← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التمهيد له، وأنَّ هناك عرفاً معروفاً عند الصحابة - رضوان الله عليهم - أنَّ النِّساء لا ينكحن، وأمَّا مشاركة النِّساء في اختيار الأزواج والتمهيد له فقد كان وما زال، وإنَّما الشأن في العقد الذي تستحلُّ به الفروج، والله أعلم. ١٠- ما ثبت في الصحيح عن زينب أمِّ المؤمنين ﵂ أنَّها كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: "زوَّجكنَّ أهاليكنَّ وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سموات". رواه البخاري بهذا اللفظ، ورواه البيهقي، وابن سعد في الطبقات١. فقول زينب ﵂ هذا يدلُّ على العرف المعروف في عهد النبي ﷺ ، وهو أنَّ النِّساء إنَّما يُنكحهنَّ أولياؤهنَّ. وممن أشار إلى الاستدلال بقول زينب هذا الحاكم في مستدركه حيث قال: "وقد صحَّت الروايات فيه (أي في الوليِّ) عن أزواج

стр. 142

النبي ﷺ عائشة، وأمّ سلمة، وزينب بنت جحش رضي الله عنهم١ أجمعين"٢. هذه بعض الآثار المرويَّة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستقصاؤها متعذِّر، وفيما تقدّم ما يكفي عن غيرها لبيان مذهبهم، وما كان عليه مجتمعهم في ولاية النكاح. والله أعلم. د- الدَّليل من المعقول على اشتراط الولاية في النكاح. وأمَّا الدَّليل من المعقول على اشتراط الولاية في النكاح فقالوا: إنَّ النِّكاح عقد جليل قدره، عظيم خطره في حياة الإنسان، وفي إسناده إلى الأولياء من الرِّجال الذين هم أكمل نظراً، وأوفر عقلاً، وأشدَّ حرصاً على صيانة أعراضهم وأنسابهم، تكريمًا للمرأة وصيانة لها، وحفظاً للأنساب والأعراض من العار والزلل، وبذلك فارق العقود الماليَّة التي يجوز للمرأة التصرف فيها؛ لأنَّها مهما قيل في أهميتها فلا تصل أو تقارب مكانة عقد النكاح في جلالة قدره، وعظم خطره، وشرف مقاصده.

стр. 143

قال القرافي في الفرق بين قاعدة الحجر على النِّسوان في الأبضاع وبين قاعدة عدم الحجر عليهنَّ في الأموال: قال: والفرق من وجوه: أحدها: أنَّ الأبضاع أشدُّ خطراً وأعظم قدراً، فناسب ألاّ تفوض إلا لكامل العقل ينظر في مصالحها، والأموال خسيسة بالنِّسبة إليها، فجاز تفويضها لمالكها؛ إذ الأصل ألاَّ يتصرف في المال إلا مالكه. ثانيها: أنَّ الأبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القويَّة التي يبذل لأجلها عظيم المال، ومثل هذا الهوى يغطي على عقل المرأة وجوه المصال؛ ح لضعفه، فتلقى نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها، فحجر عليها على الإطلاق؛ لاحتمال توقع الهوى المفسد، ولا يحصل في المال مثل هذا الهوى، والشهوة القاهرة التي ربَّما حصل الجنون وذهاب العقل بسبب فواتها. وثالثها: أنَّ المفسدة إذا حصلت في الأبضاع بسبب زواج غير الأكفاء حصل الضَّرر، وتعدَّى للأولياء بالعار والفضيحة الشَّنعاء، وإذا حصل الفساد في المال لا يكاد يتعدَّى المرأة، وليس فيه من العار والفضيحة ما في الأبضاع والاستيلاء عليها من الأراذل والأخسَّاء، فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين، وقد سئل بعض

стр. 144

الفضلاء عن المرأة تزوِّج نفسها، فقال في الجواب: "المرأة محلُّ الزلل، والعار إذا وقع يزلّ"١. وإلى هنا ينتهي ما أمكن استقصاؤه وبيانه من أدلة اشتراط الولاية في نكاح الحرَّة المكلَّفة. وإليك أدلَّة الفريق الآخر، وهو من يرى أنَّ الولاية على الحرَّة المكلَّفة ولاية ندب واستحباب، لا شرط في صحَّة عقدها. المذهب الثَّاني: أنَّ الولاية ليست بشرط في نكاح الحرة المكلَّفة: وعلى هذا فللحرَّة البالغة العاقلة - بكراً كانت أم ثيِّباً- تزويج نفسها إلأ أنَّه خلاف المستحب، وسواء أكان الزَّوج كفؤاً لها أم غير كفء؟ فالنكاح صحيح، وللأولياء حقّ الاعتراض إذا لم يكن الزوج كفؤاً لها٢.

стр. 145

وهذا المذهب هو المشهور عن أبى حنيفة رحمه الله١، وبه قال زفر٢، وهو رواية عن أبي يوسف في ظاهر المذهب٣. وقيل برجوع محمد بن الحسن إليها٤. فيكون هذا القول هو المذهب لأبي حنيفة وأصحابه. وقد حرَّر ابن الهمام مذهبهم بقوله: "وحاصل ما عن علمائنا ﵏ في ذلك سبع روايات: روايتان عن أبي حنيفة: تجوز مباشرة البالغة العاقلة عقد نكاحها ونكاح غيرها مطلقاً، إلأ أنَّه خلاف المستحب، وهو ظاهر المذهب. ورواية الحسن عنه٥: إن عقدت مع كفء جاز، ومع غيره لا يصح، واختيرت للفتوى ... ٦.

