← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٦- وذكر ابن حزم أنَّ مما استدلَّ به هذا الفريق: نكاح أبي طلحة أمَّ سليم على الإسلام فقط، أنكحها إيّاه أنس بن مالك وهو صغير دون عشرسنين١. وهذا الأثر رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي على ذلك٢. وأخرجه البيهقي من طريق الحاكم، وقال: أنس بن مالك ابنها وعصبتها فإنّه: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام، من بني عديِّ ابن النَّجَّار٣. وأمّ سليم هي: ابنة ملحان بن خالد بن زيد٤والله أعلم". انتهى٥. وقال ابن حجرفي الإصابة:"روينا في مسندأحمد بعلوٍّ في الغيلانيات٦

стр. 212

من طريق حماد بن سلمة١، عن ثابت٢ وإسماعيل٣ ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنّ أبا طلحة خطب أمَّ سليم-يعني قبل أن يسلم فقالت: يا أبا طلحة! ألست تعلم أنّ إلهك الذي تعبد نبت من الأرض؟، قال: بلى، قالت: أفلا تستحي، تعبد شجرة؟! إن أسلمت فإنِّي لا أريد منك صداقاً غيره. قال: حتى أنظر في أمري، فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فقالت: يا أنس زوِّج أبا طلحة فزوّجها". ولهذا الحديث طرق متعدِّدة"٤. انتهى. ولعلّ الحافظ ابن حجر يقصد بقوله "له طرق متعدِّدة" قِصَّة تزوّجها أبا طلحة على الإسلام؟ فإنّها هي التي لها طرق متعدِّدة، ذكر بعضها في الإصابة، وبعضها ذكره ابن عبد البرِّ في الاستيعاب في ترجمة

стр. 213

كلٍّ من أبي طلحة وأمّ سُليم رضي الله عنهما١. والله أعلم. وقد أجاب ابن حزم عن هذا الخبر بأنّه منسوخ بحديث "لا نكاح إلا بوليّ" كغيره من الأخبار التي بمعناه ٢. والذي يظهر لي من تأمّل قِصَّة تزوّج أبي طلحة بأمّ سليم ﵂ ما يلي: أوّلاً: أنّه قد صحّ عن أنس ﵁ أنّه قال: قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وأنَّ أمَّه أمّ سليم أتت به النَّبيَّ ﷺ لمّا قدم فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك، فقبله"٣. ثانياً: أنَّ أبا طلحة ﵁ خطب أمّ سليم وهو مشرك، فقالت له: يا أبا طلحة ما مثلك يردّ ولكنّك امرؤ كافر وأنا مسلمة لا تحلّ لي، فإن تسلم فذاك مهري، فأسلم، فكان ذاك مهرها"٤. وقد شهد أبو طلحة ﵁ بدرًا مع النَّبيّ صلى الله عليه وسلم٥.

стр. 214

وقيل: إنّه شهد العقبة١. فيكون زواج أبي طلحة بأمّ سليم إمَّا قبل الهجرة بقليل، أو بعدها بقليل، كما عليه الأكثر أنّه شهد بدرًا مسلمًا، فيتَّجه قول ابن حزم إنَّ هذا الخبر منسوخ كغيره من الآثار التي بمعناه بحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ". وإمّا أن يقال: إنّه نكاح بوليٍّ، وفيه صحّة عقد الصبيِّ المميّز، وأنس قد بلغ ذلك على كلا التقديرين في إسلام أبي طلحة ﵁، كما أنّه لا يعقل مخاطبة غير مميِّز بعقد النِّكاح، هذا إذا سلّمنا أنّ أنسًا كان صغيراً إذ ذاك، وإلاّ فقد ذكر ابن حجر في الإصابة من طريق ابن سعد ما يدلّ على بلوغه، وذلك أنَّ أمّ سليم كانت تقول: لا أتزوّج حتى يبلغ أنس ويجلس في المجالس فيقول: جزى الله أمِّي عني خيراً لقد أحسنت ولايتي، فقال لها أبو طلحة: فقد جلس أنس وتكلّم فتزوَّجها"٢. فإن صحَّت هذه الرواية فقد ارتفع الإشكال جملة، فهو ابنها وعصبتها، وهو وليّها بالعصوبة اتفاقاً، أو بالبنوّة عند الجمهور. والله أعلم.- د- الدليل العقلي. وأمّا دليلهم (أي من لم يشترط الولاية في النِّكاح) من المعقول فقالوا:

стр. 215

إنَّ تزويج المرأة الحرَّة المكلَّفة نفسها هو تصرّف في خالص حقٍّها، وهي من أهله، ولم تلحق الضّرر بغيرها، فيصحّ تصرّفها في نفسها، كما يصحّ تصرّفها في مالها؛ لأنّها قد بلغت عن عقل وحرِّيَّة. فبالعقل: قد زال العجز حقيقة، وقدرت على التصرّف لنفسها؛ فتزول ولاية غيرها عنها. وبالحرِّيَّة: لا يكون لغيرها عليها ولاية؛ للمنافاة بين الحرِّيَّة والولاية عليها. وقالوا: إنَّ ممَّا يدلُّ على صحَّة هذا الاستدلال ما يلي: ١- أن لها اختيار الأزواج، والتفاوت في حقِّ الأغراض إنَّما يقع باختيار الزوج، لا بمباشرة العقد. ٢- صحَّة إقرارها على نفسها بالنِّكاح، ولو كانت بمنزلة الصغيرة ما صحّ إقرارها به. ٣- اعتبار رضاها في مباشرة الوليِّ عقد نكاحها، ولو كانت بمنزلة الصغيرة لما اعتبر رضاها. ٤- أنَّ لها أن تطالب الوليَّ بالنِّكاح، ويجبر الوليُّ على الإيفاء، ولو كانت كالصغيرة ما وجب الإيفاء بطلبها١.

