← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

نعم، قلت: إنَّ البكر تستحي فتسكت، قال: سكاتها إذنها". وفي لفظ ثالث: قالت: قال رسول الله!: "تستأذن النّساء" قلت: إنَّ البكر تستحي، قال: "إذنها صماتها". رواه البخاري بالألفاظ الثلاثة، ورواه أيضًا مسلم وغيره، وتقدَّم تخريجه١. ٤- ما رواه عَدِيّ بن عَدِيّ الكندي٢، عن أبيه ٣، عن رسول الله ﷺ قال: "أشيروا على النِّساء في أنفسهنَّ" فقالوا: إنَّ البكر تستحي يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "الثيّب تُعْرِب عن نفسها بلسانها، والبكر رضاها صمتها". رواه أحمد بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه والبيهقي٤.

стр. 317

وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: رجال إسناده ثقات، إلاّ أنّه منقطع؛ فإنَّ عَدِيًّا لم يسمع من أبيه عَدِيّ بن عَمِيرة، يدخل بينهما العُرْس١ بن عَمِيرة، قاله أبو حاتم وغيره، لكنَّ الحديث له شواهد صحيحة٢. اهـ فهذه أحاديث صحيحة صريحة واضحة الدلالة على أنّ البكر إذا استأذنها وليّها في نكاحها فسكتت، أنَّ ذلك إذن منها، لا فرق بين بكر وأخرى، ولا بين وليّ وآخر.

стр. 318

وأمَّا الدليل على الاكتفاء بسكوت البكر من جهة المعقول فهو: أنَّ شدَّة حياء البكر- لعدم معاشرتها الرِّجال- عقلة على لسانها، يمنعها من النطق بالإذن في النِّكاح، وإظهار الرغبة في الأزواج، بخلاف ما إذا كانت كارهة للنكاح أو للخاطب، فإنَّها لا تستحي من الرَّدِّ، أمّا إذا سكتت فالغالب أنّه سكوتُ رضًى ما لم يظهر ما يدلّ على خلافه. وأمّا الإجماع: فقد أجمعت الأمّة على ما دلّت عليه السنّة الصحيحة الصريحة وهو أن سكوت البكر رضى في حقِّ كلِّ بكر، ومع كلِّ وليّ، ولا فرق. وممن حكى هذا الإجماع: ابن قدامة في (المغني) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى) ، وسيأتي نصّ قولهما قريبّا في مناقشة توجيه القول الثَّاني إن شاء الله تعالى. توجيه القول الثَّاني. وأمّا توجيه القول الثَّاني: وهو أنَّ سكوت البكر إنّما يكتفى به دلالة على الرضى مع أبيها أو جدّها دون غيرهما فهو: أولاً: أنّ السكوت إنّما يكتفى به في حقِّ البكر لشدّة حيائها، وهي أشدّ حياء مع أبيها وجدّها، بخلاف غيرهما؛ إذ لا تستحي أن تفصح عن رضاها وإذنها، بصريح قولها مع أخيها، وعمِّها، ونحوهما١. ثانيًا: أنَّ نكاح البكر لا يتوقَّف على رضاها إذا كان وليُّها أباها أو جدّها، بخلاف غيرهما؛ فإنّها لا تُنْكَح إلابإذنها، والصّمت محتمل للرضى،

стр. 319

وللحياء، ولغيرهما، وكلُّ من افتقر رضاها إلى إذنها افتقر إلى نطقها مع قدرتها على النطق، كالثيّب١. وظاهر هذا القول أنّ صفة إذن البكر لوليّها في نكاحها يتبع القول في إجبار البكر أو عدمه، فحيث ثبت عندهم لوليّها حقُّ إجبارها، كما في أبيها وجدّها اكتفى بسكوتها؛ لعدم توقف نكاحها على إذنها، وحيث لم يجز له إجبارها كما في غير الأب والجدّ، لم يكتف بسكوتها، بل لا بدّ من إذنها بالقول. ولا يخفى ضعف هذا القول، ومخالفته للسنّة، والإجماع، وحتى المعقول. فأمّا مخالفته السنّة: فقد سبق بيانها، ولم تفرّق بين صفة إذن البكر مع أب وجدّ، أو غيرهما. وأمّا مخالفته الإجماع: فقد أجمع أئمة المسلمين على ما دلّت عليه السنّة الصحيحة الصريحة، قبل حدوث هذا الخلاف، كما حكاه ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية. فأمّا ابن قدامة فقال في المغني: "قال الشافعي: في صمتها في غير حقِّ الأبّ وجهان: أحدهما: لا يكون إذنًا؛ لأنَّ الصمات عدم الإذن، فلا

стр. 320

يكون إذنًا؛ ولأنّه محتمل الرضى والحياء وغيرهما، فلا يكون إذنًا، كما في حقِّ الثيِّب، وإنّما اكتفى به في حقِّ الأب، لأنَّ رضاها غير معتبر. ثم عقَّب عليه ابن قدامة بقوله: "وهذا شذوذ عن أهل العلم وترك للسنّة الصحيحة الصريحة، يصان الشافعي عن نسبته إليه، وجعله مذهبًا له مع كونه من أتبع النّاس لسنّة رسول الله ﷺ ، ولا يعرّج منصف على هذا القول. وما ذكروه يفضي إلى ألاَّ يكون صُماتها إذنًا في حقّ الأب أيضاً؛ لأنّهم جعلوا وجوده كعدمه، فيكون إذاً ردًّا على النبي ﷺ بالكليَّة واطّراحًا للأخبار الصريحة الجليَّة، وخرقًا لإجماع الأمّة المرضية"١اهـ. وأمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: - في الفتاوى- رداًّ على من قال إنّه حيث يجب استئذان البكر فلا بدّ من النطق- قال: "وهذا مخالف لإجماع المسلمين قبلهم، ولنصوص رسول الله ﷺ ؛ فإنّه قد ثبت بالسنَّة الصحيحة المستفيضة واتفاق الأئمة قبل هؤلاء أنّه إذا زوّج البكرَ أخوها أو عمّها فإنّه يستأذنها، وإذنها صماتها"٢. وأمّا مخالفته المعقول أيضًا: فإنّه لا يسلّم بأنَّ حياء البكر يمنعها من النطق مع أبيها أو جدّها دون غيرهما، بل لو قيل: إنَّ الأمر عكس ذلك لكان أقرب للصّواب، فإنَّ البكر إنّما تستحي من النطق بالإذن خشية أن تظهر رغبتها في الأزواج، فيتسامع به الناس فتعيّر بقلّة حيائها، وهي لو

