← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأمّا عدم ثبوت الخيار للصغير إذا بلغ؛ فلعدم نهوض دليله كما تقدّم في الصّغيرة، مع أنّ الصّغير يزيد بأنّ بيده حلَّ عقدة النّكاح إن لم تظهر له رغبة فيه بخلاف الأنثى. والله أعلم. هل للصغير إذن معتبر في نكاحه؟ وأمّا هل للصغير إذن معتبر في نكاحه فإن ظاهر مذاهب الفقهاء التي سبق بيانها أنّه ليس له إذن معتبر شرعًا، وعلى هذا بنوا خلافهم السابق في صحّة إنكاح بعض الأولياء له دون بعض، إلاّ أنّ بعض الحنابلة قال: إنّ في إجبار مراهق نظر. وصوّب صاحب (الإنصاف) عدم إجباره١. وقال بعضهم: يحتمل في ابن تسع أنّه يزوّج بإذنه، سواء كان وليّه أباه أم غيره٢. ولعلّ هذا تخريج على الرواية المشهورة عن الإمام أحمد ﵀ وهي عدم إجبار ابنة تسع كما تقدّم. والرَّاجح: أنّ الصبيّ المميّز يزوّج بإذنه، وغير المميّز يكفيه نظر وليّه، كما تقدّم في الصّغيرة استدلالاً وترجيحًا. وممّا يقويِّ عدم إجبار الصبيّ هو القول بصحّة طلاقه، وهذا بخلاف الأنثى، وصحّة وقوع طلاق الصبيّ المميّز وإن كان فيه خلاف مشهور بين العلماء إلاّ أنّ القول بعدم وقوعه واعتباره لاغيًا لا معنى له، فإنَّ

стр. 422

للصّغير المميّز قصدًا وإرادة، بخلاف غير المميّز، والطلاق سبيل لتحريم ما كان حلالاً ولم يحرِّم الله شيئًا على الكبير وجعله للصغير حلالاً، بل كلُّ ما في الأمر أنّ الله رفع عن الصّغير قلم المؤاخذة حتى يبلغ، وهذا لا يعني تمكينه من المحرَّمات، أو أنّ كلَّ محرَّم أصبح في حقّه حلالاً، بل إجماع المسلمين قائم على عدم تمكينه من الزِّنى وغيره من مساويء الأخلاق، وعلى هذا إذا صحّ طلاقه فما جدوى إجباره؟ والله الموِّفق.

стр. 423

الفصل الخامس: الولاية في النكاح على المجانين المبحث الأوّل: تمهيد: في ثبوت الولاية في النّكاح على المجانين . إنّ الجنون سبب لثبوت الولاية على الذَّكر والأنثى؛ لاستوائهما في العجز عن النظر لأنفسهما، فلزم أن يكون هناك من يلي أمورهما، حفظًا لأنفسهما، ونظرًا لمصالحهما، حتى يزول ما ألمّ بهما؛ لأنّ تصرفات فاقد العقل خالية من الإرادة الصحيحة، والقصد الصحيح، وإن وقع منهم شيء موافق للصَّواب فهو أمر اتّفاقي لا اعتبار له، ولهذا فهو غير مكلّف شرعًا كما يدلّ على ذلك حديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبيّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، أو يعقل". وقد تقدّم تخريجه١. ومع الاتّفاق على ثبوت الولاية في النّكاح على المجانين، إلاّ أنّ العلماء قد اختلفوا في حكم تزويجهم، وفيمن يملك تزويجهم من الأولياء، وذلك تبعًا لاختلاف الاجتهادات فيما هو أصلح لهم، وتبعًا لتداخل المؤثّرات في ثبوت الولاية عليهم في النّكاح، واعتبار إذنهم أو عدمه. فالمجنون قد يكون ذكرًا أو أنثى، وكلُّ منهما قد يكون صغيرًا أو كبيرًا، وقد يبلغ مجنونًا، أو عاقلاً ثم يجنّ، وقد يكون جنونه مطبقًا أو متقطعًا،

стр. 424

وتزيد الأنثى بوصف البكارة أو الثيوبة، وكلُّ هذه علل مؤثّرة في ثبوت أصل الولاية، أو في ثبوت الخيار من عدمه. ولذلك: فقد رأيت- خروجًا من تداخل هذه المؤثّرات واختلاف الاجتهادات التي ينتج عنها كثرة التقاسيم بلا جدوى حقيقية- رأيت أنّ أقسِّم هذا الفصل إلى مبحثين باعتبار الذكورة والأنوثة، نستعرض في كلٍّ منهما مذاهب الفقهاء وما يظهر رجحانه. والله الموفق وهو المستعان.

стр. 425

المبحث الثَّاني: تزويج الأولياء للمجانين أ- تزويج الأنثى المجنونة: إنَّ المجنونة قد تكون صغيرة أو كبيرة، بكرًا أو ثيّبًا، وقد يكون جنونها أصليًّا أو طارئًا بعد البلوغ، وقد يكون متقطِّعًا أو مُطْبِقًا، ولهذا فسنذكر كلًّ مذهب من المذاهب الأربعة على حِدَة، وما فيه من خلاف بين أصحاب المذهب الواحد، وذلك خروجًا من كثرة التقسيمات التي يمكن الاستغناء عن أكثرها، وإليك بيان ذلك: أوّلاً: مذهب الحنفية في تزويج المجنونة. إنّ مذهب الحنفية في تزويج المجنونة هو أنّها تزوّج كما تزوّج العاقلة الصغيرة؛ وعلى هذا فلسائر أوليائها تزويجها سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، بكراً أم ثيّباً، وسواء أكان جنونها أصليًّا أم طارئًا بعد البلوغ، ولا خيار لها إذا أفاقت وقد زوّجها أبوها أو جدّها في قول أئمة الحنفية الثلاثة- أعني أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا- ﵏، وأمَّا مع غيرهما فلها الخيار عند أبي حنيفة، ومحمد كما في الصغيرة العاقلة. وهذا إذا لم يكن للمجنونة ابن، أمّا إن كان لها ابن فهو مقدّم على أبيها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا خيار١ لها إذا أفاقت وقد زوّجها

