أمَّا الاعتراض الأوَّل: وهو إنكار الزهري لروايته، فقد ذكر ذلك ابن عُليّة١ عن ابن جُريج٢ راوي هذا الحديث، عن سليمان بن موسى٣، عن الزهري٤.
стр. 107
ومن ذلك ما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عُليَّة، عن ابن جُريج، أنَّه سأل ابن شهاب- أي الزهري- فلم يعرفه١.
وكذلك روى هذه الحكاية الحاكم في المستدرك، عن ابن عُليَّةقال: فلقيت الزهري فسألته عنه، فلم يعرفه، وأثنى على سليمان بن موسى. وفي رواية عن ابن جريج قال: فسألت الزهري عنه فقال: لست أحفظه٢.
وقال الترمذي: وقد تكلَّم بعض أهل الحديث في حديث الزهري عن عروة٣، عن عائشة، عن النبي ﷺ . قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره. فضعَّفوا هذا الحديث من أجل هذا٤.
وقد أجيب عن إنكار الزهري لهذا الحديث بعدَّة أجوبة، منها:
стр. 108
أوَّلاً: ضعف حكاية ابن عليّة، عن ابن جريج؟ فإنَّ هذا الحديث قد رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ .
وقد عدّ أبو القاسم ابن مندة عِدَّة من رواه عن ابن جريج فبلغوا عشرين رجلاً١.
وهذه الحكاية لم يروها عن ابن جريج إلا ابن عُليَّة، كما قاله أحمد وابن معين وغيرهما.
فأمَّا الإمام أحمد فقد سئل عن حكاية ابن عُليَّةهذه فقال: إن ابن جريج له كتب مدوَّنة وليس هذا في كتبه، يعني حكاية ابن عُليَّةعن ابن جريج٢.
وقال ابن معين: ليس يقول هذا إلا ابن عُليَّة، وإنَّما عرض ابن عُليَّةكتب ابن جريج على عبد المجيد بن عبد العزيز٣ ابن أبي روّاد فأصلحها له، [فقال العباس بن محمد الدوري] ٤ ما كنت أظنُّ أنَّ عبد
стр. 109
المجيد هكذا، فقال: كان أعلم الناس بحديث ابن جريج، ولكنَّه لم يبذل نفسه للحديث١.
وقد أعلَّ هذه الحكاية عن ابن جريج كلٌّ من ابن حِبَّان، وابن عديّ، وغيرهما، كما ذكره الحافظ ابن حجر وغيره٢.
ثانياً: أنَّه على فرض ثبوت ما رواه ابن جريج من نسيان الزهري له فلا يُردّ هذا الحديث بنسيان الزهري له لأمرين:
أولهما: أنَّه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى قد وهم فيه، فقد ينسى الثقة ما رواه ولا يردُّ به الحديث على ما رجَّحه المحدثون في رواية من حدَّث ونسي، وقد وقع ذلك لغير واحد من الحفَّاظ، كما قاله الحاكم٣ وغيره، وسليمان بن موسى ثقة لا سيَّما وقد أثنى عليه الزهري نفسه، كما في هذه الحكاية.
قال الحافظ في التلخيص الحبير: "وأجابوا عنها على تقدير الصحة
بأنَّه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه، وقد تكلَّم على هذا الحديث الدارقطني في جزء من حدَّث ونسي،
стр. 110
والخطيب بعده، وأطال الكلام عليه البيهقي في السنن والخلافيات، وابن الجوزي في التحقيق". انتهى المقصود منه١.
وثانيهما: أنَّ هذا الحديث لم ينفرد بروايته ابن جريج عن سليمان ابن موسى، ولا سليمان بن موسى عن الزهري، ولا الزهري عن عروة ابن الزبير عن عائشة، بل لكلٍّ منهم متابع، كما حكاه الحافظ في التلخيص الحبير عن أبي القاسم ابن مندة حيث قال: "وذكر- أي ابن مندة- أنَّ معمراً، وعبيد الله بن زحر تابعا ابن جريج على روايته إيَّاه عن سليمان بن موسى، وأن قُرَّة٢، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وأيوب بن موسى، وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزهري. قال: ورواه: أبو مالك الجنبي، ونوح بن درَّاج، ومندل، وجعفر بن برقان، وجماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة٣.
وقال الحاكم: بعد أن أورد من صرَّح بسماع ابن جريج من سليمان بن موسى، وسماع سليمان بن موسى من الزهري- قال: فقد صحَّ وثبت برواية الأئمة الأثبات سماع الرواة بعضهم من بعض، فلا تعلَّل
стр. 111
هذه الروايات بحديث ابن عُليَّة وسؤاله ابن جريج عنه وقوله "إنِّي سألت الزهري عنه فلم يعرفه، فقد ينسى الثقة الحافظ بعد أن حدَّث به، وقد فعله غير واحد من حفَّاظ الحديث"١.
