← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حكمها شامل للعبيد الذكور أيضًا للآية السابقة، وللحديث الآتي مع وجود السبب، وهو الرّق فيهما١. ب- وأمَّا الدَّليل من السُّنَّة فهو: أوّلاً: ما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل٢ عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيّما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر". رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدرامي وعبد الرزاق والحاكم والبيهقي والطيالسي وغيرهم. ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر بدل جابر وقيل صوابه: عن جابر كرواية غيره٣. والله أعلم.

стр. 457

قال الترمذي- ﵀: والعمل علي هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم أنَّ نكاح العبد بغير إذن سيده لا يجوز، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما" اهـ١. ثانياً: ما رواه نافع عن ابن عمر ﵄ أنَّ النّبي ﷺ قال: "إذا نكح العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل". رواه أبو داود، وابن ماجه.

стр. 458

ورواه أيضًا الدارمي من طريق ابن ماجه، والبيهقي من طريق أبي داود. والصحيح وقفه على ابن عمر، كما قاله أبو داود وغيره، وأمَّا المرفوع فهو ضعيف١. ج- وأمَّا الدَّليل من الآثار المروية عن الصحابة: فمنها ما روى عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄: ١- فأمَّا عمر بن الخطاب فقد أخرج عبد الرزاق في مصنّفه عن الثوري، عن رجل كان أجيرًا لسالم بن عبد الله. عن سالم قال: قال عمر ابن الخطاب: إذا نكح العبد بغير إذن مواليه فنكاحه حرام، وإذا نكح بإذن مواليه فالطلاق بيد من يستحلُّ الفرج" أهـ٢. ولكن في إسناد هذا الأثر الرجل المجهول، وهو أجير سالم. والله أعلم.

стр. 459

٢- وأمَّا ما روى عن ابن عمر ﵁ فقد تقدّم قريبًا ما قيل في حديثه المرفوع من أنَّ الصحيح وقفه عليه. ومن ذلك أيضًا: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الله بن عمر١ عن نافع "أنَّ ابن عمر ضرب غلامًا له الحدّ، تزوَّج بغير إذنه، وفرَّق بينهما"٢. ومن طريق آخر: عن معمر٣ عن أيوب٤. عن نافع "أنَّ ابن عمر وجد عبدًا له نكح بغير إذنه، ففرَّق بينهما، وأبطل صداقه، وضربه حدًّا"٥. وقال أيضًا: أخبرني موسى بن عقبه٦ عن نافع "أنَّ ابن عمر كان

стр. 460

يرى نكاح العبد بغير إذن سيده زنى، ويرى الحدَّ عليه، وعلى التي نكح إذا أصابها، إذا علمت أنَّه عبد، ويعاقب الذين أنكحوه"١. وقد ذكر هذه الآثار ابن حزم في المحلَّى من طريق عبد الرزاق. وزاد عليها من طريق حماد بن سلمه٢ عن أيوب السَّخْتِياني عن نافع عن ابن عمر قال: "إذا تزوّج العبد بغير إذن سيِّده جلد الحدّ، وفرِّق بينهما، وردّ المهر إلى مولاه، وعزّر الشهود الذين زوَّجوه" ثم قال: وهذا مسند في غاية الصحة عن ابن عمر ﵄" اهـ٣. د- وأمّا دليله من المعقول: فإن كلاً من العبد والأمة مملوك رقبة ومنفعة لسيِّده، وللمالك التصرّف في ملكه بما يصلحه، والنِّكاح من جملة تلك المصالح. والله أعلم. هـ- وأمَّا الإجماع: فقد قال القرطبي: "أجمع علماء المسلمين على أنَّه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيِّده"٤.

стр. 461

وحكاه ابن قدامة أيضًا في العبد والأمة على السَّواء١. وإن كان كلام القرطبي شاملاً للذَّكر والأنثى؛ لأنَّ العبد اسم جنس للملوك. والله أعلم. ومحلُّ الإجماع على عدم الجواز إنَّما هو إذا لم يأذن له سيِّده أو يجيز. أمَّا مع الإذن أو الإجازة فسيأتي قريبًا ما فيه من الخلاف. والله أعلم.

стр. 462

المبحث الثَّاني: تزويج الأسياد أرقّاءهم إنّ الولاية في النكاح على العبيد والإماء هي لمالكيهم إجماعًا كما سبق، وإنّما يختلف الفقهاء هنا في صحَّة مباشرة المالك لنكاح عبيده وإمائه باعتبار ذكورة المالك وأنوثته. فإن كان المالك رجلاً: فلا خلاف بينهم في صحَّة مباشرته إنكاح عبيده وإمائه بنفسه، كما يصحُّ له إنكاح نفسه، وإنكاح موليّاته الحرائر. وأمَّا إن كان المالك امرأة: فقد اختلف الفقهاء في مباشرتها إنكاح عبيدها وإمائها بنفسها على قولين مبنيّين على ما سبق من الخلاف في صحَّة إنكاح الحرة المكلّفة نفسها. وقد تقدَّم أنَّ مذهب الجمهور هو إثبات الولاية، في النِّكاح على النِّساء مطلقًا، وعلى هذا فلا عبارة للنِّساء في عقود الأنكحة لا لأنفسهنَّ، ولا لغيرهنَّ. وأمَّا المشهور من مذهب الحنفية فهو أنَّ للنِّساء عبارة صحيحة في النكاح، وإن كان تزويجها لنفسها هو خلاف الأولى، ويثبت للأولياء حقُّ الفسخ حينئذ إن لم يكن الزوج لها كفؤًا، على المشهور من مذهب أبي حنيفة، ﵀، - وأنَّ محمد بن الحسن وأبا يوسف قالا: بصحَّته

