وعند غير البخاري: "قال عبد الرحمن: كان زوجها حرًّا- أي بالجزم ثم قال شعبة: سألت عبد الرحمن عنها فقال: لا أدري". وهذه الرواية عن القاسم رواها: أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والبيهقي١.
وأمَّا عروة بن الزبير: فلم تختلف روايته عن عائشة ﵂ أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا، ولفظه: قالت: "وكان زوج بَرِيرَة عبداً فخيَّرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها، ولو كان حرًّا لم يخيِّرها". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني والبيهقي٢.
إلاّ أنَّ النسائي قال: "قال عروة: ولو كان حرًّا ما خيَّرها رسول الله ﷺ .
قال الحافظ ابن حجر: قال الدارقطني في العلل: "لم يختلف على عروة أنّه كان عبدًا"٣.
стр. 492
وأمّا ما رواه ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ إلى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان زوج بَرِيرَة حرًّا١، فقال الحافظ ابن حجر: إنَّ هذا غلط، ونصُّ كلامه: "قلت: وقع لبعض الرُّواة غلط؛ فأخرج قاسم بن أصبغ في مصنفه، وابن حزم من طريقه قال: أنبأنا أحمد ابن يزيد المعلم، حدثنا موسى بن معاوية، عن جرير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "كان زوج بَرِيرَة حرًّا، هذا وهم من موسى، أو من أحمد، فإنّ الحفّاظ من أصحاب هشام، ومن أصحاب جرير، قالوا: كان عبدًا، منهم إسحاق بن راهويه، وحديثه عند النسائي، وعثمان بن أبي شيبة وحديثه عند أبي داود، وعلي بن حجر وحديثه عند الترمذي، وأصله عند مسلم وأحال به على رواية أسامة، عن هشام، وفيه أنَّه كان عبدًا" اهـ٢.
وأمَّا ما رواه الأسود بن يزيد: عن عائشة ﵂، فلم تختلف روايته عنها أنَّ زوج بَرِيرَة كان حرًّا". رواه أحمد والستة إلا مسلمًا، ورواه الدارمي، والطحاوي، والدارقطني والبيهقي٣.
стр. 493
وبناء على هذا الاختلاف في الرِّوايات عن عائشة ﵂ في حال زوج بَرِيرَة يوم أعتقت أكان عبدًا أم حرّاً؟ فقد اختلف العلماء في تصحيح تلك الرِّوايات جميعها، أو ترجيح بعضها على بعض، فمنهم من حكم لها بالصِّحة جميعها وجمع بينها، ومنهم من رجَّح رواية أنّه كان عبدًا، ومنهم من رجّح رواية أنّه كان حرًّا. وقد انتصر كلُّ ذي وجهة لوجهته بكلام يطول ذكره، ويصعب حصره في مثل هذا المقام، وحسبنا من كلِّ ذلك خلاصته.
فممَّن ذهب إلى طريقة الجمع بين تلك الرِّوايات: الطحاوي، وابن حزم الظاهري. وحجَّتهم أنَّ طريقة الجمع مقدّمة على طريقة الترجيح متى أمكن ذلك، والجمع هنا ممكن؛ وذلك بحمل رواية أنّه كان عبدًا على حاله قبل عتق زوجته، وحرًّا يوم عتقها، فمن قال: كان عبدًا حكى حاله السابقة، ومن قال كان حرّاً حكى حاله يوم عِتْق زوجته، وذلك أنَّ الرِّق تعقبه الحُرِّية بخلاف الحُرِّية فلا يعقبها رِقّ١.
ونوقش هذا الجمع بأنَّ بعض الرِّوايات الصحيحة صريحة في أن زوج بَرِيرَة كان عبدًا يوم أعتقت، وأنَّ القول بأنَّه كان حرًّا ليس من قول
стр. 494
يشاهد الواقعة كما سيأتي١
وأمَّا من ذهب إلى ترجيح رواية أنَّه كان عبدًا، فهم جمهور المحدّثين ومنهم الإمام أحمد، والبخاري، وابن حجر.
فأمّا الإمام أحمد فنقل عنه قوله: إنّما يصحُّ أنّه كان حرًّا عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره فليس بذاك، وصحَّ عن ابن عباس وغيره أنَّه كان عبداً، ورواه علماء المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصحّ، وإذا عتقت الأمة تحت الحرِّ فعقدها المتَّفق على صحَّته لا يفسخ بأمر مختلف فيه"٢ اهـ.
وأمَّا البخاري فقد أورده في صحيحه من قول الأسود حيث قال:
قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. ثم قال البخاري: وقول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: "رأيته عبدًا أصحّ"٣ اهـ.
ومعنى قول البخاري: منقطع: أي مدرج من كلام الأسود، وليس من كلام عائشة ﵂ -كما قاله الحافظ ابن حجر وغيره٤.
стр. 495
١. وذكره مرَّة من قول الحكم٢، ولفظه: "قال الحكم: وكان زوجها حرًّا. ثم قال البخاري: وقول الحكم مرسل٣ اهـ.
أي غير مسند إلى عائشة رضي الله عنها٤.
وأمّا الحافظ ابن حجر: فقد بسط القول في بيان طرق هذا الحديث ثم قال: فدلّت تلك الرِّوايات المتَّصلة التي قدَّمتها آنفًا على أنَّه من قول الأسود، أو من دونه، فيكون من أمثلة ما أدرج في أول الخبر، وهو نادر؛ فإنَّ الأكثر أن يكون في آخره، ودونه أن يقع في وسطه، وعلى تقدير: أنَّه كان موصولاً فترجَّح رواية من قال "عبدًا" بالكثرة، وأيضا فآل المرء أعرف بحديثه، فإن القاسم ابن أخي عائشة، وعروة ابن أختها، وتابعهما غيرهما فروايتهما أولى من رواية الأسود، فإنَّهما أقعد بعائشة، وأعلم بحديثها، والله أعلم. ويترجّح أيضًا بأنَّ عائشة كانت تذهب إلى أنَّ الأمة إذا أعتقت تحت الحرّ لا خيار لها، وهذا بخلاف ما رواه العراقيون عنها،
стр. 496
فكان يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها، ويدعوا ما روي عنها، لا سيَّما وقد اختلف النقل عنها. اهـ١.
