← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11818

النهاية في الفتن والملاحم - ت محمد عبد العزيز

ابن كثير

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ربي واحداً، ماجداً، كريماً، أعطاني مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا سَبْعِينَ أَلْفًا"، قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَبِّ وَتَبْلُغُ أُمَّتِي هذا. قال: أكمل لك العمد مِنَ الْأَعْرَابِ". الضَّحَّاكُ هَذَا قَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وقال النسائي: متروك. حَدِيثٌ آخَرُ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَرْثَدٍ الطَّبَرَانِيُّ١، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عياش، حدثنا أبي، حدثنا ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ليبعثن الله بكم يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ، زمرة جميعاً، يحيطون بالأرض، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ، لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ أَكْثَرُ مما جاء مع الأنبياء".

стр. 702

ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ تَفَرُّقِ الْعِبَادِ عَنْ موِقف الْحِسَابِ وما إليه أمرهم ففريق من الجنة وفريق من السعير مدخل ... ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ تَفَرُّقِ الْعِبَاد عَن مَوِقف الحِسَاب وَمَا إليْهِ أَمرهم فَفَريق مِنَ الْجنَّةِ وفريق مِنَ السَّعير قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ﴾ مريم. [١٩- مريم- ٣٩] .

стр. 703

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ، فَأَمَّا الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فَهُمْ فِي رَوضةٍ يُحْبَرُونَ، وَأمَّا الَذِينَ كَفَرُوا وَكًذّبُوا بِآياتِنَا وَلقاءِ الآخِرَةِ فَأولَئِكَ في الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَعُونَ﴾ [٣٠- الروم – ١٤- ١٦] . قال تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئذ يَخْسَرُ المُبطِلُونَ، تَرَ ى كُل أمَّةٍ جَاثِيَةً كُلأ أمَّةٍ تُدْعَى إلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُّنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كنْتُمْ تَعْمَلونَ، فَأمَا الَّذِينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِين، وَأمَّا الَّذِينَ كَفَروا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ، وَإِذَا قِيَلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَة لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ، وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَاكَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ، وقيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذَا وَمَأوَاكم النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ، ذلِكُمِْبأَنَّكُم اتَّخَذْتُمْ آيَات اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ، فللهِ الْحَمْد رب السَّموَاتِ وَرَب الأًرْض رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ الْكِبْريَاءُ في السَّمواتِ وَالأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيمُ﴾ . [٤٥-الجاثية-٢٧-٣٧] .

стр. 704

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ ربهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُو أعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَروا إِلى جَهَنَّمَ زُمْراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فتِحَتْ أبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ألَمْ يَأتِيكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُم لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حًقّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ربَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أبْوَابُهَا وَقَالَ لَهًمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدً لِلّهِ الَّذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْث نَشَاءُ فَنِعْمَ أجْرُ الْعامِلِينَ وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْش يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . [٣٩- الزمر- ٦٩- ٧٥] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأتِ لاَ تَكًلّمُ نَفْسن إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِي وَسَعِيدٌ فَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زفيرٌ وَشَهِيق خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالأرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ ربُّكَ إِنَّ رَ بَّكَ فعَّالٌ لِمَا يُرِيد وَأمَّا الَّذِينَ سُعدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَالأرْضُ اِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجذوذ﴾ . [١١- هود-١٠٥] .

стр. 705

وقالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوم الجَمْع ذلِكَ يَوْمُ التَغَابُن وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكًذّبُوا بِآيَاتِنَا أولئِكَ أصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ . [٦٤- التغابن- ٩] . وقال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمن وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلاَّ مَن اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمن عَهْداً﴾ . [١٩- مَرْيَمَ- ٨٥- ٨٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضًّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوة فأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كنْتُمْ تَكْفُرُونَ وأمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالدُونَ﴾ . [٣- آلِ عِمْرَانَ- ١٠٦] . وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، لو سردناها كلها لطال الحديث جداً، فلنذكر مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَقَاصِدَ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذَا الْفَصْلِ، وسنشير إليها. قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عثمان العجلي، حدثنا أبو أسامة، عن يزيد بن مقول، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ . قال: يساق أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النار:

стр. 706

إيراد الأحاديث في ذلك آخر أهل الجنة دخولاً اليها قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ? فَقَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ"? قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ في القمر ليلة البدر ليس له دُونَهُ سَحَابٌ?" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فليتبعه، من كان يعبد الشمس فليتبع الشمس، من كان يعبد القمر فليتبع القمر، من كان يعبد الطواغيت فليتبع الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مكاننا حتى يأتينا ربنا، حتى إِذا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتْبَعُونَهُ، وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ ... " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَكُونُ أَوَّلَ من يمر، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِيهِ كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوكة السَّعْدَانِ? قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا يعلم قدر عظمها إلا الله، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المخذول ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله في القصاص بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ. مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَمْرَ الْمَلَائِكَةَ أن يخرجوهم وقد انحبسوا، فيصب مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحَبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، قَدْ مستني

стр. 707

ريحها، وأحرقني حرها، فَاصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو الله، فيقول الله: لعلك إن أعطيتك ذلك لا تَسْأَلُنِي غَيْرَهُ? فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا رَبِّ قَرِّبْنِي إِلَى بَابِ الجنة، فيقول الله: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ? فيقول: وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَيُعْطِي اللَّهَ مِنْ العهود والمواثيق أن لا يسأل غَيْرَهُ، فَيُقَرِّبُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَوَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ? ويلك يا ابن آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ? فَيَقُولُ:. يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ حتى يضحك، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كذا، فيتمنى، حتى تنقطع به الأماني، فيقال: لك هذا ومثله" ١. قال أبو هريرة ﵁: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولاً في الجنة: قَالَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا يُغَيِّرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ، حتى انتهى إلى قوله: "لك هذا ومثله" قال أبو سعيد ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "ولك عشرة أمثاله"، قال أبو هريرة: "وَمِثْلُهُ مَعَهُ" وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ، وَزَادَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: "وله عشر أَمْثَالِهِ" وَهَذَا الْإِثْبَاتُ مَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا لَمْ يَحْفَظْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، حَتَّى وَلَوْ نَفَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدَّمْنَا إِثبات أَبِي سعيد لما معه من زيادة

