عنها - بلفظ "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل- ثلاثًا-" الحديث.
وابن معين إنَّما قال هذا: في حديث عائشة هذا، أي أنَّه لا يصحّ من طرق أسانيده سوى طريق سليمان بن موسى، وأمَّا بقيَّة طرقه فهى ضعيفة عنده ولا يقصد بهذا نفي صحَّة حديث أبي موسى وغيره، بلفظ "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، كما نبّه على ذلك البيهقي١.
وقد تقدّم في الكلام على حديث عائشة هذا: أن ابن معين وأحمد ابن حنبل قد ضعّفا حكاية ابن عليَّة في قوله: "ثم لقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرفه"، وصحّحا حديث سليمان بن موسى هذا٢.
وبهذا يكون البخاريُّ قد صحّح حديث أبي موسى "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، وابن معين ممن صحّح حديث عائشة "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل".. الحديث. وهذان الحديثان هما عمدة هذا الباب.
ثم كيف يقال إنَّ من يشترط الولاية في النِّكاح يحتجّ بأحاديث لم تصحّ عند أهل النقل، وقد احتجّ الحنفيّة أنفسهم ببعضها لاشتراط الشهادة والكفاءة في النّكاح، مع أنَّ ما ورد في الشهادة والكفاءة لا يصل إلى درجة ما ثبت في الولاية.
стр. 247
ففي اشتراط الكفاءة استدلّوا بحديث جابر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ألا لا يزوّج النساء إلاَّ الأولياء ولا يزوَّجن إلاَّ من الأكفاء" ١. مع ما في سند هذا الحديث من الضعف الشديد٢.
وقد أطال ابن الهُمام في الدِّفاع عنه، ونقل تحسينه٣، فيا حبَّذا لو صحّ!
وأمّا في اشتراط الشهادة فاستدلوا بحديث "لا نكاح إلاّ بشهود". وقد نقل غير واحد من أهل العلم بالحديث أنَّه لا يصحّ في باب الشهادة إلأ حديث عائشة بلفظ: "لا نكاح إلاّ بوليٍّ وشاهدَيْ عدلٍ، وماكان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا ولي له" ٤.
ولذلك ألزم الشافعي ﵀ من ناظره في اشتراط الولاية في النّكاح القول بها؛ لاحتجاجه لاشتراط الشهادة ببعض طرق أحاديث الولاية فقال: "خالفنا بعض الناس فقال: إذا نكحت المرأة كفؤًا بمهر مثلها فالنِّكاح جائز، وإن لم يزوّجها الوليّ، وإنَّما أريد بهذا أن يكون ما يفعل
стр. 248
أن يأخذ به حظَّها، فإذا أخذته كما يأخذه الوليُّ فالنِّكاح جائز، وذكرتُ له بعض ما وصفت١ من الحجَّة في الأولياء وقلت له: أرأيت لو عارضك معارض بمثل حجَّتك؟ فقال: إنّما أريد من الإشهاد أن لا يتجاحد الزّوجان، فإذانكحهابغيربيِّنة فالنِّكاح ثابت، فهوكالبيوع تثبت وإن عقدت بغير بيِّنة؟ قال: ليس ذلك له، قلنا: ولم؟ قال: لأنَّ سنّة النّكاح البيِّنة، فقلت له: الحديث في البيِّنة عن النبيّ ﷺ منقطع٢، وأنت لا تثبت المنقطع، ولو أثبتّه دخل عليك الوليّ، قال: فإنّه عن ابن عباس وغيره متَّصل. قلت: وهكذا أيضًا الوليّ عنهم، والحديث عن النبيّ ﷺ "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل"، وعن عمر ﵁ "أنّه ردّ النّكاح بغير إذن الوليّ"، وعن غيره من أصحاب النبيّ ﷺ .
فكيف أفسدت النّكاح بترك الشهادة فيه، وأثبتّه بترك الوليّ، وهو أثبت في الأخبار من الشهادة، ولم تقل إنَّ الشهود إنّما جعلوا لاختلاف
стр. 249
الخصمين، فيجوز إذا تصادق الزوجان، وقلت: لا يجوز لعلَّة في شيء جاءت به سنّة، وما جاءت به سنّة، فإنَّه يثبت بنفسه ولا يحتاج إلى أن يقاس على سنّة أخرى؛ لأنّا لا ندري لعلَّه أُمر به لعلَّة أم لغيرها،
ولو جاز لنا هذا أبطلنا عامَّة السنن، وقلنا: إذا نكحت بغير صداق ورضيت لم يكن لها صداق وإن دخل بها؛ لأنّا إنّما نأخذ الصداق لها، وأنّها إذا عفت عن الصداق جاز فنجيز النّكاح والدخول بلا مهر، فكيف لم تقل في الأولياء هكذا؟ قال١: فقد خالفت صاحبي في قوله في الأولياء، وعلمت أنَّه خلاف الحديث، فلا يكون النّكاح إلأ بوليٍّ٢". انتهى المقصود من كلام الشافعي ﵀، وإنّما نقلته لبيان أن السنّة إذا ثبتت فلا يعدل عنها لمجرَّد الاحتمالات المخالفة لظاهرها، وإلاّ لأبطلت عامّة السنن، كما قاله الشافعي ﵀، فمثلاً: يعلّل الولي ّوالشهادة والصداق بنحو ما تقدّم، فينتج عن ذلك نكاح بدون وليٍّ، ولا شهود، ولا مهر، وهذا لم يقل بصحته أحد. والله أعلم.