стр. 426

ابنها من باب أولى عند غير أبي يوسف ﵀، كما مرَّ في الصغيرة العاقلة؛ لأنَّ الخلاف بين أبي حنيفة ومحمد في تقديم الابن على الأب، أو العكس لا غير. وذلك أنّ شرط الولاية- عندهم- هو عجز الموْلِيّ عليه، والمجنونة عاجزة عن التصرّف لنفسها بخلاف العاقلة المكلّفة، الحرّة كما تقدّم، وإنَّما ثبت لها خيار الإفاقة مع غير من ذكر؛ لقصور شفقتهم، كما مرَّ في الصغيرة العاقلة١. ثانيًا: مذهب المالكية. هو أنّ المجنونة يزوّجها أبوها، ثم وصيّه، دون غيرهما من سائر الأولياء، ما عدا الحاكم، فقد اختلف النقل في صحّة تزويجه لها للحاجة كما سيأتي. فأمَّا الأب: فله تزويج المجنونة جنونًا مطبقًا، مطلقًا أي سواء كان الجنون أصلياًّ أم طارئًا بعد البلوغ، وسواء أكانت بكرًا أم ثيّبًا حتى ولو ولدت الأولاد فلا كلام لولدها مع أبيها، وهذا بخلاف العاقلة، فإن ابنها مقدَّم على أبيها عندهم.

стр. 427

وأمّا إن كانت المجنونة ممن تفيق أحيانًا- أي جنونًا غير مطبق- فتنتظر إفاقة من يعتبر إذنها عاقلة كالثّيب البالغ، وأمّا من كان لأبيها إجبارها عاقلة كالصغيرة والبكر فلا تنتظر إفاقتها. وأمّا وصيّ الأب فيقوم مقام الأب إذا أمره الأب بإنكاحها، أو عيّن له زوجها قبل موته. وأمّا إن لم يأمره بإنكاحها ولا عيّن له زوجها فقيل: ليس له تزويجها؛ لأنَّه لا يملك إجبارها ولا إذن لها فيزوّجها به١. وأمّا الحاكم: فقد اختلف نقل شرَّاح المختصر في صحَّة تزويجه المجنونة، فذكر بعضهم أنّه يزوّج المجنونة للحاجة، كما سيأتي في المجنون٢، وذكر بعضهم أنَّ الأنثى بخلاف الذَّكر فلا يزوّجها إلاّ الأب أو الوصيّ كما تقدّم٣.

стр. 428

ثالثًا: مذهب الشافعية. وأمّا مذهب الشافعية فهو: أنّ المجنونة يزوّجها أبوها أو جدّها متى ظهر لها مصلحة في ذلك، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، بكرًا أم ثيّبًا، وسواء جُنّتْ قبل البلوغ أم بعده، بل يجب عليهما تزويج بالغة ظهرت حاجتها للنّكاح. وأمّا غير الأب والجدّ فلا يزوّج صغيرة على أي حال. وأمّا البالغة فإن لم يوجد لها أب ولا جدّ، فيزوّجها السلطان دون سائر الأولياء على الأصحّ، وإنّما يستحب له استشارة أقاربها تطييبًا لقلوبهم، وقيل: بل يزوّجها الوليُّ القريب بإذن السلطان واختاره بعضهم. وإنّما يزوّج غير الأب والجدّ البالغة للحاجة المنزَّلة منزلة الضرورة، كظهور حاجتها للنكاح، أو توقُّع شفائها به بقول عدلين من الأطباء- لا لمجرّد المصلحة- لأنَّ تزويجها يقع إجبارًا ولا إجبار لغير الأب والجدّ، وإذا أفاقت المجنونة فلا خيار لها؛ لأنّ التزويج كالحكم لها وعليها١. وهذا التقسيم إنّما هو خاصٌّ بمن أطبق جنونها، وأمّا من لها إفاقة فتنتظر إفاقة من يعتبر إذنها، وبلوغ الصغيرة وعقلها إذا لم يكن لوليّها جبرها، كما هو نصّ ما في الروضة في الثّيب البالغ٢.

стр. 429

رابعاً: مذهب الحنابلة. وأمّا مذهب الحنابلة في تزويج المجنونة فإن كانت ممن تجبر لو كانت عاقلة جاز تزويجها لمن يملك إجبارها؛ لأنّه إذا ملك إجبارها مع عقلها وامتناعها فمع عدمه أولى. وقد تقدّم أنّ الأب يجبر البكر البالغ على الصحيح من المذهب، ووصيّه يقوم مقامه على أحد القولين بولايته عندهم. وأمّا إن كانت ممن لا تجبر لو كانت عاقلة- كالثّيب البالغ، والبكر على الرواية الأخرى، بل حتى ابنة تسع، بكرًا أو ثيّبًا على ما تقدّم- فللأب تزويجها على الصحيح من المذهب أيضاً، وكذلك وصيّه، ومنع من هذا أبو بكر١ في الثّيّب البالغ. وأمّا إن لم يكن لها أبٌ ولا وصيٌّ فإنّها لا تزوّج إلاّ للحاجة، وقد اختلفوا فيمن يزوّجها أهو الحاكم أم بقيَّة الأولياء؟ على قولين: أوّلهما: أنّه يزوّجها سائر أوليائها متى ظهرت حاجتها للنكاح ونحوه كالخدمة. وثانيهما: أنّه لا يزوّجها إلاّ الحاكم، وبهذا قال القاضي٢. هذا إذا وجد الحاكم والأولياء، أمّا إن لم يكن وليّ إلاّ الحاكم