стр. 463

موقوفًا على إجازة الوليّ، وأنَّ رواية الحسن عن أبى حنيفة صحته من الكفء لا من غيره، واختيرت للفتوى١. إلاّ أنَّ هذه الرِّوايات جميعها تتَّفق على صحَّة عبارة المرأة في النِّكاح، وعليه فالحرَّة المكلّفة لها أن تزوّج عبيدها وإماءها كالرَّجل. وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ ما يوافق هذا، قال ابن قدامة: بعد أن ذكر الروايتين في المذهب وهما: أنَّه يزوّج أمة المرأة وليُّ سيِّدتها أو وكيلها- قال: ونقل عن أحمد كلام يحتمل رواية ثالثة: وهو: أنَّ سيدتها تزوّجها؛ فإنّه قيل له: تزوّج أمتها؟ قال: "قد قيل ذلك، هي مالها" وهذا يحتمل أنّه ذهب إليه، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنّها مالكة لها وولايتها تامَّة عليها، فملكت تزويجها كالسيد، ولأنَّها تملك بيعها وإجارتها، فملكت تزويجها كسيِّدها، ولأنَّ الولاية إنّما تثبت على المرأة لتحصيل الكفاءة، وصيانة لحظ الأولياء في تحصيلها، فلا تثبت عليها الولاية في أمتها، لعدم اعتبار الكفاءة، وعدم الحقِّ للأولياء فيها. ويحتمل: أنَّ أحمد قال هذا حكاية لمذهب غيره، فإنَّه قال في سياقها: أحبّ إليّ أن تأمر زوجها؛ لأنَّ النِّساء لا يعقدن" اهـ٢.

стр. 464

وقد استدلَّ الحنفية لمذهبهم هذا في هذه المسألة خاصّة بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن﴾ ١. فقال أبو بكر الجصاص: "قوله تعالى: ﴿فانكحوهنَّ بإذن أهلهنّ﴾ يدلّ على أنَّ للمرأة أن تزوّج أمتها؛ لأنَّ قوله ﴿أهلهنّ﴾ المراد به المولى إذا كان بالغاً عاقلاً جائز التصرف في ماله. وقال الشافعي: لا يجوز للمرأة أن تزوّج أمتها وإنّما توكِّل٢ غيرها بالتزويج، وهذا قول يردّه ظاهر الكتاب؛ لأنّ الله تعالى لم يفرق بين عقدها التزويج، وبين عقد غيرها بإذنها، ويدلّ على أنّها إذا أذنت لامرأة أخرى في تزويجها أنّه جائز؛ لأنَّها تكون منكوحة بإذنها، وظاهر الآية مقتضٍ لجواز نكاحها بإذن مولاها، فإذا وكَّل مولاها أو مولاتها امرأة بتزويجها وجب أن يجوز ذلك؛ لأنَّ ظاهر الآية قد أجاز، ومن منع ذلك فإنّما خصَّ الآية بغير دلالة"٣. وقد تعقّبه الفخر الرازي في تفسيره- بعد أن ذكر معنى كلام الجصاص السابق- فقال والجواب من وجوه:

стр. 465

الأوّل: أنَّ المراد بالإذن: الرضى، وعندنا أن رضى المولى لا بدَّ منه" فأمَّا أنّه كاف فليس في الآية دليل عليه. وثانيها: أنَّ أهلهنّ عبارة عمن يقدر على نكاحهنّ، وذلك إما المولى إن كان رجلاً، أو وليّ مولاها إن كان مولاها امرأة. ثالثها: هب أنّ "الأهل" عبارة عن المولى، لكنه عام يتناول الذكور والإناث، والدلائل الدالة على أنَّ المرأة لا تنكح نفسها خاصة، قال ﵊ "العاهر التي تنكح نفسها"١. فثبت بهذا الحديث أنّه لا عبارة لها في نكاحها، فوجب ألا يكون لها عبارة في نكاح مملوكتها ضرورة أنَّه لا قائل بالفرق. والله أعلم" اهـ٢. وبهذا التعقيب من الفخر الرازي يظهر عدم نهوض استدلال الحنفية بالآية على إنكاح الحرة أمتها، وقد تقدَّم في فصل الولاية على الحرّة المكلّفة: أنَّه لم ينهض دليل على صحة إنكاحها نفسها، وهو الأصل المبني عليه هذا التفريع؛ ولهذا فالرَّاجح أنّه لا عبارة للمرأة في النكاح، حرّة أم أمة، لا لنفسها ولا لغيرها. والله أعلم.