стр. 708

الثِّقَةِ الْمَقْبُولَةِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَابَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَابْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا? قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ في رؤية الشمس إذا كانت صحوا"ً. قُلْنَا: لَا، قَالَ: "فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رؤية ربكم، إلا كما تضارون في رؤيتها، قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الْأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، مِنْ بَرٍّ أو فاجر، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ، تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ. لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ? قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا. قَالَ: فَيُقَالُ: اشْرَبُوا. فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ? فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المسيح ابن مريم، فيقال: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، ثم يقال: ما تريدون? فيقولون: نريد أن تستقينا، فيقال: اشربوا فيتساقطون في جهنم، حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله ، مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يحبسكم? فقد ذهب الناس، فيقال: فارقنا ونحن أحوج إِلَيْهِ الْيَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّا نَنْتَظِرُ ربنا تعالى ، قال: فيأتيهم الجبار تعالى، ، في صورة غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا. حَتَّى يأتينا ربنا، حتى إذا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ التي يعرفون، غير الصورة الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: أَنَا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، لا يكلمه إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ، فَيُقَالُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ

стр. 709

علامة تعرفونها? فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه كما قال تعالى : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساَق﴾ . [٦٨- القلم-٤٢] . ويسجد لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لله رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدُ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجِسْرِ، فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله: الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ في نار جهنم، حتى يمر آخر يسحب سحباً، فما أنتم بأشد منها شدة في الحق، قد تبين لكم من المؤمن يومئذ، يقولون للجبار: إذا رأوا أنهم قد نجوا، شافعين في إخوانهم، فيقولون: ربنا إخواننا كانوا يقاتلون مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُمْ، وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النار، وبعضهم، قد غاص في النار إلى قدميه، وبعضهم قد غاص إلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول الله: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا ... " د قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا إِنْ شَئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةِ وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها﴾ . [٤- النساء- ٤٠] . فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ، وَالْمَلَائِكَةُ، وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ : بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً، فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ انحبسوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ إلى الظل منها كان أبيض،

стр. 710

فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل الله فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَهْلُ الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خير قدموه،. ثم يقال لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ" ١. وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، كِلَاهُمَا عَنْ رَوْحٍ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ فَقَالَ: "نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ، قَالَ: فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا، وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ. ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ من تنتظرون? فيقولون: ننظر رَبَّنَا. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ، ويتبعونه، ويعطى لكل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً يتبعه، وعلى جسر جهنم كلاليب، وحسك، يأخذ من شاء الله، ثم ينطفىء نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فينجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البر سَبْعُونَ أَلْفًا، لَا يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كأضوء نجم في السماء، كَذَلِكَ، ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، فَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ. وَيَجْعَلُ أَهْلُ الجنة يرشون عليهم الماء، حتى ينبتون نبات الحب في السبل، ويذهب خوفه، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا". وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 711

"يجمع الله الناس، فيقوم المؤمنون حتى تَزْلُفُ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أبانا استفتح لنا أبواب الجنة. فيقول: هل أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ? لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ قَالَ: فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ، اعمدوا إلى موسى ﵊، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلك، فيأتون محمداً، فيقوم، ويؤذن له، وترسل الأمانة والرحمة فيقومان جنبي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر بكم كالبرق قال: قلت بأبي أنت وأمي، كيف يمر الْبَرْقِ? قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يمر ويرجع في طرفة عين? ويمر كمر الريح، ثم كمر المطر، وشد الرحال، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يقول: رب سلم، رب سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا، قَالَ: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدنيا: حدثنا خيثمة، حدثنا عثمان بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُمَارَةَ الْقُرَشِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يحشر الله الْأُمَمَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يصدع بين خلقه، مثل لكم قوم ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم، حتى يقحموهم النَّارَ، ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا وَنَحْنُ فِي مَكَانٍ رَفِيعٍ فَيَقُولُ: مَا أَنْتُمْ? فَنَقُولُ: نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَيَقُولُ: مَا تَنْتَظِرُونَ? فَنَقُولُ: نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: هل تعرفونه إن رأيتموه? فيقولون نعم. فيقول: وكيف تعرفونه ولم تروه? فيقولون: إِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ، فَيَتَجَلَّى لَنَا ضَاحِكًا، فَيَقُولُ: أَبْشِرُوا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أحد إلا وقد جَعَلْتُ مَكَانَهُ فِي النَّارِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا".

стр. 712

وَهَكَذَا رَوَاهُ الإِمام أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ وَعَفَّانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عن أبيه، عن أَبِي موسىٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يهودياً أو نصرانياً".

стр. 713

فصل ذِكْرِ الصِّرَاط غَيْر مَا ذُكِرَ آنِفًا مِنَ الأَحَاديث الشَّريفة ثُمَّ يَنْتَهِي النَّاسُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِمْ مَكَانَ الْمَوْقِفِ، إلى الظلمة التي دون الصراط وهي على جسر جَهَنَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسموات? فَقَالَ: "هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ". وَفِي هذا الموضع يفترق الْمُنَافِقُونَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَتَخَلَّفُونَ عَنْهُمْ، وَيَسْبِقُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، ويحالبينهم وَبَيْنَهُمْ بِسُورٍ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤمِنِينَ وَالمؤْمِنَاتِ يَسْعَى نورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهمْ بشْرَاكمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيمُ يَوْمُ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ والْمنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمنوا انظرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكمْ فَالْتِمسوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسور لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادونَهُمْ ألَمْ نَكًن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكمْ باللَّهِ الْغَزورُ فَالْيَوْمَ لاَ يُؤخَذُ

стр. 714

مِنْكُمْ فِدْيَة وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفروا مَأوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَولاكمْ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ . [٥٧- الحديد- ١٢-١٥] . وَقَالَ تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزي اللَّهُ النَّبيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولونَ رَ بَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نورَنَا وَاغفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ . [٦٦-التحريم-٨] . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حدثنا محمد بن صالح بن هانىء، وَالْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ. قَالُوا: حدثنا المزي بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، أخبرنا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عن مسروق، عن عبد الله، قَالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُنَادِي مناد، يا أيها الناس: ألا ترضون من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وصوركم أن يولي كل إنسان منكم إلى من كان يتولى في الدنيا? قال: فيتمثل لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، حَتَّى تتمثل لَهُمُ الشَّجَرَةُ، وَالْعُودُ، وَالْحَجَرُ، وَيَبْقَى أَهْلُ الإِسلام جُثُومًا، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا لَكُمْ لَمْ تَنْطَلِقُوا كما ينطلق النَّاسُ. فَيَقُولُونَ: إِنَّ لَنَا رَبًّا مَا رَأَيْنَاهُ بعد. قال: فيقال: أتعرفون ر بكم إن رأيتموه. فيقولون: بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه. قالوا: وما هي? قالوا: يكشف عَنْ سَاقٍ. قَالَ: فَيَكْشِفُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ ساق، قال: فيخر- أظنه قال- مَنْ كَانَ يَعْبُدُهُ سَاجِدًا، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كصياصي البقر. يريدون السجود، قال: فلا يستطيعون، ثم يؤمرون، فيرفعون رؤوسهم، فَيُعْطَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ: فَمِنْهُمْ من يعطى نوره مثل النخلة، بيمنيه ومنهم من يعطى دُونَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ، يُضِيءُ مَرَّةً، وينطفىء مرة، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا

стр. 715

انطفأ قام قال: فيمرون على الصراط، كحد السيف، دحض مزلة، فَيُقَالُ لَهُمْ: امْضُوا عَلَى قَدْرِ نُورِكُمْ، فَمِنْهُمْ من يمر كانقضاض الكواكب، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرحل ويرمل رَمَلًا، فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، حَتَّى يَمُرَّ الذي نوره على إبهام قدمه تخرّيد، وتعلو يد، وتخر رجل، وتعلو رجل، وتصيب جوانبه النار، تقال: فَيَخْلُصُونَ، فَإِذَا خَلَصُوا قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نجانا منك بعد أن رأيناك، لَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا، قَالَ مَسْرُوقٌ. فَمَا بَلَغَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا المكان من الحديت إِلَّا ضَحِكَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عبد الرحمن: لقد حدثت هذا الْحَدِيثِ مِرَارًا كُلَّمَا بَلَغْتَ هَذَا الْمَكَانَ مِنْ الْحَدِيثِ ضَحِكْتَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُهُ مِرَارًا، فَمَا بَلَغَ هَذَا الْمَكَانَ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا ضحك، حتى تبدو لهاته، ويبدو آخر ضرس من أضراسه، يقول الإِنسان: أَتَهْزَأُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ? فَيَقُولُ: لا، ولكني على ذلك، ... فضحك ابن مسعود ثم ذكره. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَقَالَ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤذن، عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الصراط كحد الشعرة، وكحد السيف، وإن الملائكة تحجز المؤمنين والمؤمنات، وأن جبريل ﵊ يحجزني، وَإِنِّي لَأَقُولُ: يَا رَبِّ: سَلِّمْ سَلِّمْ: فَالزَّالُّونَ وَالزَّالَّاتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ". وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ سعيد بن زيد، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ بِأَبْسَطَ مِنْهُ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ يَتَقَوَّى بِمَا قَبْلَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 716

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّكُمْ مَكْتُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِأَسْمَائِكُمْ، وَسِيمَاكُمْ، وَحُلَاكُمْ، وَنَجْوَاكُمْ، وَمَجَالِسِكُمْ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ: يَا فُلَانُ هذ انورك، يَا فُلَانُ لَا نُورَ لَكَ، وَقَرَأَ: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أيْدِيهمْ وَبأيْمَانِهمْ﴾ . وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطي يوم القيامة نوراً، فإذا انتهوا إلى الصراط أطفىء نُورُ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ أَشْفَقُوا أن يطفأ نورهم، كما أطفىء نُورُ الْمُنَافِقِينَ فَقَالُوا: ﴿رَبَّنَا أتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ . وقال إسحاق بن بشير أبو حذيفة، حدثني ابن جريج، عن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إن الله يَدْعُو النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِهِمْ، سَتْرًا مِنْهُ على عباده، فأما عِنْدَ الصِّرَاطِ فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي كُلَّ مُؤْمِنٍ نُورًا، وَكُلَّ مُنَافِقٍ نُورًا، فَإِذَا اسْتَوَوْا عَلَى الصِّرَاطِ سَلَبَ اللَّهُ نُورَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نوركم، وقال المؤمنون: ر بنا أتمم لنا نورنا: ولا يذكر عند ذلك أحد". وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ الله بن وهب، أخبرنا عمي أبو يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ وَأَبَا ذَرٍّ يُخْبِرَانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له فيرفع رأسه، فأنظر مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ

стр. 717

الْأُمَمِ مَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ. قَالَ: "أعرفهم غراً محجلين مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ الأمم غيرهم، يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَوُجُوهِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ بنورهم، يسعى بين أيديهم وأيدي ذريتهم". وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا صفوان بن عمرو، حدثني سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ. قَالَ: خَرَجْنَا عَلَى جِنَازَةٍ فِي بَابِ دِمَشْقَ، وَمَعَنَا أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، فَلَمَّا صُلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَأَخَذُوا فِي دَفْنِهَا، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ، وَأَمْسَيْتُمْ فِي مَنْزِلٍ تَقْتَسِمُونَ فِيهِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَتُوشِكُونَ أَنْ تَظْعَنُوا مِنْهُ إِلَى مَنْزِلٍ آخَرَ، وَهُوَ هَذَا- يُشِيرُ إِلَى الْقَبْرِ- بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الظُّلْمَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ، وَبَيْتُ الضِّيقِ، إلا ما وسع الله، ثم تنقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، في بعض تلك المواطن يَغْشَى النَّاسَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَتَبْيَضُّ وُجُوهٌ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ مِنْهُ إِلَى مَنْزِلٍ آخَرَ، فَيَغْشَى النَّاسَ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ يُقْسَمُ النُّورُ، فَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ نُورًا، وَيُتْرَكُ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ، فَلَا يُعْطَيَانِ شَيْئًا وَهُوَ الْمَثَلُ الَّذِي ضربه الله فِي كِتَابِهِ: ﴿ومَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ لَة نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . [٢٤-النور-٤٠] . لا يستضيء الكافر والمنافق، كَمَا لَا يستضيءُ الأَعْمى بِبَصَرِ الْبَصِيرِ وَيَقُولُ الْمُنَافِقُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا: ﴿انظرونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكًمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ . [٥٧-الحديد-١٣] . وَهَى خدعة الله التي خدع بها المنافقون حيث قال: ﴿يخادعُون اللَّهَ وَهوَ خَادِعًهمْ﴾ . [٤-النساء-١٤٢] .

