← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عقد- كما قال الشافعي: "دلَّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين"١ وهذا المعنى يكاد يكون إجماعًا من المفسِّرين. ثانياً: أنَّ المخاطب بقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُن﴾ هم أولياء النِّساء، وحجتهم في ذلك سبب نزول الآية، وحجة من منع مراعاة نظم الكلام. ثالثاً: أنَّ المراد بالأزواج في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ﴾ هم الذين قد كنَّ في عصمتهم من قبل، فحصلت بينهم بينونة بطلاق دون الثلاث أو نحوه من الفسوخ، كما في سبب النزول، إلا أن هذا لا يمنع شمول النهي عن عضلهنَّ عن الأزواج مطلقاً، من كانوا لهنَّ أزواجاً أو من سيكونون. والله أعلم. الدَّليل الثَّاني: قوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ٢. فهذا خطاب لأولياء النِّساء بألاّ يُنْكحوهنَّ المشركين حتى يؤمنوا، ولو كان أمر النِّساء في النِّكاح إليهنَّ لما خاطب الله به أولياءهن دونهنَّ، وكذلك لو كان للمرأة أن تنكح نفسها لما كانت الآية دالَّة على منعها من تزويج نفسها بمشرك؛ لأنَّها لم تنه عن ذلك، وإنَّما نهي الأولياء، ونكاح المسلمة للمشرك غير جائز بالإجماع.

стр. 72

بل قد حكى القرطبي وغيره أنَّ هذه الآية دليل بالنصِّ على أن "لا نكاح إلا بولي"١. وقال ابن العربي: "وهي مسألة بديعة ودلالة صحيحة"٢. وعقَّب صاحب٣ تهذيب الفروق على قول ابن العربي هذا بقوله: "ولعلَّ وجهه أنَّ كونه خطاباً للأولياء أظهر من كونه خطاباً لأولي الأمر لوجهين: الأوَّل: أنَّ وليَّ الأمر من جملة الأولياء؛ إذ السلطان وليُّ من لا وليَّ له، فلا وجه لتخصيصه. الثَّاني: أنَّ الضرر بزواج غير الأكفاء إنَّما يتعدَّى بالعار والفضيحة الشنعاء للأولياء لا لوليِّ الأمر منهم، فهم أحقُّ بخطاب الإرشاد منه فافهم"٤. وقال الصنعاني في سبل السلام- مستدلاًّ لاشتراط الولاية في النِّكاح: "ويدلُّ له قوله: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فإنَّه خطاب للأولياء بأن

стр. 73

لا يُنكِحوا المسلمات المشركين. ولو فرض أنَّه يجوز لها إنكاح نفسها لما كانت الآية دالَّة على تحريم ذلك عليهنّ؛ لأنَّ القائل بأنَّها تنكح نفسها يقول بأنَّه ينكحها وليُّها أيضاً، فيلزم أنَّ الآية لم تف بالدَّلالة على تحريم إنكاح المشركين للمسلمات؛ لأنَّها إنما دلَّت على نهي الأولياء عن إنكاح المشركين لا على نهي المسلمات أن ينكحن أنفسهن منهم. وقد علم تحريم نكاح المشركين المسلمات، فالأمر للأولياء دالٌّ على أنَّه ليس للمرأة ولاية في النِّكاح. اهـ١. مناقشة وجهة الاستدلال بهذه الآية: وقد أطال ابن رشد -في بداية المجتهد- الكلام على هذه الآية مانعاً صحَّة الاستدلال بها على اشتراط الولاية في النِّكاح فقال: "قوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ هو أن يكون خطاباً لأولي الأمر من المسلمين أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطاباً للأولياء، وبالجملة فهو متردِّد بين أن يكون خطابًا للأولياء أو لأولي الأمر، فمن احتجَّ بهذه الآية فعليه البيان أنَّه أظهر في خطاب الأولياء منه في أولي الأمر، فإن قيل: إنَّ هذا عامٌّ، والعامُّ يشمل ذوي الأمر والأولياء قيل: إنَّ هذا الخطاب إنَّما هو خطاب بالمنع، والمنع بالشرع، فيستوي فيه الأولياء وغيرهم، وكون الولي مأموراً بالمنع بالشرع لا يوجب له ولاية خاصَّة في الإذن، أصله الأجنبي. ولو قلنا إنَّه خطاب للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحَّة

стр. 74

النِّكاح لكان مجملاً لا يصحُّ به عمل؛ لأنَّه ليس فيه ذكر أصناف الأولياء ولا صفاتهم ولا مراتبهم، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة" اهـ١. وقد تعقَّبه الأمير الصنعاني- في سبل السلام- فقال: "ولقد تكلَّم صاحب نهاية٢ المجتهد بكلام في غاية السقوط فقال: الآية متردِّدة بين أن تكون خطاباً للأولياء أو لأولي الأمر. والجواب: أن الأظهر: أنَّ الآية خطاب لكافَّة المؤمنين المكلَّفين الذين خوطبوا بصدرها، أعنى قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾ ، والمراد: لا ينكحهنَّ من إليه الإنكاح وهم الأولياء، أو خطاب للأولياء ومنهم الأمراء عند فقدهم أو عضلهم لما عرفت من قوله: "فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له" فبطل قوله "إنَّه متردِّد بين خطاب الأولياء وأولي الأمر". وقوله: "قلنا: هذا الخطاب إنَّما هو خطاب بالمنع بالشرع". قلنا: نعم. قوله: "والخطاب بالشَّرع يستوي فيه الأولياء وغيرهم"، قلنا: هذا كلام في غاية السقوط؛ فإنَّ المنع بالشرع هنا للأولياء الذين يتولَّون العقد إمَّا جوازاً، كما تقول الحنفية، أو شرطاً كما يقول غيرهم، فالأجنبي