стр. 146

وعن أبي يوسف ثلاث روايات: لا يجوز مطلقاً إذا كان لها وليّ، ثم رجع إلى الجواز من الكفء لا من غيره، ثم رجع إلى الجواز مطلقاً من الكفء وغيره. وروايتان عن محمد: انعقاده موقوفاً على إجازة الوليّ، إن أجازه نفذ، وإلا بطل، إلأ أنَّه إذا كان كفؤًا وامتنع الوليّ يجدد القاضي العقد ولا يلتفت إليه. ورواية رجوعه إلى ظاهر الرواية، فتحصَّل أنَّ الثابت الآن هو اتفاق الثلاثة على الجواز مطلقاً من الكفء وغيره على الوجه الذي ذكرناه عن أبي يوسف من ترتيب الروايات، وهو ما ذكره السَّرَخْسِي١. وأمَّا على ما ذكره الطحاوي٢ من أنَّ قوله المرجوع إليه عدم الجواز إلا بوليِّ، وكذا الكرخي في مختصره حيث قال: وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بولي، وهو

стр. 147

قوله الأخير فلا، ورُجِّح قول الشيخين لأنَّهما أقدم وأعرف بمذاهب أصحابنا، لكن ظاهر الهداية اعتبار ما نقله السرخسي والتعويل عليه١. انتهى المقصود من كلام ابن الهمام وقد نقلته لما فيه من جودة التحرير وحسن الترتيب لمختلف الرِّوايات في مذهب الحنفية. أدلَّة من لم يشترط الولاية في نكاح الحرَّة المكلّفة. استدلَّ أصحاب هذا القول لما ذهبوا إليه بالكتاب والسّنة والأثر والمعقول أيضاً. وإليك بيان ذلك مفصَّلاً: أدلَّتهم من القرآن الكريم. الدَّليل الأوَّل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوف﴾ ٢. فقد قال أبو بكر الجصاص: قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُن﴾ معناه: لا تمنعوهنَّ أو لا تضيِّقوا عليهنَّ في التزويج، وقد دلَّت هذه الآية من وجوه على جواز النكاح إذا عقدت على نفسها بغير وليٍّ، ولا إذن وليِّها: أحدها: إضافة العقد إليها من غير شرط إذن الوليّ.

стр. 148

والثَّاني: نهيه عن العضْل إذا تراضى الزوجان اهـ١. وأجيب عن ذلك بأنَّ المراد بنكاحهنَّ هو ما يعقده لهنَّ أولياؤهنَّ لا ما تعقده المرأة لنفسها، كما دلَّ على ذلك سبب نزول الآية في حديث (معقل بن يسار) في عضله أخته، كما سبق بيانه٢. وأمَّا إضافة النكاح إليهنَّ: فلأنَّهنَّ محلُّه والمتسبِّبات فيه. قال الفخر الرازي: "وهذا وإن كان مجازاً إلا أنَّه يجب المصير إليه؛ لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح "٣ اهـ. أي بدون وليٍّ. وهناك وجه آخر في إسناد النكاح إليهنَّ- فيما يظهر لي- وهو أنَّ المرأة الحرَّة المكلَّفة لا تنكح غالباً إلأ بإذنها، وذلك أنَّها إمَّا أن تكون بكراً، أو ثيِّباً، فإن كانت ثيِّباً فلا تنكح إلا بإذنها اتفاقاً إلا من شذَّ، وإن كانت بكراً فلا مجبر لها على النكاح إلا أبوها أو جدُّها على خلاف في إجبارها- كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى٤.

стр. 149

وعلى القول بإجبارهما إيَّاها فهي حالة مستثناة بدليل آخر، كما استثنى نكاح الصغيرة والمجنونة والأمة؛ إذ لا خلاف في ثبوت الولاية عليهنَّ وأنَّهنَّ لا يدخلن في الاستدلال بهذه الآية؛ لنفي ولاية النِّكاح عن المرأة كما قيل. وأيضاً فإنَّه لا خلاف في استحباب استئذان الأب والجدِّ للبكر البالغ، والغالب أنَّهما لا يزوجانها إلا برضاها، وبهذا يظهر وجه إضافة النِّكاح إلى النِّساء في هذه الآية وما شابهها من الآيات، وربَّما يشير إلى هذا المعنى قولهم: "إنَّهنّ المتسبّبات فيه" لتوقُّفه – غالباً - على رضاهنَّ، وخاصَّة أنَّ هذه الآية نازلة في امرأة ثيِّب، كما سبق في سبب نزولها. والله أعلم. وأمَّا الاستدلال بنهي الأولياء عن العضل، على إبطال ولايتهم. فجوابه: أنَّ نهي الأولياء عن العضل، فيه إثبات لحقِّهم في الولاية لا نفيها عنهنَّ؛ إذ لا معنى لنهي الأجنبي عن عضل بنات زيد –مثلاً- عن الأزواج، ثم إنَّه قد سبق ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة، وفيه بيان للمراد من العضل وهو منعها من نكاح من يرضى حاله ضراراً لها وأنفة بغير حقٍّ. وولاية الوليّ ولاية نظر ومصلحة، فلو احتمل العضل في الآية أكثر من معنى، وجاء سبب نزول الآية مبيِّناً أنَّ المراد أحدها وجب اعتماده والمصير إليه وترك ما خالفه.

