وقال ابن التركماني- تعقيبًا على البيهقي: "هذه كما تقدّم١ زيادة من الذِّماري، وهو أخرج له الحاكم في المستدرك، وذكره ابن حبّان في الثقات، وذكر صاحب الكمال عن عمر بن أبي علي الصوفى أنّه ثقة"٢اهـ.
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه إسحاق بن إبراهيم بن جوتي
ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"٣ اهـ.
وقال صاحب التعليق المغني على الدارقطني: "قال الذهبي في المشتبه: إسحاق بن إبراهيم بن جُوْتي- بجيم ومثناة- الصنعاني عن سعيد بن سالم القداح، وعنه علي بن بشر المقاريضي شيخ للطبراني وابنه محمد بن إسحاق أيضا شيخ للطبراني، قال في "التنقيح"٤: إسحاق بن إبراهيم هذا هو ابن جُوْتي الطبراني، وهو ضعيف لكنّه لم يتفرّد به عن الذِّماري"٥ اهـ.
стр. 282
وعلى كلٍّ فإنَّ لم يصحّ وصله فهو مرسل، قويّ بغيره، كما أنّه حجّة عند من يحتجّ بالمرسل، وقد سبق قول الحافظ في حديث ابن عباس السابق: إنّ له طرقًا يقوِّي بعضها بعضًا"١. وهذا من الطرق التي إن لم تصح بمفردها فهي قويّة بغيرها. والله أعلم.
٦- ما رواه عبد الله بن بريدة، عن عائشة ﵂: أنّ فتاة دخلت عليها فقالت: إنَّ أبي زوّجني من ابن أخيه؛ ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي النبيّ ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم أللنِّساء من الأمر شيء؟ ". رواه الإمام أحمد، والنسائي- واللفظ له- والدارقطني، والبيهقي عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة ﵂، ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، وقد تقدّم تخريجه٢.
قال الصنعاني في (سبل السلام) : "الظاهر أنّها بكر، ولعلّها البكر التي في حديث ابن عباس، وقد زوّجها أبوها كفؤًا ابن أخيه، وإن كانت ثيِّباً فقد صرّحت أنّه ليس مرادها إلاّ إعلام النساء أنّه ليس للآباء من الأمر شيء، ولفظ النساء عام للثَّيِّب والبكر، وقد قالت هذا عنده ﷺ فأقرَّها
стр. 283
عليه، والمراد بنفي الأمر عن الآباء التزويج للكراهة، لأنَّ السياق في ذلك، فلايقال: هوعامٌّ في كلِّ شيء"١ اهـ.
وقد سبق قول الدارقطني وغيره: إنّ هذا مرسل عن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة شيئاً، وقول البيهقي وغيره: إنَّه على فرض صحته فهو محمول على أنَّ أباها زوّجها غير كفئها، فجعل النبيّ ﷺ الأمر لها من أجل ذلك، وقد سبقت الإجابة أيضًا عن كلِّ ذلك مستوفاة في مبحث اشتراط الولاية، وخلاصته: عدم التسليم بأنّة مرسل، وعلى فرض إرساله فهو قويّ بغيره.
وأمّا حمل التخيير هنا على عدم كفاءة الزّوج فهو خلاف الظاهر؛ إذ إنَّ سبب شكوى هذه الفتاة هو إكراه أبيها لها، وغيره من الأسباب يحتاج إلى دليل، كما أنَّ زوجها هو ابن عمّها، والعرب تعتبر الأنساب في الكفاءة٢. والله أعلم.
стр. 284
٧- ما رواه عطاء بن أبي رباح، عن جابر ﵁: أنّ رجلاً زوّج ابنته بكرًا ولم يستأذنها، فأتت النبيّ ﷺ فردّ نكاحها". رواه الدارقطني والبيهقي وابن حزم١.
وقد أُعلّ هذا الحديث بالإرسال أيضًا: فقد رواه شعيب٢ بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر.
ورواه غير شعيب مرسلاً، عن عطاء، لم يذكر جابرًا. وأُعلّ أيضًا بالانقطاع فقيل: إنّ الأوزاعي لم يسمعه من عطاء، وإنَّما سمعه من إبراهيم بن مرّة، وفيه مقال.
قال الدارقظني: الصحيح مرسل، وقول شعيب وهم٣.
стр. 285
وقال صاحب التعليق المغني: "الحديث أخرجه النسائي أيضًا من طريق الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر نحوه. وهذا سند ظاهره الصحة، ولكن له علَّة، أخرجه النسائي والمؤلِّف (أي الدارقطني) من وجه آخر: عن الأوزاعي، فأدخل بينه وبين عطاء إبراهيم١ بن مرّة، وفيه مقال، وأرسله فلم يذكر جابرًا، وهكذا فعله المؤلف وقال: الصحيح مرسل وقول شعيب وهم. قال في التنقيح: وقال أبو علي الحافظ: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء، والحديث في الأصل مرسل لفظًا، إنّما رواه الثقات عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرّة، عن عطاء، عن النبيّ ﷺ مرسل، وقد روي من أوجه أخرى ضعيفة عن أبي الزبير عن جابر٢ انتهى.
هذا خلاصة ما قيل في إسناده، وعلى كلٍّ فهو مرسل قويٌّ بغيره،
كما قال ابن القيِّم ﵀: "وهذا الإرسال لا يدلُّ على أنَّ الموصول خطأ بمجَّرده"٣.
وقال ابن الهمام: "ووهَّم- (أي الدارقطني) - شعيبًا في رفعه وقال: الصحيح إنّه مرسل، وبه يتم مقصودنا إمّا لأنّه حجّة، وإمّا لأنّا ذكرناه للاستشهاد والتقوية"٤.
стр. 286
٨- ما رواه ابن أبي ذئب قال: "أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنَّ
رجلاً زوّج ابنته بكرًا فكرهت ذلك فأتت النبي ﷺ فردّ نكاحها". رواه الدارقطني١.
إلاّ أنّه قال: "لا يثبت هذا عن ابن أبي ذئب، عن نافع، والصَّواب حديث ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين"٢. وهو يقصد بذلك ما أخرجه بسنده عن ابن أبي ذئب٣، عن عمر بن حسين٤، عن نافع، عن ابن عمر: أنّه تزوّج بنت خاله عثمان بن مظعون، قال: فذهبت أمُّها إلى رسول الله فقالت: إنَّ ابنتي تكره ذلك، فأمره النبي ﷺ أن يفارقها ففارقها، وقال: "لا تُنكحوا اليتامى حتى تستأمروهنَّ، فإذا سكتت فهو إذنها". فتزوَّجها بعد عبد الله: المغيرة بن شعبة"٥.
