ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١.
ثالثًا: ومثله قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ ٢.
فإنَّ ظاهر هاتين الآيتين جواز تزويج اليتيمة بشرط القسط لها، وهو العدل، والوفاء لها في مهرها، وسائر حقوقها المترتبة على نكاحها، واليتيمة حقيقة: من كانت دون البلوغ ولا أب لها، وإذا بلغت فليست بيتيمة، وإن سميّت يتيمة فبطريق المجاز. والله أعلم.
والدَّليل على أنَّ هاتين الآيتين نازلتان في نكاح اليتامى من النِّساء ما صحّ عن عائشة ﵂ أنّهما نازلتان في اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهنَّ إلا أن يقسطوا لهنّ في إكمال الصداق.
стр. 387
فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أنّه سأل عائشة ﵂ قال لها: يا أمّتاه! ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ - إلى قوله- ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالت عائشة: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حَجْر وليّها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهنَّ إلاّ أن يقسطوا لهنَّ في إكمال الصداق، وأُمروا بنكاح من سواهنَّ من النِّساء، قالت عائشة: استفتى النَّاس رسول الله ﷺ بعد ذلك فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ - إلى- ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُن﴾ فأنزل الله هذه الآية: إنَّ اليتيمة إذا كانت ذات مال وجمال رغبوا١ في نكاحها ونسبها والصداق، وإذا كانت مرغوبًا عنها في قلَّة المال والجمال تركوها، وأخذوا غيرها من النِّساء، قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها، ويعطوها حقّها الأوفى من الصداق ".
رواه الأئمة: البخاري- وهذا لفظه- ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي٢، وغيرهم.
стр. 388
قال الحافظ ابن حجر: "وفيه- أي في هذا الحديث- دلالة على تزويج الوليّ غير الأب التي دون البلوغ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا؛ لأنَّ حقيقة اليتيمة من كانت دون البلوغ، ولا أب لها، وقد أذن في تزويجها بشرط أن لا يبخس من صداقها، فيحتاج من منع ذلك إلى دليل قويِّ "١ اهـ.
وقال ابن الهمام في توجيه الاستدلال بالآية الأولى: "منع من نكاحهنَّ عند خوف عدم العدل فيهنَّ، وهذا فرع جواز نكاحها عند عدم الخوف، ولا يقال: ذلك بمفهوم الشرط؛ لأنَّ الأصل جواز نكاح غير المحرَّمات مطلقًا، فمنع من هذه عند خوف عدم العدل فيهنَّ، فعند عدمه
стр. 389
يثبت الجواز بالأصل، لا مضافًا إلى الشرط، ويصرح بجواز نكاحها قول عائشة: "إنّها نزلت في يتيمة تكون في حجر وليّها... "١.
هذا خلاصة ما قيل في توجيه الآية الكريمة للاستدلال بها على تزويج اليتيمة، وقد نوقش الاستدلال بهذه الآية الكريمة وما ورد في سبب نزولها من جواز نكاح اليتامى من أوجه عدّة، خلاصتها في أمرين:
الأوّل: أنَّ ما تقدّم من توجيه الاستدلال بهذه الآية على صحّة تزويج اليتامى إنّما هو مبني على التسليم بأنَّها نازلة في نكاح اليتامى - كما سبق عن عائشة ﵂ ولكن بعض الصحابة والتابعين لم يوافق عائشة ﵂ على ذلك التفسير.
والثّاني: أنّه على التسليم بترجيح ما قالته عائشة ﵂ في معنى الآية فلا يسلّم بأنَّ المقصود باليتامى في الآية الكريمة الصّغيرات، بل المقصود بهن البوالغ من النِّساء، وإليك بيان ذلك مفصَّلاً:
أمّا الاعتراض الأوّل: فقد أفاض أئمة المفسرين في ذكر أوجه كثيرة في معنى الآية الكريمة، فذكروا أوجهًا من تفسيرها يطول ذكرها وتوجيهها، ونحن نكتفي بذكر أربعة منها، اشتهر ذكرها، ويرجع - غالبًا- إليها غيرها.
стр. 390
أوّلها: ما سبق ذكره عن عائشة رضي الله عنها١.
ثانيها: أنّه لما نزلت الآية التي قبلها في أموال اليتامى وهي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ ٢. خاف أولياء اليتامى أن يلحقهم الحُوبُ في حقوق اليتامى، فتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشر من الأزواج وأكثر، ولا يقوم بحقوقهنَّ، ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرَّجتم منها فكونوا خائفين من ترك العدل في حقوق النساء، ولا تنكحوا منهنَّ إلا واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا، وإن خفتم أيضًا في الزيادة على الواحدة فلا تنكحوا إلاّ ما لا تخافون أن تجوروا فيهنّ من واحدة، أو ما ملكت أيمانكم، لأنّ المرأة كاليتيم في ضعف كلٍّ منهما، وعدم قدرته على المدافعة عن حقِّه، فكما خشيتم من ظلمه فاخشوا من ظلمها.
وهذا الوجه من التفسير مروي عن ابن عباس ﵄، وعن غيره من التابعين، واختاره ابن جرير إمام المفسرين٣.
стр. 391
وثالثها: أنّهم كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل لهم: كما خفتم في حقِّ اليتامى فكونوا خائفين من الزنى، فانكحوا ما حلَّ لكم من النِّساء، ولا تحوموا حول المحرّمات. وهذا مروي عن مجاهد رحمه الله١.
وقد عقّب عليه الأمين في (أضواء البيان) بقوله: "وهذا أبعد الأقوال فيما يظهر لي "٢. والله أعلم.
ورابعها: النهي عن نكاح ما فوق الأربع خشية أن تضطرّهم مؤن النّكاح إلى أكل أموال الأيتام، وذلك أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوَّج العشر من النساء، والأكثر، والأقلّ، فإذا صار معدمًا بسبب إنفاق ماله على أزواجه، ولم يبق له مال اضطر إلى الأخذ من مال يتيمه الذي في حجره، فأنفقه أو تزوَّج به، فنهوا عن ذلك. وقيل لهم: يا معشر أولياء اليتامى إن خفتم على إنفاق أموال أيتامكم لحاجتكم لما يلزمكم من نسائكم فلا تتجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء أربعًا، وإن خفتم أيضا من الأربع أن تضطركم إلى إنفاق أموال أيتامكم فاقتصروا على الواحدة، أو ما ملكت أيمانكم ". وهذا الوجه من التفسير مروي عن ابن عباس ﵄، وعن عكرمة رحمه الله٣.