стр. 430

فالصحيح من المذهب أنّ له تزويجها للحاجة١. والظَّاهر أنَّ هذا كلّه فيمن كان جنونها مطبقًا، أمّا من ترجى إفاقتها فينتظر إفاقة من يعتبر إذنها، كما يدلُّ على ذلك تفصيلهم في المجنون الذَّكر٢. الرَّاجح: والذي يظهر لي مما تقدّم: أنَّ الرَّاجح هو: صحة تزويجها مطلقًا متى كان في تزويجها مصلحة لها، سواء كان وليّها أباها أم جدّها أم غيرهما، وسواء كانت صغيرة أم كبيرة، بكراً أم ثيّبًا، وسواء كان جنونها مطبقاً أم متقطعاً، ولا خيار لها إذا أفاقت؛ لأنّ تزويجها كالحكم لها وعليها. إلاّ أن تكون لها إفاقة معروفة عادة، فتنتظر إفاقة من يعتبر إذنها عاقلة لتزوّج بإذنها، لأنّ ذلك من أظهر مصالحها، ولأنّ جنونها والحالة هذه أشبه بالنوم والإغماء، فإن زوّجها وليّها في هذه الحال قبل إفاقتها فلها الخيار إذا أفاقت، سواء كان وليّها أباً أم جدًّا أم غيرهما، كالعاقلة التي زوّجها وليّها بدون إذنها، كما تقدّم٣ تحقيقه واختياره، وذلك لما يلي:

стр. 431

أوّلاً: أنّ هذا نكاح عقده وليّ، والأصل في عقود الأولياء الصِّحة، وتخصيص بعضها بالصِّحة دون بعض يحتاج إلى دليل، ولا دليل مع من خصّ بعضهم بذلك إلاّ اعتبار إذنها عاقلة مع بعضهم دون بعض، وقد قدّمنا أنّ الصحيح عدم الفرق بين الأولياء، سواء كانوا آباء أم غيرهم في اعتبار إذن من لها رأي في نفسها كالبالغة بكرًا أم تيّبًا، وعلى هذا فقد استوى جميع الأولياء في عدم الإجبار مع أنَّ الإجبار حقيقة إنّما يتصوّر في حقِّ من لها رأي في نفسها، ولا رأي لفاقد عقل كالمجانين والأطفال. ثانياً: إنّ إذن المجنونة متعذِّر حال جنونها، وإفاقتها غير معلومة في غير ما ذكر، وهو ما عرف عنها عادة. ثالثاً: إنّ النظر لمصلحتها واجب على وليّها، فمتى ظهرت له المصلحة في تزويجها لزمه تحصيلها ما أمكن، وأمّا الضرر فممنوع شرعًا في حقِّ المجانين والعقلاء على السواء، ونظر الوليّ في إدراك المصلحة أو دفع المفسدة مقدّم على نظر غيره، ما لم تظهر مخالفته للصّواب بيقين. والله أعلم. ب- تزويج الذكر المجنون. إنّ القول في تزويج المجنون كالقول في تزويج المجنونة تقريبًا؛ لاشتراكهما في أكثر المؤثِّرات التي توجب الولاية عليهما وتؤثِّر في اعتبار إذنهما، ولذلك فسنتبع في عرض أقوال الفقهاء في حكم تزويجه نفس الطريقة السابقة، وإليك بيانها:

стр. 432

أوّلاً: مذهب الحنفية في تزويج المجنون. إنّ مذهب الحنفية في تزويج المجنون كالقول في تزويج المجنونة، فيزوّج المجنون، كبيرًا أم صغيرًا، كما يزوّج الصّغير العاقل، ولا فرق في هذا عندهم بين ذكر وأنثى؛ إذ العلّة في الكبير الجنون، وفي الصغير الصغر والجنون، وسواء كان الجنون أصلياًّ- أي بلغ مجنونًا- أم طارئًا عليه بعد بلوغه عن الثلاثة - أعني أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا - وخالفهم زفر في المجنون الطارئ بعد البلوغ فمنع تزويجه وقال: إنّه ببلوغه عاقلاً قد استقلَّ بنفسه، وزالت عنه ولاية غيره، فلا تعود إليه بعد ذلك بطريان الجنون، كما لو بلغ مغمى عليه ثم زال الإغماء، ولأنّ النّكاح يعقد للعمر، ولا تتجدّد الحاجة إليه في كلِّ وقت بخلاف المال. واحتجّ جمهور الحنفية عليه: بأنّه قد وجد سبب ثبوت الولاية - وهو القرابة – وشرطها - وهو عجز المَوْلِيِّ عليه عن النظر لنفسه، - ولا فرق بين أصليٍّ وطارئ في هذا، فقد تشتدُّ حاجته إلى النّكاح، وقد تموت زوجته أثناء جنونه، فتثبت عليه الولاية في النّكاح، كما تثبت عليه الولاية في المال. والله أعلم١

стр. 433

ثانياً: مذهب المالكيَّة. وأمّا المالكيَّة فقالوا: إن كان جنونه غير مُطْبِق تنتظر إفاقته، ولا يزوّجه أحد حال جنونه، وأمّا إن كان جنونه مُطْبِقًا فلا يخلو من حالين وهما: إمّا أن يكون قد بلغ مجنوناً، وإمّا أن يكون قد بلغ عاقلاً ثم جُنَّ. فإن بلغ مجنونًا: فلأبيه ثم وصيّه ثم الحاكم تزويجه للحاجة إلى النّكاح؛ بأن خيف عليه الفساد، أو الوقوع في الزِّنى؛ لأنّه وإن سقط عنه الحدّ فلا يقرّ عليه، وكذلك لو اشتدّت ضرورته وتعيّن الزَّواج لإنقاذه منه، وكذلك قيل: لو تعيّن الزواج طريقًا لخدمته. وأمّا إن بلغ عاقلاً ثم جنّ: فلا يزوّجه إلاّ الحاكم، فلا ولاية عليه لأبيه ولا وصيِّه١. ثالثًا: مذهب الشافعية. وأمّا مذهب الشافعية فهو: إن كان المجنون صغيرًا فلا يزوّجه أبٌ ولا غيره؛ لأنّه لا حاجة إلى تزويجه في الحال، وبعد البلوغ لا يدري كيف