стр. 287
وقال ابن القيّم ﵀: "وذكر محمد بن حزم من طريق قاسم ابن أصبغ، عن ابن عمر: أنَّ رجلاً زوّج ابنته بكرًا فأتت النبيّ ﷺ فردّ نكاحها"١. وذكر الدارقطني هذا الحديث في سننه، وفي كتاب (العلل) ، وأعلّه برواية من روى: أنَّ عمّها زوّجها بعد وفاة أبيها، وزوّجها من عبيد٢ الله بن عمر، وهي بنت عثمان بن مظعون، وعمُّها قدامة، فكرهته، ففرَّق رسول الله ﷺ بينهما، فتزوّجها المغيرة بن شعبة، قال: - أي الدارقطني-: وهذا أصحّ من قول من قال: زوّجها أبوها"٣. والله أعلم.
стр. 288
فعلى قول الدارقطني ﵀، فإنَّ الذي زوّجها هو عمّها قدامة ابن مظعون بعد وفاة أبيها، وسيأتي١ تخريج ذلك بأتم مما هنا إن شاء الله تعالى.
٩- وعن أبي سعيد الخدري ﵁: "أنَّ رجلاًجاء بابنته إلى النبيّ ﷺ فقال: هذه ابنتي أبت أن تزوّج، فقال: أطيعي أباك، أتدرين ما حقّ الزَّوج على الزَّوجة؟ لو كان بأنفه قرحة تسيل قيحًا وصديدًا لحسته ما أدّت حقَّه، فقالت: والذي بعثك بالحقِّ لانكحت، فقال رسول الله ﷺ : "لا تنكحوهنَّ إلاّ بإذنهن". رواه الدارقطني٢ بهذا اللفظ.
وقال صاحب التعليق المغني: "الحديث رواه البزَّار بإسناد جيّد
رواته ثقات مشهورون، وابن حِبّان في صحيحه٣.
١٠- وعن أمّ سلمة ﵂: "أنّ جارية زوّجها أبوها وأرادت أن تزوّج رجلاً آخر فأتت النّبيّ ﷺ فذكرت ذلك له، فنزعها من الذي زوّجها أبوها، وزوّجها من الذي أرادت". قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح٤ اهـ.
стр. 289
١١- وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إذا أراد الرجل أن يزوّج ابنته فليستأذنها". قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والطبراني، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح١ اهـ.
فهذه أحاديث نبوية مستفيضة، بعضها في الصحيحين، وبعضها
في أحدهما، وبعضها وإن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما فلا معنى للطَّعن في أسانيدها، وبعضها قويّ بغيره، وشاهد للصحيح، فقد اشتملت تلك الأحاديث على أمره ﷺ ونهيه وقضائه على أنّه لا يزوّج البكر البالغ أبوها ولا غيره إلاّ بإذنها، كما قال ابن القيّم ﵀ في تهذيب السنن: "قد توافق أمره ﷺ وخبره ونهيه على أنّ البكر لا تزوّج إلاّ بإذنها، ومثل هذا يقرب من القاطع، ويبعد كلّ البعد حمله على الاستحباب٢. اهـ
وقال- ﵀ مشيرًا إلى حديث ابن عباس، وجابر، وعائشة السابق ذكرها ورادًّا على من حملها على الثيّب- قال: "وحمل هذه القضايا وأشباهها على الثيِّب دون البكر خلاف مقتضاها؛ لأنّ النّبيّ ﷺ لم يسأل عن ذلك ولا استفصل، ولو كان الحكم يختلف بذلك لاستفصل وسأل عنه، والشافعي ينزل هذه منزلة العموم، ويحتجّ به كثيرًا"٣ اهـ.
стр. 290
وأمّا دليل عدم إجبار البكر من حيث المعقول فمن جهتين:
الأولى: أنّ البكر إذا بلغت عن عقل ورشد جاز تصرّفها في مالها، وليس لأب ولا غيره أن يتصرّف في مالها إلاّ بإذنها، وبضعها أعظم من مالها، فكيف يجوز التصرّف فيه بدون إذنها مع كراهتها ور شدها؟ ١.
الثَّانية: أنَّ العلّة المجمع على تأثيرها في أهليَّه العاقد هي الصغر لا البكارة؛ فتعليل الإجبار بالبكارة تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع، فدلّ هذا على أنَّه لا تأثير للبكارة والثيوبة في الإجبار أو عدمه، وإنّما العلّة المؤثِّرة في عدم اعتبار الإذن هي الصغر ونحوه٢.
وعلى هذا فلا تُنكح عاقلة بالغ، وإن كانت بكرًا إلا بإذنها والله أعلم.
ثانيًا- أدلَّة من قال: للأب خاصة إجبارالبكرالبالغ.
وأمّا أدلّة من أجاز للأب إجبار البكر البالغ دون سائر الأولياء فاستدلَّ بما يلي:
стр. 291
١- حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها"١.
فقالوا: إنّ المراد بالأيِّم في هذا الحديث الثيِّب كما هو صريح بعض روايات هذا الحديث٢، وقد جعلها النبيّ ﷺ أحقَّ بنفسها من وليّها، وهذا يدلّ بمفهومه على أنّ البكر بخلافها؛ لأنّ الشيء إذا قيِّد بأخصّ أوصافه، دلّ على أنّ ما عداه بخلافه، كما قيل: "الأسماء للتعريف، والأوصاف للتعليل"، فيكون وليُّ البكر أحقُّ بها من نفسها.
ولأنَّ النبيّ ﷺ قد قسّم النّساء في هذا الحديث قسمين ثيِّبات وأبكارًا، ولا ثالث لهما ثم خصّ الثيّب بأنّها أحقُّ بنفسها من وليّها، مع أنّها هي والبكر قد اجتمعتا في ذهنه، فلو أنّها كالثيّب لم يكن لإفرادها بالذِّكر معنى، والعمل بالدَّلالة واجب وجوبه بالنَّصِّ٣
وحملوا قوله ﷺ "والبكر يستأذنها أبوها" على الاستحباب تطييباً لقلبها. فهو كالأمر باستئمار النّساء في بناتهنَّ في حديث ابن عمر، - رضي الله
стр. 292
عنه - أنَّه ﷺ قال: "آمروا النّساء في بناتهنَّ". رواه أحمد وأبو داود والبيهقي١.