стр. 392
فهذه أوجه أربعة من التفسير في معنى الآية الكريمة، وهناك أوجه أخر راجعة تقريباً إلى ما ذكر.
والذي يظهر لي من تأمَّل هذه الأوجه الأربعة وغيرها: أنَّ أقواها وأولاها بتفسير الآية الكريمة هما القولان: الأول والثّاني.
أمّا القول الأوّل: فلصحته عن عائشة ﵂ كما تقدّم، بل ذكرت أنّه سبب نزول الآية؛ وخير ما يعين على فهم الآية سبب نزولها.
وأمّا القول الثَّاني: فيؤيِّده ظاهر نظم الآية مع التي قبلها؛ ولذلك اختاره ابن جرير ﵀.
والذي يظهر والله أعلم: أنّه لا منافاة بين هذه الآية والتي قبلها؛ فالأولى في تحذير أولياء اليتامى من أكل أموال أيتامهم مطلقًا، والثَّانية في التحذير من نقص مهور يتامى نسائهم اللاتي يرغبون في نكاحهنَّ، خاصّة إذا علمنا ضعف النِّساء اليتامى ظهر وجه تخصيصهنّ بعد تعميم. والله أعلم.
وبنحو هذا قال أبو بكر الجصاص رحمه الله١.
стр. 393
وأمّا الاعتراض الثَّاني: وهو أنّ المراد باليتامى في الآيتين الكريمتين١ البالغات من النِّساء لا الصّغيرات، وأنَّ تسميتهنَّ هنا يتامى إنّما هو استصحاب للاسم السابق لهنّ فاستدلوا له بأمرين:
أولهما: قوله تعالى في الآية الثَّانية: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ ٢ فقالوا: إنَّ اليتامى في هذه الآية هنّ اليتامى في قوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ٣، وقد راعى في هذه الآية اسم النِّساء مرتين فقال: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾ ، و ﴿يَتَامَى النِّسَاء﴾ والنِّساء اسم لكبار الإناث دون صغارهنَّ، كالرِّجال اسم لكبار الذكور دون صغارهم، فدلّ ذلك على أنَّ المراد باليتامى في هاتين الآيتين البالغات لا الصّغيرات٤.
وثانيهما: ما جاء في٥ السنة الصحيحة من الأمر باستئذان اليتيمة والنهي عن نكاحها بدون إذنها، والصّغيرة لا إذن لها مما يدلّ على اشتراط
стр. 394
بلوغها لصحّة إذنها، فدلّ ذلك على أنَّ المراد باليتامى في كلتا الآيتين من يعتبر إذنهنَّ وهن البوالغ دون الصّغيرات١.
وقد أجيب عن الأمر الأول- وهو القول إنّ النساء اسم لكبار الإناث، دون صغارهنَّ من وجهين:
الوجه الأوّل: أن إطلاق اسم اليتامى على الصّغيرات هو حقيقته اللُّغوية، وأمّا البالغات فهو مجاز، ولا يجوز صرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه إلا بدليل٢.
وأمّا مراعاة إطلاق اسم النساء في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾ و ﴿يتامى النِّساء﴾ فإنَّ الصّغيرات داخلات في جنس النِّساء كما في قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء﴾ ٤، ولا خلاف في دخول الصّغيرات في
стр. 395
ذلك، وكذلك قوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ ١، ولو تزوّج الرجل صغيرة حرمت عليه أمّها تحريماً مؤبّدًا، كذا قال أبو بكر الجصاص٢.
وقال الأمين الشنقيطي ﵀: يؤخذ من هذه الآية جواز تزويج اليتيمة إذا أعطيت حقوقها وافية، وما قاله كثير من العلماء من أنَّ اليتيمة لا تزوَّج حتى تبلغ محتجِّين بأنّ قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ اسم ينطلق على الكبار دون الصّغار فهو ظاهر السقوط؛ لأنّ الله صرّح بأنهنّ يتامى بقوله: ﴿ويتامى النِّساء﴾ وهذا الاسم أيضًا قد ينطلق على الصغار كما في قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُم﴾ ٣ وهنّ إذ ذاك رضيعات، فالظاهر المتبادر من الآية جواز نكاح اليتيمة، مع الإقساط في الصداق وغيره من الحقوق، ودلّت السنّة على أنّها لا تجبر فلا تزوّج إلاّ برضاها وإن خالف في تزويجها خلق كثير من العلماء "٤ اهـ.
الوجه الثَّاني: أنّ الكبيرة إذا رضيت بأقلّ من مهر مثلها جاز إنكاحها، ولا اعتراض لأحد عليها، فدلّ ذلك على أنّ المراد باليتامى
стр. 396
الصغيرات اللاّتي يتصرّف في نكاحهنَّ ومهورهنَّ، من هنّ في حجره من أوليائهن١.
وقد أجاب ابن العربي عن هذا بأنّه محمول على أحد وجهين:
أحدهما: أن تكون اليتيمة ذات وصيّ٢.
ولكن يعكّر على هذا الخلاف في ولاية الوصيِّ، وممن لم يقل بها المنازع في هذه المسألة كالحنفيّة.
ثانيهما: أن يستظهر عليها الوليّ بالرجولة والولاية، فيستضعفها لأجل ذلك، ويتزوّجها بما شاء، ولا يمكنها خلافه فنهوا عن ذلك إلا بالحقِّ الوافر٣.
وهذا وإن كان له وجه من النظر، كما يشهد له الواقع، إلا أنّه خلاف الحقيقة في مسمّى اليتيمة.
وأمّا قولهم: إن اليتيمة لا تنكح إلا بإذنها، والصّغيرة لا إذن لها، وهذا دالة على اشتراط بلوغها.
فجوابه أن يقال: إنَّ اليتيمة التي جاءت السنّة باستئذانها هي البالغة، بدلالة اشتراط إذنها، فتكون الصّغيرة غير داخلة في الأمر بالاستئذان
стр. 397
مطلقًا؛ لعدم اعتبار إذنها، وعلى هذا فالظاهر تزويجها، لعدم الفائدة من استئذانها.
وإمّا أن يقال: إنّها اليتيمة الصّغيرة المميِّزة كابنة تسع، وبهذا يرتفع الإشكال جملة- كما سيأتي في توجيه الأحاديث التالية.
والذي يظهر لي مما تقدّم: أنّ المقصود باليتامى في الآيتين الكريمتين أعمُّ وأشملُ من قصره على الصّغيرات أو البالغات، فظاهر الآية العموم؛ فإنَّ كون الصّغيرات يتامى حقيقة لا يمنع دخول الكبيرة، وذلك استصحابًا لحقيقة وصفها قبل بلوغها، وإشعارًا للوليّ بالعطف عليها، وتقوى الله فيها، وإنّما تكون الصّغيرة أحقَّ بالدخول في عموم الآية من الكبيرة.