стр. 434

يكون حاله، وذلك بخلاف الصغير العاقل- عندهم- فإنَّ ظاهر أمره حاجته إلى النّكاح١. وأمّا إن كان كبيرًا، فإن كان جنونه غير مطبق فلا يزوّج حتى يفيق ويأذن، ويشترط وقوع العقد حال الإفاقة، فلو جنّ قبله بطل إذنه. وهذا نحو مذهب المالكية السابق٢. وأمّا إن كان جنونه مطبقًا، فإمّا أن يكون قد بلغ مجنونًا، أو بلغ عاقلاً ثم جنّ. فإن بلغ مجنوناً فيزوّجه الأب ثم الجدّ ثم السلطان دون سائر الأولياء، للحاجة إلى النّكاح الحاصلة حالاً- كأن تظهر رغبته في النساء بدورانه حولهنّ وتعلقه بهنّ- أو مآلاً كتوقُّع شفائه باستفراغ مائه بعد شهادة عدلين من الأطباء بذلك، أو بأن يحتاج إلى من يخدمه ولا يوجد من محارمه من يقوم بذلك، وأن تكون مؤن نكاحه أقلَّ من ثمن جارية، ولا يزوّج لغير حاجة؛ لأنّ ذلك يغرمه المهر والنفقة بدون فائدة٣.

стр. 435

وأمّا من بلغ عاقلاً ثم جنّ: فيزوّجه الأب، ثم الجدّ، ثم السلطان، كمن بلغ مجنونًا على الأصحّ. وقيل: لا يزوّجه إلاّ السلطان كمذهب المالكية السابق١. رابعاً: مذهب الحنابلة. وأمّا مذهب الحنابلة فإن كان المجنون صغيرًا فلأبيه ووصيّه تزويجه، كالصغير العاقل؛ لأنَّه إذا ملك تزويج العاقل مع احتياجه إلى التزويج رأيًا ونظرًا، فلأن يجوز تزويج من لا يتوقّع منه ذلك أولى، وأمّا غير الأب فلا يملك تزويج العاقل الصغير، فكذلك المجنون، وأمّا الوصيّ فيقوم مقام الأب كوكيله على القول بولاية الوصيّ عندهم٢. وأمّا إن كان كبيرًا فإن كان يفيق أحيانًا- أي غير مطبق- فلا يزوّجه أحد إلاّ بإذنه؛ لأنّ ذلك ممكن، ومن أمكن أن يتزوّج لنفسه لم

стр. 436

تثبت عليه الولاية كالعاقل، وكذلك لو زال عقله بمرض يرجى زواله فهو كالعاقل، فإنَّ ذلك لا يثبت عليه الولاية في المال فعلى نفسه أولى١. وأمّا إن كان جنونه مطبقًا فللأب أو وصيّه تزويجه في ظاهر كلام الإمام أحمد والخرقي مع ظهور أمارات الشهوة وعدمها٢. وقال القاضي: إنّما يجوز تزويجه إذا ظهرت منه أمارات الشهوة، باتباع النِّساء ونحوه، كمذهب الشافعية السابق٣. وقال أبو بكر: ليس للأب تزويجه بحال؛ لأنّه رجل فلم يجز إجباره على النّكاح، كالعاقل٤. هذا حاصل مذاهب الفقهاء ﵏ في تزويج المجنون وخلاصتها حسب ما مرّ كالتالي: أوّلاً: إن كان الجنون متقطِّعاً فلا يزوّج المجنون الكبير حتى يفيق، في ظاهر مذهب المالكية والشافعية والحنابلة؛ لإمكان أن يتزوّج بنفسه، ولأنّة لا ولاية عليه عاقلاً مطلقًا.

стр. 437

وأمّا الحنفية فلم أجد لهم نصًّا في التفريق بين الجنون المطبق والمتقطع، ولكن ظاهر قياسهم على الصغير العاقل أنّه يزوّجه سائر أوليائه، وله خيار الإفاقة إذا أفاق وقد زوّجه غير أبيه أو جدّه، كالصغير العاقل إذا بلغ، وقد زوّجه غير أبيه أو جدّه. ثانيًا: وأمّا إن كان الجنون مطبقًا، ففي تزويجه ثلاثة أقوال: أ- أكثر الفقهاء على تزويجه على تفصيل فيمن يزوّجه؟ ومتى يزوّج تبعًا للحاجة والمصلحة؟. ب- أنّه لا يزوّج الكبير مطلقًا، وهو قول أبي بكر من الحنابلة. ج- أنّه لا يزوّج من طرأ عليه الجنون بعد بلوغه. وهو قول زفر من الحنفية. وهذا إذا كان المجنون كبيرًا، أمّا الصغير فلم أجد من فرق بينه وبين الصغير العاقل سوى الشافعية الذين منعوا من تزويجه مطلقًا كما تقدّم. والله تعالى أعلم. الرَّاجح: والذي يظهر لي ممّا تقدّم: أنّ الراجح هو أن من كان جنونه متقطِّعاً فلا يزوّج البالغ حتى يفيق فيتزوّج بنفسه أو بإذنه، وهذا ظاهر مذهب الجمهور. وأمّا إن كان جنونه مطبقًا، أو كان صغيرًا، فيزوّج للمصلحة لا لغيرها، كما تقدّم في المجنونة لا فرق بين وليّ وآخر. والله أعلم.

стр. 438

الفصل السادس: الولاية في النكاح على السفيه المبحث الأوّل: معنى السفه لغة واصطلاحًا أمّا معنى السَّفَه لغة: فهو ضد الحِلمْ، وقيل خفّته، وقيل الجهل، ولا منافاة بين ذلك؛ فإنّ أصل معنى السفه لغة: الخفّة، والسخافة، كما قاله ابن فارس، وغيره، ونصّ على أنّه قياس مطَّرد في هذا، فيقال: ثوب سفيه: أي رديء النسج، ويقال: تسفّهت الريح الشجر: أي أمالته. كما قال ذو الرُّمّة: مشين كما اهتزّت رياح تسفّهت ... أعاليها مرُّ الرياح النَّواسم ومن شعره في وصف زمام ناقته: وابيضَ١ مَوْشِيِّ القميص نصبْتُة ... على ظهر مقْلاتٍ سفيهٍ جَدِيلُها أي خفيف زمامها٢.