ثم أجاب الحافظ عن قول من قال: إنه "عبدًا" باعتبار ما كان بقوله: "وادّعى بعضهم أنّه يمكن الجمع بين الرِّوايتين بحمل قول من قال "كان عبدًا" على اعتبار ما كان، ثم أعتق؛ فلذلك قال من قال "كان حرًّا" ويردّ هذا الجمع ما تقدَّم من قول عروة: كان عبدًا ولو كان حرًّا لم تخيَّر". وأخرجه الترمذي بلفظ "أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا أسود يوم أعتقت"، فهذا يعارض الرِّواية المتقدِّمة عن الأسود، ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون من قال "حرًّا" أراد ما آل إليه أمره وإذا تعارضا إسنادًا واحتمالاً احتيج إلى الترجيح، ورواية الأكثر يرجَّح بها، وكذلك الأحفظ، وكذلك الألزم، وكلُّ ذلك موجود في جانب من قال "كان عبدًا"٢ اهـ.
стр. 497
وأمَّا من ذهب إلى ترجيح كونه حرًّا: فهو ابن الهمام الحنفي في فتح القدير حيث قال: "هذا الحديث رواه عن عائشة ثلاثة: الأسود، وعروة، والقاسم، فأمَّا الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنَّه كان حرًّا، وأمّا عروة فعنه روايتان١ صحيحتان: إحداهما: "أنّه كان حرًّا"، والأخرى "أنّه كان عبدًا"، وأمّا عبد الرحمن بن القاسم٢ فعنه روايتان صحيحتان: إحداهما: "أنّه كان حرًّا"، والأخرى: "الشك"٣.
стр. 498
ثم قال: "والذي لا مردّ له من الترجيح أنَّ رواية "كان حرًّا" أنصّ من "كان عبدًا" لما قلنا، وتثبت زيادة، فهي أولى، وأيضًا فهي مثبتة، وتلك نافية للعلم، بأنّه كان حالته الأصلية الرّقّ، والنافي هو المبقيها، والمثبت هو المخرج عنها"١ اهـ.
وتعقّبه صاحب (تحفة الأحوذي) بقوله: "اعلم أنَّ روايات كون زوج بَرِيرَة عبدًا لها ترجيحات عديدة على روايات كونه حرًّا، ذكرت بعضًا منها فيما تقدّم، والباقي مذكورٌ في فتح الباري والنيل، والإمام ابن الهمام قد عكس القضيَّة بوجوه عديدة كلّها مخدوشة، ولولا مخافة طول الكلام لبيّنت ما فيها من الخدشات"٢ اهـ.
وبهذا العرض المستفيض بالنِّسبة للمباحث الفقهية، والموجز بالنِّسبة لعلم الرِّجال والحديث، والذي أردت به بيان اختلاف الرواة عن عائشة ﵂ في صفة زوج بَرِيرَة، أكان حرًّا أم عبدًا يوم أُعتقت، وبيان مواقف العلماء من تلك الروايات، فلا يخفى ما بين كلِّ وجهة وأخرى من تفاوت في تصحيح تلك الروايات وتوجيهها، ومحلُّ الحكم الشافي في ذلك كتب الرِّجال والحديث.
стр. 499
وفيما تقدَّم من تخريجه والإحالة عليه كفاية بحمد الله.
والمختار من هذه الأقوال: هو قول أئمة الحديث: أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا يوم أُعتقت، فهم أهل الشأن والاختصاص، وحسبنا حكمهم في ذلك، وحسبنا أيضًا شهادة من رأى زوج بَرِيرَة يوم أعتقت رأي العين، ووصف لنا حاله وهو يبكي وراءها في سكك المدينة، وهو ابن عباس ﵄ ونصّ حديثه عند البخاري: "كان زوج بَرِيرَة عبدًا أسود يقال له "مُغِيث"١ عبدًا لبني فلان٢، كأنّي أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة".
وفي لفظ آخر للبخاريِّ أيضًا: "أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا يقال له مُغِيث كأنّي أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته،
стр. 500
فقال النبي ﷺ : "لو راجعتِه؟ " قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنّما أنا شافع"، قالت: لا حاجة لي به".
ورواه أيضًا: أحمد، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه، والد ارمي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي١.
ورواه أيضًا ابن سعد في الطبقات ولفظه كما في (إرواء الغليل) : "كان زوج بَرِيرَة يوم خيرت مملوكًا لبني المغيرة يقال له مُغِيث...٢". ثم
стр. 501
قال الألباني: وإسناده صحيح. وفيه حجّة قاطعة على إبطال ما ذهب إليه الطحاوي وتبعه ابن١ التركماني من تصحيح رواية كونه "حرًّا"، والجمع بينهما وبين الرِّوايات القائلة بأنّه كان عبدًا: بأنّه كان حرًّا آخر الأمر في وقت ما خُيِّرت به بَرِيرَة، عبدًا قبل ذلك؛ فإنَّ رواية ابن سعد هذه صريحة في أنّه كان عبدًا في الوقت المذكور، فبطل الجمع المزعوم، وثبت شذوذ رواية الأسود المتقدّمة"٢ اهـ.
السَّبب الثَّاني:
وأمّا السَّبب الثَّاني لاختلاف الفقهاء في ثبوت الخيار للأمة فهو تنقيح مناط إثبات الخيار لها، بقطع النَّظر عن زوج بَرِيرَة، أكان عبدًا أم حرًّا؟ وللعلماء فيه ثلاثة مذاهب:
أوّلها: أنّه زوال الكفاءة بين العبد والحرّ؛ فإنَّ الأمة بعد أن عتقت قد كملت بالحرّيّة فهي تستنكف أن تبقى تحت عبد، بخلاف ما إذا عتقت
стр. 502
تحت حرّ فقد تساوت معه في الحرّيّة، فهي كالكتابية تسلم تحت زوجها المسلم. وهذا مذهب الجمهور١.
