ليس منهم شاهدٌ ولا غائبٌ يكره ذلك، قالت: قم يا عمر فزوِّج النبيَّ ﷺ فتزوَّجها".
رواه الطحا وي بهذا اللفظ، ورواه أيضًا أحمد، والنسائي، وابن الجارود، والحاكم، والبيهقي، وابن سعد في الطبقات١.
قال الطحاوي: فكان في هذا الحديث أنّ رسول الله ﷺ خطبها إلى نفسها، ففي ذلك دليل أنّ الأمر في التزويج إليها دون
стр. 177
أوليائها؛ فإنَّما قالت له: إنَّه ليس أحد من أوليائي شاهدًا، قال: إنَّه ليس منهم شاهدٌ ولا غائب يكره ذلك"، فقالت: قم يا عمر فزوِّج النبيَّ ﷺ ، وعمر هذا ابنها، وهو يومئذ طفل صغير غير بالغ؛ لأنَّها قالت للنبيِّ ﷺ في هذا الحديث: "إنّي امرأة ذات أيتام" تعني عمر ابنها، وزينب ابنتها، والطفل لا ولاية له، فولّته هي أن يعقد النكاح عليها ففعل. فرآه النَّبيُّ ﷺ جائزًا، وكان عمر بتلك الوكالة قام مقام من وكلَّه، فصارت - أمُّ سلمة ﵂، - كأنَّها عقدت النكاح على نفسها للنّبيِّ ﷺ ، ولمَّالم ينتظر النبيّ ﷺ حضور أوليائها دلّ ذلك [على] ، أنَّ بضعها إليها دونهم، ولو كان لهم في ذلك حقٌّ، أو أمرٌ، لما أقدم النَّبيُّ ﷺ على حقٍّ هولهم قبل إباحتهم ذلك له.."١.
مناقشة الاستدلال بهذا الحديث.
وهذا الحديث قد اشتهر الاستدلال به على إثبات ولاية الابن على أمِّه، واعترض عليه: بصغر عمر بن أبي سلمة ﵁ حين تزوَّج رسول الله ﷺ أمَّه أمّ سلمة ﵂، - كما قاله الطحاوي وغيره. والمستدل بهذا الحديث يلزمه أمران:
أولهما: إثبات صحَّة هذا الحديث بهذا اللفظ- أعني الذي فيه محلُّ الشَّاهد للولاية في النِّكاح- وإلاّ فقد جاء من طريق آخر
стр. 178
صحيح عند مسلم١ وغيره بدون ذكر محلِّ الشاهد للولاية في النِّكاح.
ثانيهما: تعيين المنكِح الحقيقيِّ لأمِّ سلمة ﵂ في زواجها برسول الله ﷺ .
وإليك بيان ذلك ما أمكن والله المستعان:
أمَّا الأمر الأول: وهو ثبوت صحة هذا الحديث، فقد ضُعِّف بجهالة (ابن عمر بن أبي سلمة) لتفرُّد ثابت البُنَاني بالرِّواية عنه مع الاختلاف في اسمه، فقد قيل: هو سعيد بن عمر بن أبى سلمة. قاله الحاكم وأقرَّه الذهبي٢.
وقيل: اسمه محمد بن عمر بن أبي سلمة، كما في (التهذيب) وتقريبه٣.
وعلى كلا الاحتمالين فهو مجهول.
قال الذهبي: ابن عمر بن أبي سلمة القرشي المخزومي، عن أبيه أنَّ أمَّ سلمة قالت: يا عمر، قم فزوِّج رسول الله!. فهذا لا
стр. 179
يعرف، قاله عبد الحق الأزدي، ومدار الحديث على ثابت البُنَاني١ عن ابن عمر، وفيه مقال لجهالته" اهـ٢.
وقال ابن حزم- في هذا الحديث-: "وهذا خبر إنَّما رويناه من طريق ابن عمر بن أبي سلمة وهو مجهول"٣.
وكذلك فعل الألباني في إرواء الغليل فقال:- بعد ذكر الاختلاف في اسمه-: "وسواء كان اسمه هذا أو ذاك فهو مجهول؛ لتفرُّد ثابت بالرِّواية عنه، فالإسناد لذلك ضعيف"٤
وقد جاءت هذه الرِّواية من طريق حَّماد بن سلمة٥،
стр. 180
وسليمان بن المغيرة١ قالا: حدثنا ثابت، عن عمر بن أبي سلمة، أي بإسقاط (ابن عمر ابن أبي سلمة) في شرح (معاني الآثار) للطحاوي٢.
وقد عقَّب عليه الألباني بقوله: "فأسقط من المسند ابن عمر بن أبي سلمة، فلا أدري أهكذا وقعت الرواية له أم السقط من بعض النسّاخ"٣.
وكذلك رواه الحاكم في موضعين من المستدرك:
أحدهما: في كتاب النكاح، بإسناده عن حماد بن سلمة، عن ثابت البُنَاني قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أمِّ سلمة، أي بدون ذكر (ابن عمر) ٤.
والآخر: في كتاب معرفة الصحابة بهذا الإسناد بإثبات (ابن عمر) ٥، ولم يتعقَّبه الذهبي بشيء في كلا الموضعين ممّا يدلّ على
стр. 181
إقراره له أو سقط في النسخة من الإسناد، فلو صحَّ السقط لكان الإسناد متصلاً أيضًا؛ لأنَّ ثابت البناني قد روى عن عمر بن أبي سلمة كما في تهذيب التهذيب١.
إلاّ أنّ الألباني عقَّب على رواية الطحاوي السابقة بما يدلّ على أنَّه قد اختلفت الرواية فيه عن ثابت، وذكر أن ابن أبي حاتم قد سأل عنه أباه وأبا زرعة فصحّحا إثبات (ابن عمر بن أبي سلمة) ٢ في إسناد هذا الحديث، وعلى هذا فالحديث ضعيف. والله أعلم.
