← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11818

النهاية في الفتن والملاحم - ت محمد عبد العزيز

ابن كثير

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ثم تلا قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْق نعِيده﴾ . [٢١- الْأَنْبِيَاءِ- ١٠٤] وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إبراهيم ﵊، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ١: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمت فِيهِمْ﴾ إِلى قوله: ﴿إِنَّكَ أنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ . [٥- المائدة- ١١٧-١١٨] . قال: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ. ذِكْرُ موسى ﵊ وذكر شرفه وجلالته يوم القيامة وكثرة أتباعه وانتشار أمته٢.

стр. 597

ذِكْرُ عِيسَى ﵊ وَكَلَامِ الرَّبِّ معه يوم القيامة مدخل ... ذِكْرُ عيسَى ﵊ وكَلام الرَّب مَعه يَوم الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قًلْتَ لِلنَّاس اتَّخِذُوني وأمِّيَ إِلهَيْن مِنْ دونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكونُ لِي أَنْ أَفولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتًهُ فَقَدْ عَلِمْتَة تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغيُوبِ مَا قًلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَن اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي

стр. 598

وَرَبَّكُّمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهيداً مَا دُمْتَ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوفَّيْتَنِي كنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأَنْتَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لهمْ فإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . [٥- المائدة- ١١٦-١١٩] . وهذا السؤال من الله تعالى لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، مَعَ عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ لم يقل شيئاً من ذلك، إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ لِمَنِ اعْتَقَدَ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ ضُلَّالِ النَّصَارَى وَجَهَلَةِ أهل الكتاب، فبرأ إلى الله تعالى من هذه المقالة، كَمَا تَتَبَرَّأُ الْمَلَائِكَةُ مِمَّنِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ شَيْئًا من الإِلهية حيث يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاءِ إِياكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَليُّنَا مِنْ دونهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبدونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤمِنُونَ﴾ . [٣٤- سبأ- ٤٠-٤١] . وقال تعالى: ﴿وَيَوْم يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدونَ مَنْ دونِ اللَّهِ فَيَقولُ أَأَنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤلاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالوا سبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دونكَ مِنْ أَوْليَآءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهمْ حَتى نَسُوا الذّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً فَقَدْ كًذّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً وَمن يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ . [٢٥- الفرقان- ١٧-١٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمّ نَقُولُ لِلّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أنْتُمْ وَشُرَكَاءُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنهمْ وَقَالَ شُرَكَاؤهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى باللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكمْ إِنْ كًنّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُوُا كُلَّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ وَردوا إِلى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانوا يَفْتَرُونَ﴾ . [١٠- يونس-٢٨- ٣٠] .

стр. 599

مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الله يوم القيامة لا يدانيه مقام فَلَا يُسَاوِيهِ بَلْ وَلَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ فِيهِ، ويحصل له من التشريفات ما يغبطهذا بها كل الخلائق من العالمين، من الأولين والآخرين، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ والمرسلين، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ من الأحاديث والآثار، وأنه أول من يسجد بين يدي الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَشْفَعُ فَيُشَفَّعُ، وَأَوَّلُ من يكسى بعد الخليل، يكسى الخليل ريطتين. بيضاوين، ويكسى محمد ﷺ حُلَّتَيْنِ خَضْرَاوَيْنِ، وَيَجْلِسُ الْخَلِيلُ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ فَيَقُولُ: "يَا رَبِّ إِنَّ هَذَا - وَيُشِيرُ إِلَى جِبْرِيلَ- أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِلَيَّ، فيقول الله صَدَقَ جِبْرِيلُ". وَقَدْ رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ: إِنَّهُ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام، وجمع فيه أبو بكر المروزي جزءاً كبيراً، وحكاه هو وغيره وغير وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَخَلْقٍ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُنْكِرُهُ مُثْبِتٌ وَلَا نَافٍ، وَقَدْ نظمه الحافظ أبو الحسن الدارقطني في صيدة لَهُ. قُلْتُ: وَمِثْلُ هَذَا لَا يَنْبَغِي قَبُولُهُ إلا عن معصوم، ولم يثبت فيه حَدِيثٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَارُ بِسَبَبِهِ إِلَيْهِ، وقول مجاهد في هذا المقام ليس بحجة بمفرده، وَلَكِنْ قَدْ تَلَقَّاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بالقبول، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا شريح

стр. 600

بن يونس، أخبرنا أَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا كان يوم الْقِيَامَةِ مُدَّتِ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيمِ، حَتَّى لَا يَكُونَ للإِنسان إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ". قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى، وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ مَا رَآهُ قَبْلَهَا، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ: إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِليَّ، فَيَقُولُ اللَّهُ: صَدَقَ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ عِبَادُكَ فِي أطراف الأرض" فهو المقام المحمود.