وكذلك مراعاة اسم النساء في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ و ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ ، فإنّه لا يخرج الصّغيرة من الدخول في جنس النِّساء كما تقدَّم. والله أعلم.
стр. 398
ب- الدَّليل من السُّنَّة.
وأمّا الدليل من السُّنَّة على صحّة تزويج البكر الصّغيرة، سواء كان الوليّ أبًا أم غيره، فهو:
أولاً: ما تقدّم في تزويج ذات الأب من حديث عائشة وغيره١.
ثانيًا: ما تقدّم أيضًا من حديث أبي هريرة وأبي موسى وابن عمر ﵃ في تزويج اليتيمة٢.
فإن ظاهر تلك الأحاديث أنّ اليتيمة تزوّج بإذنها، ومن كانت دون البلوغ، فهي يتيمة حقيقة، بخلاف البالغة، فهي وإن دخلت في عموم التسمية، فعن طريق المجاز.
إلاّ أنّ العلماء استشكلوا كيف تستأذن من لم تبلغ؟
فحمل بعضهم هذه الأحاديث على البالغة للاتفاق على اعتبار إذنها دون الصّغيرة، ثم إنَّ منهم من منع من تزويج الصّغيرة، حتى تبلغ فتزوّج بإذنها؛ ومنهم من أجاز تزويجها بدون إذنها؛ لأنّه لا اعتبار لإذن الصّغيرة، وأثبت لها الخيار إذا بلغت، ومنهم من أجاز تزويجها بإذنها إذا بلغت تسعًا، ولا خيار لها بعد بلوغها، كما روى عن الإمام أحمد ﵀؟ لبناء رسول الله ﷺ بعائشة وهي ابنة تسع، وقولها: "إذا بلغت الجارية تسع
стр. 399
سنين فهي امرأة ". أي في حكم المرأة البالغ، إلاّ أنَّ تقييد تلك الأحاديث الواردة في تزويج اليتيمة بإذنها بمن بلغت تسعًا، دون غيرها، لا يخلو من نظر. والله أعلم.
وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيميَّة القول بتزويج اليتيمة بإذنها، واستبعد حمل اليتيمة في تلك الأحاديث وغيرها على البالغة دون الصّغيرة١.
وتبعه في ذلك تلميذه ابن القيِّم ﵀ قال: "قضى رسول الله ﷺ : أنّ اليتيمة تستأمر في نفسها- ولا يتم بعد احتلام- فدلّ ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب عائشة ﵂ وعليه يدلّ القرآن والسنة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما "٢ اهـ.
وتقدّم قول الأمين الشنقيطي- ﵀: دلّت السنَّة على أنّها- أي اليتيمة- لا تجبر فلا تزوّج إلا برضاها، وإن خالف في تزويجها خلق كثير من العلماء "٣.
ج- الدليل من المعقول.
وأمّا الدليل على تزويج كلِّ وليٍّ للبكر الصّغيرة، فلأنّ النّكاح من جملة المصالح وضعًا، والوليُّ - وإن بعد - ناظر لموْلِيَّته بعين المصلحة،
стр. 400
والنّكاح يعقد لمقاصده، وهي لاتتوفَّر- غالبًا- إلاّ بين المتكافئين، والكفء لا يتوفّر في كلِّ وقت، ولأنّ غير الأب من سائر الأولياء هم أولياؤها بعد بلوغها، إمّا وجوبًا عند الجمهور، أو استحبابًا عند غيرهم، فكانوا أولياءها في صغرها من باب أولى كالأب١.
ثامنًا: دليل من أثبت للصغيرة الخيار إذا زوّجها غير أبيها أو جدّها.
وأمّا من أثبت لها الخيار بعد بلوغها٢ إذا زوّجها غير أبيها، أو جدِّها، فاستدلَّ بما يلي:
أوّلاً: ما روى أنّ قدامة بن مظعون زوّج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر ﵃، فخيَّرها رسول الله ﷺ بعد بلوغها، فاختارت نفسها، حتى روي أنّ ابن عمر ﵄ قال: إنّها انتزعت منِّي بعد أن ملكتها. وهذا نصٌّ في الباب، كذا قال بعض الحنفية٣. وقد تقدم تخريج حديث ابن عمر هذا٤.
стр. 401
ثانيًا: ما روي أنّ رسول الله ﷺ زوّج ابنة عمّة حمزة، وهي صغيرة، وقال لها الخيار إذا بلغت"١.
وهذا الأثر قد رواه البيهقي بإسناده إلى ابن عباس ﵄: أنّ عمارة٢ بنت حمزة بن عبد المطلب كانت بمكة، فلمَّا قدم رسول الله ﷺ يعني في عمرة القضيّة- خرج بها عليّ بن أبي طالب ﵁ وقال للنبيّ ﷺ : تزوّجها، فقال: ابنة أخي من الرضاعة، فزوّجها رسول الله ﷺ سلمة٣ بن أبي سلمة، فكان النبيُّ ﷺ يقول: "هل جزيت سلمة؟ "
ثم قال البيهقي: "هذا إسناد ضعيف، وليس فيه أنّها كانت صغيرة، وللنَّبيِّ ﷺ في باب النّكاح ما ليس لغيره، وكان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وبذلك تولَّى تزويجها دون عمّها العباس، إن كان فعل ذلك. والله أعلم"٤ اهـ.
стр. 402
وقد روى البخاري في صحيحه قصَّة بنت حمزة هذه عن ابن إسحاق عن البراء بن عازب ﵁ في باب عمرة القضاء وفيها: "فخرج النبيُّ ﷺ أي من مكة بعد انتهاء العمرة- فتبعتة ابنة حمزة تنادى: يا عمّ، يا عمّ، فتناولها عليّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: "دونك ابنة عمّك حمّليها"١، فاختصم فيها عليّ وزيد وجعفر، قال عليّ: أنا أخذتها وهي ابنة عمِّي، وقال جعفر: ابنة عمِّي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبيُّ ﷺ لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأمِّ، وقال لعليّ: أنت منّي وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خَلْقي وخُلُقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا، وقال عليّ: ألا تتزوّج بنت حمزة؟ قال: إنَّها ابنة أخي من الرضاعة٢ أهـ.
