← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11818

النهاية في الفتن والملاحم - ت محمد عبد العزيز

ابن كثير

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ليس الميزان لكل فرد من أفراد الناس يوم القيامة قَالَ الْقُرْطُبِيُّ١: فَالْمِيزَانُ حَقٌّ، وَلَيْسَ هُوَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدَام﴾ . [٥٥- الرحمن- ٤١] . وَقَوْلُهُ ﷺ : "فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا مُحَمَّدُ: أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فيما سواه". قلت: وقد تواترت الأحاديث فِي السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا تُوزَنَ أَعْمَالُهُمْ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وقد توزن أعمال السعداء ون كانت راجحة، لإِظهار شرفهم على رؤوس الأشهاد، والتنويه بسعادتهم ونجاتهم، وأما الكفار فتوزن أعمالهم وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم، يقابل بها كفرهم، لإِظهار شقائهم وفضيحتهم على رؤوس الخلائق، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يظلم أحداً حسنة" أما

стр. 632

الْكَافِرُ فَيُطْعِمُهُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُوَافِيَ الله وليس له حسنة يجزى بها، وقد اختار الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يُوَافِي بصدقة وصلة رحم فيخفف بها عنه من العذاب، واستشهد بقضية أبي طالب حين جعل فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ، وفي هذا نظر، وقد يكون هذا خاصاً به خلصه رسول الله ﷺ بسبب نصرته له، وقد استدل القرطبي على ذلك بقوله تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْم الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . [٢١- الْأَنْبِيَاءِ- ٤٧] . قُلْتُ: وَقُصَارَى هَذِهِ الْآيَةِ الْعُمُومُ فَيُخَصُّ مِنْ ذَلِكَ الْكَافِرُونَ، وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بن جدعان، وذكر أنه كان يقري الضيف، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُعْتِقُ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ? قَالَ: لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ . [٢٥- الفرقان- ٢٣] . وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئَاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ . [٢٤-النور- ٣٩] . وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَزوا بِرَبهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْم عَاصِفٍ﴾ . [١٤- إبراهيم- ١٨] . الآية.

стр. 633

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةِ يَحْسَبُة الظمآنُ مَاءً حتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنده فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . فصل قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: مَنْ ثَقُلَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سيئاته ولو بزوانة دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ أَثْقَلَ وَلَوْ بزوانة دخل النار، إلا أن يغفر الله، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْرَافِ. وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. قلت: يشهد لذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ . [٤- النساء- ٤٠] . لكن ما أعلم: من ثَقُلَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِحَسَنَاتٍ، هل يدخل الجنة ويرتفع في درجاتها بجميع حسناته. ويكون قد أحبطت السيئات التي قابلتها? أو يدخلها مما يبقي لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ الرَّاجِحَةِ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَتَكُونُ الحسنات قد أسقطت ما وراءها من السيئات?

стр. 634

ذكر العرض على الله وتطاير الصحف ومحاسبة الرب تعالى عباده مدخل ... ذكر العَرض عَلَى الله وتطاير الصُّحف ومُحَاسَبة الرّب تَعالى عِبَاده قال الله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نسَيِّرُ الجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادرْ مِنْهمْ أحَداً وَعُرِضُوا عَلَى رَبك صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكمْ أَوَلَ مَرَّة بَلْ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكمْ مَوْعِداً وَوُضِعَ الكِتَاب فَتَرَى المُجْرِمينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لاَ يُغادرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أحْصَاهَا وَوَجَدوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَداً﴾ . [١٨- الكهف- ٤٧- ٤٩] . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم﴾ . [٥٦- الواقعة- ٤٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ ربِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ . [٦- الأنعام- ٩٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مًرّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . [٦- الْأَنْعَامِ-٩٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثمَّ نَقولُ لِلّذِينَ أشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلَنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكمْ لَغافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ

стр. 635

نَفْس مَا أسْلَفَتْ وَردوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَق وَضل عَنْهُمْ. مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنْس وَقَالَ أَوْليَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْس رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْض وَبَلَغْنَا أجَلَنَا الَّذي أجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقصّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالوا شَهِدْنَا عَلَى أنْفسِنَا وَغَرَّتْهُم الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ذلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرَى بِظُلْم وَأَهْلُها غَافِلُونَ وَلكُلِّ درَجَاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ . [٦- الأنعام- ١٢٨-١٣٢] . وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَسَيَأْتِي فِي كُلِّ مَوْطِنٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ. وَتَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده". وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمَا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ الْأَصَمُّ، عَنِ الْحَسَنِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 636