стр. 601

ذكر في كلام الرب تَعالى مَعَ العُلماء في فصْل القضَاءِ إكرام الله للعلماء يوم القيامة الْقَضَاءِ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا إبراهيم الطالقاني، حدثنا الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعُلَمَاءِ إِذَا جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لِفَصْلِ القضاء إني لم أجعل علمي وحكمي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ ولا أبالي".

стр. 602

أَوّلْ كَلامه لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رجاء، عن خالد بن أبي عمران، عن ابن عباس، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ بِأَوَّلِ مَا يَقُولُ اللَّهُ للمؤمنين يوم القيامة، وبأول ما تقولون لَهُ" قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "فإِن اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي. فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا فَيَقُولُ: وَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ? فَيَقُولُونَ: عَفْوُكَ وَرَحْمَتُكَ ١ وَرِضْوَانُكَ، فيقول: فإِني قد أوجبت لكم رحمتي" ٢.

стр. 603

فصل: لا خلاق في الآخرة لمن يخون أَمانة الله وعهده قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَاَ قَلِيلاً أولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزكِّيهِمْ وَلَهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . [٣- آل عمران-٧٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنَاَ قَلِيلاً أولئِكَ مَا يَأكُلُونَ في بطُويهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّفهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ولهمُ عَذَابٌ أَلِيمٌ أولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الضَّلاَلَةَ بِالْهدَى وَالْعَذَابَ بالْمَغْفِرَةِ فَمَا أصْبَرهمْ عَلَى النَّارِ ذَلِكَ بأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الْكِتَابِ لَفِي شِقَاق بَعِيدٍ﴾ . [٢- البقرة- ١٧٤-١٧٦] .

стр. 604

والمراد من هذا أَنه لا يكلمهم ولا ينظر إليهم كلاماً ونظراً يرحمهم به، كما أَنهم عن ربهم يومئذ محجوبون بقوله تعالى: ﴿كلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَومَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . [٨٣- المطففين-١٥] . وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشرهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْس وَقَالَ أَوْليَاؤهُمْ مِنَ الإِنْس رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضنَا بِبَعْض وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيم عَلِيمٌ﴾ . [- الْأَنْعَامِ- ١٢٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْل جَمَعْناكمْ وَالأَوَّلينَ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمكًذّبينَ﴾ [٧٧-المرسلات-٣٨-٤٠] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثًهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ . [٥٨- المجادلة- ١٨] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنَادِيهمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كنْتُمْ تَزْعُمُونَ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهم الْقَوْلُ رَبَّنَا هؤلاَءِ الَّذِين أغوَيْنَا أغوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأنا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ وَقيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأوُا الْعَذَابَ لَوْ أنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدونَ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقولُ مَاذَا أَجَبْتُم الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلونَ﴾ . [٢٨- القصص- ٦٢-٦٦] .

стр. 605

وقال بعد هذا: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقول أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أمَّة شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ للَّهِ وَضَلَّ عَنهمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . [٢٨- القصص- ٧٤-٧٥] . والآيات في هذا كثير جِدًّا. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ له: أَلَمْ أُكْرِمْكَ? أَلَمْ أُزَوِّجْكَ? أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الخيل والإِبل، أذرك ترأس وتربع? فيقول: بلى، فيقول: أظننت أَنَّكَ مُلَاقِيَّ? فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَالْيَوْمَ أَنْسَاكَ كما نسيتني" ١. فهذا فيه صراحة عظيمة في تكلم الله تعالى ومخاطبته لِعَبْدِهِ الْكَافِرِ. وَأَمَّا الْعُصَاةُ فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عمر الذي في الصحيحين كَمَا سَيَأْتِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُدْنِي اللَّهُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ ثُمَّ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ فِي يَوْمِ كَذَا كَذَا وَكَذَا? وَفِي يَوْمِ كَذَا كَذَا وَكَذَا? فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" ٢.