قال الشافعي ﵀: ولا يختلف النّاس أن ليس لأمِّها فيها أمر ولكن على معنى استطابة النفس"٢. ثم أشار الشافعي ﵀ إلى سبب هذا الحديث- أعنى حديث ابن عمر- وما فيه من معارضة الأم وأنَّ ذلك دليل على كراهة ابنتها، وأنّ رسول الله ﷺ لم يأمر أباها با ستئذانها٣.
فهذا خلاصة وجهة استدلال من أجاز لأب البكر إجبارها من حديث ابن عباس ﵁ وهو عمدتهم في التفريق بين البكر والثيِّب في وجوب الاستئذان؛ "فقد رأوا في حديث ابن عباس هذا تقييدًا لما أطلق في غيره من الأحاديث وتفسيراً لمجملها. والله أعلم.
стр. 293
وقد أجاب عنه القائلون بوجوب استئذان البكر بعدَّة أجوبة منها:
أولاً: أنَّ الحجّة للقائلين بالإجبار في هذا الحديث إنّما هي في مفهومه، والخلاف في حجِّيَّته وفي عمومه. وممن خالف في حجِّيَّته الحنفيَّة القائلون بعدم الإجبار؟ فلا يحتجّ بمثل هذا عليهم.
وأمّا الخلاف في عموم مفهوم المخالفة فقد قال ابن القيِّم ﵀ في هذا الحديث: وهذا إنّما يدلُّ إذا قلت: إنَّ للمفهوم عمومًا، والصّواب أنّه لا عموم له؛ إذ دلالته ترجع إلى أنّ التخصيص بالمذكور لا بدّ له من فائدة، وهي نفي الحكم عمّا عداه، ومعلوم أنَّ انقسام الحكم إلى ثابت الحكم ومنتفيه فائدة، وأنَّ إثبات حكم آخر للمسكوت عنه فائدة، وإن لم تكن ضدّ حكم المنطوق، وأنَّ تفصيله فائدة"١.
ثانيًا: أنَّ دلالة مفهوم المخالفة لا تقوى على معارضة المنطوق، ومنه قول النّبيّ ﷺ في هذا الحديث "والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". وفي لفظ آخر: "تستأمر في نفسها". وفي لفظ: "يستأمرها أبوها" كما سبق بيانه٢ وهذا مما يدلّ على أنّ التفريق بين البكر والثيِّب في هذا الحديث إنّما هو في صفة الإذن خاصَّة. وبهذا يتَّفق حديث ابن عباس هذا مع غيره من الأحاديث الصريحة في استئذان البكر، ومنها حديث أبي
стр. 294
هريرة في الصحيحين "لا تُنكح الأيّم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن" ١.
وأمّا حمل استئذان الآباء لبناتهم الأبكار على الاستحباب قياسًا على استئمار النّساء في بناتهنَّ فهو قياس مع الفارق؛ إذ الفرق واضح بين استئذان إنسان في أهمِّ وأخصّ شؤونه، وبين استئذان آخر في شؤون غيره، وإن كان قريبًا، مع أنّه خلاف ظاهر هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة الصريحة في استئمار الأبكار دون تفريق بين أب وغيره من الأولياء. والله أعلم.
٢- ما روى عن ابن عباس ﵄ بلفظ: "الثيّب أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر يزوّجها أبوها".
فقد حكى البيهقي عن الشافعي ﵀ قوله: "وقد زاد ابن عيينه في حديثه "والبكر يزوّجها أبوها" فهذا يبيّن أنَّ الأمر للأب في البكر"٢.
وقد عقّب عليه ابن التركماني فقال: قوله: "يزوّجها أبوها" لم أجده في شيء من الكتب، ولم يذكر الشافعي سنده فينظر"٣ اهـ.
стр. 295
وقد جرى استدلال الشافعية بهذا اللفظ في كتب الفقه معزوًّا للدارقطني١.
إلا أنَّني لم أجده في سنن الدارقطني بهذا اللفظ، وقد ذكره الحافظ في التلخيص الحبير بهذا اللفظ وعزاه أيضًا للدارقطني، إلاّ أنّه استدرك عليه فقال: لكن قال (أي الدارقطني) "يستأذنها" بدل: "يزوّجها"٢. واستدراك الحافظ هذا يدل على خطأ اللفظ المعزوّ للدارقطني؛ فإنّ الرواية
المشهورة عن سفيان بن عيينه ﵀ هي بلفظ "يستأذنها أبوها" أو "يستأمرها" كما سبق٣. وأما لفظ "يزوّجها أبوها"، فما أظنّه يصحّ. ولو صحّ لكان أسعد الناس بالاستدلال به هو داود الظاهري القائل باشتراط الولاية على البكر دون الثيّب، إذ إنّ ذلك سيكون تفسيرًا لأحقيّة الثيّب بنفسها في قوله "الثيّب أحقَّ بنفسها من وليّها، والبكر يزوّجها أبوها". فتكون الثيّب أحقّ بنفسها- حينئذ- أي بتزويج نفسها لا بالرضى كما يقوله الشافعية وغيرهم؛ إذ المقابلة قرينة دالّة على ذلك.
والعجب من ردّ الشافعيّة لزيادة ابن عيينة في هذا الحديث لفظ "يستأذنها أبوها" واحتجاجهم بلفظ "يزوّجها أبوها". وما أظنُّ أنَّ هذا
стр. 296
يصحّ عن الشافعي ﵀ وهو من نعلم في تمسكه بالسُّنَّة وعلمه بها إلاّ أن تكون حكيت عنه بالمعنى فالله المستعان.
٣- واستدلوا بمفهوم الأحاديث الآمرة باستئذان اليتيمة. ومنها:
أ- حديث ابن عباس- ﵄ السابق ففي رواية له عند النسائي والدارقطني "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها واليتيمة تستأمر في نفسها وإذنها صماتها"١.
وفي لفظ آخر لهما ولغيرهما "ليس للوليّ مع الثيّب أمرٌ، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها" ٢.
ب- وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها" ٣.
ج- وحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنتْ وإن أبت لم تكره"٤.
فإنّ مفهوم هذه الأحاديث أنَّ ذات الأب بخلاف اليتيمة. وخاصَّة
стр. 297
حديث "ابن عباس ﵄ فإنّه قد يقال: إنّه مفسِّر لروايته "والبكر تستأذن" فيكون المقصود بها البكر اليتيمة دون ذات الأب.