وقصَّة عرض عليّ ﵁ لابنة حمزة على رسول الله ﷺ ثابتة في صحيح مسلم٣ أيضَا وغيره، من حديث عليّ وابن عباس وأمّ سلمة ﵃، ولكن ليس في هذه الأحاديث الصحيحة، ذكرٌ لتزويجها مطلقًا لا بسلمة، ولا بأخيه عمر، ولا بغيرهما، وليس فيها أيضًا بيان
стр. 403
لمقدار عمرها حين تبعتهم من مكَّة، ولا حين عرضها عليّ على رسول الله ﷺ ليتزوّجها، بل ورد أنَّ عليّاً لم يعرضها على رسول الله ﷺ حتى بلغت١.
ولكن ذكر الحافظ في الإصابة في ترجمة "سلمة بن أبي سلمة "
عن ابن إسحاق، أنّه قال: حدّثني من لا أتّهم، عن عبد الله٢ بن شدّاد
قال: كان الذي زوّج أمّ سلمة من النبيّ ﷺ سلمة بن أبي سلمة ابنها فزوّجه النبيّ ﷺ أمامة٣ بنت حمزة، وهما صبيّان صغيران فلم يجتمعا حتى ماتا، فقال النبيُّ ﷺ : "هل جزيت سلمة؟ "٤ اهـ.
стр. 404
فإن صحّ هذا الخبر فهو صريح في صغر ابنة حمزة وتزويجها، وإلاّ ففي القول بتزويجها نظر، ومن هذا نعلم أيضًا أنّه لا ذكر لتخييرها إذا بلغت، وإنّما ذكرت ما صحّ من قصة ابنة حمزة هذه لشهرتها عند الفقهاء واستدلالهم بها على تزويج اليتيمة الصّغيرة، وعلى تخييرها عند بلوغها - كما هو مقصودنا هنا- وإنّما لم أذكرها في أدلّة تزويج الصّغيرة المتقدَّمة إذا كان الوليُّ غير أب؛ للاستغناء عنها هناك بما ذكر، وللحاجة إليها هنا فناسب تأخيرها. والله أعلم.
ثالثًا: واستدلُّوا لإثبات خيار البلوغ إذا كان الوليّ غير أب أو جدّ بأنَّ غير الأب والجدّ قاصر الشفقة، فإذا ملكت أمرها ببلوغها ثبت لها الخيار؛ لتستدرك ما فاتها، كالأمة إذا زوّجها مولاها ثم أعتقها.
وهذا هو أقوى أدلّة من أثبت للصغيرة خيار البلوغ١. والله أعلم.
والذي يظهر لي- والله أعلم- أنّه لا دلالة فيما ذكروا على ثبوت خيار البلوغ لما يلي:
أوّلاً: أنّ حديث عبد الله بن عمر – المتقدِّم - ليس فيه أنَّ رسول الله ﷺ قد خيَّرها بعد بلوغها، بل الذي فيه أنّ رسول الله ﷺ نهى عن نكاحها بدون إذنها فقال: "إنها يتيمة ولا تُنْكح إلا بإذنها". وهذا يدلّ على أنّها بالغة حين خطبها أو تزوّجها عبد الله بن عمر، أو أنّ لليتيمة قبل
стр. 405
بلوغها إذنًا معتبرا شرعًا، كما قاله بعض المحقّقين. وإنّما القول بإثبات الخيار لها بعد البلوغ استنباط من قول عبد الله بن عمر "والله لقد انتزعت منّي بعد أن ملكتها ". كما يدلُّ عليه كلام السَّرَخْسِي وابن الهُمام١.
ولكن هذا لا يدلّ على أنّه تزوّجها صغيرة، فبقيت في عصمته من غير نكير حتى بلغت، ثم رفعت أمرها إلى النَّبيّ ﷺ ؛ فقضى لها بالخيار لأنّها بلغت، ففي هذا تكلّف وغرابة لا ملجيء إليها، والله الموفِّق.
ثانياً: وأمّا تزويجة ابنة عمّه حمزة ﵁ فقد سبق ذكر ما أمكن الوقوف عليه من طرق وألفاظ هذا الخبر، وليس في شيء منها أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لها الخيار إذا بلغت". والله أعلم.
ثالثًا: وأمّا قولهم: إنَّ الأب والجدّ وافرا الشفقة بخلاف غيرهما، فإنّ وفور شفقتهما؛ لقربهما، وقربهما يدلّ على أحقِّيتهما في التقدّم على من يليهما من العصبات، لا على إثبات حقٍّ في فسخ عقد وليّ لم يأت دليل بفسخه. وأمّا قولهم: "إنّ الصّغيرة قد ملكت نفسها ببلوغها فملكت الخيار كالأمة إذا زوّجها وليُّها ثم أعتقها"، فهذا مبنٌّي على أصلين مختلف فيهما:
أولهما: أنّ الحرّة المكلّفة تملك نكاح نفسها بعد بلوغها، وقد تقدّم أنّ الراجح في هذا مذهب الجمهور أنّ عقدة نكاح المرأة لوليّها، لا لها،
стр. 406
وإنّما حقّها الرِّضى قبل العقد أو الفسخ بعده إن لم ترض١.
ثانيهما: أنّ خيار الأمة لملكها نفسها، لا لرقّ زوجها مع عتقها، والعمدة في هذا حديث بريرة المشهور، وبريرة قد عتقت، وزوجها عبد، - على الصحيح- فسبب خيارها هو رقّ زوجها مع حرّيتها - كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مبحث خيار الأمة ٢؛ - إذ لو عتقت تحت حرٍّ لم يكن لها عليه فضل مزيّة، مع ما في قياس الحرّة الصّغيرة على الأمة قبل عتقها من الفارق بين الحرّية والرِّق، وبين ولاية المالك وولاية الوليّ. والله أعلم.
تنبيه:
قال الزيلعي الحنفي- صاحب (تبيين الحقائق) -: "ومذهبنا منقول عن عمر، وعليّ، والعبادلة، وأبي هريرة، وكفى بهم حجّة. وحكى الكرخيُّ ﵀ إجماع الصحابة ﵃، وزوّج رسول الله ﷺ أمامة بنت حمزة- وهي صغيرة- سلمة بن أبي سلمة، وهي بنت عمّه، وقال لها الخيار إذا بلغت"٣ انتهى المقصود من كلامه.
وهذا الاستدلال لمذهبهم يحتمل أن يكون لتزويج الصّغيرة قبل
стр. 407
بلوغها، وإن لم يكن الوليّ أبًا أو جدًّا، ويدلّ على هذا حكاية الإجماع، كما حكاه غير واحد، كقول الشافعي ﵀: "وزوّج غير واحد من الصحابة ابنته صغيرة "١.