стр. 321

أفصحت بهذا لأبيها أو جدّها لكانت أكثر ثقة فيهما بكتمان رغبتها عن التشهير بها، فتأمن من ظهور ما تخشاه؛ إذ إنّها لا تخشى من إظهار رغبتها لوليّها في الأزواج، بقدر ما تخشاه من الآخرين، مع أنَّ مظنّة الحياء هنا هو البكارة، والتعليل بها تعليل بوصف منضبط، بخلاف التعليل بالحياء، فلا يمكن انضباطه؛ ولذلك جاء الفرق صريحًا في السنّة بين البكر والثيّب في صفة الإذن. ثم إنّ استئذان البكر مستحب إجماعًا، وواجب في أصحّ أقوال العلماء، كما سبق بيانه، واعتبار سكوتها كعدمه يفضي إلى اعتباره غير إذن مع جميع الأولياء، كما تقدَّم قريبًا في قول ابن قدامة. والله تعالى أعلم. توجيه القول الثَّالث. وأمّا توجيه القول الثَّالث، وهو تفصيل المالكية في صفة إذن البكر تبعًا لاختلاف أحوالها، حيث استثنوا ثماني حالات للأبكار لا يكون لهنَّ إذن فيها إلاّ بالنطق، فلم أجد له مستندًا من النصوص الشرعية، ولا قاعدة يمكن اطّرادها، ومن تأمّل تلك الأقوال وجدها أشبه بالقول السابق لبعض الشافعية، من حيث التثبّت في الوقوف على رضى البكر بصريح القول فيما يتوقَّف عليه نكاحها، إلاّ أنّ القول السابق يشترط النطق حيث وجب الإذن، وأمّا هذا التفصيل للمالكية فالأظهر أنّه يشترط الإذن بالقول لقرائن يترجّح بها أنّ السكوت في تلك الحالات غير دالّ على

стр. 322

الرضى، كما تشير إليه تعليلاتهم لبعض تلك الصور، فإنّهم ذكروا أنّ البكر المرشّدة أو المعنّسة أعرف بمصالح نفسها، فأشبهت الثّيِّب١. وعلى هذا فسكوت البكر المعنّسة أو المرشّدة يغلب على الظن أنّه لعدم الرضى، لا لشدّة الحياء. إلاّ أنَّ هذا التوجيه لا يقاوم ما سبق من النصّ والإجماع على اعتبار سكوت البكر رضى من غير تفصيل، وقد سبق وصف ابن حزم لقول مالك في المعنّسة "أنّه من عجائب الدُّنيا"٢. والبكر المرشّدة لا تختلف عن هذا. وأمّا قولهم في البكر التي عضلها أبوها فرفعت أمرها إلى الحاكم فأنكحها أو أمر من ينكحها فاشتراط صريح القول بالإذن في هذه الصورة لا يختلف عن وجهة بعض الشافعية السابقة في اشتراط الإذن بالقول، حيث لا يكون للوليّ حقُّ الإجبار، فقد نصّ بعض شراح (المختصر) على أنّ الحاكم لو أمر أباها أن ينكحها بعد تحقّق العضل عنده أنّ الأب يجبرها، ولا يحتاج إلى إذنها٣.

стр. 323

وأمّا قولهم في التي زوّجت بعرض وهي من قوم لا يزوّجون به، فقالوا: إنّ هذا مال وهي بائعة مشترية، والمال لا يلزم بالصّمت١، ولكن استثناء الأب من هذه الصورة يلحقه بالقاعدة السابقة في اعتبار الإجبار أو عدمه. والأظهر هنا: إنّها إن علمت فسكتت كان سكوتها رضى، إذ إنّ المهر هنا ليس عوضًا مقصودًا لذاته، وأمّا إن لم تعلم فلا معنى لصمتها ولا لنطقها في مهر تجهل نوعه وجنسه، وأمّا نكاحها فصحيح ولها المهر الذي جرت به أعراف بلدها. وأمّا التي زوّجت بمن فيه رقّ فاعتبار نطقها هنا لتزويجها بغير كفئها، والغالب أنّ المرأة لا ترضى بغير الكفء، فإذا سكتت كان ذلك قرينة دالّة على عدم الرضى، لا على شدّة الحياء، وكذلك إذا أريد تزويجها بمن فيه عيب، فالغالب أنّّ المرأة لا ترضى بمعيب، فوجود العيب قرينة دالّّة على أنّ سكوتها للكراهة لا للرضى، وخاصّة إذا كان العيب يثبت لها حقّ الفسخ فالاحتياط لاستقرار النّكاح يدعو إلى التثبت من رضاها، لئلاّ يُعقد عقدٌ مآله إلى الفسخ. والأظهر هنا- في كلتا الصورتين- أنّه إن علمت بحال الزوج سواء كان معيباً أم فيه شائبة رقّ فسكوتها رضى، ما لم تظهر قرينة سخط

стр. 324

أو كراهة، إلاّ أنّ رضاها بهذا لا يعفي وليّها من مسؤولية النظر لها، خاصّة إذا كانت تجهل ما يصلح لمثلها، وأمّا إن كانت لم تعلم حال الزوج فلا دلالة في سكوتها ولا في نطقها على الرضى بغير الكفء. وأمّا اعتبار نطق اليتيمة الصغيرة فهذا جار على قاعدة أنّ السكوت لا يكفي في غير مواطن الإجبار- وستأتي هذه المسألة في مبحث تزويج الصغار- إن شاء الله تعالى. وحاصل ما يظهر لي فيها هنا: أنّ الصغيرة إمّا أن يكون لها إذن صحيح في بعض الحالات كالمميّزة، وعلى هذا فلا فرق بين يتيمة أو غيرها في صفة الإذن، وإمّا أن لا يكون لها إذن صحيح حتى تبلغ فلا معنى إذاً لسكوتها ولا لنطقها صغيرة. والله أعلم. وأمّا قولهم في التي زوّجها وليّها غير المجبر افتياتًا عليها- أي بدون إذنها- فذلك لأنّ افتيات وليّها هنا قد أظهر تعدّيه على حقّها، فاحتيج لنطقها، للأمن من هذا التعدّي مرّة ثانية. وأيضًا فالإذن هنا إجازة للعقد بعد وقوعه، وهذا بخلاف الإذن في العقد قبل الوقوع. والأظهر هنا: اعتبار قرينة الحال، فإذا ظهرت قرينة واضحة دالّة على عدم الرضى حين سكتت عمل بها، وقرائن الأحوال بالرضى أو الغضب لا حصرلها، ولا مانع من العمل بها. وبهذا نعلم أنّ أصحّ هذه الأقوال هو القول الأوّل، وهو: أنّ السكوت إذن في حقّ كلّ بكر، ومع كلِّ وليّ، ما لم تظهر قرينة واضحة