وقال البيهقي- ردًّا على الطحاوي-: والعجب من هذا المحتجِّ بحكاية ابن عُليَّة في ردِّ هذه السنَّة، وهو يحتجُّ برواية الحجاج بن أرطاة في غير موضع ويردها هاهنا عن الزهري بمثله. ويحتج أيضاً برواية ابن لهيعة في غير موضع، ويردُّها ههنا عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري بمثله. فيقبل رواية كلٍّ منهما منفردة إذا وافقت مذهبه، ولا يقبل روايتهما مجتمعة إذا خالفت مذهبه ومعهما ثقة٢ اهـ.
وأمَّا الاعتراض الثَّاني: وهو الطَّعن في عدالة سليمان بن موسى- راوي هذا الحديث عن الزهري- فخلاصتها ما يلي:
١- قول البخاري: "عنده مناكير"٣.
٢- قول النسائي: "أحد الفقهاء، وليس بالقويِّ في الحديث"٤.
وقال في موضع: "في حديثه شيء".
стр. 112
٣- قول أبي حاتم: محلُّه الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحداً من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه١.
فهذا غاية قول من تكلَّم فيه، وأقواها قول البخاري "عنده مناكير"، وأمَّا قول النسائي وأبي حاتم فهما شهادة أيضاً لإمامته في الفقه والحديث.
وهذه التحفُّظات على سليمان بن موسى لو لم يرد توثيقة عن غير من سبق لم ينزل بحديثه عن درجة الحسن، فكيف وقد وثَّقه كثير من أئمة المحدثين، وتابعه على حديثه هذا غيره من الرواة مما يشهد لهذا الحديث بالصِّحة، وإليك بعض من وثَّقه وشهد له بالفقه والإمامة:
١- قال الترمذي: "سليمان بن موسى ثقة عند أهل الحديث، لم يتكلَّم فيه من المتقدمين إلا البخاري وحده، فإنَّه تكلَّم فيه من أجل أحاديث انفرد بها"٢.
٢- وقال يحيى بن معين: "سليمان بن موسى عن الزهري ثقة٣". وهو هنا عن الزهري كما ترى.
стр. 113
٣- وقال ابن عديّ: "سليمان بن موسى فقيه، راو، حدَّث عنه الثِّقات، وهو أحد علماء الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره، وهو عندي ثبت صدوق"١.
٤- وقال سعيد بن عبد العزيز٢: لو قيل من أفضل الناس، لأخذت بيد سليمان بن موسى٣. وقال: كان أعلم أهل الشام بعد مكحول٤.
٥- وقال عطاء بن أبي رباح: "سيِّد شباب أهل الشام سليمان بن موسى"٥.
وقال سعيد بن عبد العزيز: "كان عطاء إذا قدم عليه سليمان بن موسى قال للناس: كفُّوا أيُّها الناس عن المسائل فقد جاءكم من يكفيكم المسألة"٦.
стр. 114
٦- وقال الزهري: "سليمان بن موسى أحفظ من مكحول"١.
٧- وقال دُحَيم٢: "ثقة، كان مقدَّماً على أصحاب مكحول"٣.
٨- وقال الذهبي: "كان سليمان بن موسى فقيه أهل الشام في وقته، وهذه الغرائب التي تستنكر له يجوز أن يكون قد حفظها"٤.
فهذا هو شأن سليمان بن موسى في الفقه والحديث، لو لم يكن له متابع، فكيف وقد تابعه غيره على رواية هذا الحديث، كما تقدَّم في الإجابة عن حكاية ابن عُليَّة٥.
وأمَّا الاعتراض الثَّالث: وهو عمل كلٍّ من عائشة ﵂، - والزهري ﵀ بخلاف ما روياه.
فقالوا: يدلُّ على عمل عائشة بخلاف ما روته هنا ما رواه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنَّها زوَّجت بنت عبد الرحمن المنذرَ بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام، فلمَّا قدم عبد الرحمن قال: أمثلي يصنع به هذا ويُفْتات عليه؟ فكلَّمت عائشة عن
стр. 115
المنذر، فقال المنذر: إنَّ ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أردُّ أمراً قَضَيْتِيه، فقرَّت حفصة عنده ولم يكن ذلك طلاقاً١. انتهى. بلفظ الطحاوي، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى٢.
ثم قال الطحاوي: "فلمَّا كانت عائشة ﵂ قد رأت أنَّ تزويجها بنت عبد الرحمن بغير [أمره] ٣جائز، ورأت ذلك العقد مستقيماً حتى أجازت فيه التمليك الذي لا يكون إلا عن صحة النكاح وثبوته استحال- عندنا- أن يكون ترى ذلك٤ اهـ.
وأمَّا خلاف الزهري فقد ذكره ابن حزم من طريق عبد الرزاق٥، عن معمر٦ أنَّه قال له: سألت الزهري عن الرجل يتزوج بغير وليٍّ؟ فقال:
стр. 116
إن كان كفؤاً لم يفرَّق بينهما"اهـ١.