стр. 606

فصل: إِبراز النِّيرَانِ وَالْجِنَانِ وَنَصْبِ الْمِيزَانِ وَمُحَاسَبَةِ الدَّيَّانِ قال تعالى: ﴿إذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الجنَّةُ أزْلفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أحْضَرَتْ﴾ . [٨١- التَّكْوِيرِ -١٢-١٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَل امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَأزْلفَتَ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بقَلْبٍ مُنِيب ادْخُلُوهَا بِسَلاَم ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلدَيْنَا مَزِيد﴾ . [٥٠- ق-٣٠- ٣٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِين الْقِسْطَ لِيَوْم الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَم نَفْسن شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حًبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبينَ﴾ . [٢١- الأنبياء- ٤٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤتِ مِن لَّدُنْهُ أجْراً عَظِيماً فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلى

стр. 607

هؤلاَءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ . [٤- النساء- ٤٠ – ٤٢] . وقال تعالى فيما أخبر به عن لقمان أنه قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةِ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّموات أوْ فِي الأرْض يَأتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ . [٣١- لقمان- ١٢- ١٤] . والآثار في هذا كثيرة جداً، والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 608

ذكر إِبداء عين من النار على المحشر فتطلع على الناس مدخل ... ذكر إِبْداء عَين مِن النَّار عَلَى المحْشَر فتَطّلع عَلَى النَّاس قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وأنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ . [٨٩- الْفَجْرِ- ٢٣] . وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ العلاء بن خالد الكاهل، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يجرونها" ١. وكذا ر واه الترمذي مرفوعاً، ورواه من وجه آخر هو ابن جرير موقوفاً.

стр. 609

يخرج عنق من النار يتكلم, يقذف في جهنم الجبارين والمشركين والقائلين بغير حق وقال الإِمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا شيبة، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدريرضي اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَتَكَلَّمُ، فيقول: وكلت بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ فَيَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ" ١. تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمِيزَانِ عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نحوه. وقال الله تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأتْهُم مِن مَكَانِ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفيراً وَإِذَا ألْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقًا مُقرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً لاَ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيراً﴾ . [٢٥- الفرقان- ١٢-١٤] . قال الشعبي: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تغيظاً وزفيراً، مِنْ شِدَّةِ حَنَقِهَا وَبُغْضِهَا لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، واتخذ معه إلهاً آخر، وفي الحديث:

стр. 610

"من كذب علي، أو ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مقعداً بعيداً" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَهَلْ لَهَا مِنْ عينين? قال: "أما سمعتم بقول الله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَتَنْزَوِي وَيَنْقَبِضُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَيَقُولُ الرَّحْمَنُ: مَا لكِ? فَتَقُولُ: إِنَّهُ يَسْتَجِيرُ مِنِّي، فَيَقُولُ: أَرْسِلُوا عَبْدِي، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رب: ما كان هذا ظني بك، فيقول الله: ما كَانَ ظَنُّكَ? فَيَقُولُ: أَنْ تَسَعَنِي رَحْمَتُكَ، فَيَقُولُ: أَرْسِلُوا عَبْدِي، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فتشهق إليه النار شهوق البغلة الى البعير، وتزفر زفرة لا تبقي أحداً إلا أخفته، وإسناده صَحِيحٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ المنصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير قَالَ: إِنَّ جَهَنَّمَ تَزْفِرُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى معها مَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ إِلَّا خَرَّ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَيَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَقُولَ: رب لا أسألك إلا نفسي اليوم. وَقَالَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ جَهَنَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ سَاطِعٌ مُظْلِمٌ ثُمَّ يقول: ﴿ألمْ أعْهَدْ إِلَيْكًمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّه لَكُمْ عدُوٌّ مُبِينٌ أَنِ اعْبدُوني هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمُ وَلَقَدْ أضلَّ مِنْكُمْ جِبِلاً كَثِيراً

стр. 611

أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ . [٣٦- يس-٦٠-٦٤] . فيمر اللَّهُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، وَتَجْثُو الْأُمَمُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى كلَّ أمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنّا نَستَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلونَ﴾ . [٤٥- الجاثية- ٢٨] .

стр. 612

ذكر الميزان مدخل ... ذكر الميزان قال الله تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْم القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْس شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . [٢١- الأنبيء- ٤٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأولَئِكَ الَّذِينَ خَسروا أَنْفُسَهُمْ في جَهًنّمَ خَالدُونَ﴾ . [٢٣- الممؤمنون- ١٠٢-١٠٣] . وقال تعالى: ﴿والْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينهُ فَأولئِكَ همُ الْمُفْلِحُونَ ومَنْ

стр. 613

خفَّتْ مَوَازِينه فَأولئِكَ الَّذِينَ خَسِروا أنْفسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ . [٧- الْأَعْرَافِ-٨-٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه فَهُوَ في عِيشَةٍ رَاضِيَةَ وأَمَّا مَنْ خفَّتْ مَوَازِينهُ فَأمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدرَاكَ مَاهِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ . [١٠١ – القارعة- ٧- ١١] . وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أولئِكَ الَّذِينَ كَفَروا بِآياتِ ربِّهِمْ وَلقَائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمً لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ . [١٨- الكهف- ١٠٣-١٠٥] .