ثم إنّ هناك أحاديث صحيحة لم يسبق ذكرها وأشار إلى بعضها بعض العلماء ولم يشتهرالاستدلال بها مثل:
стр. 250
١- الحديث المتفق عليه: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنْكَح البكر حتى تستأذن"١.
فالمخاطب في هذا الحديث هو الوليُّ قطعًا، ولو كان نكاح المرأة بيدها بكرًا كانت أم ثيِّبًا- لخلا هذا الخطاب من الفائدة؛ إذ لن يتصوَّر إجبارها إلاّ ممن يملك عقدة النّكاح، وإلاّ لأشبه قول من يقول: "لا يُنْكح الرجل حتى يستأمر"، وهذا لغو من الكلام؛ إذ لا مجبر له بغير أمره وإذنه، وهذا الحديث- فيما يظهر لي- من أقوى الأدلة على اشتراط الولاية على المرأة الحرَّة، المكلّفة، بكرًا أم ثيّبًا؟ إذ إنّها إن لم تكن هي المقصودة في هذا الحديث دون الصغيرة والأمة فلا مخرج لها من عمومه.
٢- حديث "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". رواه الترمذي، وابن ماجه والحاكم والبيهقي٢.
стр. 251
٣- وحديث: "يا بني بَيَاضةَ أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه".
رواه: أبو داود، وا بن حبّان، والدارقطني، والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأقرّه الذهبي، وحسنه الحافظ في (التلخيص الحبير) ١، وقال في (بلوغ المرام) : رواه أبو داود، والحاكم بسند جيد٢.
فالمخاطب في هذه الأحاديث هم الأولياء قطعاً، ولا معنى لأمرهم بشيء ليس بيدهم عقدته، والله أعلم.
стр. 252
وأمّا قول النووي رحمه الله١: إنَّ أبا حنيفة- ﵀ احتجَّ بالقياس على البيع وغيره؛ فإنّها تستقلُّ فيه بلا وليٍّ، ثم حمل الأحاديث الواردة في اشتراط الوليّ على الأمة والصغيرة.
فيقال: إن قياس النّكاح على البيع ونحوه لا يصحّ لأمرين:
أولهما: أنّه قياس مع النصّ، ومثله يكون فاسد الاعتبار.
وثانيهما: أنّه قياس مع الفارق، فإنّه لا يخفى أهميّة عقد النّكاح على غيره من عقود المعاملات.
وأمَّا حمل تلك الأدلة على الصغيرة والأمة فهو مناف لعموم تلك الأدلَّة مع إخراجها عن الفائدة.
وأمَّا تخصيص عمومها بالقياس، فقد عقّب عليه الحافظ ابن حجر وتبعه الشوكاني: بأنّه قياس فاسد الاعتبار؛ لحديث معقل بن يسار، فإنّ أخته كانت حرّة بالغة ثيّبًا٢.
"وقال الشافعي ﵀ في مناظرة له في هذه المسألة-: إنّما القياس الجائز أن يشبّه ما لم يأت فيه حديث بحديث لازم، فأمّا أن تعمد إلى حديث، والحديث عامّ فتحمله على أن يقاس، فما للقياس ولهذا
стр. 253
الموضع إذا كان الحديث يقاس؟ فأين المنتهى إذا كان الحديث قياساً اهـ١ وبهذا نعلم قوّة أدلّة السنّة النبوية على اشتراط الولاية في النّكاح.
ثالثاً: وأمّا ما روى عن الصحابة فهو شبه إجماع على اشتراط الولاية في النّكاح، فقد تناقل العلماء قول ابن المنذر: إنّه لا يعرف عن الصحابة خلاف ذلك "أي خلاف القول بأنّه "لا نكاح إلاّ بوليّ". وقد صحّ عن أبي هريرة ﵁ قوله: "كانوا يقولون: إنّ المرأة التي تزوّج نفسها هي: الزّانية". وفي لفظ: "كنّا نعدّ التي تنكح نفسها هي الزانية"، ونحو ذلك٢.
وروي نحوه عن ابن عباس بلفظ: "البغايا اللاَّتي ينكحن أنفسهن بغيرالأولياء"٣.
فلو قيل: إنَّ هذا إجماع من الصحابة لكانت هذه المسألة أسعد به من كثير من المسائل التي ادّعى فيها الإجماع؛ فإنّه لا يعرف عن الصحابة أنّه تنازع اثنان منهم في حكم الولاية على المرأة، كما ينقل غالبًا في مسائل الخلاف، فإمّا أن يقال: إنَّ ذلك إجماع منهم على عدم اشتراط
стр. 254
الولاية في النّكاح، وهذا لا يستطيع أحد أن يتجرأ على القول به، وإمَّا أن يقال: إنَّ ذلك إجماع منهم على اشتراطها، وعلى هذا يدلّ فعلهم وقولهم وروايتهم عن نبيّهم ﷺ ، وظاهر كتاب ربّهم، وليس مع من خالف سوى ما روي عن عائشة وعلي ﵄ كما سبق- مما يستظهر منه صحّة إنكاح المرأة نفسها. وقد صحّ عن علي وعائشة من روايتهما ورأيهما ما يخالفه مع احتمال ما روي عنهما في صحّة تزويج المرأة نفسها في دلالته وثبوته كما سبق بيانه١. والله أعلم.