إلاّ أنّه لا يخفى أنّ مفهوم أحاديث استئمار اليتيمة لا يقوى على تخصيص عموم أحاديث استئمار البكر مطلقًا.
وأمّا حديث ابن عباس ﵄ فقد روى بثلاثة ألفاظ هي: "البكر تستأذن في نفسها"، " واليتيمة تستأمر في نفسها"، "والبكر يستأذنها أبوها". ولا تعارض بين هذه الألفاظ؛ إذ حاصلها: استئمار جميع الأبكار، سواء كنّ يتامى أو ذوات آباء. وإنّما خصّت اليتيمة بالذكر لمزيد الحضّ على الشفقة عليها، والنظر لها. والله أعلم.
٤- واستدلوا أيضا بحديث عائشة ﵂: وهو أنّ أباها زوّجها رسول الله ﷺ وهي ابنة ست أو سبع سنين"١. فقد أخذ منه الشافعي ﵀ أنّ الأمر في تزويج الأبكار لآبائهنَّ وإن لم يأذنَّ، وإلاَّ لما جاز لأبي بكر ﵁ تزويج عائشة حتى تبلغ فتأذن٢.
٥- واستدلوا أيضًا بما روي عن بعض الصحابة وفقهاء التابعين من تزويج الأبكار بغير استئذان.
стр. 298
فقد نقل البيهقي عن الشافعي قوله: "قد كان ابن عمر والقاسم وسالم يزوّجون الأبكار لا يستأمرونهنَّ"١.
وروى مالك في (الموطأ) أنّه بلغه: أنَّ القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله كانا ينكحان الأبكار لا يستأمرانهنَّ"٢. قال مالك: وذلك الأمر عندنا في نكاح الأبكار٣.
وروى أيضًا أنّه بلغه: أنَّ القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار كانوا يقولون في البكر: يزوّجها أبوها بغير إذنها: إنَّ ذلك لازم لها"٤.
وروى البيهقي بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه عمَّن أدرك من فقهائهم الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبه، وسليمان بن يسار، في مشيخة جلّة سواهم من نظرائهم قال: وربّما اختلفوا في الشيء فأخذت بقول
стр. 299
أكثرهم. قال: كانوا يقولون: الرجل أحقّ بإنكاح ابنته البكر بغير أمرها، وإن كانت ثيِّبًا فلا جواز لأبيها في نكاحها إلاّ بإذنها"١.
ثالثًا: أدلَّة من فصّل فى استئذان البكر:
وأمَّاوجهة نظر من فصّل القول في استئذان البكر فهي كما يلي:
١- أمّا استثناء المالكية - في المشهور عنهم - البكر المعنَّسة، أو المرشَّدة، أو التي أقامت في بيت زوجها سنة كاملة، ثم فارقها زوجها، وأنكرت مسيسه لها، وشهدت مشاهد النِّساء، فهؤلاء لمعرفتهنَّ- غالبًا- بأمور نكاحهنّ، فأشبهن الثيِّبات المكلّفات.
قال الخرشي في توجيه رواية عدم إجبار البكر المعنَّسة: "لأنّها لمَّا عَنَسَت صارت كالثيِّب، ومنشأ الخلاف: هل العلّة البكارة؟ وهي موجودة أو الجهل بمصالح النِّساء؟ وهي مفقودة" اهـ٢.
وهذا هو ظاهر تعليلهم أيضًا في البكر المرشَّدة، أو التي أقامت في بيت زوجها سنة، ثم فارقها وأنكرت مسيسه، وشهدت مشاهد النِّساء، والله أعلم.
٢- وأمَّا إلحاق الشافعية الجدّ بالأب: فلأنّه أب أعلى له إيلاد،
стр. 300
وتعصيب، وفيه من الشفقة ما في الأب، بخلاف غيره من الأولياء١.
وأمَّا تقييدهم عدم الإجبار بما إذا لم يكن بين البكر وأبيها أو جدّها عداوة ظاهرة؛ فلأنّ ذلك مظنّة الإضرار بها، أو عدم النظر لها والشفقة عليها. وأمّا إذا لم تظهر تلك العداوة فلا ينظر لها؛ لأنّ الأصل خلافها في الأب والجدّ خاصَّة٢. والله أعلم.
أسباب الخلاف وبيان الراجح
إنّ أسباب اختلاف العلماء في جواز إجبار البكر البالغ أو عدمه يمكن تلخيصه مما سبق عرضه فيمايلي:
أولاً: معارضة مفهوم بعض الأحاديث لعموم بعضها؛ فإنَّ مفهوم حديث "الثيِّب أحقُّ بنفسها" يدلّ على أنّ البكر بخلافها، ومفهوم أحاديث "استئمار اليتيمة في نفسها" يدلُّ على أنّ ذات الأب بخلافها.
ثانيًا: ضعف الأحاديث الصريحة في ردّ إنكاح البكر بغير إذنها، بخلاف الشأن في الثيّب كما سيأتي.
ثالثًا: استنباط مناط الإجبار من محلِّ الاتفاق. كما قال ابن رشد: "ولاختلافهم في هاتين المسألتين (أي إجبار البكر البالغ والثيِّب الصغيرة) سبب آخر: وهو استنباط القياس من موضع الإجماع؛ وذلك أنّهم أجمعوا
стр. 301
على أنّ الأب يجبر البكر غير البالغ، وأنّه لا يجبر الثيّب البالغ إلاّخلافًا شاذًّا فيهما جميعًا- كما قلنا- اختلفوا في موجب الإجبار، هل هو البكارة أو الصغر؟ فمن قال الصغر قال: لا تجبر البكر البالغ، ومن قال البكارة قال: تجبر البكر البالغ، ولا تجبر الثيّب الصغيرة، ومن قال: كلّ واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد قال: تجبر البكر البالغ والثيّب الغير البالغ.
والتعليل الأول: تعليل أبي حنيفة. والثَّاني: تعليل الشافعي. والثَّالث: تعليل مالك. والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة"١ اهـ.
هذه خلاصة ما وقفت عليه من أسباب اختلاف العلماء في هذه المسألة.
فأمّا السبب الأوّل: وهو معارضة مفهوم بعض الأحاديث لعموم بعض. فقد تقدَّم أنّ مفهوم حديث "الأيِّم أحقّ بنفسها" لا يقوى على عموم "والبكر تستأذن في نفسها" خاصّة بعد أن رواه مسلم وغيره بلفظ "والبكر يستأمرها أبوها" ٢ الذي هو نصٌّ في محلِّ النّزاع، وكذلك لا يقوى على معارضة عموم الحديث المتفق عليه وهو "لا تُنكح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تستأذن"٣.