стр. 614

وزن الأعمال بعد القضاء والحساب قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذا انْقَضَى الْحِسَابُ، كَانَ بَعْدَهُ وَزْنُ الْأَعْمَالِ، لِأَنَّ الْوَزْنَ لِلْجَزَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ المحاسبة، فإِن المحاسبة لنفس الأعمال، والوزن لإِظهار مقاديرها، فيكون الجزاء بحسبهما، قال: وقوله ونضع الموازين القسط ليوم القيامة يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَوَازِينُ مُتَعَدِّدَةٌ تُوزَنُ فِيهَا الْأَعْمَالُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمَوْزُونَاتِ، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم١.

стр. 615

بَيَان كَون الميزان له كًفّتان حسيتان وبيان أن "بسم الله الرحمن الرحيم" لا يثقل عليها شيء. قَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سعد، حدثني عامر بن يحيى، حدثني عبد الرحمن الجيلي وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مد البصر، ثم يقول الله له: أتنكرمن هذا شيئاً? ظلمك كتبتي الحافظون? فيقول: لا يا رب: فيقول الملك: أَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ? فَيُبْهَتُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَاحِدَةً، لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فيخرج بِطَاقَةٌ فِيهَا، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله فيقول: أخبروه، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ: مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هذه السجلات? فيقول: إنك لا تظلم، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، قال: فتطيش السجلات، وتثقل البطاقة، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم". ١ وكذا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، من حديث الليث، ورواه التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ لَهِيعَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرِ بْنِ يحيى به، وقال الترمذي: حسن غريب.

стр. 616

سياق آخر لهذا الحديث: هل يوزن العامل يوم القيامة مع عمله? قال أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُؤْتَى بالرجل، فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصى عليه فتمايل بِهِ الْمِيزَانُ قَالَ: فَيُبْعَثُ بِهِ إِلَى النَّارِ قَالَ: فَإِذَا أُدْبِرَ بِهِ إِذَا صَائِحٌ مِنْ عند الرحمن ﵎ يقول: لَا تَعْجَلُوا، فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ لَهُ، فَيُؤْتَى بِبِطَاقَةٍ فِيهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَتُوضَعُ مَعَ الرَّجُلِ فِي كِفَّةٍ حَتَّى يَمِيلَ بِهِ الميزان" ١. وهذا السياق فيه غرابة، وفيه فائدة جليلة، وهو أن العامل يوزن مع عمله.

стр. 617

شهادة ألا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ترجح بالذنوب في الميزان يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن البراء المقري، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ قَالَ: "يُؤْتَى بِرَجُلٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْمِيزَانِ، فَيُخْرَجُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ، فِيهَا ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ، فَتُوضَعُ فِي كِفَّةٍ، ثم يخرج

стр. 618

لَهُ قِرْطَاسٌ مِثْلُ الْأُنْمُلَةِ فِيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسوله، فتوضع في كفة أخرى، فترجح بخطاياه" ١. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَابِطٍ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا بَكْرٍ الْمَوْتُ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ فِي الدُّنْيَا، وَثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ إِذَا وُضِعَ فِيهِ الْحَقُّ أَنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وَإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خفت موازينه بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ فِي الدُّنْيَا، وَخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ إِذَا وُضِعَ فِيهِ الْبَاطِلُ غَدًا أَنْ يكون خفيفاً.

стр. 619

الخلق الحسن أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة وقال أَحْمَدُ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دنيا، عن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَثْقَلُ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ خُلُقٌ حَسَنٌ" ١. وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِوَزْنِ الْأَعْمَالِ أَنْفُسِهَا كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الطَّهُورُ شَطْرُ الإِيمان، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان والصبر

стр. 620

ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا" ١. فَقَوْلُهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، فِيهِ دَلَالَةٌ على أَنَّ الْعَمَلَ نَفْسَهُ وَإِنْ كَانَ عَرَضًا قَدْ قام بالفاعل، يحيله الله يوم القيامة فيجعله ذاتاً يوضع فِي الْمِيزَانِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أبي الدنيا. حدثنا أبوخيثمة وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَثْقَلُ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ خُلُقٌ حَسَنٌ". وَكَذَا رواه أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بِهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ غُنْدَرٍ وَيَحْيَى بْنِ سعيد، عن شعبة عن القاسم، عن أبي مرة، عَنْ عَطَاءٍ الْكَيْخَارَانِيِّ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أبي الدرداء، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ فِي الْمِيزَانِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ". وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُطَرِّفٍ، عَنْ عطاء بن نافع الكيخاراني به، وقال أَحْمَدُ٢. حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

стр. 621

"بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ? لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ، يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدُهُ". وَقَالَ: "بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ مُسْتَيْقِنًا بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وباليوم الآخر، وبالجنة، وبالنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب". انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَكَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "تَأْتِي الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كأنهما غمامتان، أو غيابتان، من طير يحاجان عن صاحبهما" ١. والمراد من ذلك أن ثواب تلاوتهما يصير يوم القيامة كذلك. الأمر الثاني يوضع الصحيفة التي كتب فيها كما تقدم فِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ جَاءَ أن العامل يُوزَنُ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أخبرني الْمُغِيرَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جناح بعوضة" ٢.