стр. 718

فَيَرْجِعُونَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قُسِمَ فِيهِ النُّورُ، فلا يجدون شيئاً، فيصرفون إِليهم وقد: ﴿فَضُربَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَه بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهره مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ﴾ [٥٧- الحديد-١٣] . قَالَا: هو حائط بين الجنة والنار، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَاب﴾ . [٧-الأعراف-٤٦] . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَكَعْبِ الأحبار عن كتب الإِسرائيليين أنه سور بيت المقدس ضعيف جداً، فإِن كان أراد المتكلم بهذا الكلام ضرب مثال، وتقريباً للمغيب بالشاهد فذاك، ولعله مرادهم وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ ثَعْلَبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عباس، عن المطعم بن المقدام الصنعاني وغيره، عن أحمد قَالَ. كَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى سَلْمَانَ: يَا أَخِي إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَعَ مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا تُؤَدِّي شُكْرَهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يُجَاءُ بِصَاحِبِ الدنيا الذي أطاع الله فِيهَا وَمَالُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، كُلَّمَا تَكَفَّأَ بِهِ الصِّرَاطُ قَالَ لَهُ مَالُهُ: امْضِ، فَقَدْ أَدَّيْتَ حق الله فِيَّ?، قَالَ: ثُمَّ يُجَاءُ بِصَاحِبِ الدُّنْيَا الَّذِي لم يطع الله فيها، ماله بَيْنَ كَتِفَيْهِ، كُلَّمَا تَكَفَّأَ بِهِ الصِّرَاطُ قَالَ له ماله: ألا أديت حق الله فِيَّ? فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَدْعُوَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ". وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ جِسْرٌ مَجْسُورٌ، أَعْلَاهُ دحض مزلة، وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى جَنَبَاتِ الْجِسْرِ يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمَ قال: وإن

стр. 719

الصِّرَاطَ مِثْلُ السَّيْفِ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ، وَإِنَّ عليه كلاليب وحسكاً، والذي نفسي بيده، إنه ليؤخذ بالكلاّب الواحد أكثر من ربيعة ومضر". وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ قَالَ: "بَلَغَنَا أن الصراط يوم القيامة وهو على الْجِسْرُ يَكون عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَدَقَّ مِنَ الشعر، وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع" ر واه ابن أبي الدنيا. وقال أيضاً: حدثني الخليل بن عمرو، حدثنا ابن السماك، عن أبي واعظ الزَّاهِدُ قَالَ: "بَلَغَنِي أَنَّ الصِّرَاطَ ثَلَاثَةُ آلَافِ سَنَةٍ. أَلْفُ سَنَةٍ يَصْعَدُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَلْفٌ سنة يستوي الناس، وألف سنة يهبط الناس". وَقَالَ أَيْضًا، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجعد قال: إن جهنم ثلاثة قَنَاطِرَ: قَنْطَرَةٌ عَلَيْهَا الْأَمَانَةُ، وَقَنْطَرَةٌ عَلَيْهَا الرَّحِمُ، وقنطرة عليها الله، وَهَى الْمِرْصَادُ فَمَنْ نَجَا مِنْ هَاتَيْنِ لَمْ يَنْجُ مِنْ هَذِهِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ﴾ . [٨٩-الفجر-١٤] . وقال عبيد الله بن الفراء: "يُمَدُّ الصِّرَاطُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْأَمَانَةِ وَالرَّحِمِ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: أَلَا مَنْ أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَوَصَلَ الرَّحِمَ، فَلْيَمْضِ آمِنًا غَيْرَ خَائِفٍ". رَوَاهُ ابْنُ أبي الدنيا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إدريس، حدثنا أبو ثوبة الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يقول: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: إِنَّ فِي نَفْسِي حَاجَةً لَمْ أَجِدْ أحداً يشفيني منها، قالت لي: مم أَنْتَ? قُلْتُ: مِنْ

стр. 720

كِنْدَةَ، قَالَتْ: مَنْ أَيِّ الْأَجْنَادِ أَنْتَ? قُلْتُ: من أهل حمص، قالت: ما حَاجَتُكَ? قُلْتُ: أَحَدَّثَكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يأتي عليه ساعة لا يملك لأحد شَفَاعَةً? قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا، وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ: نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، لَا أَمْلِكُ لِأَحَدٍ شَيْئًا، حتى أعلم أين يسلك بي، ويوم تَبْيَضُّ وَجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَا يفعل بي، وعند الجسر حين يستحد ويستحر قال: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ? قَالَ: يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شعرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمر، فأما المؤمن فيجتازه ولا يضره، وأما المنافق فيتعلق حتى يبلغ أوسطه حر في قدميه، فيهوي بيده إلى قدميه، قالت: هَلْ رَأَيْتِ مَنْ يَسْعَى حَافِيًا فَتَأْخُذُهُ شَوْكَةٌ حتى تكاد تنفذ من قدميه? فإنه كذلك يهوي بيده ورأسه وقدميه، فيضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدمه، فَيُقْذَفُ بِهِ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهَا مِقْدَارَ خمسين عاماً، فقلت: ما مثل الرجل? قالت: مثل عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ، فيؤخذ بالنواصي والأقدام. فصل قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهًنّمَ جِثِيّاً ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمن عِتِيّاً ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بهَا صِلِياً وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَ وَاردُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثمَّ نُنَجي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جثِيّاً﴾ . [١٩- مريم-٦٨-٢٧] .

стр. 721

أقسم الله تعالى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ سَيَجْمَعُ بنيٍ آدَمَ، مِمَّنْ كان يطيع الشياطين في جَهَنَّمَ جِثِيًّا، أَيْ جُلُوسًا عَلَى الرُّكَبِ كَمَا قال: ﴿وَتَرَى كُلَّ أمَّةٍ جَاثِيَة كلُّ أمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ . [٤٥-الجاثية-٢٨] . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قِيَامًا وَهُمْ يُعَايِنُونَ هولها، ومكاره مَنْظَرِهَا، وَقَدْ جَزَمُوا أَنَّهُمْ دَاخِلُوهَا لَا مَحَالَةَ كما قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأتْهُمْ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفيراً وَإِذَا ألْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً لاَ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعوا ثُبُوراً كَثِيراً قُل أذلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءَ وَمَصِيراً لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِين كَانَ عَلَى رَ بِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ . [٢٥-الفرقان-١٢-١٦] . وقال تعالى: ﴿لَتَرَوُن الجَحِيمَ ثَمّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِين ثمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَن النَّعِيم﴾ . [١٠٢-التكاثر-٦-٨] . ثم أقسم الله تعالى أن الخلائق كلهم سيرون جهنم فقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارَدها كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضيِاً﴾ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَسَمًا وَاجِبًا. وَفَى الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

стр. 722

"مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ" ١. وَرَوَى الإِمام أَحْمَدُ، عَنْ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ زَبَّانِ بْنِ فَائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ، بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَرَسَ من وراء الملمين مُتَطَوِّعًا، لَا بِأَجْرِ سُلْطَانٍ، لَمْ يَرَ النَّارَ بعينه، إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ". قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وإِن مِنكمْ إِلاَّ وَاردُها﴾ ٢ وقد ذكر تَمَامَ الْحَدِيثِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بالورود، وما هُوَ، وَالْأَظْهَرُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ المرور على الصراط ". قال الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ . [١٩- مريم-٧٢] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحُمَّى حَظُّ كل مؤمن من النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَاردها﴾ . [١٩-مريم-٧١] .