стр. 302
وأمّا الأمر باستئمار اليتيمة فلا يلزم منه إجبار ذات الأب، كما سبق في هذا المبحث؛ فإنّ مجرَّد ذكر بعض أفراد العامّ لا يخصّص عمومه، فكيف وقد ورد النصّ عامًّا وخاصاًّ في كلّ منهما.
فالعامّ: حديث أبي هريرة المتفق عليه وهو "لا تُنكح الأيِّم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن "١.
وكذلك هو في حديث ابن عباس "والبكر تستأذن في نفسها" ٢.
وأمَّا الخاصّ في ذات الأب: ففي حديث ابن عباس ﵁: "والبكر يستأذنها أبوها" رواه مسلم وغيره بهذا اللفظ عن سفيان بن عيينه. وتقدم القول بأنّها زيادة ثقة، مقبولة ٣. أي التنصيص فيه على ذكر الأب.
وأمّا الخاصُّ في اليتيمة: فقوله ﷺ "تستأمر اليتيمة في نفسها" في بعض ألفاظ حديث ابن عباس رضي الله عنه٤.
ونحوه حديث أبي هريرة وأبي موسى المتقدّم ذكرهما في هذا المبحث٥.
стр. 303
وقلنا: إنّه لا تعارض بين هذه الألفاظ والروايات جميعها.
وحاصلها: الأمر باستئذان البكر مطلقًا يتيمة أو ذات أب.
وأمَّا السَّبب الثَّانى: وهو ضعف الأحاديث المصرِّحة بردّ إنكاح البكر بغير إذنها، فقد سبق بيانها في هذا المبحث، وهي إن لم تصحّ بمفردها فهي قويَّة بمجموعها، وشاهدة لعموم الأحاديث المتفق على صحتها في الأمر باستئذان البكر في نفسها، والنّهي عن إنكاحها بدون إذنها.
وأمَّا السَّبب الثَّالث: وهو تنقيح مناط الإجبار من النصوص، أو
استنباطه من محلِّ الاتفاق كما قال ابن رشد، فحاصل كلام العلماء في هذا المناط ما يلي:
١- أنَّ مناط الإجبار هو البكارة، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد، في رواية١.
وعلى هذا: فتجبر البكر صغيرةً أم كبيرةً، دون الثيّب، صغيرة أم كبيرة. وهذا إذا كان الوليّ هو الأب خاصَّة، وأمّا غير الأب فإنّه لا يجبر البكر البالغ اتفاقًا. ولا يزوّج البكر الصغيرة عند أكثر من علّل بالبكارة كالشافعي وأحمد.
٢- أنّ مناط الإجبار هو الصغر. وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في رواية٢.
стр. 304
وعلى هذا فتجبر الصغيرة بكرًا كانت أم ثيِّباً، دون البالغ، بكرًا كانت أم ثيّبًا.
٣- أنّه يجبر بمجموع الصغر والبكارة. وهي رواية عن الإمام أحمد١.
وعلى هذا فلا تجبر إلاّ البكر الصغيرة. ولا تجبر البكر البالغ ولا الثيِّب مطلقًا صغيرة أم كبيرة.
٤- أنّه يجبر بأيِّهما وجد، أي بالبكارة أو الصغر، وهذا مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد٢.
وعلى هذا فتجبر الصغيرة مطلقًا بكرًا أم ثيِّبًا. وكذلك البكر البالغ دون الثيِّبب البالغ.
وهذا في الأب خاصة أمّا غيره من الأولياء فلا.
٥- أنّه يجبر بالإيلاد. فيكون الإجبار حقًّا للآباء دون غيرهم، وعلى هذا فللأب أن يجبر البكر والثيِّبب على السواء، سواء كنّ صغيرات
стр. 305
أم كبيرات. ويحتمل في الجدّ أن يكون كالأب في هذا وهذا التعليل حكي عن الحسن البصري. وردّه ابن القيِّم في زاد المعاد١.
٦- أنّ للأب أن يجبر من كانت في عياله. وعلى هذا فللأب أن يجبر الثيِّب البالغ إذا كانت في عياله.
وهذا مروي عن إبراهيم النخعي٢ إلاّ أنّه قول شاذ كسابقه.
٧- أنّه يجبر بالجهل بمصالح النّكاح. وهذا هو ظاهر تعليل المالكية لرفع إجبار الأب عن البكر المعنَّسة والمرشَّدة والتي دخلت بيت زوجها ومكثت فيه سنة ثم فارقها زوجها وأنكرت مسيسه وشهدت مشاهد النّساء٣.
إلاّ أن التعليل بالجهل قلّ من ذكره أو عوّل عليه، ولعلّ مردّ ذلك إلى أنَّ الجهل وصف غير منضبط فأنيط بمظنَّته من صغر أو بكارة، فيكون راجعًا إليهما. والله أعلم.
فهذه خلاصة ما وقفت عليه في مناط الإجبار وكلُّها قد نصَّ عليها العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه (زاد المعاد) ٤ عدا العلَّة الأخيرة.
стр. 306
ولا يخفى أنَّ أرجحها هو التعليل بالصغر دون غيره. وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ومن وافقه. كما قال ابن رشد: والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة١. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة٢، وتلميذه ابن القيِّم٣.
وعلى هذا فلا يجبر البكر البالغ على النِّكاح أب ولا غيره.
وهذا ما دلّت عليه السُّنَّة الصحيحة المستفيضة التي تقدَّم بيانها دلالة وإسنادًا، وفيها الدليل الواضح على أنَّ البكر لا تُنكح إلاّ بإذنها. ولهذ قال ابن القيم ﵀: وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله ﷺ ، وأمره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمَّته٤" اهـ والله أعلم.
٣- صفة إذن البكر في النّكاح.
لقد عرفنا أنّ البكر البالغ لا تنكح إلاّ بإذنها اتفاقًا، إن لم يكن وليُّها أباها أو جدّها. وأمّا تز ويج الأب أو الجد لها بدون إذنها ففيه خلاف سبق بيانه، وبيان الرَّاجح أنّ البكر لا تُنكح إلاّ بإذنها، حتى وإن كان وليُّها أباها أو جدّها.