وأجيب عن ذلك من وجهين:
أولهما: أنَّه لو ثبت خلاف عائشة والزهري للعمل بمقتضى هذا الحديث لما كان خلافهما دليلاً على إبطال العمل بموجبه؛ إذ ليس خلاف الراوي- مجتهداً متأوِّلاً- مبطلاً لما رواه، بل الحجَّة فيما رواه لا فيما رآه، وقد صحَّ هذا الحديث من طرق موجبة للعمل به.
قال ابن حزم ﵀: "وأمَّا اعتراضهم بأنَّه صحَّ عن عائشة وعن الزهري ﵄ أنَّهما خالفا ما روياه فكان ماذا؟ إنَّما أمرنا الله ورسوله ﷺ ، وقامت حجَّة العقل بوجوب قبول ما صحَّ عندنا عن رسول الله ﷺ وبسقوط قول من دونه ﵊. ولا ندري أين وجدوا أنَّ من خالف باجتهاده مخطئاً متأوِّلاً ما رواه أنَّه يسقط بذلك ما رواه، ثم نعكس عليهم أصلهم هذا الفاسد فنقول: إذا صحَّ أنَّ أمَّ المؤمنين- ﵂ والزهري- ﵀ رويا هذا الخبر، وروي عنهما أنَّهما خالفاه فهذا دليل سقوط الرواية بأنَّهما خالفاه، بل الظَّنُّ بهما أنَّهما لا يخالفان ما روياه، وهذا أولى، لأنَّ تركنا ما لا يلزمنا من قولهما لما يلزمنا من روايتهما هو الواجب، لا ترك ما يلزمنا مما روياه لما لا يلزمنا من رأيهما..."٢.
стр. 117
وثانيهما: أنّه لم يرد في تزويج عائشة لابنة أخيها عبد الرحمن التصريح بأنَّها باشرت العقد، وأمَّا قوله "زوَّجتْ" فمحمول على تمهيدها لأسباب الزواج، فقد قال البيهقي ﵀: "ونحن نحمل قوله "زوَّجت" أي مهَّدت أسباب التزويج، وأضيف النكاح إليها لاختيارها ذلك وإذنها فيه، ثم أشارت على من ولي أمرها عند غيبة أبيها حتى عقد النكاح، قال: ويدلُّ على هذا التأويل ما أخبرنا - وأسند- عن عبد الرحمن بن القاسم قال: كنت عند عائشة يخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد١، فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوِّج فإنَّ المرأة لا تلي عقدة النكاح. وفي لفظ: "فإنَّ النساء لا يُنْكِحْنَ"٢. قال: إذا كان مذهبها ما روى من حديث عبد الرحمن بن القاسم علمنا: أنَّ المراد بقوله "زوَّجتْ" ما ذكرناه، فلا تخالف ما روى عن النبي ﷺ "٣.
стр. 118
وهناك جواب ثالث للمالكية: وهو أنَّه أثر لم يصحبه عمل١.
وأمَّا الاعتراض الرَّابع: وهو أنَّ الحديث يدلُّ بمفهومه على صحة عقد المرأة نكاح نفسها إذا أذن لها وليُّها، كما ذهب إليه أبو ثور- ﵀.- فقد أجيب عنه من عدَّة أوجه:
أوَّلها: أنَّ قوله "بغير إذن وليِّها" خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له؛ وذلك أنَّ المرأة التي تقدم على تزويج نفسها لا تستأذن وليَّها- غالباً- بل تستبدُّ بذلك٢.
قال القرافي: في توجيه مفهوم "الإذن" في هذا الحديث: إنَّ القاعدة المنصوص عليها في أصل الفقه أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعاً. وضابط ذلك: أن يكون الوصف المذكور غالباً على وقوع ذلك الحكم المذكور أو على تلك الحقيقة المحكوم عليها كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ ٣؛ فإنَّ القتل الغالب عليه ألا يقع في الأولاد إلا لتوقع ضرر كالإملاق، الذي هو الفقر، أو نحو ذلك من الفضيحة، فلا تكون له دلالة على جواز القتل عند عدم خوف الإملاق... وكذلك ههنا الغالب أنَّ المرأة لا تقدم على زواج نفسها إلا
стр. 119
خفية عن وليِّها وهو غير آذن، والعادة قاضية بذلك، فإذا خرج مخرج الغالب فلا يكون حجة إجماعاً اهـ١.
وثانيها: أنَّ ذلك مفهوم، فلا يقوى على معارضة المنطوق باشتراط الولاية كما قاله الصنعاني وغيره٢.
ويؤيِّد هذا المنطوق قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بوليٍّ" وقوله: "لا تزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوِّج المرأةُ نفسَها"، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإذن وليًّ أو بغيره"٣.
وثالثها: أنَّ إذن الوليِّ لا يصحُّ إلا لمن ينوب عنه، والمرأة لا تنوب عنه في ذلك؛ لأنَّ الحقَّ لها، ولو أذن لها في إنكاح نفسها، صارت كمن أذن لها في البيع من نفسها ولا يصح، كذا قال الحافظ في الفتح٤.