ونوقش هذا القول: بأنَّ الكفاءة إنّما تعتبر في الابتداء لا في الدَّوام٢.
ثانيها: أنّها ملكت نفسها بالعتق، فلا فرق في ثبوت الخيار بين أن يكون زوجها حرًّا أو عبدًا، وهذا أقوى حجّة لمن أثبت الخيار للأمة إذا أعتقت تحت حرٍّ.
فقالوا: إنَّ النَّبي ﷺ لم يقل لبَرِيرَة: خيَّرتك لأنَّ زوجك عبد، وإنّما خيّرها فوافق أنّ زوجها كان عبدًا٣.
بدليل ما روى في بعض ألفاظ حديث بَرِيرَة هذا نحو: "قد ملكت نفسك فاختاري" ٤.
وفي لفظ: "قد ملكت بُضْعك فاختاري"، وفي لفظ: "قد عتق معك بُضْعك" وفي لفظ: "اذهبي فقد عتق معك بُضْعك"٥.
وقال ابن القيِّم ﵀: "إنَّ هذا التعليل هو أرجح المآخذ الثَّلاث
стр. 503
وأقربها إلى أصول الشرع وأبعدها عن التناقض...١".
وقد ذكر قبل هذا: أنَّ مبنى الرِّوايتين عن الإمام أحمد إنّما هو في تحقيق مناط ثبوت الخيار، لا في الاختلاف في زوج بَرِيرَة أكان عبدًا أم حرًّا"٢.
ثالثها: زيادة ملك الزوج عليها؛ فقد ملك عليها طلقة ثالثة لم يملكها بالعقد، وهذا تعليل لبعض الحنفيّة٣.
ونوقش هذا التعليل: بأنّه ضعيف جدًا؛ فإنَّ للزوج ألاَّ يفارقها البتَّة ويمسكها حتى يفرق الموت بينهما، إذ إنّه عقد للعمر، فلا أثر لملكه عليها طلقة واحدة، مع أنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ الطلاق معتبر بالنِّساء، والصحيح أنّه معتبر بمن يملك الطلاق وهو الزوج٤.
الرَّاجح:
والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ ثبوت الخيار للمعتَقة تحت حرٍّ لا يخلو من نظر لما يلي:
стр. 504
أوّلاً: أنَّ الحجّة في تخيير المعتقة هو حديث بَرِيرَة، وهو إنّما تقوم به الحجّة بعد ثبوت أنَّ زوجها كان حرًّا يوم أُعتقت، وقد عرفنا أنَّ الصحيح خلافه، وعلى هذا فقياس من عتقت تحت حرٍّ على من عتقت تحت عبد قياس مع الفارق بين الحرِّيَّة والرّقّ؛ فإنّه لا يخفى ما تشعر به الحرّة من النقص، والمذلّة تحت زوجها المملوك، بخلاف ما إذا كان زوجها حرًّا؛ فإنها تكون قد تساوت معه في الحرّيّة.
ثانيًا: أنّه ليس في حديث بَرِيرَة عموم، أو علّة منصوصة، فيعمل بعموم نصِّه أو علّته، والنبي ﷺ لم يقل: إذا أعتقت الأمة فلها الخيار؛ ليشمل أزواج المعتَقات سواء أكانوا أحرارًا أم عبيدًا بقطع النظر عن واقعة الحال، بل كلُّ ما فيه أنّه ﷺ خيّر بَرِيرَة، وكان زوجها عبدًا على الصحيح، وقال لها: "إن شئت أن تستقرِّى تحت هذا العبد، وإن شئت فارقْتِيه"١ رواه الدارقطني. وفي لفظ: "إن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد ... " رواه أحمد والدارقطني- وهذا لفظه- والبيهقي٢.
ودلالة هذا اللفظ على التعليل بعبودية زوجها أظهر من دلالة لفظ "ملكت نفسك فاختاري" أو: "ملكتِ بُضْعك فاختاري" على إثبات الخيار لها مطلقًا، ولو كان زوجها حرًّا لملّكها بُضْعها على فرض صحّة
стр. 505
رواية "ملكت بُضْعك فاختاري". مع أننا لا نشكُّ أنّ بَرِيرَة قد ملكت نفسها وبُضْعها حين عتقت تحت زوجها العبد، أمّا غيره فغير لازم.
ثالثًا: أنَّ الأصل عدم الخيار، والرَّافع لهذا الأصل مختلف فيه، والتمسك بالأصل هنا هو الأحوط للنِّكاح المتَّفق على صحَّته، كما قال الإمام أحمد ﵀: "العقد صحيح؛ فلا يفسخ بالمختلف فيه، والحرّ فيه اختلاف، والعبد لا اختلاف فيه"١ اهـ والله أعلم.
стр. 506
الفصل الثامن: أسباب الولاية في النكاح
تمهيد: في بيان المقصود بأسباب الولاية في النِّكاح في هذا الفصل
إنَّ الأسباب: جمع سبب، والسبب في اللغة: الحبل وكل، ُّ ما يتوصَّل به إلى غيره١.
والمقصود به عند الفقهاء في هذا المبحث: العلاقة بين الولِّي والموليِّ عليه من عصبة نسب، أو ما يقوم مقامها، مما يتوصَّل به إلى ثبوت ولاية الوليّ على غيره وأحقِّيته بها.
وللولاية في النِّكاح عدة أسباب: منها ما هو متَّفق عليه بين الفقهاء، ومنها ما هو محلّ خلاف، وهي بالتَّتَّبُع يمكن حصرها في ثمانية أسباب، كلُّ سبب منها قد قال به كلّ أو بعض الفقهاء، وهي كالتالي:
أوّلها: القرابة النَّسبيَّة.