стр. 466

وأمَّا من يزوّج أمة المرأة؟ فقد اختلف فيه الجمهور على قولين: أولهما: أنَّه يزوّج أمة الحرّة وليُّ الحرَّة في النِّكاح دون غيره، وإنّما يزوّجها بإذن سيدتها. وهذا مذهب الشافعية، والظاهرية، والصحيح من مذهب الحنابلة١. وحجَّتهم في هذا: عموم أدلّة الولاية على المرأة في النِّكاح، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ ٢. فقد استدلَّ بها ابن حزم على أن المخاطبين بإنكاح الأيامى الحرائر والعبيد والإماء هم الرجال دون النساء، وثبت أنَّ أولياء المرأة في النكاح هم عصبتها، فكذلك هم أولياء أمتها، حيث قال: "فصح يقينًا أنَّ المأمورين بإنكاح العبيد والإماء هم المأمورون بإنكاح الأيامى؛ لأنَّ الخطاب واحد، ونصُّ الآية يوجب أنَّ المأمورين بذلك الرجال في إنكاح الأيامى والعبيد، فصحَّ بهذا أنَّ المرأة لا تكون وليًّا في نكاح أحد أصلاً،

стр. 467

لكن لا بدّ من إذنها، وإلاّ فلا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ إلى قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن﴾ اهـ١. وأيضاً فالأصل في ولاية الأمة في النّكاح لمالكها، فامتنعت في حقِّ المرأة لأنوثتها، فثبتت لأوليائها كولاية نفسها في النِّكاح٢. وأيضًا فإنَّ أولياء سيِّدتها في النِّكاح هم أولياؤها بعد عتقها- إن لم يكن لها وليٌّ من النَّسب- ففي حال رقّها أولى٣. وثانيهما: أنّه يزوّج أمة الحرّة من تفوِّض الحرّة إليه ذلك، سواء أكان له الولاية على الحرّة في النّكاح أم ليس له ذلك. وهذا مذهب المالكية والقول الآخر عند الحنابلة٤. وحجَّتهم أنَّ سبب الولاية هنا الملك، وقد تحقّق في المرأة، وإنّما امتنعت المباشرة لنقص الأنوثة فملكت التوكيل كالمريض، والغائب٥.

стр. 468

والأظهر هو القول الأوّل: وهو أنه يزوّج الأمة من يزوّج سيِّدتها؛ وذلك لثلاثة أمور: ١- ما تقدَّم من أدلّة هذا القول. ٢- أنَّ عقد وليِّ سيِّدتها صحيح بالإجماع، وهو أحوط للأنكحة، بخلاف القول بالتوكيل ففيه خلاف. ٣- أنَّ الأصل في الوكيل أنَّه قائم مقام من وكَّله، فالقول بتوكيلها أجنبيًّا- بدون ضرورة- يخالف ما سبق من أنَّ الحرّة لا تملك تفويض نكاحها إلى غير وليّها. والله أعلم.

стр. 469

المبحث الثَّالث: تزويج الأرقّاء أنفسَهم إنّ إنكاح الأرقاء يختلف صحَّة وبطلانًا باعتبارين: أوّلهما: إذن المالك لمملوكه أو عدمه. ثانيهما: ذكورة المملوك أو أنوثته كما تقدَّم في المالك. وعلى هذا فالأمة لا تُنْكِح نفسها- عند الجمهور- مطلقًا، أذن لها وليُّها أم لم يأذن لها. فأمَّا مع الإذن؛ فلأنَّها امرأة؛ ولا ينعقد النكاح بعبارة المرأة، وأمَّا مع عدم الإذن؛ فلعموم أدلّة الولاية على المرأة في النّكاح مطلقًا. ولقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن﴾ ١ فهذا شرط في صحَّة النِّكاح، وأيّ مملوك نكح بدون إذن وليّه فنكاحه باطل؛ لا تلحقه الإجازة. وقال الحنفية: إن أذن لها مالكها، فنكاحها صحيح٢. وإن لم يأذن لها فهو موقوف على إجازة مالكها كعقد الفضولي٣. وروى عن الإمام مالك نحو قول الحنفية هذا إن لم تباشره الأمة بنفسها أو عقدته لها امرأة٤.

стр. 470

فأمّا صحَّته عند الحنفية بإذن مالكها فالأنَّ للمرأة عندهم عبارة صحيحة في النِّكاح. ولقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن﴾ . فإنَّ ظاهرها اشتراط إذن المالك، وإذا أذن المالك للأمة في إنكاحها نفسها، أو أذن لامرأة في إنكاح أمته فهو داخل في عموم الآية١. وقد ضعف الآلوسي وجهة الحنفية هذه فقال: "ادَّعى بعض الحنفية أنَّ الآية تدلُّ على أنَّ للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهنَّ؛ لأنّه اعتبر إذن الموالى لا عقدهم، واعترض بأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم؛ فلعلَّ العاقد يكون هو المولى، أو الوكيل، فلا يلزم جواز عقدهنّ كما لا يخفى" اهـ٢. وأمَّا صحَّة عقد الأمة بإجازة سيِّدها- عند الحنفية- فلأنَّه عقد صدر من أهله مضافًا إلى محلّه، ولا ضرر في انعقاده، فينعقد موقوفًا على إجازة المولى له أو ردّه٣. هذا خلاصة وجهة كلا الفريقين، وظاهر أنّ سبب الخلاف يرجع إلى أمرين: الأوّل: انعقاد النّكاح بعبارة النِّساء، وقد اخترنا أنّه لا يصحُّ.

стр. 471

الثَّاني: صحة النكاح بالإجازة. وهذا مبنى على صحَّة عقد الفضولي إذا أجازه المولى أو المالك، وفيه خلاف للفقهاء، وليس هذا موضع بيانه. والذي يظهر لي - والله أعلم -: أنَّ النِّكاح إذا صدر من غير وليٍّ أو مالك أو من يقوم مقامهما فهو باطل؛ لا يكون بالإجازة صحيحاً؛ لأن غير أولئك لا حقَّ لهم في عقدة النكاح أصلاً، فتقع تصرفاتهم في حقِّ غيرهم لغوًا، كما هو مذهب الشافعي ﵀، وقد تقدَّم الفرق بين عقد الوليِّ وعقد الفضوليِّ، في مسألة إذا أنكح الوليُّ من يعتبر إذنها بغير إذنها١. والله أعلم. وأمَّا إنكاح العبد نفسه فقد أجمع العلماء على صحَّة إنكاحه نفسه بإذن سيِّده٢. وعلى أنَّه لا ينفذ له نكاح بغير إذن سيِّده٣ وذلك لما رواه جابر عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أيُّما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر"٤. وكذلك ما روي عن ابن عمر ﵁ مرفوعاً "إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل" ٥. فإنَّ مفهوم هذين الحديثين صحَّة نكاحه بنفسه إذا أذن له مولاه.