واعترض على هذا محشِّي٥ "فتح القدير لابن الهمام" بقوله: "ولا يخفى عليك وَهَنُ هذا الكلام، فإنَّ النكاح عقد على منافع البضع فتصير هي بالإذن كالمأذون له بأن يؤجِّر نفسه. فتأمل"٦ اهـ.
стр. 120
كذا قال: ولكن لا يخفى وهن هذا التعقيب لمن تأمَّله، وأوَّل ما يردُّ به الفرق بين إجارة المرأة نفسها للإرضاع أو الخدمة، وبين تأجيرها لمنافع بضعها، حتى ولو أذن لها وليُّها، فالأصل في الطعام والخدمة الإباحة، والأصل في الفروج الحرمة. وذلك حقٌّ خالص للآدمي يستوفيه إذا شاء، ويعفو عنه إذا شاء، أمَّا منافع البضع فليست حقّاً خالصاً للآدميّ، ولذلك يملك صاحب المال العفو عَمَّن غصبه أو سرقه، ولا تملك المرأة ولا وليُّها العفو عمّن استحلَّ البضع بغير حقِّة. والله أعلم.
ورابعها: ما أشار إليه الصنعاني بقوله: "وفي الحديث دليل على اعتبار إذن الولي في النكاح بعقده أو عقد وكيله"١. أي أن المقصود بالإذن هنا "العقد" وهو الإذن الذي تُستَحلُّ به الفروج، والمعنى "أيَّما امرأة نكحت بغير إنكاح وليِّها- أصالة أو نيابة- فنكاحها باطل". وهذا المعنى- في نظري- قوي جدًّا في معنى هذا الحديث وغيره مما جرى على ألسنة السلف كقول عمر بن الخطاب ﵁ "لا تنكح المرأة إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان"٢.
стр. 121
ومثله قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنّ﴾ ١، ولا خلاف في اشتراط ولاية السيِّد في نكاح أمته. والله أعلم.
وأمَّا الاعتراض الخامس: وهو حمل هذا الحديث على اشتراط الولاية في نكاح الأمة، بدليل ما جاء في بعض رواياته بلفظ "أيّما امرأة نكحت بغير إذن مواليها"٢.
فقد أجيب عنه: بأن المراد بلفظ "مواليها" هم أولياؤها؟ بدليل أنَّ أكثر روايات هذا الحديث بلفظ "وليِّها"٣.
وأيضاً فإنَّ استعمال "المولى" بمعنى "الوليّ"" في القرآن، والسنة، واللغة، أشهر من أن يذكر٤.
стр. 122
الدَّليل الثَّالث:
حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تزوِّج المرأة المرأة، ولا تزوِّج المرأة نفسها؛ فإنَّ الزَّانية هي التي تزوِّج نفسها".
وهذا الحديث قد رواه ابن ماجه، وابن خزيمة والدارقطني، والبيهقي١.
وهو صريح الدلالة على أنَّ المرأة لا تزوِّج نفسها ولا غيرها مطلقاً، لا بولاية ولا بوكالة، أذن لها وليُّها أم لم يأذن لها٢.
كما أنَّ الجملة الأخيرة من هذا الحديث تدلُّ على أنَّ مباشرة المرأة لعقد النكاح إنَّما هو من شأن الزَّواني، فليس للمسلمة مباشرته في النكاح الشرعيِّ، لئلاَّ تتشبَّه بالبغايا في عاداتهنَّ ووقاحتهنَّ، وهذا كما يدلُّ على التقبيح والتنفير كذلك يدلُّ على البطلان لذلك النكاح الذي عقدته المرأة. والله أعلم.
стр. 123
مناقشة الاستدلال بهذا الحديث:
وقد أورد على سند هذا الحديث اعتراضان:
الأوَّل: أن في سنده جميل بن الحسن العَتَكِيّ الجَهْضمي١، وهو شيخ ابن ماجه في سند هذا الحديث، وهو راو متَّهم بالفسق والكذب، فقد رُوى عن عبدان٢ أنَّه سئل عنه فقال: "كان كذَّاباً فاسقاً، وكان عندنا بالأهواز ثلاثين سنة لم نكتب عنه"٣.
والثَّاني: أنَّ الصَّحيح وقفه على أبي هريرة ﵁ كما نقل عن ابن كثير رحمه الله٤.
стр. 124
والجواب عن الاعتراض الأوَّل من وجهين:
أولهما: أنَّه لم ينفرد بروايته جميل بن الحسن العتكي، بل توبع عليه من طريقين آخرين صحيحين، وفيهما ما يكفي لصحة هذا الحديث، وبيان ذلك:
أنَّ هذا الحديث قد رواه هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وهذا إسناد لا مطعن فيه؛ فإنَّ هشام بن حسَّان١ من أثبت الناس في ابن سيرين، وابن سيرين٢ لا حاجة إلى تعديله.