"يعرض الناس ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَعَرْضَتَانِ جِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَعَرْضَةٌ تَطَايُرُ الصحف، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حساباً يسيراً، ودخل الْجَنَّةَ، وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشَمَالِهِ دَخَلَ النَّارَ". وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ وأما الثالثة فعندها تطير الصحف إلى الْأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ" ١. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ بِهِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا يَصِحُّ هَذَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الحسن بن أَبِي مُوسَى. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قُلْتُ: الْحَسَنُ قَدْ رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ، عن أبي هريرة، وقد وقع في مسند أحمد التصريح بسماعه منه والله أَعْلَمُ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، مِنْ قَوْلِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ أَنْشَدَ في ذلك شعراً:

стр. 637

وَطَارَتِ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي مُنَشَّرَةً ... فِيهَا السَّرَائِرُ والأبصار تطلع فَكَيْفَ سَهْوُكَ وَالْأَنْبَاءُ وَاقِعَةٌ ... عَمَّا قَلِيلٍ وَلَا تدري بما يقعُ أفي الجنان ونور لا انقطاع له ... أم الجحيم فلا يبقى ولا يدع تَهْوِي بِسَاكِنِهَا طَوْرًا وَتَرْفَعُهُمْ ... إِذَا رَجَوْا مَخْرَجًا من عمقها قُمِعُوا طَالَ الْبُكَاءُ فَلَمْ يَرْحَمْ تَضَرُّعَهُمْ ... فِيهَا وَلَا رِقَّةٌ تُغْنِي وَلَا جَزَعُ لَيَنْفَعُ الْعِلْمُ قبل الموت عامله ... قَدْ سَالَ قَوْمٌ بِهَا الرُّجْعَى فَمَا رَجَعُوا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿يَا أيُهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أوتيَ كِتَابَهُ بِيَمينهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وأَمَّا مَنْ أؤتيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً وَيَصْلى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ . [٨٤- الانشقاق- ٥-١٥] .

стр. 638

من نوقش الحساب هلك قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بن أبي صفرة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ" فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أؤتيَ كِتَابَة بِيَمينهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبَ حِسَاباً يَسِيراً﴾

стр. 639

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يوم القيامة إِلا عذب" ١. يعني أنه تعالى إذا ناقش في حسابه عبيده عذبهم، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَعْفُو، ويغفر، ويستر في الدنيا والآخرة، كما سيأتي في حديث ابن عمر: "يُدْنِي اللَّهُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، ثُمَّ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لك اليوم "٢. فصل قال الله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَاب الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقونَ أولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيم﴾ . [٥٦- الواقعة- ٧-١٢] . الآيات: فَإِذَا نُصِبَ كُرْسِيُّ فَصْلِ الْقَضَاءِ انْمَازَ الْكَافِرُونَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَوْقِفِ إِلَى نَاحِيَةِ الشِّمَالِ، وَبَقِيَ الْمُؤْمِنُونَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ . [٣٦- يس- ٥٩] .

стр. 640

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلّذِينَ أَشْرَكًوا مَكَانَكمْ أَنْتُمْ وَشرَكَاءكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ . [١٠- يُونُسَ- ٢٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أمَّةٍ جَاثِيَةً كلُّ أمَّةٍ تدعَى إِلى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتمْ تَعْمَلُونَ﴾ . [٤٥- الجاثية- ٢٨] . وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مشفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادر صغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ . [١٨- الكهف- ٤٩] . فالخلق قيام لرب العالمين، بين يديه، والعرق غمر أكثرهم، وبلغ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَالنَّاسُ فِيهِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ، خَاضِعِينَ، صَامِتِينَ، لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلا بإِذنه تَعَالَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ يومئذ إِلا الرسل، والأنبياء حول أممهم، وكتاب الأعمال قد اشتمل على أعمال الأولين والآخرين، موضوع لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ذلك ما كانت تعمل الخلائق، وتكتبه عليهم الحفظة في قديم الدهر وحديثه، قال الله تعالى: ﴿يُنَبؤاْ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ وَنخْرجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشوراً اقْرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ . [١٧- الإسراء- ١٣- ١٤] .

стр. 641

قال البصري: لقد أنصفك يا ابن آدَمَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ، وَالْمِيزَانُ مَنْصُوبٌ لوزن أعمال الخير والشر فيه كما تقدم، وَالصِّرَاطُ قَدْ مُدَّ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَالْمَلَائِكَةُ محدقون ببني آدم والجن، وَقَدْ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ، وَأُزْلِفَتْ دَارُ النَّعِيمِ، وَتَجَلَّى الرب تعالى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَقُرِئَتِ الصُّحُفُ، وَشَهِدَتْ عَلَى بَنِي آدَمَ الملائكة بما فعلوا، والأرض بما وقع عَلَى ظَهْرِهَا، فَمَنِ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ وإِلاّ خُتِمَ عَلَى فيهِ، وَنَطَقَتْ جَوَارِحُهُ بِمَا عَمِلَ بِهَا فِي أَوْقَاتِ عَمَلِهِ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ ربَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ . [٩٩- الزلزلة- ٤-٥] . وقال تعالى: ﴿حَتى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهًمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودهمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقَالُوا لِجُلُودهمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُو خَلَقَكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لاَ يَعلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِربكُمْ أرْدَاكُمْ فَأصْبَحْتُمُ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَستَعتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ المُعتَبِينَ﴾ . [٤١- فصلت- ٢٠- ٢٤] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ ألْسِنَتُهُمْ وَأيْدِيهِمْ وَأرْجًلهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوفِّيهمُ اللَّهُ دينَهُمُ الْحًقّ وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ ذوَ الْحَقُّ المُبِينُ﴾ . [٢٤- النور- ٢٤- ٢٥] .