стр. 472

وأيضًا فإنَّ العبد مكلّف، يصحّ طلاقه، وله عبارة صحيحة في النِّكاح، وإنّما منع لحق سيِّده، فإذا أذن له سيِّده جاز له ذلك، كالحرِّ١. وأمَّا إن لم يأذن له مولاه فقد اختلف الفقهاء في صحَّة نكاحه على ثلاثة أقوال: الأوّل: أنَّ نكاح العبد بغير إذن سيِّده باطل، ولا يصح بإجازة السيِّد. وهذا مذهب الشافعية، وأظهر الروايتين عن الحنابلة، وبه قال ابن حزم الظاهري٢. الثَّاني: أنَّه موقوف على إجازة السيِّد. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والرِّواية الثَّانية عن الإمام أحمد٣.

стр. 473

الثَّالث: أنَّه صحيح. وهذا القول قد عزاه بعض شراح الحديث لداود الظاهري١. الأدلّة: فأمّا من أبطل نكاح العبد بغير إذن سيِّده ولم ير جوازه بالإجازة فقد استدلّ بما يلي: ١- حديث جابر المتقدم: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أيُّما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر"٢. فقالوا: لقد حكم هذا الحديث على العبد إذا نكح بغير إذن سيِّده أنّه عاهر، والعاهر الزَّاني، والزِّنى باطل، وإذا وقع العقد باطلاً لم يكن بالإجازة صحيحاً٣. وقد أجيب عنه: بأنّه يكون عاهرًا إذا لم تحصل الإجازة، كما أنَّ تسميته عاهرًا مجاز لا حقيقة؟ بدليل أنّه لا يرجم إذا زنى، ولا يكون عاهرًا بمجرَّد العقد٤.

стр. 474

إلاّ أنَّ القول بالإجازة لا تلزم الشَّافعي ومن وافقه، ممن لا يقول بالإجازة أصلاً، مع أنَّ الإجازة خلاف ظاهر الحديث١. وأمّا أنّ العبد لا يرجم إذا زنى؛ فلدليل آخر، وأمَّا أنه لا يسمّى عاهرًا إذا لم يطأ، فذلك ليس دليلاً على صحَّة عقده، وأمّا إذا وطئ ففي تسميته زانيًا خلاف، وإسقاط الحدّ عنه - عند من قال إنّه زان - للشبهة، كالجهل بالحكم ونحوه، وممن قال بأنّ العبد إذا نكح بغير إذن سيِّده زان، ابن عمر ﵁، وقال به من الفقهاء أبو ثور، وابن حزم وغيرهما٢. ٢- حديث ابن عمر السابق "إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل" فهذا الحديث- إنَّ صحّ رفعه فهو مفسِّر لحديث جابر ﵁، وصريح في إبطال نكاح العبد بغير إذن سيِّده. وأمّا إن كان موقوفًا على ابن عمر ﵁ أي من قوله- فإنَّ له حكم الرَّفع؛ إذ إنَّ مثله لا يقال بالاجتهاد، وقد اشتهر عن ابن عمر ﵁ أنّه يرى أنَّ نكاح العبد بغير إذن سيِّده زنى، وأنَّه يحدُّ فيه كما تقدَّم٣.

стр. 475

وأمّا من جعل نكاح العبد بغير إذن سيِّده موقوفًا على إجازة السيِّد - وهم الحنفية والمالكية - فهذا بناء على صحَّة النِّكاح بالإجازة. وهذا ظاهر على أصل مذهب الحنفية في إجازة عقد الفضولي إذا كان للعقد مجيز، وحجَّتهم في ذلك: أنَّه عقد صدر من أهله مضافًا إلى محلّه، ولا ضرر في انعقاده، فينعقد موقوفاً حتى إذا رأى المجيز المصلحة فيه نفذه١، وقياسًا على صحَّة إجازة المرأة نكاحها إذا زوّجها وليّها بغير إذنها، كما جاء في حديث الفتاة التي زوّجها أبوها وهي كارهة، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم: أللنِّساء من الأمر شيء أم لا؟ ٢. وقد تقدَّم تخريجه٣ وأمّا المالكيَّة فقد قال الباجي في توجيه مذهبهم هذا: لأنّه عقد باشره من يصحُّ عقده، وإنّما فيه الخيار للسيِّد؛ لتعلُّق حقّه بمنافعه، والخيار إذا ثبت بالشرع دون الشرط لم يمنع صحَّة النِّكاح، كخيار الرَّد بالعُنّة والجذام، والبرص، والجنون"٤. وقد أشار بعض الفقهاء إلى أنَّ هناك فرقًا بين مذهب الحنفية والمالكيَّة في هذه المسألة وهو: أنَّ عقد العبد بغير إذن مولاه غير نافذ عند