стр. 75

بمعزل عن المنع؛ لأنَّه لا ولاية له على بنات زيد مثلاً، فما معنى نهيه عن شيء ليس من تكليفه، فهذا تكليف يخصُّ الأولياء، فهو كمنع الغنيّ من السؤال، ومنع النِّساء من التبرج، فالتكاليف الشرعية منها ما يخص الذكور ومنها ما يخصُّ الإناث، ومنها ما يخصّ بعض الفريقين أو فرد منهما، ومنها ما يعمُّ الفريقين. وإن أراد أنَّه يجب على الأجنبيِّ الإنكار على من يزوِّج مسلمة بمشرك فخروج من البحث. وقوله: "ولو قلنا: إنَّه خطاب للأولياء لكان مجملاً لا يصحُّ به عمل. جوابه: أنَّه ليس بمجمل؛ إذ الأولياء معروفون في زمان من أنزلت عليهم الآية وقد كان معروفاً عندهم، ألا ترى إلى قول عائشة "يخطب الرَّجل إلى الرَّجل وليَّته" فإنَّه دالٌّ على أن الأولياء معروفون. وكذلك قول أمِّ سلمة له ﷺ : "ليس أحد من أوليائي حاضراً"١. الدليل الثَّالث: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ٢فالخطاب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ هو لأولياء النِّساء، ودلالته على اشتراط الولاية في النِّكاح من عِدَّة أوجه:

стр. 76

منها: أنَّ هذا خطاب للرِّجال دون النِّساء ١. ومنها: أنَّ الله خاطبهم بصيغة الأمر الدَّالة على الوجوب فدلَّ على أنّهم هم المكلَّفون بتزويجهم٢. ومنها: أنَّ الله أمرهم بإنكاح نسائهم كما أمرهم بإنكاح عبيدهم وإمائهم، مما يدلُّ على أن إنكاح الحرائر إلى الأولياء، وأنَّ إنكاح الأرقاء إلى أسيادهم، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فخاطب الله الرجال بإنكاح الأيامى كما خاطبهم بتزويج الرقيق"٣. هذه خلاصة وجهة الاستدلال بهذه الآية على اشتراط الولاية على المرأة في النِّكاح، وقد قيل في هذه الآية غير ذلك مما يخرجها عن الاستدلال بها لهذه المسألة. فقيل إنَّ الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ هو للأزواج، فلا يكون فيها دليل لاعتبار الوليّ في النكاح ولا نفيه. ورُدَّ هذا بأن الهمزة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ للقطع، ولو كانت للأزواج لكانت الألف للوصل٤.

стр. 77

وقيل أيضاً: إنَّه خطاب لجميع الأمَّة للتعاون على تيسير أسباب الزِّواج لطالبيه، وليس المراد بالإنكاح في الآية إجراء عقد الزواج١. ولكن لا يخفى أنَّ ظاهر الخطاب للأولياء خاصَّة بدءاً من التَّمهيد له وتيسير أسبابه وانتهاءً بإجراء عقدته، وأمَّا غيرهم من الأجانب فأيُّ سبيل لهم إلى تزويج بنات أو إماءٍ أو عبيد زيد مثلاً؟ كما تقدم. والله أعلم. الدَّليل الرَّابع: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢. قال الفخر الرازي: "للشافعيّ أن يتمسَّك بهذه الآية في بيان أنَّه لا يجوز النِّكاح إلا بوليِّ؛ وذلك لأنَّ جمهور المفسرين أجمعوا على أنَّ المراد من قوله ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو إمَّا الزَّوْجُ وإمَّا الوليّ، وبطل حمله على الزوج لما بيَّنا٣ أن الزوج لا قدرة له البتَّة على عقدة النِّكاح، فوجب حمله على الوليّ" اهـ٤.

стр. 78

وقال ابن العربي ﵀: "والذي تحقَّق عندي بعد البحث والسَّبر أنَّ الأظهر هو الوليّ لثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ الله تعالى قال في أول الآية ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنّ﴾ إلى قوله: ﴿وقد فرضتم لهنَّ فريضة فنصف ما فرضتم﴾ فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فذكر النِّسوان١ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فهذا ثالث، فلا يُرَدُّ إلى الزَّوج المتقدِّم إلا لو لم يكن لغيره وجود، وقد وجد وهو الوليّ، فلا يجوز بعد هذا إسقاط التقدير بجعل الثلاثة اثنين من غير ضرورة. الثَّاني: أنَّ الله تعالى قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ولا إشكال في أنَّ الزَّوج بيده عقدة النِّكاح لنفسه، والوليّ بيده عقدة النِّكاح لوليَّته، على القول بأنَّ الذي يباشر العقد الوليّ، فهذه المسألة هي أصول العفو مع أبي حنيفة، وقد بيَّناها – قبل - وشرحناها في مسائل الخلاف. فقد ثبت بهذا أن الوليّ بيده عقدة النِّكاح، فهو المراد؛ لأن الزوجين يتراضيان فلا ينعقد لهما أمر إلا بالوليِّ، بخلاف سائر العقود، فإنَّ المتعاقدين يستقلاَّن بعقدهما. الثَّالث: إنّ ما قلناه أنظم في الكلام، وأقرب إلى المرام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ ، ومعلوم أنَّه ليس كلُّ امرأة تعفو؛ فإنَّ الصغيرة أو المحجورة لا عفو لها، فبيَّن الله تعالى، وقال: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ إن كنَّ