стр. 642

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اليَوْمُ نَخْتِمُ عَلَى أفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسبونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْينهِمْ فَاسْتَبْقُوا الصِّرَاطَ فَأنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعون﴾ . [٣٦- يس- ٦٥- ٦٧] . وَقَالَ تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلحَيِّ القَيُّوم وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مؤمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾ . [٢٠- طه- ١١١-١١٢] . أَيْ لَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ، وهو الهضم، ولا يحمل عليه شيء من عمل غيره، وهو الظلم. فصل فَأَوَّلُ مَا يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ مِنَ المخلوقات الحيوانات غير الإنس والجن وهما الثقلان، والدليل على حشر بقية الْحَيَوَانَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلاَ طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أمَمٌ أمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثمَّ إِلَى رَبهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ . [٦- الأنعام- ٣٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الوُحْوشُ حُشِرَتْ﴾ . [٨١- التكوير- ٥] .

стр. 643

وقال عبد الله ابن الإِمام أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو يحيى البزار قالا: حدثنا حجاج بننصر، حدثنا شعبة، عن العوام بن مزاح بن قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْجَمَّاءَ لَتُقَصُّ مِنَ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ١. وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ الْعَلَاءَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ بنطحها" ٢. هذا إسناد على شرط مسلم ولم يخرجوه. وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال:

стр. 644

"يُقْتَصُّ لِلْخَلْقِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، وَحَتَّى لِلذَّرَّةِ مِنَ الذَّرَّةِ" ١. تَفَرَّدَ به أحمد. وقال عبد الله بن أحمد: وحدث هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ، حدثنا عبد اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن مروان، عن الهذيل بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا، وَشَاتَانِ تَعْتَلِفَانِ فَنَطَحَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَأَجْهَضَتْهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فقيل له: مايضحكك يا رسول الله? فقال: "عَجِبْتُ لَهَا? وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُقَادَنَّ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". ٢ وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ الْأَعْمَشُ، عن منذر بن يعلى الثوري، عن أشياخ لهم، عن مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى عن أشياخه، عن أبي ذر: فذكر ما مَعْنَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى شَاتَيْنِ تَنْتَطِحَانِ فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ: هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ?" قَالَ: لَا. قال: "لكن الله يدري وسيقضي بينهما". ٣ وإسناده جيد حسن، قال الطرطبي: ورواه عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. قال القرطبي: ورواه الليث بن سليم، عن إبراهيم بن مروان، عن الهذيل، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاتَيْنِ تَنْتَطِحَانِ فَقَالَ:

стр. 645

"ليقضين الله يوم القيامة لهذه الجماء مِنْ هَذِهِ الْقَرْنَاءِ" ١. قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بكر بن سوادة، أن أبا سالم الحساني حدثه: أن ثابت بن ظريف اسْتَأْذَنَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، فَسَمِعَهُ رَافِعًا صَوْتَهُ يقول: أما والله لولا يوم الخصومة لسؤتك، فَدَخَلْتُ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا ذَرٍّ? وما عليك أن يضربها? فَقَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَوْ قَالَ: والذي نفس محمد بيده، لتسألن الشاة فيما نطحت صاحبتها، وليسألن الجماد فيما. نكب إصبع الرجل٢. وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، أخبرنا أبوحيان، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بعير له رغاء فيقول: يارسول الله أغثني: فأقول لا أملك لك من الله شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أملك لك من الله شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أملك لك من الله شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أملك لك من الله شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ من الله شيئاً قد أبلغتك". وأخرجاه مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ، وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ التَّيْمِيُّ بِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي حديث أبي هر يرة:

стр. 646

"مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا بُطِحَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، فتطأه بِأَخْفَافِهَا كُلَّمَا مَرَّتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا" ١. وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَعَ الْآيَاتِ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى حشر الحيوانات كلها.. وقد تقدم في حديث الصور: "فَيَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، إِلا الثَّقَلَيْنِ الإِنس وَالْجِنَّ، فَيَقْضِي بَيْنَ الْوُحُوشِ وَالْبَهَائِمِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُقِيدُ الْجَمَّاءَ مِنْ ذَاتِ الْقَرْنِ، حَتَّى إِذَا فرغ من ذلك، فلم يبق لواحدة عند أخرى حق، قَالَ اللَّهُ لَهَا: كُونِي تُرَابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً". وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بن عبد الله، حدثنا سيار، أخبرنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ يقول، أَنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا رَأَتْ بَنِي آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ تَصَدَّعُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيِ اللَّهِ صنفاً إلى الجنة، وصنفاً إلى النار، نادت: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا بَنِي آدَمَ الَّذِي لَمْ يجعلنا اليوم مثلكم، فلا جنة مرجوة، ولا عقاب يخاف. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ٢ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى عِنْدَ قَوْلِهِ الْمُقْسِطُ الْجَامِعُ قال: وفي خبر: أن الْوُحُوشِ وَالْبَهَائِمِ تُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ سُجُودٍ، هذا يوم الثواب والعقاب، فتقول لِلْبَهَائِمِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْشُرْكُمْ لِثَوَابٍ وَلَا لِعِقَابٍ وَإِنَّمَا حَشَرَكُمْ تَشْهَدُونَ فَضَائِحَ بَنِي آدَمَ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهَا إِذَا حُشِرَتْ وَحُوسِبَتْ تَعُودُ تُرَابًا ثُمَّ يُحْثَى بِهَا فِي وُجُوهِ فَجَرَةِ بَنِي آدَمَ قَالَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ . [٨٠- عبس-٤٠] .

стр. 647

فصل: أول ما يقضي فيه يوم القيامة الدِّمَاءُ قَالَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: ثُمَّ يَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَا يَقْضِي فِيهِ الدِّمَاءُ، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وهو أنه بعد أن يفرغ الله مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ، يَشْرَعُ فِي الْقَضَاءِ بين العباد كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَلكُل أمَّةٍ رَسُول فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُّضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . [١٠- يونس- ٤٧] . ويكون أول الأمم.

стр. 648

أمة محمد ﷺ أول الأمم حساباً يوم القيامة ثم يقضي بين هذه الأمة، لشرف نبيها، كَمَا أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "١ وَفِي رواية: "المقضي لهم قبل الخلائق" ٢.

стр. 649

وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أبو سلمة، حدثنا عمار بن سلمة، عن سعيد بن أياس الحريري، عن أبي نصرة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ، يُقَالُ أَيْنَ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ وَنَبِيُّهَا? فنحن الآخرون الأولون" ١ والله أعلم.

стр. 650

ذِكْرُ أَوَّلِ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ يوم القيامة، ومن يناقش الْحِسَابِ، وَمَنْ يُسَامَحُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ" ١. وفي رواية يحيى بن عقيل، عن أبي هريرة: "حتى لِلذَّرَّةِ مِنَ الذَّرَّةِ" وَالْمُرَادُ بِالذَّرَّةِ هَاهُنَا النَّمْلَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ الْحَيَوَانَاتِ التي ليست مكلفة، فتخليص الحقوق من الآدميين، وإنصاف بعضهم من بعض، أولى وأحرى. وقد ثبت في الصحيحن، ومسند أحمد، وسنن الترمذي، والنسائي،

стр. 651

وابن ماجه، من حديث سليمان بن مهران، عن الأعمش، عن أبي وائل، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ بين الناس يوم القيامة الدِّمَاءِ" ١. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ "أَنَّ المقتول يأتي يوم القيامة تشخب أوداجه دماء، وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَرَأْسُهُ فِي يَدِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْقَاتِلِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ قَتَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قتلني? فيقول الله تعالى: لم قتلت هذا? فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ، فيقول الله: صدقت. ويقول المقتول ظلماً: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي? فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لم قتلته. فيقول: لتكون العزة لي، وفي رواية لفلان فيقول الله: تَعِسْتَ، ثُمَّ يَقْتَصُّ مِنْهُ لِكُلِّ مَنْ قَتَلَهُ ظلماً، ثم يبقى في مشيئة الله إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ". وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَتَعَيَّنُ عَذَابُهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، كَمَا يُنْقَلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ، حَتَّى نَقَلَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْقَاتِلَ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَهَذَا إِذا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهِيَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ صَحِيحٌ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِقَابِهِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، ثُمَّ أَكْمَلَ الْمِائَةَ، ثُمَّ سَأَلَ عَالِمًا مَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ. فَقَالَ: ومن يحول بينك وبين التوبة? إيت بلد كذا وكذا فإِنه يعبد الله فيها، فَلَمَّا تَوَجَّهْ نَحْوَهَا، وَتَوَسَّطَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي خرج منها، أدركه الموت فمات، فتوفته ملائكة الرحمة الحديث بطوله٢.