стр. 723

وقد روى ابن جرير: حدثنا بشبه هَذَا فَقَالَ، حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْكَلَاعِيُّ، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد الرحمن، عن تَمِيمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَعِكًا وَأَنَا مَعَهُ ثُمَّ قال: "إن الله تعالى يقول: هي نار أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ، فِي الْآخِرَةِ". وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يرد الناس كُلُّهُمْ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ" ١. وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ بِهِ مَرْفُوعًا، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنِ السُّدِّيِّ، بِهِ فَوَقَفَهُ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "يَرِدُ النَّاسُ جَمِيعًا الصِّرَاطَ، وَوُرُودُهُمْ قِيَامُهُمْ حَوْلَ النَّارِ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنِ الصِّرَاطِ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَمَرِّ الْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كأجاويد الإِبل، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَعَدْوِ الرَّجُلِ، حَتَّى إن آخرهم مراً رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، ثم يتكفأ به الصراط، والصراط دحضاً مزلة، عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه عليهما ملائكة، معهم كلاليب من نار، يخطفون بها الناس".

стр. 724

وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ مِمَّا مَضَى، وَمِمَّا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزهراء، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَأْمُرُ اللَّهُ بِالصِّرَاطِ فَيُضْرَبُ عَلَى جَهَنَّمَ فَيَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، أولهمِ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَمَرِّ الريح، ثم كأسرع البهائم كَذَلِكَ، حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ سَعْيًا، حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ مَاشِيًا، ثُمَّ يَكُونُ آخِرُهُمْ يَتَلَبَّطُ عَلَى بطنه، ثم يقول: يارب: لم أبطأت بي? فيقول: لم أبطىء بِكَ، إِنَّمَا أَبْطَأَ بِكَ عَمَلُكَ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، والوقوف أَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ الوائلي في كتاب الإِنانة: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمِنِ الرَّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن الحسين أبو عبيد الله، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الفرسي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلِّمِ النَّاسَ سُنَّتِي وَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ لَا تُوقَفَ عَلَى الصِّرَاطِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلَا تُحْدِثَنَّ فِي دِينِ اللَّهِ حَدَثًا بِرَأْيِكَ". ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا غَرِيبُ الإِسناد، وَالْمَتْنُ حَسَنٌ أَوْرَدَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: قَالَ أَهْلُ الجنة بعد ما دَخَلُوا الْجَنَّةَ: أَلَمْ يَعِدْنَا رَبُّنَا الْوُرُودَ عَلَى النَّارِ? فَيُقَالُ: قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَيْهَا وَهَى خَامِدَةٌ. وَقَدْ ذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُرُودِ الدُّخُولُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَأَبُو مَيْسَرَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

стр. 725

وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا غَالِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ الْبُرْسَانِيِّ، عَنْ أَبِي سُمَيَّةَ قَالَ: اخْتَلَفْنَا فِي الْوُرُودِ، فَقَالَ بَعْضُنَا: لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ثم ينجي الله الذين آمنوا، فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا اخْتَلَفْنَا فِي الْوُرُودِ، فَقَالَ: يَرِدُونَهَا جَمِيعًا. وقال سلمان: يدخلونها جميعاً، وأهوى بإِصبعه إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ: صَمَّتَا إِنْ لمِ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ بَرْدًا وَسَلَامًا، كَمَا كانت على إبراهيم، حتى إن للناس ضجيجاً من ورودهم"، ثم تلا قول الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثياً﴾ ١. لَمْ يُخْرِجُوهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَهُوَ حَسَنٌ. وَقَالَ أبو بكر أحمد بن سليمان النجار: حدثنا أبو الحسن محمد ابن عبيد اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدَةَ السَّلِيطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سعيد البوشتجي، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ طَلْحَةَ الخزامي، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ منبه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: "تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جزيا مُؤْمِنُ، فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي". وَهَذَا حَدِيثٌ غريب جداً..

стр. 726

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: قَالُوا أَلَمْ يَعِدْنَا رَبُّنَا أَنَّا نَرِدُ النَّارَ? فَيُقَالُ: إِنَّكُمْ مَرَرْتُمْ عَلَيْهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ١. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ خالد بن معدان: إِذا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالُوا: أَلَمْ يَقُلْ رَبُّنَا أَنَّا نَرِدُ النَّارَ? فَيُقَالُ: إِنَّكُمْ وَرَدْتُمُوهَا فَأَلْفَيْتُمُوهَا رَمَادًا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذكروا ورود النار، فقال: تمسك النار بالناس بأنها تحتف إهالة، حتى تشوى عَلَيْهَا أَقْدَامُ الْخَلَائِقِ، بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، ثُمَّ يُنَادِيهَا مناد: أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، قال: فيخسف بكل ولي لها والله أعلم بهم من الرجل بولده- ويخرج المؤمنين بيديه، وروى مثله عن كعب الأحبار. وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ حَدَّثَنَا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم ميسرة امْرَأَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بدراً، والحديبية"، فقالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿وإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَاردها﴾ . فَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قول الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِياً﴾ ٢.

стр. 727

ورواه أحمد١ أيضاً، عن مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ عن أم ميسرة، عَنْ حَفْصَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزبير سمع عن جابر، عن أم ميسرة، فذكر نحوه وقد تقدم، وستأتي فِي أَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ كَيْفِيَّةُ جَوَازِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الصِّرَاطِ وَتَفَاوُتُ سَيْرِهِمْ عَلَيْهِ، بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، وَقَدْ تقدم أنه ﷺ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ إِجَازَةً بِأُمَّتِهِ عَلَى الصِّرَاطِ. وَعَنْ عبد الله بن سلام: مُحَمَّدٌ ﷺ أَوَّلُ الرُّسُلِ إجازة، ثُمَّ عِيسَى، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى يكون آخرهم إجازة نوح ﵇، فإِذا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الصِّرَاطِ تَلَقَّتْهُمُ الْخَزَنَةُ، يهدونهم إلى الجنة. وثبت في الصَّحِيحِ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ مَالِهِ فِي سبيل الله دعي من أبواب الجنة كلها- وَلِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ-: فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الزَّكَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ الله: ما على امرء يُدْعَى مِنْ أَيِّهَا شَاءَ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْهَا كُلِّهَا? قَالَ: "نَعَمْ، وَأَرْجُو أن تكون منهم يا أبا بكر ... ". وإِذا دخلوا إلى الجنة هدوا إلى منازلهم، فهم أَعْرَفُ بِهَا مِنْ مَنَازِلِهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا٢، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ البخاري ﵀.