стр. 439

وأمّا معناه اصطلاحًا: فالسفه ضدّ الرُّشْد، إلاّ أنّ إطلاقهما في هذا المبحث عند الفقهاء خاصٌّ بمن اتصف بهما- أي بالرُّشْد أو السفه- من بني آدم، وهذا بعض مفردات المعنى اللغوي كما تقدّم. إلاّ أنّ الفقهاء قد اختلفوا في معنى الرُّشْد الذي يزول به الحجر عن البالغ في ماله على ثلاثة أقوال هي: الأوّل: أنّ الرُّشْد الذي يزول به الحجر عن البالغ في ماله هو الصلاح في المال، أي معرفة وجوه كسبه واستثماره وعدم تبذيره. وهذا هو المراد به عند جمهور الفقهاء، ومنهم الحنفية، والمالكية، والحنابلة١. وقد عرّفه صاحب (العناية) من الحنفية بقوله: "السّفه: خفّة تعتري الإنسان فتحمله على العمل بخلاف موجب الشرع والعقل، مع قيام العقل. وقد غلب في عرف الفقهاء على تبذير المال وإتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع" اهـ. ونقل هذا التعريف صاحب تكملة (فتح القدير) وزاد عليه ما عزاه (للمبسوط والكافي) وهو: "أنَّ السفه: العمل بخلاف موجب الشرع، واتِّباع الهوى وترك ما يدلُّ عليه الحجا"٢اهـ.

стр. 440

وقال ابن عبد البرِّ: "السَّفيه: أن يبذّر ماله في المعاصي أو الإسراف"١ اهـ. ونحوه ابن جزي المالكي حيث قال: أمّا السّفيه فهو المبذّر لماله، إمّا لإنفاقه باتباعه لشهوته، وإمّا لقلّة معرفته بمصالحه، وإن كان صالحًا في دينه. والرشيد هو: الضابط لماله، ولا يشترط صلاحه في دينه، خلافًا للشافعيِّ وابن الماجشون"٢ اهـ. الثَّاني: أن الرُّشْد هو: الصلاح في الدِّين والمال جميعًا. وهذا مذهب الشافعي، والحسن البصري، وابن المنذر وغيرهم. فصلاح الدِّين ألاَّ يرتكب المرء من المعاصي ما يسقط عدالته. وصلاح المال: أن يكون حافظًا له غير مبذّر٣. الثَّالث: أنَّ الرُّشْد: هو الصلاح في الدِّين خاصَّة. وهذا مذهب ابن حزم الظاهري. فقد انتصر لمذهبه هذا، وردّ كلَّ ما خالفه قائلاً: "إنّه لا يعرف في كتاب ولا سنّة ولا في لغة العرب أنَّ الرُّشْد: الصلاح في المال". وقال: "أمّا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ

стр. 441

رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ١ ينبغي أن يعرف ما هو الرُّشْد الذي أمر الله تعالى من أونس منه بدفع ماله إليه، فنظرنا في القرآن الذي هو المبيّن لنا ما ألزمنا الله تعالى إيّاه فوجدناه كلّه ليس الرُّشْد فيه إلاّ الدِّين وخلاف الغيّ فقط، لا المعرفة بكسب المال أصلاً- ثم ذكر شواهد ما قاله من القرآن - وقال: فصحّ أنَّ الرُّشْد ليس هو كسب المال، ولا منعه من الحقوق ووجوه البر، بل هذا هو السفه، وإنّما الرُّشْد: طاعة الله تعالى، وكسب المال من الوجوه التي لا تثلم الدين ولا تخلق العرض، وإنفاقه في الواجبات، وفيما يتقرب به إلى الله تعالى للنّجاة من النار، وإبقاء ما يقوم بالنفس والعيال على التوسط والقناعة فهذا هو الرُّشْد. وكذلك لم نجد في شيء من لغة العرب: أنَّ الرُّشْد هو الكيِّس في جمع المال وضبطه، فبطل تأويلهم في الرُّشْد بالآية، وفي دفع المال بإناسه، وصحّ أنّها موافقة لقولنا وأنَّ مراد الله تعالى يقينًا بها إنّما هو أن من بلغ عاقلاً مميّزًا مسلمًا وجب دفع ماله إليه، وجاز فيه من جميع أفعاله ما يجوز من فعل سائر الناس كلِّهم، ويردّ من أفعاله ما يردّ من أفعال سائر الناس كلّهم، ولا فرق، وأنّ من بلغ غير عاقل ولا مميِّز للدِّين لم يدفع إليه ماله، ولو كان الَّذي قالوا في الرُّشْد وفي السّفه قولاً صحيحًا- ومعاذ الله من ذلك- لكان طوائف من اليهود

стр. 442

والنّصارى وعبّاد الأوثان ذوي رُشْدٍ، ولكان طوائف من المسلمين سفهاء وحاش لله من هذا١. وسبب اختلافهم في معنى الرُّشْد هو: هل يطلق اسم الرُّشْد على غير الصالح في الدِّين كما قاله ابن رشد٢. إلاّ أنّه لم يتعرّض لمذهب - ابن حزم هذا، ولكن لا يخفى أنّه لا يخرج عن هذا السبب؛ إذ هو صريح في أنَّ غير الصالح في دينه لا يسمَّى رشيدًا. والله أعلم.