стр. 652

وَفِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ نَصٌّ عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ القاتل، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ . [٢٥- الفرقان- ٦٨] . الآية وَالَّتِي بَعْدَهَا، وَمَوْضِعُ تَقْرِيرِ هَذَا فِي كِتَابِ الأحكام وبالله المستعان وقال الأعمش: عن شهر ابن عطية، عن شهر بن حوشب، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: يَجِيءُ الْمَقْتُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْجَادَّةِ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ الْقَاتِلُ قَامَ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِتَلَابِيبِهِ فَقَالَ: يَا رَبِّ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي? فَيَقُولُ: أَمَرَنِي فُلَانٌ، فَيُؤْخَذُ الْآمِرُ وَالْقَاتِلُ فَيُلْقَيَانِ فِي النَّارِ. قَالَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: "ثُمَّ يَقْضِي اللَّهُ بين خلقه حتى لا يبقى مظلمة لأحد عند أحد حَتَّى إِنَّهُ لَيُكَلِّفُ شَائِبَ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَبِيعُهُ أَنْ يُخَلِّصَ اللَّبَنَ مِنَ الْمَاءِ". وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغللْ يَأتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . [٣- آل عمران- ١٦١] .

стр. 653

من ظلم قطعة أرض طوق بها مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عن سعد بن زيد، وغيره، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" ١.

стр. 654

عذاب المصورين المجسمين يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وليس بنافخ"١ وفي رواية: "يعذبون، يقال أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". وَفِي الصَّحِيحِ: "مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يعقد بين شعرتين، وليس يفعل"، تقدم حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تعظيم أمر الغلول، وقوله ﷺ : "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، وعلى رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، أو فرس له حمحمة، فيقول: يا محمد، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبلغتك"، وهو في الصحيحين بطوله٢.

стр. 655

خمس لا تزول قدما العبد عن أرض المحشر يوم القيامة حتى يسأل عنها وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بكار الصيرفي، حدثنا أبو محصن حصين بن نمير، عن حصين بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن ابن مسعود قَالَ: لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِكَ فيم أفنيت? وعن شبابك فيم أبليت? وعن مالك من أين اكتسبته? وفيم أَنْفَقْتَهُ? وَمَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ?. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: من طريق عبد الله عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ هِلَالٍ، عن عبد الله بن عليم قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إِذا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ، كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَا غَرَّكَ بِي? مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ? ماذا أجبت المرسلين? ".

стр. 656

هكذا رواه الحافظ البيهقي بعد الحديث الذي رواه هو من طريق محمد بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنه قال: "وليقفن أحدكم بين يدي الله تعالى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ، وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا? فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا? فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فإِن لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ" ١. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ وَعَفَّانُ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذ بِيَدِ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة? قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "إن الله يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا? حَتَّى إِذا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نفسه أن قد هلك، قال الله تعالى: "فإِني سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وإِني أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الكفار والمتملقون فيقول الْأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢. وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، وَعَفَّانُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

стр. 657

"يقول الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، حَمَلْتُكَ عَلَى الخيل والإِبل، وزوجتك النساء، وجعلتك ترأس، وترتع، فأين شكر ذلك?" ١. روى مسلم من حديث سهل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ فِيهِ: "فَيَلْقَى اللَّهُ العبد فيقول: أي قل: أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ، والإِبل، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ? فَيَقُولُ: بَلَى، أَيْ رب، فيقول: أفطنت أنك ملاقي? فيقول: لا، فيقول: إني أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ، فَيَقُولُ: أي قل: ألم أكرمك، وأزوجك، وأسودك، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ، والإِبل، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ. فيقول: بلى، أي رب، فيقول: أفطنت أنك ملاقي? فيقول: لا، يا رب، فيقول: إني أَنْسَاكَ، كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ، فَيَقُولُ لَهُ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرَسُولِكَ وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بخير ما استطاع، قال: فيقول فها هنا إِذًا، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عليك، فيذكر فِي نَفْسِهِ: مَنِ الذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ. فَيُخْتَمُ على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه، فتنطق، فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله ما كان، ذلك لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يسخط الله عليه، ثم ينادي مناد: أتبعت كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ". وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِطُولِهِ. وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن محمد الزهري، عن مالك، عن سعيد بن الحسن، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ رَفَعَاهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فذكر مثله.