стр. 216

قال ابن الهمام: فثبت مع المنقول الوجه المعنويّ، وهو أنّها تصرّفت في خالص حقِّها، وهو نفسها، وهي من أهله، فيجب تصحيحه مع كونه خلاف الأولى. ا. هـ١. وهذا الاستدلال المعنوي مبنيّ على الخلاف في تقرير "مناط علّة الولاية في النِّكاح"، أهو الأنوثة، كما يقوله الجمهور؟ أم إنّما هو العجز خاصة لصغر، أو رقّ، أو جنون، ونحوه، كما يقوله الحنفيَّة؟ فعلى قول الجمهور: فلا تلي المرأة النِّكاح لنفسها ولا لغيرها. وأمَّا على قول الحنفيّة: فيستوي كلّ من الرجل والمرأة في إنكاح كلٍّ منهما نفسه إن لم يقم به مانع من أهلية التصرف كصغر، أو جنون، أو رقّ، إلاّ أنّه في المرأة خلاف الأولى. وعلى هذا: فالحجّة فيما سبق من الأدلَّة النقليَّة، وإذا ثبت النّص فلا قياس معه، وأمّا عند عدم ثبوته أو ظهور دلالته فلا يعدم كلٌّ من الفريقين وجهة عقليّة لتقرير مذهبه، سواء في التفريق بين المرأة والرجل في النِّكاح، أم في التسوية بينهما، حتى وإن كان خلاف الأولى في المرأة. وأمَّا ما استدلّوا به على تأييد دليلهم العقلي: فهو بعد التسليم بصحّة ما سبق ذكره، فلا يسلّم لهم ذلك هنا؛ فإنَّ اختيارها للأزواج لا تستبدُّ به عن وليِّها، بل الغالب أنَّ وليَّها هو الذي يختار لها، ثم ترى رأيها في صلاحيته لها، أو عدم صلاحيته، وعلى كلٍّ فهو شركة بينها وبين

стр. 217

وليِّها، ولو اختارت رجلاً زوجًا لها ورأى وليُّها أنّه لا يصلح لمثلها فإنّه يمنعها منه ولا يجبر على إنكاحها إيّاه، كما قرّره الحنفيّة أنفسهم في نقص الكفاءة. وأمَّا إقرارها بالنِّكاح: فإنّه لا ينعقد به النِّكاح، وإنَّما يكشف عن صحَّة نكاح سابق، والحاجة داعية إليه؛ إذ لو لم يقبل إقرارها وتزوَّجها رجل آخر لكانت زوجة لرجلين، وهذا فيه ضرر وفساد كبير. وأمَّا اعتبار رضاها في مباشرة وليِّها نكاحها: فإنَّ ولاية الوليّ عليها ثابتة شرعًا، ولا تتوقف على رضاها؛ ولذلك فإنّه لا ينعزل بعزلها كما ينعزل الوكيل بعزل موكله له، وإنّما حقُّها في معرفة الوليِّ لرضاها بالزَّوج وبالنِّكاح، وهذا دليل على أنَّ ولاية الوليِّ ولاية نظر ومصلحة لها وتكريم، لا ولاية إذلال أو انتقاص من حقِّها. ومثل ذلك إثبات حقِّها في مطالبة وليِّها بإنكاحها وإجباره على إجابتها إن لم يكن هناك عذر شرعيّ لامتناعه. والله أعلم.

стр. 218

المذهب الثَّالث: التفصيل بين الكفء وغيره: وأمّا المذهب الثَّالث في الولاية على المرأة الحرَّة المكلّفة فهو التفصيل في ذلك باعتباركفاءة الزَّوج أو عدم كفاءته. فإن كان الزَّوج كفؤًا لها صحّ عقدها نكاح نفسها ونفذ، وإن لم يكن الزَّوج كفؤًا لها فالنّكاح غير صحيح أصلاً. وهذا القول: هو رواية الحسن اللؤلؤي عن أبي حنيفة ﵀. وقد اختيرت هذه الرواية للفتوى١. وهي أيضاً رواية عن أبي يوسف ﵀ قيل برجوعه عنها، إمَّا إلى الصِّحَّة مطلقًا من الكفء وغيره كما في ظاهر الرواية، وإمَّا إلى القول بعدم الصِّحَّة إلا بوليٍّ كما حكاه عنه الطحاوي والكرخيّ٢. توجيه هذه الرِّواية: وتوجيه هذه الرِّواية عن أبي حنيفة ﵀ والتي قد اختيرت للفتوى- هوسدُّ باب التزويج على المرأة من غيركفئها احتياطاً للأولياء ودفعًا للضرر عنهم؛ لأنَّه- كما قالوا- كم من واقع لا يرفع! وليس كلُّ وليٍّ يحسن المرافعة والخصومة، ولا كلُّ قاض يعدل، ولو أحسن الوليُّ

стр. 219

وعدل القاضي فقد يترك أنفة للتردُّد على أبواب الحكَّام واستثقالاً للخصومات، كما أن الجثوّ بين يدي الحكَّام مذلَّة، فيتقرَّر الضرر، وخاصَّة بعد فساد الزَّمان، فكان الأحوط سدُّ الباب بالقول بعدم الانعقاد أصلاً١ وعدم الصِّحَّة المفتى به في هذه الرواية مقيَّد- كما قال ابن الهمام- بما إذا كان للمرأة أولياء أحياء؛ لأنَّ عدم الصّحَّة المفتى به إنَّما يكون على ما وجهَّت به هذه الرواية دفعًا للضرر عن الأولياء، وأمَّا ما يرجع إلى حقِّها فقد سقط برضاها بغيرالكفء٢. الفرق بين هذه الرواية ورواية ظاهر المذهب: والفرق بين هذه الرواية- المختارة للفتوى- وبين رواية ظاهر المذهب هو في صحَّة انعقاد إنكاح المرأة نفسها من غير الكفء. وبيان ذلك: أنَّ الروايتين تتَّفقان على صحّة عقد المرأة نكاح نفسها من الكفء، وأنّه نافذ ولازم، فلا حقَّ للأولياء في الاعتراض عليها. وتختلفان: في صحَّة عقدها على نفسها من غيركفئها. ففي ظاهر الرواية هو أيضًا صحيح ونافذ، إلا أنَّه غير لازم؛ بمعنى أنَّ للأولياء حقَّ الاعتراض عليها وفسخ نكاحها إن لم يرضوا بغير الكفء، كما يكون لهم حقُّ الاعتراض عليها إذا زوَّجت نفسها بأقلِّ من مهر مثلها.

стр. 220

وأمَّا في هذه الرواية- المختاره للفتوى- فإنَّ عقدها نكاح نفسها من غير كفئها يكون غير صحيح أصلاً. وعلى هذا قالوا: لو زوَّجت المطلقة ثلاثاً نفسها بغيركفء ودخل بها فإنّها لا تحلّ للأول، وأمّا لو باشر الوليُّ عقد المحلِّل فإنّها تحل للأول، وقالوا: ينبغي أن تحفظ هذه المسألة؛ فإنَّ المحلِّل غالبًا يكون غير كفء١. وحاصل هذه الرواية: أنَّ الأصل في إنكاح المرأة نفسها صحَّته، وأمَّا بطلانه فيدور مع الكفاءة وجودًا وعدمًا. وهذا في الحقيقة خروج من البحث؛ فللكفاءة مبحث آخر غير مبحث الولاية. والله أعلم. المذ هب الرَّابع: انعقاده موقوفًا على إجازة الوليِّ: وأمَّا المذهب الرابع في الولاية على المرأة فهو صحَّة إنكاحها نفسها بدون إذن وليِّها، ولكنه ينعقد موقوفاً على إجازة وليِّها، سواء كان الزوج كفوءاً أم غيركفء. وهذا القول هو الرواية المشهورة عن محمد بن الحسن رحمه الله٢. وهو أيضاً إحدى الروايات عن أبي يوسف ﵀، وقد اقتصر على ذكرها عنه أبو بكر الجصاص وقال: إنّها المشهورة عنه٣.