стр. 325

دالّة على أنَّ سكوتها سكوت سخط أو كراهية، لا سكوت أدب وحياء. والله أعلم. ثالثًا: ما يكون له حكم السكوت فى الدّلالة على رضى البكر. وأمّا ما يلحق بالسكوت في الدلالة على إذن البكر ورضاها، فقد بحث الفقهاء ما إذا استأذنها وليّها في تزويجها فضحكت، أو تبسمت، أو بكت، أيلحق ذلك بسكوتها أم لا؟ فأمّا الضحك والتبسُّم فهو بمنزلة سكوتها في دلالته على الرضى، بل إنّه أدلّ على الرضى من السكوت؛ لأنَّ الإنسان إنّما يضحك غالبًا مما يسرُّه، وهذا مذهب الجمهور. وقيل: إن ضحكت أو تبسَّمت كالمستهزئة فلا يكون ذلك دالاً على الرضى١.

стр. 326

والظاهرأنّ هذا لا يخالف ما تقدَّم، فإنَّ الأصل في الضَّحك والتبسُّم أنّه دليل الرضى ما لم تقم قرينة واضحة دالّة على خلافه، كالسخط، أو الكراهية، أو عدم المبالاة، وكذلك ضحك أو تبسُّم المستهزئ؛ فإنّه لا يخفى حال صاحبه. والله أعلم. وأمّا إذا استأذنها وليّها فبكت: ففي دلالته على الرضى إلحاقًا له بالسكوت خلاف. ١- فقيل: هو بمنزلة سكوتها، وبه قال الحنابلة، والمالكية، ورواية عن أبي يوسف من الحنفيَّة١. ٢- وقيل: إنّه بمنزلة سكوتها، إلاّ إذا اقترن به صياح، أو ضرب خدّ؛ لأنّ ذلك مشعر بعدم الرضى. وبهذا قال الشافعية؛ بناء على القول الأصحِّ عندهم، وهو أنَّ سكوت البكر رضى مع جميع الأولياء٢.

стр. 327

وبنحو هذا قال بعض الحنفية: إنَّ البكاء لا يكون رداًّ إلاّ إذا كان له صوت، كالويل، وأمّا لو خرج الدمع من عينيها من غير صوت البكاء لم يكن هذا رداًّ، بل هي تحزن على مفارقة بيت أبويها١. قال ابن الهمام: واختيرت للفتوى٢. ٣- أنَّ البكاء دليل عدم الرضى مطلقًا. وهو مذهب الحنفيّة٣. ٤- اعتبار قرائن الأحوال، بالكشف عن بكائها أهو للكراهة أم لا؟ فإذا كان للكراهة لم يكن إذنًا- وهذا قول اختاره بعض المحقّقين في المذاهب الأربعة وغيرها. قال ابن الهمام: "والمعوّل عليه اعتبار قرائن الأحوال في الضحك والبكاء، فإن تعارضت أو أشكل أحتيط، وعن ٤ هذا ما اعتبر بعضهم من أنَّ دموعها إن كانت حارّة فهو ردٌّ، أو باردة فهو رضى، لكنّه اعتبار قليل الجدوى أو عديمه؛ إذ الاحساس بكيفيّتي الدّمع لا يتهيأ إلاّ لخدِّ الباكي، ولو ذهب إنسان يحسه لا يدرك حقيقة المقصود، وليس بمعتاد، ولا يطمئن به القلب، إلاّ أنّه كذا ذكر"٥ اهـ.

стр. 328

الأدلَّة: استدلَّ من قال إنَّ بكاء البكر بمنزلة سكوتها بما يلى: ١- ما روى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن بكت أو سكتت فهو رضاها، وإن أبت فلا جواز عليها". كذا أورده ابن قدامة في المغني وعزاه لأبي بكر١. والحديث قد رواه أبو داود أيضًا وقال: وليس "بكت " بمحفوظ، وهو وهم في الحديث٢. ٢- ولأنّها لوكرهت لنطقت بامتناعه! فإنهّا لا تستحي من الامتناع، فكان إذنًا منها كالصُّمات، والضحك، وأمّا البكاء فهو دليل فرط الحياء، أو لما يترتَّب على نكاحها من فراقها لبيت أبويها٣. وقيل: إنّ البكاء قد يكون للحزن، وقد يكون لشّدة الفرح؛ فلا يجعل ردّاً ولا إجازة؛ للتعارض، كأنَّها سكتت فكان رضى٤.

стр. 329

وأمّا من فرق بين البكاء الذي يصحبه صياح، أو ضرب للخدود، أو دعاء بالويل، وبين غيره من البكاء، فلأنّ تلك القرائن مشعرة بالغضب، والسخط، دون البكاء المجرَّد منها؛ فإنّه دليل الحياء، وخوف فراق بيوت الآباء١. وأمّا من جعل البكاء دليلاً على الردّ وعدم الإذن؛ فلأنّ البكاء وضع أصلاً للحزن، والسخط، والكراهية، لا للفرح والرضى، بخلاف الضحك والتبسُّم؛ فإنّ وضعه لما يسرّ ويفرح، وليس هو بصمت فيدخل في عموم الأحاديث٢. وأمّا من اعتبر قرينة الحال، وعوّل عليها في الفصل في هذا المقام؛ فلأنّ البكاء يدلّ على الحزن والكراهية، وقد يكون لغير ذلك، وقرينة الحال هي التي تدلّ على المراد به.