وأمّا الأمر الثَّاني: وهو من هو وليُّ أمِّ سلمة في نكاحها هذا؟
فخلاصة ما وقفت عليه في ذلك أربعة أقوال:
القول الأول: أنَّه ابنها عمر بن أبي سلمة ﵁، وهو ظاهر هذا الحديث.
القول الثَّاني: أنَّه ابنها الآخر: سلمة بن أبي سلمة ﵁، وكان أسنّ من أخيه عمر.
القول الثالث: أنّه عمربن الخطاب - رضي الله عن- لأنَّه أقرب عصبة لها، حاضر مكلَّف.
стр. 182
القول الرَّابع: أنَّه رسول الله ﷺ بولاية السلطنة، أو خصوصية له. وإليك بيان ذلك بالتفصيل ما أمكن، وما أورد على كلٍّ منها والله الموفِّق.
فأمّا القول الأوَّل: وهو أنَّ الذي زوَّجها هو ابنها عمر بن أبي سلمة، فدليله قول أمّ سلمة في هذا الحديث "قم يا عمر"، وفي بعضها فقالت لابنها: قم يا عمر فزوِّج رسول الله ﷺ . كما في رواية النسائي، وا لحاكم، وا لبيهقي١.
وعلى هذا قيل: كيف يتولَّى نكاحها وهو صبيٌّ صغيرٌ؟
قال ابن حزم: عمر بن أبي سلمة كان يومئذ صغيرًا لم يبلغ، هذا لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم بالأخبار"٢.
وقد حاولت تتبّع ما قيل في تحديد مولده، فوجدت في ذلك اختلافًا واضطرابًا شديدًا.
فقد أنكر الإمام أحمد، وكذلك البيهقي، أن يكون (عمر بن أبي سلمة) صغيرًا حين تزوّج رسول الله ﷺ أمَّه.
قال ابن القيم- في (جلاء الأفهام) في ترجمة أمِّ سلمة ﵂ قال: "وقد زوَّجها٣ ابنها عمر من رسول الله ﷺ وردّت
стр. 183
طائفة ذلك: بأنَّ ابنها لم يكن له من السِّنِّ حينئذ ما يعقل به التزويج. وردّ الإمام أحمد ذلك وأنكره على من قاله. ويدلّ على صحة قوله ما روى مسلم في صحيحه" أنّ عمربن أبي سلمة- ابنها- سأل النَّبيَّ ﷺ عن القبلة للصائم، فقال: سل هذه؟ يعني أمَّ سلمة. فأخبرته أنّ رسول الله ﷺ يفعله، فقال: لسنا كرسول الله ﷺ ، يحلّ الله لرسوله ما شاء، فقال رسول الله ﷺ : "إنّي أتقاكم لله وأعلمكم به" ١، أو كما قال. ومثل هذا لا يقال لصغيرٌ جداً، وعمر ولد بأرض الحبشة قبل الهجرة.
وقال البيهقي: وقول من زعم أنّه كان صغيرًا دعوى، ولم يثبت صغره بإسناد صحيح ... "٢.
فحديث مسلم هذا- أي المتقدم في كلام ابن القيم- دليل صحيح على أنّ "عمر بن أبي سلمة" كان كبيرًا حين سأل سؤاله هذا، ولكن متى سأل رسولَ الله ﷺ عن هذا؟.
стр. 184
فإنَّ هناك حديثًا صحيحًا متَّفقًا عليه يدلّ على أنّه" أي عمر بن أبي سلمة" كان غلامًا يأكل مع رسول الله ﷺ ، وهو قوله: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : "يا غلام، سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" فما زالت تلك طعمتي بعد"١.
وهذا أظهر في الدلالة على أنَّ "عمر بن أبي سلمة" كان صغيرًا حين تزوج رسول الله ﷺ أمَّ سلمة ﵂، - وقد تتبعت ما قيل في تحديد سنة ولادته فحاصل ما وقفت عليه ثلاثة أقوال كلها تتفق على أنّه كان حينذاك لم يبلغ الحلم بعد، وهي:
أوَّلاً: قول ابن عبد البر: "أنَّه ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة"٢.
ثانيًا: أنَّه كان يوم قبض النَّبيُّ ﷺ ابن تسع سنين٣. وهذا يوافق الأول أو يقاربه.
стр. 185
ثالثًا: أنَّه ولد قبل الهجرة بسنتين. واختار هذا القول كلٌّ من الذهبي وابن حجر ورجّحاه على ما قاله ابن عبد البر.
فقال الذهبي في ترجمة "عمر بن أبي سلمة" "عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو حفص، القرشي المخزومي المدني الحبشي المولد، ولد قبل الهجرة بسنتين أو أكثر، فإنّ أباه توفي في سنة ثلاث من الهجرة وخلَّف أربعة أولاد، هذا أكبرهم وهمٌ: عمر، وسلمة، وزينب، ودرَّة. ثم كان عمر هو الذي زوّج أمَّه بالنبي ﷺ وهو صبيّ١.
ثم إنّه في حياة النبيّ ﷺ تزوّج وقد احتلم وكبر فسأل عن القبلة للصائم.
стр. 186
فبطل ما نقله أبو عمر١ في "الاستيعاب" من أنَّ مولده بأرض الحبشة سنة اثنتين.
ثم إنَّه كان في سنة اثنتين أبواه- بل وسنة إحدى- بالمدينة وشهد أبوه بدراً، فأنّى يكون مولده في الحبشة في سنة اثنتين؟ بل ولد قبل ذلك بكثير.."٢.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرحه حديث "كنت غلامًا.." قال: "قوله: كنت غلامًا.." أي: دون البلوغ، يقال للصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم غلام، وقد ذكر ابن عبد البر أنَّه ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة بأرض الحبشة، وتبعه غير واحد، وفيه نظر. بل الصواب أنّه ولد قبل ذلك، فقد صحّ في حديث عبد الله بن الزبير أنَّه قال: كنت أنا وعمر بن أبي سلمة مع النِّسوة يوم الخندق، وكان أكبر منِّي بسنتين. انتهى، ومولد ابن الزبير٣ في السنة الأولى على الصحيح، فيكون مولد "عمر" قبل
стр. 187
الهجرة بسنتين" اهـ١. فعلى القول الأول والثاني: يكون "عمر ابن أبي سلمة" حين تزوَّج رسول الله ﷺ أمَّه- طفلاً صغيراً له سنتان أو ثلاث.