стр. 221

وقد سبق القول برجوع محمد وأبي يوسف إلى رواية ظاهر المذهب، أو إلى عدم الجواز بغير وليٍّ، كما حكاه الطحاويُّ والكرخيُّ عنهما١. ويتَّفق أبو يوسف ومحمد هنا: على القول بانعقاد النِّكاح موقوفاً على إجازة الوليِّ مطلقا، ً وعلى إجازة الوليِّ أيضًا أوردِّه إن لم يكن الزوج كفؤاً. ويختلفان في انفساخ العقد من الكفء إن لم يجزه الوليُّ. أبو يوسف يقول: لا ينفسخ النِّكاح إذا كان الزوج كفؤاً، وإنَّما يجيزه القاضي إذا أبي الوليُّ الإجازة، وإنّما يتمُّ النِّكاح- عنده- حين يجيزه القاضي٢. وأمَّا محمد بن الحسن فيقول: إنَّه ينفسخ إن لم يجزه الوليُّ، وعلى القاضي أن يجدِّد العقد إذا كان الزوج كفؤاً٣. وأمَّا الفرق بين هذه الرواية المشهورة عن محمد بن الحسن وبين مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرواية فيظهر فيما يترتب على النِّكاح قبل الإجازة أو تجديد القاضي للعقد، فعلى المشهور من مذهب محمد بن الحسن لا يقع على المرأة طلاق ذلك الزوج، ولا إيلاؤه ولا ظهاره، ولو مات أحدهما لم يرثه الآخر.

стр. 222

وأمَّا على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرواية فكلُّ ذلك يقع، لصحة العقد وترتب أثره عليه. وعلى ذلك بنوا مسألة: ما إذا طلَّقها ثلاثا قبل أن يجيزه الوليُّ أو يجدِّده الحاكم، فقالوا: يكون هذا ردًا للنكاح على قول محمد؛ فلا يقع عليها طلاقه، وإنَّما يكره له أن يتزوَّجها ثانيًا قبل أن تتزوَّج بزوج آخر؛ وذلك من أجل اختلاف العلماء واشتباه الأخبار في جواز النِّكاح بغير وليٍّ؛ ولأنَّ ترك نكاح امرأة تحلُّ له خير له من أن ينكح امرأة لا تحلُّ له، ولكن لو تزوَّجها لم يفرَّق بينهما. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرواية تصحّ التطليقات الثلاث، ولا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره١ الاستدلال لهذا المذهب. ١- قال الكاساني: احتجَّ محمد ﵀ بما روي عن عائشة ﵂ عن رسول الله ن ﷺ أنَّه قال: "أيُّما امرأة تزوَّجت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل ٢. ثم قال: "والباطل من التصرفات لا حكم له شرعًا كالبيع الباطل ونحوه" اهـ٣.

стр. 223

والذي يظهر- والله أعلم- أنَّ هذا الحديث لا يتمُّ به الاستدلال لما ذهب إليه محمد بن الحسن ﵀؛ فإنّ العقد الباطل لا يمكن تصحيحه إلاّ بعقد جديد، ومحمد يقول إنَّه ينعقد موقوفاً،- كما سبق تقريره- وكما قال الكاساني نفسه قبل هذا في التفريق بين مذهب الشافعي ومحمد حيث قال: إنَّ محمداً يقول: ينعقد النِّكاح بعبارتها وينفذ بإذن الوليِّ وإجازته، وينعقد بعبارة الوليِّ وينفذ بإذنها وإجازتها. وعند الشافعي: لا عبارة للنساء في باب النِّكاح أصلاً. اهـ١. وإنَّما يمكن أن يستدلَّ بهذا الحديث لما ذهب إليه محمد بن الحسن بأن يقال: إنَّ مفهومه يدلُّ على صحَّة إنكاح المرأة نفسها بإذن وليِّها، فيقاس الإذن بعد العقد على صحة الإذن قبله، فلا فرق بين أن يكون الإذن سابقاً للعقد أو لاحقًا له. ولكن يعكِّر على هذا الاستدلال أنَّه مبنيٌّ على القول بمفهوم المخالفة والحنفيَّة لا يقولون به. وهذا أيضًا إذا سلَّمنا أنَّ له مفهومًا وإلاّ فقد تقدَّم القول بمنعه٢ وسيأتي أيضاً خلاصة الجواب عنه في مذهب أبي ثور الآتي٣ والله أعلم. ٢- ويمكن أيضاً أن يستدلَّ لمحمد بما ذكره السَّرَخْسِي في (المبسوط)

стр. 224

عن عليٍّ ﵁: "أنَّ امرأة زوَّجت ابنتها برضاها فجاء أولياؤها فخاصموها إلى عليٍّ ﵁ فأجاز النِّكاح"١. ولكن في الاستدلال به لما ذهب إليه محمد نظر أيضًا؛ فإنَّ إنكاح المرأة نفسها يبطل على رأيه إن لم يجزه الوليُّ، وهنا لم تكن إجازة بل خصام ومحاكمة. وإنَّما يمكن أن يستدلَّ به لأبي يوسف على قوله هذا إن كان الزوج كفؤاً، وإن لم يكن كفؤاً فلا دليل لهما فيه، لهذين القولين. والله أعلم. ٣- وأقرب ما يستدلُّ به لما ذهب إليه محمد ﵀ الخبر المشهور الذي رواه مالك وغيره، عن عائشة ﵂: "أنّها زوَّجت أبنة أخيها حفصة بنت عبد الرحمن المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام فلمَّا قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يصنع به هذا ويفتات عليه؟ فكلَّمت عائشة المنذر بن الزبير فقال المنذر: ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أردُّ أمراً قضيتِه، فقرَّت حفصة عند المنذر ولم يكن ذلك طلاقاً" رواه الإمام مالك وغيره وتقدم تخريجه٢. فإنَّ ظاهر هذا الخبر أنَّ عائشة ﵂ هي التي عقدت النِّكاح فأجازه عبد الرحمن.