стр. 79

لذلك أهلاً، أو يعفو الذي بيده عقدة النِّكاح، لأنَّ الأمر فيه إليه". انتهى المقصود من كلامه١. وهو كلام طويل محقَّق؛ فإنَّه مع طوله عبارة عن خلاصة٢ وافية لما قاله ابن جرير وغيره مع زيادة البيان والتحرير في عرض وجهة كلا الفريقين، فأجاد وأفاد في عرضها ونقاشها، وفيما اختاره قوَّة لا تخفى. وقد نقل القرافي خلاصة كلام ابن العربي على هذه الآية في كتابه (الفروق) ، وتابعه صاحب التهذيب، وفيهما من الزيادة والبيان ما يغني عن غيرهما٣. وممن اختار هذا القول من المفسرين الفخر الرازي٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: "والقرآن يدلُّ على صحَّة هذا القول، وليس الصداق كسائر مالها؛ فإنَّه وجب في الأصل نحلة، وبضعها عاد إليها من غير نقص"٥.

стр. 80

وإذا صحَّ القول بأنَّ المراد بـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح﴾ هو الوليّ كانت هذه الآية أصرح دليل من القرآن على اشتراط الولاية في النِّكاح؛ لأنَّ من كان بيده الأمر كان الأمر إليه لا إلى غيره. والله أعلم. الدَّليل الخامس: قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن﴾ ١ ففي ما ذكره الله في هذه الآية الكريمة من تزويج صالح مدين ابنته لموسى- ﵇ دليل على أنَّ الأمر في النِّكاح إلى الأولياء من الرِّجال، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت دليل على نسخه في شرعنا، فكيف به إذا جاء في شرعنا ما يؤيِّده؛ بل إنَّ في هذه الآية دليلاً واضحاً على أنَّ الولاية في النِّكاح سنَّة الأنبياء والصَّالحين قبل بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّد ﷺ . وما أحسن قول ابن العربي ﵀ عند تفسيره هذه الآية الكريمة! حيث قال: "قال علماؤنا في هذه الآية دليل على أن النِّكاح إلى الوليّ، لا حظَّ للمرأة فيه؛ لأنَّ صالح مدين تولاَّه، وبه قال فقهاء الأمصار، وقال أبو حنيفة: لا يفتقر النِّكاح إلى وليٍّ، وعجباً له! متى رأى امرأة قط عقدت نكاح نفسها"٢.

стр. 81

ثم ذكر بعد ذلك أدلَّة الولاية في النِّكاح من السنّة١. ب- أدلَّة اشتراط الولاية في النِّكاح من السنَّة. وأمَّا أدلة اشتراط الولاية في النِّكاح من السنَّة النبويَّة، فهي أظهر وأشهر، بل هي العمدة في هذه المسألة عند كثير ممن ذهب إلى اشتراط الولاية في النكاح، ومنها: الحديث الأَّول: ما رواه أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بوليِّ". وهذا الحديث قد رواه الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطيالسي، والدارمي، وابن الجارود، والطحاوي وابن حِبَّان، والدرا قطني، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم٢.

стр. 82

وهذا الحديث مع شواهده أقوى حجَّة لاشتراط الولاية في صحَّة نكاح المرأة؛ إذ هو صريح في نفي النكاح بدون وليّ. والأصل في النفي شرعاً أن يتَّجه إلى الحقيقة الشرعية، فيكون النِّكاح بدون ولي باطلاً لا وجود له شرعاً، كما هو صريح حديث عائشة ﵂ الآتي: قال الشوكاني: "قوله: "لا نكاح إلا بوليّ"، هذا النفي يتوجه إلى الذات الشرعيَّة؛ لأنَّ الذات الموجودة – أعني صورة العقد بدون وليًّ- ليست بشرعية، أو يتوجَّه إلى الصِّحَّة التي هي أقرب المجازين إلى الذَّات، فيكون النِّكاح بغير وليّ باطلاً كما هو مصرَّح به في حديث عائشة ﵂" اهـ١

стр. 83

وهذا الحديث عليه العمل عند أهل العلم، كما قال الترمذي- ﵀: "والعمل في هذا الباب على حديث النبي ﷺ "لا نكاح إلا بوليٍّ " عند أهل العلم من أصحاب ﷺ ، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة وغيرهم. وهكذا روى عن بعض التابعين أنَّهم قالوا: "لا نكاح إلا بوليٍّ"، منهم: سعيد بن المسيَّب، والحسن البصري، وشريح، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثوري، والأوزاعي، وما لك وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق) ١ اهـ. وتقدم قول ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك٢. مناقشة الاستدلال بهذا الحديث. وقد أُورد على هذا الحديث من جهة إسناده ودلالته على اشتراط الولاية جملة اعتراضات:

стр. 84

أمَّا الاعتراض على صحَّة إسناده، فقالوا: إنَّ هذا الحديث مضطرب الإسناد بين الرفع والإرسال، والوصل والانقطاع١. فقد رواه إسرائيل ٢عن أبي إسحاق٣، عن أبي بُرْدة٤، عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ . أي متصلاً مرفوعًا.