وأمَّا على القول الثالث: فإنَّه يكون صبياً مميِّزًا له ست أو سبع سنوات.
لأنّ النَّبيَّ ﷺ قد تزوَّج "أمَّ سلمة" في شوال في السنة الرابعة من الهجرة٢ على الصحيح.
وهذا القول- أعني أنَّ عمر بن أبي سلمة قد ولد قبل الهجرة بسنتين- هو أقرب الأقوال الثلاثة إلى الصواب. وهذا بناء على أن المراد بالهجرة في قول ابن عبد البر أنَّها الهجرة إلى المدينة، كما هو ظاهر الإطلاق، وكما فهمه من حكى قوله كالذهبي وابن حجر، كما تقدم نص تعقيبهما عليه. إلا أنَّني وجدت ابن الهمام قد حكى
стр. 188
عن ابن عبد الهادي١ في (التنقيح) أنه استبعد قول من قال: إنَّ لعمر بن أبي سلمة ثلاث سنين حين تزوَّج رسول الله ﷺ أمَّه قائلاً: إنّ ابن عبد البر قال: إنه ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى الحبشة٢".
ونقل هذه العبارة عن ابن عبد البر الزيلعي في (نصب الراية) عن التنقيح لابن عبد الهادي أيضاً. فلا أدري أهذا فهم لعبارة ابن عبد البر السابقة؟ أم خطأ في النقل؟ أم أنَّ هذا هو حقيقة ما قاله ابن عبد البر، فيكون قد سقط من بعض نسخ "الاستيعاب" بعض ما يتمم المعنى - أعني قوله: "من الهجرة إلى الحبشة"- ولو صح هذا القول لكان رافعاً للملام عن ابن عبد البر، ومناسباً لقول الذهبي: "إن عمر تزوَّج في حياة النّبيّ ﷺ وقد احتلم وكبر"٣.
وفي هذا القول أيضاً جمع بين الحديثين الصحيحين- أعني قول عمر بن أبي سلمة: "كنت غلاماً في حجر النبي ﷺ " وسؤاله عن حكم القبلة للصائم؛ لأنَّ الهجرة إلى الحبشة كانت في السنة الخامسة من البعثة
стр. 189
النبوية١، فيكون مولده في السنة السابعة من البعثة أي قبل الهجرة إلى المدينة بست أو سبع سنين. وبهذا يكون عمره حين تزوَّج رسول الله ﷺ أمَّه نحو أحد عشر عاماً، فهو ما زال غلاماًَ كما في حديثه المتفق عليه. ويصح لمثله أن يتزوَّج في حياة النّبيّ ﷺ ، كما يدلّ عليه حديثه الآخر في سوآله عن حكم القبلة للصائم؛ إذ يكون عمره حين توفى رسول الله ﷺ ستة أو سبعة عشر عامًا. والله أعلم.
وعلى كلٍّ فإن كان هو الذي تولَّى تزويج أمِّه لرسول الله ﷺ ، فيجب أن يعتقد أنّه إن لم يبلغ الحلم فلا أقلّ من بلوغ سن التمييز، وإلا فلا معنى للقول بولايته كما يقوله الجمهور، ولا لوكالته كما يقوله الطحاوي. والله أعلم.
وأمّا القول الثَّاني: (فهو) أنَّ الذي تولَّى نكاح أمِّ سلمة ﵂ فعقد للنَّبيّ ﷺ عليها هو ابنها "سلمة بن أبي سلمة"، وكان أسنَّ من أخيه عمر.
وقد اختار هذا القول جمعٌ من المحقِّقين، ومنهم القرطبي، وابن كثير، فقد قال القرطبي- ﵀ بعد أن ذكر حديث أمِّ سلمة هذا- قال: وكثيراً ما يستدلُّ بهذا علماؤنا، وليس بشيء، والدليل على ذلك ما ثبت
стр. 190
في الصحاح أنَّ عمر بن أبي سلمة قال: "كنت غلامًا في حجر النبي ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال: "يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"، وقال أبو عمر في كتاب الاستيعاب: "عمر بن أبي سلمة يكنى أبا حفص، ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة". وقيل: كان يوم قبض رسول الله ﷺ ابن تسع سنين". قلت - أي القرطبي-: ومن كان سنه هذا لا يصلح أن يكون ولياًّ، ولكن ذكر أبو عمر: أن لأبي سلمة من أمِّ سلمة ابنًا آخر اسمه "سلمة" وهو الذي عقد لرسول الله ﷺ على أمِّه أمِّ سلمة. وكان سلمة أسنّ من أخيه عمر بن أبي سلمة، ولا أحفظ له رواية عن النبي ﷺ . وقد روى عنه عمر أخوه"١ اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير في الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة في ذكر وفاة زوجها أبي سلمة قال: "فلمَّا حلّت- أي أمَّ سلمة- في شوّال، خطبها رسول الله ﷺ إلى نفسها بنفسه الكريمة، وبعث إليها عمر ابن الخطاب في ذلك مراراً، فتذكر أنَّها امرأة غَيْرى: أي شديدة الغَيْرة، وأنَّها مُصْبِيَة: أي لها صبيان يشغلونها عنه، ويحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال: أمَّا الصبية فإلى الله وإلى رسوله، أي نفقتهم ليس إليك، وأمَّا الغَيْرة فأدعو الله فيذهبها، فأذنت في ذلك، وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم فزوّج النبي ﷺ ، تعني قد رضيت وأذنت، فتوهّم
стр. 191
بعض العلماء أنَّها تقول لابنها عمر بن أبي سلمة. وقد كان إذ ذاك صغيراً، لا يلي مثله العقد، وقد جمعت في ذلك جزءاً مفرداً بيّنت فيه الصواب في ذلك ولله الحمد والمنّة، وأنّ الذي ولي عقدها عليه ابنها "سلمة بن أبي سلمة" وهو أكبر ولدها، وساغ هذا لأنَّ أباه "ابن عمِّها" فالابن ولاية أمِّه إذا كان سببا لها من غير جهة البنوّة بالإجماع، وكذا إذا كان معتقاً أو حاكماً، فأمَّا محض البنوّة فلا يلي بها عقدة النكاح عند الشافعي وحده، وخالفه الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏. انتهى المقصود من كلام ابن كثير رحمه الله١.
