فإن وقع باطلاً فلا تلحقه الإجازة، بل لا بدّ من استئناف عقد جديد إن رضيت بعد ذلك. وإمّا أن يقال: إنَّه انعقد صحيحًا ولها حقّ الفسخ إن لم ترض، وهذا هو أصحها وأقواها فيما يظهر لي لما يلي:
أوّلاً: أنَّ ما ورد فى السنة الصحيحة من الأمر باستئذان المرأة المكلَّفة في إنكاحها والنهي عن إنكاحها بدون إذنها قد بيَّنه قضاء رسول الله ﷺ في خنساء بنت خِدَام والفتاة، وكلتاهما قد أنكحهما أبواهما كارهتين، أولاهما ثيِّب، وا لأخرى بكر على أصح القولين فيهما، والمسكوت عنه في حديث الخنساء قد جاء مفسَّرًا في حديث الفتاة البكر، فالقول بأن النّبيّ ﷺ لم يقل لخنساء إلا أن تجيزي- مما يدلّ على عدم الجواز- يردُّه قول الفتاة البكر "قد أجزت ما صنع أبي". وقول من قال: إنَّ النَّبيّ ﷺ إنّما أثبت لهذه الفتاة الخيار؛ لأنَّ أباها قد أنكحها غير كفء لها، ونقصان الكفاءة يثبت الخيار ولا يبطل النِّكاح مردود بتصريح هذه الفتاة بأنَّ أباها أنكحها وهى كارهة، فالعلَّة هى الكراهة، كما تقدَّم تحقيقه١، ثم إنَّه أيُّ فرق بين أن تكون كارهة، لنقص في كفاءة خاطبها أو لأمرآخر؟ فثبت بهذا أنّ ما جاءت به السنَّة من الأمر بالاستئذان والنهي عن إنكاح المرأة بدونه إنَّما يدل على تأكيد حقّها في الرضى، وحقّها في الفسخ إن لم ترض، لا على بطلان إنكاح وليِّها إن رضيت به بعد ذلك.
стр. 352
ثانيًا: أنَّ العقد هنا حقٌّ للوليّ، ورضى المرأة ليس شرطًا في ولايته؛ إذ الوليُّ قد تصرَّف في حقِّه، وكلُّ ما يترتَّب على عقده بدون إذنها هو تداركها ما يلحقها من ضرر، أو يفوّت عليها من مصلحة، فيكون لها حقُّ الفسخ دفعًا للضرر عنها، وتأكيدًا لحقِّها في معاشرة من ترضاه من ذوي الخلق والدِّين.
ثالثًا: أنَّ عقد الوليِّ ليس كعقد الفضولي- سواء قيل بصحته أو ببطلانه- ولا هو أيضًا كعقد المرأة النِّكاح لنفسها أو لغيرها؛ فإنَّ كلاً من الفضولي والمرأة لا يملكان عقدة النِّكاح أصلاً؛ للتصريح في الحديث بنفي النِّكاح بدون وليٍّ، وببطلان نكاح المرأة نفسها، والباطل لا تلحقه الإجازة، والقاعدة التي نستأنس بها في تقرير هذا المعنى هو ما ذهب إليه الشافعي ﵀ "من أنَّ كلَّ عقدة لا تحلّ المرأة لزوجها، لا تكون بالإجازة صحيحة"١.
إلاّ أنّ الشافعي ﵀ قد أجرى هذه القاعدة على النِّكاح بدون وليٍّ، وعلى نكاح من يعتبر إذنها بغير إذنها، والظَّاهر هو الفرق بين المسألتين كما تقدّم، وقدأشارإلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيميَّة في فتاواه٢.
стр. 353
وقد حرر ابن قدامة مذهب الحنابلة في نكاح المرأة بدون وليِّها- رادًّا على بعض الأصحاب- قائلاً: متى تزوَّجت المرأة بغير إذن وليِّها، أو الأمة بغير إذن سيدها فقد ذكره أصحابنا من جملة الصور التي فيها الروايتان، والصحيح عندي أنّه لا يدخل فيها؛ لتصريح النبيّ ﷺ فيه بالبطلان١.
رابعًا: أنَّ رضى المرأة بعقد وليِّها وتنازلها عن حقِّها في الفسخ طاعة لوليِّها واحترامًا لتصرَّفه فيه فخرٌ للمرأة، وشرف عند الأقارب والأباعد، بل إنّه دليل على كمال عقلها وحيائها، وهذا بخلاف الأمر- فيما لو أنكحت نفسها، أو أنكحها فضوليِّ، فانَّ تنازل الوليّ عن حقِّه في العقد لا ينجي المرأة، ولا أولياءها من معرَّة الذمّ والتشنيع من الناس، فظهر الفرق واضحًا جليًا بين عقد الوليِّ وعقد غيره. والله الموفِّق للصَّواب وإليه المرجع والمآب.
стр. 354
الفصل الرابع: الولاية في النكاح على الصغار
المبحث الأول: ثبوت الولاية في النِّكاح على الصِّغار
إنّ الصِّغر وصف مؤثِّر في سلب أهليّة العاقد، أو نقصانها في الذَّكر والأنثى على السواء اتفاقًا، والأصل في ثبوت الولاية على الصِّغار ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾ ١
فاليتامى في هذه الآية الكريمة هم الصّغار قطعًا، ذكورًا أو إناثًا؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي الحلم، وهذه الآية الكريمة نصّ في حفظ أموال الصّغار حتى يبلغوا، ويؤنس رشدهم، وأمَّا الولاية على الصّغار في النِّكاح فقياسًا على ثبوتها في الأموال.