стр. 85

ورواه شعبة١، وسفيان الثوري٢، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ أي: مرسلاً؛ لأنَّ أبا بردة لم ير النبي ﷺ . فهذا اضطراب في إسناده بين الرفع والإرسال، ويلزم تقديم رواية شعبة وسفيان الثوري المرسلة، وترجيحها علي رواية إسرائيل المتصلة المرفوعة؛ لأنَّ كلاً من شعبة وسفيان الثوري أحفظ وأتقن للحديث من إسرائيل، بل كلُّ واحد منهما حجَّة على إسرائيل إذا انفرد، فكيف إذا اجتمعا؟! فيكون هذا الحديث إذاً مرسلاً، ويلزم من لم يحتجّ بالمرسل

стр. 86

- ومنهم الذين اشترطوا الولاية في النِّكاح- عدم الاحتجاج به بناء على أصلهم وهو ردّ الاحتجاج بالمرسل١. وأمَّا اضطرابه بين الوصل والانقطاع: فقد رواه أسباط بن محمد٢، وزيد بن حُباب٣، عن يونس بن أبي إسحاق٤، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي ﷺ .

стр. 87

وروى أبو عبيدة الحدَّاد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي إسحاق".اهـ١. قال ابن الهمام: "فقد اضطرب في وصله وانقطاعه (٢") . مشيراً إلى عدم ذكر أبي إسحاق في سند أبي عبيدة الحداد. صحة حديث أبي موسى الأشعري ﵁ "لا نكاح إلا بوليٍّ": والذي أختاره هو ثبوت صحَّة هذا الحديث متَّصلاً مرفوعاً، كما حكم له الأئمة بذلك من أوجه عدَّة مبسوطة في كتب الحديث وعلومه، يتعذَّر استيفاؤها في مثل البحوث الفقهية، ولكن لمَّا كان الاستدلال بالحديث فرعاً عن صحته لزم ذكر ما لا بدَّ من ذكره لبيان صحة هذا الحديث الذي عليه مدار إثبات الولاية في النِّكاح، وإليك بيان تلك الأوجه إجمالاً. أولاً: تصحيح الأئمة لهذا الحديث متَّصلاً مرفوعاً، فقد بسط القول في ذلك جمع من الأئمة، وحكموا له بالصحَّة، كالحاكم في (مستدركه،)

стр. 88

والبيهقي في (سننه الكبرى) ، وابن القيم في (تهذيب السنن) إلا أنني سأقتصر على ذكر خلاصة ما قاله ابن القيم- ﵀ طلباً للاختصار ما أمكن- فقال ﵀: "والترجيح لحديث إسرائيل في وصله من وجوه عديدة: أحدها: تصحيح من تقدَّم١ من الأئمة له وحكمهم لروايته بالصحَّة، كالبخاري وعلي بن المديني، والترمذي، وبعدهم الحاكم، وابن حِبَّان، وابن خزيمة. الثَّاني: ترجيح إسرائيل في حفظه وإتقانه لحديث أبي إسحاق. وهذه شهادة الأئمة له، وإن كان شعبة والثوري أجلّ منه، لكنه لحديث أبي إسحاق أتقن وبه أعرف٢.

стр. 89

الثَّالث: متابعة من وافق إسرائيل على وصله كشريك ١، ويونس بن أبى إسحاق، قال عثمان الدَّارمي٢: سألت يحيى بن معين: شريك أحبُّ إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل؟ فقال: شريك أحبُّ إليَّ وهو أقدم، وإسرائيل صدوق، قلت: يونس بن أبي إسحاق أحبُّ إليك أو إسرائيل؟ فقال: كلٌّ ثقة٣.

стр. 90

الرَّابع: ما ذكره الترمذي، وهو أنَّ سماع الذين وصلوه عن أبي إسحاق كان في أوقات مختلفة، وشعبة والثوري سمعاه في مجلس واحد١. الخامس: أنَّ وصله زيادة ثقة ليس دون من أرسله، والزيادة إذا كان هذا حالها فهي مقبولة، كما أشار إليه٢ البخاري - رحمه الله٣ -. والله أعلم. انتهى خلاصة كلام ابن القيم ﵀ في ترجيح رواية إسرائيل المتَّصلة المرفوعة على رواية شعبة وسفيان الثوري المرسلة. وقد رواه بعض٤ أصحاب شعبة وسفيان عنهما مرفوعاً، ولكن العمدة في رفع هذا الحديث على رواية إسرائيل ومن تابعه. ثانياً: يلاحظ أنَّ الطَّعن في هذا الحديث بالإرسال مبنيٌّ على ردّ الاحتجاج بالمرسل، والخلاف فيه مشهور؛ في قبوله مطلقاً، أو ردِّه