وهذا القول هو اختيار الحافظ ابن حجر كما في الإصابة ٢.
وأمَّا القول الثَّالث: فهو أنَّ الذي تولّى إنكاحها عمر بن الخطاب ﵁، وأنَّه هو المخاطب في هذا الحديث، لا "عمر بن أبي سلمة"، وأنَّ لفظة "ابنها" وهم من الرواة، أي أنَّ أصل هذا الحديث "قم يا عمر" كما هو الغالب في روايات هذا الحديث؛ وذلك لأنَّ عمر-﵁-كان السفير بينهما، كما في رواية النسائي، وابن الجارود،
стр. 192
والحاكم، والبيهقي١. وصحَّ لعمر بن الخطاب تزويجها؛ لأنّه من عصبتها؛ إذ إنّه يلتقي معها في جدهما "كعب بن لؤى"٢. والله أعلم.
وأمَّا القول الرَّابع: فهو أنَّ وليّها في هذا النكاح هو رسول الله ﷺ ، إمَّا بولاية السلطنة، وإمَّا خصوصية له؛ فقد قال كثير من العلماء إنَّ نكاحه ﷺ لايفتقر إلى وليٍّ، لأنَّه ﷺ أولى بكلِّ مؤمن من نفسه، كما قال تعالى- في معرض بيان خصائصه ﷺ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ ٣.
وصحَّ عنه ﷺ قوله: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى النَّاس به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيّما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك ديناً أو ضَياعاً٤ فليأتني فأنا مولاه"
رواه البخاري وغيره٥.
стр. 193
ولما ثبت أنَّه ﷺ تزوَّج زينب بنت جحش ﵂ بغير وليّ من الخلق، وكانت بذلك تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم١.
ولأنَّ كلَّ ما يخشى وقوعه في نكاح المرأة من إلحاق العار بالأولياء، أو وضعها في غير كفئها، فهو معدوم في حقه ﷺ ، فنكاحه شرف وغبطة للمرأة وأهلها٢. والله أعلم.
وأمَّا ولاية السلطان: فلا خلاف بين العلماء "أنَّ السلطان وليُّ من لا وليَّ له"، وأمُّ سلمة ﵂ قد اعتذرت بغياب أوليائها فبيَّن لها النبيّ ُ ﷺ أنَّه ليس أحدٌ منهم حاضراً ولا غائباً إلا سيرضى به، فإذا ثبت غياب أوليائها المكلَّفين، وصغر أبنائها الحاضرين - على القول بولاية الابن- كانت كمن لا ولي لها، فتنتقل الولاية إلى السلطان اتفاقاً. والله أعلم.
وأمَّا قول الطّحاوي: في منعه الخصوصية للنبي بأنَّها خلاف الأصل، وأنَّ النبيّ ﷺ لم يقل لها: "أنا وليُّك من دونهم"٣، فيقابل بالقول "إنَّه
стр. 194
لم يقل لها: أنت أحقُّ بنفسك منهم، أو أنّك وليَّة نفسك، أو أمرك بيدك، بل نصُّ الحديث أنَّه فيه وليٌّ أُمِرَ بعقد النكاح، ولا يعقل أن يؤمر بالولاية من لم يكن من أهلها.
وأمَّا الاستدلال بأنَّ النبي ﷺ خطبها من نفسها على أنَّ أمر التزويج إليها دون أوليائها، فليس ذلك بلازم؟؛ إذ إن خطبة المرأة الثيب من نفسها لم يكن محلّ خلاف، بل ولوكانت بكراً فليس في ذلك محظور؟؛ لأنَّ ذلك استطلاع لمعرفة رأيها ورضاها، وهي أحقُّ بالرضى من وليّها وإنَّما محلُّ البحث فيمن يملك العقد الذي يحلُّ به ما كان محرَّمًا ويترتب عليه آثاره. والله أعلم.
وخلاصة ما في حديث أمِّ سلمة- ﵂ بعد ثبوت محلِّ الشاهد منه- أنَّها لم تنكح نفسها، بل أمرت من أنكحها، وإنَّما وقع الإشكال نتيجة لصغر هذا المخاطب- ظاهراً، وعدم أهليته لعقد النكاح وعلى هذا:
فإمَّا أن يكون وليُّها في هذا النكاح أحد ابنيها (عمر، أو سلمة) وهذا نكاح بوليّ، إما بولاية البنوّة على مذهب الجمهور، أو لأنَّهما عصبة لها بالنَّسب كما هو مذهب الجميع، وعليه فيجب أن يعتقد أنَّ الذي تولّى هذا العقد قد بلغ سنًّا يصحُّ لمثله أن يلي هذا العقد فإن كان سنُّ البلوغ مستبعداً- وخاصَّة في حقِّ ابنها عمر- فلا أقلَّ من سنِّ التمييز، وإلا فكيف تنفى عنه أهليَّة الولاية، وتثبت له أهليَّة الوكالة، كما
стр. 195
هو صريح قول الطحاوي: أنَّه قام مقام من وكَّله وأنَّ النبي ﷺ أقرّه على ذلك١.
ثم إنَّه ليس القول بأنَّها وكَّلته من نفسها بأولى من القول بأنَّ النبيّ ﷺ فوّض إليه ذلك لغياب أوليائها؛! بدلالة إقراره على ذلك "والسلطان وليُّ من لا وليَّ له".