стр. 330

الرّاجح: والذي يظهرمما تقدّم، أنَّه قلّ من العلماء من يلغي قرينة الحال عند التحقيق والتأمّل، إلاّ أنّ في اعتبارها في بعض الأقوال نظرًا. ويبدو لي: أنّ البكاء لا يلحق بالصمت في الدلالة على الرضى إلاّ بقرينة تدلّ على أنّه لفرط الحياء أو خشية فراق بيوت الآباء أو نحو ذلك، وكذلك الضحك دليل الرضى- كما قلنا- ما لم تقم قرينة دالّة على خلافه، وذلك لما يلي: ١- إنَّ زيادة لفظ "بكت" في الحديث غير ثابته- كما تقدّم. ٢- إنَّ البكاء دالّ حقيقة على السخط والكراهية، لا على الفرح والرضى ونحوه، فلا يخرج عمّا وضع له إلاّ بقرينة واضحة. وأمَّا من قال: إنّ الضحك والبكاء دالّ على الرضى إلاّ بقرينة، فقد جمع بين المتناقضات؛ فإنّ لكلِّ من الضحك والبكاء حقيقة تخالف الأخرى، والعمل بالحقيقة لا يحتاج إلى قرينة تؤيِّده. وأمّا من فرّق بين بكاء يصحبه صياح، وضرب للخدود، ودعاء بالويل والثبور، فهذا اعتبار لبعض القرائن التي نحن في غنى عنها لو لم ترد؛ إذ إنّنا نحتاج للقرينة لتأويل الحقيقة عن ظاهرها، لا للاستدلال بها على الأخذ بالحقيقة سواء أكانت حقيقة لغوية أم شرعية أم عرفية، وقد تعارف الناس البكاء- غالبًا- لما يكرهون. وأمّا قولهم: إنّها لوكرهت لصرَّحت بالردّ، لأنّها لاتستحي من الافصاح به، فنقول: كفى بالصَّمت عذرًا وسترًا لو كان هناك رضى، أمّا

стр. 331

مع البكاء فقد أغنى الفعل عن القول حتى نجد القرينة التي تدلّ علىأنّه لأمر آخر غير الكراهيّة ونحوها. ورحم الله زمانًا كان الأئمة يحتارون في الوقوف على دلالة بكاء الأبكار أهو لشدّة حيائهنَّ، أم لكراهتهنَّ للخطّاب! ولولا ما التزمت به في هذا البحث من ذكر ما اشتهر بين الفقهاء في رؤوس مسائله، لما كان لهذا المبحث داع في زمن خفّ فيه الحياء، وانحلّ عن الألسنة ما كان يعقلها. فالله المستعان.

стр. 332

المبحث الثَّاني: استئذان الثيّب البالغ ١- المقصود بالثّيب: أمّا الثيّب في اللغة: فهي من النّساء من تزوّجت، وفارقت زوجها بأيِّ وجه كان، بعدأن مسّها. وأصل هذا الاسم مأخوذ من مادة "ثوب١"، يقال: ثاب يثوب إذا رجع، وعاد مرة بعد أخرى، ومنه المكان الذي يثوب إليه الناس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ ٢؛ لأنَّ الناس يثوبون إليه مرة بعد أخرى، لا يكادون يغادرونه إلاّ اشتدّ شوقهم للعودة إليه، مرة ثانية.

стр. 333

وهو اسم أيضًا للرجل: فيقال للرجل ثيّب إذا دخل بامرأته، كما يقال للمرأة ثيّب إذا دخل بها زوجها، فيكون الذكر والأنثى فيه سواء. وقيل: لا يسمّى الذكر ثيّبًا إلاّ في قولهم: "ولد الثّيّبين، وولد البكرين"، ومعنى هذا أنّه يسمّى ثيِّبًا من باب التغليب١. ولكن يشهد لتسمية الرجل "ثيّبًا" قوله ﷺ : "لا يحلّ دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنِّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: النَّفس بالنَّفس، والثّيّب الزّاني، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة". رواه البخاري بهذا اللفظ٢ من حديث ابن مسعود ﵁. وقوله ﷺ : "الثّيب بالثّيّب جلد مائة ورجم٣ بالحجارة ". رواه مسلم وغيره٤ من حديث عبادة بن الصامت ﵁. ولا خلاف في شمول اسم الثّيّب في هذه الأحاديث الذَّكر والأنثى.

стр. 334

قال ابن الأثير: "الثّيّب من ليس ببكر، ويقع على الذّكر والأنثى، رجل ثيّب وامرأة ثيّب، وقد يطلق على المرأة البالغة إن كانت بكرًا، مجازًا واتساعًا، وأصل الكلمة الواو؛ لأنّه من ثاب يثوب. إذا رجع، كأن الثّيّب بصدد العود والرجوع"١ اهـ المقصود من كلامه. وأمّا المقصود بالثّيّب عند الفقهاء في هذا المبحث: فهي المرأة التي زالت بكارتها بوطء مطلقًا، إلاّ أن في الموطؤة بالزّنى خلافًا في اعتبار حكمها حكم الثّيّبات أو الأبكار. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في آخر هذا المبحث في الكلام على "الثيوبة المعتبرة"٢. ٢- حكم استئذان الثّيب البالغ في النّكاح. لقد أجمع أهل العلم- إلاّ من شذّ- على أنّ الثّيِّب المكلّفة الرشيدة لا تُنْكح إلاّ بإذنها. وروى عن الحسن البصري ﵀: أنَّ أباها يزوّجها ولو كانت كارهة٣.

стр. 335

وروي أيضًا عن إبراهيم النخعي ﵀ أنّه قال: يزوّجها أبوها إن كانت في عياله، وأمّا إن كانت بائنة في بيتها مع عيالها فلا يزّوجها حتى يستأمرها١. وهذان القولان شاذَّان مخالفان للسنّة وإجماع الأئمة٢. فأمّا السنّة فمنها: أوّلاً: حديث خنساء٣ بنت خِدَام الأنصارية: أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب فكرهت ذلك، فأتت النبي ﷺ فردّ نكاحها". وهذا حديث مجمع على صحته، فقد رواه الأئمة: مالك، وأحمد، والبخاري- وهذا لفظه-، وأبو د اود. وذكره الترمذي مستغنيًا عن إسناده جامعًا بينه وبين حديث "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليّها". ورواه أيضًا النسائي، وا بن ما جه، والدَّارمي، وا بن الجارود، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم٤.

стр. 336

فدلّ هذا الحديث الصحيح على أنَّ الثيّب البالغ لا يجبرها أحد على النِّكاح؛ إذ لو كان لأحد من أوليائها إجبارها بغير إذنها ورضاها لجاز عليها نكاح أبيها وهي كارهة؛ إذ إنّه أقرب أوليائها، وأوفرهم شفقة عليها.