стр. 91

مطلقاً، أو قبوله بشروط، وهو الصحيح١. وهذا الحديث لو لم يثبت رفعه لكان أسعد المراسيل بالقبول عند من يقبله مطلقاً أو بشروط، فالحجَّة به قائمة على من يحتج بالمرسل، وهم الحنفية الذين طعنوا في هذا الحديث بالإرسال، وما ذلك إلا إلزامًا لمن لا يحتجُّ به بما هو مقرَّر في مذهبه كما صرَّح بذلك الطحاوي وابن الهمام من الحنفية٢، وذلك هو الشأن- غالباً- في مواطن الخلاف كما قاله ابن عبد البر ﵀ في كتابه (التمهيد) بعد أن قرَّر أنَّ مذهب المالكية والحنفية صحَّة الاحتجاج بالمرسل٣ - قال: ثم إنِّي تأمَّلت كتب المتناظرين والمختلفين من المتفقهين وأصحاب الأثر من أصحابنا وغيرهم، فلم أر أحداً منهم يقنع من خصمه إذا احتجَّ عليه بمرسل، ولا يقبل منه في ذلك خبراً مقطوعاً، وكلُّهم عند تحصيل المناظرة يطالب خصمه بالاتصال

стр. 92

في الأخبار والله المستعان، وإنَّما ذلك لأنّ التنازع إنَّما يكون بين من يقبل المرسل وبين من لا يقبله، فإن احتجّ به من يقبله على من لا يقبله قال له: هات حجّة غيره، فإنَّ الكلام بيني وبينك في أصل هذا ونحن لا نقبله، وإن احتجَّ به من لا يقبله على من يقبله كان من حجته عليه كيف تحتجّ عليّ بما ليس فيه حجَّة عندك ونحو هذا ٠٠) ١. ثالثاً: وأمَّا الانقطاع الذي أشار إليه ابن الهمام في رواية أبي عبيدة٢ الحدَّاد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى - رضي

стр. 93

الله عنه - عن النبي ﷺ أي بدون ذكر أبي إسحاق بين يونس وأبي بُرْدة فالجواب عنه: ١- أنَّ أبا عبيدة الحدَّاد رواه عن شيخيه: إسرائيل ويونس، فرواه عن إسرائيل متصلاً. ورواه أيضاً: عن يونس، عن أبي بُرْدة- أي بدون -- ذكر أبي إسحاق- وهو أيضاً متصل؛ لأنَّ يونس لقي أبا بردة كما قاله أبو داود١. فلا يضرُّه سقوط أبي إسحاق، بل إنَّ كلاًّ من يونس وأبيه - أي أبي إسحاق- قد روياه عن أبي بردة. ٢- أنَّ غير أبي عبيدة الحدَّاد قد رواه متَّصلاً بدون إسقاط أبي إسحاق كما قال الترمذي: رواه أسباط بن محمد، وزيد بن حباب، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم٢. ٣- أنَّ الحديث ثابت ومتَّصل من طريق إسرائيل بدون خلاف، وهو حجّة في حديث جدِّه أبي إسحاق- كما تقدم. وكما قال الحاكم ﵀: فأمَّا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الثقة الحجَّة في حديث جدِّه أبي إسحاق فلم يختلف عنه في وصل هذا الحديث٣.

стр. 94

وقال أيضاً: ثم لم يختلف على يونس في وصل هذا الحديث؛ ففيه الدَّليل الواضح أنَّ الخلاف الذي وقع على أبيه فيه من جهة أصحابه لا من جهة أبي إسحاق، والله أعلم. انتهى١. رابعاً: أن لهذا الحديث شواهد أخر كما قاله الترمذي٢، والحاكم ٣ وغيرهما، بل إنَّه قد عُدَّ من الأحاديث المتواترة- أي الذي تواتر معناها- فقد نظمه الكتانيّ في كتابه (نظم المتناثر من الأحاديث المتواتر) فقال: "حديث لا نكاح إلا بولي" أورده في الأزهار٤ من حديث أبي موسى، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وعائشة، وعمران بن حصين سبعة أنفس. قلت- (أي الكتاني) - ذكره ابن حجر في أماليه٥ من حديث أبي موسى، ثم قال: قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وعمران بن حصين، وأنس، وكذا قال الحاكم وزاد: عن علي، ومعاذ، وابن مسعود، والمقداد، والمسور٦، وجابر، وابن عمر، وابن عمرو، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأطنب الحاكم في تخريجه، ووقفت من المذكورين في كلامه على حديث علي، وابن مسعود،

стр. 95

وجابر، وابن عمر، وأمَّا بقيَّة من ذكرهم فلم أقف عليه اهـ. ملخصاً من الأمالي المذكورة. وفي تخريج أحاديث الرافعي١ قال الحاكم: وقد صحَّت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، قال: وفي الباب عن علي، وابن عباس، ثم سرد تمام ثلاثين٢

стр. 96

صحابياً، وقد جمع طرقه الدمياطي١ من المتأخرين اهـ. وفي الجمع٢ ممن خرَّجه سمرة بن جندب، وممن صرَّح بأنَّه متواتر الشيخ عبد الرؤوف٣ المناوي اهـ. نصاً من نظم المتناثر في الحديث المتواتر٤. ومن هذا نعلم أنَّ هذا الحديث قد تعدَّدت طرقه واشتهر ذكره وجرى عليه العمل، فالطعن فيه ببعض العلل الواردة على حديث أبي موسى - رغم أنَّ لكلٍّ منها جواباً- لا يمكن أن تقدح في ثبوت هذا الحديث وصحته، ولولا الإطالة لذكرت بقية شواهده المرفوعة عن بقيَّة – الصحابة بلفظ "لا نكاح إلا بولي"، ولكن فيما ذكرت كفاية، ومن أراد المزيد ففي الإشارة إلى المراجع في ثنايا بحث هذا الحديث غنى وزيادة. والله الموفِّق.