وإمَّا أن يكون وليُّها في هذا النكاح ابن عمها عمر بن الخطاب ﵁، فهو أيضاً نكاح بوليّ لغياب أوليائها الأقربين المكلّفين وصغر أبنائها الحاضرين، ويدلُّ على حضوره لهذا النكاح سفارته بينهما في الخِطبة فيكون هو المخاطب بقولها "قم يا عمر".
وإمَّا أن يكون وليُّها رسول الله ﷺ إمَّا لخصوصيته عند من قال بها، أو لإمامته؛ لأنَّه "وليُّ من لا وليَّ له"، فيرتفع الإشكال جملة سواء كان قد باشره بنفسه أو فوّض ذلك بأمره أو إقراره لغيره من أقربائها حتى وإن كانوا صغاراً، وكفى بذلك حجَّة إذا صحَّ الحديث. والله الموفِّق.
الحديث الخامس: ما ذكره ابن حزم أنَّ مما استدلَّ به هذا الفريق خبر ميمونة أمِّ المؤمنين ﵂ "أنّها جعلت أمرها إلى العباس ﵁ فزوّجها
منه ﵊".
وقد أجاب عنه بأنَّه منسوخ كأمثاله بحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ"٢
стр. 196
وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد، والنسائي، وغيرهما ١.
وفي سند الإمام أحمد: الحجَّاج بن أرطاه وهو مدلِّس، وقد رواه بالعنعنة٢.
وفي سند النِّسائي:"ابن جُريج" وهو مدلِّس، وقد رواه بالعنعنة أيضاً٣.
ومخالفة ابن عباس- ﵄ لغيره في نكاح رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرِم مشهور، والأكثر ترجيح رواية غيره أنّ رسول الله ﷺ نكحها وهو حلال، وسيأتي بحث ذلك في محلِّه إن شاء الله تعالى في شروط ولي النكاح٤.
ولو صحّ هذا الخبر- أي أنّ العباس هو الذي أنكح ميمونة رسول الله ﷺ فليس ظاهر الدلالة على إبطال الولاية في النكاح لما يلي:
стр. 197
١- لا حجَّة فيه على إبطال الولاية في النكاح على مذهب الجمهور القائلين أنَّ نكاح رسول الله ﷺ لا يفتقر إلى وليٍّ، كما تقدَّم١ في حديث أمِّ سلمة ﵂.
٢- أنَّ هذا الخبر ليس صريحاً في مباشرة العباس نكاحها؛ فيحتمل أنَّه قد عقد لها بعض أوليائها، وإنَّما نسب إلى العباس لكونه السفير بينهما، وصاحب الرأي والمشورة لها لمكان أختها أمِّ الفضل منه.
٣- أنّه لا يعلم أنّه قدكان لها وليٌ حاضر إذ ذاك، وسواء كان لها وليٌ حاضر أم لا، فليس في الخبر ما يدلّ على أنّها تفرَّدت بالتوكيل دونهم، ويصحُّ للمرأة أن تقيم وكيلاً عن وليّها إذا أذن لها بذلك إجماعاً، أمَّا عنها ففيه خلاف والصحيح منعه.
٤- احتمال أن يكون هذا في باديء الأمر، أي قبل إبطال النكاح بدون وليٍّ، كما قاله ابن حزم٢. والله أعلم.
الحديث السَّادس: حديث سهل بن سعد السَّاعدي ﵁:
"أنَّ رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت له يا رسول الله: إنِّي قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقام رجل فقال: يا رسول الله ﷺ زوِّجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك شيء
стр. 198
تصدقها إيّاه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : "إن أعطيتها إيّاه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً"، فقال: ما أجد شيئاً، فقال: "التمس ولو خاتماً من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئاً! قال له رسول الله ﷺ : "هل معك من القرآن شيء؟ " فقال: نعم، معي سورة كذا وسورة كذا- لسور سمّاها- فقال له رسول الله ﷺ : "قد أنكحتكها بما معك من القرآن".
رواه الأئمة: مالك- بهذا اللفظ- وأحمد، وا لستة، وغيرهم١.
стр. 199
فقال من لم يشترط الولاية في النكاح: "إنَّ رسول الله ﷺ قد زوَّج هذه المرأة لذلك الرجل بدون أن يسألها ألها وليٌّ أم لا؟، فدلّ ذلك على عدم اشتراط الوليِّ"١.
ولكن هذا الحديث لا ينهض دليلاً على إبطال الولاية في النكاح؛ فإنَّ الذي زوّج هذه المرأة هو رسول الله ﷺ "والسلطان وليُّ من لا وليَّ له"، فعلى من يحتجّ به لنفي الولاية في النكاح أن يثبت حضور أحد من أوليائها حينذاك، وقد أشار إلى ذلك الإمام البخاري- ﵀ في إحدى تراجمه على هذا الحديث فقال: "باب السلطان وليّ، لقول النّبيِّ ﷺ "زوّجناكها بما معك من القرآن" ٢.
стр. 200
وقال ابن حزم: وأمَّا تزويجه ﷺ المرأة بتعليم سورة من القرآن فليس في الخبر أنّه كان لها وليّ أصلاً، فلا يعترض على اليقين بالشكوك"ا. هـ١.
وقال الشوكاني: "وفي الحديث فوائد، منها: ثبوت ولاية الإمام على المرأة التي لا قريب لها"٢.
وأيضاً فإنَّ هذا الصحابي لم يخطبها إلى نفسها- بعد أن عرف عدم رغبة النَّبيِّ ﷺ فيها- بل خطبها من رسول الله ﷺ فأنكحها إيّاه مما يدلُّ على أنّ هناك عرفًا قائمًا بين الصحابة- ﵃ أنَّه "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، وأنَّه ليس للمرأة إنكاح نفسها. والله أعلم.
ج- الأدلة من الآثار المرويّة عن الصحابة رضى الله عنهم:
وأمّا أدلّة من لم يشترط الولاية في النكاح من جهة الآثار المرويّة عن الصحابة، فقد قالوا: إنَّ جواز النّكاح بدون وليٍّ مروي عن عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة ﵃ جميعاً. كما في (المبسوط) ٣.