ويحتمل أن يكون قد قصد به الاستدلال لمذهبهم مطلقًا في هذه المسألة، أي تزويج الصّغيرة مع إثبات خيار البلوغ لها، إن لم يكن المزوِّج أبًا أو جدًّا، وهذا بعيد؛ فإنّني لم أقف على قول لواحد من الصحابة في إثبات خيار البلوغ، فضلاً عن إجماعهم عليه. والله أعلم.
تاسعًا: دليل من أثبت للصغيرة الخيار مطلقًا مع جميع الأولياء.
وأمّا من أثبت للصغيرة الخيار بعد بلوغها مع جميع الأولياء - حتى وإن زوّجها أبوها أو جدّها - فلم أجد لهم دليلاً إلا ما قيل: بأنّها تستدرك ما فاتها حين بلوغها٢.
والأظهر: أنّ وجهة أصحاب هذا القول هي نفس وجهة أصحاب القول السابق، وكلُّ ما في الأمر أنّ بينهما عمومًا وخصوصًا، فأولئك استثنوا الأب والجدّ؛ لوفور شفقتهما، وهؤلاء لم يروا موجبًا لتخصيصهما دون غيرهما. والله أعلم.
عاشراً: دليل من لم يجعل للصغيرة خياراً بعد بلوغها مطلقًا.
وأمّا من لم يجعل للصغيرة خيارًا بعد بلوغها مطلقًا - سواء أكان وليّها أباها أم جدّها أم غيرهما، - فذلك لأنّ نكاح الصّغيرة قد صدر من
стр. 408
وليّ، والوليّ ناظر للموْلِيِّ عليه، وقائم مقامه، وفيه دافع الشفقة والحرص على النظر فيلزم نفاذ عقده قياسًا على الأب، وكذلك الجدّ عند من ألحقه به؛ إذ وفور شفقتهما لا يدلّ على تخصيصهما في نفاذ عقدهما دون غيرهما من الأولياء١. والله أعلم.
خلاصة ما تقدّم وبيان الرَّاجح
وممّا تقدّم يتَّضح أنّ هذا المبحث قد اشتمل على ثلاث مسائل هي:
أوّلها: تزويج البكر الصّغيرة.
ثانيها: اعتبار إذنها.
ثالثها: إثبات خيار البلوغ لها.
فأمّا تزويجها: فالأدلّة على صحّته قويَّة - كما تقدّم - لا فرق بين وليّ وآخر.
وأمّا اعتبار إذنها: فان كانت غير مميِّزة فلا معنى لاعتباره، وأمّا إن كانت مميِّزة ففي القول بعدم اعتباره نظرٌ، وإن لم تبلغ تسعًا، خاصَّة إذا كانت يتيمة.
وأمّا إثبات خيار البلوغ لها: مطلقًا، أو مع غير أبيها وجدّها، ففيه نظرٌ أيضًا، وهو إلى الضعف أقرب.
стр. 409
ولهذا فيبدو لي- والله أعلم- أنّ لوليّ الصّغيرة أن يزوّجها بإذنها إن بلغت سنًّا يمكن أن يحدث لها في نفسها نظر، ولو لم تبلغ تسعًا؛ فقد يحدث لها رأي قبل هذا السّنّ وقد يتأخَّر، أمّا من لا رأي لها في نفسها، كمن لم تبلغ سنّ التمييز فلا معنى لاستئذانها، ولا موجب للمنع من تزويجها، ويكفيها نظر وليّها، كما أنّه لا خيار لها إذا بلغت على كلا الحالين، وإليك بيان ذلك:
أوّلاً: أمّا تزويج الأولياء لها وإن كانوا غير آباء فلِما يلي:
١- أنّ الحجّة في هذا الباب هو تزويج عائشة ﵂ وهي صغيرة بين السادسة والسابعة من عمرها، وليس فيه منع من تزويج غير الأب، ولم يقم دليل على خصوصية هذا النّكاح في مثل هذا السنّ لرسول الله ﷺ ، بل قد سبق حكاية الإجماع إلاّ من شذّ على صحّة إنكاح الأب ابنته البكر الصّغيرة.
٢- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١، فهذه الآية إن لم تكن قاصرة على تزويج اليتيمة، فلا مخرج لها من عمومها - كما تقدّم - مع ما يعضد دلالة هذه الآية الكريمة وذلك الحديث الصحيح، من الأحاديث والآثار والمعقول التي تقدّم ذكرها وتوجيه الاستدلال بها.
стр. 410
٣- أنَّ النّكاح مصلحة وضعًا في حقّ الصّغار والكبار والذكور والإناث، وتصرّف الوليّ تصرّف نظر ومصلحة، ودافع الشفقة موجود في حقِّ كلِّ وليّ، فإن خرج تصرف الوليّ عن المصلحة والنظر فهو مردود؛ لضررٍ عارضٍ كان الأصل خلافه.
ثانياً: وأمّا الدَّليل على استئذانها فقد سبق حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، ﵃ في الأمر باستئذان اليتيمة والنهي عن تزويجها بدون إذنها، وظاهر هذه النّصوص دخول اليتيمة حقيقة فيها وهي الصّغيرة، والقول بأنّه لا معنى لاستئذانها قبل بلوغها ممنوع بتلك النّصوص وبالواقع، فإن إكراه فتاة في سنّ العاشرة ونحوها على زوج لا ترضاه مستكره عقلاً، ومعيب عادة، ولا يخفى ضرره، والضرر ممنوع شرعًا، مع أنّ الواقع شاهد بأنّ أولياء الصّغار يعتبرون رضى صغارهم فيما هو أقلّ من هذا، ويرون فيه مصلحة لهم، وقد سبق أنّ القول باستئذان اليتيمة الصّغيرة هو اختيار المحقّقين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم، والأمين الشنقيطي١. ﵏.
وقد تقدّم في فصل استئذان الحرّة المكلّفة أنّه لا فرق في اعتبار الإذن بين ذات أب وغيرها، وكذلك الشأن فيمن يمكن أن يحدث لها في نفسها
стр. 411
نظر قبل البلوغ. وهذا هو المنصوص١ عن الإمام أحمد- ﵀ فيمن بلغت تسع سنين سواء كان وليّها أباها أم جدّها أم غيرهما، ولكن التحديد بالتسع يحتاج إلى نصّ؛ إذ إنّ باب التحديدات التوقيف، وما روي عن عائشة لا يساعد على ذلك، بل قيل إنّها بلغت في تلك السنّ، مع أنّ عائشة ﵂ إنّما زوّجها أبوها وهي ابنة ست أو سبع سنين، وإنّما أدخلت عليه وهي ابنة تسع، والخلاف هنا في تزويج الصّغيرة لا في وقت إدخالها على زوجها. والله أعلم.