стр. 622

وقال: "اقرأوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلاَ نقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزناً﴾ . [١٨- الْكَهْفِ- ١٠٥] . قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ مِثْلَهُ، وَقَدْ أَسْنَدَ مُسْلِمٌ مَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، فَذَكَرَهُ. وَقَدْ رُوِيَ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صالح مولى التومة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْأَكُولِ الشَّرُوبِ الْعَظِيمِ، فَيُوزَنُ بِحَبَّةٍ، فَلَا يَزِنُهَا". قَالَ: وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ ابن الصلت، عن أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ سَوَاءً. وَقَدْ قَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَخْطُرُ في حلة ما، فَلَمَّا قَامَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَا أبا بريدة هذا ممن قال الله فيهم: ﴿فَلاَ نقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزناً﴾ . ". ثُمَّ قَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عن عُمَارَةَ، وَلَيْسَ بِالْحَافِظِ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. قَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ وَحَسَنُ بْنُ موسى، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنه كان دقيق السباقين فجعلت الريح تلقيه، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 623

"مِمَّ تَضْحَكُونَ? قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ رقة ساقيه. قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أحُد١"، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ. فَقَدْ جَاءَتِ الرِّوَايَاتُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَفِي رواية الإِمام أحمد بن حنبل من طريق ابن لهيعة في حديث البطاقة، أنه يوزن مع عمله في الكتاب، وهذه الرواية تجمع الأقوال كلها بتقدير صحتها، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يوم القيامة. قال: "أما في مواطن ثلاث فَلَا: الْكِتَابُ، وَالْمِيزَانُ، وَالصِّرَاطُ". فَقَوْلُهُ: "الْكِتَابُ" يَحْتَمِلُ أن يكون حين يوضع كتاب الأعمال ليشهد على الأمم بأعمالها، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الصحف حين تطاير، والناس بين من أخذ بيمينه، وأخذ بشماله٢. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ المعري، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بن عبيد، عن الحسن، أن عائشة بكت، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يُبْكِيكِ يَا عَائِشَةُ?" قَالَتْ: ذَكَرْتُ أهل النار فبكيت، هل يذكرون أهليهم يوم القيامة? قال: "أما في ثلاثة فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا، حَيْثُ يُوضَعُ الْمِيزَانُ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَثْقُلُ مِيزَانُهُ أَمْ يَخِفُّ، وَحَيْثُ يقول هاؤم اقرءوا كتابيه، حيث تطاير الصحف حتى يعلم

стр. 624

أين يقع كتابه في يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَحَيْثُ يُوضَعُ الصِّرَاطُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ" ١. قال يونس أشك الحسن قال: خافيته كلاليب وحسك، ويحبس اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَيَنْجُو أَمْ لَا يَنْجُو? ثُمَّ قَالَ البيهقي: أنبأنا الروزباري، أنبأنا ابْنُ دَاسَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عن إِبْرَاهِيمَ وَحُمَيِدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، وَذَكَرَ الحديت بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "وَعِنْدَ الْكِتَابِ، حِينَ يقال: هاؤم اقروا كتابيه: حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ? أم في شماله مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ? وَعِنْدَ الصِّرَاطِ، إِذَا وُضِعَ بين ظهراني جَهَنَّمَ"، قَالَ يَعْقُوبُ عَنْ يُونُسَ: وَهَذَا لَفْظُ حديثه. طريق أخرى عن عائشة بنت أبي بكر ﵄ قَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ يَذْكُرُ الْحَبِيبُ حَبِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? قَالَ: "يَا عَائِشَةُ, أَمَّا عِنْدَ ثَلَاثٍ فَلَا، أَمَّا عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَثْقُلَ أَوْ يَخِفَّ فَلَا، وَأَمَّا عِنْدَ تَطَايُرِ الْكُتُبِ فإِما أَنْ يُعْطَى بِيَمِينِهِ، أَوْ يُعْطَى بِشِمَالِهِ فَلَا، ثُمَّ حِينَ يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ، فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، وَيَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُ ذلك العنق:

стр. 625

وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، وُكِّلْتُ بِمَنِ ادَّعَى مَعَ اللَّهِ إلهاً آخر، وكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، وكلت برجل جَبَّارٍ عَنِيدٍ، قَالَ: فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، وَيَرْمِي بِهِمْ في غمرات جهنم، وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ، تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَالنَّاسُ عَلَيْهِ كَالطَّرْفِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ، رَبِّ سَلِّمْ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، وَمُكَوَّرٌ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ" ١. وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عن أنس، أنه قال: أتشفع لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ? قَالَ: "أَنَا فَاعِلٌ: قال: أين أَطْلُبُكَ? قَالَ: اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عِنْدَ الصِّرَاطِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ? قَالَ: فَعِنْدَ الْحَوْضِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ? قَالَ: فَعِنْدَ الميزان قال: فإني لا أخطىء هذه المواطن يَوْمَ الْقِيَامَةِ"٢. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن إبراهيم المهراني، حدثنا أحمد بن سليمان الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا داود بن المحمر، حدثنا صالح المزي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُؤْتَى بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُوقَفُ بَيْنَ كِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، وَيُوَكَّلُ بِهِ مَلَكٌ، فَإِنْ ثَقُلَ مِيزَانُهُ نَادَى الْمَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: سعد فلان سعادة

стр. 626

لا يشقى بعدها أبداً، وإن خفت موازينه، نَادَى الْمَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: شَقِيَ فُلَانٌ شقاوة لا يسعد بعدها أبداً"، ثم قال: إسناده ضعيف. وقد روى الْحَافِظَانِ الْبَزَّارُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بن أبي الحارث وداود بن المحمر: حدثنا صالح المزي، عن علي بن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَجَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ، زَادَ الْبَزَّارُ وَمَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَرْفَعُهُ بِنَحْوِهِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن أبي الغرار قَالَ: عِنْدَ الْمِيزَانِ مَلَكٌ، إِذَا وُزِنَ الْعَبْدُ نَادَى: أَلَا إِنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ وَسَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا، أَلَا إِنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ وَشَقِيَ شَقَاوَةً لَا يَسْعَدُ بَعْدَهَا أَبَدًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ صُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي الْمُخْتَارِ، عَنْ بِلَالٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: صَاحِبُ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبْرِيلُ، يَرُدُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا ذَهَبٌ يَوْمَئِذٍ وَلَا فِضَّةٌ قَالَ: فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ، فَرُدَّتْ عَلَى الظالم. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ: افْتَخَرَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ سَلْمَانَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: لَكِنِّي خُلِقْتُ مِنْ نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ، ثُمَّ أَعُودُ جِيفَةً مُنْتِنَةً، ثم يؤتى بالميزان، فإن ثقلت موازيني فأنا كريم، لكني وَإِنْ خَفَّتْ فَأَنَا لَئِيمٌ. قَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ: أتدري من أي شيء نجا? إذا ثقل مِيزَانُ عَبْدٍ، نُودِيَ فِي مَجْمَعٍ فِيهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون ألا إن فلان ابن فلان سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا، وَإِذَا خف ميزانه نودي: ألا إن فلان ابن فلان شَقِيَ شَقَاوَةً لَا يَسْعَدُ بَعْدَهَا أَبَدًا.

стр. 627

وقال البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي علي السقا، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا أيوب بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أبيه، عن يحيى بن معمر، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي حَدِيثِ الإِيمان، قَالَ يَا مُحَمَّدُ مَا الإِيمان? قَالَ: "الإِيمان أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْمِيزَانِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"، قال: فإذا فعلت هذا فأنت مؤمن قال: "نعم". أو قال: قَالَ: "صَدَقْتَ". وَقَالَ شُعْبَةُ: عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سمرة بن عطية، عن أبي الأخوص، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: "لِلنَّاسِ عِنْدَ الْمِيزَانِ تَجَادُلٌ وَزِحَامٌ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أبي عثمان المدني، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: يُوضَعُ الْمِيزَانُ وَلَهُ كفتان، لو وضع في إحداهما السموات والأرض وما فيهما لوسعتهما، فتقول الملائكة: يا ربنا من يوزن بهذا? فيقول: مَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حنيفة، عن حماد بن إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَنَضَغ المَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْم الْقِيَامَةِ﴾ . [٢١- الأنبياء- ٤٧] . قَالَ: يُجَاءُ بعمل رجل فَيُوضَعُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ، وَيُجَاءُ بِشَيْءٍ مِثْلِ الْغَمَامَةِ أَوْ مِثْلِ السَّحَابِ كَثْرَةً فَيُوضَعُ فِي كفة أخرى في ميزانه، فترجح فَيُقَالُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا? هَذَا الْعِلْمُ الَّذِي تَعَلَّمْتَهُ، وَعَلَّمْتَهُ النَّاسَ، فَعَلِمُوهُ، وَعَمِلُوا بِهِ بَعْدَكَ.