стр. 658

وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ والْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثوري، عن عبيد، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ وَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ?" قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ ربه يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ? قَالَ: يَقُولُ بَلَى قَالَ: فَيَقُولُ: فإِني لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مني". قال: "فيقول الله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيختم الله على فيه ويقول لأركانه: انطقي، فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فعنكَن كُنْتُ أُنَاضِلُ". وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عُرِّفَ الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ، فَجَحَدَ، وَخَاصَمَ، فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ جِيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ: فَيَقُولُ: كذبوا، فيقال: أهلك، عشيرتك فيقول: كذبوا، فيقال: احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله، وتشهد عليهم أَلْسِنَتُهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ". وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حديث يزيد بن هارون، عن الحريري، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَجِيئُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَفْوَاهِكُمُ الْفِدَامُ، فَأَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ مِنَ ابْنِ آدَمَ فَخِذُهُ وَكَفُّهُ". وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن الوليد بن أبان، أخبرنا محمد محمد بن الحسن المحزومي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اللَّيْثِيُّ، عن ابن شهاب اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اللَّيْثِيُّ، عَنِ ابْنِ شهاب، عن عطاء ابن زيد، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال:

стр. 659

"أَوَّلُ مَنْ يَخْتَصِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ، وَاللَّهِ مَا يَتَكَلَّمُ لِسَانُهَا، وَلَكِنْ يَدَاهَا، وَرِجْلَاهَا، يشهدان عليها بما كانت تعيب لِزَوْجِهَا، وَتَشْهَدُ يَدَاهُ وَرَجْلَاهُ بِمَا كَانَ يُولِيهَا، ثُمَّ يُدْعَى بِالرَّجُلِ وَخَدَمِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يدعى بأهل الإِسراف، فَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ دَوَانِيقُ، وَلَا قَرَارِيطُ، وَلَكِنْ حَسَنَاتُ هَذَا تُدْفَعُ إِلَى هَذَا الَّذِي ظُلِمَ، وَتُدْفَعُ سَيِّئَاتُ هَذَا إِلَى الَّذِي ظَلَمَهُ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَبَّارِينَ فِي مَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ، فَيُقَالُ: ردوهم إلى النار، فما أدري أيدخلوها، أَمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى? ﴿وإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَاردها، كانَ عَلَى رَ بِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ تُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِياً﴾ . [١٩- مريم- ٧١] . ثم قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ خزيمة، حدثنا عبد الله بن يزيد المقري، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَئذ تُحدَث أَخْبَارَها بأنَ ربَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ . [٩٩- الزلزلة- ٤-٥] . قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا?" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فإِن أَخْبَارَهَا أَنْ تَشَهَدَ على كل عبد أو أمة بكل ما عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ كَذَا، وَكَذَا، فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ أَخْبَارُهَا"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ من حديث الحسن البصري، حدثنا خصفة عَمُّ الْفَرَزْدَقِ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ﴾ . [٩٩- الزَّلْزَلَةِ-٧-٨] . فَقَالَ: "وَاللَّهُ لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَسْمَعَ غَيْرَهَا، حَسْبِي حَسْبِي".

стр. 660

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بن أبي الوليد، أبي عُثْمَانَ الْمَدِينِيُّ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَهُ، أن سيفاً حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فإِذا هُوَ بِرَجُلٍ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا? فقالوا: أبو هريرة، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يحدث الناس، وخلا قلت له: أنشدك بحق وحق إلا ما حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عقلته وعلمته ثم نشع أبو هريرة نشعة، فمكث طويلاً، ثم أفاق، ثم قال: لأحدثتك حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ? فِي هَذَا الْبَيْتِ، مَا مَعَنَا أَحَدٌ غيري، وغيره، ثم نشع أبو هريرة نشعة أخرى، فمكث كذلك، ثم مسح وجهه، ثم قال أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْبَيْتِ، مَا معنا، أحد غيري وغيره، ثم نشع أبو هريرة نشعة شديدة، ثم مال حاداً على وجهه، وأسند خده طَوِيلًا، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أن الله تعالى، إِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يدعى رجل الْقُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كثير المال، فيقول الله تعالى للقارىء، ألم علمك مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي? قَالَ: بَلَى، يَا رب، قال: فما عملت فيما علمت? قال: كنت أقوم أثناء الليل النهار، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فلان قارىء، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ، فَيَقُولُ الله تعالى: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ، قَالَ: بَلَى، يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ? قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرحم، وأتصدق، فيقول الله: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقيل فيك ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فيقال له: فيما ذا قُتِلْتَ? فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ، فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:

стр. 661

ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ الْوَلِيدُ أَبُو عُثْمَانَ: فأخبرني عقبة أن سيفاً وكان سياقاً لِمُعَاوِيَةَ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَخْبَرَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هريرة هذا، فقال معاوية: فقد فعل هؤلاء هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ? ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ، ثُمَّ أَفَاقَ، وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ، وَرَسُولُهُ. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدنيَا وزِينَتَهَا نُوف إِلَيْهِمْ أعْمَالَهُمْ فِيهَا وهُمْ فِيَهَا لاَ يُبْخَسُونَ أولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ، وحَبِطَ مَا صنَعُوا فيهَا، وباطِلٌ مَا كانُوا يَعْملُونَ﴾ . [١١- هود ١٥- ١٦] .