стр. 201
بل كلُّ ماروىعنه هومما يستدلُّ به على إثبات الولاية فى النكاح، كما سبق١.
ولعلَّ أقرب أثر يستدلُّ به لهم عن عمر بن الخطاب ﵁ ما أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) عن عبيد الله بن عمر، عن نافع قال: "ولَّى عمر ابنته حفصة ماله وبناته ونكاحهنَّ، فكانت حفصة إذا أرادت أن تزوِّج امرأة أمرت أخاها عبد الله فزوَّج"٢.
ولكن إسناد النكاح إلى حفصة- ﵂ لا يلزم منه أن تعقده بنفسها، بل الأقرب والأولى أن يحمل على تمهيدها أسباب النكاح من اختيار الأزواج، وتقرير المهر، ونحو ذلك، ويدلّ على ذلك أمران:
أولهما: أنَّ حفصة ﵂ لم تعقد بنفسها، بل كانت تأمر أخاها عبد الله فيزوّج من أرادت تزويجها منهنّ، وهذا ينبىء عن العرف المعروف بين الصحابة أنَّ النِّساء لا يُنكِحْن.
ثانيهما: ما روى عن عمر من طرق شتى من قوله وفعله "أنَّه لا نكاح إلا بوليٍّ" كما سبق فيما رواه عنه الحسن البصري، وعبد الرحمن ابن معبد بن عمير، وعكرمة بن خالد، وسعيد بن المسيَّب٣.
стр. 202
٢- وأمّا ما روي عن عليٍّ ﵁، فقد ذكر السَّرَخْسِِِي معناه في (المبسوط) بقوله: "بلغنا عن عليٍّ ﵁ أنّ امرأة زوّجت ابنتها برضاها، فجاء أولياؤها فخاصموها إلى عليٍّ ﵁، فأجاز النكاح. وفي هذا دليل على أنَّ المرأة إذا زوّجت نفسها أو أمرت غير الوليِّ أن يزوّجها فزوّجها جاز النكاح"١ اهـ.
وهذا الأثر: رواه أيضاً عبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي، وابن حزم، وغيرهم بنحوه٢.
وقدأجاب البيهقي- ﵀ عن هذا الأثر بأنَّه مختلف في - إسناده ومتنه، ومخالف لما صحّ عن عليٍّ ﵁ في اشتراط الولاية في النكاح.
قال البيهقي: "وقد روى عن أبي قيس٣ الأودي، عمَّن أخبره، عن
стр. 203
عليٍّ رضى الله عنه أنَّه أجاز نكاح امرأة زوجتها أمُّها برضى منها"١ وقد قيل عن الشيباني٢ عن أبي قيس الأودي أنَّ امرأة من عائذ الله يقال لها "سلمة" زوَّجتها أمُّها وأهلها، فرفع ذلك إلى عليٍّ ﵁ فقال: "أليس قد دخل بها، فالنِّكاح جائز"٣.
ورواه الشيبانى: عن بحريَّة بنت هانىء بنت قبيصة أنّها زوَّجت نفسها بالقعقاع٤ بن شور، وبات عندها ليلة، وجاء أبوها فاستعدى علياًّ ﵁ فقال: أدخلت بها؟ قال: نعم، فأجاز النِّكاح"٥.
стр. 204
ثم قال البيهقي: "وهذا الأثر مختلف فى إسناده ومتنه، ومداره على أبي قيس الأودي، وهو مختلف في عدالته، وبحريَّة مجهولة، واشتراط الدُّخول في تصحيح النِّكاح إن كان ثابتاً، والدُّخول لايبيح الحرام، والإسناد الأول١ في اشتراط الوليِّ إسناد صحيح، فالاعتماد عليه وبالله التوفيق"٢ اهـ.
وقد تعقّبه ابن التركماني بنفي الاختلاف فى عدالة أبي قيس الأودي، وبأنَّ هذا الأثر قد روى من وجوه يشدُّ بعضها بعضاً٣.
فأمَّا الاختلاف في عدالة أبي قيس الأودي، فهو كما قال البيهقي كما روى عن الإمام أحمد، وأبي حاتم٤.
وأمَّا تعدُّد طرقه فهو كما قال ابن التركماني، إلأ أنَّها واقعة عين لا يعلم حقيقة وقوعها؛ ففي بعض الروايات أنها زوّجت نفسها٥، وفي
стр. 205
بعضها زوّجتها أمُّها١، وفي بعضها زوَّجها خالها٢، وفي بعضها زوجتها أمُّها وخالها٣، وفي بعضها زوجتها أمُّها وأهلها٤، وأمَّا أبوها فكان غائباً، وكان نصرانيّاً٥ فزوّجها وهو كذلك- أي نصرانيّا- فقيل لها: إنَّه لا ولاية له عليك، فزوَّجت نفسها أوزوَّجها من زوَّجها من أهلها غير الزوج الذي زوَّجها به أبوها، فتحاكما إلى علي فأجاز نكاحها، ولذلك قال الإمام أحمد: (إنّما جعل-[أي علي]- الأمر إليها؛ لأنّ الأب نصرانيّ لا يجوز حكمه فيها، فردَّ الأمر إليها، ولا بد أن يجدَّد هذا النِّكاح الأخير إذا رضيت، وإنّما صيّر لها الأمر بالرضى ولا يجوز أن تزوِّج نفسها إلا بوليٍّ، وعليٌّ حينئذ السلطان، فأجاز ذلك وليُّها) ٦. والله أعلم.
٣- وأمَّا ما روى عن ابن عمر- ﵄ فلم أجد من نصّ على ذكره منهم ليتَّضح مرادهم به.
