قال ابن المبارك: وأنبأنا يحيى بن أيوب، حدثني عبد اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمِنِ الْمَعَافِرِيِّ، قَالَ: "إِنَّهُ ليصنف لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سِمَاطَانِ، لَا يُرَى طَرَفَاهُمَا مِنْ غِلْمَانِهِ، حَتَّى إِذَا مَرَّ َمشوا وراءه"١.
وروى أبو نعيم عن مسلمة، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، قَالَ: "إِذَا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ الْجَنَّةَ، دَخَلَ أَمَامَهُ مَلَكٌ، فَيَأْخُذُ بِهِ في سككها، فيقول له: انظر، ماذا ترى? فيقول: أرى أكثر القصور التي رأيتها من ذهب وفضة، فيقول الملك: إن هذا لك، حتى إذا ظهر لمن فيها، اسْتَقْبَلُوهُ مَنْ كُلِّ بَابٍ، وَمِنْ كُلِّ مَكَانٍ، قائلين: نَحْنُ لَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: امْشِ. فَيَقُولُ: مَاذَا ترى? فيقول: خيام هي أكثر خيام رأيتها عساكر، وأكثرها أنيساً، فيقول: "إن هذا أجمع لك، فإذا ظهر لمن فيها استقبلوه قائلين: نَحْنُ لَكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: عن أبي سليمان الدارني فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَإِذَا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ . [٧٦- الإنسان- ٢٠] .
إن الملك ليأتي بالتحفة إلى ولي الله ، فما يصل إليه إِلا بإذن، فيقول لِحَاجِبِهِ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ، فَيُعْلِمُ ذَلِكَ الْحَاجِبُ حَاجِبًا آخَرَ، وَحَاجِبًا بَعْدَ حَاجِبٍ، وَمِنْ دَارِهِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ، بَابٌ يَدْخُلُ منه على ربه إِذا شَاءَ بِلَا إِذْنٍ، وَرَسُولُ رَبِّ الْعِزَّةِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِلا بِإِذْنٍ".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بن ميمون، عن محمد بن عبد الملك بن أبي يعقوب، عن بشر بن سعاف، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سلام فقال:
стр. 737
"إن أكرم خليقة الله على الله- هو أَبُو القاسمِ ﷺ وَإِنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ النَّارَ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعْثَ اللَّهُ الْخَلِيقَةَ أُمَّةً أُمَّةً، وَنَبِيًّا نَبِيًّا، ثُمَّ يُوضَعُ جِسْرٌ عَلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ? فَيَقُومُ وَتَتْبَعُهُ أُمَّتُهُ، بَرُّهَا، وَفَاجِرُهَا، فَيَأْخَذُونَ الجسر، ويطمس الله أَبْصَارَ أَعْدَائِهِ، فَيَتَهَافَتُونَ فِيهَا، مِنْ شِمَالٍ وَيَمِينٍ، وَيَنْجُو النَّبِيُّ ﷺ ، وَالصَّالِحُونَ معه، وتتلقاهم الملائكة، وبناء بيوتهم ومنازلهم من الجنة على يمينك، وعلى يَسَارِكَ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى رَبِّهِ، فَيُلْقَى لَهُ كُرْسِيٌّ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، ثُمَّ يَتْبَعُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ والأمم، حتى يكون آخرهم نوح ﵊". وَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ سَلَامٍ ﵁.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ التمار، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: "يُوضَعُ الصِّرَاطُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهُ حَدٌّ كحد الموسى، فتقول الملائكة: ربنا: من تجيز على هذا? فيقول: مَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا: مَا عبدناك حق عبادتك".
стр. 738
ذكر بعض صفات أهل الجنة وبعض ما أعد من نعيم لهم
مدخل
...
فصل ذكر بعض صفات أهل الجنة وبعض ما أعد من نعيم لهم
قَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلَا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها، وأمشاطهم الذهب والفْضة، ومجامرهم من الألوة، وريحهم الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى
جهنم- والعياذ بالله تعالى- أشد سبعين مرة من نار الدنيا
وقال مالك في الموطأ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال. "نار بني آدم التي توقدون، جزء من سبعين جزء مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ،
стр. 761
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، فقال: "إنها فضلت عليها بتسعة وتسعين جزء" ١.
ورواه البخاري: عن إسماعيل بن أبي إدريس، عن مالك، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عبد الرحمن الخزامي، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :
"إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سبعين جزء من نار جهنم، وقد ضربت بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ". ٢ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ محمد بن زياد، سمعت أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ:
"نار ابن آدم التي توقدون، جزء من سبعين جزء من نار جهنم" ٣.