رابعًا: وأمّا المعقول: فقد أجمع الموافق والمخالف على أنّه لا كرامة للنّساء في مباشرة عقود الأنكحة، أو الاستبداد بتفويضها إلى من شئن من الأجانب، ولم ينقل أيضًا عن أحد ممن صحّح إنكاح المرأة نفسها أنّه قبل نكاحًا لنفسه بدون وليّ، أو طابت نفسه لبناته وأخواته ونحوهنَّ ممن له عليهنَّ الولاية أن يستبددن بأنكحتهنَّ دونه، حتى ولو نكحن أكفأ الناس عنده.
خامسًا: وأمّا عمل الأمَّة: فإنَّ العرف المعروف بين المسلمين في مختلف عصورهم هو أن أنكحة النّساء بأيدي أوليائهن من الرِّجال، كما قال الترمذي ﵀: "والعمل في هذا الباب على حديث النبيّ ﷺ "لا
стр. 255
نكاح إلاّ بوليّ" عند أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ ، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم. وهكذا روى عن بعض التابعين أنّهم قالوا "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، منهم: سعيد بن المسيَّب، والحسن البصري، وشريح وإبراهيم النّخعي، وعمر بن عبد العزيز، وبهذا يقول سفيان الثوري، وا لأوزا عي، وما لك، وعبد الله ابن المبارك، والشا فعي، وأحمد، وإسحاق". هـ ١.
وروى البيهقي بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد ٢، عن أبيه، عن الفقهاء الذين يُنتهى إلى قولهم من تابعي أهل المدينة كانوا يقولون: "لا تعقد المرأة عقدة النّكاح في نفسها ولا في غيرها"٣.
وحكى ابن العربي أنَّ اشتراط الولاية في النّكاح قول المالكية، وفقهاء الأمصار، ثم قال: "وقال أبو حنيفة: لا يفتقر النّكاح إلى وليٍّ. وعجبًا له متى رأى امرأة قط عقدت نكاح نفسها"٤.
стр. 256
سادسًا: إنَّ اشتراط الولاية في النّكاح يترجَّح بقاعدتين من قواعد الترجيح المعروفة في الأصول وهما:
الأولى: أنَّ أدلَّة اشتراط الولاية ناقلة عن الأصل وهو براءة الذمَّة حتى يقوم الدليل، ومن أسقطها فهو متمسِّك بتلك البراءة؛ والدليل الناقل عن الأصل مقدَّم؛ لأنّه شرع زائد على المعهود، كما قالوا: إنَّ المثبت مقدّم على النافي، ولذلك قال ابن حزم في ترجيح أحاديث الولاية: "إنَّ هذا القول من رسول الله ﷺ هو الزائد على معهود الأصل؛ لأنّ الأصل بلا شك أن تنكح المرأة من شاءت بغير وليٍّ، فالشرع الزائد هو الذي لا يجوز تركه؛ لأنّه شريعة واردة من الله تعالى كالصلاة بعد أن لم تكن، والزّكاة بعد أن لم تكن، وسائر الشرائع، ولا فرق" هـ١.
الثانية: أنَّ دليل الحظر مقدّم على دليل الإباحة براءة للذمَّة، فلو كانت الأدلّة محتملة لهذا وذاك لكان ما دلّ على التحريم مقدَّمًا على ما دلّ على الإباحة؛ لأن ترك أمر مباح أولى من ارتكاب أمر محرَّم. وقد صحّ قوله ﷺ : "إنَّ الحلال بيّن، وإنَّ الحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنَّ كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالرّاعي يرعي حول الحمى يوشك أن يرتع
стр. 257
فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملك حمى، ألا وإنَّ حمى الله محارمه"١. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
وقوله ﷺ : "دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك"٢.
وقوله ﷺ : "الإثم ما حاك في النفس، وتردَّد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" ٣.
وأيُّ شبهة أشدُّ إيلامًا للنَّفس من شبهة إنكاح المرأة نفسها بنكاح البغايا، كما صحّ عن أبي هريرة ﵁ قوله: كنّا نقول: "التي
стр. 258
تنكح نفسها هي الزَّانية"١. وتقدم رفعه بلفظ: "الزّانية التي تنكح نفسها"٢.
وما روى عن ابن عباس ﵄ أنّه قال: "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير أولياء"٣.
وأيُّ ريبة أشدُّ إيلامًا للنّفس من أن ينظر الرَّجل إلى امرأته، والمرأة إلى زوجها بارتياب في حلِّ نكاحهما؟!، ثم أيُّ إيلام للنّفس من توقُّع انتقال تلك الريبة إلى أولادهما، وقد لا يأمنون من يعيِّرهم بعقد جمع بين أبويهم بغير وليٍّ؟!، ثم من ذا الذي ينشرح صدره لنكاح بدون وليّ؟!
ولو لم يكن في هذا المذهب إلاّ الاحتياط للأنكحة حفظًا للأعراض والأنساب، لكان حَرِيًّا أن لا يعدل عنه إلى غيره، والله أعلم وهو الموفِّق للصَّواب.
стр. 259
الفصل الثالث: استئذان الوليّ للحرّة المكلفة في نكاحها
المبحث الأول: استئذان البكر البالغ
تمهيد:
لقدتقدم في الفصل السابق بحث حكم الولاية على الحرّة المكلّفة، وقلنا: إنّها أهمُّ مسالة في هذا البحث، وقد اخترنا مذهب الجمهور القائلين باشتراط الولاية في نكاحها؛ وعليه فلا صحّة لنكاحها بدون وليّها، ويبقى أن نعرف ما إذا كان لوليّها أن يستبدَّ بهذه الولاية عليها فيعقد نكاحها، شاءت أم أبت، رضيت أم كرهت، أم ليس له ذلك إلا بإذنها ورضاها؟.