стр. 307
وبقى أن نعرف في هذا المبحث ما يحصل به معرفة إذن البكر لوليِّها في نكاحها. وخلاصة أقوال العلماء في هذا أنّه يحصل بثلاثة دلائل على الإذن والرضى وهي:
١- صريح كلامها.
٢- سكوتها. إن لم يقترن به ما يدلّ على سخط أو كراهة.
٣- ما له حكم السكوت دلالة على الرضى.
وإليك بيان ذلك بالتفصيل:
أوّلاً: إذن البكر بصريح كلامها.
إنّ تعبير البكر عن رضاها وإذنها لوليِّها في إنكاحها بصريح كلامها هو أقوى الوسائل لمعرفة رضاها؛ إذ إنّ التعبير باللسان هو أبلغ وسائل التعبير عمّا في النفس، وهو الأصل في الدلالة على مرادها، ولم يخالف في هذا إلاّ ابن حزم الظاهري ﵀، فهو يرى أنّ إذن البكر لا يكون إلاّ بسكوتها، فإن سكتت بعد استئذانها فقد رضيت وأذنت ولزمها إنكاح وليِّها لها، وإن تكلَّمت بالرضى أو بالمنع أو غير ذلك فلا يعقد عليها١.
واستدلّ ابن حزم ﵀ لما ذهب إليه بظاهر الأحاديث التي فرقت بين صفة إذن البكر وإذن الثيّب، فجعلت النطق للثيّب والسكوت للبكر.
ومن تلك الأحاديث:
стр. 308
١- حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" وفي لفظ "الثيّب أحقُّ بنفسها" ١.
٢- حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "لا تُنكح الأيِّم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن". قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها. قال: "أن تسكت"٢.
وقد حمل ﵀ كعادته- على من خالف مذهبه هذا ممن قال: بصحة رضى البكر بصريح القول، فقال- بعد أن ذكر الحديثين السابقين:
"ذهب قوم من الخوالف إلى "أنَّ البكر إن تكلّمت بالرِّضى فإن النّكاح يصحُّ بذلك خلافًا على رسول الله ﷺ وعلى الصحابة، فسبحان الذي أوهمهم أنَّهم أصحُّ أذهانًا من أصحاب رسول الله ﷺ وأوقع في نفوسهم أنّهم وقفوا على فهم وبيان غاب عن رسول الله ﷺ ؟ نعوذ بالله عن مثل هذا. فأمّا رسول الله ﷺ فإنّه أبطل النّكاح- كما تسمعون- عن البكر ما لم تستأذن فتسكت، وأجازه إذا استؤذنت فسكتت، بقوله ﵊ "لا تُنكح البكر حتى تستأذن وإذنها صماتها" ٣. وأمّا
стр. 309
الصحابة فإنّهم- كما أوردنا في الخبر آنفًا- لم يعرفوا ما إذن البكر حتى سألوا رسول الله ﷺ عنه، وإلاّ فكان سؤالهم عند هؤلاء فضولاً. وحاش لهم من ذلك، فتنبّه هؤلاء لما لم يتنبّه له أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نبّه عنه ﵇ وهذا كما ترون، وما علمنا أحدًا من السلف روى عنه أنّ كلام البكر يكون رضى، وقد روينا عن عمر بن الخطاب وعلى وغيرهما أنّ إذنها هو السكوت، ومن عجائب الدُّنيا قول مالك: إنَّ العانس البكر لا يكون إذنها إلاّ بالكلام، وهذا مع مخالفته لنصِّ كلام رسول الله ﷺ ففي غاية الفساد؛ لأنّه أوجب فرضًا على العانس ما أسقطه عن غيرها، فلوددنا أن يعرّفونا الحدّ الذي إذا بلغته المرأة انتقل فرضها إلى ما ذكر، وبالله التوفيق١٠ انتهى كلامه.
وما ذهب إليه ابن حزم- ﵀ في هذا مما يعاب على أهل الظاهر في تحميلهم ظواهر النصوص ما لا تحتمله، وليس في هذه الأحاديث النبويّة ونحوها أنّ السكوت فرض على البكر، به يصحُّ نكاحها وبدونه يبطل، بل ليس فيها إلاّ صحة اعتبار سكوت البكر رضى منها، وهو رخصة صان الله بها كرم حياء البكر، فأكرم الله بهذا السكوت ذلك الحياء الذي حبس لسانها عن رغبة تستحي من إبدائها بصريح قولها.
وأمَّا استفسار الصحابة عن كيفيَّة إذن البكر فحاش لله أن يكون لغوًا، لكنَّه لم يكن سؤالاً عن صحة إذنها لو أفصحت به بصريح عبارتها،
стр. 310
بل هو سؤال عن كيفيَّة الوصول إلى معرفة إذنها، وقد عرفها الناس بشدّة حيائها وحرج ما تقع فيه لو فرض عليها أن تفصح عن رغبتها- في النِّكاح أو في اختيار الأزواج- بلسانها، فصان الله لهذا الحياء هيبته، وحفظ لهذا الأدب جلاله وحليته، وأوصلها إلى مرادها بصمتها المعهود منها، صمت العفَّة والأدب، وجلال الحياء وكرم النَّسب، وهو أجمل حلية تعتزّ به بين أترابها، وتزداد به شرفًا عند من عرفها ورغب فيها من كرام خطّابها.
وأمَّا تعجُّب ابن حزم ممن قال: إنَّ إفصاح البكر عن مرادها بصريح عبارتها أبلغ في التعبير عن رضاها من السكوت وأولى بالقبول، فليس في ذلك العجب، بل العجب من ابن حزم فيما ذهب إليه في هذه المسألة.
وأمَّا قوله: إنَّه لا يعلم أحداً من السلف. قال: إنَّ كلام البكر رضى، فليته ذكر واحدًا من السلف قال: إنّها إذا تكلّمت بالرضى كان كلامها هذا لغوًا، وأمَّا اعتبار سكوتها رضى عند السلف فليس فيه دليل على اعتبار القول لغوًا.
وأمَّا تعجّبه من الإمام مالك ﵀ فيما روي عنه من إيجاب النُّطق على البكر العانس دون الاكتفاء بسكوتها، فليت ابن حزم اقتصر على هذا؛ إذ لكان له وجه من الانتصار للسّنّة الصحيحة الصريحة، ورد ما خالفها بأنواع من الاجتهادات التي أغنى عنها صريح السُّنَّة النبوية.
والله الموفِّق.
стр. 311
ثانيًا: إذن البكر بالسكوت.