стр. 337

وبهذا الحديث أخذ الأئمة إلاّ من شذّ كالحسن البصري، وإبراهيم النخعي، رحمهما الله. قال ابن قدامة في المغني: "قال ابن عبد البرِّ: هذا حديث مجمع على صحّته، والقول به، لا نعلم مخالفًا له إلاّ الحسن. وكانت الخنساء من أهل قباء، وكانت تحت أنيس بن قتادة، فقتل عنها يوم أحد، فزوّجها أبوها رجلاً من بني عوف، فكرهتة، وشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ فردّ نكاحها، ونكحت أبا لبابة بن المنذر١ اهـ. ٢- حديث أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُتْكَح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت". هذا لفظ البخاري، وتقدَّم تخريجه٢. وهذا نهي صريح عن إنكاح الأيِّم بدون إذنها، وهو عامٌّ في كلّ أيِّم وفي كلِّ وليٍّ، والمراد بالأيِّم: في هذا الحديث هي "الثّيِّب" لمقابلتها بالبكر. وفي هذا الحديث الصحيح الصريح قطع لكلّ حجَّة قائلة بإجبار الحرَّة المكلَّفة، سواء كانت بكرًا أم ثيِّبًا.

стр. 338

٣- حديث ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". رواه مسلم وا لأربعة وغيرهم، وتقدّم تخريجه١. والمراد بالأيِّم هنا: الثّيِّب أيضًا، كما في حديث أبي هريرة ﵁، لمقابلتها بالبكر في كلا الحديثين، ولما جاء في بعض روايات هذا الحديث صريحًا بلفظ "الثّيِّب"٢، وقد جعلها رسول الله ﷺ أحقّ بنفسها من وليِّها، أي بالرضى بزوجها كما تقدّم ٣ جمعًا بينه وبين أحاديث إثبات الولاية في النِّكاح. ٤- وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ليس للوليِّ مع الثّيِّب أمرٌ، واليتيمة تستأمر في نفسها، وصمتها إقرارها". وتقدّم تخريجه والكلام على إسناده٤. فهذا نفي لحقِّ الوليّ في إكراهها على من لا ترضاه جمعًا بينه وبين أحاديث الولاية كما تقدّم٥. وأمّا إجماع الأئمَّة على عدم إجبار الثّيِّب المكلَّفة فقد حكاه جمع

стр. 339

من الأئمة واعتبروا مخالفته شذودًا. وأمّا دلالة عدم إجبار الثّيِّب المكلَّفة من جهة المعقول؛ فلما سبق في البكر البالغ، ولزيادة خبرتها بممارسة الرِّجال، وإدراكها لمقاصد النِّكاح. والله أعلم. ٣- صفة إذن الثّيِّب. وأمّا ما يحصل به معرفة إذن الثّيِّب فهو صريح قولها إجماعًا، فلا يكفي سكوتها- كما هو الشأن في البكر- مع قدرتها على النطق، وذلك للأحاديث الصحيحة التي فرَّقت بين إذن الثّيِّب والبكر، حيث دلّت على أنَّ إذن البكر يكفي فيه سكوتها؛ لغلبة حيائها، فدلّ على أنَّ الثّيِّب بخلافها، ومن تلك الأحاديث ما يلي: أوّلاً: حديث ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". رواه مسلم والأربعة وغيرهم١. ثانيًا: حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنْكح البكر حتى تستأذن"، قالوا: يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: "أنّ تسكت" ٢. متفق عليه.

стр. 340

فدلّ هذان الحديثان - وما في معناهما من الأحاديث - على أنَّ لكلٍّ من البكر والثّيب إذنًا معتبرًا شرعًا، والإذن إنَّما يدلّ عليه صريح القول مع القدرة عليه؛ لأنّ اللسان هو المعبّر عما في نفس صاحبه مع استطاعة صاحبه، على النُّطق بالكلام، ولكن دلّت تلك الأحاديث على اعتبار صمت البكر رضى؛ لشدّة حيائها من النُّطق بالإذن، فدلّ ذلك بمفهومه على أنَّ الثّيب بخلافها؛ فلا يكفي صمتها؛ لأنّها مارست الرجال ولا تستحي غالبًا من التصريح بالمقال، ثم إنّ القول هو الأصل في الإذن. وقد استدلّ بعض العلماء على تأكيد النطق بالإذن في حق الثّيب بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ "والأيِّم تستأمر والبكر تستأذن" فقالوا: إنّ الأمر آكد من الإذن؛ فلا يكون إلاّ بالقول بخلاف الإذن فقد يكون بالقول أو بالصمت١. ولكن اعترض عليه بما في حديث ابن عباس وغيره بلفظ "والبكر تستأمر" ٢، ولكن أجيب عنه بأنّه خرج بقرينة "وإذنها صماتها"؛ بخلاف الثّيِّب٣. ولكنّ الأظهر والله أعلم: أنّ يقال: إنّ الأصل في كلٍّ من الإذن والأمر إنّما يتأتّى بالقول، وقد قام الدليل على اعتباره بالصَّمت من البكر

стр. 341

فلزم اعتباره، ولم يرد مثله في الثّيِّب فلزم الرجوع إلى الأصل، فيما يعرف به الإذن، وهو الكلام، وأصرح من هذه الأحاديث كلّها الحديث الآتي وهو: ثالثًا: حديث عَدِِِيّ بن عَدِِيّ الكندي، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "أشيروا على النِّساء في أنفسهنَّ"، فقالوا: إنّ البكر تستحي يارسول الله قال ﷺ : "الثّيب تُعْرِب عن نفسها بلسانها، والبكر رضاها صمتها". وهو حديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه، والبيهقي كما تقدَّم١. وهو وإنّ كان قد قيل فيه إنّه منقطع؛ لأنّ عَدِيًّالم يسمع من أبيه كما قاله أبو حاتم، إلاّ أنَّ معناه متفق عليه بين الأئمة. والله أعلم. ٤- الثيوبة المعتبرة في صفة الإذن. لقد تقدَّم أنَّ الفرق بين البكر والثّيِّب في صفة الإذن هو: أنّ البكر تستأذن فيكفي صمتها، وأنَّ الثّيب تستأمر فلا بدّ من نطقها. وبقي أن نعرف ما هي الثيوبة المعتبر لها صريح الإذن عند الفقهاء؟ ولمعرفة ذلك لا بدّ من معرفة سبب ثيوبتها فهي: إمّا أن تكون قد زالت بكارتها بوطء أو بغيره. أ- فإن زالت بكارتها بغير وطء، كسقطة، أو وثبة، أو شدّة حيضة، أو بأصبع، أو بعود، أو بطول تعنيس، ونحو ذلك فلا أثر لهذه الثيوبة عند