стр. 150

وقد سبق بيان دلالة هذه الآية على اشتراط الولاية في النِّكاح بأكثر مما هنا، فليراجع١. الدَّليل الثَّاني: قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢. قال أبو بكر الجصاص: ومن دلائل القرآن على ذلك (أي على تزويج المرأة نفسها) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، فجاز فعلها في نفسها من غير شرط الوليِّ، وفي إثبات شرط الولي في صحَّة العقد نفي لموجب الآية؛ فإن قيل: إنَّما أراد بذلك اختيار الأزواج وألاَّ يجوز العقد عليها إلا بإذنها، قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: عموم اللفظ في اختيار الأزواج وفي غيره. والثاني: أن اختيار الأزواج لا يحصل لها به فعل في نفسها، وإنّما يحصل ذلك بالعقد الذي يتعلَّق به أحكام النكاح، وأيضًا فقد

стр. 151

ذكر الاختيار مع العقد بقوله: ﴿إِذَا١ تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢. وأجيب عن ذلك بما يلي: ١- أنَّ قوله تعالى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ خطاب للأولياء، ولولا أنَّ العقد لا يصحُّ إلا من الوليِّ لما كان مخاطباً به. حكى ذلك الفخر الرازي عن الشافعية٣. ٢- أنَّ الله إنَّما أباح لها فعلها في نفسها بالمعروف، وعقدها على نفسها ليس من المعروف؛ إذ هو خلاف المستحب عند من قال بجوازه من الحنفية، وصرَّحوا بأنَّ فيه ما يشعر بابتذالها ووقاحتها٤. ففعلهنَّ إذاً في أنفسهنَّ بالمعروف إنَّما هو ما يتمُّ برضاهنَّ واختيارهنَّ مع أو ليائهنَّ، ثم عقد أوليائهنَّ لهن؛ لقيام الدليل على ذلك. وأمَّا قول أبي بكر الجصاص إنَّ قصر حقِّهنَّ في النكاح على اختيار الأزواج غلط؛ لعموم الآية في اختيار الأزواج وغيره.

стр. 152

فجوابه- والله أعلم- أنَّه لا شك أنَّ عموم الآية شامل لرفع الجناح عن كلِّ ما كان محظوراً على المرأة المعتدَّة من وفاة زوجها بعد انقضاء عِِدَّتها، وهي في زمن العِدَّة يحرم عليها النكاح، وما دونه من التزيًّن والتعرّض للخُطَّاب، والخروج من مسكنها، فلمَّا انقضت عِدَّتها أبيح لها ما كان محظوراً عليها. فأمّا اطّراح الإحداد وتزينها وتجمّلها للخطاب وخروجها من دار زوجها المتوفى فذلك لها اتفاقاً، وأمَّا النكاح فلها فيه اختيار الأزواج والرضى به كما دلّت عليه السنَّة الصَّحيحة. وأمّا العقد فقد قام الدليل الخاصُّ من السُّنَّة على أنَّه بيد وليِّها ولا معارضة بين عموم وخصوص. وأمَّا قوله: إنَّ اختيار الأزواج لا يحصل لها به فعل في نفسها، وإنَّما يحصل ذلك بعقد النكاح. فجوابه:- والله أعلم- أنَّ فعلها في نفسها قد حصل بالتطيّب والتكحّل والتحلّي والتجمُّل للخطّاب، ونحو ذلك، وأيضاً فإنَّها إذا اختارت من ترضاه زوجاً لها وكان كفؤًا لها في دينه وخلقه وجب على وليِّها إجابتها إلى طلبها وإلا عُدَّ عاضلاً آثماً، فرغبتها في النكاح ورضاها بزوِّجها الكفء موجب لإجبار وليِّها على تزويجها، أو تزوَّج من قبل الحاكم أو غيره من الأولياء رغماً عنه فيحصل لها بذلك فعل في نفسها، مع أنَّه لو قيل: إنَّه بالنكاح- سواء أكان بعقدها أم عقد وليِّها- لا يحصل لها فعل في نفسها؛لأنَّ

стр. 153

الفعل الحقيقيَّ لغيرها وهو الزوج لما كان بعيداً، وإنَّما الذي يحصل به فعل لها في نفسها حقيقة هو تزيُّنها وتجمُّلها للخطَّاب ونحو ذلك، والله أعلم. وأمَّا قوله: إنَّ اختيار الأزواج مذكور في الآية- أي قبلها- في قوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . فهذا- والله أعلم- أقرب إلى أنَّ يكون دليلاً على أنَّ العقد بيد طرف ثالث حينما يتراضى الزوجان؛ فإنَّه لو كان النكاح صحيحاً بعقدها مع زوجها فلا مُكره لهما حين يتراضيان، وإنَّما يتصوَّر إلا كراه ومعارضة هذه الرغبة من طرف ثالث وهو الوليّ في منعه وليَّته من النكاح١، والله أعلم. الدَّليل الثَّالث: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ٢.