стр. 225

وقد سبقت الإجابة١ عن هذا بأنَّ المقصود بتزويج عائشة ابنة أخيها "تمهيد النِّكاح وتقرير المهر وأحوال النِّكاح، وأنَّ الذي تولىَّ العقد حقيقة إنَّما هو بعض عصبتها، ونسب التزويج إليها لمَّا كان تقريره إليها؛ بدليل ما روى عنها "أنّها كانت تخطب إليها الجارية من أهلها فإذا بقيت عقدة النِّكاح قالت لبعض أهلها: زوِّج فإن النساء لا ينكحن"٢. وهذا هو الموافق لروايتها المرفوعة أنَّ إنكاح المرأة نفسها باطل، وإذا بطل تزويجها نفسها فتزويجها غيرها أولى بالبطلان. واللة أعلم. ٤- واستُدلَّ له من جهة المعقول: بأنَّ للوليِّ حقًا في النِّكاح؛ بدليل ثبوت حقِّ الاعتراض له أو الفسخ، ومن لا حقَّ له في عقد فلا يملك فسخه، والتصرف في حقِّ إنسان إنَّما يقف جوازه على إجازته، كالأمة إذا زوَّجت نفسها بغير إذن سيِّدها٣. والله أعلم. المذهب الخامس: صحته بإذن وليِّها. وأمّا المذهب الخامس: فهو التفريق بين من أذن لها وليُّها في إنكاح نفسها وبين من لم يأذن لها. فإن أذن لها وليُّها صحّ تولّيها عقد نكاحها. وإن لم يأذن لها فلا يصحّ.

стр. 226

وهذا هو مذهب أبي ثور رحمه الله١. والفرق بين مذهب أبي ثور ومذهب محمد بن الحسن رحمهما الله: هو أنَّ أبا ثور ﵀ يشترط لصحَّة تولِّي المرأة نكاحها أن يسبقه إذن لها من الوليِّ فلو عقدت بدون إذنه لم يصحّ عقدها ولو لحقه الإذن بعد ذلك.

стр. 227

وأما على المشهور من مذهب محمد بن الحسن- ﵀ فلا يشترط سبق الإذن، بل تكفى الإجازة بعد وقوعه، فإن أجازه بعد الوقوع جاز، وإن ردَّه انفسخ وبطل، فالإذن عنده أعمُّ من أن يكون سابقًا للعقد أو لاحقًا له. دليل أبي ثور ﵀. استدلَّ أبو ثور ﵀ لمذهبه هذا بحديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:" أيُّما امرأة نَكَحَت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحلَّ من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له"١. فإنَّ منطوق هذا الحديث يدلُّ على بطلان إنكاح المرأة نفسها بغير إذن وليِّها، ومفهومه يدلُّ على صحَّة إنكاحها نفسها بإذن وليِّها. وقد سبقت الإجابة٢عن هذا المفهوم مستوفاه في مناقشة الاستدلال بهذا الحديث على اشتراط الولاية في النّكاح فلا حاجة لاعادتها، ومن أقواها: أنَّه لا مفهوم، له لخروجه مخرج الغالب، أو أنّ المقصود بـ"إذن الوليّ": عقده بنفسه، أو عقد وكيله، فيكون المعنى "أيُّما امرأة نكحت بغير إنكاح وليّها-أصالةً أو وكالةً-فنكاحها باطل" كما أشار إليه الصنعاني وغيره. والله أعلم.

стр. 228

واستُدلَّ له أيضاً من جهة المعقول: بأنَّ الوليَّ إنّما يراد ليختار كفوءاً؛ لدفع العار وذلك يحصل بإذنه١. ولكن ماذا لو أنكحت نفسها كفؤاً بدون إذنه؟ أيجيزه أبو ثور ﵀ أم لا؟ فلو كانت كفاءة الزوج كافية للزمه تصحيحه، وإن كانت غير كافية ما لم يأذن لها قبل العقد علمنا أنَّ الولاية في النِّكاح لا تدور مع الكفاءة وجودًا وعدماً فلم يبق لأبي ثوررحمه الله فيما ذهب إليه غير مفهوم الحديث السابق؛ وقد تقدمت الإجابة عنه بالتفصيل فلتراجع٢.والله أعلم. المذهب السادس: اشتراط الولاية في النِّكاح على البكر دون الثَّيِّب. وأمَّا المذهب السادس فهو التفريق بين البكر والثَّيِّب، فإن كانت المرأة بكراً فلا نكاح لها إلا بوليٍّ، وإن كانت ثيِّباً صحّ لها أن تولِّي أمر نكاحها رجلاً من المسلمين فيزوِّجها ولا اعتراض لوليِّها عليها. وهذا مذهب داود الظاهري رحمه الله٣.

стр. 229

وظاهر من هذا المذهب أنَّه لا عبارة للمرأة في النِّكاح، سواء كانت بكراً أم ثيِّباً، ولكن للثيِّب خاصَّة أن تفوّض أمر نكاحها إلى رجل غير وليٍّ فينكحها. دليل داود الظاهري ﵀: واستدلَّ داود الظاهري ﵀ لمذهبه هذا بحديث ابن عباس ﵄ أنَّ النبيّ ﷺ قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". رواه مسلم وا لأربعة وغيرهم، وتقدم تخريجه١. فظاهر هذا الحديث التفريق بين البكر والثيِّب في الولاية، حيث جعل الثَّيِّب أحقَّ بنفسها من وليِّها، وذلك بخلاف البكر؛ فإنَّ ظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ أمرها بيد من يستأذنها، والله أعلم. وقد تقدَّمت مناقشة الاستدلال بهذا الحديث في مذهب الحنفية٢. ويكفي للإجابة عمَّا ذهب إليه داود الظاهري، ما قاله ابن حزم ﵀ حيث قال:"وهذا لو لم يأت غيره لكان كما قال أبوسليمان٣،

стр. 230

لكنَّ قوله: "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل" عموم لكلِّ امرأة، ثيِّب أو بكر، وبيان قوله ﵊ "الثَّيِّب أحقُّ بنفسها من وليِّها" أنَّه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها، ولا تُنكح إلاّ من شاءت، فإذا أرادت النِّكاح لم يجز لها إلاّ بإذن وليِّها، فإن أبى أنكحها السلطان على رغم أنف الوليِّ الآبي". اهـ١. وحكى النووي عن العلماء قولهم: "ناقض داود مذهبه في شرط الوليّ في البكر دون الثَّيِّب؟ لأنَّه إحداث قول في مسألة مختلف فيها، ولم يُسبق إليه، ومذهبه أنَّه لا يجوز إحداث مثل هذا والله أعلم" ا. هـ٢. المذهب السَّابع: اشتراط الولاية في النِّكاح على الشريفة دون الدَّنيئة: وأمَّا المذهب السابع: فهو القول بالتفريق بين الدَّنيئة والشريفة، فإن كانت المرأة شريفة فلا يصحّ لها نكاح إلا بوليّ، وإن كانت دنيئة صحّ نكاحها بالولاية العامَّة، فيصحُّ أن تجعل أمرها إلى رجل صالح من المسلمين فيعقد لها، ويصح نكاحها ولوتولَّى الزوج العقد بنفسه. وهذا القول مشهور عن الإمام مالك رحمه الله٣.