ثم جاء هذا الحديث مسنداً إلى هشام بن حسان من ثلاثة طرق هي:
стр. 125
الأولى: عن جميل بن الحسن العتكي الجهضمي، عن محمد بن مروان العقيلي١، عن هشام به٢.
وفي هذا السند تكلَّم عبدان على جميل بما سبق ذكره.
والثَّانية: عن مسلم بن عبد الرحمن الجرمي٣، عن مخلد بن الحسين٤، عن هشام بن حسّان به٥.
وهؤلاء كلُّهم ثقات.
والثَّالثة: عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي٦، ومحمد بن سعيد بن
стр. 126
الأصبهاني١، عن عبد السَّلام بن حرب٢، عن هشام بن حسَّان به. وهؤلاء كفهم ثقات أيضًا، إلا أنَّ المحاربي يدلس، ولكن تابعه ابن الأصبهاني، عن عبد السلام بن حرب٣.
ثانيهما: أنَّ غير عبدان قد وثَّق جميل بن الحسن، بل تحفَّظ على مقالة عبدان فيه.
قال ابن عديّ: لم أسمع أحداً تكلَّم فيه غير عبدان، وهو كثير الرواية.. ولا أعلم له حديثاً منكراً، وأرجو أنّه لا بأس به"٤.
وذكره ابن حبان في الثقات٥.
стр. 127
وقال الحافظ ابن حجر: "وأخرج له أي ابن حبان في صحيحه، وكذا ابن خزيمة، والحاكم، وغيرهم.
وقال مسلمة الأندلسي: حدثنا ابن المحاملي، عنه وهو ثقة. وذكر ابن عديّ عن عبدان: أنَّ امرأة زعمت أنَّه راودها فقالت له: اتق الله، فقال: إنَّه ليأتي علينا ساعة يحلُّ لنا فيها كلُّ شيء، فكان هذا مراد عبدان بأنَّه فاسق يكذب، ولكن كيف يؤثر قول امرأة فيه مع كونها مجهولة"١.
وقال ابن حجر في التقريب: "صدوق يخطئ أفرط فيه عبدان"٢.
وأمَّا الاعتراض الثَّاني: وهو أنَّ الصحيح وقفه على أبي هريرة ﵁ كما نقل عن ابن كثير ﵀.
فلم أقف على كلام ابن كثير في موضع يتَّضح به مراده بقوله "الصحيح وقفه"، أهو يقصد وقف جميع الحديث؟ أم الجملة الأخيرة منه، أعني قوله "فإنَّ الزَّانية هي التي تزوِّج نفسها"، فإن كان قصده وقف جميع الحديث، ففي ما ذكرت من الإسناد السابق ما يكفي لصحة الاحتجاج بالحديث مرفوعاً، وكون هذا الحديث ورد موقوفاً من طرق على أبي هريرة ﵁ لا يمنع صحة الطريق المرفوعة؛ فإنَّها زيادة ثقة مقبولة، وأيضاً فإنَّ مثل هذا الحديث ليس مما يقال بالاجتهاد.
стр. 128
وأمَّا إن كان قصده وقف الجملة الأخيرة من الحديث وهي "فإنَّ الزَّانية هي التي تزوِّج نفسها"، فله وجه من النظر، وهذا هو الأقرب لمراد ابن كثير ﵀، وبيان ذلك:
أنَّه قد جاء في رواية عبد السلام بن حرب إلى أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوِّج المرأة نفسها"، وكنَّا نقول: إن التي تزوِّج نفسها هي الفاجرة"١.
وفي لفظ آخر: "لا تُنكِح المرأةُ المرأةَ ولا تنُكِح المرأة نفسها، وقال أبو هريرة: "وكان يقال: الزانية التي تزوِّج نفسها"٢.
ونحوه في سنن البيهقي بلفظ: "لا تُنكِح المرأةُ المرأةَ، ولا تُنكِح المرأة نفسها"، قال أبو هريرة: كنَّا نعدُّ التي تنكح نفسها هي الزَّانية"٣.
ثم قال البيهقي: "وعبد السلام بن حرب قد ميَّز المسند من الموقوف فيشبه أن يكون حفظه".
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير في رواية عبد السلام بن حرب هذه عند الدارقطني والبيهقي- قال: "فتبيَّن أن هذه الزيادة من
стр. 129
قول أبي هريرة ﵁"١. وأورده الحافظ في "بلوغ المرام" دون هذه الزيادة وقال: "رجاله ثقات"٢.
وقال الألباني في إرواء الغليل: "صحيح، دون الجملة الأخيرة"٣.
ومن هذا يتبيَّن أنَّ هذه الزيادة هي التي يترجَّح إدراجها دون غيرها، فتكون هي المقصودة بالوقف، ومع هذا فإنَّ مثل هذا القول لا يقوله الصحابي باجتهاده- فيما يظهر- وخاصَّة إذا كان قائل هذا جمعاً من الصحابة، كما يدلُّ عليه لفظ "كنَّا نقول"، و"كنَّا نعدّ" ونحوهما والله أعلم.