стр. 728

وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الديري، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عبد الرحمن بن زياد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يدخل الجنة إِلَّا بِجَوَازٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ الله، لفلان أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ". وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ جَوَازًا عَلَى الصِّرَاطِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحكيم، لفلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية". وروى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شِعَارُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الصِّرَاطِ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ ١" ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ. وَفَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "نبيكم يقول: رب سلم سلم". وجاء: أن الأنبياء تقول ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال:

стр. 729

"إِذا خلص المؤمنون من الصراط، حبسوا على قنطرة بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَاقْتُصَّ لَهُمْ مَظَالِمُ كَانَتْ بينهم في الدنيا، حتى إِذا هذبوا ونقوا، أذن بدخول الجنة، فلأحدهم أهدى إلى منزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا". وقد تكلم القرطبي في التذكرة على الحديث، وَجَعَلَ هَذِهِ الْقَنْطَرَةَ صِرَاطًا ثَانِيًا لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، وَلَيْسَ يَسْقُطُ مِنْهُ أَحَدٌ فِي النَّارِ. قُلْتُ. هذه بَعْدَ مُجَاوَزَةِ النَّارِ، فَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْقَنْطَرَةُ مَنْصُوبَةً عَلَى هَوْلٍ آخَرَ، مِمَّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، ولا نعلمه، وهو أعلم. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا مؤيد بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُوسَى، عَنْ ليث، عن عثمان، عن محمد بن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يوم القيامة: جوزوا النار بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بِفَضَائِلِ أَعْمَالِكُمْ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ قَتَادَةَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ مِثْلَهُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، بَلْ مُعْضَلٌ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الوعاظ فيما حكاه القرطبي في التذكرة: "توهم نفسك يا أخي إذا سرت عَلَى الصِّرَاطِ، وَنَظَرْتَ إِلَى جَهَنَّمَ تَحْتَكَ سَوْدَاءَ مُدْلَهِمَّةً، وَقَدْ تَلَظَّى سَعِيرُهَا، وَعَلَا لَهِيبُهَا وَأَنْتَ تمشي أحياناً، وتزحف أحياناً أخرى، ثم أنشد: أبت نفسي تثوب فَمَا احْتِيَالِي ... إِذا بَرَزَ الْعِبَادُ لِذِي الجلالِ? وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمُ حَيَارَى ... بِأَوْزَارٍ كَأَمْثَالِ الجبالِ وَقَدْ نُصِبَ الصِّرَاطُ لِكَيْ يَجُوزُوا ... فَمِنْهُمْ مَنْ يُكَبُّ عَلَى الشمالِ

стр. 730

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسِيرُ لِدَارِ عَدْنَ ... تَلَقَّاهُ العرائِس بالغزالي يقول له المهيمن: ياولي ... غفرت لك الذنوب فلا تبالي١ فصل قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحشرُ الْمُتّقِينَ إِلَى الرَّحْمن وَفْداً وَنَسوقُ الْمُجِرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَن عَهْداً﴾ . [١٩-مريم -٨٥-٨٧] . ورد في الحديث: كما سَيَأْتِي: "أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِنَجَائِبَ مِنَ الْجَنَّةِ يَرْكَبُونَهَا". وفي الحديث: "أنهم يُؤْتَوْنَ بِهَا عِنْدَ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ". وَفِي صحة ذلك نظر، إذ قد تقدم في حديث: "إن الناس كلهم يحشرون مشاة، ورسول الله ﷺ راكب ناقة، وَبِلَالٌ يُنَادِي بِالْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فإِذا قَالَ: أشهد ألا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ: صَدَّقَهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ". فإِذا كَانَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فإِنما يَكُونُ إِتْيَانُهُمْ بالنجائب بعد الجواز على الصراط، وهو الأشبه والله أعلم.

стр. 731

وقد ورد في حديث الصور: "أنه يضرب لهم حياض، بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الصِّرَاطِ، وَأَنَّهُمْ إِذا وَصَلُوا إِلَى باب الجنة يستشفعون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى ثم محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فَيَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الشفيع لهم في ذلك". كما ثبت في الصحيح عند مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، ورواه ابن الإِمام أَحْمَدُ عَنْهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ. "آتي باب الجنة، فأستفتح، فيقول خازنها: مَنْ أَنْتَ? فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ ألا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ". وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هشام، عن سفيان، عن المختار ابن فليفل، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا أَكْثَرُ الأنبياء تبعاً ليوم القيامة، وأول مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "يجمع الله الناس يوم القيامة، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حِينَ تَزْلُفُ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدم فيقولون: يا أبانا اشفع لنا، فيقول لهم: أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ? لست بصاحب ذلك". وذكر تمام الحديث، وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ لِمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الصور، من ذهابهم إلى الأنبياء مرة ثانية، يستشفعون بهم إلى الله، ليستأذنوه لهم في دخولهم الجنة، وَيَتَعَيَّنُ لَهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَمَا تعين للشفاعة الأولى العظمى، كما تقدم. والله أعلم.