ووجه ذلك- والله أعلم- أنّ هذه الآية هي العمدة في الحجر على الصّغار في عقود المعاملات، وعقد النِّكاح أعلى شأنًا وأشدُّ خطراً، والصّغير- ذكرًا أم أنثى- عاجز عن إدراك وجه المصلحة لنفسه، أو التحرّز عن الضّرر بها، كما أنَّ عقد النِّكاح تترتّب عليه حقوق ماليّة من مهر، ونفقة، ونحوهما، والصّغير محجور عليه في ماله. والله أعلم.
ثانيًا: حديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصّبيّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق". رواه أحمد وأبو داود
стр. 355
والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبّان، وابن الجارود، والحاكم، مرفوعًا عن عائشة، رضي الله عنها١.
ورواه أيضاً: أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبَّان والحاكم عن عليّ ﵁ مرفوعًا. وذكره عنه البخاري تعليقًا٢،
стр. 356
وروى أيضًا عن غيرهما١، وألفاظه متقاربة نحو ما تقدَّم.
وهذا الحديث نصٌّ في الفرق بين الصَّغير والكبير في التكليف؛ لما في الصّغر من انعدام القصد، أو قصور النظر فيما يأتي أو يدع، وواضح من الآية والحديث أنّ حدّ الصّغر شرعاً: بلوغ الحلم.
ثالثًا: وأمّا الإجماع على ثبوت الولاية على الصغار فقد قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة- في مبحث علّة الإجبار- "إنَّ الصغر سبب للحجر بالنّص والإجماع٢."
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: "اتفقوا على أنّ الأب يجبر ابنه الصّغير على النّكاح، وكذلك ابنته الصّغيرة البكر ولا يستأمرها"٣. وبهذا تكون الولاية على الصّغيرة قد اجتمع فيها سببان:
стр. 357
أولهما: الصّغر. وهو سبب مشترك بينها وبين الذكر.
ثانيهما: الأنوثة. وهو سبب للولاية في النّكاح عند الجمهور كما
سبق بيانه في الولاية في النّكاح على الحرّة المكلّفة.
ومن هنا نعلم: أنّ ما جرى عليه بعض الحنفية من إطلاق القول١: بأنّ سبب الولاية عندهم على الصّغيرة: هو الصِّغر، وعند الجمهور هو: البكارة. قول ينقصه التحقيق، والتأمّل في الفرق بين علّة الولاية وعلّة الإجبار عند الجمهور؛ فالبكارة عند الجمهور علّة للإجبار، وليست علّة لثبوت الولاية، وإنّما علّة الولاية في النّكاح عند الجمهور هي الأنوثة في الحرّة المكلّفة، أمّا في الصّغيرة فهي الأنوثة والصّغر أيضًا، فالصّغر علّة للولاية متفق عليها بين الحنفيّة وغيرهم.
ولا تلازم عند الجمهور بين ثبوت الولاية وثبوت الإجبار، فقد تثبت الولاية والإجبار معًا كما في الحرّة البكر- أحيانًا- وقد تثبت الولاية وحدها ولا إجبار، كما في الثيّب الحرّة المكلّفة مطلقًا، وإنّما التلازم بين ثبوت الولاية والإجبار إنّما يتصوّر في مذهب الحنفية؛ ولذلك لا ولاية- عندهم- على الحرّة المكلّفة مطلقًا، بكرًا أم ثيِّباً إلاّ على جهة الندب والاستحباب.
وكون الثيّب الصغيرة لا تزوّج حتى تبلغ- على مذهب الشافعي ومن وافقه- ليس لأنّه لا ولاية له عليها، وإنّما لأنّها لا تزوّج إلاّ بإذنها،
стр. 358
والإذن في الصِّغر غير معتبر، فلزم انتظاره إلى وقت اعتباره، وهو البلوغ عن عقل، ولو كانت علّة الولاية عند الشافعي هي البكارة، لما كانت هناك ولاية على الثّيِّب صغيرة أم كبيرة، وإلاّ لزم أن يقال: إنّه لا ولاية عليها حتى تبلغ وفي هذا من تفضيل حال الصّغر على الكبر ما لا يخفى.
وبهذا نعلم: أنّ الولاية في النّكاح على الثَّيِّب الصّغيرة ثابتة على مذهب الشافعي، ﵀ وكلُّ ما في الأمر. أنَّه يمنعها من التزويج حتى تبلغ فيزوِّجها بإذنها إذا بلغت. والله الموفِّق.
стр. 359
المبحث الثَّاني: إنكاح الصِّغار أنفسَهم
إنَّ ثبوت الولاية في النِّكاح على الصِّغار لا خلاف فيه في الجملة، ولكن ما مدى تأثير هذه الولاية في صحَّة أو بطلان تزويج الصِّغار أنفسهم؟ وهذا يتضح بالبيان التالي:
وهو: أنّ الصغير إمّا أنّ يكون مميِّزًا أو غير مميِّز، وكذلك إمَّا أن يكون ذكرًا أو أنثى.
فأمَّا غير المميِّزين منهم فالولاية ثابتة عليهم إجماعًا، ولا صحّة لتزويج أحدهم نفسه؛ لعدم أهليته وقصده المعتبر، ذكرًا كان أم أنثى.
وأمّا إن كانوا مميزين: فليس للصّغيرة المميِّزة أن تعقد نكاح نفسها
عند الجمهور، سواء أذن لها وليُّها أم لم يأذن لها؟ لصغرها، ولأنوثتها أيضًا، كما سبق في الولاية على الحرّة المكلَّفة، فإنّه لا عبارة- عندهم- للأنثى في باب النّكاح مطلقًا صغيرة أم كبيرة، لنفسها ولا لغيرها، على المذهب المعتمد المشهور عندهم.