الدَّليل الرَّابع:
ما رواه عروة بن الزُّبير: أنَّ عائشة ﵂ أخبرته: أنَّ النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:
منها: نكاح النَّاس اليوم، يخطب الرّجل إلى الرّجل وليَّته، أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها.
ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي٤ منه، فإذا تبيَّن حملها أصابها زوجها إذا
стр. 130
أحبَّ وإنَّما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر: يجتمع الرَّهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلُّهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومرَّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمَّى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به١ الرجل.
ونكاح الرَّابع: يجتمع الرَّهط الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهنَّ البغايا، كن ينصبن على أبوابهنَّ رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهنَّ، فإذا حملت إحداهنَّ ووضعت حملها جُمِعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطته٢ به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلمّا بُعِثَ محمد ﷺ بالحقِّ "هدم نكاح الجاهلية كلّه، إلا نكاح الناس اليوم". رواه البخاري بهذا اللفظ.
ورواه أيضاً أبو داود والدارقطني والبيهقي٣.
стр. 131
والدَّليل على اشتراط الولاية في النكاح من هذا الحديث هو في قول عائشة ﵂: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليَّته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها. ثم قالت في آخره: فلمَّا بُعِث َمحمد ﷺ بالحقِّ هدم نكاح الجاهلية كلَّه إلا نكاح الناس اليوم". فدلَّ ذلك على أنَّ النبي ﷺ قد أقرَّ ذلك النكاح المعتبر فيه الولي، وأنَّه هدم ما سواه من أنكحة الجاهلية، فلم يبق منها إلا هذا النكاح المعتبر فيه الوليّ، ويزيد هذا المعنى قوَّة وتأكيداً ما جاء من الأحاديث الأخرى في اعتبار الوليّ"١. والله أعلم.
الدليل الخامس:
ما رواه الحسن البصري قال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ ، قال: حدثني معقل بن يسار أنَّها نزلت فيه قال: "زوَّجت أختاً لي من رجل فطلَّقها حتى إذا انقضت عدَّتها جاء يخطبها فقلت له: زوَّجتك، وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به،
стр. 132
وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: "فزوِّجها إيَّاه".
رواه البخاري بهذا اللفظ، ورواه أيضاً: أبو داود وفيه: "فكفَّرت عن يميني وأنكحتها إيَّاه"، ورواه الترمذي، والطيالسي، والطحاوي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وأكثر المفسرون من تخريج طرقه في بيان
سبب نزول الآية الكريمة١.
стр. 133
فهذا الحديث الوارد في سب نزول الآية الكريمة دليل على أنَّ الأمر في النكاح بيد الوليِّ، وإلا لما كان لعضل "معقل" أخته معنى؛ إذ لو كان لها أن تزوِّج نفسها بدونه لما احتاجت إليه، ولما احتاج إلى التكفير عن يمينه، ولكان مجرَّد رغبتها في مراجعة زوجها، ورغبة زوجها في الرجوع إليها كافيًا؛ إذ هي حرَّة، عاقلة، بالغة، ثيِّب، ومن كان أمره إليه لا يقال إنَّ غيره منعه، ثم لو كان أمرها في النكاح إليها دون أخيها لأبان رسول الله ﷺ لأخيها أنَّه لا سبيل له عليها، وأنَّها مالكة أمر نفسها؛ والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة١.
قال الترمذي- ﵀ في هذا الحديث دلالة على أنَّه لا يجوز النكاح بغير وليّ، لأنَّ أخت "معقل بن يسار" كانت ثيِّباً، فلو كان الأمر إليها دون وليِّها لزوَّجت نفسها ولم تحتج إلى وليِّها "معقل بن يسار" وإنَّما خاطب الله في هذه الآية الكريمة الأولياء فقال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ﴾ ، ففي هذه الآية دلالة على أنَّ الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهنَّ" اهـ٢.
وقال ابن العربي ﵀: "فإن قيل: إنَّ السبب الذي رويتم يبطل نظم الآية؛ لأنَّ الوليَّ إذا كان هو المنكِح فكيف يقال: لا تمتنع من فعل
стр. 134
نفسك؟ وهذا محال، قلنا: ليس كما ذكرتم، للمرأة حقُّ الطَّلب للنكاح، وللوليِّ حقُّ المباشرة للعقد، فإذا أرادت من يُرضَى حاله وأبى الوليُّ من العقد فقد منعها مرادها، وهذا بيِّن" اهـ١.
وفيما سبق بيانه في وجهة استدلال الجمهور للولاية في النكاح بهذه الآية ومناقشتها مع سبب نزولها ما يغني عن إعادته هنا٢، والله الموفِّق.