وهي مسألة لا تقل أهميّة عن سابقتها، أعني ولاية العقد عليها مع أنّها تسبق العقد في الوجود؛ فالإذن أوّلاً، والعقد ثانيا، إلاّ أنّه لمَّا كان استئذان الوليّ لها فرعًا، عن ثبوت ولايته عليها ناسب تأخير حكم الاستئذان عن حكم العقد.
وإنّ مما ينبغي معرفته قبل الدخول في تفاصيل هذه المسألة:
أنّه لا خلاف بين المسلمين في استحباب استئذان الوليِّ لها؛ لما يترتَّب عليه من ألفةٍ، ومودَّة، وسكن، وراحة للحياة الزوجية، وفي ذلك تحقيق لمصالح النّكاح الشرعية من عشرة بينهما بالمعروف، وقيام بالحقوق الزوجيَّة لكلٍّ منهما نحو صاحبه، وفي ذلك دوام للنّكاح، واستقرار له، وتعاون على حفظ النسل وتربيته.
стр. 260
وإنّما الخلاف في حكم إجبار الوليّ لها، أي تزويجها بدون إذنها، ولزوم هذا النّكاح لها، وهذا ما سنتناوله- بمشيئة الله تعالى- في هذا الفصل.
ونظرا لأنّ للبكارة والثيوبة تأثيرهما في اعتبار الرضى وصفته، فإنَّنا سنفرد لكلٍّ من البكر والثيِّب مبحثًا خاصًّا، يشتمل كلٌّ منهما على المقصود بالبكارة والثيوبة، وحكم استئذان كلٍّ من البكر والثيِّب وصفة إذنها. والله الموفِّق وهو المستعان.
стр. 261
المبحث الأوَّل: استئذان البِكْرالبالغ
١- المقصود بالبِكْر:
البِكْر لغة: العذراء التي لم يمسَّها رجل. وأصل مادة "بكر" راجع إلى أوّلِّ كلِّ شيء، وبدايته، كالبُكْرة: للغداة وهي: أوَّل النَّهار.
والتَّبكير: وهو الذهاب في أوَّل كلِّ وقت، وقد تسمّى المرأة في أوَّل حمل لها، أو ولد تضعه بِكْرًا.
قال ابن منظور: البِكْر: الجارية التي لم تفتض، وجمعها أبكار، والبِكْر من النساء التي لم يقربها رجل، ومن الرجال الذي لم يقرب امرأة، والجمع أبكار، وامرأة بِكْر: حملت بطنًا واحدًا. والبِكْر: العذراء، والمصدر البَكارة - بالفتح- والبِكْر: المرأة التي ولدت بطناً واحدًا، وبِكْرُها ولدها، والذكر والأنثى في هذا سواء١ انتهى.
وأما البِكْر في اصطلاح الفقهاء: فالمراد بها المرأة التي لم يمسَّها رجل، حتى لو زالت بكارتها بغير وطء، فهي بِكْر إجماعًا عندهم، فإن وطئها رجل في نكاح صحيح أو فاسد أو شبهة نكاح فهي ثيّب إجماعًا، وفيمن زالت بكارتها بوطء حرام- أي زنى- خلاف، سيأتي بيانه.
стр. 262
وعلى هذا فالبكر عند الفقهاء- في هذا المبحث- أخصُّ ممّا نصّت عليه معاجم اللغة، كما هو الشأن في كثير من دلالات الألفاظ على معناها اللغوي من جهة، ثم معناها الشرعي أو الاصطلاحي من جهة أخرى.
وعلى هذا فلا يدخل في مسمّى البكر هنا: الرجل الذي لم يطأ امرأة بعد، وإن سمّى بكرًا كما في قوله ﷺ : "البكر بالبكر، جلد مائة ونفي سنة". رواه مسلم وغيره١.
وكذلك لا تدخل المرأة بعد وطئها، فضلاً عن أن تسمّى بكرًا بعد حملها أو وضعها أوّل أولادها، إلاّ ما قيل في الموطوءة بزنى، وإن كانت ثيّباً لغة.
ولعل تسمية أهل اللغة للمرأة في أول حمل لها، أو ولد تضعه بكرًا إنّما هو استصحاب للاسم الأول؛ لقرب عهدها به، أو باعتبار عموم التسمية في الأصل: وهو أنَّ أوَّل كلِّ شيء يسمّى بكرًا، وهذا أوَّل حمل لها، وأوَّل ولد تضعه، فسميت بكرًا لذلك، والله أعلم.
стр. 263
٢- حكم استئذان البكر البالغ في نكاحها:
اتَّفق العلماء على أنّه ليس لأحد من الأولياء إجبار بكر بالغ١.
على النّكاح بدون إذنها ورضاها، إن لم يكن وليُّها أباً أو جدًّا٢، وأمّا إن كان وليُّها أباها أو جدّها ففي القول بإجبارها الأقوال التالية:
القول الأوَّل: أنّها لا تُنْكَح إلاّ بإذنها ورضاها، فلا يجبرها أب ولا غيره.
وهذا مذهب الحنفية اتِّفاقًا عندهم، وهو ظاهر من مذهبهم؛ إذ إنَّ الولاية عليها- عندهم- ولاية ندب واستحباب، لا شرط في صحَّة العقد.