لقد اتفق الفقهاء من حيث الجملة على أنَّ سكوت البكر بعد استئذانها يكفي دلالة على إذنها لوليِّها بإنكاحها ورضاها بخاطبها ما لم تقترن به قرينة واضحة دالّة على عدم الرضى، إلاّ أنَّ بعض الفقهاء قد قصره على اعتباره إذنًا للبكر مع بعض أوليائها دون بعض، أو لبعض الأبكار دون بعض، فتحصّل بذلك ثلاثة أقوال للفقهاء في اعتبار السكوت من البكر رضى.
القول الأول: أنَّ سكوت البكر بعد استئذانها يكفي لمعرفة رضاها بالنِّكاح وإذنها فيه، وأنَّه معتبر من كلٍّ بكرٍ، ومع كلِّ وليّ.
وهذا مذهب الجمهور من العلماء ومنهم الحنفية والحنابلة والظاهرية وأصحّ الوجهين عند الشافعية، قال ابن قدامة في المغني: "فأمَّا البكر فإذنها صماتها في قول عامَّة أهل العلم منهم: شريح والشعبي، وإسحاق، والنخعي، والثوريّ، والأوزا عي، وابن شبرمة، وأبو حنيفة، ولا فرق بين كون الوليّ أبًا أو غيره١ اهـ.
стр. 312
القول الثَّاني: أنَّ سكوت البكر إنَّما يكتفى به دلالة على الرضى والإذن إذا كان وليُّها أباها أو جدّها، وأمَّا سائر أوليائها فلا يكون إذنها لهم في إنكاحها إلاّبصريح كلامها.
وهذا القول: وجه لبعض الشافعية١.
وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمتة- ﵀ لبعض أصحاب أحمد أيضًا٢.
القول الثَّالث: أنَّ سكوت البكر إنَّما يكتفى به مع بعض الأبكار دون بعض تبعًا لاختلاف أحوالهنَّ. وهذا التفصيل للمالكية، حيث قالوا: إنَّ الأصل في إذن البكر أنَّه يحصل بسكوتها، وهناك حالات مستثناة من هذه القاعدة، لا يكون للبكر فيها إذن إلاّ بصريح القول، وذكروا ثماني حالات للأبكار لا يعتبر لهنّ إذن إلاّ بصريح كلامهنّ وهنَّ:
الأولى: البكر البالغ المرشَّدة، ولو كانت ذات أب؛ لأنَّه لمّا رشَّدها علم من ذلك أنَّها عارفة بمصالح نفسها، وما يراد منها ففارقت غيرها٣.
الثَّانية: البكر التي عضلها وليُّها عن النِّكاح، سواء كان وليُّها أباها أو غيره، فرفعت أمرها إلى الحاكم فزوّجها فلا بدّ من نطقها، إلاّ إن أمر
стр. 313
الحاكم أباها بتزويجها بعد تحقّق العضل منه فإنّه يجبرها ولا يحتاج إلى إذنها١.
الثَّالثة: البكر التي زوّجت بعرض٢، وهي من قوم لا يزوّجون به ولا أب لها ولا وصيّ ينظر في مالها، فلا بُدَّ من نطقها، لأنّها بائعة مشترية، والبيع والشراء لا يلزم بالصَّمت٣.
ونحو هذا القول قال بعض الشافعية: إنّه إذا استأذنها وليُّها أن يزوّجها بأقلِّ من مهر مثلها، أو بغير نقد البلد، وصمتت، لم يكن ذلك إذنًامنها في ذلك؛ لأنّه استئذان في مال٤.
الرَّابعة: البكر التي زوَّجت بمن فيه رقّ لو زوّجها أبوها بعده، وهذا بناء على أنّ العبد غيركفء للحرَّة. وقيل: إنّ كان زوّجها بعبد أبيها فلا بدَّمن نطقها، حتى ولو قيل إن العبد كفؤ للحرّة؛ لما يلحقها من زيادة المعرَّة بتزويجها بعبد أبيها، مما لم يحصل مثله لو تزوّجت بغير عبدأبيها٥.
стр. 314
الخامسة: البكر التي تزوَّجت بذي عيب يوجب لها الخيار، كجنون وجذام وبرص ولو مجبرة؛ لأنَّ ذلك عيب تدخل عليه ويلزمها١.
السَّادسة: البكر اليتيمة الصغيرة التي دعت الحاجة إلى تزويجها قبل البلوغ، فلا بدّ من إذنها بصريح القول٢. وهذه الصورة غير داخلة في هذا المبحث، أعني مبحث البكر البالغ، وإنّما ذكرتها حصرًا لما اسثنوه من القاعدة جمعًا بين النظائر، وأيضًا فإنّ صفة الإذن لا تختلف بالكبر والصغر من حيث الجملة، وإنّما الذي يختلف بالكبر والصغر هو اعتبار الإذن أو التزويج.
السَّابعة: البكر المفتات عليها، وهي التي زوّجها وليُّها بدون إذنها، ثم استأذنها بعد العقد فلا تصح إجازتها إلاّ بصريح قولها، وهذا عندهم في غير الوليّ المجبر؛ لأنّه لا يتصور منه افتيات ٣.
الثَّامنة: البكر المعنّسة، وبعضهم قيدها باليتيمة٤.
стр. 315
الأدلّة:
أولاً: أدلّة مذ هب الجمهور: وهو أنَّ سكوت البكر رضى في حقِّ كلِّ بكرٍ، وكلِّ وليٍّ:
استدلَّ الجمهور القائلون بأن سكوت البكر رضى مع كلِّ وليّ وفي
حقّ كلِّ بكر بالسنّة الصحيحة المستفيضة، وبالمعقول، وبالإجماع.
فأمَّا السنَّة: فقد صحّ واشتهر واستفاض فيها أنَّ سكوت البكر رضى، ومن ذلك:
١- حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تُتْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تستأذن فقالوا: يا رسوله الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت" متفق عليه وتقدّم تخريجه١.
٢- حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". رواه مسلم وا لأربعة وغيرهم، وتقدَّم تخريجه٢.
٣- حديث عائشة ﵂ أنَّها قالت: يا رسول الله إنَّ البكر تستحي؟ قال: "رضاها صمتها".
وفي لفظ: قلت يا رسول الله: "يستأمر النّساء في أبضاعهنَّ؟ قال:
стр. 316
نعم، قلت: إنَّ البكر تستحي فتسكت، قال: سكاتها إذنها".