стр. 342

الفقهاء؛ بل إنَّ حكمها حكم الأبكار١. إلاّ ما حكى من وجهٍ في مذهب الشافعية أنّها تعتبر ثيّبًا٢. واستدلّ جمهور الفقهاء على قولهم إنّ حكمها حكم الأبكار: بأنّ من لم تَزُل بكارتها بالوطء فإنّها لم تختبر المقصود من النِّكاح، ولم تمارس الرجال بالوطء في محلِّ البكارة، فهي على غباوتها وحيائها، فأشبهت من لم تَزُل عُذْرتها٣. ولأنَّها بكر حقيقة: لأنّ مصيبها أول مصيب لها، ومنه الباكورة، والبكرة، لأوَّل الثِّمار وأوّل النّهار٤. وأمَّا وجه ما حكى عن الشافعية فهو أنّها بزوال عُذْرتها لم تعد من الأبكار، بل إنَّها قد أصبحت ثيّبًا، والقول الأوّل هو المعتمد. والله الموفِّق. ب- وأمّا من زالت بكارتها بوطء فلايخلو حالهامن أمرين: الأوّل: أنّ يكون الوطء حلالاً أو ما يلحق به.

стр. 343

الثَّاني: أن يكون وطء زنى. فإن كان الوطء حلالاً كالواقع في نكاح صحيح، أو ملك يمين، أو ما يلحق بالوطء الحلال كالواقع في نكاح فاسد، أو وطء شبهة، فلا خلاف في حصول الثيوبة بذلك، واعتبار صريح إذنها في النِّكاح بالقول دون السكوت١. وأمّا إن زالت بكارتها بالزِّنى فقد اختلف الفقهاء في صفة إذنها، أيكتفى بسكوتها كالأبكار أم لا بدّ من صريح قولها كالثَّيِّب؟ على قولين: الأوّل: أنَّ حكمها حكم الموطوءة في نكاح صحيح، أو ما يلحق به، فيكون المعتبر نطقها دون صمتها، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وبه قال أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة٢. والثَّاني: أنَّ حكمها حكم الأبكار، وهذا مذهب المالكيَّة، وأبي حنيفة، وحكى عن الشافعي في القديم٣.

стр. 344

دليل القول الأوَّل: وقد استدلَّ من قال: إنّ الموطوءة بزنى حكمها في الإذن حكم الثيِّب الموطوءة في نكاح صحيح ونحوه بما يلي: أوَّلاً: عموم الأحاديث الواردة في صفة إذن الثّيِّب مثل: حديث: "لثيِّبات تعرب عن نفسها بلسانها". وحديث: "لا تُنْكح الأيِّم حتى تستأمر". والموطوءة بزنى ثيِّب؛ إذ إنَّ الثّيِّب هي الموطوءة في القبل، وهي كذلك؛ بدليل أنَّه لو أوصى لثيِّب النِّساء دخلت في الوصيَّة، ولو أوصى للأبكار لم تدخل، ولو اشترطها في التزويج أو الشراء بكرًا فوجدها مصابة بالفجور ملك الفسخ١. ثانيًا: ولأنّها موطوءة في القبل فأشبهت الموطوءة بشبهة٢. ثالثًا: أنّ الحكمة التي اقتضت التفرقة بين صفة إذن البكر والثّيِّب هو الحياء، والمثابة بزنى قد زال حياؤها بمباضعة الرِّجال؛ فإنَّها إذًا لم تستح من مباضعة الرِّجال عن طريق الزِّنى فلن تستحي من التصريح بالإذن في النِّكاح الصحيح٣.

стр. 345

رابعًا: أنّ الموطوءة بزنى ثيِّب حقيقة؛ لأنَّ مصيبها عائد إليها، ومنه المثوبة والمثابة، والتثويب١. دليل القول الثَّانى: واستدلَّ من قال: إنَّ الموطوءة بزنى حكمها في الإذن حكم الأبكار بما يلي: أوَّلاً: أنَّ علَّة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء، والحياء من الشيء لا يزول إلاّ بمباشرته بالإذن، وهذه لم تباشره بالإذن في نكاح صحيح، فيبقى حياؤها بحاله، والحياء علَّة منصوصة، كما في حديث عائشة الصحيح أنَّها قالت: "يا رسول الله يستأمر النِّساء في أبضاعهنَّ؟ قال: "نعم". قالت: فإنَّ البكر تستأمر فتستحي. قال: "سكاتها إذنها "٢. متفق عليه٣. ثانياً: أنَّ النّاس عرفوها بكرًا، فيعيبونها بالنُّطق فتمتنع عنه، فلو لم يكتف بسكوتها لتعطَّلت مصالحها، وهذا بخلاف ما إذا وطئت بشبهة، أو نكاح فاسد؛ لأنّ الشرع أظهره، حيث علَّق به أحكامًا، من لزوم العدّة

стр. 346

والمهر، وإثبات النَّسب، بخلاف الزنى المندوب إلى ستره، ولم يتعلَّق به شيء من أحكام النِّكاح الصحيح١. ولكن نوقش الدليل الأوَّل: بأنّ التعليل بالحياء غير صحيح، فإنّه أمر خفيّ لا يمكن اعتباره بنفسه، وإنّما يعتبر بمظنّته، وهو البكارة؛ لأنَّها وصف ظاهر منضبط بخلاف الحياء٢. وأمَّا قولهم إنَّهالم تباشره بالإذن، فإنَّه باطل بالموطوءة بشبهة، أو في ملك اليمين أو المزوَّجة صغيرة٣. أمَّا قولهم: إنّ النَّاس عرفوها بكراً، فالظاهر أنّ محلّ الخلاف فيمن اشتهر زناها، لا من عرفها النّاس بكرًا، كما قال ابن الهمام: إن زالت- (أي بكارتها) - بزنى مشهور، أو وطء بشبهة أو نكاح فاسدٌ زوِّجت كالثَّيِّبات اتفاقًا، وإن زالت بزنى غير مشهور فهو محلّ الخلاف ٤ اهـ- وقوله هذا يحتمل أن يكون قصد بمحلِّ الاتفاق والخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، ويحتمل أن يكون قد قصد به الحنفية وغيرهم، وعلى كلا الاحتمالين فينبغي أن يكون محلّ الخلاف في المشهور؛ لا في المستور لما يترتَّب على استنطاقها من إظهارعيبها الذي أمر الشارع بستره، مع أنّه