стр. 662

الصلاة أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة فإِن صلحت صلح عمله كله وإن فسدت فسد سائر عمله وقال ابن أبي الدنيا: أخبرنا عثمان، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ قَاضِي دِمَشْقَ، أخبرنا سعيد بن بشر، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الرَّجُلُ صَلَاتُهُ، فإِن صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي نَافِلَةٌ? فإِن كَانَتْ لَهُ نَافِلَةٌ أتمت بها الفريضة، ثم الفرائض كذلك" ١. رواه التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه النسائي من حديث عمران بن داود بن الْعَوَّامِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رافع، عن أبي هريرة.

стр. 663

وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ هُوَ ابْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أُرَاهُ ذَكَرَهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ لَيُحَاسَبُ بصلاته، فإِذا نقص منها قيل له: لِمَ نَقَصْتَ مِنْهَا? فَيَقُولُ: يَا رَبِّ: سَلَّطْتَ علي ملكاً شَغَلَنِي عَنْ صَلَاتِي، فَيَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُكَ تَسْرِقُ مِنْ مَالِهِ لِنَفْسِكَ، فَهَلَّا سَرَقْتَ لِنَفْسِكَ مِنْ عَمَلِكَ أَوْ عَمَلِهِ? قَالَ: فَيَتَّخِذُ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ" ١ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أخبرنا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ ما تسأل عنه المرأة يوم القيامة صَلَاتِهَا، ثُمَّ عَنْ بَعْلِهَا، كَيْفَ فَعَلَتْ إِلَيْهِ? ". وهذا مرسل جيد. قال أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ إِذْ ذَاكَ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَجِيءُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَجِيءُ الصَّلَاةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ: أَنَا الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ: إِنَّكِ على خير وتجيء الصَّدَقَةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ: أَنَا الصَّدَقَةُ، فَيَقُولُ: إنك على خير، ويجيء الصِّيَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصِّيَامُ، فَيَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ تَجِيءُ الْأَعْمَالُ، كُلُّ ذلك يقول الله: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ الإِسلام، فَيَقُولُ: يا رب: إنك السلام وإني

стр. 664

الإِسلام فيقول الله: إنك على خير، اليوم بك آخذ، وبك أعطي. قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغ غَيْرَ الإِسْلاَم دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . [٣- آل عمران- ٨٥] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بن عبد الرحيم المروزي: أخبرنا بقية بن الوليد الكلاعي: أخبرنا سَلَمَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "يؤتى بالحكام الظالمين يوم القيامة، بمن قضى قبلي، ومن يجيء بعدي، فيقول الله: أنتم خزان أرضي، ورعاة عبادي، وعندكم بغيتي فيقول للذي قضى قبلي: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ? فَيَقُولُ: الرَّحْمَةُ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷻ : أَنْتَ أَرْحَمُ بِعِبَادِي مني? ويقول: للذي بعدي: مَا حَمْلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ? فَيَقُولُ: غَضِبْتُ لَكَ فَيَقُولُ اللَّهُ: أَنْتَ أَشَدُّ غَضَبًا مِنِّي? فَيَقُولُ اللَّهُ: انْطَلِقُوا بِهِمْ، فَسُدُّوا بِهِمْ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ جَهَنَّمَ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سليم، عن ابن خيثمة، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا رجعت مهاجرة الحبشة، فقال فتية منهم: يارسول الله بينما نحن جلوس إذ مرت بنا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِهِمْ، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا، فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، وَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، وَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ، إِذَا وَضَعَ الله الكرسي، وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كانوا يكسبون، فسوف تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا، قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صدقت كيف يقدس الله قوم لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ: أَنَّ الله تعالى

стр. 665

يُنَادِي الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ الديان، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ مظلمة، ولا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ ولأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقضيها منه، حتى اللطمة. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ الإِمام مالك ﵁، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "من كانت له مظلمة عند أخيه فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فإِنه لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ، وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فإِن لم تكن لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ"، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ?" قَالُوا: مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ فَقَالَ: "بَلِ الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وضرب هذا، فيقتضي هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فإِن فنيت حسناته من قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شجاع اليشكري، أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَمُوتَنَّ وَعَلَيْكَ دَيْنٌ، فإِنه لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ، وَلَا دِرْهَمٌ، إِنَّمَا هِيَ الْحَسَنَاتُ جَزَاءً بِجَزَاءٍ، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"، وَرُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ آخرين، عن ابن عمر مرفوعاً مثله.