стр. 732

وقد قال عبد الله ابن الإِمام أحمد: حدثنا سويد بن سعيد قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَلِيٍّ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَ نحشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمن وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ . فقال: "وَاللَّهِ مَا عَلَى أَرْجُلِهِمْ يُحْشَرُونَ، وَلَا يُحْشَرُ الوفد على أرجلهم ولكن بنوق لم تر الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، ليركبوا عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَابَ الْجَنَّةِ". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسحاق وزاد بعدها: "رحائل من ذهب أين منها الزبرجد" والباقي مثله. وقال ابن حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان، حدثنا مالك إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ: حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَجَلِيُّ: سمعت أبا معاذ البصري قال: إن علياً كان يَوْمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمن وَفْداً﴾ . [١٩-مريم-٨٥] . فَقَالَ: مَا أَظُنُّ الْوَفْدَ إِلَّا الرَّكْبَ يَا رَسُولُ اللَّهُ? فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنهم إذ يخرجون من قبورهم يستقبلوق، أَوْ يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ بِيضٍ، لَهَا أَجْنِحَةٌ، وَعَلَيْهَا رحال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ، كما خُطْوَةٍ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ، فَيَنْتَهُونَ إِلَى شَجَرَةٍ يَنْبُعُ مَنْ أَصْلِهَا عَيْنَانِ، فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا، فيغسل مَا فِي بُطُونِهِمْ مَنْ دَنَسٍ، وَيَغْتَسِلُونَ مِنَ الأخرى، فلا تشعث أبشارهم بَعْدَهَا أَبَدًا، وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ، فَيَنْتَهُونَ، أو فيأتون بَابَ الْجَنَّةِ، فإِذا حَلْقَةٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ على صفائح الذهب، فيضربون باب الحلقة على الصفائح، فسمع لها طنين، بأعلى، فَيَبْلُغُ كُلَّ حَوْرَاءَ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ أَقْبَلَ، فَتَبْعَثُ قَيِّمَهَا فَيَفْتَحُ لَهُ، فإِذا رَآهُ خَرَّ لَهُ. قَالَ مَسْلَمَةُ: أُرَاهُ قَالَ: سَاجِدًا

стр. 733

فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ? إِنَّمَا أَنَا قَيِّمُكَ، وُكِّلْتُ بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فيستخف الحوراء بالعجلة، فَتَخْرُجُ مِنْ خِيَامِ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، حَتَّى تَعْتَنِقَهُ، ثُمَّ تَقُولُ: أَنْتَ حِبِّي. وَأَنَا حِبُّكَ، وَأَنَا الْخَالِدَةُ الَّتِي لَا أَمُوتُ، وَأَنَا النَّاعِمَةُ الَّتِي لَا أَبْأَسُ، وَأَنَا الرَّاضِيَةُ الَّتِي لَا أَسْخَطُ، وأنا المقيمة التي لا أظن، فَيَدْخُلُ بَيْتًا مِنْ أُسِّهِ إِلَى سَقْفِهِ مِائَةُ ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ، طرائقه أحمر وأخضر وأصفر، لَيْسَ مِنْهَا طَرِيقَةٌ تُشَاكِلُ صَاحِبَتَهَا، وَفِي الْبَيْتِ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلَى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ حَشِيَّةٍ عَلَى كُلِّ حَشِيَّةٍ سَبْعُونَ زَوْجَةً عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وراء الحلل، يقضي جماعها فِي مِقْدَارِ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِيكُمْ هَذِهِ، الْأَنْهَارُ مِنْ تَحْتِهِمْ تَطَّرِدُ، أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ قَالَ: صَافٍ لَا كَدَرَ فِيهِ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ضُرُوعِ الْمَاشِيَةِ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشاربين، لم يعصرها الرجال بأقدامهم، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ، فَيَسْتَحْلِي الثِّمَارَ، فإِن شَاءَ أَكَلَ قائماً، وَإِنْ شَاءَ مُتَّكِئًا" ثُمَّ تَلَا: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قطوفُهَا تَذْلِيلا﴾ . [٧٦-الإنسان-١٤] . "فَيَشْتَهِي الطَّعَامَ، فَيَأْتِيهِ طَيْرٌ أَبْيَضُ قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ: أَخْضَرُ، فيرفع أَجْنِحَتَهَا فَيَأْكُلُ مِنْ جُنُوبِهَا أَيَّ الْأَلْوَانِ شَاءَ، ثم تطير، فيذهب، فيدخل الملك، فيقول سلام عليكم: ﴿وَتلْكَ الْجَنّةُ الَّتِي أورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعملون﴾ . [٤٣- الزخرف-٧٢] . وَلَوْ أَنَّ شَعْرَةً مِنْ شَعَرِ الْحَوْرَاءِ وَقَعَتْ لأهل الأرض، لصارت الشَّمْسُ مَعَهَا سَوَادًا فِي نُورٍ"، وَقَدْ رُوِّينَاهُ في الجعديات من كلام علي موقوفاً عليه، وهو أشبه بالصحة والله أعلم.

стр. 734

وقال أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ذَكَرَ النَّارَ فَعَظَّمَ أَمْرَهَا ذكراً لا أحفظه ثم تلا قول اللهّ تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ . [٣٩- الزمر-٧٣] . ثم قال: حَتَّى إِذا انْتَهَوْا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَجَدُوا عِنْدَهُ شَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ سَاقِهَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ، فَعَمَدُوا إِلَى إِحْدَاهُمَا، كَأَنَّمَا أُمِرُوا بِهَا، فَشَرِبُوا مِنْهَا، فَأَذْهَبَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ قَذًى، أَوْ أَذًى، أَوْ بَأْسٍ، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى الْأُخْرَى، فَتَطَهَّرُوا مِنْهَا، فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ نضرة النعيم، ولم تتغير أشعارهم بعدها أبداً، ولا تشعث رؤوسهم، كأنما دهنوا بالدهان، ثم إِذا انتهوا إلى الجنة، فقال لَهُمْ خَزَنَتُهَا: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ . ثم يلقاهم الْوِلْدَانُ: فَيُطِيفُونَ بِهِمْ كَمَا يُطِيفُ وِلْدَانُ أَهْلِ الدنيا بالحميم، يقدمون عليهم فيقولون: أبشر بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ ينطلق غلام من تلك الْوِلْدَانِ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فَيَقُولُ: جَاءَ فُلَانٌ بِاسْمِهِ الَّذِي كَانَ يُدْعَى به في الدنيا، قالت: أنت رأيته? قال: أنا رأيته، وهو ما رآني، فيستخف إحداهن الفرح، حتى يكون، على أسكفة الباب، فإِذا انْتَهَى إِلَى مَنْزِلِهِ نَظَرَ إِلَى أَسَاسِ بُنْيَانِهِ، فإِذا جَنْدَلُ اللُّؤْلُؤِ، فَوْقَهُ صَرْحٌ أَحْمَرُ، وَأَخْضَرُ، وَأَصْفَرُ، مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَى سَقْفِهِ، فإِذا مِثْلُ الْبَرْقِ، ولولا أن الله قدره لذهب بصره، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فإِذا أَزْوَاجُهُ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، ثم اتكأ فقال: ﴿الْحَمْدُ اللَّهِ الذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّه﴾ .

