وقال عبد الله ابن الإِمام أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو يحيى البزار قالا: حدثنا حجاج بننصر، حدثنا شعبة، عن العوام بن مزاح بن قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"إِنَّ الْجَمَّاءَ لَتُقَصُّ مِنَ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ١.
وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ الْعَلَاءَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ بنطحها" ٢.
هذا إسناد على شرط مسلم ولم يخرجوه.
وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال:
стр. 644
"يُقْتَصُّ لِلْخَلْقِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، وَحَتَّى لِلذَّرَّةِ مِنَ الذَّرَّةِ" ١. تَفَرَّدَ به أحمد.
وقال عبد الله بن أحمد: وحدث هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ، حدثنا عبد اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن مروان، عن الهذيل بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا، وَشَاتَانِ تَعْتَلِفَانِ فَنَطَحَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَأَجْهَضَتْهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فقيل له: مايضحكك يا رسول الله? فقال: "عَجِبْتُ لَهَا? وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُقَادَنَّ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". ٢
وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ الْأَعْمَشُ، عن منذر بن يعلى الثوري، عن أشياخ لهم، عن مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى عن أشياخه، عن أبي ذر: فذكر ما مَعْنَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى شَاتَيْنِ تَنْتَطِحَانِ فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ: هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ?" قَالَ: لَا. قال: "لكن الله يدري وسيقضي بينهما". ٣
وإسناده جيد حسن، قال الطرطبي: ورواه عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. قال القرطبي: ورواه الليث بن سليم، عن إبراهيم بن مروان، عن الهذيل، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاتَيْنِ تَنْتَطِحَانِ فَقَالَ:
стр. 645
"ليقضين الله يوم القيامة لهذه الجماء مِنْ هَذِهِ الْقَرْنَاءِ" ١.
قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بكر بن سوادة، أن أبا سالم الحساني حدثه: أن ثابت بن ظريف اسْتَأْذَنَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، فَسَمِعَهُ رَافِعًا صَوْتَهُ يقول: أما والله لولا يوم الخصومة لسؤتك، فَدَخَلْتُ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا ذَرٍّ? وما عليك أن يضربها? فَقَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَوْ قَالَ: والذي نفس محمد بيده، لتسألن الشاة فيما نطحت صاحبتها، وليسألن الجماد فيما. نكب إصبع الرجل٢.
وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، أخبرنا أبوحيان، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بعير له رغاء فيقول: يارسول الله أغثني: فأقول لا أملك لك من الله شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أملك لك من الله شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أملك لك من الله شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أملك لك من الله شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ من الله شيئاً قد أبلغتك".
وأخرجاه مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ، وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ التَّيْمِيُّ بِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي حديث أبي هر يرة:
стр. 646
"مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا بُطِحَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، فتطأه بِأَخْفَافِهَا كُلَّمَا مَرَّتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا" ١.
وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَعَ الْآيَاتِ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى حشر الحيوانات كلها..
وقد تقدم في حديث الصور: "فَيَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، إِلا الثَّقَلَيْنِ الإِنس وَالْجِنَّ، فَيَقْضِي بَيْنَ الْوُحُوشِ وَالْبَهَائِمِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُقِيدُ الْجَمَّاءَ مِنْ ذَاتِ الْقَرْنِ، حَتَّى إِذَا فرغ من ذلك، فلم يبق لواحدة عند أخرى حق، قَالَ اللَّهُ لَهَا: كُونِي تُرَابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً".
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بن عبد الله، حدثنا سيار، أخبرنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ يقول، أَنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا رَأَتْ بَنِي آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ تَصَدَّعُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيِ اللَّهِ صنفاً إلى الجنة، وصنفاً إلى النار، نادت: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا بَنِي آدَمَ الَّذِي لَمْ يجعلنا اليوم مثلكم، فلا جنة مرجوة، ولا عقاب يخاف.