стр. 443

المبحث الثَّاني: المقصود بالسفيه في هذا المبحث إنّ وصف السَّفَه يشمل من حيث اللغة كلَّ من اتصف بهذا الوصف، سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا، ذكرًا أم أنثى، إلاّ أن المقصود به هنا في الولاية في النّكاح هو المقصود به في الولاية في المال، وهو: السّفيه المحجور عليه في ماله خاصّة، وهو الذي بلغ ولم يؤنس منه الرُّشْد فبقي محجورًا عليه في تصرُّفاته الماليَّة انتظارًا لإناس رشده، أو بلغ رشيدًا ولكن طرأ عليه السّفه بعد ذلك، فرفع أمره إلى الحاكم فحجر عليه، أي حكم عليه بالمنع من تصرّفاته الماليَّة، وعلى هذا: فلا يدخل معنا في هذا المبحث: الصغير ذكرًا كان أم أنثى، ففي وصف الصغر ما يغني عن تلمُّس أثر السفه في تصرفاته. ولا يدخل معنا السفيه المهمل، وهو السّفيه الذي لم يحجر عليه؛ لأنَّ تصرُّفاته قبل الحجر محمولة على الصحّة حتى عند القائلين بالحجر عليه في ماله١. وأمّا المرأة البالغ؛ فلقلّة مزاولتها للأعمال الماليَّة لم تكن مقصودة بهذا المبحث عند كثير من الفقهاء، مع أنَّ وصف السفه يشملها، كما يشمل

стр. 444

الذَّكر، ويمكن أن يحجر عليها كما يحجر على الذكر أيضًا، وكلام الفقهاء في الحجر على الذكور شامل لها، بل قد خصّها١ بعض الفقهاء كالمالكيَّة بالحجر عليها في مالها قبل أن تزوّج وتدخل بيت زوجها، ومع هذا فإنَّ بحث الولاية على المرأة البالغ، في النّكاح بسبب وصف السفه بحث عديم الجدوى؛ لأنَّ وصف الأنوثة كافٍ في إثبات الولاية عليها في النّكاح في حال رشدها، بل إنّ وصف الأنوثة هو المقصود- أصلاً- ببحث الولاية في النّكاح، وقد أغنانا بحثها في أوّل هذه الرسالة عن إعادته هنا، مع أنّ عمدة الخلاف في المسألتين- أعني في إثبات الولاية بسبب الأنوثة، وإثبات الحجر بسبب السّفه- إنّما هو لأبي حنيفة رحمه الله٢. وعلى هذا فالمقصود بالسّفيه في هذا المبحث: إنّما هو الحرُّ، الذَّكر، البالغ، المحجور عليه، بسبب السّفه.

стр. 445

المبحث الثَّالث: الولاية على السّفيه في ماله إنّ ثبوت الولاية على السّفيه في النّكاح هي فرع عن ثبوتها عليه في ماله بالحجر عليه فيه. والحجر على السّفيه في ماله ليس من مقاصد بحثنا هذا، ولكن نشير هنا إلى ما لا غنى لنا عن الإشارة إليه من خلاف الفقهاء في الحجر على السفهاء؛ للتفريع عليه، فقد قال بالحجر على السفيه في ماله جمهور الفقهاء، ومنهم المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف، ومحمد من الحنفية، وممن لم يقل به أبو حنيفة وابن حزم الظاهري. فأمّا أبو حنيفة فقال: لا حجر على حرٍّ، بالغ، عاقل، إلاّ أنّه إذا بلغ سفيهًا، لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمسة وعشرين عامًا؛ لأنَّه قد بلغ سنًّا- إذ ذاك- يمكن أن يكون فيه جدَّا. وأمّا ابن حزم الظاهري فقال: لا يجوز الحجر على أحد في ماله إلاّ على من لم يبلغ أو على مجنون حال جنونه، فهذان – خاصّة - لا ينفذ لهما أمرٌ في مالهما، فإذا بلغ الصغير وأفاق المجنون جاز أمرهما في مالهما كغيرهما ولا فرق، سواء في ذلك كلّه الحرّ والعبد، والذكر والأنثى، والبكر ذات الأب، وغير ذات الأب، وذات الزوج والتي لا زوج لها، فعلُ كلِّ من ذكرنا في أموالهم من عتق، أو هبة، أو بيع أو غير ذلك نافذ إذا وافق الحقَّ من الواجب أو المباح، ومردود فعل كلِّ أحد في ماله إذا خالف المباح أو الواجب، ولا فرق ولا اعتراض لأب ولا لزوج ولا

стр. 446

لحاكم في شيء من ذلك إلاّ ما كان معصية لله تعالى فهو باطل مردود"١.

стр. 447

المبحث الرَّابع: الولاية في النّكاح على السفيه إنَّ الولاية في النِّكاح على السفيه خاصّة بالسّفيه المحجور عليه في ماله، وثبوتها عليه في النّكاح فرع عن ثبوتها عليه في ماله. فإن كان المحجور عليه في ماله أنثى فقد سبق في الولاية على الأنثى الحرة المكلّفة الرشيدة ما يغنينا عن إعادتها هنا. وأمَّا إن كان ذكرًا بالغًا فخلاصة القول في ثبوت الولاية عليه هنا في ثلاث نقاط: أوّلها: من هو وليّه في النكاح؟ وثانيها: حكم تزويجه نفسه بغير إذن وليّه. وثالثها: حكم تزويج وليّه له بغير إذنه. فأما من هو وليّه في النكاح؟ فهو في الجملة وليّه في المال عند من أثبت الحجر عليه فيه. ولا يخلو من أحد حالين هما: إما أن يكون قد بلغ سفيهًا، فهذا وليّه أبوه، ثم وصيّه، ثم الحاكم عند المالكية، والحنابلة، وعند الشافعية أبوه، ثم جده، ثم الحاكم١.

стр. 448

وأمّا إن كان قد بلغ رشيدًا ثم طرأ عليه السفه فوليّه الحاكم عندهم جميعًا؛ لأنَّه لا يثبت عليه الحجر هنا إلاّ بحكم الحاكم، ولا ينفكُّ عنه إلاّ بحكمه١. وأمَّا إنكاح السفيه لنفسه فلا يخلو من أحد أمرين وهما: أوّلاً: أن يكون بإذن وليّه، فهذا نكاح صحيح عند الفقهاء جميعًا. ثانيًا: ألاَّ يكون بإذن وليّه، ففي صحّته المذاهب الأربعة التالية: ١- صحّة ذلك مطلقًا. وهذا قول كلِّ من لا يرى حجرًا عليه في ماله كأبي حنيفة، وابن حزم الظاهري. وهو ظاهر قول أبي يوسف، ومحمد، كما في (الهداية٢) ، بل نبّه صاحب تكملة (فتح القدير) على