стр. 735

لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تعملون ... ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: تَحْيَوْنَ فَلَا تَمُوتُونَ أَبَدًا، وَتُقِيمُونَ فَلَا تَظْعَنُونَ أَبَدًا، وَتَصِحُّونَ فَلَا تَمْرَضُونَ أبداً. وهذا لا يقتضي تغير الشكل من الحال التي كان الناس عليهم فِي الدُّنْيَا، إِلَى طُولِ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَعَرْضِ ستة أَذْرُعٍ، كَمَا هِيَ صِفَةُ كُلِّ مَنْ دَخَلَ الجنة، كما ورد به الحديث، يكون عند العينين اللتين يغتسلون من إحداهما، فيغسل ما في بطونهم من الأذى، ومن الأخرى، فتجري عليهم نضرة النعيم، وكلهم أَنْسَبُ وَأَقْرَبُ مِمَّا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: "أن ذلك يكون في العرصات " لضعف إسناده. وقد أبعد من زعم أن ذلك يكون عند المقام من القبور، لما يعارضه من الأدلة القائمة على خلاف ذلك، والله تعالى أَعْلَمُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَخَلَ الجنة، وصور صورة أهل الجنة، وألبس لباسهم، وحلى حليهم، وأري أزواجه وخدمه، يأخذه سوار فرح. ولو كان ينبغي أن يموت لمات من سوار فرحه، فيقال له: أرأيت سوار فرحتك هذه? فإنها قائمة لك أَبَدًا١".. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا رِشْدِينُ بْنُ سعد، عن زهرة، عن معد القرشي، عن أبي عبد الرحمن الجيلي قال: إن العبد أول من يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَتَلَقَّاهُ سَبْعُونَ أَلْفَ خَادِمٍ كَأَنَّهُمُ اللؤلؤ٢.

стр. 736

قال ابن المبارك: وأنبأنا يحيى بن أيوب، حدثني عبد اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمِنِ الْمَعَافِرِيِّ، قَالَ: "إِنَّهُ ليصنف لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سِمَاطَانِ، لَا يُرَى طَرَفَاهُمَا مِنْ غِلْمَانِهِ، حَتَّى إِذَا مَرَّ َمشوا وراءه"١. وروى أبو نعيم عن مسلمة، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، قَالَ: "إِذَا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ الْجَنَّةَ، دَخَلَ أَمَامَهُ مَلَكٌ، فَيَأْخُذُ بِهِ في سككها، فيقول له: انظر، ماذا ترى? فيقول: أرى أكثر القصور التي رأيتها من ذهب وفضة، فيقول الملك: إن هذا لك، حتى إذا ظهر لمن فيها، اسْتَقْبَلُوهُ مَنْ كُلِّ بَابٍ، وَمِنْ كُلِّ مَكَانٍ، قائلين: نَحْنُ لَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: امْشِ. فَيَقُولُ: مَاذَا ترى? فيقول: خيام هي أكثر خيام رأيتها عساكر، وأكثرها أنيساً، فيقول: "إن هذا أجمع لك، فإذا ظهر لمن فيها استقبلوه قائلين: نَحْنُ لَكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: عن أبي سليمان الدارني فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ . [٧٦- الإنسان- ٢٠] . إن الملك ليأتي بالتحفة إلى ولي الله ، فما يصل إليه إِلا بإذن، فيقول لِحَاجِبِهِ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ، فَيُعْلِمُ ذَلِكَ الْحَاجِبُ حَاجِبًا آخَرَ، وَحَاجِبًا بَعْدَ حَاجِبٍ، وَمِنْ دَارِهِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ، بَابٌ يَدْخُلُ منه على ربه إِذا شَاءَ بِلَا إِذْنٍ، وَرَسُولُ رَبِّ الْعِزَّةِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِلا بِإِذْنٍ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بن ميمون، عن محمد بن عبد الملك بن أبي يعقوب، عن بشر بن سعاف، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سلام فقال:

стр. 737

"إن أكرم خليقة الله على الله- هو أَبُو القاسمِ ﷺ وَإِنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ النَّارَ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعْثَ اللَّهُ الْخَلِيقَةَ أُمَّةً أُمَّةً، وَنَبِيًّا نَبِيًّا، ثُمَّ يُوضَعُ جِسْرٌ عَلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ? فَيَقُومُ وَتَتْبَعُهُ أُمَّتُهُ، بَرُّهَا، وَفَاجِرُهَا، فَيَأْخَذُونَ الجسر، ويطمس الله أَبْصَارَ أَعْدَائِهِ، فَيَتَهَافَتُونَ فِيهَا، مِنْ شِمَالٍ وَيَمِينٍ، وَيَنْجُو النَّبِيُّ ﷺ ، وَالصَّالِحُونَ معه، وتتلقاهم الملائكة، وبناء بيوتهم ومنازلهم من الجنة على يمينك، وعلى يَسَارِكَ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى رَبِّهِ، فَيُلْقَى لَهُ كُرْسِيٌّ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، ثُمَّ يَتْبَعُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ والأمم، حتى يكون آخرهم نوح ﵊". وَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ سَلَامٍ ﵁. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ التمار، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: "يُوضَعُ الصِّرَاطُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهُ حَدٌّ كحد الموسى، فتقول الملائكة: ربنا: من تجيز على هذا? فيقول: مَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا: مَا عبدناك حق عبادتك".

стр. 738

ذكر بعض صفات أهل الجنة وبعض ما أعد من نعيم لهم مدخل ... فصل ذكر بعض صفات أهل الجنة وبعض ما أعد من نعيم لهم قَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلَا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها، وأمشاطهم الذهب والفْضة، ومجامرهم من الألوة، وريحهم الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى

стр. 739

مُخُّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشية". وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى صُورَةِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونُ، أَمَشْاطُهُمُ الذهب، وريحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، وأخلاقهم عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ، ستون ذراعاً" رواه مُسْلِمٌ: عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حديث جرير.

стр. 740

ذكر بعض ما ورد في سن أهل الجنة وَرَوَى الإِمام أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ: وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدًا، مُرْدًا، بِيضًا، جِعَادًا، مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وثلاثين، عَلَى خَلْقِ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا، فِي عَرْضِ سبع أَذْرُعٍ" ١. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ العدوي، حدثنا عمر بن مرزوق، أخبرنا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يدخل أهل الْجَنَّةَ جُرْدًا، مُرْدًا، مُكَحَّلِينَ، بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ٢: مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ دَاوُدَ الْقَطَّانِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا القاسم بن هشام، حدثنا صفوان بن صالح، حدثني جرد بْنُ جَرَّاحٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بن رياب، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى طُولِ آدَمَ، سِتِّينَ ذِرَاعًا بذراع الملك، على حسن يوسف، وعلى ميلاد عِيسَى، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ جرداً، مرداً، مكحلين".
следующие страницы →