وأمّا عند الحنفيّة: فعقد الصّغيرة المميِّزة صحيح بإذن وليِّها أو إجازته؛ لأنَّ لها عبارة صحيحة في العقود، ومنها عقد النكاح، وأمَّا قصور نظرها فيتمّ بانضمام نظر الوليّ لها، وهذا حاصل بالإذن أو الإجازة١.
стр. 360
وقد قدّمنا في مبحث "اشتراط الولاية في النِّكاح على الحرّة المكلَّفة". أدلَّة هذه المسألة وخلاف العلماء فيها، وأنّ أقواها وأرجحها دليلاً هو القول بأنّ المرأة لا تلي عقدة النّكاح مطلقًا، وإذا ثبت منع الكبيرة من إنكاح نفسها فالصَّغيرة من باب أولى. والله أعلم.
وأمّا إن كان الصّغير ذكرًا مميِّزًا ففي صحَّة إنكاحه نفسه الأقوال التالية:
أوَّلاً: لا صحَّة لعقده نكاح نفسه مطلقًا، أذن له وليُّه أم لم يأذن له.
وهذا مذهب الشافعية، وذلك بناء على أصل مذهبهم، وهو أنَّه لا عبارة للصّبيان في العقود مطلقًا، ولا أثر لإذن الوليّ لهم، كما لو أذن لمجنون١.
ثانياً: صحَّة عقد الصّبيّ المميِّز نكاحه بإذن وليِّه، أو بإجازته إن عقده بدون إذنه، وهذا مذهب الحنفية والمالكية٢.
وقد علّل الحنفية ذلك بأنَّ الصّبيّ العاقل له عبارة صحيحة، إلا أنَّه لقصور نظره احتاج إلى انضمام رأي وليِّه إليه ليحصل بذلك تمام النظر
стр. 361
له، مع ما في تصحيح تصرُّفه من زيادة النفع له بالممارسة التي لا تحصل بمباشرة الوليّ، وكذلك التوسعة عليه بتعدُّد طرق تحصيل المنفعة بمباشرته وبمباشرة وليِّه١.
ثالثًا: صحَّة قبول الصّبيّ نكاحه بإذن وليّه. وهذا مذهب الحنابلة٢.
فإن لم يأذن له وليُّه فظاهر المذهب عدم الصِّحة، أخذًا من عدم تصحيحهم تصرفات الصّبيّ بغير إذن وليِّه في البيوع٣. والله أعلم.
رابعًا: أنَّ الصّبيّ إذا بلغ عشرًا زوّج وتزوّج، وهذه رواية عن الإمام أحمد ﵀، وظاهرها بدون إذن الوليّ، كما يدلُّ على ذلك إطلاق الروايتين في اشتراط البلوغ في الوليّ.
ووجه ذلك- كما قاله ابن قدامه في توجيه رواية عدم اشتراط بلوغ الوليّ- قال: لأنَّه يصح بيعه ووصيته وطلاقه فتثبت له الولاية كالبائع"٤ هـ.
стр. 362
وقال المرداوي في الإنصاف: "قال الشارح١: أكثر الرّوايات تحدّد من يقع طلاقه من الصبيان بأنّه يعقل، وهو اختيار القاضي"٢ هـ. وظاهر هذا أن أكثر الروايات على عدم التحديد بالسنين. والله أعلم.
هذا خلاصة ما وقفت عليه من الأقوال في إنكاح الصبيّ المميِّز نفسه، وظاهر ممّا تقدّم أنّ عقده لا يخلو من حالين:
فهو إمَّا أن يعقده بإذن وليِّه أو بدونه.
فإن كان بإذن وليِّه فالظاهر صحّته، فإنّه ليس كغير المميِّز، أو المجنون في فقدان الأهليّة، ولا هو كالمرأة في خشية المعرّة.
وأمَّا الآية الكريمة فهي نصّ في حفظ أموال الصغار، وأمّا إلغاء عقودهم فهو شيء آخر، بل لقد نصت الآية على الابتلاء لليتامى، والأظهر أنَّ المقصود بابتلائهم قبل بلوغهم لمعرفة حسن تصرفهم، وإعدادًا لهم لتسلُّم أموالهم بعد بلوغهم، واستقلالهم بأنفسهم، ولا يعقل ابتلاء غير المميّز فلم يبق إلا المميّز العاقل.
стр. 363
وأمّا عدم التكليف الذي دلّ عليه الحديث الشريف فهو رفع لقلم المؤاخذة عنهم، وهذا كما لا يدلّ على إبطال عباداتهم، كصلاتهم، وصيامهم، وحجهم، ونحو ذلك، كذلك لا يدل على إبطال معاملاتهم.
وأمّا إن لم يكن عقد الصبي بإذن وليّه فالحكم بصحته أو ببطلانه مشكل، ولم يظهر لي فيه وجه تطمئن إليه النفس، وذلك أنّه إن وقع عقده من أصله صحيحًا فليس بحاجة إلى إجازة، وإن وقع أصلاً باطلاً فلا يكون بالإجازة صحيحًا، كما أنّه ليس للوليّ أن يجيز ما ظهر ضرره، ولا ردّ ما ظهر نفعه، والعقد الموقوف على الإجازة فيه خلاف يطول بيانه وتحقيق
وجه الحقِّ فيه، والظَّاهر أنَّه حتى لو قيل بصحته في المعاملات لكان الواجب صيانة عقود الأنكحة منه كما تقدّم في مسألة "إذا أنكح الوليّ من يعتبر إذنها بغير إذنها"١ من أنّ كلّ عقدة لا تحلُّ المرأة لزوجها لا تكون بالإجازة صحيحة، إلا أن يقال: إن العقد صحيح، وللوليّ حقٌّ فسخ ما ظهر له ضرره، ومعلوم أن الفسخ شيء، والردّ شيء آخر.