стр. 154

ففي قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ أضيف النكاح إليها فيقتضي تصوُّر النكاح منها، وكذلك جعل إنكاحها نفسها غاية الحرمة فيقتضي انتهاء الحرمة عند إنكاحها نفسها. وفي قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ أضيف رجعة المرأة إلى زوجها الأول بعقد جديد- أي بعد عقد الثَّاني ومفارقته وانقضاء عِدَّته- من غير ذكر للوليِّ، فدلَّ ذلك على صحَّة عقد المرأة نكاحها من غير توقُّفه على مباشرة وليِّها له١. وقد أجيب عن ذلك بما يلي: ١- أنَّ المراد بنكاحها هنا ما يعقده لها وليُّها، وليس الذي تباشره بنفسها، وإنَّما أضيف إليها لأنَّها محلُّ ذلك وسببه، كما تقدم. ٢- أنَّ المراد بالنِّكاح في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه﴾ هوالوطء لا العقد؛ لما دلَّت عليه السنة الصحيحة أنَّ المرأة المطلَّقة ثلاثاً لا تحلُّ لزوجها الأول حتى تذوق عسيلة الثَّاني، وهذا محلّ

стр. 155

اتفاق؛ إذ لم يقل أحد بحلِّها للأول بمجرد العقد، إلا ما وري عن سعيد بن المسيَّب ﵀ على فرض صحة النقل عنه١. ولذلك قال ابن العربي ﵀ في ردِّ الاستدلال بهذه الآية على إنكاح المرأة نفسها، قال: لو كان سعيد بن المسيَّب يرى هذا مع قوله: "إنَّ النِّكاح العقد" لجاز له، وأمَّا نحن وأنتم (أي الحنفية) الذين نرى أنَّ النِّكاح هنا هو الوطء فلا يصحُّ الاستدلال لكم معنا بهذه الآية، فإن قيل: القرآن اقتضى تحريمها إلى العقد، والسنَّة لم تبدِّل لفظ "النِّكاح" ولا نقلته عن العقد إلى الوطء، وإنَّما زادت شرطاً آخر وهو الوطء. قلنا: إذا احتمل اللفظ في القرآن معنيين فأثبتت السنَّة أنَّ المراد أحدهما فلا يقال: إنَّ القرآن اقتضى أحدهما وزادت السنَّة الثَّاني، وإنّما يقال: إنَّ السنَّة أثبتت المراد منهما، والعدول عن هذا جهل بالدَّليل أو مراغمة وعناد في التَّأويل اهـ٢.

стр. 156

الدَّليل الرَّابع: قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. فقالوا: إنَّ في هذه الآية الكريمة دليلاً على انعقاد النكاح بعبارة المرأة، بل قيل: إنَّها نصٌّ في ذلك٢. وذلك- والله أعلم- أنَّ هذه المرأة لو لم تملك إنكاح نفسها لم تملك هبته بغير أمر من يملكه، وظاهر الآية أنَّ هبتها للنبي ﷺ لم يتوقَّف على أمر وليِّها. والله أعلم. ولكنَّ الاستدلال بهذه الآية لا يخلو من نظر، وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا يخلو من ثلاثة أمور: أوَّلها: أنَّ الواهبة نفسها خالصة للنبي ﷺ بدون مهر ولا وليٍّ، كما قال قتادة "ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير وليٍّ ولا مهر إلاَّ للنبي ﷺ "٣. ثانيها: أنَّ الواهبة نفسها خالصة لرسول الله ﷺ بدون مهر. ثالثها: أنَّها خالصة له ﷺ بلفظ الهبة.

стр. 157

فعلى القول الأول: لا دليل فيها على صحة إنكاح المرأة نفسها لغير رسول الله ﷺ ، وكون النكاح بغير وليّ من خصائصه، ﷺ قيل هو المشهور من مذهب المالكية والشافعية وكذلك الحنابلة، والظاهرية١ وأمَّا على القول الثَّاني والثَّالث فلا ذكر فيه لإسقاط الوليّ، وإنَّما يطلب من دليل آخر، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ ، فهذا يدلُّ على أنَّ المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها للنبي ﷺ لم تحلّ له بمجرَّد تلك الهبة، وإنَّما الأمر إليه ﷺ فإن أراد أن يتزوَّج بها بعد ذلك فعل وإلا ترك، فيكون حكم النكاح مستأنفاً لا تعلق له بلفظ الهبة إلا في المقصود من الهبة وهو سقوط الصَّداق الذي هو حقٌّ خالص للمرأة٢، والله أعلم.

стр. 158

ب- الدَّليل من السنَّة: وأمّا الدَّليل من السنَّة على إنكاح نفسها فقد استدلُّوا بجملة من الأحاديث منها ما يلي: الحديث الأوَّل: حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأيمُّ أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". رواه الأئمة: مالك، وأحمد، ومسلم، والأربعة، والدرامي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي١.

стр. 159

فقالوا: إنَّ الأيِّم في هذا الحديث اسم لامرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أم ثيِّبًا، وقد أثبت النبيُّ ﷺ لكلّ من الوليِّ والأيِّم حقًّا ضمن قوله "أحقّ"، وجعلها أحقَّ بنفسها من وليِّها ولن تكون أحقّ منه بنفسها إلا إذا صح تزويجها نفسها بغيررضاه. وهذا يمنع أن يكون له حقٌّ في منعها العقد على نفسها كقوله ﷺ "الجارأحقُّ بصقبة"١.