стр. 762
طَرِيقٌ أُخْرَى
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ :
"ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء واحد من سبعين جزء مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ، قَالُوا: وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لكافية. قال: فإِنها فضلت عليها بتسعة وستين جزء، كلهن مثل حرها" ١.
قال أبو بكر الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ، وَكُلَّ نَارٍ أُوقِدَتْ، أَوْ هُمْ يوقدونها، جزء من سبعين جزء من نارجهنم".
طَرِيقٌ أُخْرَى بِلَفْظٍ آخَرَ
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قتيبة، حدثنا عبد العزيز، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"هَذِهِ النَّارُ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ جَهَنَّمَ" ٢.
وَهَذَا الإِسناد عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَفِي لَفْظِهِ غَرَابَةٌ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جُزْءٌ من سبعين جزء. وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْ غَيْرِهِ كَذَلِكَ، مِنْ طريق عبد الله بن مسعود.
стр. 763
كَمَا قَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحيم، حدثنا عبيد الله بْنُ إِسْحَاقَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إسحاق، عن معمر بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"الرُّؤْيَا الصالحة بشرى، وهي جزء من سبعين جزء مِنَ النُّبُوَّةِ، وَإِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سبعين جزء مِنْ سُمُومِ جَهَنَّمَ، وَمَا دَامَ الْعَبْدُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ، مَا لَمْ يُحْدِثْ". قال البزار: وقد روي موقوفاً من طريق أبي سعيد.
كما قال البزار أيضاً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"إِنَّ نَارَكُمْ هذه جزء من سبعين جزء مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا حَرُّهَا".
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزاعي، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكِ بن أنس، عن عمه أبي سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ هي أشد دخاناً مِنْ دُخَانِ نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا". قَالَ الحافظ الضياء: وقد رواه ابن مصعب، عن مالك، فوقفه، وهو عندي على شرط الصحيح.
стр. 764
أوقد على نار جهنم ثلاثة آلاف عام حتى أصبحت سوداء مظلمة
وروى الترمذي، وابن ماجه: كلاهما عن ابن عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ، عن شريك عن عاصم، عن أبي عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 765
"أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ" ١.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ أحداً رفعه غير يحيى بن بكير، عن شريك، كذا قال الترمذي ﵀.
وقد روى أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ الْحَافِظُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن محمد، عن محمد بن الحسن بْنِ مُكْرَمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عن عمه، عن شريك مثله.
стр. 766
نار جهنم لا ينطفىء حرها ولا يصطلى بلهيبها
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبيد الله الحافظ أبو سعيد، عن أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"النار لا يطفأ حرها، ولا يصطلى بلهيبها"، قال: ثم قرأ: ﴿وَنَقُولُ ذوقُوا عَذَابَ الحَرِيق﴾ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَفْعُهُ ضَعِيفٌ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا محمد بن يونس بن عنان الدَّلَّالُ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: تَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلَ الله : ﴿يَا أيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا قًواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودهَا النَّاسُ وَالحِجَارَة عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَط شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّه مَا أمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرون﴾ . [٦٦-التحريم-٦] .
стр. 767
وقال:
"أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، وَأَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، وَأَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ، لَا يُضِيءُ لَهَبُهَا".
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن عبد الله بن مسلمة، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا سَلَّامٌ الطَّوِيلُ، عَنِ الْأَجْلَحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ في حين لم يكن يأتي فِيهِ، فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ: مَا لِي أَرَاكَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ? فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ حَتَّى أمر الله بفتح النَّارِ"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا جِبْرِيلُ: صِفْ لِيَ النَّارَ، وَانْعَتْ لِي جَهَنَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهَا، فَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، لَا يُضِيءُ شَرَرُهَا، وَلَا يُطْفَأُ لَهَبُهَا".
وَقَالَ: "وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ أَنَّ حَلْقَةً من حلق السلسلة التي نعت الله تعالى فِي كِتَابِهِ، وُضِعَتْ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَأَذَابَتْهَا"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حَسْبِي يا جبريل، لا يتصدع قَلْبِي"، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ فوجد جبريل ﵇ يبكي، فقال: "يا جبريل: تبكي وَأَنْتَ مِنَ اللَّهِ بِالْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ من الله? فقال: وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِيَ، وَأَنَا لَا أَدْرِي أَنْ أَكُونَ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ، فَقَدْ كَانَ إِبْلِيسُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَدْ كَانَ هَارُوتُ وَمَارُوتُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ"، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يَبْكِي هو وجبريل، حتى نودي: يا محمد: ويا جبريل، إن الله قد أمنكما أن تغضبا.