стр. 97

مناقشة حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" من جهة دلالته على اشتراط الولاية في النِّكاح. قد سبق أنَّ حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" قد ثبتت صحته، وأنَّ الحجَّة به قائمة عند من لا يحتجُّ بالمرسل؛ لثبوته مرفوعاً متصلاً، وعلى من يحتجّ بالمرسل من باب أولى- كالحنفيَّة الذين أعلُّوه بالإرسال إلزاماً لمن لا يحتجُّ بالمرسل- فما سبب عدم التسليم بدلالته على اشتراط الولاية في النكاح؟. لقد أجاب عن ذلك من لا يشترط الولاية في النكاح بعدَّة أجوبة، أهمها أمران: الأمر الأوَّل: أنَّ المنفيَّ في حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" هو الكمال والاستحباب؛ إذ لا خلاف عندهم أنَّه يندب للمرأة أن لا تباشر عقدة النكاح بنفسها، لئلاَّ تنسب إلى الوقاحة، ولكن ذلك لا يمنع صحَّته منها إذا وقع. وأمَّا الأمر الثَّاني: فهو أنَّ لفظ "الوليّ" مجمل؛ يحتمل ما قاله من اشترط الولاية في النكاح، ويحتمل غيره، ومع هذا الاحتمال فلا يجوز حمله على بعضها دون بعض إلا بدليل. فأمَّا سبب حمله على نفي الكمال والاستحباب فذلك لمعارضته

стр. 98

لأحاديث أخرى، مثل حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها"١ وحديث أمِّ سلمة ﵂ في زواجها برسول الله ﷺ حيث قالت: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ بعد وفاة أبي سلمة فخطبني إلى نفسي، فقلت يا رسول الله: إنَّه ليس أحد من أوليائي شاهداً، فقال: "إنَّه ليس منهم شاهد ولا غائب يكره ذلك". قالت: قم يا عمر فزوِّج النبي صلى الله عليه وسلّم٢. وذلك إمَّا لترجيح هذين الحديثين ونحوهما لصحَّتهما - عندهم- خاصَّة حديث ابن عباس ﵄ إذ لا خلاف في صحَّته. وإمَّا جمعًا بين هذه الأحاديث، وحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" وما في معناه٣. وقد أجيب عن ذلك بأنَّ حمل النفي على الكمال والاستحباب خلاف الأصل في النصوص الشرعيَّه؛ إذ الأصل فيها نفي الحقيقة الشَّرعية؛

стр. 99

فيكون النكاح بغير وليِّ غير صحيح شرعاً١. ويؤيِّد هذا قوله ﷺ في حديث عائشة الآتي: "أيُّما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل، باطل، باطل"، ففي هذا تأكيد لبطلانه ثلاث مرات، والمجاز لا يؤكَّد٢. وقال الخطابي: قوله: "لا نكاح إلا بوليٍّ" فيه نفي ثبوت النكاح على معمومه ومخصوصه إلا بوليٍّ، وقد تأوَّله بعضهم على نفي الفضيلة والكمال، وهذا تأويل فاسد، لأنَّ العموم يأتي على أصله جوازاً أو كمالاً، والنفي في المعاملات يوجب الفساد؛ لأنَّه ليس لها إلا جهة واحدة، وليس كالعبادات والقُرَب التي لها جهتان من جواز ناقص وكامل، وكذلك تأويل من زعم أنَّها وليَّة نفسها، وتأوَّل معنى الحديث على أنَّها إذا عقدت على نفسها فقد حصل نكاحها بوليٍّ، وذلك أنَّ الوليّ هو الذي يلي على غيره، ولو جاز هذا في الولاية لجاز مثله في الشهادة، فتكون هي الشاهدة على نفسها! فلما كان في الشَّاهد فاسداً كان في الوليّ مثله"اهـ٣. وأمَّا ترجيح حديث ابن عباس لصحَّته على حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" فجوابه أنَّه قد ثبتت صحَّة حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" كما تقدَّم

стр. 100

فلم يبق إلا طريق الجمع بين حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" وما في معناه، وحديث "الأيمُّ أحقُّ بنفسها" وما في معناه، وهذا ما لا بدَّ منه، ولكن لكلٍّ وجهته في الجمع بينهما، وسيأتي بيان ذلك والمختار منها في مناقشة أدلة الحنفية -إن شاء الله تعالى-١. وأمَّا القول بأنَّ لفظ "الوليّ" مجمل: فهذا هو ما اعتمده الطَّحاوي في شرح معاني الآثار، حيث قال: "إنَّه لو ثبت٢ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا نكاح إلا بوليٍّ" لم يكن فيه حجَّة لما قال الذين احتجُّوا به لقولهم في هذا الباب؛ لأنَّه يحتمل عدَّة معان: فيحتمل ما قال هذا المخالف لنا: إن ذلك هو أقرب العصبة إلى المرأة. ويحتمل أن يكون ذلك الوليُّ: من توليه المرأة من الرجال قريباً كان أو بعيداً. وهذا المذهب يصح به قول من يقول: لا يجوز للمرأة أن تتولَّى عقد نكاحها، - وإن أمرها وليُّها بذلك - ولا عقد نكاح غيرها، ولا يجوز أن يتولَّى ذلك إلا الرِّجال..