стр. 160

وقوله لأمِّ الصغير: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي١ "٢ هذه خلاصة ما قالوه في توجيه الاستدلال بهذا الحديث لإثبات حقِّ المرأة في إنكاح نفسها، وهو- فيما يظهر لي- أقوى حجَّة لهم فيما ذهبوا إليه، وذلك لصحَّة هذا الحديث واحتماله لما قالوا. والله أعلم. وقد أجاب عنه الجمهور بأنَّه لا حجَّة في هذا الحديث على صحَّة إنكاح المرأة نفسها، وعمدة ما أجابوا به جوابان: أولهما: أنّ لفظ "الأيِّم" وإن كان لغة اسمًا لامرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أم ثيِّبًا، صغيرةً أم كبيرةً، بل لكلِّ من لا زوج له، وإن كان رجلاً- إلاَّ أنَّ المقصود به في هذا الحديث إنَّما هو "المرأة الثَّيِّب"، خاصَّة فيبقى الاستدلال به قاصرًا عن دعوى شموله الثيِّب والبكر معًا٣.

стр. 161

واستدلوا على ذلك بثلاثة أمور: ١- مقابلة الأيِّم بالبكر في الحديث دليل على أنّ النبيّ ﷺ إنّما أراد بالأيِّم من لم تكن بكرًا، فقد قسَّم النساء قسمين: أيامى وأبكارًا ولا ثالث لهما١. ٢- ماجاء في بعض روايات هذا الحديث بلفظ "الثيِّب أحقُّ بنفسها من وليِّها" إذ إنّها مفسِّرة للمراد من الأيِّم في هذا الحديث"٢. وقد رواه بهذا اللفظ كلٌّ من الإمام أحمد، ومسلم وأبو داود وا لنسائي، والدارقطني، وا لبيهقي٣.

стр. 162

٣- أنَّ استعمال لفظ "الأيِّم في المرأة الثَّيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق ونحوه أكثر استعمالاً في اللغة، وأشهر ذكرًا بخلافه في البكر التي لمَّا تزوّج بعد١. وثانيهما: أنّه متى أمكن الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض وجب المصير إليه، لما في ذلك من العمل بالأدلَّة جميعًا دون العمل ببعضها وردِّ بعض، والجمع بين هذا الحديث وأحاديث اشتراط الولاية في النكاح ممكن، وذلك بحمل حقِّ الوليِّ على العقد، وحقِّها على الرضى، ولا شك أنَّ حقّها بنفسها آكد؛ لتوقُّف حقّ الوليِّ عليه، فهذا وجه أحقّيّتها بنفسها٢.

стр. 163

ومما يدلّ على ذلك أنَّ ابن عباس - رضى الله عنهما - روى هذا الحديث وحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ". وصحَّ عنه ﵁ فتواه باشتراط الوليِّ، كما قال الترمذي ﵀ تعقيبًا على هذا الحديث- قال: "واحتجّ بعض الناس في إجازة النكاح بغير وليٍّ بهذا الحديث، وليس في هذا الحديث ما احتجّوا به، لأنّّه قد روى- من غير وجه- عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبيّ قال "لا نكاح إلا بوليٍّ". وهكذا أفتى به ابن عباس بعد النبي ﷺ فقال: "لا نكاح إلا بوليٍّ"، وإنَّما معنى قول النبيّ ﷺ : "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها"- عند أكثر أهل العلم- أنَّ الوليَّ لا يزوِّجها إلاّ برضاها وأمرها، فإن زوّجها١ فالنكاح مفسوخ، على حديث خنساء بنت خدام حيث زوّجها أبوها وهي ثيِّب فكرهت ذلك، فردّ النبي ﷺ نكاحه"٢ اهـ. وقال النووي- ﵀: "قوله ﷺ "أحقّ بنفسها" يحتمل من حيث اللفظ أنّ المراد أحقّ من وليِّها في كلِّ شيء من عقده وغيره، كما قاله أبو حنيفة وداود. ويحتمل أنَّها أحقّ بالرضى؛ أي لا تزوّج حتى تنطق بالإذن بخلاف البكر، ولكن لمَّا صحَّ قول النبيّ

стр. 164

صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بوليٍّ" مع غيره من الأحاديث الدَّالّة على اشتراط الوليّ تعيَّن الاحتمال الثَّاني، واعلم أنّ لفظة "أحقّ" هنا للمشاركة، معناه: أنّ لها في نفسها في النكاح حقًّا، ولوليِّها حقًّا، وحقُّها أوكد من حقِّه؛ فإنّه لو أراد تزويجها كفؤًا وامتنعت لم تجبر، ولو أرادت أن تتزوَّج كفؤًا فامتنع الوليُّ أجبر، فإن أصرَّ زوّجها القاضي١، فدلَّ على تأكيد حقِّها ورجحانه"٢ اهـ. الحديث الثَّاني: ما روي عن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ : "ليس للوليِّ مع الثَّيِّب أمرٌ، واليتيمة تستأمر وصمتها إ قرارها". رواه أحمد، وأبو داود- وهذا لفظه- والنسائي، وابن حِبَّان، والدارقطني والبيهقي٣.