стр. 231

وهذا إذا وقع العقد، أمَّا القول بصحَّته ابتداء ففيه خلاف عند المالكية١. شرط القول بهذا المذهب. لا بدَّ في صحَّة نكاح الدَّنيئة بغير وليٍّ- على هذا المذهب- من شرطين: أوّلهما: ألاّ يوجد لها وليٌ خاص مجبر، فإن وجد الوليُّ الخاص٢ المجبر فلا يصحُّ نكاحها بالولاية العامَّة، ولا بدّ من فسخه حتى ولو أجازه الوليُّ الخاص المجبر بعد ذلك٣. وثانيهما: ألاَّ تتولَّى هي بنفسها عقدة النِّكاح، ولا تتولاّه لها امرأة، بل تستخلف رجلاً من المسلمين فيتولَّى أمر نكاحها، فإن باشرته بنفسها أو امرأة لها فلا يصحُّ ذلك النِّكاح، ويفسخ إن وقع، ففي المدونّة قلت٤: أرأيت لو أنَّ امرأة زوَّجت نفسها ولم تستخلف من يزوِّجها بغير أمر الأولياء، وهي ممن الخطب لها، أو هي ممن لا خطب لها؟ قال: قال

стр. 232

مالك: لا يُقرُّ هذا النِّكاح أبدًا على حال، وإن تطاول وولدت منه أولادًا، لأنَّها هي عقدت عقدة النِّكاح فلا يجوز ذلك على حال" اهـ١. المقصود بالشريفة والدَّنيئة في هذا المذهب. يعرّف المالكية المرأة الشريفة: بأنَّها ذات القدر والموضع، وكلًّ من يرغب فيها لنسب أو حسب أو مال أو جمال٢. وأمَّا المرأة الدَّنيئة: فهي المرأة التي لا قدر لها ولا خطب، ممن لا يرغب فيها لنسب، ولا حسب، ولا مال، ولا جمال٣. ويمثِّلون لها: بالمرأة السوداء، أو التي أسلمت، أو أعتقت٤. ولكنَّ المحقِّقين منهم يعترضون على هذا الإطلاق ويقولون: إنّ وصف الدناءة لايعمُّ كلَّ امرأة سوداء، كما لايعمُّ جميع من أسلمن، ولا من أُعتقن؛ لأنَّ كلَّ واحدة منهنَّ قد تكون من ذوات الأقدار التي يرغب فيها، وإنَّما المراد بالدنيئة من كان منهنَّ غريبًا غير معروف، ولا مال له، ولا جمال٥.

стр. 233

كما جاء عن مالك أنَّهم قوم من: القِبْطِ يقدمون من مصر إلى المدينة وهم سود، أي لا كلّ سوداء١ فإن كانت واحدة ممن ذكر عفيفة حيِّية لا ترضى الدناءة فهي شريفة٢. توجيه هذه الرواية عن مالك ﵀. إنَّ الظاهر في توجيه هذه الرواية للإمام مالك ﵀: هو النظر منه إلى المصلحة في نكاح من هذا شأنها من النّساء، ويدلّ على ذلك قول الباجي٣ في المنتقى: "ووجه رواية الإجازة أنَّ الدَّنيئة يتعذَّر عليها رفع أمرها إلى الحاكم، فلو كلّفت ذلك لأضرَّ بها وتعذَّر نكاحها"٤. وكذلك تعليل بعضهم الجواز بقولهم: (لأنَّ كلَّ واحد كفؤ لها) ٥. ومع هذا، فإنَّ هذه التعليلات لا تخلو من نظر، فقول الباجي:

стр. 234

إنّما يتّجه لو لم يكن لها وليّ إلاّ الحاكم، وأمَّا على المشهور من هذه الرواية: وهو أنّه يصحّ لها أن تولّي أمرها من شاءت من المسلمين- حتى وإن وجد وليُّّها الخاص غير المجبر- فلا يتّحه؛ إذ كيف يتعذَّر عليها رفع أمرها إلى أخيها، أو عمّها من أوليائها الحاضرين، غير المجبرين؟. وأمَّا تعليلهم بأنَّ كلَّ واحد كفؤ لها، فقد سبق مراراً في هذا البحث القول بأن مسألة الولاية غير مسألة الكفاءة، فإنَّ الكفاءة وإن كانت من أظهر الحكم في اشتراط نصب الوليّ إلاّ أنّ حصر علَّة الولاية فيها لا تخرج عن كونها دعوى، والله أعلم. وقدحكى القرطبي عن ابن عبد البر قوله: "وأمّا تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر، فغيرجائز، لأنَّ النبيّ ﷺ قد بيَّن أحكامهم فقال "المسلمون تتكافؤ دماؤهم"١، وإذا كانوا في الدِّماء سواء فهم في غير ذلك شيء واحد"٢. ثم حكى القرطبي أدلّة اشتراط الولاية في النِّكاح، وعقَّب عليها بقوله:"ولم يفرّقوا- أي المشترطين- بين دنيّة الحال وبين الشريفة؛ لإجماع العلماء على أن لا فرق بينهما في الدِّماء لقوله ﵇:

стр. 235

"المسلمون تتكافؤ دماؤهم" وسائر الأحكام كذلك، وليس في شيء من ذلك فرق بين الرفيع والوضيع". انتهى١. وقال ابن حزم: "وأمّا قول مالك فظاهر الفساد؟ لأنّه لا فرق بين - الدَّنيئة وغير الدَّنيئة، وما علمنا الدناءة إلاّ معاصي الله تعالى، وأمّا السوداء والمولاة فقد كانت أمُّ أيمن٢ ﵂ سوداء ومولاة، ووالله ما بعد أزواجه ﵊ في هذه الأمّة امرأة أعلى قدرًا عند الله تعالى وعند أهل الإسلام كلِّهم منها. وأمّا الفقيرة: فما الفقر دناءة، فقد كان في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- الفقير الذي أهلكه الفقر، وهم أهل الشرف والرفعة حقًّا، وقد كان قارون وفرعون وهامان من الغنى بحيث عرف، وهم أهل الدَّناءة والرَّذالة حقًّا.