وقد قال ابن القيّم ﵀: لم يقم دليل شرعيّ على إهدار أقوال الصبيّ بالكلية، بل الأدلّة الشرعية تقتضي اعتبار أقواله فى الجملة"٢ اهـ.
والله أعلم.
стр. 364
المبحث الثَّالث: تزويج الأولياء للصّغار
إنّ الصّغار إمّا أن يكونوا ذكورًا أو إناثًا، والإناث إمّا أن يكن ثيِّبات أو أبكارًا. وهؤلاء يتفقون في بعض الأحكام، ويختلفون في بعضها، وسنتبع في بحث تزويجهم الترتيب التالي:
أ- تزويج البكر الصغيرة.
ب- تزويج الثّيّب الصّغيرة.
ج- تزويج الصبيّ الصّغير.
أ- تزويج البكر الصّغيرة.
فأمّا تزويج البكر الصّغيرة قبل بلوغها فخلاصة مذاهب العلماء في حكم تزويجها يمكن حصره بالتتبع فيما يلي:
أولاً: منع تزويجها مطلقًا، فلا يزوِّجها أبٌ ولا غيره، حتى تبلغ فتزوّج بإذنها واختيارها، وهذا القول يروى عن ابن شبرمة وأبي بكر الأصمّ١.
ثانياً: أنّ لأبيها- خاصَّة- تزويجها دون سائر أوليائها.
стр. 365
وهذا مذهب المالكية والحنابلة والظاهرية١.
ووصيّ الأب يقوم مقامه عند المالكية والحنابلة دون الظاهرية٢.
ثالثًا: أنَّ لأبيها أو جدّها- عند عدم أبيها- تزويجها دون سائر الأولياء وهذا مذهب الشافعية٣.
رابعاً: أنَّ لكلٍّ من الأولياء تزويجها، ولها الخيار إذا بلغت بين الفسخ والإقرار. إلا إذا كان وليّها أباها أو جدّها فلا خيار لها حينئذ. وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن٤.
стр. 366
وروى عن الإمام مالك، وأحمد، نحو قولهما، إلا أنّهما لم يجعلا لها خيارًا إذا كان الوليّ أباها خاصة، وأمّا الجدُّ فهو كسائر الأولياء١.
خامساً: أنَّ لسائر الأولياء تزويجها، ولها الخيار إذا بلغت مطلقًا، لا فرق بين أبٍ أو جدٍّ، أو غيرهما. حكاه ابن قدامة عن الحسن، وعمر ابن عبد العزيز، وعطاء وطاووس، وقتادة وابن شبرمة والأوزاعي٢.
سادسًا: أنّ لسائر الأولياء تزويجها إذا بلغت، تسع سنين بإذنها، ولا خيار لها إذا بلغت، وهذه روايةٌ عن الإمام أحمد، رجّح صاحب الإنصاف أنّها المذهب٣.
سابعًا: أنَّ لسائر الأولياء تزويجها، ولا خيار لها إذا بلغت، سواء أكان وليّها أباها أم جدّها أم غيرهما. وبهذا قال أبو يوسف رحمه الله٤.
وخلاصة هذه الأقوال: أنَّ للأب تزويج ابنته البكر الصغيرة اتفاقًا
إلا ما حكى عن ابن شبرمة وأبي بكر الأصمّ، وأمّا غير أبيها ففي تزويجه لها خلاف، ثم إنَّ القائلين بتزويجها قبل بلوغها قد اختلفوا في
стр. 367
إثبات الخيار لها إذا بلغت، وإليك بيان وجهة كلِّ فريق ما أمكن. والله الموفِّق.
الأدلَّة:
أولاً: دليل من منع من تزويج البكر الصغيرة مطلقًا.
استدلَّ السَّرَخْسِي في (المبسوط) لمن منع من تزويج الصّغيرة مطلقًا
بكرا أم ثيِّبا بثلاثة أدلَّة:
أوّلها: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾ ١. فلو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة٢.
ثانيها: أنَّ ثبوت الولاية على الصّغيرة إنّما هي لحاجة الموليِّ عليه، حتى إنَّ فيما لا تتحقّق فيه الحاجة لا تثبت الولاية، كالتبرعات، ولا حاجة في الصغيرة إلى النّكاح؛ لأنّ مقصود النّكاح طبعًا قضاء الشهوة، وشرعًا النسل، والصّغر ينافيهما٣.
ثالثها: أنَّ النّكاح يعقد للعمر، وتلزم الصّغيرة أحكامه بعد البلوغ، فلا يكون لأحد أن يلزمها ذلك؛ إذ لا ولاية لأحد عليها بعد بلوغها٤.
стр. 368
وهذا التوجيه الأخير، وكذلك قوله فيما سبق: إنَّ الولاية تثبت للحاجة لا غير، كلاهما مبنى على المشهور من مذهب الحنفية، وهو أنّه لا ولاية على المرأة بعد بلوغها، وإنّما تثبت الولاية لعجز الموليِّ عليه؛ لصغر، أو جنون، ونحوهما، ولا يخفى أنَّ الرَّاجح ثبوت الولاية على الأنثى مطلقًا، صغيرة أم كبيرة.