ثالثاً: وأمّا عدم إثبات خيار البلوغ لها، فلعدم نهوض دليله كما تقدَّم. ولا يفسخ نكاح بعد صحّته إلا بدليل، وليس مع من أثبته أقوى من قياس الصغيرة بعد بلوغها على الأمة بعد عتقها، وهذا القياس لو صحّ لاستوى فيه الأب والجدّ مع غيرهما، فيبطل القول باستثنائهما.
وأمّا دعوى وفور شفقتهما فهذا معتبر بقرب درجتهما، وقرب درجتهما يستحقّان بها التقديم على من بعدهم من الأولياء، بناء على قاعدة تقديم الأقرب فالأقرب، وهذا لا يوجب تخصيصهما دون غيرهما بنفاذ عقدهما، وفسخ عقد غيرهما من الأولياء.
وأمّا ما استدلوا به من حديث ابن عمر وابنة حمزة ﵃ فلو صحّ عن رسول الله ﷺ شيء في هذا لقطع قول كلِّ مخالف له، وأمّا
стр. 412
والحال كما سبق١ بيانه، فالعجب ممّن يحتج لثبوت الخيار بمثل ذلك. والله أعلم.
ب- تزويج الثّيب الصّغيرة.
إنَّ القول في تزويج الثّيب الصّغيرة هو كالقول في تزويج البكر الصّغيرة، في كلِّ ما سبق تقريبًا، إلاّ أنّ للشافعية وابن حزم الظاهري وبعض الحنابلة تفصيلاً بين البكر والثّيب الصّغيرتين وإليك بيانه:
وهو أنَّ مذهب الشافعية هنا: أنّ الثّيّب الصّغيرة لا يزوّجها أبٌّ ولا غيره حتى تبلغ، فيزوّجها وليّها بإذنها٢، وهذا بخلاف ما تقدَّم عنهم في البكر الصّغيرة، فإنَّ للأب والجدّ - دون غيرهما - تزويجها بدون إذنها ولا خيار لها إذا بلغت.
وكذلك مذهب ابن حزم في المسألتين، إلاّ أنّ الجدّ عنده كسائر الأولياء٣.
وأمّا الحنابلة: فلهم في الثّيِّب الصّغيرة ثلاثة أوجه:
الأوّل: أنّ للأب ووصيّه تزويجها كالبكر الصّغيرة٤.
الثَّاني: أنّه لا يزوّجها أحدٌ كمذهب الشافعية وابن حزم.
стр. 413
قال ابن مفلح في المبدع: "إنّه المذهب "١.
الثَّالث: التفصيل بين من بلغت تسعًا، فيجوز تزويجها بإذنها، ومن لم تبلغ تسعًا فلا يجوز.
وهذا الوجه مخرَّج على الرِّواية السابقة في إجبار البكر الصّغيرة.
قال صاحب الإنصاف: إنّه المذهب، وعليه جماهير الأصحاب "٢.
دليل من منع من تزويج الثّيب الصّغيرة.
وقد استدلَّ الشافعية ومن وافقهم كابن حزم وبعض الحنابلة على
المنع من تزويج الثّيب قبل بلوغها بعموم الأحاديث التي فرقت بين البكر والثّيب في الاستئذان مثل:
١- قوله ﷺ : "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تُستأمر، ولا تُنْكَح البكر حتى تُستأذن " ٣.
٢- وقوله ﷺ : "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها " ٤.
والثّيب هنا اسم للصّغيرة والكبيرة، وقد دلّت هذه الأحاديث على أنّ الثّيب لا تُنْكَح إلاّ بإذنها، والصّغيرة لا إذن لها معتبر، فوجب تأخير
стр. 414
تزويجها إلى بلوغها؛ لتختار وتأذن لوليّها في تزويجها، وهذا بخلاف البكر؛ فإنّها لو بلغت لكان لأبيها إجبارها؛ لأنّه أحقُّ بها من نفسها، وكذلك جدّها عند الشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة في الأب خاصّة. وأمّا ابن حزم فإنّه لا يقول بإجبار البالغ مطلقًا لا بكر ولا ثيّب، وإنّما دليله هنا شمول اسم الثّيب للصّغيرة والكبيرة، كما أنّه ورد في البكر الصّغيرة حديث عائشة الصحيح في تزويج أبيها لها، فيقتصر على ذلك- عنده- فلا يزوّج الأب ابنته الثّيب الصّغيرة، كما لا يزوّج غير الأب صغيرة بحال، ولا يزوّج أب ولا غيره كبيرة بالغ إلا بإذنها١.
وقوله هذا في الكبيرة هو القول الرَّاجح كما تقدّم، وبه يضعف القول بتأثير البكارة في الإجبار، فلا يكون فرق بين بكر وثّيب في اعتبار الإذن حتى وإن كانتا صغيرتين.
وأمّا الأحاديث الآمرة باستئذان الثّيب، فهذه إمّا أن تحمل على الثّيِّب المكلّفة؛ لاعتبار إذنها اتفاقًا، أو على الصّغيرة المميّزة التي بلغت سنًّا يمكن أن يحدث لها في نفسها رأي، كما تقدَّم في اليتيمة، وأمّا غير المميّزة فلا معنى لاستئذانها.
وأمّا التفريق بين من بلغت تسعًا ومن لم تبلغه، فقد تقدّم عدم نهوض دليله؛ لأن التحديدات بابها التوقيف.
стр. 415
وبهذا يكون لا فرق في صحّة تزويج الصّغيرة بين بكر وثيِّب، كما لا فرق في الكبيرة بين بكر وثيِّب على الصحيح، وقد تقدّم القول في تزويج البكر الصّغيرة وأدلّتها، فكذلك الثّيّب الصّغيرة ولا فرق. والله أعلم.
ج- تزويج الغلام الصغير.
إنَّ القول في تزويج الصّغير هو- غالبًا- كالقول في تزويج الصّغيرة كما سبق؛ فقد منع منه قوم مطلقًا، وأجازه قوم مطلقًا، وقصر بعضهم تزويجه على بعض أوليائه دون بعض، وأثبت له بعضهم خيار البلوغ ولم يقل به آخرون كما تقدّم في الصّغيرة؛ وذلك لاشتراك الصّغيرين في علّة الولاية وهي الصّغر. وإليك بيان ذلك:
القول الأول: أنَّ الغلام الصّغير لا يزوّجه أحد أبدًا حتى يبلغ فيزوّج نفسه، فإن زوّجه أبوه أو غيره فالنّكاح مفسوخ، كذا قال ابن حزم الظاهري١، ويحتمل أن يكون مذهبًا لابن شبرمة، وأبي بكر الأصمّ كما هو صريح قول السرخسي في المبسوط٢، إلا أنّني لم أجد من عزاه إليهما غيره. والله أعلم.