стр. 347

ليس هناك ضرورة لنطقها؛ لظهور قرائن الرضى بغيره، كسكوتها أو استلام مهرها، أو تهيّؤها للنِّكاح بعد العلم به، وكم من قرينة حال تعارفها الناس في كلّ زمان ومكان فأغنت عن صريح المقال. وأمَّا الأحاديث التي فيها الأمر باستئمار الثّيّب، وأنَّها تعرب عن نفسها، فليس فيها إلاّ تأكيد حقّها في الرضى، وإذا عرف فليس الاستنطاق أمرًا تعبّديًّا، وإنّما هو وسيلة لمعرفة الرضى والإذن، مع أنّ الغالب أنّ المقصود بالثّيِّب هي المعهودة عند الناس بسبب نكاح أو شبهة. ومن هنا نعلم أنَّ الأولى في هذه المسألة هو التفصيل في حال الموطوءة بزنى: فإن اشتهر أمرها بنحو إقامة حدٍّ عليها، أو اتخاذه عادة لها، فهذه إن لم تكن أولى بالاستنطاق من الموطوءة بشبهة المتفق على استنطاقها، فلا أقلّ من مساواتها بها، وأمَّا إن خفي زناها وغلب عليها حياؤها فمنعها من التصريح بالإذن، فلا ينبغي إجبارها على النطق، بل يكتفى بظاهر أمرها عند الناس؛ ولهذا قال ابن الهمام: الفرض أنَّ الزنى غير مشهور، ففي الزامها النطق دليل المنع من إشاعة الفاحشة في هذه الصورة، والمنع يقدم عند التعارض فيعمل دليل نطق الثّيِّب فيما وراء هذه الصورة، وأيضًا الظاهر من مراد الشارع من البكر المعتبر سكوتها رضى البكر ظاهراً كما في أمثاله، لا في نفس الأمر، ولذا لم يوجب على الوليّ استكشاف حالها عند استئذانها، أهي بكر الآن ليكتفي بسكوتها أم لا؟ اكتفاء بالبناء على

стр. 348

الأصل الذي لم يظهر خلافه، والكلام هنا في ثيوبة بزنى لم يظهر فيجب كونها بكرًا شرعًا؛ ولذا قلنا لو ظهر لا يكفي سكوتها" ا. هـ١ والله أعلم. خاتمة هذا الفصل: في حكم إنكاح الوليِّ من يعتبر إذنها بدون إذنها لقد تقدَّم لنا في هذا المبحث أنّ الثَّيِّب الحرَّة المكلَّفة لا يُنْكِحها وليُّها إلاَّ بإذنها اتفاقًا، إلاّ من شذّ، وكذلك البكر الحرَّة المكلَّفة لا يُنْكِحها سائر أوليائها إلاّ بإذنها، عدا الأب والجدّ، ففي إنكاحهما لها بدون إذنها خلاف، تقدَّم بيانه، وأنّ الراجح هوعدم صحة إجبارهما لها أيضًا. ويجدر بنا أن نختم هذا الفصل ببيان صحَّة أو بطلان إنكاح الوليِّ من يعتبر إذنها بغير إذنها. وحاصل مذاهب العلماء في هذه المسألة يمكن حصره في ثلاثة أقوال: القول الأول: أنّ نكاح من يعتبر إذنها بدون إذنها نكاح باطل، لا يصح مطلقًا، وإن رضيت به بعد ذلك وأجازته. وهذا مذهب الإمام الشافعي، وأصحّ الروايتين عن الإمام أحمد، ورواية عن الإمام مالك. ﵏"٢.

стр. 349

وحجَّة هذا الفريق أحاديث وجوب الاستئمار، والنهي عن إنكاح المرأة بدون إذنها، المتقدّم تفصيلها في هذا الفصل، وأصرحها في هذه المسألة هو: قضاء النبيِّ ﷺ في خنساء بنت خِدَام حيث أنكحها أبوها وهي كارهة، فرفعت أمرها إلى النّبيِّ ﷺ فردّ نكاحها"١، ولم يقل لها النّبيّ ﷺ : إلاّ أن تجيزي ما فعل أبوك٢. القول الثَّانى: أنّه إذا بلغها الخبر عن قرب فأجازته جاز، وإلا فلا. وهذا هو المشهور من مذهب المالكية٣. ووجه إجازته عن قرب: هو وقوع العقد والإجازة في وقت واحد، والمهلة اليسيرة لا ضرر فيها، وأمَّا وجه بطلانه عن بعد فهو حجّة الفريق الأول٤. القول الثَّالث: انعقاد النِّكاح موقوفًا على إجازتها؛ فإن أجازته جاز، وإن ردّته بطل. وهذا هو مذهب الحنفية٥.

стр. 350

وحجَّتهم حديث الفتاة البكر التي أنكحها أبوها وهي كارهة فجعل النبي ﷺ الأمر إليها فقالت: "قد أجزت ما صنع أبي، ولكنِّي أردت أن أعلم: أن للنساء من الأمرشيء؟ "١. ولاختلاف العلماء أيضًا في هذه المسألة سبب آخر: وهو قياس عقد الوليّ هنا على عقد الفضولي، وهو عقد مختلف في صحَّته، فعندالحنفية كلُّ عقد انعقد وله مجيز انعقد موقوفًا على الإجازة، فعقد الفضولي عندهم عقد صدر من أهله- وهو الحرّ البالغ العاقل- مضافًا إلى محلّه- وهو هنا الأنثى من بنات آدم التي لم يمنع من نكاحها مانع- ولا ضرر في انعقاده؛ لتوقفه على إجازة من له الحق، فإن رأى فيه مصلحة أجازه وإلاّ ردّه. وهذا بخلاف مذهب الشافعي ﵀ ومن وافقه فعقود الفضولي عنده كلُّها لاغية لا حكم لها٢. "الرَّاجح": والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ عقد الوليِّ هنا لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون قد وقع صحيحاًً أو باطلاً أصلاً.