стр. 628

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ? عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ سعيد بن جبير وهو يحدثه ذَاكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يُحَاسَبُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ تلا: قول الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ . [٢٣- الْمُؤْمِنُونَ- ١٠٢- ١٠٣] . ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمِيزَانَ يَخِفُّ بِمِثْقَالِ حبة خَرْدَلٍ أَوْ يَرْجَحُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا عمار بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: يَعْتَذِرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى آدَمَ ثَلَاثَ مَعَاذِيرَ يَقُولُ: "يَا آدَمُ: لَوْلَا أني لعنت الكاذبين، وأبغض الكذب والحلف، لَرَحِمْتُ ذُرِّيَّتَكَ الْيَوْمَ مِنْ شِدَّةِ مَا أَعْدَدْتُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لِمَنْ كَذَّبَ رُسُلِي وَعَصَى أَمْرِي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ منهم أجمعين، ويا آدم: اعلم أني لم أعذب بالنار أحداً من ذريتك ولم أدخل النار أحداً إلا من قد سبق فِي عِلْمِي أَنَّهُ لَوْ رَدَدْتُهُ إِلى الدُّنْيَا لَعَادَ إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَنْ يَرْجِعَ، وَيَا آدَمُ: أَنْتَ الْيَوْمَ عَدْلٌ بَيْنِي وبين ذريتك، فقم عند الميزان، فانظر ما يرفع إِلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ رَجَحَ خَيْرُهُ عَلَى شره مثقال ذرة فله الجنة، حتى يعلم أَنِّي لَا أُعَذِّبُ إِلَّا كُلَّ ظَالِمٍ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرحمن، عن أبي أمامة ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال:

стр. 629

"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَامَتْ ثُلَّةٌ مِنَ النَّاسِ يَسُدُّونَ الْأُفُقَ، نُورُهُمْ كَنُورِ الشَّمْسِ، فَيُقَالُ لِلنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ: فَيَتَحَسَّسُ لَهَا كُلُّ نَبِيٍّ فَيُقَالُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، ثُمَّ تَقُومُ ثُلَّةٌ أُخْرَى تَسُدُّ مَا بَيْنَ الْأُفُقِ، نُورُهُمْ كَنُورِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَيُقَالُ لِلنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ: فَيَتَحَسَّسُ لَهَا كُلُّ نَبِيٍّ فَيُقَالُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، ثُمَّ يَجِيءُ الرَّبُّ ﵎ فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ، وَهَذَا لَكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ، ثُمَّ يُوضَعُ الْمِيزَانُ ويؤخذ في الحساب".

стр. 630

فصل أقوال العلماء في تفسير الميزان الذي يكون يوم القيامة نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ كفتان عظيمتان، لو وضعت السموات والأرض في واحدة لوسعتهما، فَأَمَّا كِفَّةُ الْحَسَنَاتِ فَنُورٌ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَظُلْمَةٌ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، وَعَنْ يَمِينِهِ الْجَنَّةُ، وَكِفَّةُ النُّورِ مِنْ نَاحِيَتِهَا، وَعَنْ يَسَارِهِ جَهَنَّمُ، وَكِفَّةُ الظُّلْمَةِ مِنْ نَاحِيَتِهَا، قَالَ: وَقَدْ أنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: الأعمال عراض لَا جِرْمَ لَهَا فَكَيْفَ تُوزَنُ? قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْأَعْرَاضَ أَجْسَامًا فَتُوزَنُ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُوزَنُ كتب الأعمال. قلت: وقد تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى الثَّانِي وعلى أن العامل نفسه يوزن. قال القرطبي: وقد روى مجاهد، والضحاك، والأعمش، أن الميزان هاهنا الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ، وَذِكْرُ الْوَزْنِ وَالْمِيزَانِ ضَرْبُ مَثَلٍ كَمَا يُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ فِي وَزْنِ هَذَا، قُلْتُ: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا فَسَّرُوا هَذَا عِنْدَ قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ألاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وأقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِروا الْمِيزَانَ﴾ . [٥٥- الرحمن- ٧- ٩] . فالميزان في قوله: ووضع الميزان، أي العدل، أمر الله عباده أن يتعاملوا به فيما بينهم، فأما الميزان المذكور في زنة القيمة، فقد تواترت بذكره الأحاديث كما رأيت، وهو ظاهر القرآن. فمن ثقلت موازينه، ومن خفت موازينه، وهذا إنما يكون للشيء المحسوس.