стр. 206
ولعلَّ أقرب ما يستدلُّ لهم به عن ابن عمررضي الله عنهما- فيما يظهر لي- ما أخرجه الدارقطني بسنده إلى ابن عمر ﵄ قال: "إذا كان وليّ المرأة مضارًّا لها، فولّت رجلاً فأنكحها فنكاحه جائز"١. وفي إسناده: "ابن لهيعة" وفيه مقال مشهورللمحدّثين٢.
وهو أيضًا خاص بمن ضارَّها وليُّها، والمرأة التي ضارَّها وليُّها فلم ينكحها تكون كمن لا وليَّ لها، فإذا ولّت أمرها رجلاً من المسلمين فأنكحها فهذا ما في استطاعتها، وليس كلُّ امرأة تستطيع المرافعة إلى الحاكم، وهذا محلُّ نظر واجتهاد للضرورة، بخلاف من كان لها وليٌّ يفترض فيه وُفُورَ شفقته، وشدّة حرصه على ما هو أصلح لوليّته. والله أعلم.
٤- وأمّا ما روى عن عائشة ﵂، فقد أخرجه مالك في الموطأ وغيره: عن عبد الرحمن٣ بن القاسم، عن أبيه، أنَّ عائشة -
стр. 207
زوج النّبيّ ﷺ زوَّجت حفصة١ بنت عبد الرحمن، المنذر٢ بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام، فلمَّا قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يصنع هذا به، ومثلي يفتات عليه، فكلّمت عائشة المنذر بن الزبير فقال المنذر: ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أردُّ أمراً قضيتِه، فقرَّت حفصة عند عبد الرحمن ولم يكن ذلك طلاقاً".
فهذا الأثر مشهور عن عائشة ﵂، وقد رواه مالك في الموطأ- بهذا اللفظ- ورواه أيضاً الطحاوي والبيهقي٣.
وقد استدلّ الحنفيَّة بهذا الأثر على أنّ مذهب عائشة ﵂ صحة النِّكاح بدون ولى، وبناء عليه ضعّفوا أو أوَّلوا ما جاء عنها مرفوعاً أو موقوفاً ممَّا يستدلُّ به على اشتراط الولاية في النِّكاح. ولقد سبقت الإجابة بالتفصيل عن استدلالهم بهذا الأثر في مبحث الاعتراضات على حديثها المرفوع "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل"
стр. 208
الحديث.
وخلاصته: أنّ الحجَّة فيما رواه الرَّاوي لا فيما رآه مجتهداً متأوِّلاً، وأنَّ قصة تزويجها ابنة أخيها محمولة على تمهيدها أسباب النكاح لا عقده، وإنَّما أنكح غيرها من أوليائها كما قاله البيهقي والقرطبي وغيرهما١. ويؤيِّد هذا المعنى ما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد فإذا بقيت عقدة النِّكاح قالت لبعض أهلها:"زوِّج فإنّ المرأة لا تلي عقدة النِّكاح"٢.
فرواية عبد الرحمن ابن القاسم هذه عن أبيه عن عائشة ﵂ مفسّرة لما رواه عنها في قصة تزويجها ابنة أخيها جمعاً بين الأثرين ولموافقته لروايتها المرفوعة. والله أعلم.
٥- واستدلَّ لهم ابن حزم بما روى أنَّ أمامة بنت٣ أبي العاص بن الربيع- وأمُّها زينب بنت رسول الله ﷺ خطبها معاوية بعد قتل عليٍّ
стр. 209
رضي الله عنه، وكانت تحت عليٍّ١، فدعت بالمغيرة بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب فجعلت أمرها إليه، فأنكحها نفسه، فغضب مروان٢ وكتب بذلك إلى معاوية، فكتب إليه أن دعه وإيّاها"٣.
وهذا الأثر قد أورده ابن سعد في الطبقات، وابن عبد البر في الاستيعاب، وابن حجر في الإصابة، كلُّهم في ترجمة "أمامة بنت أبي العاصي ابن الربيع" ورواه أيضاً عبد الرزاق في مصنّفه٤.
وكلُّ طرقه إمَّا واهية، وإمَّا ضعيفة٥. ومع هذا فإنّ رائحة التشيّع تفوح منه.
وخلاصته: أنَّ عليَّ بن أبي طالب ﵁ لما حضرته الوفاة قال لأمامة: إنِّي لا آمن أن يخطبك معاوية، فإن كانت لك بالرجال حاجة فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيراً، فلما مات عليّ ﵁
стр. 210
وانقضت عدَّتها أرسل معاوية إلى عامله على المدينة (مروان بن الحكم) أن يخطبها له، ويبذل لها كذا من المال، فأرسلت إلى المغيرة بن نوفل تخبره بخطبة معاوية لها، وتطلب منه إن كانت له بها حاجة أن يقبل إليها، فجاء فخطبها من الحسن بن علي ﵄. وفي بعض الروايات أنّها جعلت أمرها إلى المغيرة فزوجها نفسه، فغضب مروان وكتب إلى معاوية يخبره بذلك، فقال: دعه وإيّاها. فلو صحّ شيء من هذا الخبر لم يكن هذا نكاحًا بدون وليٍّ؛ لأنَّ كلاًّ من الحسن بن عليّ والمغيرة بن نوفل عصبة لها، وليس في الخبر ما يدلُّ على حضور أحد من أوليائها ممن هو أولى منهما، اللهم إلا مروان بن الحكم١ فإنه يلتقي معها في جدها (عبد شمس بن عبد مناف) ، بينما يلتقي الحسن والمغيرة معها بعده في (عبد مناف) . ولكن الوليَّ إذا عضل سقطت ولايته وإن كان سلطانًا، وتوقُّع العضل منه متحقِّق كما هو ظاهر هذه القِصَّة. ويظهر من هذه القِصَّة أيضاً أنَّ غضب مروان وكتابته لمعاوية ﵁ بذلك، ثم إقرار معاوية ﵁ لهذا النكاح لم يكن من أجل أنّه نكاح بدون وليٍّ، وإنّما لتفويتها نفسها على معاوية، وعدم تمكّن مروان من تحقيق رغبة الخليفة في الزِّواج بها، وهذا ظاهرمن هذه القِصة. والله أعلم بصحَّتها وحقيقة ما وقع منها.