стр. 101

ويحتمل أيضاً: أن يكون "الوليُّ": هو الذي إليه ولاية البضع من والد الصغيرة، أو مولى الأمة، أو بالغة حرَّة لنفسها. فلما احتمل ما روينا عن رسول الله ﷺ من قوله "لا نكاح إلا بوليٍّ" هذه التأويلات، انتفى أنَّ يصرف إلى بعضها دون بعض إلا بدلالة تدلّ على ذلك إمَّا من كتاب وإمَّا من سنَّة، وإمَّا إجماع". انتهى مختصراً١. وأجيب عن ذلك من وجوه: أوَّلها: أنَّ قوله ﷺ في حديث عائشة الآتي: "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل- ثلاثاً" دليل على أنَّه لا ولاية للمرأة في النكاح كبيرة أو صغيرة، لأنّ لفظ "أيُّما" من صيغ العموم فتفيد سلب الولاية عن النِّساء من غير تخصيص٢. ثانيها: أنَّ حديث معقل بن يسار- في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ كان في شأن امرأة ثيِّب وهي أخته التي عضلها عن نكاح زوجها الأول، فلو كان أمرها إلى نفسها لأبان الله لرسوله بأنَّه لا سبيل لأخيها عليها، وأنَّها مالكة أمر نفسها كما يملك أخوها أمر نفسه،

стр. 102

ولما احتاج أخوها إلى التكفير عن يمينه، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة١. ثالثها: أنَّ الولي معروف بين الصحابة، وليس منه النساء، كما قالت عائشة ﵂: "يخطب الرجل إلى الرجل وليتَّه"٢. وقول أمِّ سلمة "ليس أحد من أوليائي حاضراً"٣. رابعها: أنَّ من يعقد نكاح نفسه لا يسمَّى ولياًّ، كما قال الخطابي: ولو جاز هذا في الولاية لجاز مثله في الشهادة على نفسها! فلمَّا كان في الشَّاهد فاسداً كان في الوليّ مثله"٤. ثمّ إنَّ القول بأنَّ الوليَّ" مجمل يبطل اشتراط الترتيب بين الأولياء، وممَّن اشترطه الحنفية في الولاية على الصغيرة والمجنونة، إذ إن الترتيب بين الأولياء فرع عن معرفتهم، وما يقال في أولياء الصغيرة والمجنونة يقال في أولياء البالغة العاقلة، إمَّا على وجه الاستحباب عند الحنفية، وإمَّا علي الوجوب كما عند غيرهم. والله أعلم.

стр. 103

الدَّليل الثَّاني: حديث عائشة ﵂،- أنَّ النبي ﷺ قال: "أيُّما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحلَّ من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له". وهذا الحديث: قد رواه الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وا لدَّارمي، والطيالسي، وابن الجارود، والطحاوي، وابن حِبَّان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي. وغيرهم١.

стр. 104

فهذا الحديث نصٌّ في بطلان إنكاح المرأة نفسها بغير إذن وليِّها، وهو شاهد قويٌّ لحديث أبي موسى المتقدم بلفظ "لا نكاح إلا بوليٍّ" وقد جاء مصرِّحاً بهذا اللفظ أيضاً في بعض طرق هذا الحديث عند الطيالسي. وهذا الحديث عامّ في كلِّ امرأة، فقد أكَّد النَّبي ﷺ عمومه بلفظ "أيّما" التي هي من صيغ العموم، فشمل كلَّ امرأة صغيرة أم كبيره، بكرًا أم ثيِّبًا، في سلب ولاية النكاح عنها من غير تخصيص لبعضهنَّ دون بعض. وكذلك أكَّد النَّبي ﷺ حقيقة دلالته على بطلان النِّكاح بدون وليٍّ بلفظ "باطل" ثلاث مرات، مبالغة في تأكيد بطلان إنكاح المرأة نفسها بدون وليِّها، وأنَّ ولاية نكاحها حقٌّ من حقوق وليِّها١. مناقشة الاستدلال بهذا الحديث. وقد أُورد على سند هذا الحديث ودلالته على اشتراط الولاية في النكاح جملة اعتراضات، يمكن حصرها بالتتبّع فيما يلي:

стр. 105

أوَّلاً: أنَّ الزهري- راويه- قد سئل عنه فقال: لست أعرفه، أو لست أحفظه، وفي لفظ: فأنكره، فدلّ ذلك على ضعف هذا الحديث. ثانياً: أنَّ إمام المحدثين البخاري ﵀ قد تكلّم في عدالة "سليمان ابن موسى" راوي هذا الحديث عن الزهري. ثالثاً: أنَّ عائشة ﵂ وهي التي روته قد عملت بخلافه وكذلك الزهري، فدلَّ ذلك على ضعف هذا الحديث أو نسخه. رابعاً: أنَّ هذا الحديث يدلّ بمفهومه على صحَّة عقد المرأة إنكاح نفسها إذا أذن لها وليُّها، ومن اشترط الولاية في النكاح لم يعتبر هذا المفهوم. خامساً: أنَّه قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن مواليها" أي بدل كلمة "وليِّها"، فدلَّ ذلك على أنَّ المقصود به اشتراط الولاية في نكاح "المولاة" وهي الأمة، وهذا مما لا خلاف فيه١. هذه جملة ما اعترض به على صحة هذا الحديث، وإليك بيانها بالتفصيل:

стр. 106

أمَّا الاعتراض الأوَّل: وهو إنكار الزهري لروايته، فقد ذكر ذلك ابن عُليّة١ عن ابن جُريج٢ راوي هذا الحديث، عن سليمان بن موسى٣، عن الزهري٤.

стр. 107

ومن ذلك ما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عُليَّة، عن ابن جُريج، أنَّه سأل ابن شهاب- أي الزهري- فلم يعرفه١. وكذلك روى هذه الحكاية الحاكم في المستدرك، عن ابن عُليَّةقال: فلقيت الزهري فسألته عنه، فلم يعرفه، وأثنى على سليمان بن موسى. وفي رواية عن ابن جريج قال: فسألت الزهري عنه فقال: لست أحفظه٢. وقال الترمذي: وقد تكلَّم بعض أهل الحديث في حديث الزهري عن عروة٣، عن عائشة، عن النبي ﷺ . قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره. فضعَّفوا هذا الحديث من أجل هذا٤. وقد أجيب عن إنكار الزهري لهذا الحديث بعدَّة أجوبة، منها:

стр. 108

أوَّلاً: ضعف حكاية ابن عليّة، عن ابن جريج؟ فإنَّ هذا الحديث قد رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ . وقد عدّ أبو القاسم ابن مندة عِدَّة من رواه عن ابن جريج فبلغوا عشرين رجلاً١. وهذه الحكاية لم يروها عن ابن جريج إلا ابن عُليَّة، كما قاله أحمد وابن معين وغيرهما. فأمَّا الإمام أحمد فقد سئل عن حكاية ابن عُليَّةهذه فقال: إن ابن جريج له كتب مدوَّنة وليس هذا في كتبه، يعني حكاية ابن عُليَّةعن ابن جريج٢. وقال ابن معين: ليس يقول هذا إلا ابن عُليَّة، وإنَّما عرض ابن عُليَّةكتب ابن جريج على عبد المجيد بن عبد العزيز٣ ابن أبي روّاد فأصلحها له، [فقال العباس بن محمد الدوري] ٤ ما كنت أظنُّ أنَّ عبد

стр. 109

المجيد هكذا، فقال: كان أعلم الناس بحديث ابن جريج، ولكنَّه لم يبذل نفسه للحديث١. وقد أعلَّ هذه الحكاية عن ابن جريج كلٌّ من ابن حِبَّان، وابن عديّ، وغيرهما، كما ذكره الحافظ ابن حجر وغيره٢. ثانياً: أنَّه على فرض ثبوت ما رواه ابن جريج من نسيان الزهري له فلا يُردّ هذا الحديث بنسيان الزهري له لأمرين: أولهما: أنَّه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى قد وهم فيه، فقد ينسى الثقة ما رواه ولا يردُّ به الحديث على ما رجَّحه المحدثون في رواية من حدَّث ونسي، وقد وقع ذلك لغير واحد من الحفَّاظ، كما قاله الحاكم٣ وغيره، وسليمان بن موسى ثقة لا سيَّما وقد أثنى عليه الزهري نفسه، كما في هذه الحكاية. قال الحافظ في التلخيص الحبير: "وأجابوا عنها على تقدير الصحة بأنَّه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه، وقد تكلَّم على هذا الحديث الدارقطني في جزء من حدَّث ونسي،

стр. 110

والخطيب بعده، وأطال الكلام عليه البيهقي في السنن والخلافيات، وابن الجوزي في التحقيق". انتهى المقصود منه١. وثانيهما: أنَّ هذا الحديث لم ينفرد بروايته ابن جريج عن سليمان ابن موسى، ولا سليمان بن موسى عن الزهري، ولا الزهري عن عروة ابن الزبير عن عائشة، بل لكلٍّ منهم متابع، كما حكاه الحافظ في التلخيص الحبير عن أبي القاسم ابن مندة حيث قال: "وذكر- أي ابن مندة- أنَّ معمراً، وعبيد الله بن زحر تابعا ابن جريج على روايته إيَّاه عن سليمان بن موسى، وأن قُرَّة٢، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وأيوب بن موسى، وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزهري. قال: ورواه: أبو مالك الجنبي، ونوح بن درَّاج، ومندل، وجعفر بن برقان، وجماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة٣. وقال الحاكم: بعد أن أورد من صرَّح بسماع ابن جريج من سليمان بن موسى، وسماع سليمان بن موسى من الزهري- قال: فقد صحَّ وثبت برواية الأئمة الأثبات سماع الرواة بعضهم من بعض، فلا تعلَّل
следующие страницы →