وأمَّا القول بأنّ إنكاح الصّغيرة ينافي مقصود النّكاح طبعًا؛ لعدم الشهوة، وشرعاً؛ لعدم النسل، فهذا أحسن توجيه لهذا القول، ولكن ثبت حديث عائشة في تزويجها صغيرة كما سيأتي. إن شاء الله تعالى.
ثانياً: دليل من أجاز للأب تزويجها دون غيره من الأولياء.
وأمَّا من أجاز للأب تزويج ابنته البكر دون غيره من الأولياء فاستدلَّ بما يلي:
١- حديث عائشة ﵂: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ تزوَّجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع".
وهذا الحديث قد رواه الأئمة: أحمد والبخاري- وهذا لفظه- ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن الجارود والحاكم والبيهقي وغيرهم١.
стр. 369
فهذا الحديث من الصّحّة والشهرة بالمكان المعروف عند الأئمة، فقد ثبت أنَّ أبا بكر ﵁ قد زوّج رسول الله ﷺ ابنته عائشة ﵂ وهي بكر صغيرة، بين السادسة والسابعة١ من عمرها، فدلّ ذلك على صحّة إنكاح الأب ابنته البكر الصَّغيرة.
قال النووي ﵀: "أجمع المسلمون على جواز تزويجه بنته
стр. 370
البكر الصّغيرة؛ لهذا الحديث."١.
وأمّا ما حكى عن ابن شبرمة من أنّ تزويج النّبيّ عائشة وهي صغيرة من خصائصه، فأجيب عنه بأنّ دعوى الخصوصية خلاف الأصل، ولا دليل عليها هنا٢.
٢- حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها"٣. فقد سبق أنَّ هذا الحديث هو عمدة من قال بإجبار الأب ابنته البكر البالغ، وإذا صحّ له إجبارها بالغةً جاز له تزويجها صغيرة؛ إذ ليس لها إذن معتبر- عندهم- يتوقَّف عليه نكاحها بعد البلوغ.
وقد تقدّم بيان خلاف الفقهاء في ذلك، وأنّ الراجح أنّه ليس للأب إجبار حرّة مكلّفة مطلقًا، سواء كانت بكرًا أم ثيّبًا٤.
وقد اشتهر هذا الحديث في كتب فقه الشافعية بلفظ "والبكر يزوّجها أبوها" معزوًّا للدارقطني، وسبق٥ التنبيه على أنّ لفظ "يزوّجها" ليس في الدارقطني، ولعلّه رواية له بالمعنى.
стр. 371
٣- ما روي أنّ قدامة بن مظعون تزوّج ابنة الزبير حين نفست، فقيل له فقال: ابنة الزبير إن متّ ورثتني، وإن عشت كانت امرأتي". ذكره ابن قدامة وغيره من الحنابلة معزوًّا للأثرم١.
وحكى البيهقي عن الشافعي قوله: "وزوّج الزبير ﵁ ابنته وهي صبيّة"٢. وقول الشافعي ﵀: "وزوّج غير واحد من أصحاب النبيّ ابنته صغيرة٣.
٤- أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قد خطب من عليِّ بن أبي طالب ﵁ ابنته أمَّ كلثوم٤، فزوّجه إيَّاها وهي صغيرة" وهذا الأثر: قد رواه عبد الرزاق في مصنفه٥ من عدّة طرق. ورواه أيضًا
стр. 372
سعيد ابن منصور في سننه١. ورواه الحاكم بإسناده إلى علي بن الحسين: أنّ عمر بن الخطاب ﵁ خطب إلى عليّ- ﵁ أمّ كلثوم فقال: أنكحنيها، فقال عليّ: إنّي أرصدها لابن أخي عبد الله بن جعفر، فقال عمر: أنكحنيها، فوا لله ما من الناس أحد يرصد من أمرها ما أرصده، فأنكحه عليّ فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنوني؟ فقالوا بمن يا أمير المؤمنين. فقال: بأمّ كلثوم بنت عليّ، وابنة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلّ نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي، فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله ﷺ نسب وسبب". ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وتعقّبه الذهبي بقوله: قلت: منقطع٢. (أي بين عليّ بن الحسين وجدّه عليّ بن أبي طالب ﵁ .
وأخرجه البيهقي عن طريق الحاكم بإسناده ولفظه، وقال: وهو مرسل حسن. وقد روى من أوجه أخر موصولاً ومرسلاً. ثم روى بإسناده عن: حسن بن حسن عن أبيه، أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ خطب إلى عليّ ﵁ أمّ كلثوم فقال له عليّ ﵁: إنّها تصغر عن ذلك، فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلُّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي
стр. 373
ونسبي". فأحببت أن يكون لي من رسول الله ﷺ سبب ونسب، فقال عليّ ﵁ لحسن وحسين: زوّجا عمّكما. فقالا: هي امرأة من النِّساء تختار لنفسها، فقام عليّ ﵁ مغضبًا، فأمسك الحسن ﵁ بثوبه وقال: لا صبر على هجرانك يا أبتاه، قال فزوّجاه١. وقد ساقه البيهقي ﵀ تأييدًا لقول الشافعي ﵀ "وقد زوّج عليّ عمر ﵄ أمّ كلثوم بغير أمرها"٢.
ولكن ليس في هذا الأثر ما يدل صراحة على أنّها صغيرة لم تبلغ، بل فيه ما يشعر بأنّها قد بلغت من يصح لها رأي في نفسها؛ بدليل قول الحسن والحسين: "هي امرأة من النِّساء تختار لنفسها" إلا أنّ في مصنف عبد الرزاق أنّها كانت جارية صغيرة تلعب مع الجواري٣، وهذا إن صحَّ فهو أصرح دلالة على صغرها حينذاك. والله أعلم.
