَلَّغُوا عَهْدِي إلى من أرسلوا إليهم فيقولون: نعم يا ربنا شَهِدْنَا أَنْ قَدْ بَلَّغُوا. فَتَقُولُ تِلْكَ الْأُمَمُ: كَيْفَ يَشْهَدُ عَلَيْنَا مَنْ لَمْ يُدْرِكْنَا فَيَقُولُ لهم الرب: كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَى مَنْ لَمْ تُدْرِكُوا فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا، وَأَنْزَلْتَ إِلَيْنَا عَهْدَكَ وَكِتَابَكَ، وَقَصَصْتَ عَلَيْنَا أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا، فَشَهِدْنَا بِمَا عَهِدْتَ إِلَيْنَا فَيَقُولُ الرَّبُّ: صَدَقُوا فَذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنهمْ أمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ . [٢-البقرة ١٤٣] . قال ابن أرقم: فبلغني أنه يشهد أمة أحمد إلا من كان في قلبه إحنة.

стр. 588

كلامه مع آدم ﵊ يوم القيامة امة محمد علية الصلاة والسلام في الامم كالشفرة البيضاء في الثور الاسود ... كلامه مَع آدم ﵊ يَوم القيامة أمة محمد ﵊ فِي الْأُمَمِ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ قَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ، فَيُقَالُ: هَذَا أَبُوكُمْ آدم، فيقول: ربِّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّنَا: أَخْرِجْ نَصِيبَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَكَمْ? فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِذَا أَخَذَ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا? قَالَ: "إِنَّ أُمَّتِي فِي الْأُمَمِ كَالشَّعْرَةِ البيضاء في الثور الأسود" ١.

стр. 589

أول من يدعى يوم القيامة آدم ﵊ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الديلمي، عن سالم أبي الغيث مولى بن معطيع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يوم القيامة آدم فتراه ذُرِّيَّتُهُ فَيُقَالُ: هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ، أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ" ٢. وذكر تمامه مثل ما تقدم.

стр. 590

رجاء الرسول صلى الله علية وسلم ان يمون اتباعة نصف اهل الجنة ... رجاء الرسول ﷺ أن يكون أتباعه نصف أهل الجنة: وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يقول الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ يا رب وما بعت النَّارِ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وتسعون. قال: فيومئذ يشيب المولود". وقد قال تعالى: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا همْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ . [٢٢- الحج -٢] . قال: فيقولون أين ذَلِكَ الْوَاحِدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهل الجنة"، قال: فكبر النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أنتم فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ١". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ بِهِ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَفَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ بندار، عن غندر، عن

стр. 591

شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في فيد فَقَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ? قلنا: نعم، قال: والذي نفسي بيده إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوْ كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر١".

стр. 592

كلام الرب سبحانة وتعالى مع نوح علية الصلاة والسلام مقدمة ... كَلام الرب مَع نوح ﵊ وَسؤاله إِيَّاه عَن الْبَلاغ كَمَا قالَ تَعَالَى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسألًنّ الْمُرْسَلِينَ﴾ . قَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُدْعَى نوح يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ? فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ? فَيَقُولُونَ: ما أتانا من نذير، وما أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ، قَالَ: فَيُقَالُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ٢": وذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنهمْ أمَّة وَسَطاً لِتَكونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ . [٢- البقرة- ١٤٣] . قال: والوسط العدل. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فتدعون، فتشهدون له

стр. 593

بالبلاغ وأشهد عليكم، وقال: وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عن الأعمش، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ. صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ الإِمام أَحْمَدُ بِلَفْظٍ أَعَمَّ مِنْ هَذَا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سعيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يجيء النبي ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ هَذَا? فَيَقُولُونَ: لَا، فَيُقَالُ لَهُ: هل بلغت قومك فيقول: نعم، فيقال: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُدْعَى محمد فيقال له: هل بلغ هذا قومه. فيقول: نعم، ثم تدعى أمة محمد ﷺ فيقال لهم: هل بلغ هذا أمته فيقولون: نعم، فيقال لهم: ومن أعلمكم فيقولون جاءنا محمد نبياً، وأخبرنا أن الرسل قد بلغوا. قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ١. [٢/البقرة/١٤٣] . قَالَ: يَقُولُ عَدْلًا: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شهيداً﴾ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.

стр. 594

شهادة أمة محمد ﵊ على جميع الأمم يوم القيامة دليل عدالة هذه الأمة وشرفها قلت: شهادة أمة محمد ﷺ على جميع الأمم يوم القيامة برهان على عدالة هذه الأمة وشرفها، وَمَضْمُونُ هَذَا، أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يكونون عدولاً عند سائر الأمم، وَلِهَذَا يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى أُمَمِهِمْ، وَلَوْلَا اعْتِرَافُ أُمَمِهِمْ بِشَرَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَمَا حَصَلَ إِلْزَامُهُمْ بِشَهَادَتِهِمْ، وَفِي حَدِيثِ بِهْزِ بْنِ حكيم عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إنكم وفيتم سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى١".