стр. 449

اتفاقهم عليه١، ونقل عن الإمام أحمد ﵀ الإشارة إليه، ولكن حمله بعض أصحابه على ما إذا كان السفيه محتاجًا إلى النِّكاح وامتنع وليّه من ذلك٢. ٢- أنَّه باطل ويفرّق بينهما، وهذا مذهب الشافعية، وقيّده بعضهم بأنَّ محلّه إذا لم ينته إلى خوف العنت، وإلاّ فيصح نكاحه كالمرأة في المفازة لا تجد وليًّا٣. ٣- يصحُّ بإجازة الوليّ، فإن لم يجزه فسخ العقد، إلاّ أنه يتعيّن أن يكون الفسخ فيه للمصلحة، وهذا مذهب المالكية٤. ٤- إن كان السفيه محتاجًا إلى النكاح صحًّ تزويجه بدون إذن وليّه، وإن لم يكن محتاجًا إليه فلا يصحُّ إلاّ بإذن الوليّ. وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة كما نص عليه في (الإنصاف) ٥. وقال ابن قدامة في (المغني) - في كتاب الحجر- في توجيه صحته مع الحاجة: "لأنَّه عقد غير ماليّ، فصحّ منه كخلعه وطلاقه وإن لزم منه المال،

стр. 450

فحصوله بطريق الضمن، فلا يمنع من العقد كما لو لزم ذلك من الطلاق"١ اهـ. وقال في كتاب النِّكاح: "إذا احتاج إلى النِّكاح فحقّه متعيّن فيه، فصح استيفاؤه منه بنفسه، كما لو استوفى دينه الحالّ عند امتناع وليّه من استيفائه، فأمَّا إن تزوَّج من غير حاجة فلا يصحُّ"٢ اهـ. هذه خلاصة مذاهب الفقهاء في تزويج السفهاء أنفسهم بغير إذن أوليائهم، وسيأتي بيان الرَّاجح بعد المسألة التَّالية وهي: ما إذا عقد الوليّ النكاح للسفيه بدون إذنه؟ ففي اشتراط إذن السفيه قولان عند كلٍّ من المالكية والشافعية والحنابلة. فعند المالكية: قولان مشهوران في الإجبار أو عدمه، وتوجيه عدم الإجبار عندهم للزوم طلاقه، والصداق، أو نصفه بدون فائدة، وقيّد بعضهم الخلاف في إجباره بما إذا لم يخف عليه الزنى ولم يترتَّب على تزويجه مفسدة، فإن خيف عليه الزِّنى أجبر قطعًا، وإن ترتّب على الزَّواج مفسدة لم يجبر قطعًا٣.

стр. 451

وعند الشافعية قولان أيضًا: أصحهما اشتراط إذنه؛ لأنَّه حرّ، مكلّف، صحيح العبارة، وإنَّما حجر عليه حفظًا لماله، وقد زال المانع بالإذن١. والثَّاني: لا يشترط إذن السفيه؛ لأنَّ النِّكاح من مصلحته، وعلى الوليّ رعايتها، فإذا عرف حاجته زوّجه، كما يكسوه ويطعمه٢. وتزويج الوليّ للسفيه مقيّد عند أكثرهم بالحاجة، وإلاّ فهو إتلاف لماله بلا فائدة، وبنوا على هذا أنّه: لا يزوَّج إلاّ واحدة كالمجنون٣. وأمّا الحنابلة فعندهم قولان أيضًا: أوّلهما: للوليّ تزويج السفيه بغير إذنه إذا كان محتاجًا إليه على الصحيح من المذهب، كما في (الإنصاف) ٤.

стр. 452

وقال ابن قدامة في المغني: "لأنَّه نصب لمصالحه، وهذا من مصالحه؛ لأنه يصون به دينه، وعرضه، ونفسه، فإنَّه ربّما تعرَّض بترك التزويج للإثم بالزِّنى والحدّ، وهتك العرض، وسواء علم بحاجته بقوله أم بغير قوله، وسواء كانت حاجته للاستمتاع، أو إلى الخدمة، فيزوّجه امرأة تحلُّ له، لأنَّه يحتاج إلى الخلوة بها، وإن لم يكن به حاجة إليه لم يجز تزويجه؛ لأنه يلزمه بالنكاح حقوقًا من المهر، والنفقة، والعشرة، والمبيت السكني، فيكون تضييعاً لماله، ونفسه في غير فائدة. فلم يجز كتبذيره ماله". اهـ١. وثانيهما: أنَّه ليس له ذلك. قال (صاحب الإنصاف) : اختاره المصنّف والشارح٢. ولكن عبارة المصنّف والشارح التي أشار إليها ليست نصّاً في ذلك، بل هي محتملة ونصّها من المغني: "فإن زوجه بغير إذنه فقال أصحابنا: يصحُّ؛ لأنَّه عقد معاوضة فملكه الوليّ في حق المَوْلِيِّ عليه كالبيع، ولأنَّه محجور عليه أشبه الصغير والمجنون. ويحتمل: أن لا يملك تزويجه بغير إذنه، لأنَّه يملك الطلاق فلم يجبر على النكاح كالرشيد والعبد الكبير، وذلك لأنَّ إجباره على النكاح مع ملك الطلاق مجرَّد إضرار، لأنَّه يطلق فيلزمه الصداق مع فوات النكاح، ولأنَّه قد يكون له غرض في امرأة ولا يكون