стр. 476

الحنفية، ولكنَّه عقد نافذ عند المالكيَّة؛ ولذلك يحتاج إلى الفسخ بطلقة عند المالكيَّة دون الحنفية١. وهذا فرقٌ مهمٌّ ينبغي ملاحظته في كلِّ ما يشبه هذه المسألة؛ فإنَّ المالكيَّة يستعملون عبارة الخيار والفسخ كثيرًا في المسائل التي يستعمل فيها الحنفية عبارة الوقف والإجازة. والله أعلم. وأمّا ما نُسِب٢ إلى داود الظاهري من أنَّ نكاح العبد بغير إذن سيِّده صحيح. فقيل: هذا بناء على أصله وهو: أنَّ النِّكاح فرض عين - عنده- وفروض العين لا تفتقر إلى الإذن. قال الشَّوكاني: "وهو قياس في مقابلة النَّصِّ"٣. واعتذر له الصنعاني في سبل السلام بأنَّه ربَّما لم يثبت لديه الحديث"٤.

стр. 477

هذا خلاصة ما قيل في توجيه مذاهب الفقهاء في نكاح العبد بغير إذن سيِّده. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ أرجحها هو القول الأوّل: وهو أنََّّ نكاح العبد بغير إذن سيِّده باطل؛ لا تلحقه الإجازة. وأمّا قياسه على خيار الفسخ بالعيب، فهو قياس مع النَّصِّ، ومثله فاسد الاعتبار. وأمّا قياسه على عقد الفضولي، فالخلاف في صحَّته مشهور، وقد اخترنا أنَّ أيّ نكاح لم يعقده الوليّ أو المالك، أو من يقوم مقامهما فهو باطل، لا يكون بالإجازة صحيحاً. وأمّا قياسه على إجازة المرأة لنكاح عقده وليّها بدون إذنها، فهو قياس مع الفارق بين نكاح عقده من يملك عقدته وبين نكاح عقده من ليس له حقّ في عقده، كما تقدَّم بيان ذلك في مسألة "إذا أنكحت المرأة المعتبر إذنها بغير إذنها"١. والله أعلم.

стр. 478

المبحث الرّابع: إجبار الأرقّاء على النّكاح لقد تقدَّم أنَّ الولاية في النّكاح علي الأرقاء ثابتة عليهم لمالكيهم إجماعًا. ولكن هل للمالكين إجبار أرقّائهم على النِّكاح بدون رضاهم؟ إليك تفصيل ذلك: أمّا الأمة: ففي إجبارها قولان: الأوّل: صحَّة إجبارها على النكاح مطلقاً. وهذا مذهب جمهور العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرها١. الثَّاني: عدم إجبارها. وهو مذهب ابن حزم الظاهري٢، ورواية

стр. 479

عن الإمام أحمد في الأمة العاقلة الكبيرة١. وأمّا إن كان المملوك عبدًا، فإمّا أن يكون كبيرًا، أو صغيرًا، عاقلاً أو مجنونًا. فأمّا إن كان صغيرًا أو مجنوناً ففي إجباره قولان للعلماء أيضًا: الأوّل: إجباره مطلقًا. وهو مذهب الجمهور٢. الثَّاني: عدم إجباره. وهو مذهب ابن حزم الظاهري، وقول لبعض الحنابلة في الصغير العاقل المميّز٣. وأمّا إن كان العبد كبيرًا عاقلاً ففي إجباره قولان مشهوران للفقهاء أيضًا: أوّلهما: إجباره مطلقًا. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ووجه للشافعية وقول للحنابلة٤. ثانيهما: عدم إجباره مطلقًا. وهو أصحّ الوجهين عند الشافعية، ومذهب الحنابلة وابن حزم الظاهري، ورواية عن أبي حنيفة وأبي سف٥.

стр. 480

فتلخَّص مما سبق أنَّ مذاهب الفقهاء في إجبار الأرقّاء ثلاثة مذاهب: الأوّل: إجبار العبد والأمة على السَّواء. الثَّاني: عدم إجبارهما على السَّواء. الثَّالث: التفصيل: إمّا باعتبار الذكورة والأنوثة في المملوك، أو باعتبار صغره وكبره، أو عقله وجنونه، وإليك وجهة نظر تلك الأقوال: أ- أدلّة من قال بإجبار العبيد والإماء على السَّواء: استدلّ من قال بإجبار العبيد والإماء على السَّواء بما يلي: أوّلاً: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١. فهذا أمر للأسياد بتزويج عبيدهم وإمائهم، ولو لم يكن لهم ذلك لما أُمِروا به، مع وروده مطلقًا عن شرط الرِّضى٢، مع أنَّ قرينة ذكر العبيد

стр. 481

مع الإماء دليل على أنَّهما في الحكم سواء، فكلُّ من قال بإجبار الأمة لزمه القول بإجبار العبد أيضًا١. ولكن لا يخفى أنَّ هذا الاستدلال غير ناهض على ما ذكر؛ فإنَّ أمر الأسياد بتزويج عبيدهم وإمائهم مع وروده خال من شرط الرِّضى لا يلزم منه نفي الرِّضى وإثبات حقٍّ للأسياد في الإجبار، بل إنَّما تدلّ الآية على أنَّ للأسياد تزويج مماليكهم، ولا تلازم بين ثبوت أصل الولاية، وثبوت الإجبار، وإلاّ للزم أن يستدلَّ بالآية على إجبار الأيامى الحرائر مطلقًا ثيباتٍ أو أبكارًا، وسواء أكان أولياؤهنَّ آباءً أم غيرهم؛ لأنَّ الخطاب واحد فيهما، إلاّ أن يقال: إنَّ السنّة وردت بالنهي عن إنكاح الحرائر بدون إذنهنَّ بخلاف الأرقاء، ومع هذا فإنَّ ملك عقدة النكاح غير ملك الإجبار عليه. والله أعلم. ثانيًا: واستدلُّوا أيضًا على إجبار العبيد والإماء مطلقًا بأنَّهما ملك للسيِّد، وللمالك أن يتصرَّف في ملكه بما يصلحه، وفي تزويجهما تحصيل لمصلحتهما في النِّكاح، وإصلاح لملكه بإعفافهما عن الزِّنى الذي يتسبَّب في إقامة الحدّ عليهما ونقص قيمتهما٢.