ج- دليل اشتراط الولاية في النكاح من الآثار المرويَّة عن الصحابة ﵃:
وأمَّا الذي اشتهر ذكره عن الصَّحابة - رضوان الله عنهم - قولاً وفعلاً فهو أن الذي يزوِّج النِّساء إنَّما هو أولياؤهنَّ من الرجال، بل قد اشتهر بين العلماء قول ابن المنذر: إنَّه لا يعرف عن الصحابة خلاف ذلك، وفي هذا دعوى لإجماع الصحابة على القول بأنَّه "لا نكاح إلا بوليٍّ"، وكفى بإجماعهم حجَّة ﵃، - وقد سبق ذكر بعض من نقل عنه ذلك إجمالاً في أول هذا المبحث، وفي حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ"٣، وإليك ذكر طرف من أقوالهم ﵃، فمنها:
стр. 135
١- ما رواه الحسن١ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ "أيَّما امرأة لم ينكحها الوليُّ أو الولاة فنكاحها باطل".
رواه البيهقي٢، إلا أنَّ الحسن لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁.
٢- ما رواه عبد الرحمن بن معبد بن عمير٣: أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ "ردَّ نكاح امرأة نكحت بغير وليٍّ". رواه البيهقي٤. قال الألباني: "ورجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن معبد هذا"٥.
٣- ما رواه عكرمة بن خالد٦ قال: جمعت الطريق ركباً فجعلت امرأة ثيِّب أمرها بيد رجل غير وليٍّ فأنكحها، فبلغ ذلك عمر رضي الله
стр. 136
عنه "فجلد النَّاكح والمنكِح وردَّ نكاحها". رواه البيهقي والدارقطني وغيرهما١.
٤- ما رواه سعيد بن المسيَّب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لا تنكح المرأة إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السُّلطان" رواه مالك، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهما٢.
وقيل إنَّه منقطع بين سعيد بن المسيَّب٣ وعمر، ولكن لو سلِّم ذلك لم يضر لشواهده ولميزة مرسلات سعيد بن المسيَّب على غيرها، فكيف وقد أدرك ابن المسيَّب ثماني سنوات من خلافة عمر بن الخطاب ﵁؛ وذلك أنَّه ولد في السنة الثانية من خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 137
٥- ما رواه معاوية بن سويد بن مقرِّن١ عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل، لا نكاح إلا بإذن وليٍّ". رواه البيهقي وقال: هذا إسناد صحيح، وقد روى عن علي ﵁ بأسانيد أخر وإن كان الاعتماد على هذا دونها اهـ٢.
٦- ما رواه سعيد ٣بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "لا نكاح إلا بوليٍّ مرشد، وشاهدي عدل". رواه البيهقي٤. وهو
صحيح عن ابن عباس موقوفاً عليه، وإنَّما الخلاف في رفعه عنه٥.
стр. 138
٧- وما رواه محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: "كانوا يقولون: إنَّ المرأة التي تزوِّج نفسها هي الزَّانية". رواه البيهقي١.
وفي لفظ للدارقطني: "كنَّا نقول: إنَّ التي تزوِّج نفسها هي الفاجرة"٢.
وفي لفظ آخر له: "كنا نتحدّث أن التي تنكح نفسها هي الزانية".
وفي لفظ آخر له: "نحو لفظ البيهقي"٣.
وفي لفظ لابن حزم: "ليس للنساء من العقد شيء، لا نكاح إلا بوليٍّ، لا تنكح المرأة نفسها، فإن الزَّانية هي التي تنكح نفسها"٤.
وهذه الرواية صحيحة عن أبى هريرة رضى الله عنه، وإنَّما الخلاف في لفظها المرفوع كما تقدم٥.
٨- ما رواه عبد الرَّحمن بن القاسم٦، عن أبيه قال: كانت عائشة ﵂ تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهَّد، فإذا بقيت عقدة النِّكاح قالت لبعض أهلها زوِّج؟ فإن المرأة لا تلي عقدة النكاح".
стр. 139
رواه الشافعي، ومن طريقه البيهقي، ورواه الطحاوي، ومن طريقه ابن حزم١.
стр. 140
٩- وما رواه عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر١، عن نافع٢ قال: ولَّى عمر ابنته حفصة ماله وبناته ونكاحهنَّ٣، فكانت حفصة إذا أرادت أن تزوِّج امرأة أمرت أخاها عبد الله فزوَّج "٤.
وهذا الصنيع من حفصة ﵂ موافق لما سبق ذكره عن عائشة ﵂؛ إذ لو كان للمرأة عقدة النكاح لباشرته حفصة بنفسها، مما يدلُّ على أنَّ إسناد النكاح إليها إنَّما يقصد به
стр. 141
التمهيد له، وأنَّ هناك عرفاً معروفاً عند الصحابة - رضوان الله عليهم - أنَّ النِّساء لا ينكحن، وأمَّا مشاركة النِّساء في اختيار الأزواج والتمهيد له فقد كان وما زال، وإنَّما الشأن في العقد الذي تستحلُّ به الفروج، والله أعلم.
١٠- ما ثبت في الصحيح عن زينب أمِّ المؤمنين ﵂ أنَّها كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: "زوَّجكنَّ أهاليكنَّ وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سموات".
رواه البخاري بهذا اللفظ، ورواه البيهقي، وابن سعد في الطبقات١.