стр. 595

تشريف إِبْرَاهيم ﵊ يَوْم الْقِيَامة عَلَى رؤوس الأَشْهَاد قال اللهّ تعالى: ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّه في الآخِرَةِ لَمِنَ الصَالِحِين﴾ . [١٦-النحل-١٢٢] . قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فقال: "إِنكم تُحْشَرون حُفاةً عراةً" ١

стр. 596

ثم تلا قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْق نعِيده﴾ . [٢١- الْأَنْبِيَاءِ- ١٠٤] وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إبراهيم ﵊، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ١: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمت فِيهِمْ﴾ إِلى قوله: ﴿إِنَّكَ أنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ . [٥- المائدة- ١١٧-١١٨] . قال: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ. ذِكْرُ موسى ﵊ وذكر شرفه وجلالته يوم القيامة وكثرة أتباعه وانتشار أمته٢.

стр. 597

ذِكْرُ عِيسَى ﵊ وَكَلَامِ الرَّبِّ معه يوم القيامة مدخل ... ذِكْرُ عيسَى ﵊ وكَلام الرَّب مَعه يَوم الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قًلْتَ لِلنَّاس اتَّخِذُوني وأمِّيَ إِلهَيْن مِنْ دونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكونُ لِي أَنْ أَفولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتًهُ فَقَدْ عَلِمْتَة تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغيُوبِ مَا قًلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَن اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي

стр. 598

وَرَبَّكُّمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهيداً مَا دُمْتَ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوفَّيْتَنِي كنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأَنْتَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لهمْ فإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . [٥- المائدة- ١١٦-١١٩] . وهذا السؤال من الله تعالى لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، مَعَ عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ لم يقل شيئاً من ذلك، إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ لِمَنِ اعْتَقَدَ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ ضُلَّالِ النَّصَارَى وَجَهَلَةِ أهل الكتاب، فبرأ إلى الله تعالى من هذه المقالة، كَمَا تَتَبَرَّأُ الْمَلَائِكَةُ مِمَّنِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ شَيْئًا من الإِلهية حيث يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاءِ إِياكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَليُّنَا مِنْ دونهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبدونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤمِنُونَ﴾ . [٣٤- سبأ- ٤٠-٤١] . وقال تعالى: ﴿وَيَوْم يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدونَ مَنْ دونِ اللَّهِ فَيَقولُ أَأَنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤلاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالوا سبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دونكَ مِنْ أَوْليَآءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهمْ حَتى نَسُوا الذّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً فَقَدْ كًذّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً وَمن يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ . [٢٥- الفرقان- ١٧-١٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمّ نَقُولُ لِلّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أنْتُمْ وَشُرَكَاءُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنهمْ وَقَالَ شُرَكَاؤهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى باللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكمْ إِنْ كًنّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُوُا كُلَّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ وَردوا إِلى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانوا يَفْتَرُونَ﴾ . [١٠- يونس-٢٨- ٣٠] .

стр. 599

مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الله يوم القيامة لا يدانيه مقام فَلَا يُسَاوِيهِ بَلْ وَلَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ فِيهِ، ويحصل له من التشريفات ما يغبطهذا بها كل الخلائق من العالمين، من الأولين والآخرين، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ والمرسلين، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ من الأحاديث والآثار، وأنه أول من يسجد بين يدي الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَشْفَعُ فَيُشَفَّعُ، وَأَوَّلُ من يكسى بعد الخليل، يكسى الخليل ريطتين. بيضاوين، ويكسى محمد ﷺ حُلَّتَيْنِ خَضْرَاوَيْنِ، وَيَجْلِسُ الْخَلِيلُ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ فَيَقُولُ: "يَا رَبِّ إِنَّ هَذَا - وَيُشِيرُ إِلَى جِبْرِيلَ- أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِلَيَّ، فيقول الله صَدَقَ جِبْرِيلُ". وَقَدْ رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ: إِنَّهُ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام، وجمع فيه أبو بكر المروزي جزءاً كبيراً، وحكاه هو وغيره وغير وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَخَلْقٍ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُنْكِرُهُ مُثْبِتٌ وَلَا نَافٍ، وَقَدْ نظمه الحافظ أبو الحسن الدارقطني في صيدة لَهُ. قُلْتُ: وَمِثْلُ هَذَا لَا يَنْبَغِي قَبُولُهُ إلا عن معصوم، ولم يثبت فيه حَدِيثٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَارُ بِسَبَبِهِ إِلَيْهِ، وقول مجاهد في هذا المقام ليس بحجة بمفرده، وَلَكِنْ قَدْ تَلَقَّاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بالقبول، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا شريح

стр. 600

بن يونس، أخبرنا أَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا كان يوم الْقِيَامَةِ مُدَّتِ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيمِ، حَتَّى لَا يَكُونَ للإِنسان إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ". قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى، وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ مَا رَآهُ قَبْلَهَا، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ: إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِليَّ، فَيَقُولُ اللَّهُ: صَدَقَ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ عِبَادُكَ فِي أطراف الأرض" فهو المقام المحمود.
следующие страницы →