стр. 236

وأمّا النّبطيّة: فربّ نبطيّة لا يطمع فيها كثير من قريش ليسارها وعلو حالها في الدنيا، وربّ بنت خليفة هلكت فاقة وجهدًا وضياعًا١٠ انتهى المقصود من كلامه. هذه خلاصة ما روى عن مالك في التفريق بين الدنيئة والشريفة في اشتراط ولاية النِّكاح، وما قيل في الرّد عليها. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ هذه الرواية عن مالك-﵀ تحتاج إلى تحقيق في صحّتها، وما يقصد بها قبل تفنيدها، والتَّشنيع على مالك بسببها. والذي يظهر لي فيها- والله أعلم-: أنَّ مالكا إنَّما قصد بها- إن صحّت عنه- امرأة لا مطمع فيها، ولا وليّ لها، مجبراً كان أو غير مجبر إلاّ الحاكم، ولا قدرة لها على رفع أمرها إليه، فإذا كان حالها كذلك فما السبيل إلى نكاحها؟ ومن وليُّها غير ما فعلت من إسناد أمر نكاحها إلى رجل من المسلمين فينكحها؟ وهذه ضرورة لها نظائرها في مذهب الشافعية والحنابلة، ويدلُّ على وجهة النظر هذه مايلي: ١- ما روى عن مالك في وصف الدنية: أنَّهم قوم من القبط يقدمون من مصر إلى المدينة وهم سود٢. فأمثال هؤلاء غرباء في المدينة، ويغلب على الظّنّ أنَّ المرأة منهم لا وليَّ لها حاضر سواء كان مجبراً أم غير مجبر.

стр. 237

٢- ما رواه أشهب ١ عن مالك في المدنِيَّة ٢ تولِّي رجلاً ينكحها نهى عن ذلك وقال: "إذا عملت به ضاعت الفروج"٣. ٣- أن هذه الرواية- أي التفريق بين الدنيئة والشريفة- مشهورة عن ابن القاسم٤ عن مالك، وقد أنكر ابن الماجشون٥ رواية ابن القاسم هذه وقال: إنَّما قال مالك ذلك في الأعجميّة تعمد للرّجل فيلي منها ما يلي من مولاته، لا بأس أن يعقد نكاحها بإذنها إذا لم يكن لها وليٌّ) ٦.

стр. 238

٤- أنّ نصّ رواية ابن القاسم في الواضحة١ إنَّما هي في الدنيئة التي ليس لها ولي بقرابة ولا ولاية فيزوّجها الأجنبي دون الإمام٢.والله أعلم. فهذه أربعة نصوص فيها ما يكفي لبيان المراد بالدَّنيئة عند الإمام مالك، كما ظهر لي، والعلم عند الله تعالى. خاتمة هذا الفصل وبيان الرَّاجح: إنّ حكم الولاية في النِّكاح على الحرَّة المكلَّفة هو أهمُّ مسألة في بحثنا هذا- كما قلت سابقًا- ولقد طال وقوفنا عندها، وهي حريّة بذلك، وذلك تبيانًا لأقوال العلماء فيها، وتتبُّع أدلِّتهم وتأمّل دلالتها وصحَّتها ومناقشتها دليلاً دليلاً- كما سبق بيانه- ومن تأمَّلها فلن يخفى عليه- بحمد الله- أرجحها دليلاً، وأحظاها قبولاً عند الأمَّة وهو مذهب الجمهور القائلين باشتراط الولاية في النِّكاح. وقد سبقت أدلُّتهم من الكتاب والسنّة والأثر والمعقول، وتلك هي الحجَّة فيما اخترناه، ولكن زيادة في الإيضاح والبيان نختم هذا المبحث بكلمتين أخيرتين هامَّتين: الأولى: تتعلَّق بمنشأ الخلاف في هذه المسألة.

стр. 239

والثَّانية: تتعلّق ببيان قوّة أدلَّة مذهب الجمهور. فأمَّا منشأ الخلاف في هذه المسألة فهو ضعف أدلَّة الولاية في النِّكاح عند من لم يشترطها، أو تأويلها دفعًا للتعارض بينها وبين أدلَّه أخرى، وهذا بخلاف الأمر عند الجمهور الذين قالوا باشتراط الولاية في النِّكاح، فقد صحَّ عندهم الدليل ودلالته، وقامت الحجّة بالعمل به، ولبيان هذه الحقيقة إليك ذكر ثلاثة نصوص للأئمة تبيِّن مجمل اتجاهاتهم: أوَّلها: قول ابن رشد في (بداية المجتهد) : وسبب اختلافهم-[أي العلماء]- أنّه لم تأت آية ولا سنّة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النِّكاح، فضلاً عن أن يكون في ذلك نصٌّ، بل الآيات والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلّها محتملة، وكذلك الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط إسقاطها هي أيضاً محتملة في ذلك، والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها، إلاّ حديث١ ابن عباس، وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمة" اهـ٢. وثانيها: قول الزيلعي صاحب (تبيين الحقائق) : "وقد رووا-[يعني المشترطين للولاية]- في كتبهم أحاديث كثيرة ليس لها صحّة عند أهل

стр. 240

النقل، حتى قال البخاري وابن معين لم يصحّ في هذا الباب حديث- يعنى على اشتراط الولاية" اهـ١. وثالثها: قول النووي في شرح مسلم: "واحتج أبو حنيفة بالقياس على البيع وغيره، فإنّهاتستقلُّ فيه بلا وليٍّ، وحمل الأحاديث في اشراط الوليِّ على الأمة والصغيرة، وخصّ عمومها بهذا القياس، وتخصيص العموم بالقياس جائز عند كثير من أهل الأصول" اهـ٢. فهذه ثلاثة نصوص للعلماء، منهم المضعّف لاشتراط الولاية في النِّكاح مخالفاً إمامه كابن رشد المالكي، ومنهم المنتصر لمذهب إمامه كالزيلعي الحنفي صاحب تبيين (الحقائق) ، ومنهم المبيِّن لمذهب من خالفه، كالنووي الشافعي. ومن أجل ذلك طال وقوفنا عند أدلة هذه المسألة إثباتاً ونفياً وتفصيلاً، بحثا عن صحَّة أسانيدها، ودلالة متونهالمذهب من استدلَّ بها، مستعيناً في كلِّ ذلك بالله ، ثم بفهم كلِّ ذي فنٍّ في فنّه. فهذه خلاصة ما أحببت الإشارة إليه في خاتمة هذا الفصل مما يتعلَّق بمنشأ الخلاف في هذه المسألة، والله المستعان.