стр. 165

فقالوا: إنَّ قوله ﷺ : "ليس للوليِّ مع الثيِّب أمرٌ" نصٌّ في إسقاط اعتبار الوليِّ في العقد وفي إثبات حقِّ المرأة في تزويج نفسها١. وأجيب عنه بما يلي: أوّلاً: أنَّ معمرًا٢ راويه قد أخطأ في متنه وإسناده. قاله الدارقطني وغيره. وبيان ذلك أنّه لم يروه بهذا اللفظ غيرمعمر، وأمَّا اللفظ الصحيح فهو ما سبق عن ابن عباس بلفظ "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها"، أو "الثيِّب أحقّ بنفسها من وليِّها". كما تقدَّم قريبًا. ورواه الدارقطني بلفظ "الأيِّم أولى بأمرها" عن ابن إسحاق٣، وبلفظ "الأيِّم أحقُّ بنفسها" عن سعيد٤ بن سلمة،

стр. 166

كلاهما عن صالح بن كَيْسان١، عن عبد الله بن الفضل٢، عن نافع بن جبير٣ عن ابن عباس ﵄، - عن النبيّ ﷺ . ثم قال الدارقطني: "وخالفهما معمر في إسناده فأسقط منه رجلاً "أي عبد الله بن الفضل" وخالفهما أيضًا في متنه فأتى بلفظ آخر وَهِمَ فيه؛ لأنّ كلَّ من رواه عن عبد الله بن الفضل، وكلّ من

стр. 167

رواه عن نافع ابن جبير مع عبد الله بن الفضل خالفوا معمرًا، واتفاقهم على خلافه دليل وهمه، والله أعلم١. ثم ذكر الدارقطني رواية معمر عن صالح بن كَيْسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "ليس للوليِّ مع الثَّيِّب أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها". فقال: كذا رواه معمر عن صالح، والذي قبله أصحُّ في الإسناد والمتن؛ لأنَّ صالحًا لم يسمعه من نافع بن جبير، وإنَّما سمعه من عبد الله بن الفضل عنه. واتفق على ذلك ابن إسحاق، وسعيد بن سلمة عن صالح، سمعت النيسابوري٢ يقول: الذي عندي أن معمرًا أخطأ فيه اهـ٣. ثانياً: إنَّ هذا الحديث قاصر عن الدعوى- وهو إنكاح المرأة نفسها بكرًا أم ثيِّبًا- فهو لا يشمل البكر، بل إنَّه موافق لرواية ابن عباس السابقة الصحيحة بلفظ: "الثَّيِّب أحقُّ بنفسها من وليِّها) المفسِّرة لرواية "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها"، فهذان اللفظان هما الصحيحان في رواية هذا الحديث.

стр. 168

وأمَّا لفظ "ليس للوليِّ مع االثَّيِّب أمر " فقد تفرَّد به معمر عن صالح ابن كَيْسان، مخالفًا غيره- كما تقدَّم. ثالثًا: الجمع بينه وبين أحاديث اشتراط الولاية في النكاح بحمل هذا الحديث على نفي حق الوليِّ في الإكراه؛ إذليس للوليِّ مع الثَّيِّب أمر إكراه، فلا يجبرها على النِّكاح، ولا على من لا ترضاه، وهذا محلُّ اتفاق١ الحديث الثَّالث: ما رواه عبد الله٢ بن بُرَيْدة، عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فتاة إلى النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله: إنَّ أبي- ونعم الأب هو- زوّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال: فجعل الأمر إليها فقالت: إنّي قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النِّساء أنْ ليس إلى الآباء من الأمرشيء".

стр. 169

رواه الامام أحمد، والنسائي، والدارقطني- واللفظ له- والبيهقي. ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه١. فقالوا: إنّ إقرار النبيّ ﷺ للفتاة على قولها "ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمرشيء" دليل على نفي ولايتهم، وأنّ الأمر في نكاحهنَّ إليهنّ دونهم، ويفيد أيضًا: بعمومه

стр. 170

أنّ مباشرة عقد نكاحهنَّ ليس حقًّا ثابتًا لآبائهنَّ ونحوهم، بل هو مستحب مراعاة للحشمة والأدب١. وأجيب عن ذلك بعدَّة إجابات أشهرها وأهمها ثلاثة:

стр. 171

أولاً: أنَّ هذا الحديث مرسلٌ؛ فإنَّ عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة- ﵂ شيئًا، قال الدارقطني- بعد أن رواه بعدة طرق وبألفاظ شتَّى-: هذه كلُّها مراسيل ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا١. وكذلك قال البيهقي: هذا مرسل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة رضي الله عنها٢. وأجيب عن هذا: أنَّه بعد التسليم بعدم حجِّيَّة المرسل، فإن رواية عبد الله بن بريدة عن عائشة محمولة على الاتصال؛ لإمكان اللقاء والسماع كما هو شرط مسلم في صحيحه؛ فإنّ عبد الله بن بريدة ولد في السنة الخامسة عشرة للهجرة٣. وعائشة ﵂ قد توفيت سنة سبع وخمسين على الصحيح٤. ولا شك في إمكان لقائه بها وسماعه منها. وأيضًا: فإنّ عبد الله بن بريدة قد رواه عن أبيه- كما في سنن ابن ماجه- وأبوه صحابي جليل توفي سنة ٦٣ هـ٥. إلأ أنَّه قيل