стр. 482

ثالثاً: أنَّ للمالك بيعهما وإجارتهما بدون إذنهما، فجاز له تزويجهما كذلك بدون إذنهما١. ب- وأمَّا من قال بعدم إجبارهما مطلقاً: وهو ابن حزم الظاهري، فاستدلَّ بما يلي: أوّلاً: قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْهَا﴾ ٢. ثانيًا: قوله ﷺ : "لا تُنْكَح الأيّم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تُستأذن" ٣ بدون تفريق بين حرَّة وأمة٤. ولكن لا يخفى أنّ عموم الآية بعيد كلَّ البعد عن شموله لمسألتنا هذه، فهي في كسب المعاصي والذنوب، فكلُّ نفس تؤاخذ بذنبها، ولا تؤاخذ بما يقترفه غيرها. والله أعلم. وأمّا الحديث فلو صحّ الاستدلال به لكان خاصَّا بالإماء دون العبيد، مع ما في شموله للإماء من بعد أيضًا، فإنَّ الظاهر أنّه خاصٌّ بالحرائر دون الإماء. وأمَّا ما روى عن الإمام أحمد من عدم إجبار الأمة الكبيرة العاقلة، فقد قيل في توجيه هذه الرواية: إنّه بناء على أنَّ البُضْع ليس بمال فيدخل

стр. 483

تحت ملك السيِّد١. ولكنَّ في هذا الاستدلال نظر سيأتي بحثه قريبًا إن شاء الله تعالى. ج- وأمَّا من قال بإجبار الأمة دون العبد: فذلك لأنَّ العبد يملك الطلاق، فلا فائدة في إجباره على النكاح حينئذ؛ إذ لا يؤمن أن يطلق من ساعته، ولأنَّ النكاح خالص حقّه، ونفعه راجع إليه مع إلزام ذمّته مالاً. وهذا بخلاف الأمة، فإنَّها لا تملك الطلاق، ويملك سيِّدها الاستمتاع بها، ويملِّكها غيره بالهبة، والبيع، ونحوه، كما أنَّ السيِّد ينتفع بتزويجها بما يحصل له من مهرها، وولدها، وسقوط نفقتها عنه، وهذا بخلاف العبد في جميع ما مرّ٢. ونوقش هذا: بأنَّ ملك العبد طلاق زوجته مختلف فيه، فقد قيل: إنَّه بيد السيِّد٣. مع أنَّ الظاهر أنَّ حشمة سيِّده تمنعه من إيقاع الطلاق٤. وأمَّا أنَّ النكاح خالص حقِّ العبد ونفعه راجع إليه فغير مسلَّم أيضًا؛ فإنَّ للسيِّد أن يتصرَّف في ملكه بما يصلحه، وفي تزويجه عبده إعفاف وصيانة له عن أسباب الهلاك أو نقصان قيمته٥.

стр. 484

أمَّا ما قيل من ملك السيِّد بُضْع أمته بخلاف العبد، ففيه: أنَّه لا تأثير لملك البُضْع أصلاً في تزويج الأرقاء، وإنَّما العبرة بملك الرَّقبة، فالسيِّد يزوّج أمته بملكه رقبتها لا بملكه بُضْعها، وكذلك العبد؛ بدليل أنَّ الرجل يملك بُضْع امرأته، ولا يملِّكه غيره، ولا يملك بُضْع ابنته، ويملِّكه غيره بالزَّواج، فليس لملك البُضْع تأثير في التزويج لا طرداً ولا عكسًا١. والله أعلم. وأمَّا من قال: بإجبار العبد المجنون، والصغير، دون العاقل الكبير، فقياساً على الحرّ الصغير، أو المجنون، بل هو أولى؛ لتمام ولايته عليه، وملكه له٢. وأمَّا من استثنى الصغير العاقل المراهق فقال لا يجبر؛ فذلك لأنّه يملك- عندهم- الطلاق كالعبد العاقل الكبير، والحرّ، والمراهق٣. والله أعلم. الرّاجح: والذي يظهر لي مما تقدَّم- والله أعلم-: أنّ للمالك في ملكه تصرُّفًا بالمصلحة غير موقوف على إذن غيره، وأنَّ ولاية المالك على مماليكه في النكاح وغيره تخالف ولاية الوليِّ على الحرائر، إلاّ أنَّنا رأينا أنَّ العبد ينكح