стр. 351

فإن وقع باطلاً فلا تلحقه الإجازة، بل لا بدّ من استئناف عقد جديد إن رضيت بعد ذلك. وإمّا أن يقال: إنَّه انعقد صحيحًا ولها حقّ الفسخ إن لم ترض، وهذا هو أصحها وأقواها فيما يظهر لي لما يلي: أوّلاً: أنَّ ما ورد فى السنة الصحيحة من الأمر باستئذان المرأة المكلَّفة في إنكاحها والنهي عن إنكاحها بدون إذنها قد بيَّنه قضاء رسول الله ﷺ في خنساء بنت خِدَام والفتاة، وكلتاهما قد أنكحهما أبواهما كارهتين، أولاهما ثيِّب، وا لأخرى بكر على أصح القولين فيهما، والمسكوت عنه في حديث الخنساء قد جاء مفسَّرًا في حديث الفتاة البكر، فالقول بأن النّبيّ ﷺ لم يقل لخنساء إلا أن تجيزي- مما يدلّ على عدم الجواز- يردُّه قول الفتاة البكر "قد أجزت ما صنع أبي". وقول من قال: إنَّ النَّبيّ ﷺ إنّما أثبت لهذه الفتاة الخيار؛ لأنَّ أباها قد أنكحها غير كفء لها، ونقصان الكفاءة يثبت الخيار ولا يبطل النِّكاح مردود بتصريح هذه الفتاة بأنَّ أباها أنكحها وهى كارهة، فالعلَّة هى الكراهة، كما تقدَّم تحقيقه١، ثم إنَّه أيُّ فرق بين أن تكون كارهة، لنقص في كفاءة خاطبها أو لأمرآخر؟ فثبت بهذا أنّ ما جاءت به السنَّة من الأمر بالاستئذان والنهي عن إنكاح المرأة بدونه إنَّما يدل على تأكيد حقّها في الرضى، وحقّها في الفسخ إن لم ترض، لا على بطلان إنكاح وليِّها إن رضيت به بعد ذلك.

стр. 352

ثانيًا: أنَّ العقد هنا حقٌّ للوليّ، ورضى المرأة ليس شرطًا في ولايته؛ إذ الوليُّ قد تصرَّف في حقِّه، وكلُّ ما يترتَّب على عقده بدون إذنها هو تداركها ما يلحقها من ضرر، أو يفوّت عليها من مصلحة، فيكون لها حقُّ الفسخ دفعًا للضرر عنها، وتأكيدًا لحقِّها في معاشرة من ترضاه من ذوي الخلق والدِّين. ثالثًا: أنَّ عقد الوليِّ ليس كعقد الفضولي- سواء قيل بصحته أو ببطلانه- ولا هو أيضًا كعقد المرأة النِّكاح لنفسها أو لغيرها؛ فإنَّ كلاً من الفضولي والمرأة لا يملكان عقدة النِّكاح أصلاً؛ للتصريح في الحديث بنفي النِّكاح بدون وليٍّ، وببطلان نكاح المرأة نفسها، والباطل لا تلحقه الإجازة، والقاعدة التي نستأنس بها في تقرير هذا المعنى هو ما ذهب إليه الشافعي ﵀ "من أنَّ كلَّ عقدة لا تحلّ المرأة لزوجها، لا تكون بالإجازة صحيحة"١. إلاّ أنّ الشافعي ﵀ قد أجرى هذه القاعدة على النِّكاح بدون وليٍّ، وعلى نكاح من يعتبر إذنها بغير إذنها، والظَّاهر هو الفرق بين المسألتين كما تقدّم، وقدأشارإلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيميَّة في فتاواه٢.

стр. 353

وقد حرر ابن قدامة مذهب الحنابلة في نكاح المرأة بدون وليِّها- رادًّا على بعض الأصحاب- قائلاً: متى تزوَّجت المرأة بغير إذن وليِّها، أو الأمة بغير إذن سيدها فقد ذكره أصحابنا من جملة الصور التي فيها الروايتان، والصحيح عندي أنّه لا يدخل فيها؛ لتصريح النبيّ ﷺ فيه بالبطلان١. رابعًا: أنَّ رضى المرأة بعقد وليِّها وتنازلها عن حقِّها في الفسخ طاعة لوليِّها واحترامًا لتصرَّفه فيه فخرٌ للمرأة، وشرف عند الأقارب والأباعد، بل إنّه دليل على كمال عقلها وحيائها، وهذا بخلاف الأمر- فيما لو أنكحت نفسها، أو أنكحها فضوليِّ، فانَّ تنازل الوليّ عن حقِّه في العقد لا ينجي المرأة، ولا أولياءها من معرَّة الذمّ والتشنيع من الناس، فظهر الفرق واضحًا جليًا بين عقد الوليِّ وعقد غيره. والله الموفِّق للصَّواب وإليه المرجع والمآب.

стр. 354

الفصل الرابع: الولاية في النكاح على الصغار المبحث الأول: ثبوت الولاية في النِّكاح على الصِّغار إنّ الصِّغر وصف مؤثِّر في سلب أهليّة العاقد، أو نقصانها في الذَّكر والأنثى على السواء اتفاقًا، والأصل في ثبوت الولاية على الصِّغار ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾ ١ فاليتامى في هذه الآية الكريمة هم الصّغار قطعًا، ذكورًا أو إناثًا؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي الحلم، وهذه الآية الكريمة نصّ في حفظ أموال الصّغار حتى يبلغوا، ويؤنس رشدهم، وأمَّا الولاية على الصّغار في النِّكاح فقياسًا على ثبوتها في الأموال. ووجه ذلك- والله أعلم- أنّ هذه الآية هي العمدة في الحجر على الصّغار في عقود المعاملات، وعقد النِّكاح أعلى شأنًا وأشدُّ خطراً، والصّغير- ذكرًا أم أنثى- عاجز عن إدراك وجه المصلحة لنفسه، أو التحرّز عن الضّرر بها، كما أنَّ عقد النِّكاح تترتّب عليه حقوق ماليّة من مهر، ونفقة، ونحوهما، والصّغير محجور عليه في ماله. والله أعلم. ثانيًا: حديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصّبيّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق". رواه أحمد وأبو داود

стр. 355

والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبّان، وابن الجارود، والحاكم، مرفوعًا عن عائشة، رضي الله عنها١. ورواه أيضاً: أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبَّان والحاكم عن عليّ ﵁ مرفوعًا. وذكره عنه البخاري تعليقًا٢،
следующие страницы →