ثانياً: الولاء.
ثالثاً: الإمامة أو السلطنة.
را بعاً: الكفالة.
خا مساً: الإسلام.
سادساً: الوكالة عن الوليّ.
стр. 507
سابعاً: الوصيَّة من الوليّ.
ثامناً الولاية بالملك، أي ولاية السيّد على عبيده وإمائه. وسنفرد- بعون الله- لكلّ سبب من هذه الأسباب مبحثاً خاصّاً لبيان ما يتعلّق به من أحكام. عدا السبب الأخير: وهو الولاية بالملك، فقد تقدّم في فصل الولاية على الأرِقَّاء ما يغني عن إعادته هنا، وإنِّما سنكتفي ببحث أسباب الولاية على الحرَّة صغير أم كبيرة، إذ هي الأصل في هذا الباب، وهي المقصودة- أصلأ- بهذا البحث، والله الموفِّق.
стр. 508
المبحث الأوّل: في الولاية في النِّكاح بسبب القرابة
١- دليلها:
إنَّ قرابة النَّسب هي أقوى أسباب الولاية في النِّكاح على الحرّة، صغيرة أم كبيرة، اتفافاً من حيث الجملة، فكلّ سبب غيرها إنما هو نيابة عنها، أو خلافة لها، وإنَّما قلت: إنَّه أقوى الأسباب بالاتفاق من حيث الجملة لما سيأتي من أنَّه: لا ولاية لذوي الأرحام- وهم القرابة من جهة الأم- عند الجمهور، بل الولاية في النِّكاح خاصّة بالعصبات، وهم القرابة من جهة الأب، وفي الذكور منهم خاصّة، ضرورة أنَّ المرأة مَوْلِيّ عليها في النكاح- عندهم- فلا تلي نكاح غيرها، فالولاية في هذا الباب معتبرة بجهة الآباء، لا بجهة الأمّهات. وبناء عليه اختلفوا في ولاية الابن على أمّه في النِّكاح، مع أنَّه أقوى العصبات في الميراث كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والأصل في تقديم أقرباء النَّسب في ولاية النِّكاح قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
стр. 509
وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ ١ فأولويَّة ذوي الأرحام ببعضهم في هاتين الآيتين شاملة لأحقِّيتهم بولاية النِّكاح والمال وغيره من الولايات الخاصّة، كما يشمل الأولوية بأحقِّية الإرث والانتساب ونحوهما.
ويدلّ أيضاً على تقديم أقرباء النَّسب على غيرهم عموم أدلّة الولاية التي تقدم ذكرها في مبحث اشتراط الولاية في النِّكاح على الحرة المكلفة، مثل قوله ﷺ : "لا نكاح إلابوليّ"، فإنَّ قريب النّسب هو أولى الأولياء هنا. والله أعلم.
٢- نوع القرابة التى تثبت بها ولاية النِّكاح.
اتفق الفقهاء على ثبوت ولاية النِّكاح للعصبات من أقرباء النسب إلا الابن- كما سيأتي.
واتفقوا أيضًا على تقديمهم على غيرهم من ذوي الأرحام، بل حكى الإجماع على عدم ولاية ذوي الأرحام مع وجود العصبات٢.
واختلفوا في ثبوت ولاية النِّكاح لذوي الأرحام، كأب الأم، والأخ للأم، والعم للأم، والخال، ونحوهم من الأقارب من جهة الأم على قولين:
стр. 510
القول الأول: أنَّه لا ولاية لذوي الأرحام، بل الولاية خاصة بالعصبات دونهم.
وبهذا قال الجمهور، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة، عدا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله١
القول الثَّاني: أنَّ كلَّ من يرث بفرض أو تعصيب تثبت له الولاية في النِّكاح. وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة٢ ﵀.
سبب الخلاف:
ويرجع سبب هذا الخلاف إلى اختلافهم في أصل ثبوت سبب الولاية هنا، أهو مطلق القرابة؟ أم هو نوع خاصّ من القرابة وهم العصبات؟.
فعند الجمهور أنَّ شرط ثبوت الولاية للقريب في النِّكاح إنَّما هو العصوبة خاصَّة.
وأمَّا على الرِّواية الثَّانية عن أبي حنيفة ﵀ فهو أنَّ شرط ثبوت الولاية هو مطلق القرابة، أمَّا العصوبة فهي شرط للتقديم لا غير؛ فلا ولاية لذوي الأرحام مع العصبات، أمَّا عند عدم وجود العصبة نسبًا،
стр. 511
أو ولاء، فتثبت الولاية لذوي الأرحام؛ لوجود أصل سببها وهو مطلق القرا بة١.
دليل الجمهور.
استدلَّ الجمهور لقَصْر الولاية في النِّكاح على العصبات دون ذوي الأرحام بما يلي:
أولاً: ما روى عن عليّ ﵁ موقوفًا عليه، ومرفوعًا إلى النبي ﷺ أنَّه قال: "النِّكاح إلى العصبات".
قال السَّرَخْسِي: "إدخال الألف واللام دليل على أنّ جميع الولاية في باب النِّكاح إنما تثبت لمن هو عصبة، دون من ليس بعصبة"٢ اهـ
وقال الكاساني: "فوّض كلّ نِكاح إلى كلِّ عصبة؛ لأنَّه قابل الجنس بالجنس، أو بالجمع، فيقتضى مقابلة الفرد بالفرد"٣ أهـ.
وهذا الخبر قد اشتهر ذكره في كتب الحنفية٤ بهذا اللفظ عن عليّ ﵁ موقوقاً عليه، ومرفوعاً إلى النبي ﷺ .
وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الهداية: "حديث النِّكاح
стр. 512
إلى العصبات لم أجده" اهـ١. وبيّض له الزيلعي في نصب الراية٢.
وقال أحمد شلبي في حاشيته على تبيين الحقائق: "لم يخرجه أحد من الجماعة ولا يثبت. اهـ غاية"٣.