стр. 485

فيطلق، ومن قال: إنَّ الذي يطلق سيِّده لا يعوّل عليه، والقول بأنَّ حشمة سيِّده تمنعه من إيقاع الطلاق غير ظاهر مع الإكراه، بل الظاهر خلافه. وعلى هذا فالقول بإجبار العبد الذي يملك الطلاق قول عديم الجدوى. وأمَّا الأمة: فقد رأينا أنَّ لسيِّدها أن يستمتع بها بدون إذنها، وأنَّ لمالكها أن يبيعها، أو يهبها بدون إذنها، فيستحلّ منها مالكها الجديد ما كان يستحلّه منها مالكها الأوّل من الاستمتاع الذي هو أهم مقاصد تزويجها، وعلى هذا فالقول بعدم إجبارها قول فيه ضعف، مع أنَّ الاستمتاع بها عن طريق النكاح أكرم لها منه بطريق البيع ونحوه، وعلى هذا فالقول بإجبار الأمة دون العبد هو الأولى بالرُّجحان إن شاء الله تعالى، لكن من الإحسان الذي كتبه الله على كلِّ شيء أن يحسن إلى إمائه في نكاحهنَّ وجميع أمورهنّ، وألاّ يضعهنّ موضعًا يُسْأل عنه، فإنَّه راع، وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته. والله أعلم.

стр. 486

المبحث الخامس: خيار الأمة إذا عَتَقَتْ تحت زوج إذا كان للأمة زوج فعتقت تحته فهو إمَّا أن يكون عبدًا أو حرّاً حينذاك. فإن كان عبدًا فقد أجمع أهل العلم على ثبوت حقِّها في الخيار؛ فإن شاءت فسخت نكاحها منه، وإن شاءت بقيت على ما كانت عليه، فإذا اختارت البقاء معه لم يكن لها بعد ذلك حقّ في الفسخ؛ لأنّها أسقطت حقّها بنفسها. والأصل في ثبوت الخيار للأمة حديث (بَرِيرَة) الصحيح، المشهور، حيث كانت أمة فأعتقت فخيّرها رسول الله ﷺ في زوجها فاختارت نفسها١. فقد قالت عائشة ﵂: كان في بَرِيرَة٢ ثلاث سنن: عتقت فخيّرت، وقال رسول الله ﷺ : "الولاء لمن أعتق"، ودخل

стр. 487

رسول الله ﷺ وبُرْمَة على النَّار فقرّب إليه خبز وأُدْمٍ١ من أُدْمِ البيت فقال: ألم أر البُرْمَة٢ على النَّار؟ فقيل: لحم تُصدِّق به على بَرِيرَة، وأنت لا تأكل الصدقة، قال: "هو عليها صدقة، ولنا هديّة". وهذا الحديث رواه الأئمة: ما لك، وأحمد، والستة، والدارمي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم٣ من طرق شتَّى وبألفاظ متقاربة تتَّفق

стр. 488

جميعها على ثبوت خيار بَرِيرَة من زوجها، وتختلف في كون زوجها حرّاً أو عبدًا يوم أُعتقت، وبعضها أطول من بعض، وهو حديث له شأنه عند الفقهاء والمحدّثين حتى إن بعض المحدّثين قد أفرده بالتأليف وهو حقيق بذلك١. وأمّا إن كان زوج الأمة حرّاً حين عتقت: فقد اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار لها تحت زوجها الحرّ على قولين مشهورين:

стр. 489

القول الأوّل: أنّه لا خيار لها، وبه قال جمهور العلماء من المحدّثين والفقهاء، ومنهم الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد في القول المشهور عنه الذي عليه أصحابه١. والقول الثَّاني: أنّه لها الخيار، وهو مذهب الحنفية، وروى عن بعض التابعين، وهو أيضًا مذهب ابن حزم الظاهري، ورواية عن الإمام أحمد٢. سبب الخلاف: وسبب اختلاف العلماء في هذا يرجع إلى أمرين: أوّلهما: اختلاف الرِّوايات عن عائشة ﵂ في زوج بَرِيرَة حين أُعتقت: أكان حرًّا أم عبدًا؟ وثانيهما: المعنى المعلَّل به ثبوت الخيار للأمة،،أي تنقيح المناط، أهو ملك الأمة نفسها بالعتق؟ أم عدم كفاءة زوجها العبد لها بعد أن أصبحت حرَّة؟ أم غير ذلك؟. وإليك بيان ذلك بالتفصيل:

стр. 490

السبب الأوّل: أمّا السبب الأوّل: وهو اختلاف الرِّوايات عن عائشة ﵂ في زوج بَرِيرَة أكان عبدًا أم حرًّا يوم عتقت، فقد روى حديث عائشة هذا في تخيير بَرِيرَة حين عتقت ثلاثة نفر هم: القاسم بن محمد "ابن أخيها"، وعروة بن الزبير "ابن أختها"، والأسود بن يزيد١. فأمّا القاسم فعنه روايتان: إحداهما: أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا، رواها أحمد ومسلم وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدرامي، والبيهقي، والدارقطني٢. والثَّانية: رواية شعبة. عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وفي هذه الرواية شكَّ عبد الرحمن بن القاسم حيث قال: "وزوجها حرٌّ أو عبد؟ قال شعبة: سألت عبد الرحمن عن زوجها؟ قال: لا أدري" هذا لفظ البخاري.

стр. 491

وعند غير البخاري: "قال عبد الرحمن: كان زوجها حرًّا- أي بالجزم ثم قال شعبة: سألت عبد الرحمن عنها فقال: لا أدري". وهذه الرواية عن القاسم رواها: أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والبيهقي١. وأمَّا عروة بن الزبير: فلم تختلف روايته عن عائشة ﵂ أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا، ولفظه: قالت: "وكان زوج بَرِيرَة عبداً فخيَّرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها، ولو كان حرًّا لم يخيِّرها". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني والبيهقي٢. إلاّ أنَّ النسائي قال: "قال عروة: ولو كان حرًّا ما خيَّرها رسول الله ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: قال الدارقطني في العلل: "لم يختلف على عروة أنّه كان عبدًا"٣.