والقول الثَّاني: أنّ لأبيه أو وصيّه أو الحاكم تزويجه دون غيرهم.
وهذا ظاهر مذهب المالكية والحنابلة، إلاّ أنّ الصحيح من مذهب الحنابلة أنّ الحاكم لا يزوّج الصّغير إلاّ للحاجة، وقد قيّدها بعضهم بحاجته
стр. 416
إلى النّكاح، والأكثر على إطلاقها للنكاح أو الخدمة أو غيرهما، وكذلك نص المالكية في مسألة إجبار الصّغير على اعتبار المصلحة، وأنّه لا بدّ من ظهورها إذا كان المجبر له الوصيّ أو الحاكم وذلك كتزويجه غنيّة أو شريفة، أو ابنة عمّ، ولكن قال بعضهم إن قيد الحاجة إنّما هو حيث يكون المهر من مال الصّغير وإلاّ فلا يعتبر١.
والقول الثَّالث: يزوّجه أبوه أو جدّه دون سائر الأولياء، وكذلك لا يزوّجه سلطان ولا وصيّ. وهذا مذهب الشافعية٢.
القول الرَّابع: أنَّ لأبيه وجدّه وسائر الأولياء تزويجه. وهذا مذهب الحنفية٣. إلاّ أنّه إن زوّجه أبوه أو جدّه فلا خيار له عند البلوغ بلا خلاف عندهم.
стр. 417
وإن زوّجه غيرهما فله الخيار عند الإمام أبي حنيفة ومحمد، دون أبي يوسف١.
الأدلّة:
إنّ الأدلّة على تزويج الصّغير منعًا أو إثباتًا أو تفصيلاً هي في جملتها نفس الأدلّة على تزويج الصّغيرة التي سبق بيانها، وإليك بعض ما قيل هنا:
أوّلاً: أدلّة من منع من تزويج الصّغير مطلقًا:
١- استدل ابن حزم ﵀ لمنع تزويج الصّغير مطلقا حتى يبلغ، فيزوّج نفسه بعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ ٢.
فقال: إنَّ هذه الآية مانعة من جواز عقد أحد على أحد إلأ أن يوجب نفاذ ذلك نصُّ قرآن أو سنّة، ولا نصّ ولا سنّة في جواز نكاح الأب لابنه الصّغير٣.
٢- منع قياس تزويج الأب ابنه الصّغير على تزويجه ابنته الصّغيرة فقال: "وأجازه قوم ولا حجّة لهم إلا قياسه على الصّغيرة، والقياس كلّه باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان قد عارض هذا القياس قياس آخر مثله،
стр. 418
وهو: أنّهم أجمعوا على أنّ الذَّكر إذا بلغ لا مدخل لأبيه ولا لغيره في إنكاحه أصلاً، وأنّه في ذلك بخلاف الأنثى التي له فيها مدخل إمّا بإذن، وإمّا بإنكاح وإمّا بمراعاة الكفء، فكذلك يجب أن يكون حكمهما مختلفين قبل البلوغ "١ اهـ.
ثانيًا: دليل من أجاز تزويج الصّغير.
وأمّا القول بصحّة تزويج الصّغير فهو في الجملة القول المعروف عن أكثر أهل العلم، ولم أقف على من صرّح بالمنع مطلقًا إلاّ ابن حزم الظاهريّ، وما ذكرت من الاحتمال عن ابن شبرمة وأبي بكر الأصمّ، إلاَّ أنَّ القائلين بصحّة تزويجه قد اختلفوا فيمن يحقُّ له تزويجه من الأولياء كما تقدّم في الصّغيرة، فأمّا من أجازه للأب خاصّة دون غيره فاستدل بما يلي:
١- ما روى عن ابن عمر ﵄ أنّه زوّج ابنه وهو صغير، فاختصما إلى زيد فأجازاه جميعًا. قال ابن قدامة: رواه الأثرم بإسناده٢.
وقد رواه أيضًا البيهقي من طريق سعيد بن منصور، عن سليمان بن يسار أنّ ابن عمر زوّج ابنه وهو صغير يومئذ اهـ٣.
стр. 419
قال البيهقي: وهذا محمول على أنّ أخاه أوجب العقد، وأنّ عمّه١ قبله لابنه الصّغير٢.
وقد صححّ الألباني إسناده في (إرواء الغليل٣.)
٢- ولأنّ الأب يتصرَّف في مال ابنه الصّغير شرعًا فكذلك تزويجه٤.
٣- الإجماع على ذلك. قال ابن قدامة: "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا أنّ لأبيه تزويجه كذلك قال ابن المنذر "٥.
وأمّا من ألحق الجدّ بالأب، فلأنّه أب أعلى، وافر الشفقة، تامّ الولاية، كالأب الأدنى.
وأمّا من ألحق الوصيّ بالأب؛ فلقيامه مقام الأب عند من قال بصحّة ولايته في النّكاح، فهو بمنزلة وكيله في حياته.
وأمّا من ألحق الحاكم بالأب دون سائر الأولياء؛ فلأنّ له ولاية عامّة في النظر له وحفظ ماله٦.
стр. 420
وأمّا من ألحق سائر الأولياء بالأب في صحّة تزويج الصّغير، وأثبت له الخيار إذا زوّجه غير أبيه أو جده؛ فلأنّ قرابة الوليّ داعية إلى الشفقة والنظر، والصّغير إنّما يزوّج إذا كان مصلحة له، وجميع الأولياء من أهل الحرص على تحقيق مصلحته، إلأ أنّه لمّا كان الأب والجدّ أوفر شفقة من سائر الأولياء لم يجعل له خيارًا لوفور شفقتهما، وتمام ولايتهما على النفس والمال، بخلاف سائر الأولياء، كما مرّ في الصّغيرة سواء بسواء.
الرَّاجح:
والرَّاجح هو صحّة تزويج جميع الأولياء للصغير، ولا خيار له إذا بلغ، كما سبق في الصّغيرة.
فأمّا صحّة تزويج جميع الأولياء: فلأنّ الزَّواج مصلحة وضعًا، والوليّ وإن بعُد فهو ناظر لهذه المصلحة، فمتى ظهرت له المصلحة في تزويج الغير كان إحرازها هو الأولى.