стр. 631

ليس الميزان لكل فرد من أفراد الناس يوم القيامة قَالَ الْقُرْطُبِيُّ١: فَالْمِيزَانُ حَقٌّ، وَلَيْسَ هُوَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدَام﴾ . [٥٥- الرحمن- ٤١] . وَقَوْلُهُ ﷺ : "فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا مُحَمَّدُ: أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فيما سواه". قلت: وقد تواترت الأحاديث فِي السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا تُوزَنَ أَعْمَالُهُمْ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وقد توزن أعمال السعداء ون كانت راجحة، لإِظهار شرفهم على رؤوس الأشهاد، والتنويه بسعادتهم ونجاتهم، وأما الكفار فتوزن أعمالهم وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم، يقابل بها كفرهم، لإِظهار شقائهم وفضيحتهم على رؤوس الخلائق، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يظلم أحداً حسنة" أما

стр. 632

الْكَافِرُ فَيُطْعِمُهُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُوَافِيَ الله وليس له حسنة يجزى بها، وقد اختار الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يُوَافِي بصدقة وصلة رحم فيخفف بها عنه من العذاب، واستشهد بقضية أبي طالب حين جعل فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ، وفي هذا نظر، وقد يكون هذا خاصاً به خلصه رسول الله ﷺ بسبب نصرته له، وقد استدل القرطبي على ذلك بقوله تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْم الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . [٢١- الْأَنْبِيَاءِ- ٤٧] . قُلْتُ: وَقُصَارَى هَذِهِ الْآيَةِ الْعُمُومُ فَيُخَصُّ مِنْ ذَلِكَ الْكَافِرُونَ، وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بن جدعان، وذكر أنه كان يقري الضيف، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُعْتِقُ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ? قَالَ: لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ . [٢٥- الفرقان- ٢٣] . وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئَاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ . [٢٤-النور- ٣٩] . وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَزوا بِرَبهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْم عَاصِفٍ﴾ . [١٤- إبراهيم- ١٨] . الآية.

стр. 633

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةِ يَحْسَبُة الظمآنُ مَاءً حتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنده فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . فصل قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: مَنْ ثَقُلَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سيئاته ولو بزوانة دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ أَثْقَلَ وَلَوْ بزوانة دخل النار، إلا أن يغفر الله، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْرَافِ. وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. قلت: يشهد لذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ . [٤- النساء- ٤٠] . لكن ما أعلم: من ثَقُلَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِحَسَنَاتٍ، هل يدخل الجنة ويرتفع في درجاتها بجميع حسناته. ويكون قد أحبطت السيئات التي قابلتها? أو يدخلها مما يبقي لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ الرَّاجِحَةِ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَتَكُونُ الحسنات قد أسقطت ما وراءها من السيئات?

стр. 634

ذكر العرض على الله وتطاير الصحف ومحاسبة الرب تعالى عباده مدخل ... ذكر العَرض عَلَى الله وتطاير الصُّحف ومُحَاسَبة الرّب تَعالى عِبَاده قال الله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نسَيِّرُ الجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادرْ مِنْهمْ أحَداً وَعُرِضُوا عَلَى رَبك صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكمْ أَوَلَ مَرَّة بَلْ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكمْ مَوْعِداً وَوُضِعَ الكِتَاب فَتَرَى المُجْرِمينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لاَ يُغادرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أحْصَاهَا وَوَجَدوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَداً﴾ . [١٨- الكهف- ٤٧- ٤٩] . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم﴾ . [٥٦- الواقعة- ٤٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ ربِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ . [٦- الأنعام- ٩٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مًرّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . [٦- الْأَنْعَامِ-٩٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثمَّ نَقولُ لِلّذِينَ أشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلَنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكمْ لَغافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ

стр. 635

نَفْس مَا أسْلَفَتْ وَردوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَق وَضل عَنْهُمْ. مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنْس وَقَالَ أَوْليَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْس رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْض وَبَلَغْنَا أجَلَنَا الَّذي أجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقصّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالوا شَهِدْنَا عَلَى أنْفسِنَا وَغَرَّتْهُم الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ذلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرَى بِظُلْم وَأَهْلُها غَافِلُونَ وَلكُلِّ درَجَاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ . [٦- الأنعام- ١٢٨-١٣٢] . وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَسَيَأْتِي فِي كُلِّ مَوْطِنٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ. وَتَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده". وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمَا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ الْأَصَمُّ، عَنِ الْحَسَنِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
следующие страницы →