стр. 172

بضعف روايته عن أبيه١. إلاَّ أنها تبقى شاهداً لروايته عن عائشة ﵂، خاصَّة أنَّ الشوكاني قال في رواية ابن ماجه: رجاله رجال الصحيح٢. وقال فيها البوصيري: إسناده صحيح٣. وقال البنَّا الساعاتي- ردًّا على الدارقطني والبيهقي-: قال: جاء هذا الحديث من رواية عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عند ابن ماجه بسند صحيح، قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده صحيح، ويشهد له حديث ابن عباس في الجارية التي زوّجها أبوها وهي كارهة فخيّرها النبيّ ﷺ ، وكذلك حديث الخنساء بنت خِدَام، والأحاديث الواردة في استئمار النساء على العموم" اهـ٤.

стр. 173

ثانيًا: وأجيب عنه- وهذا بعد التسليم بصحته- بأنَّ النبيّ ﷺ خيّرها؛ لأنّ أباها زوّجها غير كفئها. قاله البيهقي وغيره١؛ بدليل قولها "زوَّجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته". وتعقَّبه ابن التركماني بقوله: إذا نقل الحكم مع سببه فالظاهر تعلُّقه به، وتعلُّقه بغيره محتاج إلى دليل، وقد نقل الحكم مع سببه وهو التخيير، وذكر السبب وهو كراهية الثيب٢. وما قاله ابن التركماني هو الظاهر، إلاّ أنَّ حكمه على هذه الفتاة بأنها ثيِّب يحتاج إلى دليل، فالظاهر أنَّها بكر، كما يدلّ عليه سياق هذه الواقعة ومختلف ألفاظها. والله أعلم. وقال ابن الهمام: "إنَّ حمله على عدم الكفاءة خلاف الأصل مع أنَّ العرب إنّما يعتبرون في الكفاءة النّسب والزَّوج كان ابن عمِّها". اهـ٣. ثالثًا: أنّ الأمر المنفيَّ هنا إنَّما هو تزويجهنَّ كرهًا، وذلك جمعًا بينه وبين أحاديث اشتراط الولاية في النِّكاح. وهذا الجواب: هوأصحُّها وأقواها؛ لدلالة سياق القصَّة عليه على اختلاف طرقها وألفاظها؛ فإنَّ هذه الفتاة قد جاءت مظهرة

стр. 174

شكواها من صنيع أبيها بها، ورغبتها عن ابن عمِّها، بقولها "إنَّ أبي- ونعم الأب هو- زوَّجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته" زادت في لفظ آخر: "وإنِّي كرهت ذلك١. وعند النسائي "وأنا كارهة٢" وهذا ظاهر الدلالة على أنّ أباها قد زوّجها وهي كارهة، فأرادت أن تعلم أللنِّساء في أنفسهنَّ أمر؟ أم أنَّ أمر أوليائهنَّ نافذ عليهنّ وإن كرهن؟ وهذا هو صريح قولها في رواية النسائي والدارقطني، والبيهقي٣. فقد رواه النسائي بلفظ "ولكن أردت أن أعلم أللنِّساء من الأمر شيء؟ ". ورواه الدارقطني بعدَّة ألفاظ منها ما سبق. ومنها: "إنَّما أردت أن أعلم: هل للنساء من الأمر شيء أم لا؟ وهو بهذا اللفظ عند البيهقي أيضًا. ومنها: "ولكن أردت أن أعلم للنساء من الأمر شيء أم لا؟ ". ومنها: "إنَّ أبي زوّجني ابن أخ له ليرفع خسيسته بي، ولم يستأمرني، فهل لي في نفسي أمرٌ؟ قال: نعم، قالت: ما كنت لأردّ

стр. 175

على أبي شيئًا صنعه ولكنِّي أحببت أن تعلم النساء ألهنَّ في أنفسهنَّ أمر أم لا؟ ". فهذه الألفاظ دليل على أنَّ هذه الفتاة إنَّما جاءت مستطلعة حقَّ النساء في أنفسهنَّ إذا أُكرهن على من لا يرضينه، أينفذ عليهنّ هذا النِّكاح ويلزمهنّ وإن كرهن أم لا؟. ويدلّ على هذا قول ابن التركماني- السابق-: "إنَّ الحكم إذا نقل مع سببه فالظاهر تعلُّقه به، وتعلُّقه بغيره محتاج إلى دليل، وقد نقل الحكم مع سببه، وهو التخيير، وذكر السبب وهو كراهية الثّيِّب"١. وقال الصنعاني في سبل السلام: "والمراد بنفي الأمر عن الآباء نفي التزويج للكراهة؛ لأنَّ السياق في ذلك، فلا يقال هو عامٌّ" في كلِّ شيء"٢. الحديث الرابع: حديث أمِّ سلمة ﵂ قالت:"دخل عليَّ رسول الله ﷺ بعد وفاة أبي سلمة فخطبني إلى نفسي، فقلت: يا رسول الله، إنَّه ليس أحد من أوليائي شاهدًا، فقال: "إنَّه