٥- ما حكاه غير واحد من أهل العلم من الإجماع على صحّة تزويج الأبّ ابنته البكر الصّغيرة، ومن ذلك:
стр. 374
أ- قول الشافعي: وزوّج غير واحد من أصحاب النّبيّ ﷺ ابنته١ صغيرة.
وهذا إن لم يكن إجماعًا منهم فهو حجّة أيضًا؛ لعدم نقل الخلاف عنهم في هذا.
ب- قول النووي ﵀: في حديث تزويج عائشة وهي صغيرة قال: "أجمع المسلمون على جواز تزويجه ابنته البكر الصّغيرة لهذا الحديث"٢.
ج- وقال الحافظ ابن حجر: قال المهلّب٣: أجمعوا أنّه يجوز للأب تزويج ابنته الصّغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أنَّ الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقًا أنّ الأب لا يزوّج بنته البكر الصّغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أنّ تزويج النّبيّ ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه"٤ أهـ المقصود من كلامه.
стр. 375
د- وقال ابن قدامة في المغني: قال ابن المنذر: "أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ إنكاح الأب ابنته البكر الصّغيرة جائز، إذا زوّجها من كفء، ويجوز له تزويجها مع كراهيتها وامتناعها"١ اهـ
هـ- وكذلك حكى ابن رشد الإجماع والاتفاق على ذلك٢.
والله أعلم.
ثالثًا: دليل من منع غير الأب من تزويج البكر الصّغيرة.
وأمَّا من منع غير الأب من تزويج البكر الصَّغيرة فاستدلَّ بما ورد في السّنّة من الأمر باستئمار اليتيمة والنهي عن تزويجها بغير إذنها ومن ذلك:
أولاً: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز٣ عليها" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبّان والحاكم والبيهقي٤.
стр. 376
ثانياً: حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره". رواه أحمد والدرامي وابن حبَّان والدارقطني والحاكم والبيهقي١.
стр. 377
ثالثاً: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: توفي عثمان بن مظعون فترك ابنة له من خويلة١ بنت حكيم بن أمّية بن حارثة بن الأوقص قال: وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون. قال عبد الله: وهما خالاي قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة- يعني إلى أمِّها- فأرغبها في المال، فحطَّت إليه، وحطَّت الجارية إلى هوى أمِّها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ فقال له قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إليَّ فزوَّجتها ابن عمّتها عبد الله بن عمر، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنّها امرأة وإنّما حطَّت إلى هوى أمِّها فقال رسول الله ﷺ : "هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها". قال: فانتزعت منيّ- والله- بعد أن ملكتها فزوّجوها المغيرة بن شعبة"، رواه أحمد بهذا اللفظ. ورواه أيضًا الدارقطني والحاكم والبيهقي. وروى ابن ماجه طرفًا منه موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنه٢.
стр. 378
رابعاً: وقد تقدّم في حديث ابن عباس ﵁ من طريق معمر، عن صالح بن كَيْسان، وغيرهما لفظ "واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها"١.
فهذه الأحاديث صريحة في الأمر باستئذان اليتيمة في نفسها والنهي عن نكاحها بدون إذنها، واليتيمة حقيقة هي الصّغيرة قبل بلوغها؛ "إذ لا يتم بعد احتلام "٢- والصّغيرة ليس لها إذن معتبر، فدلّت هذه الأحاديث
стр. 379
بمنطوقها على أنَّ اليتيمة لا تنكح إلا بإذنها، ولا إذن لها قبل البلوغ، وذلك دليل على اشتراط بلوغها الذي يصح به الإذن. كما دلّت بمفهومها على أنَّ ذات الأب بخلافها كما تقدّم.
وقد أجيب عن هذا بأنّ المراد باليتيمة هنا البالغة؟ إذ لا معنى لاستئذان من لا إذن لها، والبالغة تسمَّى يتيمة استصحابًا للاسم الأول كما قال تعالى: أو ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُم﴾ ١ وإنّما يدفع إلى اليتامى
أموالهم بعد بلوغهم٢. وحمله بعضهم على المقاربة للبلوغ، حملاً للفظ اليتيمة على حقيقته ما أمكن٣.
وقد حمل بعض الحنفية حديث قدامة بن مظعون على أنَّ ابنة أخيه
قد بلغت، فخيَّرها رسول الله ﷺ لبلوغها، بدليل قول ابن عمر: "والله لقد انتزعت منِّي بعد أن ملكتها"٤. إلا أنَّ هذا الجواب الأخير لا يخفي تكلّفه، فهو غريب بعيد عن سياق تلك الواقعة، وحمل هذه الأحاديث على من يعتبر إذنها بالغة، أو مقاربة للبلوغ هو الجواب المعتمد فيما يظهر لي. والله أعلم.
стр. 380
رابعًا: دليل من ألحق الجدّ بالأب فى تزويج البكر الصّغيرة.
وأمّا من ألحق الجدّ بالأب في تزويج البكر الصّغيرة دون غيره من
بقيَّة الأولياء- وهم الشافعية- فذلك لأنّه أب أعلى، له ولادة وتعصيب، وله الولاية على ما لها، بخلاف غيره من بقية الأولياء١.
ولهذا فإنَّ الجدّ له أن يجبر البكر- عندهم- صغيرة أم كبيرة كما سبق، ومن جاز له تزويجها بدون إذنها كبيرة لم تكن له حاجة لانتظار إذن الصّغيرة حتى تبلغ، وهم إنّما منعوا من تزويجها صغيرة انتظارًا لإذنها الذي يتوقَّف عليه نكاحها، والبكر لا يتوقَّف نكاحها على إذنها - عندهم- إذا كان وليّها أباها أو جدّها.