стр. 211
٦- وذكر ابن حزم أنَّ مما استدلَّ به هذا الفريق: نكاح أبي طلحة أمَّ سليم على الإسلام فقط، أنكحها إيّاه أنس بن مالك وهو صغير دون عشرسنين١.
وهذا الأثر رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي على ذلك٢.
وأخرجه البيهقي من طريق الحاكم، وقال: أنس بن مالك ابنها وعصبتها فإنّه: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام، من بني عديِّ ابن النَّجَّار٣.
وأمّ سليم هي: ابنة ملحان بن خالد بن زيد٤والله أعلم". انتهى٥.
وقال ابن حجرفي الإصابة:"روينا في مسندأحمد بعلوٍّ في الغيلانيات٦
стр. 212
من طريق حماد بن سلمة١، عن ثابت٢ وإسماعيل٣ ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنّ أبا طلحة خطب أمَّ سليم-يعني قبل أن يسلم فقالت: يا أبا طلحة! ألست تعلم أنّ إلهك الذي تعبد نبت من الأرض؟، قال: بلى، قالت: أفلا تستحي، تعبد شجرة؟! إن أسلمت فإنِّي لا أريد منك صداقاً غيره. قال: حتى أنظر في أمري، فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فقالت: يا أنس زوِّج أبا طلحة فزوّجها". ولهذا الحديث طرق متعدِّدة"٤. انتهى.
ولعلّ الحافظ ابن حجر يقصد بقوله "له طرق متعدِّدة" قِصَّة تزوّجها أبا طلحة على الإسلام؟ فإنّها هي التي لها طرق متعدِّدة، ذكر بعضها في الإصابة، وبعضها ذكره ابن عبد البرِّ في الاستيعاب في ترجمة
стр. 213
كلٍّ من أبي طلحة وأمّ سُليم رضي الله عنهما١. والله أعلم.
وقد أجاب ابن حزم عن هذا الخبر بأنّه منسوخ بحديث "لا نكاح إلا بوليّ" كغيره من الأخبار التي بمعناه ٢.
والذي يظهر لي من تأمّل قِصَّة تزوّج أبي طلحة بأمّ سليم ﵂ ما يلي:
أوّلاً: أنّه قد صحّ عن أنس ﵁ أنّه قال: قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وأنَّ أمَّه أمّ سليم أتت به النَّبيَّ ﷺ لمّا قدم فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك، فقبله"٣.
ثانياً: أنَّ أبا طلحة ﵁ خطب أمّ سليم وهو مشرك، فقالت له: يا أبا طلحة ما مثلك يردّ ولكنّك امرؤ كافر وأنا مسلمة لا تحلّ لي، فإن تسلم فذاك مهري، فأسلم، فكان ذاك مهرها"٤. وقد شهد أبو طلحة ﵁ بدرًا مع النَّبيّ صلى الله عليه وسلم٥.
стр. 214
وقيل: إنّه شهد العقبة١.
فيكون زواج أبي طلحة بأمّ سليم إمَّا قبل الهجرة بقليل، أو بعدها بقليل، كما عليه الأكثر أنّه شهد بدرًا مسلمًا، فيتَّجه قول ابن حزم إنَّ هذا الخبر منسوخ كغيره من الآثار التي بمعناه بحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ".
وإمّا أن يقال: إنّه نكاح بوليٍّ، وفيه صحّة عقد الصبيِّ المميّز،
وأنس قد بلغ ذلك على كلا التقديرين في إسلام أبي طلحة ﵁، كما أنّه لا يعقل مخاطبة غير مميِّز بعقد النِّكاح، هذا إذا سلّمنا أنّ أنسًا كان صغيراً إذ ذاك، وإلاّ فقد ذكر ابن حجر في الإصابة من طريق ابن سعد ما يدلّ على بلوغه، وذلك أنَّ أمّ سليم كانت تقول: لا أتزوّج حتى يبلغ أنس ويجلس في المجالس فيقول: جزى الله أمِّي عني خيراً لقد أحسنت ولايتي، فقال لها أبو طلحة: فقد جلس أنس وتكلّم فتزوَّجها"٢.
فإن صحَّت هذه الرواية فقد ارتفع الإشكال جملة، فهو ابنها وعصبتها، وهو وليّها بالعصوبة اتفاقاً، أو بالبنوّة عند الجمهور. والله أعلم.-
د- الدليل العقلي.
وأمّا دليلهم (أي من لم يشترط الولاية في النِّكاح) من المعقول فقالوا:
стр. 215
إنَّ تزويج المرأة الحرَّة المكلَّفة نفسها هو تصرّف في خالص حقٍّها، وهي من أهله، ولم تلحق الضّرر بغيرها، فيصحّ تصرّفها في نفسها، كما يصحّ تصرّفها في مالها؛ لأنّها قد بلغت عن عقل وحرِّيَّة.
فبالعقل: قد زال العجز حقيقة، وقدرت على التصرّف لنفسها؛ فتزول ولاية غيرها عنها.
وبالحرِّيَّة: لا يكون لغيرها عليها ولاية؛ للمنافاة بين الحرِّيَّة والولاية عليها.
وقالوا: إنَّ ممَّا يدلُّ على صحَّة هذا الاستدلال ما يلي:
١- أن لها اختيار الأزواج، والتفاوت في حقِّ الأغراض إنَّما يقع باختيار الزوج، لا بمباشرة العقد.
٢- صحَّة إقرارها على نفسها بالنِّكاح، ولو كانت بمنزلة الصغيرة ما صحّ إقرارها به.
٣- اعتبار رضاها في مباشرة الوليِّ عقد نكاحها، ولو كانت بمنزلة الصغيرة لما اعتبر رضاها.
٤- أنَّ لها أن تطالب الوليَّ بالنِّكاح، ويجبر الوليُّ على الإيفاء، ولو كانت كالصغيرة ما وجب الإيفاء بطلبها١.