стр. 176

ليس منهم شاهدٌ ولا غائبٌ يكره ذلك، قالت: قم يا عمر فزوِّج النبيَّ ﷺ فتزوَّجها". رواه الطحا وي بهذا اللفظ، ورواه أيضًا أحمد، والنسائي، وابن الجارود، والحاكم، والبيهقي، وابن سعد في الطبقات١. قال الطحاوي: فكان في هذا الحديث أنّ رسول الله ﷺ خطبها إلى نفسها، ففي ذلك دليل أنّ الأمر في التزويج إليها دون

стр. 177

أوليائها؛ فإنَّما قالت له: إنَّه ليس أحد من أوليائي شاهدًا، قال: إنَّه ليس منهم شاهدٌ ولا غائب يكره ذلك"، فقالت: قم يا عمر فزوِّج النبيَّ ﷺ ، وعمر هذا ابنها، وهو يومئذ طفل صغير غير بالغ؛ لأنَّها قالت للنبيِّ ﷺ في هذا الحديث: "إنّي امرأة ذات أيتام" تعني عمر ابنها، وزينب ابنتها، والطفل لا ولاية له، فولّته هي أن يعقد النكاح عليها ففعل. فرآه النَّبيُّ ﷺ جائزًا، وكان عمر بتلك الوكالة قام مقام من وكلَّه، فصارت - أمُّ سلمة ﵂، - كأنَّها عقدت النكاح على نفسها للنّبيِّ ﷺ ، ولمَّالم ينتظر النبيّ ﷺ حضور أوليائها دلّ ذلك [على] ، أنَّ بضعها إليها دونهم، ولو كان لهم في ذلك حقٌّ، أو أمرٌ، لما أقدم النَّبيُّ ﷺ على حقٍّ هولهم قبل إباحتهم ذلك له.."١. مناقشة الاستدلال بهذا الحديث. وهذا الحديث قد اشتهر الاستدلال به على إثبات ولاية الابن على أمِّه، واعترض عليه: بصغر عمر بن أبي سلمة ﵁ حين تزوَّج رسول الله ﷺ أمَّه أمّ سلمة ﵂، - كما قاله الطحاوي وغيره. والمستدل بهذا الحديث يلزمه أمران: أولهما: إثبات صحَّة هذا الحديث بهذا اللفظ- أعني الذي فيه محلُّ الشَّاهد للولاية في النِّكاح- وإلاّ فقد جاء من طريق آخر

стр. 178

صحيح عند مسلم١ وغيره بدون ذكر محلِّ الشاهد للولاية في النِّكاح. ثانيهما: تعيين المنكِح الحقيقيِّ لأمِّ سلمة ﵂ في زواجها برسول الله ﷺ . وإليك بيان ذلك ما أمكن والله المستعان: أمَّا الأمر الأول: وهو ثبوت صحة هذا الحديث، فقد ضُعِّف بجهالة (ابن عمر بن أبي سلمة) لتفرُّد ثابت البُنَاني بالرِّواية عنه مع الاختلاف في اسمه، فقد قيل: هو سعيد بن عمر بن أبى سلمة. قاله الحاكم وأقرَّه الذهبي٢. وقيل: اسمه محمد بن عمر بن أبي سلمة، كما في (التهذيب) وتقريبه٣. وعلى كلا الاحتمالين فهو مجهول. قال الذهبي: ابن عمر بن أبي سلمة القرشي المخزومي، عن أبيه أنَّ أمَّ سلمة قالت: يا عمر، قم فزوِّج رسول الله!. فهذا لا

стр. 179

يعرف، قاله عبد الحق الأزدي، ومدار الحديث على ثابت البُنَاني١ عن ابن عمر، وفيه مقال لجهالته" اهـ٢. وقال ابن حزم- في هذا الحديث-: "وهذا خبر إنَّما رويناه من طريق ابن عمر بن أبي سلمة وهو مجهول"٣. وكذلك فعل الألباني في إرواء الغليل فقال:- بعد ذكر الاختلاف في اسمه-: "وسواء كان اسمه هذا أو ذاك فهو مجهول؛ لتفرُّد ثابت بالرِّواية عنه، فالإسناد لذلك ضعيف"٤ وقد جاءت هذه الرِّواية من طريق حَّماد بن سلمة٥،

стр. 180

وسليمان بن المغيرة١ قالا: حدثنا ثابت، عن عمر بن أبي سلمة، أي بإسقاط (ابن عمر ابن أبي سلمة) في شرح (معاني الآثار) للطحاوي٢. وقد عقَّب عليه الألباني بقوله: "فأسقط من المسند ابن عمر بن أبي سلمة، فلا أدري أهكذا وقعت الرواية له أم السقط من بعض النسّاخ"٣. وكذلك رواه الحاكم في موضعين من المستدرك: أحدهما: في كتاب النكاح، بإسناده عن حماد بن سلمة، عن ثابت البُنَاني قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أمِّ سلمة، أي بدون ذكر (ابن عمر) ٤. والآخر: في كتاب معرفة الصحابة بهذا الإسناد بإثبات (ابن عمر) ٥، ولم يتعقَّبه الذهبي بشيء في كلا الموضعين ممّا يدلّ على
следующие страницы →