وقد ذكر ابن قدامة في (المغني) ، وغيره من الحنابلة نحوه موقوقاً على عليّ ﵁ بلفظ: "إذا بلغ النساء نصّ الحقائق فالعصبة أولى إذا أدركن"٤.
وهذا الأثر قد أورده البيهقي بسنده إلى معاوية بن سويد (وهو ابن مقرِّن المزني) قال: وجدت في كتاب أبي، عن عليّ ﵁ أنَّه قال: "إذا بلغ النِّساء نصّ الحقائق فالعصبة أولى، ومن شهد فليشفع بخير" (٥) .
ثم روى بإسناده إلى أبي عبيد- وهو القاسم بن سلاَّم- قوله:
"بعضهم يقول: الحقاق، وهو من المحاقّة، يعني المخاصمة، أن تحاقّ الأمّ العصبة فيهنّ، فنصُّ الحقاق إنّما هو الإدراك؛ لأنَّه منتهى الصغر، فإذا بلغ النِّساء فالعصبة أولى بالمرأة من أمّها إذا كانوا محرمًا وبتزوّجها٦ أيضاً إن أرادوا، قال: وهذا يبيّن لك أنّ العصبة والأولياء غير الآباء ليس لهم أن
стр. 513
يزوّجوا اليتيمة حتى تدرك، ولو كان لهم ذاك لم ينتظروا بها نصّ الحقاق، قال: ومن رواه نصّ الحقاق فإنّه أراد جمع حقيقة". اهـ١.
وقال ابن الأثير في النهاية: أصل النصّ: أقصى الشيء وغايته، ثم سمِّي به ضرب من السير السريع، ومنه حديث عليّ "إذا بلغ النساء نصّ الحقاق فالعصبة أولى" أي إذا بلغت غاية البلوغ من سنّها الذي يصلح أن تحاقق وتخاصم عن نفسها فعصبتها أولى بها من أمّها) ٢ اهـ.
ثانياً: أنّ الأصل في الأولياء هم العصبات، فهم أهل الرأي والصيانة عمّا يلحق القبيلة من العار والشَّيْن، ولذلك كانوا مقدَّمين على ذوى الأرحام بالإجماع٣. وأمَّا ذوو الأرحام فهم يُنْسبون إلى قبيلة أخرى فلا يلحقهم عار نسب غير نسبهم٤.
ثالثاً: أنَّ مولى العتاقة مقدّم عليهم، فلو كان لقرابتهم تأثير في استحقاق الولاية بها لكانوا مقدّمين على مولى العتاقة؛ إذ لا قرابة لمولى العتاقة٥.
стр. 514
دليل أبى حنيفة- ﵀ فى إثبات ولاية النكاح لذوي الأرحام.
لقد استُدلَّ لأبي حنيفة ﵀ على إثبات الولاية لذوى الأرحام بعد العصبات بما يلي:
أوَّلاً: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ١ من غير فصل بين العصبات وغيرهم، فثبت ولاية النِّكاح على العموم إلاَّ من خُصّ بدليل٢.
ثانياً: ما روى عن ابن مسعود ﵁ أنَّه أجاز تزويج امرأته ابنتها". وابنتها هذه لم تكن من ابن مسعود ﵁ على الأصحّ، وإنّما جوّز نكاحها بولاية الأمومة٣.
ثالثاً: أنَّ للشفقة اعتبارها في ولاية النِّكاح، وهي كما توجد في قرابة الأب توجد كذلك في قرابة الأمّ؛ لوجود سببها وهو القرابة٤.
رابعاً: أنّ ولاية النِّكاح مرتَّبة على استحقاق الميراث؛ لاتّحاد سببهما وهو القرابة، فكلّ من استحقّ الميراث، استحقَّ الولاية؛ بدليل أنّه
стр. 515
لا ولاية لعبد ولا لكافر على مسلمة، وإنّما يقدّم العصبات على ذوى الأرحام؛ لأنّ للميراث أسباباً هي: الفريضة، والعصوبة، والقرا بة، والعصوبة أقوى أسباب الإرث؛ لاستحقاق جميع المال بها عند الانفراد، فترتُّب أسباب الولاية على أقوى أسباب الإرث١.
هذا خلاصة ما استُدِلَّ به لأبي حنيفة لإثبات الولاية في النِّكاح لذوى الأرحام، وقد نصَّ السَّرَخْسِي في (المبسوط) ، وتبعه صاحب (الهداية) ٢، علي أنَّ دليل أبي حنيفة في إثبات ولاية ذوي الأرحام إنّما هو الاستحسان، فعلى هذا يكون ما سبق توجيه لهذا الاستحسان٣. والله أعلم.
موازنة بين القولين.
ويبدو لي ممّا تقدّم أنّ في كلّ من القولين قُوَّة:
أمَّا مذهب الجمهور؛ فلأنَّ هذه الولاية إنّما شرعت في حقّ المرأة نظراً لها، وصيانة لعرضها، ولنسب قومها عمَّا يلحقهم من العار بوضعها
стр. 516
في غير موضعها، والأنساب إنّما تعرف بالآباء لا بالأمَّهات، وهذا المعنى يكاد يكون إجماعاً- أعني أنّها شرعت لصيانة الأنساب.
وأمَّا وجه القّوة فيما روي عن أبي حنيفة ﵀ من إثبات الولاية لذوي الأرحام بعد العصبات؛ فلأن القرابة مهما بعدت فهي داعية إلى الشفقة والنظر، وإلى صيانة أعراض الأقرباء أيضاً، فإذا انقرضت القرابة من جهة الآباء، فمن أحقُّ الناس بالنظر بعدهم إن لم يكن أولئك الذين تربطهم أواصر القربى؟.