стр. 241

وأمَّا الكلمة الأخيرة التي تتعلَّق بصحَّة ما سبق ترجيحه وهو مذهب الجمهور فهو: أنَّ أحاديث اشتراط الولاية في النّكاح قد ثبتت صحَّتها- كما سبق- وظهرت دلالتها مع ما يشهد لها من ظاهر الكتاب العزيز، ومثل تلك الأحاديث لا يمكن أن توصف بعدم الصحَّة مطلقًا، ولا أنَّه ليس فيها ولا في آيات الكتاب العزيز نصٌّ، ولا ظاهر على اشتراط الولاية في النِّكاح، ولا موجب لتأويلها، مع ما يعضدها من الآثار المرويَّة عن الصحابة، وما صحبها من عمل الأمَّة وبيان ذلك ما يلي: أوَّلاً: أنَّ آيات الكتاب العزيز أظهر في الدّلالة على اشتراط الولاية في النّكاح منها على غيره، فقد جاء الأمر والنهي والحصر خطابًا للأولياء دون النساء. فالأمر قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم﴾ ١. والنهي قوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ﴾ ٣ على ما سبق بيانه.

стр. 242

وأمَّا الحصر ففي قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح﴾ ١ على ما سبق بيانه من أنَّ الذي بيده عقدة النِّكاح هو الوليّ، ُ الذي بيده إبرامها لا الزَّوج الذي بيده حلّها٢. وليس مع من أسقطها سوى إسناد النّكاح إليهنَّ في بعض الآيات مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه﴾ ٣، وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُن﴾ ٤، ولا يلزم من هذ الإسناد استقلالهنّ به دون أوليائهنّ، ولا مانع من هذا الإسنادي لتوقُّف عقد النّكاح على رضاهنَّ، فهنّ محلّه وسببه٥. وهذا إذا قلنا: إنَّ النِّكاح حقيقة في العقد، كما هو الأظهر والأشهر في استعمال القرآن الكريم والسنة النبوية. وأمَّا على القول الآخر وهو أنّه: حقيقة في الوطء، كما يقوله الحنفية المحتجُّون بتلك الآيات على استقلال المرأة بنكاحها، فلا يخفى

стр. 243

حينئذ حقيقة إسناد النِّكاح إليهنّ، وانتفاء دلالته على صحَّة عقدهن. والله أعلم. ثانيًا: وأمَّا السُّنَّة النبويّة فهي أظهر وأدلّ على اشتراط الولاية في النِّكاح مما جاء في الكتاب العزيز، بل إنَّها العمدة في ذلك عند كثير ممن اشترطها، وقد سبق بيانها: متنًا وإسنادًا. وحسبنا حديث "لا نكاح إلا بوليّ" الذي صحّ مخرجه، وتواتر معناه، عن جمع من الصحابة. وليس مع من أسقطها أقوى من حديث "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها" وقد سبق القول أنَّ لكلٍّ منهما حقَّا، فحقُّها الرضى، وحقُّه العقد عليها برضاها، وهذا أولى ما ينبغي أن يجمع به بينه وبين حديث "لا نكاح إلا بوليّ" وما في معناه، كما اختاره كثير من المحقِّقين في هذه المسألة. فقد قال الشوكاني في (نيل الأوطار) : "والتحقيق أنَّه ليس إلى المكلَّفة إلاّ الرضى" ١. وقال صاحب٢ (الروضة النديَّة) : "الأدلّة الدّالّة على اعتبار الوليّ،

стр. 244

وأنَّه لا يكون العاقد سواه، وأنَّ العقد من المرأة لنفسها بدون إذن وليِّها باطل قد رويت من طريق جماعة من الصحابة، فيها الصحيح والحسن، وما دونهما، فاعتباره متحتِّم، وعقد غيره مع عدم عضله باطل بنصِّ الحديث، لا فاسد على تسليم أنَّ الفساد واسطة بين الصِّحَّة والبطلان، ولا يعارض هذه الأحاديث حديث "الثيّب أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر تستأذن". ونحوه كحديث "ليس للوليّ مع الثيّب أمر، واليتيمة تستأمر"؛ لأنَّ المراد أنَّها أحقّ بنفسها في تعيين من تريد نكاحه إن كانت ثيِّبًا، والبكر يمنعها الحياء من التعيين فلا بدّ من استئذانها، وليس المراد أنَّ الثَّيِّب تزوِّج نفسها، أو توكِّل من يزوِّجها، مع وجود الوليّ، فعقد النّكاح أمر آخر. وبهذا تعلم أن لا وجه لما ذهبت إليه الظاهريّة من اعتبار الوليّ في البكر دون الثيّب"١ انتهى المقصود من كلامه. وأمَّا قول الزيلعي- صاحب (تبيين الحقائق) - أنّ من يشترط الولاية يوردون أحاديث في كتبهم لم تثبت عند أهل النقل، مؤيِّدًا ذلك بما حكاه عن البخاري وابن معين: فإنَّني لم أجد موافقًا له على نسبة هذا القول

стр. 245

للبخاري وابن معين، بل الذي وقفت عليه أنَّ البخاري وابن معين من جملة من صحح أحاديث اشتراط الولاية في النّكاح كما سبق١. فأمّا البخاري: فقد سئل عن وصل إسرائيل حديث "لا نكاح إلاّ بوليٍّ" فقال: الزِّيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، فإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإنَّ ذلك لا يضر الحديث٢. وقد ترجم البخاري في صحيحه بلفظ هذا الحديث فقال: باب من قال "لا نكاح إلاّبوليّ"٣. إلأ أنَّه لم يخرِّج هذا الحديث في صحيحه مع الأحاديث التي خرَّجها في هذا الباب؛ لأنَّه ليس على شرطه كما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح٤. ومعلوم أنَّ البخاري لم يلتزم في كتابه إخراج كلِّ ما صحّ عنده، بل التزم إخراج ما صحّ على شرطه مما يعتبره أصحّ الصحيح. وأمّا يحيى بن معين: فالذي نقل عنه أنَّه قال: "ليس يصحّ في هذا شيء إلأحديث سليمان بن موسى"، يعني حديث عائشة - رضي الله