стр. 453

له في أخرى، فإذا أجبر على من يكرهها لم تحصل له المصلحة منها، وفات عليه غرضه من الأخرى، فيحصل مجرَّد ضرر مستغنى عنه، وإنّما جاز ذلك في حقّ المجنون، والطفل، لعدم إمكان الوصول إلى ذلك من قولهما، ولم يتعذّر ذلك ههنا، فوجب أن لا يفوت عليه كالرشيد". انتهى من المغني وتابعه الشارح نصًّا١. الرّاجح: بتأمل ما سبق ذكره من أقوال الفقهاء في الولاية على السفيه في النكاح، تبعًا للحجر عليه في ماله، يظهر لي- والله أعلم-: أنّه لا ولاية في النكاح على حرٍّ، بالغ، عاقل، وإن كان لا يحسن التصرُّف في ماله، سواء قيل بالحجر عليه في ماله أم لم يقل به، وذلك: أنَّ السفيه- وهو هنا المحجور عليه في ماله لعدم حسن تصرفه فيه- حرّ مكلّف، له عبارة صحيحة في النكاح، والنكاح من أجلّ مصالحه التي أباحها الله له، فلا يمنع من تحصيلها بنفسه ما لم يقم دليل على منعه منه، وأمّا الأصل المقيس عليه وهو الحجر في المال فمختلف فيه، وعلى القول به فالنكاح عقد غير ماليّ وما يلزم من المال بعقد النِّكاح فهو ليس مقصودًا لذاته، وإنما يلزم ضمناً، كما يلزم المهر، أو نصفه بطلاقه، وقد قالوا بصحة طلاقه مع ما يلزمه من المال، فوجب القول بصحة نكاحه، مع أنَّ الحجر عليه في ماله لا يرفع

стр. 454

أهليَّته حقيقة؛ بدليل الاتفاق على صحّة نكاحه قبل الحجر عليه، وعلى صحته بعد الحجر عليه بإذن وليّه، فأيّ أهليّة أزالها عنه الحجر عليه؟ وأيّ أهليّة استفادها بإذن وليّه مع قيام الحجر عليه؟ والله تعالى أعلم.

стр. 455

المجلد الثاني الفصل السّابع: الولاية في النكاح على الأرقّاء المبحث الأول: ثبوت الولاية في النكاح عليهم . إنّ الرّق سبب لثبوت ولاية المالك على مملوكه إجماعًا، سواء أكان المملوك ذكرًا أم أنثى، صغيرًا أم كبيرًا، وقد دلّ على ثبوت الولاية في النِّكاح على الأرقّاء كلٌّ من الكتاب، والسنة، والمعقول، والإجماع. أ- فأمّا الدليل على ذلك من الكتاب فهو: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١. فقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم﴾ خطاب للأسياد المالكين، لتزويج عبيدهم وإمائهم، كما أنَّ صدر الآية خطاب للأولياء بتزويج مولياتهم الحرائر٢. ثانيًا: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن﴾ ٣. فقد دلّت هذه الآية على أنَّ نكاح الإماء مشروط بإذن أهلهنَّ، أي أربابهنَّ المالكين لهنَّ، وهذه الآية وإن كانت في تزويج الإماء خاصّة إلاّ أن

стр. 456

حكمها شامل للعبيد الذكور أيضًا للآية السابقة، وللحديث الآتي مع وجود السبب، وهو الرّق فيهما١. ب- وأمَّا الدَّليل من السُّنَّة فهو: أوّلاً: ما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل٢ عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيّما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر". رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدرامي وعبد الرزاق والحاكم والبيهقي والطيالسي وغيرهم. ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر بدل جابر وقيل صوابه: عن جابر كرواية غيره٣. والله أعلم.

стр. 457

قال الترمذي- ﵀: والعمل علي هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم أنَّ نكاح العبد بغير إذن سيده لا يجوز، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما" اهـ١. ثانياً: ما رواه نافع عن ابن عمر ﵄ أنَّ النّبي ﷺ قال: "إذا نكح العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل". رواه أبو داود، وابن ماجه.

стр. 458

ورواه أيضًا الدارمي من طريق ابن ماجه، والبيهقي من طريق أبي داود. والصحيح وقفه على ابن عمر، كما قاله أبو داود وغيره، وأمَّا المرفوع فهو ضعيف١. ج- وأمَّا الدَّليل من الآثار المروية عن الصحابة: فمنها ما روى عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄: ١- فأمَّا عمر بن الخطاب فقد أخرج عبد الرزاق في مصنّفه عن الثوري، عن رجل كان أجيرًا لسالم بن عبد الله. عن سالم قال: قال عمر ابن الخطاب: إذا نكح العبد بغير إذن مواليه فنكاحه حرام، وإذا نكح بإذن مواليه فالطلاق بيد من يستحلُّ الفرج" أهـ٢. ولكن في إسناد هذا الأثر الرجل المجهول، وهو أجير سالم. والله أعلم.

стр. 459

٢- وأمَّا ما روى عن ابن عمر ﵁ فقد تقدّم قريبًا ما قيل في حديثه المرفوع من أنَّ الصحيح وقفه عليه. ومن ذلك أيضًا: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الله بن عمر١ عن نافع "أنَّ ابن عمر ضرب غلامًا له الحدّ، تزوَّج بغير إذنه، وفرَّق بينهما"٢. ومن طريق آخر: عن معمر٣ عن أيوب٤. عن نافع "أنَّ ابن عمر وجد عبدًا له نكح بغير إذنه، ففرَّق بينهما، وأبطل صداقه، وضربه حدًّا"٥. وقال أيضًا: أخبرني موسى بن عقبه٦ عن نافع "أنَّ ابن عمر كان

стр. 460

يرى نكاح العبد بغير إذن سيده زنى، ويرى الحدَّ عليه، وعلى التي نكح إذا أصابها، إذا علمت أنَّه عبد، ويعاقب الذين أنكحوه"١. وقد ذكر هذه الآثار ابن حزم في المحلَّى من طريق عبد الرزاق. وزاد عليها من طريق حماد بن سلمه٢ عن أيوب السَّخْتِياني عن نافع عن ابن عمر قال: "إذا تزوّج العبد بغير إذن سيِّده جلد الحدّ، وفرِّق بينهما، وردّ المهر إلى مولاه، وعزّر الشهود الذين زوَّجوه" ثم قال: وهذا مسند في غاية الصحة عن ابن عمر ﵄" اهـ٣. د- وأمّا دليله من المعقول: فإن كلاً من العبد والأمة مملوك رقبة ومنفعة لسيِّده، وللمالك التصرّف في ملكه بما يصلحه، والنِّكاح من جملة تلك المصالح. والله أعلم. هـ- وأمَّا الإجماع: فقد قال القرطبي: "أجمع علماء المسلمين على أنَّه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيِّده"٤.
следующие страницы →