стр. 492

وأمّا ما رواه ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ إلى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان زوج بَرِيرَة حرًّا١، فقال الحافظ ابن حجر: إنَّ هذا غلط، ونصُّ كلامه: "قلت: وقع لبعض الرُّواة غلط؛ فأخرج قاسم بن أصبغ في مصنفه، وابن حزم من طريقه قال: أنبأنا أحمد ابن يزيد المعلم، حدثنا موسى بن معاوية، عن جرير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "كان زوج بَرِيرَة حرًّا، هذا وهم من موسى، أو من أحمد، فإنّ الحفّاظ من أصحاب هشام، ومن أصحاب جرير، قالوا: كان عبدًا، منهم إسحاق بن راهويه، وحديثه عند النسائي، وعثمان بن أبي شيبة وحديثه عند أبي داود، وعلي بن حجر وحديثه عند الترمذي، وأصله عند مسلم وأحال به على رواية أسامة، عن هشام، وفيه أنَّه كان عبدًا" اهـ٢. وأمَّا ما رواه الأسود بن يزيد: عن عائشة ﵂، فلم تختلف روايته عنها أنَّ زوج بَرِيرَة كان حرًّا". رواه أحمد والستة إلا مسلمًا، ورواه الدارمي، والطحاوي، والدارقطني والبيهقي٣.

стр. 493

وبناء على هذا الاختلاف في الرِّوايات عن عائشة ﵂ في حال زوج بَرِيرَة يوم أعتقت أكان عبدًا أم حرّاً؟ فقد اختلف العلماء في تصحيح تلك الرِّوايات جميعها، أو ترجيح بعضها على بعض، فمنهم من حكم لها بالصِّحة جميعها وجمع بينها، ومنهم من رجَّح رواية أنّه كان عبدًا، ومنهم من رجّح رواية أنّه كان حرًّا. وقد انتصر كلُّ ذي وجهة لوجهته بكلام يطول ذكره، ويصعب حصره في مثل هذا المقام، وحسبنا من كلِّ ذلك خلاصته. فممَّن ذهب إلى طريقة الجمع بين تلك الرِّوايات: الطحاوي، وابن حزم الظاهري. وحجَّتهم أنَّ طريقة الجمع مقدّمة على طريقة الترجيح متى أمكن ذلك، والجمع هنا ممكن؛ وذلك بحمل رواية أنّه كان عبدًا على حاله قبل عتق زوجته، وحرًّا يوم عتقها، فمن قال: كان عبدًا حكى حاله السابقة، ومن قال كان حرّاً حكى حاله يوم عِتْق زوجته، وذلك أنَّ الرِّق تعقبه الحُرِّية بخلاف الحُرِّية فلا يعقبها رِقّ١. ونوقش هذا الجمع بأنَّ بعض الرِّوايات الصحيحة صريحة في أن زوج بَرِيرَة كان عبدًا يوم أعتقت، وأنَّ القول بأنَّه كان حرًّا ليس من قول

стр. 494

يشاهد الواقعة كما سيأتي١ وأمَّا من ذهب إلى ترجيح رواية أنَّه كان عبدًا، فهم جمهور المحدّثين ومنهم الإمام أحمد، والبخاري، وابن حجر. فأمّا الإمام أحمد فنقل عنه قوله: إنّما يصحُّ أنّه كان حرًّا عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره فليس بذاك، وصحَّ عن ابن عباس وغيره أنَّه كان عبداً، ورواه علماء المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصحّ، وإذا عتقت الأمة تحت الحرِّ فعقدها المتَّفق على صحَّته لا يفسخ بأمر مختلف فيه"٢ اهـ. وأمَّا البخاري فقد أورده في صحيحه من قول الأسود حيث قال: قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. ثم قال البخاري: وقول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: "رأيته عبدًا أصحّ"٣ اهـ. ومعنى قول البخاري: منقطع: أي مدرج من كلام الأسود، وليس من كلام عائشة ﵂ -كما قاله الحافظ ابن حجر وغيره٤.

стр. 495

١. وذكره مرَّة من قول الحكم٢، ولفظه: "قال الحكم: وكان زوجها حرًّا. ثم قال البخاري: وقول الحكم مرسل٣ اهـ. أي غير مسند إلى عائشة رضي الله عنها٤. وأمّا الحافظ ابن حجر: فقد بسط القول في بيان طرق هذا الحديث ثم قال: فدلّت تلك الرِّوايات المتَّصلة التي قدَّمتها آنفًا على أنَّه من قول الأسود، أو من دونه، فيكون من أمثلة ما أدرج في أول الخبر، وهو نادر؛ فإنَّ الأكثر أن يكون في آخره، ودونه أن يقع في وسطه، وعلى تقدير: أنَّه كان موصولاً فترجَّح رواية من قال "عبدًا" بالكثرة، وأيضا فآل المرء أعرف بحديثه، فإن القاسم ابن أخي عائشة، وعروة ابن أختها، وتابعهما غيرهما فروايتهما أولى من رواية الأسود، فإنَّهما أقعد بعائشة، وأعلم بحديثها، والله أعلم. ويترجّح أيضًا بأنَّ عائشة كانت تذهب إلى أنَّ الأمة إذا أعتقت تحت الحرّ لا خيار لها، وهذا بخلاف ما رواه العراقيون عنها،
следующие страницы →