وأمَّا أدلّة كلا الفريقين السابقة فلا يخلو أكثرها من نظر، وإنّما الحجَّة التي ينبغي أن يعوّل عليها هنا، هو تحقيق معنى "الوليّ" لغة، وشرعًا، وعرفاً، أيشمل قرابة الأمّهات أم هو قاصر على القرابة من جهة الآباء؟ وهذا محتمل، خاصّة بعد انقراض القرابة من جهة الآباء؛ وذلك: أنّ معنى الوليّ لغة يدور حول معنى القرب مطلقاً، سواء أكان قرباً حسّيّاً أم معنوياً، كما قاله ابن فارس وغيره١.
وأما شرعاً فلم يرد نصٌّ- فيما أعلم- في بيان ترتيب الأولياء، أو في حصرهم في نوع معيّن، إلا ما روي من حديث "النِّكاح إلى العصبات" الذي تقدّم قريباً، ولكنَّ الشأن في ثبوته، وما أظنّه يثبت بهذا اللفظ، ولو
стр. 517
ثبت لم يبقَ معنىً لقول من قال بصحة إنكاح النِّساء أنفسهنّ أو غيرهنّ، كما هو مذهب الحنفية، مع شهرته في كتبهم دون غيرهم، فالله المستعان.
وأقرب حديث- فيما يظهر لي- يُستَدلُّ به في هذا المقام قوله ﷺ : "فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له"١، فإنّ هذا الحديث يدلّ على أن الأولياء محصورون في أناس معينين يمكن أن يختلفوا في أولويتهم بإنكاح المرأة أو منعها منه٢. ومع هذا فإنّ الاحتمال ما زال قائماً.
وأمّا عرفاً: فهو أقوى ما يمكن أن يتمسَّك به الجمهور على تخصيص العصبات دون ذوي الأرحام هنا؛ بدليل ما روي عن أمّ سلمة ﵂ أنّها قالت لمّا خطبها النبي ﷺ : "ليس أحد من أوليائي حاضراً"٣، وقول عائشة ﵂: "يخطب الرجل إلى الرجل وليّته"٤ فإنّ هذا وأمثاله يدلّ على أنَّ هناك عرفاً يميّز المقصود من الوليّ في النِّكاح٥، وهم عصبة المرأة، ولكن لا يخفى أنّ محلّ الخلاف - هنا- فيما إذا لم توجد عصبة لا من النَّسب، ولا بالسَّبب أيضاً وهم عصبات الولاء بالعتق، فهل تنتقل الولاية حينئذٍ إلى السلطان أو إلى ذوي الأرحام؟ لا شك أنّ هذا محلّ نظر.
стр. 518
ولصاحب (الروضة النديّة) كلام في هذا المعنى يحسن إيراده، فقد قال: "والذي ينبغي التعويل عليه – عندي - هو أن يقال: إنّ الأولياء هم قرابة المرأة الأدنى فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوّجت بغير كفء وكان المزوِّج غيرهم، وهذا المعنى لا يختص بالعصبات، بل قد يوجد في ذوي السّهام كالأخ لأمّ، وذوي الأرحام كابن البنت، وربّما كانت الغضاضة معهما أشدّ منها مع بني الأعمام ونحوهم، فلا وجه لتخصيص ولاية النِّكاح بالعصبات، كما أنّه لا وجه لتخصيصها بمن يرث، ومن زعم ذلك فعليه الدليل، أو النقل، بأنّ معنى الوليّ في النِّكاح شرعاً أو لغة هو هذا، وأمّا ولاية السلطان فثابتة بحديث: "إذا تشاجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له". انتهى المقصود من كلامه١. وله بقيّة لم أستحسن إيرادها؛ إذ سوّى فيها بين أبناء البنين وأبناء البنات وأبناء الإخوة وأبناء الأخوات ونحوهم زاعماً أنّه لا مخصّص لذلك إلاّ أقاويل من سبق، ولا تعويل عليها عنده٢.
ولكنّني لا أعلم له موافقاً له على هذا القول، بل إنّ الإجماع - أو ما يشبهه - قائم على أنّه لا ولاية لأحد مع وجود العصبات بالنّسب. والله أعلم.
стр. 519
الرّ اجح:
إنّ الترجيح الذي تطمئنّ إليه النفس هو ما يعتمد على دليل واضح، وكلّ الأدلّة السابقة محتملة، ومع هذا فالذي يبدو لي - في هذه اللحظة، والعلم عند الله تعالى -: أنّه لا مانع من ولاية ذوي الأرحام بعد انقراض العصبات من النّسب والولاء، ولكن في الذكور خاصّة دون الإناث، وعلى هذا فأولياء المرأة هم قرابتها من الذكور خاصّة، الأدنى فالأدنى الذين تلحقهم الغضاضة باستبدادها بإنكاح نفسها أو إنكاح الأجانب لها، وأنّ العصبة شرط للتقديم؛ لأنّهم الأقرب اتفاقاً كما في الميراث، وعليه فإذا انعدمت العصبة من النّسب والولاء كان أولياؤها بعد ذلك أقاربها الذكور من ذوي الأرحام، وإنّما قصرت ذلك على الذكور منهم دون الإناث؛ لقيام الدليل على بطلان إنكاح الأنثى نفسها، فغيرها من النساء من باب أولى. والله أعلم.
٣ـ الترتيب بين العصبات فى ولاية النِّكاح.
لقد عرفنا فيما تقدّم أنّ للعصبات بالنَّسب ولاية في النِّكاح إجماعاً، وأنَّهم مقدّمون على غيرهم باتفاق المذاهب الأربعة وغيرها.
وأمّا الترتيب بينهم في ولاية النِّكاح، لتقديم أحقّهم بها، فهذا يختلف بين كلّ مذهب وآخر، بل وجد في المذهب الواحد اختلافات شتّى، أيُّ الأولياء أحقُّ بالتقديم؟ وذلك يرجع فيما يظهر لي من خلال هذا البحث إلى عدّة أسباب أهمّها ما يلي:
стр. 520
١- عدم وجود نصّ صريح من الكتاب أو السنّة في تبيان ترتيب الأولياء على التفصيل.