ووافقهم على عدم الإجبار أهل الظاهر، والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، اختارها أبو بكر٣، وشيخ الاسلام ابن تيميَّة، وتلميذه ابن القيّم، وعزاها لجمهور السلف٤.
стр. 264
القول الثَّاني: إنَّ لأبيها خاصَّة إجبارها دون سائر الأولياء.
وهذا مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى، والتي قال فيها صاحب الإنصاف: "إنّها الصحيح من المذهب وعليها جماهير الأصحاب١.
إلاّ أن للبكر في مذهب المالكيّة حالات ليس لأبيها إجبارها أيضًا
ومن ذلك:
١- البكر العانس: في رواية عن مالك، والمشهور إجبارها ولو كانت عانسًا، وهي من طالت إقامتها ببيت أهلها بعد بلوغها.٢
стр. 265
٢- البكر التي رشَّدها أبوها: وهذا هو المشهور من المذهب خلافا لابن عبد البر١
٣- البكر التي دخل بها زوجها، وأقامت في بيته سنة كاملة، وشهدت مشاهد النِّساء، وقد أنكرت المسيس بعد فراقها، وهذا مع العلم أو الجهل بخلوة الزوج بها، أمّا إذا علم عدم خلوته بها أو الوصول إليها فلا يرتفع إجبارها، ولو أقامت على عقد النّكاح أكثر من سنة.٢
القول الثَّالث: أنَّ لكلٍّ من أبيها وجدّها إجبارها دون سائر الأولياء، ما لم تكن بينها وبينهما عداوة ظاهرة، فأب الأب يقوم مقامه عندعدمه.
وهذا مذهب الشافعية٣
стр. 266
الأدلّة:
أوّلاً: أدلّة من لم ير لأحد من الأولياء إجبار البكر البالغ.
استدلَّ أصحاب هذا القول بالسنّة الصحيحة المستفيضة في الأمر باستئذان البكر والنهي عن نكاحها بدون إذنها، ومن ذلك:
١- حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنْكَح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت".
رواه الأئمة أحمد، والستة، وا لدرامي، وا بن الجارود، والدارقطني والبيهقي، وغيرهم١. واللفظ هنا للبخاري.
стр. 267
فقد نهى ﷺ عن إنكاح البكر حتى تستأذن، والنهي يقتضي التحريم، وظاهره العموم في كلِّ بكر، وفي كلِّ وليٍّ، لا فرق بين أب ولا غيره، وبهذا ترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث بقوله: "باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثَّيِّب إلاّ برضاهما١.
٢- حديث عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله: "يستأمر النّساء في أبضاعهنَّ؟ قال: نعم، قلت: فإنَّ البكرتستحي فتسكت، قال: سكاتها إذنها".
وفي لفظ آخر: قالت: قال رسول الله ﷺ :" تستأذن النّساء، قلت: إنَّ البكر تستحي، قال: إذنها صماتها". رواه الأئمة: أحمد، والبخاري- واللفظان له-، ومسلم، وا لنسائي، وا بن الجارود، والبيهقي، ورواه أبو داود معلَّقًا٢.
стр. 268
وفي هذا تأكيد لمشروعيّة استئذان النّساء وإن كن أبكارًا، كما في حديث ابن عباس الآتي.
٣- حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". رواه مسلم والأربعة وغيرهم. وتقدم تخريجه١.
فإنَّ مقتضى قوله ﷺ : "والبكر تستأذن في نفسها" أنّها لا تجبر على النّكاح، ولا تزوّج إلاّ برضاها؟ فإنّه خبر في معنى الأمر، كما قال ابن القيِّم- ﵀ في تهذيب السنن: "هذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين، أو خبر محض، ويكون خبرا عن حكم الشرع لا خبرًا عن
стр. 269
الواقع، وهي طريقة المحقِّقين"١. وقال في زاد المعاد: "هذا أمر مؤكّد لأنّه ورد بصيغة الخبر الدّال على تحقّق المخبر به، وثبوته، ولزومه، والأصل في أوامره ﷺ أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه"٢ اهـ.
ولا يخفى أنَّ استئذان البكر هنا عامٌّ في كلِّ بكر، وفي كلِّ وليّ، لا فرق بين أب وغيره، بل لقد ورد النصّ على استئذان الأب لابنته في بعض طرق روايات هذا الحديث، وهو: ما رواه سفيان بن عُيينة عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الثَّيِّب أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر يستأمرها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها" فزاد فيه لفظ "الأب" وقد رواه بهذه الزيادة: أحمد، ومسلم، وأبو داود، وا لنسائي، والدارقطني، والبيهقي، إلاّ أنَّ لفظ مسلم والبيهقي "يستأذنها" بدل "يستأمرها"٣. وهذا نصّ في محل النّزاع، كما قاله ابن رشد٤، إلاّ أنّه قيل: إنّ هذه الزيادة غير محفوظة، فقد قال أبو داود: (أبوها) ليس بمحفوظ٥.
стр. 270
وقال الدارقطني: "وأمّا زيادة ابن عُيينة، عن زياد بن سعد "والبكر يستأمرها أبوها" فإنّا لا نعلم أحدًا وافق ابن عُيينة على هذا اللفظ، ولعلّه ذكره من حفظه فسبق لسانه"١. والله أعلم.
وبمثل هذا أجاب البيهقي أيضًا٢.