стр. 246

عنها - بلفظ "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل- ثلاثًا-" الحديث. وابن معين إنَّما قال هذا: في حديث عائشة هذا، أي أنَّه لا يصحّ من طرق أسانيده سوى طريق سليمان بن موسى، وأمَّا بقيَّة طرقه فهى ضعيفة عنده ولا يقصد بهذا نفي صحَّة حديث أبي موسى وغيره، بلفظ "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، كما نبّه على ذلك البيهقي١. وقد تقدّم في الكلام على حديث عائشة هذا: أن ابن معين وأحمد ابن حنبل قد ضعّفا حكاية ابن عليَّة في قوله: "ثم لقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرفه"، وصحّحا حديث سليمان بن موسى هذا٢. وبهذا يكون البخاريُّ قد صحّح حديث أبي موسى "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، وابن معين ممن صحّح حديث عائشة "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل".. الحديث. وهذان الحديثان هما عمدة هذا الباب. ثم كيف يقال إنَّ من يشترط الولاية في النِّكاح يحتجّ بأحاديث لم تصحّ عند أهل النقل، وقد احتجّ الحنفيّة أنفسهم ببعضها لاشتراط الشهادة والكفاءة في النّكاح، مع أنَّ ما ورد في الشهادة والكفاءة لا يصل إلى درجة ما ثبت في الولاية.

стр. 247

ففي اشتراط الكفاءة استدلّوا بحديث جابر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ألا لا يزوّج النساء إلاَّ الأولياء ولا يزوَّجن إلاَّ من الأكفاء" ١. مع ما في سند هذا الحديث من الضعف الشديد٢. وقد أطال ابن الهُمام في الدِّفاع عنه، ونقل تحسينه٣، فيا حبَّذا لو صحّ! وأمّا في اشتراط الشهادة فاستدلوا بحديث "لا نكاح إلاّ بشهود". وقد نقل غير واحد من أهل العلم بالحديث أنَّه لا يصحّ في باب الشهادة إلأ حديث عائشة بلفظ: "لا نكاح إلاّ بوليٍّ وشاهدَيْ عدلٍ، وماكان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا ولي له" ٤. ولذلك ألزم الشافعي ﵀ من ناظره في اشتراط الولاية في النّكاح القول بها؛ لاحتجاجه لاشتراط الشهادة ببعض طرق أحاديث الولاية فقال: "خالفنا بعض الناس فقال: إذا نكحت المرأة كفؤًا بمهر مثلها فالنِّكاح جائز، وإن لم يزوّجها الوليّ، وإنَّما أريد بهذا أن يكون ما يفعل

стр. 248

أن يأخذ به حظَّها، فإذا أخذته كما يأخذه الوليُّ فالنِّكاح جائز، وذكرتُ له بعض ما وصفت١ من الحجَّة في الأولياء وقلت له: أرأيت لو عارضك معارض بمثل حجَّتك؟ فقال: إنّما أريد من الإشهاد أن لا يتجاحد الزّوجان، فإذانكحهابغيربيِّنة فالنِّكاح ثابت، فهوكالبيوع تثبت وإن عقدت بغير بيِّنة؟ قال: ليس ذلك له، قلنا: ولم؟ قال: لأنَّ سنّة النّكاح البيِّنة، فقلت له: الحديث في البيِّنة عن النبيّ ﷺ منقطع٢، وأنت لا تثبت المنقطع، ولو أثبتّه دخل عليك الوليّ، قال: فإنّه عن ابن عباس وغيره متَّصل. قلت: وهكذا أيضًا الوليّ عنهم، والحديث عن النبيّ ﷺ "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل"، وعن عمر ﵁ "أنّه ردّ النّكاح بغير إذن الوليّ"، وعن غيره من أصحاب النبيّ ﷺ . فكيف أفسدت النّكاح بترك الشهادة فيه، وأثبتّه بترك الوليّ، وهو أثبت في الأخبار من الشهادة، ولم تقل إنَّ الشهود إنّما جعلوا لاختلاف

стр. 249

الخصمين، فيجوز إذا تصادق الزوجان، وقلت: لا يجوز لعلَّة في شيء جاءت به سنّة، وما جاءت به سنّة، فإنَّه يثبت بنفسه ولا يحتاج إلى أن يقاس على سنّة أخرى؛ لأنّا لا ندري لعلَّه أُمر به لعلَّة أم لغيرها، ولو جاز لنا هذا أبطلنا عامَّة السنن، وقلنا: إذا نكحت بغير صداق ورضيت لم يكن لها صداق وإن دخل بها؛ لأنّا إنّما نأخذ الصداق لها، وأنّها إذا عفت عن الصداق جاز فنجيز النّكاح والدخول بلا مهر، فكيف لم تقل في الأولياء هكذا؟ قال١: فقد خالفت صاحبي في قوله في الأولياء، وعلمت أنَّه خلاف الحديث، فلا يكون النّكاح إلأ بوليٍّ٢". انتهى المقصود من كلام الشافعي ﵀، وإنّما نقلته لبيان أن السنّة إذا ثبتت فلا يعدل عنها لمجرَّد الاحتمالات المخالفة لظاهرها، وإلاّ لأبطلت عامّة السنن، كما قاله الشافعي ﵀، فمثلاً: يعلّل الولي ّوالشهادة والصداق بنحو ما تقدّم، فينتج عن ذلك نكاح بدون وليٍّ، ولا شهود، ولا مهر، وهذا لم يقل بصحته أحد. والله أعلم. ثم إنّ هناك أحاديث صحيحة لم يسبق ذكرها وأشار إلى بعضها بعض العلماء ولم يشتهرالاستدلال بها مثل:

стр. 250

١- الحديث المتفق عليه: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنْكَح البكر حتى تستأذن"١. فالمخاطب في هذا الحديث هو الوليُّ قطعًا، ولو كان نكاح المرأة بيدها بكرًا كانت أم ثيِّبًا- لخلا هذا الخطاب من الفائدة؛ إذ لن يتصوَّر إجبارها إلاّ ممن يملك عقدة النّكاح، وإلاّ لأشبه قول من يقول: "لا يُنْكح الرجل حتى يستأمر"، وهذا لغو من الكلام؛ إذ لا مجبر له بغير أمره وإذنه، وهذا الحديث- فيما يظهر لي- من أقوى الأدلة على اشتراط الولاية على المرأة الحرَّة، المكلّفة، بكرًا أم ثيّبًا؟ إذ إنّها إن لم تكن هي المقصودة في هذا الحديث دون الصغيرة والأمة فلا مخرج لها من عمومه. ٢- حديث "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". رواه الترمذي، وابن ماجه والحاكم والبيهقي٢.
следующие страницы →