وفي لفظ ثالث: قالت: قال رسول الله!: "تستأذن النّساء" قلت: إنَّ البكر تستحي، قال: "إذنها صماتها". رواه البخاري بالألفاظ الثلاثة، ورواه أيضًا مسلم وغيره، وتقدَّم تخريجه١.
٤- ما رواه عَدِيّ بن عَدِيّ الكندي٢، عن أبيه ٣، عن رسول الله ﷺ قال: "أشيروا على النِّساء في أنفسهنَّ" فقالوا: إنَّ البكر تستحي يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "الثيّب تُعْرِب عن نفسها بلسانها، والبكر رضاها صمتها". رواه أحمد بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه والبيهقي٤.
стр. 317
وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: رجال إسناده ثقات، إلاّ أنّه منقطع؛ فإنَّ عَدِيًّا لم يسمع من أبيه عَدِيّ بن عَمِيرة، يدخل بينهما العُرْس١ بن عَمِيرة، قاله أبو حاتم وغيره، لكنَّ الحديث له شواهد صحيحة٢. اهـ
فهذه أحاديث صحيحة صريحة واضحة الدلالة على أنّ البكر إذا استأذنها وليّها في نكاحها فسكتت، أنَّ ذلك إذن منها، لا فرق بين بكر وأخرى، ولا بين وليّ وآخر.
стр. 318
وأمَّا الدليل على الاكتفاء بسكوت البكر من جهة المعقول فهو: أنَّ شدَّة حياء البكر- لعدم معاشرتها الرِّجال- عقلة على لسانها، يمنعها من النطق بالإذن في النِّكاح، وإظهار الرغبة في الأزواج، بخلاف ما إذا كانت كارهة للنكاح أو للخاطب، فإنَّها لا تستحي من الرَّدِّ، أمّا إذا سكتت فالغالب أنّه سكوتُ رضًى ما لم يظهر ما يدلّ على خلافه.
وأمّا الإجماع: فقد أجمعت الأمّة على ما دلّت عليه السنّة الصحيحة الصريحة وهو أن سكوت البكر رضى في حقِّ كلِّ بكر، ومع كلِّ وليّ، ولا فرق. وممن حكى هذا الإجماع: ابن قدامة في (المغني) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى) ، وسيأتي نصّ قولهما قريبّا في مناقشة توجيه القول الثَّاني إن شاء الله تعالى.
توجيه القول الثَّاني.
وأمّا توجيه القول الثَّاني: وهو أنَّ سكوت البكر إنّما يكتفى به دلالة على الرضى مع أبيها أو جدّها دون غيرهما فهو:
أولاً: أنّ السكوت إنّما يكتفى به في حقِّ البكر لشدّة حيائها، وهي أشدّ حياء مع أبيها وجدّها، بخلاف غيرهما؛ إذ لا تستحي أن تفصح عن رضاها وإذنها، بصريح قولها مع أخيها، وعمِّها، ونحوهما١.
ثانيًا: أنَّ نكاح البكر لا يتوقَّف على رضاها إذا كان وليُّها أباها أو جدّها، بخلاف غيرهما؛ فإنّها لا تُنْكَح إلابإذنها، والصّمت محتمل للرضى،
стр. 319
وللحياء، ولغيرهما، وكلُّ من افتقر رضاها إلى إذنها افتقر إلى نطقها مع قدرتها على النطق، كالثيّب١.
وظاهر هذا القول أنّ صفة إذن البكر لوليّها في نكاحها يتبع القول في إجبار البكر أو عدمه، فحيث ثبت عندهم لوليّها حقُّ إجبارها، كما في أبيها وجدّها اكتفى بسكوتها؛ لعدم توقف نكاحها على إذنها، وحيث لم يجز له إجبارها كما في غير الأب والجدّ، لم يكتف بسكوتها، بل لا بدّ من إذنها بالقول.
ولا يخفى ضعف هذا القول، ومخالفته للسنّة، والإجماع، وحتى المعقول.
فأمّا مخالفته السنّة: فقد سبق بيانها، ولم تفرّق بين صفة إذن البكر مع أب وجدّ، أو غيرهما.
وأمّا مخالفته الإجماع: فقد أجمع أئمة المسلمين على ما دلّت عليه السنّة الصحيحة الصريحة، قبل حدوث هذا الخلاف، كما حكاه ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية.
فأمّا ابن قدامة فقال في المغني: "قال الشافعي: في صمتها في غير حقِّ الأبّ وجهان: أحدهما: لا يكون إذنًا؛ لأنَّ الصمات عدم الإذن، فلا
стр. 320
يكون إذنًا؛ ولأنّه محتمل الرضى والحياء وغيرهما، فلا يكون إذنًا، كما في حقِّ الثيِّب، وإنّما اكتفى به في حقِّ الأب، لأنَّ رضاها غير معتبر.
ثم عقَّب عليه ابن قدامة بقوله: "وهذا شذوذ عن أهل العلم وترك للسنّة الصحيحة الصريحة، يصان الشافعي عن نسبته إليه، وجعله مذهبًا له مع كونه من أتبع النّاس لسنّة رسول الله ﷺ ، ولا يعرّج منصف على هذا القول. وما ذكروه يفضي إلى ألاَّ يكون صُماتها إذنًا في حقّ الأب أيضاً؛ لأنّهم جعلوا وجوده كعدمه، فيكون إذاً ردًّا على النبي ﷺ بالكليَّة واطّراحًا للأخبار الصريحة الجليَّة، وخرقًا لإجماع الأمّة المرضية"١اهـ.
وأمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: - في الفتاوى- رداًّ على من قال إنّه حيث يجب استئذان البكر فلا بدّ من النطق- قال: "وهذا مخالف لإجماع المسلمين قبلهم، ولنصوص رسول الله ﷺ ؛ فإنّه قد ثبت بالسنَّة الصحيحة المستفيضة واتفاق الأئمة قبل هؤلاء أنّه إذا زوّج البكرَ أخوها أو عمّها فإنّه يستأذنها، وإذنها صماتها"٢.
وأمّا مخالفته المعقول أيضًا: فإنّه لا يسلّم بأنَّ حياء البكر يمنعها من النطق مع أبيها أو جدّها دون غيرهما، بل لو قيل: إنَّ الأمر عكس ذلك لكان أقرب للصّواب، فإنَّ البكر إنّما تستحي من النطق بالإذن خشية أن تظهر رغبتها في الأزواج، فيتسامع به الناس فتعيّر بقلّة حيائها، وهي لو