وأمَّا الطريق الصحيحة، أعني- لفظ "البكر تستأذن-" فقالوا: إنّها محمولة إمّا على البكر اليتيمة، وإمَّا على استطابة النفس، كما تستأذن المرأة في نكاح ابنتها تطييبًا لقلبها، وذلك مستحب وليس بواجب.
فأمّا حمله على البكر اليتيمة؛ فبدلالة الأحاديث الصحيحة الدَّالّة على وجوب استئمار اليتيمة، ومنها ما جاء مصرَّحًا به في حديث ابن عباس هذا؛ إذ جاء في بعض ألفاظه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليها، واليتيمة تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها"، وفي لفظ "الأيّم أولى بأمرها، واليتيمة تستأمر في نفسها وإذنها صماتها". رواهما النسائي والدارقطني٣.
стр. 271
وقد تقدّمت أيضًا رواية معمر، عن صالح بن كَيْسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس ﵄، - عن النبي ﷺ أنّه قال: "ليس للوليّ مع الثَّيِّب أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها "١.
والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ زيادة ابن عيينة في هذا الحديث "والبكر يستأذنها أبوها" زيادة ثقة، مقبولة، كما قرَّره الحافظ ابن حجر وغيره من المحدّثين٢. ولا معارضة بينها وبين الرواية المحفوظة بلفظ "والبكر تستأذن"، بل تؤيِّدها؛ لأن لفظ "البكر تستأذن" عامٌّ في كلِّ بكر، وكلِّ وليٍّ، سواء كان أبًا أم غيره.
ولفظ "يستأمرها أو يستأذنها أبوها" تنصيص على استئمار الأب لها دفعاً لتوهُّم إجباره لها، وتأكيدًا على استئمار غيره لها من باب أولى، وكذلك لا معارضة بين هذه الألفاظ جميعًا ولفظ "اليتيمة تستأمر".
فإن لفظ "والبكر تستأذن" عامٌّ في كلِّ بكر، يتيمة أو ذات أب.
ولفظ "البكر يستأذنها أبوها" نصٌّ على ذات الأب، وغيره من باب أولى.
ولفظ "واليتيمة تستأمر" نصّ على غير ذات الأب؛ إذ لفظ اليتم مشعر بوجوب زيادة الشفقة عليها والنظر لحالها.
стр. 272
والجمع بين تلك الألفاظ واضح، وهو وجوب استئمار الأبكار مطلقًا؛ يتامى أو غير يتامى، وهذا أولى من ردّ بعض الألفاظ والأخذ ببعضها.
وأمّا حمل الأمر بالاستئذان هنا على استطابة النفس في ذات الأب، فهو خلاف الظاهر، وتخصيص بغير مخصِّص. والله أعلم.
٤- ما رواه عكرمة، عن ابن عباس ﵄، "أنّ جارية بكرًا أتت النبي ﷺ فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة، فخيرها النبيُّ ﷺ ". رواه الإمام أحمد، وأبو داود- وهذا لفظه- وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي١.
стр. 273
فهذا حديث صريح في قضاء النبيّ ﷺ للبكرأنّه ليس لأبيها إجبارها على النّكاح بغير رضاها؛ إذ لو كان لأبيها إجبارها لما خيَّرها النبيُّ ﷺ ، وإذا لم يكن للأب إجبارها فغيره من باب أولى.
إلاّ أنّ هذا الحديث قد أعلًّ بالإرسال، فقد رواه عكرمة عن النبيّ ﷺ أي لم يذكر فيه ابن عباس- وقيل: إنّ هذا هو المعروف في رواية هذا الحديث، كما قا له أبو داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم١.
ثم إنّه قد تفرّد بروايته بعض الرواة عن بعض٢.
وقد أجيب عن هذه العلل بإجابة شافية، وحكم لهذا الحديث بالصحّة، لترجيح الوصل على الإرسال عند التعارض؛ ولمتابعة بعض الرواة لمن قيل بتفردِّهم به؛ ولشواهده، وإليك بعض ما قاله الأئمة في ذلك:
قال ابن القطان: "حديث ابن عباس هذا صحيح، قال: وليست هذه خنساء بنت خِدَام التي زوّجها أبوها وهي ثيِّب، فكرهته فردّ ﵇ نكاحه، رواه البخاري؛ فإنَّ تلك ثيِّب وهذه بكر، والدليل على أنّهما ثنتان ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس أنَّ النبيّ ﷺ "ردّ نكاح
стр. 274
بكر وثيِّب أنكحهما أبوهما وهما كارهتان". انتهى، من (نصب الراية) للزيلعي"١.
وقال ابن القيِّم ﵀ مشيرًا إلى إعلال البيهقي وغيره هذا الحديث بالإرسال- قال: "على طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول هذا حديث صحيح؛ لأنّ جرير٢ بن حازم ثقة، ثبت، وقد
стр. 275
وصله، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة، فما بالها تقبل في موضع، بل في أكثر المواضع التي توافق مذهب المقلّد وتردّ في موضع يخالف مذهبه؟! وقد قبلوا زيادة الثقة في أكثر من مائتين من الأحاديث رفعًا، ووصلاً، وزيادة لفظ، ونحوه، هذا لو انفرد به جرير، فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب زيد١ بن حِبَّان، ذكره ابن ماجه في سننه"٢. اهـ.