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ٢ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى عِنْدَ قَوْلِهِ الْمُقْسِطُ الْجَامِعُ قال: وفي خبر: أن الْوُحُوشِ وَالْبَهَائِمِ تُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ سُجُودٍ، هذا يوم الثواب والعقاب، فتقول لِلْبَهَائِمِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْشُرْكُمْ لِثَوَابٍ وَلَا لِعِقَابٍ وَإِنَّمَا حَشَرَكُمْ تَشْهَدُونَ فَضَائِحَ بَنِي آدَمَ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهَا إِذَا حُشِرَتْ وَحُوسِبَتْ تَعُودُ تُرَابًا ثُمَّ يُحْثَى بِهَا فِي وُجُوهِ فَجَرَةِ بَنِي آدَمَ قَالَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ . [٨٠- عبس-٤٠] .
стр. 647
فصل: أول ما يقضي فيه يوم القيامة الدِّمَاءُ
قَالَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: ثُمَّ يَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَا يَقْضِي فِيهِ الدِّمَاءُ، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وهو أنه بعد أن يفرغ الله مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ، يَشْرَعُ فِي الْقَضَاءِ بين العباد كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَلكُل أمَّةٍ رَسُول فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُّضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . [١٠- يونس- ٤٧] . ويكون أول الأمم.
стр. 648
أمة محمد ﷺ أول الأمم حساباً يوم القيامة
ثم يقضي بين هذه الأمة، لشرف نبيها، كَمَا أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "١ وَفِي رواية: "المقضي لهم قبل الخلائق" ٢.
стр. 649
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أبو سلمة، حدثنا عمار بن سلمة، عن سعيد بن أياس الحريري، عن أبي نصرة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ، يُقَالُ أَيْنَ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ وَنَبِيُّهَا? فنحن الآخرون الأولون" ١ والله أعلم.
стр. 650
ذِكْرُ أَوَّلِ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ يوم القيامة، ومن يناقش الْحِسَابِ، وَمَنْ يُسَامَحُ فِيهِ
قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ" ١.
وفي رواية يحيى بن عقيل، عن أبي هريرة: "حتى لِلذَّرَّةِ مِنَ الذَّرَّةِ" وَالْمُرَادُ بِالذَّرَّةِ هَاهُنَا النَّمْلَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ الْحَيَوَانَاتِ التي ليست مكلفة، فتخليص الحقوق من الآدميين، وإنصاف بعضهم من بعض، أولى وأحرى.
وقد ثبت في الصحيحن، ومسند أحمد، وسنن الترمذي، والنسائي،
стр. 651
وابن ماجه، من حديث سليمان بن مهران، عن الأعمش، عن أبي وائل، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ بين الناس يوم القيامة الدِّمَاءِ" ١.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ "أَنَّ المقتول يأتي يوم القيامة تشخب أوداجه دماء، وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَرَأْسُهُ فِي يَدِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْقَاتِلِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ قَتَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قتلني? فيقول الله تعالى: لم قتلت هذا? فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ، فيقول الله: صدقت. ويقول المقتول ظلماً: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي? فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لم قتلته. فيقول: لتكون العزة لي، وفي رواية لفلان فيقول الله: تَعِسْتَ، ثُمَّ يَقْتَصُّ مِنْهُ لِكُلِّ مَنْ قَتَلَهُ ظلماً، ثم يبقى في مشيئة الله إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ".
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَتَعَيَّنُ عَذَابُهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، كَمَا يُنْقَلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ، حَتَّى نَقَلَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْقَاتِلَ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَهَذَا إِذا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهِيَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ صَحِيحٌ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِقَابِهِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، ثُمَّ أَكْمَلَ الْمِائَةَ، ثُمَّ سَأَلَ عَالِمًا مَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ. فَقَالَ: ومن يحول بينك وبين التوبة? إيت بلد كذا وكذا فإِنه يعبد الله فيها، فَلَمَّا تَوَجَّهْ نَحْوَهَا، وَتَوَسَّطَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي خرج منها، أدركه الموت فمات، فتوفته ملائكة الرحمة الحديث بطوله٢.
من ظلم قطعة أرض طوق بها مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عن سعد بن زيد، وغيره، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" ١.
стр. 654
عذاب المصورين المجسمين يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وليس بنافخ"١ وفي رواية: "يعذبون، يقال أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ".
وَفِي الصَّحِيحِ: "مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يعقد بين شعرتين، وليس يفعل"، تقدم حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تعظيم أمر الغلول، وقوله ﷺ : "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، وعلى رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، أو فرس له حمحمة، فيقول: يا محمد، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبلغتك"، وهو في الصحيحين بطوله٢.