قَالَ: فَارْتَفَعَ جِبْرِيلُ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فمَّر بِقَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُونَ ويضحكون، فقال: "تضحكون وَجَهَنَّمُ مِنْ وَرَائِكُمْ? لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولبكيتمِ كَثِيرًا، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تجأرون إلى الله تعالى"، فأوحى الله تعالى يا محمد: إني بعثتك مبشراً قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أبشروا وسددوا وقاربوا".
وقال الضِّيَاءُ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ: يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وإسناده جيد.
стр. 768
أبو طالب أدنى أهل النار عذاباً يوم القيامة
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عبد الله بن حباب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ في ضحضاح يبلغ كعبه، تغلي منه أم دماغه" ١.
وقد رواه مسلم مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ بِهِ: عن مهيل بن أبي صالحِ، عن النعمان بن المنذر ابن أبي عباس، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أدنى أهل النار عذاباً ينتعل بنعل مِنْ نَارٍ، يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ".
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ وَعَفَّانُ قَالَا: حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن أبي سعيد الْحَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ" ٢. وَسَاقَ أَحْمَدُ تَمَامَ الحديث.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن يسار، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
ورواه أحمد: مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" ١.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أبو اليمان، حدثنا ابن عباس، عن عمارة بن عربة الأنصاري، أنه سمع حميد ابن عُبَيْدٍ مَوْلَى بَنِي الْمُعَلَّى يَقُولُ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِجِبْرِيلَ: "مَا لِيَ لَمْ أَرَ مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قط? فقال: ما ضحك منذ خلقت النار" ٢.
стр. 771
شكوى النار إلى ربها من كل بعضها بعضا
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ: أكل بعضي بعضاً فنفسي: فأذن لها في كُلَّ عَامٍ بِنَفَسَيْنِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ، مِنْ زَمْهَرِيرِ جَهَنَّمَ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ من الحر، من حرجهنم". وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري.
стр. 772
أشد ما يكون الحر من قيح جهنم
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ ما يكون الحر من فيح جهنم" ١.
стр. 773
وفي هذا الإسناد إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أنه ﵇ قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شدة الحر من فيح جهنم" ١.
وقال الله تَعَالَى: ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ انْطَلِقُوا إِلَى ظِل ذِي ثَلاَث شُعَبٍ لاَ ظَلِيل وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْر وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ . [٧٧-الْمُرْسَلَاتِ-٢٩-٣٤] .
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن خديج بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: فِي قول الله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ .
أما إنه ليس مثل الشجر والجبل، ولكن مثل المدائن والحصون.
قال الطبراني: حدثنا طالب بن عمرة، حدثنا محمد بن عيسى الطباع، حدثنا حسن بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ تَمَّامِ بْنِ نَجِيحٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
"لَوْ أن شررة بالمشرق، لوجد حرها بالمغرب".
стр. 774
أنعم أهل الدنيا من أهل النار إذا غمس فيها نسي ما ذاق من نعيم وأشد أهل الدنيا بؤساً من أهل الجنة إذا دخلها نسي ما ذاق من بؤس
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صِبْغَةً، ثم يقال له: يا ابن آدَمَ: هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ? هَلْ مَرَّ بك نعيم قط? فيقول لا والله يارب? وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صِبْغَةً، فَيُقَالُ له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط? هل مرت بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ? فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رأيت شدة قط" ١.
стр. 775
لو أن للكافر ملء الأرض ذهباً وافتدى به نفسه من العذاب يوم القيامة ما تقبل منه
قال أَحْمَدُ٢: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، إِنْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قال:
"يجاء بكافر يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لك مثل الْأَرْضِ ذَهَبَا، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ? فَيَقُولُ: نَعَمْ. قال: فيقال لقد سلبت أكثر مِنْ ذَلِكَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذُينَ كَفَروا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أحدهمْ مِلْء الْأَرْضِ ذهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ . والله تعالى أعلم.
طَرِيقٌ أُخْرَى:
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"يقال لرجل مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ? قَالَ: فَيَقُولُ: نَعَمْ. قال: فيقول له الله- عز