وقد ردّه من لم يجعل لغير الأب تزويج البكر الصّغيرة، بأنَّ غير الأب قاصر الشَّفقة، وهو يدلي بغيره؛ فأشبه سائر العصبات، فلا يُلحق بالأب الذي ثبت حقّه في التزويج بالنّص، فقد زوّج أبو بكر ابنته عائشة – ﵄ بكرًا صغيرة، وكذلك دلّ على صحّة تزويج الأب دون غيره مفهوم أحاديث استئذان اليتامى، فدلّ على أنَّ الأب بخلاف غيره٢.
стр. 381
خامسًا: دليل من ألحق وصيّ الأب بالأب.
وأمَّا من ألحق وصيَّ الأب بالأب في جواز تزويج البكر الصّغيرة؛ فذلك لقيامه مقامه، كوكيله في حياته، عند من قال بولاية الوصيّ، وسيأتي ذكر خلاف العلماء في ثبوت ولاية النّكاح للوصيّ في أسباب الولاية في النّكاح - إن شاء الله تعالى - مع بيان ما يظهر رجحانه، والله الموفِّق.
سادساً: دليل من أجاز لجميع الأولياء تزويجها بإذنها إذا بلغت تسعًا.
وأمّا من أجاز لجميع الأولياء تزويج البكر الصّغيرة بإذنها إذا بلغت
تسعًا فاستدّل بما يلي:
١- حديث عائشة ﵂: أنَّ رسول الله خير تزوَّجها وهي ابنة ست سنين، وأدخلت عليه وهي ابنة تسع"١.
وقد قالت عائشة ﵂: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة". ذكره الترمذي في كتاب النّكاح بدون إسناد٢، وعزاه ابن قدامة في المغني لأحمد٣.
وقال الألباني في إرواء الغليل "تخريج أحاديث منار السبيل": وقول
стр. 382
المصنف: (أي صاحب منار السبيل) رواه أحمد، تبع في ذلك ابن عبد الهادي، كما تقدّم نقله هناك، ولعلّه يعني في غير المسند١ والله أعلم" اهـ
ومعنى قول عائشة هذا "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة": أي في حكم المرأة البالغة، لأنّه يحصل لها حينئذ ما تعرف به نفعها وضررها من الشعور، والتمييز٢.
٢- ما روي أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قد خطب أمَّ كلثوم٣ ابنة أبي بكر إلى عائشة بعد موت أبيها فأجابته وهي لدون عشر؛ لأنّها إنّما ولدت بعد موت أبيها، وإنّما كانت ولاية عمر عشرًا، فكرهته الجارية، فتزوَّجها طلحة بن عبيد الله ولم ينكره منكر". فدّل ذلك
стр. 383
على اتفاقهم على صحّة تزويجها قبل بلوغها بولاية غير أبيها. كذا قاله ابن قدامة في (المغني) وتابعه الشارح١.
ولكن هذا الخبر- إن صحّ- فإنّه لا يدلّ صراحة على التحديد بالتسع سنين، وإنّما يدلّ أنّها كانت صغيرة حين خطبها عمر، فكون ولاية عمر عشرًا، وأمّ كلثوم قد مات أبوها- أبو بكر الصديق- وهي حمل في بطن أمّها، لا يدلُّ على أنّ عمر خطبها في آخر سنة من خلافته. والله أعلم.
٣- أنّ في هذا القول جمعًا بين الأدلّة التي ظاهرها جواز نكاح الصّغيرة، والأدلّة التي فيها الأمر باستئذان اليتيمة، والنهي عن إنكاحها إلا بإذنها".
فمن الأدلة التي ظاهرها جواز نكاح الصّغيرة:
١- قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْن﴾ ٢ فقوله تعالى: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْن﴾ بيان لعدةّ الصّغيرة التي لم تحض، وهذا لا يتصوّر إلا بعد نكاحها.
٢- وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٣. فدلَّت هذه الآية على جواز إنكاح اليتيمة بشرط أن
стр. 384
يقسط لها في صداقها. وأمَّا الأدلّة التي فيها أنَّ اليتيمة لا تنكح إلا بإذنها فمنها:
١- حديث ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال:- في ابنة عثمان بن مظعون- "هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها"١.
٢- وحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله عن قال: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها"٢.
٣- وحديث أبي موسى - رضى الله عنه - أنَّ رسول الله ﷺ قال: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره"٣.
فقالوا: إنَّ اليتيمة حقيقة هي الصّغيرة قبل بلوغها، وقد انتفى إمكان إذنها قبل تسع، فوجب حمله على من بلغت تسعًا، حملاً للفظ على حقيقته ما أمكن، فإذا بلغت اليتيمة تسع سنين استأذنها وليّها، فإن رضيت زوّجها، ولا خيار لها بعد بلوغها وإن كرهت لم تزوّج٤. والله أعلم.
стр. 385
سابعًا: دليل من أجاز لجميع الأولياء تزويجها سواء بلغت تسعًا أم أقلّ.
وأمَّا من أجاز لجميع الأولياء تزويج البكر الصّغيرة- سواء بلغت تسعًا أم أقلَّ من ذلك، وسواء كان وليّها أباها أم جدَّها- فقد احتجُّوا بظاهر عموم القرآن، والسنّة، والآثار، والمعقول، ومن ذلك ما يلي:
أ- الأدلّة من القرآن الكريم:
أولاً: قوله تعالى: ﴿واللاَّئي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدّتهنَّ ثلاثة أشهر واللاَّئي لم يحضن﴾ ١.