стр. 666

الاقتصاص من الظالمين يوم القيامة وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا ابن أبي شيبة، أخبرنا بَكْرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَيَأْتِيَ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ سَرَّتْهُ حَسَنَاتُهُ، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ظَلَمَنِي هَذَا، فَيُؤْخَذُ مِنْ حسنانه، فَيُجْعَلُ فِي حَسَنَاتِ الَّذِي سَأَلَهُ، فَمَا يَزَالُ كذلك حتى ما يبقى لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِذَا جَاءَ مَنْ يَسْأَلُهُ نَظَرَ إِلَى سَيِّئَاتِهِ فَجُعِلَتْ مَعَ سَيِّئَاتِ الرَّجُلِ، فَلَا يزال يستوفي منه حتى يدخل النار".

стр. 667

الشرك بالله لا يغفر ومظالم العباد يقتص بها حتماً يوم القيامة وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ يزيد بن ناموس، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الدواوين عند الله ثَلَاثَةٌ: دِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يغفره الله فالشرك" ١. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ . وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ، أَوْ صَلَاةٍ تَرَكَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَلِكَ، وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شاء الله، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، الْقِصَاصُ لَا محالة". وروى البيهقي من طريق زائدة، عن أبي الزناد، عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا: "الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ: فَظُلْمٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَهُوَ الشِّرْكُ، وظلم يغفره، وهو ظلم العباد فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، وَظُلْمٌ لَا يَتْرُكُ الله منه شيئاً وهو

стр. 668

ظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، حَتَّى يَدِينَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ"، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ الرقاش، عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ، وَكِلَا الطَّرِيقَيْنِ ضَعِيفٌ.

стр. 669

الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إلا الأمانة وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْقَتْلُ فِي سبيل الله يكفر كل شيء إِلَّا الْأَمَانَةَ قَالَ: يُؤْتَى بِصَاحِبِ الْأَمَانَةِ فَيُقَالُ لَهُ: أَدِّ أَمَانَتَكَ، فَيَقُولُ: أَنَّى يَا رَبِّ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا? فَيُقَالُ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، فَيُذْهَبُ بِهِ إِلَيْهَا، فَيَهْوِي، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى قَعْرِهَا، فَيَجِدُهَا هُنَاكَ كَهَيْئَتِهَا فَيَحْمِلُهَا، فَيَضَعُهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَيَصْعَدُ بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ، زَلَّتْ، فهوت فَهَوَى فِي أَثَرِهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ". قَالَ: وَالْأَمَانَةُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَمَانَةُ فِي الصَّوْمِ، وَالْأَمَانَةُ فِي الْوُضُوءِ، وَالْأَمَانَةُ فِي الْحَدِيثِ، وَأَشَدُّ ذَلِكَ الْوَدَائِعُ، قَالَ: فَلَقِيتُ الْبَرَاءَ فَقُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى مَا يَقُولُ أَخُوكَ عَبْدُ اللَّهِ? قَالَ: صَدَقَ. قال شريك: وحدثنا عباد الْعَامِرِيُّ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَمَانَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَمَانَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ... وَلَمْ يَرْوِهِ أَحْمَدُ وَلَا من الستة أحد. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مسلمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله، صابراً، محتسباً، مقبلاً، غير مدبر، أيكفر اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ? قَالَ: "نَعَمْ إِلَّا الدَّيْنَ" ١.

стр. 670

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عمر، عنيحيى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ ميتُونَ ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصمونَ﴾ . [٣٩- الزُّمَرِ-٣٠] . قَالَ الزُّبَيْرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُكَرَّرُ علينا ما يكون بيننا في الدنيا من خَوَاصِّ الذُّنُوبِ? قَالَ: نَعَمْ، لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ، حَتَّى تُؤَدُّوا إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَمْرَ لِشَدِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو سِنَانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْأُمَمُ جَاثُونَ للحساب، فهم يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ تَعَلُّقًا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مِنْهُمْ فِي الدنيا، الأب بابنه، والابن بأبيه، والأخت بأختها، وَالزَّوْجُ بِامْرَأَتِهِ، وَالْمَرْأَةُ بِزَوْجِهَا، ثُمَّ تَلَا عَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَلاَ أنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ﴾ . [٢٣- المؤمنون-١٠١] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا عبيد بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُؤْتَى بِالْمَلِيكِ وَالْمَمْلُوكِ، وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، فَيُحَاسَبُ المليك والمملوك والزوج والزوجة، حتى يقال خَطَبْتَ فُلَانَةً مَعَ خُطَّابٍ، فَزَوَّجْتُكَهَا وَتَرَكْتُهُمْ". وَقَالَ ابن أبي الدنيا: حدثني عمرو بن حيان مولى بني تميم، حدثنا عبدة بن حميد، عن إبراهيم ابن مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
следующие страницы →