стр. 655
خمس لا تزول قدما العبد عن أرض المحشر يوم القيامة حتى يسأل عنها
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بكار الصيرفي، حدثنا أبو محصن حصين بن نمير، عن حصين بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن ابن مسعود قَالَ: لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِكَ فيم أفنيت? وعن شبابك فيم أبليت? وعن مالك من أين اكتسبته? وفيم أَنْفَقْتَهُ? وَمَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ?.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: من طريق عبد الله عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ هِلَالٍ، عن عبد الله بن عليم قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إِذا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ، كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَا غَرَّكَ بِي? مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ? ماذا أجبت المرسلين? ".
стр. 656
هكذا رواه الحافظ البيهقي بعد الحديث الذي رواه هو من طريق محمد بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنه قال: "وليقفن أحدكم بين يدي الله تعالى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ، وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا? فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا? فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فإِن لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ" ١. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ وَعَفَّانُ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذ بِيَدِ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة? قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "إن الله يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا? حَتَّى إِذا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نفسه أن قد هلك، قال الله تعالى: "فإِني سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وإِني أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الكفار والمتملقون فيقول الْأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، وَعَفَّانُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 657
"يقول الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، حَمَلْتُكَ عَلَى الخيل والإِبل، وزوجتك النساء، وجعلتك ترأس، وترتع، فأين شكر ذلك?" ١.
روى مسلم من حديث سهل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ فِيهِ: "فَيَلْقَى اللَّهُ العبد فيقول: أي قل: أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ، والإِبل، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ? فَيَقُولُ: بَلَى، أَيْ رب، فيقول: أفطنت أنك ملاقي? فيقول: لا، فيقول: إني أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ، فَيَقُولُ: أي قل: ألم أكرمك، وأزوجك، وأسودك، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ، والإِبل، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ. فيقول: بلى، أي رب، فيقول: أفطنت أنك ملاقي? فيقول: لا، يا رب، فيقول: إني أَنْسَاكَ، كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ، فَيَقُولُ لَهُ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرَسُولِكَ وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بخير ما استطاع، قال: فيقول فها هنا إِذًا، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عليك، فيذكر فِي نَفْسِهِ: مَنِ الذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ. فَيُخْتَمُ على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه، فتنطق، فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله ما كان، ذلك لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يسخط الله عليه، ثم ينادي مناد: أتبعت كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ". وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِطُولِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن محمد الزهري، عن مالك، عن سعيد بن الحسن، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ رَفَعَاهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فذكر مثله.
стр. 658
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ والْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثوري، عن عبيد، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ وَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ?" قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ ربه يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ? قَالَ: يَقُولُ بَلَى قَالَ: فَيَقُولُ: فإِني لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مني". قال:
"فيقول الله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيختم الله على فيه ويقول لأركانه: انطقي، فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فعنكَن كُنْتُ أُنَاضِلُ".
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"إِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عُرِّفَ الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ، فَجَحَدَ، وَخَاصَمَ، فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ جِيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ: فَيَقُولُ: كذبوا، فيقال: أهلك، عشيرتك فيقول: كذبوا، فيقال: احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله، وتشهد عليهم أَلْسِنَتُهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ".
وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حديث يزيد بن هارون، عن الحريري، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"تَجِيئُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَفْوَاهِكُمُ الْفِدَامُ، فَأَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ مِنَ ابْنِ آدَمَ فَخِذُهُ وَكَفُّهُ".
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن الوليد بن أبان، أخبرنا محمد محمد بن الحسن المحزومي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اللَّيْثِيُّ، عن ابن شهاب اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اللَّيْثِيُّ، عَنِ ابْنِ شهاب، عن عطاء ابن زيد، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال:
الصلاة أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة فإِن صلحت صلح عمله كله وإن فسدت فسد سائر عمله
وقال ابن أبي الدنيا: أخبرنا عثمان، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ قَاضِي دِمَشْقَ، أخبرنا سعيد بن بشر، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الرَّجُلُ صَلَاتُهُ، فإِن صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي نَافِلَةٌ? فإِن كَانَتْ لَهُ نَافِلَةٌ أتمت بها الفريضة، ثم الفرائض كذلك" ١. رواه التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه النسائي من حديث عمران بن داود بن الْعَوَّامِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رافع، عن أبي هريرة.