ولأنّ الأصل أيضًا في نكاح الأولياء حمله على الصّحّة ما لم يقم دليل على تخصيص بعضهم بذلك دون بعض، وقد وجدنا ما يشبه الإجماع على صحّة إنكاح الأب ابنه الصّغير، ولم نجد دليلاً ناهضًا على تخصيصه بذلك دون سائر الأولياء، فعلى من خصه بذلك أو ألحق به بعض الأولياء دون بعض إقامة الحجّة على ذلك، ولن يجد إلا المنع من تزويجه مطلقًا كما فعل ابن حزم، أو القول بصحّة تزويجه مطلقًا كما ذهب إليه الحنفيّة ومن وافقهم وهو الذي اخترنا رجحانه.
стр. 421
وأمّا عدم ثبوت الخيار للصغير إذا بلغ؛ فلعدم نهوض دليله كما تقدّم في الصّغيرة، مع أنّ الصّغير يزيد بأنّ بيده حلَّ عقدة النّكاح إن لم تظهر له رغبة فيه بخلاف الأنثى. والله أعلم.
هل للصغير إذن معتبر في نكاحه؟
وأمّا هل للصغير إذن معتبر في نكاحه فإن ظاهر مذاهب الفقهاء التي سبق بيانها أنّه ليس له إذن معتبر شرعًا، وعلى هذا بنوا خلافهم السابق في صحّة إنكاح بعض الأولياء له دون بعض، إلاّ أنّ بعض الحنابلة قال: إنّ في إجبار مراهق نظر. وصوّب صاحب (الإنصاف) عدم إجباره١. وقال بعضهم: يحتمل في ابن تسع أنّه يزوّج بإذنه، سواء كان وليّه أباه أم غيره٢.
ولعلّ هذا تخريج على الرواية المشهورة عن الإمام أحمد ﵀ وهي عدم إجبار ابنة تسع كما تقدّم.
والرَّاجح: أنّ الصبيّ المميّز يزوّج بإذنه، وغير المميّز يكفيه نظر وليّه، كما تقدّم في الصّغيرة استدلالاً وترجيحًا.
وممّا يقويِّ عدم إجبار الصبيّ هو القول بصحّة طلاقه، وهذا بخلاف الأنثى، وصحّة وقوع طلاق الصبيّ المميّز وإن كان فيه خلاف مشهور بين العلماء إلاّ أنّ القول بعدم وقوعه واعتباره لاغيًا لا معنى له، فإنَّ
стр. 422
للصّغير المميّز قصدًا وإرادة، بخلاف غير المميّز، والطلاق سبيل لتحريم ما كان حلالاً ولم يحرِّم الله شيئًا على الكبير وجعله للصغير حلالاً، بل كلُّ ما في الأمر أنّ الله رفع عن الصّغير قلم المؤاخذة حتى يبلغ، وهذا لا يعني تمكينه من المحرَّمات، أو أنّ كلَّ محرَّم أصبح في حقّه حلالاً، بل إجماع المسلمين قائم على عدم تمكينه من الزِّنى وغيره من مساويء الأخلاق، وعلى هذا إذا صحّ طلاقه فما جدوى إجباره؟
والله الموِّفق.
стр. 423
الفصل الخامس: الولاية في النكاح على المجانين
المبحث الأوّل: تمهيد: في ثبوت الولاية في النّكاح على المجانين .
إنّ الجنون سبب لثبوت الولاية على الذَّكر والأنثى؛ لاستوائهما في العجز عن النظر لأنفسهما، فلزم أن يكون هناك من يلي أمورهما، حفظًا لأنفسهما، ونظرًا لمصالحهما، حتى يزول ما ألمّ بهما؛ لأنّ تصرفات فاقد العقل خالية من الإرادة الصحيحة، والقصد الصحيح، وإن وقع منهم شيء موافق للصَّواب فهو أمر اتّفاقي لا اعتبار له، ولهذا فهو غير مكلّف شرعًا كما يدلّ على ذلك حديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبيّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، أو يعقل". وقد تقدّم تخريجه١.
ومع الاتّفاق على ثبوت الولاية في النّكاح على المجانين، إلاّ أنّ العلماء قد اختلفوا في حكم تزويجهم، وفيمن يملك تزويجهم من الأولياء، وذلك تبعًا لاختلاف الاجتهادات فيما هو أصلح لهم، وتبعًا لتداخل المؤثّرات في ثبوت الولاية عليهم في النّكاح، واعتبار إذنهم أو عدمه. فالمجنون قد يكون ذكرًا أو أنثى، وكلُّ منهما قد يكون صغيرًا أو كبيرًا، وقد يبلغ مجنونًا، أو عاقلاً ثم يجنّ، وقد يكون جنونه مطبقًا أو متقطعًا،
стр. 424
وتزيد الأنثى بوصف البكارة أو الثيوبة، وكلُّ هذه علل مؤثّرة في ثبوت أصل الولاية، أو في ثبوت الخيار من عدمه.
ولذلك: فقد رأيت- خروجًا من تداخل هذه المؤثّرات واختلاف الاجتهادات التي ينتج عنها كثرة التقاسيم بلا جدوى حقيقية- رأيت أنّ أقسِّم هذا الفصل إلى مبحثين باعتبار الذكورة والأنوثة، نستعرض في كلٍّ منهما مذاهب الفقهاء وما يظهر رجحانه. والله الموفق وهو المستعان.
стр. 425
المبحث الثَّاني: تزويج الأولياء للمجانين
أ- تزويج الأنثى المجنونة:
إنَّ المجنونة قد تكون صغيرة أو كبيرة، بكرًا أو ثيّبًا، وقد يكون جنونها أصليًّا أو طارئًا بعد البلوغ، وقد يكون متقطِّعًا أو مُطْبِقًا، ولهذا فسنذكر كلًّ مذهب من المذاهب الأربعة على حِدَة، وما فيه من خلاف بين أصحاب المذهب الواحد، وذلك خروجًا من كثرة التقسيمات التي يمكن الاستغناء عن أكثرها، وإليك بيان ذلك:
أوّلاً: مذهب الحنفية في تزويج المجنونة.
إنّ مذهب الحنفية في تزويج المجنونة هو أنّها تزوّج كما تزوّج العاقلة الصغيرة؛ وعلى هذا فلسائر أوليائها تزويجها سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، بكراً أم ثيّباً، وسواء أكان جنونها أصليًّا أم طارئًا بعد البلوغ، ولا خيار لها إذا أفاقت وقد زوّجها أبوها أو جدّها في قول أئمة الحنفية الثلاثة- أعني أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا- ﵏، وأمَّا مع غيرهما فلها الخيار عند أبي حنيفة، ومحمد كما في الصغيرة العاقلة.
وهذا إذا لم يكن للمجنونة ابن، أمّا إن كان لها ابن فهو مقدّم على أبيها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا خيار١ لها إذا أفاقت وقد زوّجها