٢- أنّ مفهوم الوليّ الذي ورد به النصّ مثل قوله ﷺ : "لا نكاح إلاّ بوليّ" يقتضي تقديم الأقرب فالأقرب للمرأة.
٣- أنّ أقرب أصل يرجع إليه في بيان الأقرب فالأقرب هو الترتيب بين العصبات في الميراث، ولمّا كان الترتيب بينهم في الميراث غير متفق عليه اتفاقاً كاملاً، فقد جرى هنا من الخلاف ما جرى هناك.
٤- ونظراً لوجود بعض الفوارق بين أحقيّة الميراث وأهليّة الولاية في النِّكاح، لم يطّرد الترتيب بين العصبات في ولاية النِّكاح اطّراداً كاملاً حسب الترتيب في الميراث، فجرى هنا خلاف آخر؛ تبعاً لاختلاف الاجتهادات أيّ العصبات أحقّ بالتقديم؟ حتى وإن كان متفقاً عليه في باب الميراث، بل لقد وجد من العصبات في الميراث من قيل بعدم ولايته في النِّكاح "كالابن" رغم أصالته في باب الميراث، ونظراً لتشعّب الخلاف في هذه المسألة والتفريع عليها في كلّ مذهب أرى أنّ أسلم طريقة لبحث هذه المسألة هو تصديرها بالترتيب المشهور في كلّ مذهب من المذاهب الأربعة مع الإشارة إلى أهم مسائل الخلاف في نفس المذهب، ثم إتباع ذلك بمباحث تفصيليّة في كلّ مسألة للمقارنة بين مذاهب الخلاف فيها، وبيان وجهة كلّ منهم. والله الموفق.
стр. 521
مذاهب الفقهاء في ترتيب الأولياء من العصبات إجمالاً.
أـ مذهب الحنفية:
إنّ الترتيب بين العصبات في ولاية النِّكاح عند الحنفيّة كالترتيب في الإرث، والأبعد محجوب بالأقرب على النحو التالي: فأوّلهم: الابن، فابنه وإن سفل، ثم الأب، فأبوه وإن علا، ثم الأخُ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب، ثم أعمام الأب كذلك.
فكلّ هؤلاء تثبت لهم ولاية الإجبار على الأنثى والذكر في حال صغرهما، وكذلك في حال كبرهما إذا جنّا، إلاّ الابن فلا يتصوّر في حقّه إلاّ ولايته على أمّه المعتوهة أو المجنونة، وكذلك تثبت لهم ولاية الاستحباب على المرأة المكلّفة كما تقدّم توضيحه في محلّه١.
وقد خالف في هذا الترتيب محمد بن الحسن ﵀ فقال: إنّ الأب مقدّم على الابن٢.
وكذلك خالف أبو يوسف ومحمد بن الحسن أبا حنيفة في الجدّ والإخوة، فقال أبو حنيفة بتقديم الجدّ على الإخوة، وقال الصاحبان: باستوائهما في الولاية، تبعاً لاستوائهما في الميراث عندهما.
стр. 522
وصحح ابن الهمام تبعاً للسَّرَخْسِي أنّ القول بتقديم الجدّ على الإخوة قولهم جميعاً؛ لأنّ في الولاية معنى الشفقة معتبر، وشفقة الجدّ مقدّمة على شفقة الأخ، ولهذا لا يثبت لها الخيار في عقد الجدّ، كما لا يثبت في عقد الأب١.
ب ـ مذهب المالكيّة:
وأمّا الترتيب عند المالكيّة فيقدّم الأبناء فأبناؤهم وإن سفلوا، ثم الأب، ثم الإخوة الأشقاء، ثم الإخوة لأب، ثم بنو الإخوة للأب والأمّ، ثم بنو الإخوة لأب، ثم الأجداد للأب وإن علوا، ثم العمومة وإن سفلوا٢.
إلاّ أنّ بعضهم نصّ على أنّ كلّ جدّ يقدّم على ابنه من العمومة، وعلى هذا فالذي يتقدّم العمومة مطلقا إنّما هو الجدّ الأدنى، ثم بعد ذلك كلّ أب منهم يتقدّم ابنه٣.
وقال المغيرة٤: الجدّ وأبوه أولى من الأخ وابنه٥.
стр. 523
وتقدّم الأبناء على الأب مقيّد بما إذا لم تكن المرأة في حجر أبيها أو وصيّه١، وإلاّ فالمقدّم الأب أو وصيّه، وكذلك وصيّ الوصيّ٢.
جـ ـ مذهب الشافعية:
وأمّا مذهب الشافعية فترتيب الأولياء عندهم كترتيبهم في أحقّيتهم بالميراث، إلاّ في بعض المسائل، فأحقّ النّاس بإنكاح المرأة الحرّة عندهم: أبوها، ثم أبوه وإن علا، ثم أخ لأبوين، ثمَّ لأب، ثم بنو الإخوة وإن نزلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم سائر العصبة على ترتيب الإرث بالتعصيب٣.
والمسائل التي يختلف فيها هذا الترتيب عن ترتيب الميراث- عندهم- هي:
الأولى: الابن يقدّم في الميراث اتفاقاً، وهنا لا ولاية للابن بمحض البنوّة، وإنّما قد يلي بسبب آخر كمشاركتها في النَّسب، كأن يكون ابن
стр. 524
ابن عم، أو مولى، أو حاكماً، أو تولّدت قرابة من المجوس، أو وطء شبهة كأن يكون ابن أخيها أو ابن عمها، فيلي نكاحها بذلك السبب لا بسبب محض البنوّة١.
الثّانية: الجدّ يشارك الأخ في الميراث، وهنا يقدّم عليه اتفاقاً عندهم٢.
الثّالثة: الأخ الشقيق يقدّم على الأخ لأب في الميراث اتفاقاً - عندهم- وهنا فيه قولان:
أظهرهما - وهو الجديد - يقدّم الأخ الشقيق على الأخ لأب، كالميراث.