وقال الحافظ في (التلخيص الحبير) : وأُعِلَّ بالإرسال وتفرّد جرير بن حازم عن أيوب، وتفرّد حسين عن جرير وأيوب، وأجيب: بأنَّ أيُّوب٣
стр. 276
ابن سويد رواه عن الثَّوري١، عن أيُّوب٢ موصولاً، وكذلك رواه معمر بن جدعان الرقيّ٣، عن زيد بن حِبّان، عن أيُّوب ٤ موصولاً.
وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله حكم لمن وصله على طريقة الفقهاء.
وعن الثَّاني: بأنّ جريرًا توبع عن أيُّوب كما ترى.
وعن الثَّالث: بأنّ سليمان بن حرب تابع حسين بن محمد عن جرير"٥اهـ.
стр. 277
وقال أيضًا في الفتح- بعد أن ذكر طرقه وشواهده:- "وأمّا الطعن في هذا الحديث فلا معنى له، فإنَّ له طرقًا يقوِّي بعضها بعضًا"١ اهـ.
فقد حكم لهذا الحديث بالصحَّة ثلاثة من الحفَّاظ هم: ابن القطّان
وابن القيّم، وابن حجر، وقولهم في صحَّة هذا الحديث هو المعتمد.
والله الموفِّق.
إلاّ أنّ البيهقي ﵀ قال: إن صحّ الحديث فكأنّه وضعها في غير كفئها، فخيّرها النبيّ صلى الله عليه وسلم٢.
وذكر الحافظ ابن حجر هذا الجواب في الفتح، وقال: وهذا هو المعتمد؛ فإنّها واقعة عين، فلا يثبت الحكم فيها تعميمًا، وأمّا الطعن في الحديث فلا معنى له، فإن له طرقًا يقوِّي بعضها بعضًا٣.
وقد أجاب الصنعاني في كتابه (سبل السلام) عن كلام هذين الإمامين- أعني حملهما التخيير على عدم كفاءة زوجها- فقال: "كلام هذين الإمامين محاماة عن كلام الشافعي ومذهبهم، وإلاّ فتأويل البيهقي لا دليل عليه، فلو كان كما قال لذكرته المرأة، بل قالت: إنّه زوّجها وهي كارهة، فالعلّة كراهتها، فعليها علّق التخيير؛ لأنّها المذكورة، فكأنّه قال ﷺ : إذا كنتِ كارهة فأنت بالخيار". وقول المصنّف (يعني ابن حجر
стр. 278
صاحب بلوغ المرام) إنّها واقعة عين كلام غير صحيح، بل حكم عامّ؛ لعموم علّته، فأينما وجدت الكراهة ثبت الحكم" اهـ١ وهذا جواب قويّ، والله أعلم.
وقال ابن قدامة في المغني: "يحتمل أنّ هذه المرأة هي التي قالت: زوّجني من ابن أخيه؛ ليرفع بي خسيسته، فتخييرها لتزويجها من غير كفئها، وهذا يثبت الخيار ولا يبطل النّكاح"٢ اهـ.
والجواب عنه كالجواب عن كلام البيهقي والحافظ ابن حجر، سواء كانت هذه هي البكر التي في حديث ابن عباس ﵄ أم غيرها، فإن العلّة واحدة، وهي الكراهة، كما جاء ذلك صريحًا في رواية عائشة هذه عند النسائي والدارقطني والبيهقي٣.
مع أنّ هذه الرواية عن عائشة ﵂ صريحة في أنَّ تلك الفتاه قد زوّجها أبوها من ابن عمّها، والعرب تعتبر النّسب في الكفاءة، فكيف لا يكون ابن عمّها كفؤًا لها؟ ٤.
стр. 279
٥- ما رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ "ردّ نكاح بكر وثيِّب أنكحهما أبوهما وهما كارهتان، فردّ النَّبيُّ ﷺ نكاحهما". رواه الدارقطني والبيهقي وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد للطبراني أيضًا١.
وهذا صريح في أنَّ رسول الله ﷺ قد قضى في البكر والثيّيب قضاءً
واحدًا، ممَّا يدلُّ على أنّهما في اعتبار الإذن سواء.
إلاّ أنَّ هذا الحديث قد أُعلّ بالإرسال أيضًا، كالرِّواية السابقة عن ابن عباس- ﵄؛ فقد رواه الدارقطني بإسناده من طريق عبد الملك الذَِّماري٢، عن سفيان٣، عن هشام٤ صاحب الدَّسْتَوائى،
стр. 280
عن يحيى١ بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ ردّ نكاح بكر وثيب أنكحهما أبوهما وهما كارهتان فردّ النبيُّ ﷺ نكاحهما"، ثم قال: هذا وهم من الذِّماري (أي ذكر ابن عباس) وتفرَّد بهذا الإسناد، والصّواب عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجِر٢، عن عكرمة مرسل، وَهِم فيه الذِّماري عن الثَّوري وليس بقوّي"٣ اهـ.
وقال البيهقي: "هو في جامع الثوري عن الثوري كما ذكره أبو الحسن الدارقطني ﵀ مرسلاً، وكذلك رواه عامّة أصحابه عنه، وكذلك رواه غير الثوري عن هشام"٤.اهـ أي عن هشام الدَّسْتوائي.
стр. 281
وقال ابن التركماني- تعقيبًا على البيهقي: "هذه كما تقدّم١ زيادة من الذِّماري، وهو أخرج له الحاكم في المستدرك، وذكره ابن حبّان في الثقات، وذكر صاحب الكمال عن عمر بن أبي علي الصوفى أنّه ثقة"٢اهـ.