ففي قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ إثبات لعدّة الصغيرة التي لم تبلغ المحيض، وسبب العدّة شرعًا هو النّكاح، فدلّ ذلك على تصوّر نكاح الصّغيرة، فبطل بذلك منع من منع من إنكاح الصّغيرة مطلقًا كابن شبرمة، وأبي بكر الأصمّ، كما أنَّ ظاهره عامٌّ أيضًا في تزويج الآباء، وغيرهم من سائر الأولياء٢. والله أعلم.
стр. 386
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١.
ثالثًا: ومثله قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ ٢.
فإنَّ ظاهر هاتين الآيتين جواز تزويج اليتيمة بشرط القسط لها، وهو العدل، والوفاء لها في مهرها، وسائر حقوقها المترتبة على نكاحها، واليتيمة حقيقة: من كانت دون البلوغ ولا أب لها، وإذا بلغت فليست بيتيمة، وإن سميّت يتيمة فبطريق المجاز. والله أعلم.
والدَّليل على أنَّ هاتين الآيتين نازلتان في نكاح اليتامى من النِّساء ما صحّ عن عائشة ﵂ أنّهما نازلتان في اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهنَّ إلا أن يقسطوا لهنّ في إكمال الصداق.
стр. 387
فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أنّه سأل عائشة ﵂ قال لها: يا أمّتاه! ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ - إلى قوله- ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالت عائشة: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حَجْر وليّها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهنَّ إلاّ أن يقسطوا لهنَّ في إكمال الصداق، وأُمروا بنكاح من سواهنَّ من النِّساء، قالت عائشة: استفتى النَّاس رسول الله ﷺ بعد ذلك فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ - إلى- ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُن﴾ فأنزل الله هذه الآية: إنَّ اليتيمة إذا كانت ذات مال وجمال رغبوا١ في نكاحها ونسبها والصداق، وإذا كانت مرغوبًا عنها في قلَّة المال والجمال تركوها، وأخذوا غيرها من النِّساء، قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها، ويعطوها حقّها الأوفى من الصداق ".
رواه الأئمة: البخاري- وهذا لفظه- ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي٢، وغيرهم.
стр. 388
قال الحافظ ابن حجر: "وفيه- أي في هذا الحديث- دلالة على تزويج الوليّ غير الأب التي دون البلوغ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا؛ لأنَّ حقيقة اليتيمة من كانت دون البلوغ، ولا أب لها، وقد أذن في تزويجها بشرط أن لا يبخس من صداقها، فيحتاج من منع ذلك إلى دليل قويِّ "١ اهـ.
وقال ابن الهمام في توجيه الاستدلال بالآية الأولى: "منع من نكاحهنَّ عند خوف عدم العدل فيهنَّ، وهذا فرع جواز نكاحها عند عدم الخوف، ولا يقال: ذلك بمفهوم الشرط؛ لأنَّ الأصل جواز نكاح غير المحرَّمات مطلقًا، فمنع من هذه عند خوف عدم العدل فيهنَّ، فعند عدمه
стр. 389
يثبت الجواز بالأصل، لا مضافًا إلى الشرط، ويصرح بجواز نكاحها قول عائشة: "إنّها نزلت في يتيمة تكون في حجر وليّها... "١.
هذا خلاصة ما قيل في توجيه الآية الكريمة للاستدلال بها على تزويج اليتيمة، وقد نوقش الاستدلال بهذه الآية الكريمة وما ورد في سبب نزولها من جواز نكاح اليتامى من أوجه عدّة، خلاصتها في أمرين:
الأوّل: أنَّ ما تقدّم من توجيه الاستدلال بهذه الآية على صحّة تزويج اليتامى إنّما هو مبني على التسليم بأنَّها نازلة في نكاح اليتامى - كما سبق عن عائشة ﵂ ولكن بعض الصحابة والتابعين لم يوافق عائشة ﵂ على ذلك التفسير.
والثّاني: أنّه على التسليم بترجيح ما قالته عائشة ﵂ في معنى الآية فلا يسلّم بأنَّ المقصود باليتامى في الآية الكريمة الصّغيرات، بل المقصود بهن البوالغ من النِّساء، وإليك بيان ذلك مفصَّلاً:
أمّا الاعتراض الأوّل: فقد أفاض أئمة المفسرين في ذكر أوجه كثيرة في معنى الآية الكريمة، فذكروا أوجهًا من تفسيرها يطول ذكرها وتوجيهها، ونحن نكتفي بذكر أربعة منها، اشتهر ذكرها، ويرجع - غالبًا- إليها غيرها.
стр. 390
أوّلها: ما سبق ذكره عن عائشة رضي الله عنها١.
ثانيها: أنّه لما نزلت الآية التي قبلها في أموال اليتامى وهي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ ٢. خاف أولياء اليتامى أن يلحقهم الحُوبُ في حقوق اليتامى، فتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشر من الأزواج وأكثر، ولا يقوم بحقوقهنَّ، ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرَّجتم منها فكونوا خائفين من ترك العدل في حقوق النساء، ولا تنكحوا منهنَّ إلا واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا، وإن خفتم أيضًا في الزيادة على الواحدة فلا تنكحوا إلاّ ما لا تخافون أن تجوروا فيهنّ من واحدة، أو ما ملكت أيمانكم، لأنّ المرأة كاليتيم في ضعف كلٍّ منهما، وعدم قدرته على المدافعة عن حقِّه، فكما خشيتم من ظلمه فاخشوا من ظلمها.
وهذا الوجه من التفسير مروي عن ابن عباس ﵄، وعن غيره من التابعين، واختاره ابن جرير إمام المفسرين٣.