فقول زينب ﵂ هذا يدلُّ على العرف المعروف في عهد النبي ﷺ ، وهو أنَّ النِّساء إنَّما يُنكحهنَّ أولياؤهنَّ. وممن أشار إلى الاستدلال بقول زينب هذا الحاكم في مستدركه حيث قال: "وقد صحَّت الروايات فيه (أي في الوليِّ) عن أزواج
стр. 142
النبي ﷺ عائشة، وأمّ سلمة، وزينب بنت جحش رضي الله عنهم١ أجمعين"٢.
هذه بعض الآثار المرويَّة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستقصاؤها متعذِّر، وفيما تقدّم ما يكفي عن غيرها لبيان مذهبهم، وما كان عليه مجتمعهم في ولاية النكاح. والله أعلم.
د- الدَّليل من المعقول على اشتراط الولاية في النكاح.
وأمَّا الدَّليل من المعقول على اشتراط الولاية في النكاح فقالوا: إنَّ النِّكاح عقد جليل قدره، عظيم خطره في حياة الإنسان، وفي إسناده إلى الأولياء من الرِّجال الذين هم أكمل نظراً، وأوفر عقلاً، وأشدَّ حرصاً على صيانة أعراضهم وأنسابهم، تكريمًا للمرأة وصيانة لها، وحفظاً للأنساب والأعراض من العار والزلل، وبذلك فارق العقود الماليَّة التي يجوز للمرأة التصرف فيها؛ لأنَّها مهما قيل في أهميتها فلا تصل أو تقارب مكانة عقد النكاح في جلالة قدره، وعظم خطره، وشرف مقاصده.
стр. 143
قال القرافي في الفرق بين قاعدة الحجر على النِّسوان في الأبضاع وبين قاعدة عدم الحجر عليهنَّ في الأموال: قال: والفرق من وجوه:
أحدها: أنَّ الأبضاع أشدُّ خطراً وأعظم قدراً، فناسب ألاّ تفوض إلا لكامل العقل ينظر في مصالحها، والأموال خسيسة بالنِّسبة إليها، فجاز تفويضها لمالكها؛ إذ الأصل ألاَّ يتصرف في المال إلا مالكه.
ثانيها: أنَّ الأبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القويَّة التي يبذل لأجلها عظيم المال، ومثل هذا الهوى يغطي على عقل المرأة وجوه المصال؛ ح لضعفه، فتلقى نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها، فحجر عليها على الإطلاق؛ لاحتمال توقع الهوى المفسد، ولا يحصل في المال مثل هذا الهوى، والشهوة القاهرة التي ربَّما حصل الجنون وذهاب العقل بسبب فواتها.
وثالثها: أنَّ المفسدة إذا حصلت في الأبضاع بسبب زواج غير الأكفاء حصل الضَّرر، وتعدَّى للأولياء بالعار والفضيحة الشَّنعاء، وإذا حصل الفساد في المال لا يكاد يتعدَّى المرأة، وليس فيه من العار والفضيحة ما في الأبضاع والاستيلاء عليها من الأراذل والأخسَّاء، فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين، وقد سئل بعض
стр. 144
الفضلاء عن المرأة تزوِّج نفسها، فقال في الجواب: "المرأة محلُّ الزلل، والعار إذا وقع يزلّ"١.
وإلى هنا ينتهي ما أمكن استقصاؤه وبيانه من أدلة اشتراط الولاية في نكاح الحرَّة المكلَّفة.
وإليك أدلَّة الفريق الآخر، وهو من يرى أنَّ الولاية على الحرَّة المكلَّفة ولاية ندب واستحباب، لا شرط في صحَّة عقدها.
المذهب الثَّاني: أنَّ الولاية ليست بشرط في نكاح الحرة المكلَّفة:
وعلى هذا فللحرَّة البالغة العاقلة - بكراً كانت أم ثيِّباً- تزويج نفسها إلأ أنَّه خلاف المستحب، وسواء أكان الزَّوج كفؤاً لها أم غير كفء؟ فالنكاح صحيح، وللأولياء حقّ الاعتراض إذا لم يكن الزوج كفؤاً لها٢.
стр. 145
وهذا المذهب هو المشهور عن أبى حنيفة رحمه الله١، وبه قال زفر٢، وهو رواية عن أبي يوسف في ظاهر المذهب٣. وقيل برجوع محمد بن الحسن إليها٤.
فيكون هذا القول هو المذهب لأبي حنيفة وأصحابه.
وقد حرَّر ابن الهمام مذهبهم بقوله: "وحاصل ما عن علمائنا
﵏ في ذلك سبع روايات:
روايتان عن أبي حنيفة: تجوز مباشرة البالغة العاقلة عقد نكاحها ونكاح غيرها مطلقاً، إلأ أنَّه خلاف المستحب، وهو ظاهر المذهب.
ورواية الحسن عنه٥: إن عقدت مع كفء جاز، ومع غيره لا يصح، واختيرت للفتوى ... ٦.