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه إسحاق بن إبراهيم بن جوتي
ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"٣ اهـ.
وقال صاحب التعليق المغني على الدارقطني: "قال الذهبي في المشتبه: إسحاق بن إبراهيم بن جُوْتي- بجيم ومثناة- الصنعاني عن سعيد بن سالم القداح، وعنه علي بن بشر المقاريضي شيخ للطبراني وابنه محمد بن إسحاق أيضا شيخ للطبراني، قال في "التنقيح"٤: إسحاق بن إبراهيم هذا هو ابن جُوْتي الطبراني، وهو ضعيف لكنّه لم يتفرّد به عن الذِّماري"٥ اهـ.
стр. 282
وعلى كلٍّ فإنَّ لم يصحّ وصله فهو مرسل، قويّ بغيره، كما أنّه حجّة عند من يحتجّ بالمرسل، وقد سبق قول الحافظ في حديث ابن عباس السابق: إنّ له طرقًا يقوِّي بعضها بعضًا"١. وهذا من الطرق التي إن لم تصح بمفردها فهي قويّة بغيرها. والله أعلم.
٦- ما رواه عبد الله بن بريدة، عن عائشة ﵂: أنّ فتاة دخلت عليها فقالت: إنَّ أبي زوّجني من ابن أخيه؛ ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي النبيّ ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم أللنِّساء من الأمر شيء؟ ". رواه الإمام أحمد، والنسائي- واللفظ له- والدارقطني، والبيهقي عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة ﵂، ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، وقد تقدّم تخريجه٢.
قال الصنعاني في (سبل السلام) : "الظاهر أنّها بكر، ولعلّها البكر التي في حديث ابن عباس، وقد زوّجها أبوها كفؤًا ابن أخيه، وإن كانت ثيِّباً فقد صرّحت أنّه ليس مرادها إلاّ إعلام النساء أنّه ليس للآباء من الأمر شيء، ولفظ النساء عام للثَّيِّب والبكر، وقد قالت هذا عنده ﷺ فأقرَّها
стр. 283
عليه، والمراد بنفي الأمر عن الآباء التزويج للكراهة، لأنَّ السياق في ذلك، فلايقال: هوعامٌّ في كلِّ شيء"١ اهـ.
وقد سبق قول الدارقطني وغيره: إنّ هذا مرسل عن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة شيئاً، وقول البيهقي وغيره: إنَّه على فرض صحته فهو محمول على أنَّ أباها زوّجها غير كفئها، فجعل النبيّ ﷺ الأمر لها من أجل ذلك، وقد سبقت الإجابة أيضًا عن كلِّ ذلك مستوفاة في مبحث اشتراط الولاية، وخلاصته: عدم التسليم بأنّة مرسل، وعلى فرض إرساله فهو قويّ بغيره.
وأمّا حمل التخيير هنا على عدم كفاءة الزّوج فهو خلاف الظاهر؛ إذ إنَّ سبب شكوى هذه الفتاة هو إكراه أبيها لها، وغيره من الأسباب يحتاج إلى دليل، كما أنَّ زوجها هو ابن عمّها، والعرب تعتبر الأنساب في الكفاءة٢. والله أعلم.
стр. 284
٧- ما رواه عطاء بن أبي رباح، عن جابر ﵁: أنّ رجلاً زوّج ابنته بكرًا ولم يستأذنها، فأتت النبيّ ﷺ فردّ نكاحها". رواه الدارقطني والبيهقي وابن حزم١.
وقد أُعلّ هذا الحديث بالإرسال أيضًا: فقد رواه شعيب٢ بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر.
ورواه غير شعيب مرسلاً، عن عطاء، لم يذكر جابرًا. وأُعلّ أيضًا بالانقطاع فقيل: إنّ الأوزاعي لم يسمعه من عطاء، وإنَّما سمعه من إبراهيم بن مرّة، وفيه مقال.
قال الدارقظني: الصحيح مرسل، وقول شعيب وهم٣.
стр. 285
وقال صاحب التعليق المغني: "الحديث أخرجه النسائي أيضًا من طريق الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر نحوه. وهذا سند ظاهره الصحة، ولكن له علَّة، أخرجه النسائي والمؤلِّف (أي الدارقطني) من وجه آخر: عن الأوزاعي، فأدخل بينه وبين عطاء إبراهيم١ بن مرّة، وفيه مقال، وأرسله فلم يذكر جابرًا، وهكذا فعله المؤلف وقال: الصحيح مرسل وقول شعيب وهم. قال في التنقيح: وقال أبو علي الحافظ: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء، والحديث في الأصل مرسل لفظًا، إنّما رواه الثقات عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرّة، عن عطاء، عن النبيّ ﷺ مرسل، وقد روي من أوجه أخرى ضعيفة عن أبي الزبير عن جابر٢ انتهى.
هذا خلاصة ما قيل في إسناده، وعلى كلٍّ فهو مرسل قويٌّ بغيره،
كما قال ابن القيِّم ﵀: "وهذا الإرسال لا يدلُّ على أنَّ الموصول خطأ بمجَّرده"٣.
وقال ابن الهمام: "ووهَّم- (أي الدارقطني) - شعيبًا في رفعه وقال: الصحيح إنّه مرسل، وبه يتم مقصودنا إمّا لأنّه حجّة، وإمّا لأنّا ذكرناه للاستشهاد والتقوية"٤.