والقول القديم: يستويان في أحقّية الولاية، ويجرى هذان القولان في أبناء الإخوة والأعمام وبنيهم إذا كان أحدهم شقيقاً والآخر لأب٣.
د. مذهب الحنابلة.
وأمّا ترتيبهم عند الحنابلة: فأحقّ الناس بإنكاح الحرّة هو: أبوها فأبوه وإن علا، ثم ابنها فابنه وإن نزل، ثم أخوها لأبوين، ثم لأب، ثم
стр. 525
بنوهما كذلك، ثم عمّها لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما كذلك، ثم سائر الأولياء على ترتيب الإرث بالتعصيب١.
هذا هو الترتيب المشهور في المذهب، وهناك روايات وأقوال أخر منها:
١- تقديم الابن وابنه على الأب والجدّ٢.
٢- تقديم الابن على الجدّ٣.
٣- تقديم الأخ علي الجدّ٤.
٤- استواء الأخ والجدّ٥.
٥- استواء الابن والأب٦.
٦- استواء الأخ الشقيق والأخ لأب في درجة واحدة، وهذا المذهب عند المتقدِّمين منهم، وكذلك الحكم في بني الإخوة، وفي الأعمام وبنيهم، ولكنّ الصحيح هو تقديم الشقيق٧.
стр. 526
ثانيًا: أهمُّ مسائل الخلاف فى هذا الترتيب:
بعد هذا العرض لمذاهب الفقهاء في ترتيب الأوّلياء من العصبات يلاحظ أمران:
أوّلهما: أنّ هذه المذاهب أو بعضها قد تتَّفق على الترتيب في جهة واحدة، أو درجة واحدة من درجات الأولياء، ولكن ليس هناك اتفاق كامل من أوّل سلسلة العصبات إلى آخرها.
وثانيهما: أنّ هناك روايات وأقوالاً في نفس المذهب الواحد تختلف قوّة وضعفاً، ونظراً لقّوة تلك الأقوال أو شهرتها فلا بدّ من ذكرها وبيانها.
ونظراً لتلك الملاحظتين السابقتين، فإنّه لا بدّ من كرّة أخرى تفصيليّة توضِّح أهمّ الأقوال في كلّ جهة وفي كلّ درجة؛ فإنّ الأولياء من العصبات إمّا أن يكونوا.
стр. 527
ويختلفون قوّة أيضاً، فمن يدلي بجهتين أقوى ممّن يدلي بجهة واحدة، فالأخ الشقيق أقوى من الأخ لأب، والعم الشقيق أقوى من العم لأب، وكذلك أبناؤهم فلنبدأ بهم على النحو التالي:
أوّلاً: مرتبة الأب.
ثانياً: مرتبة الجدّ.
ثالثاً: مرتبة الابن.
رابعاً: مرتبة الأخ وابنه.
خامساً: مرتبة العم وابنه.
وإليك تفصيلها: في المطلب الثّالث التالي:
ثالثاً: مراتب العصبات وأدلّتها بالتفصيل.
١ـ مرتبة الأب.
إنّ للأب في ولايته على ابنته ما ليس لغيره من الأولياء، بل إنّ الولاية له ولفروعه وأصوله دون غيرهم عند الشافعيّة ومن وافقهم. وليس هناك سبب آخر يشاركه إلاّ البنوة عند الجمهور.
وعلى هذا فإذا اجتمع أب المرأة وابنها، فأيّهما أحقّ بإنكاحها؟ في هذا ثلاثة أقوال للفقهاء:
الأوّل: أنّ الأب أحقّ بإنكاحها من الابن.
стр. 528
وهذا مذهب الشافعيّة، والحنابلة، ومحمد بن الحسن من الحنفيّة، وكذلك المالكيّة إذا كانت في حجر أبيها١.
والثَّاني: أنّ الأب في المرتبة الثانيّة بعد الابن وأبنائه وإن نزلوا.
وهذا مذهب الحنفيّة عدا محمد بن الحسن، ومذهب المالكيّة إن لم تكن في حجر أبيها٢.
الثّالث: استواء الأب والابن في درجة واحدة. وهو قول بعض الحنابلة كما تقدّم٣.
الأدلّة:
أـ استدل من قدّم الأب على الابن بما يلي:
١ ـ أنّ الولد موهوب لأبيه، كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى٤﴾ ، وقول زكريَّا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَة﴾ ٥، وقول
стр. 529
إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق١﴾ وقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" ٢.
وولاية الموهوب له على الهبة أولى من العكس٣.
٢ـ أنّ الأب أكمل نظراً، وأشدّ شفقة على ابنته، ممّا يحمله على طلب الحظّ لها أكثر من غيره٤.
٣- أنّ الأب يلي ولده في صغره، وفي سفهه وجنونه، فيليه في سائر ما يثبت عليه من الولاية، ولذلك اختص بولاية المال، وجاز له أن يشتري لها من ماله، وله من مالها، إذا كانت صغيرة، بخلاف غيره٥.
٤ـ أنّ في الولاية نوعاً من الاحتكام، واحتكام الأصل على فرعه أولى من العكس؛ بخلاف الميراث؛ فإنّه لا يعتبر له نظر، ولهذا يرث الصغير
стр. 530
المجنون، وليس فيه احتكام ولا ولاية على الموروث، بخلاف ولاية النِّكاح١.
٥ـ أنّ كلّ الأولياء يدلون به عدا الأبناء٢.
٦ـ أنّ الأب من قومها، والابن ليس كذلك، فهو ينسب إلى أبيه، فاستحقّ الأب الولاية؛ لقوّة قرابته٣.
ب ـ وأمّا من قدّم الابن على الأب فى ولاية النِّكاح: فاستدلّ بأنّ الابن مقدّم على الأب في الميراث؛ فهو أقوى منه تعصيباً؛ ولذلك لا يستحقّ الأب معه إلاّ السدس من الميراث بالفريضة، ومبنى الولاية على العصوبة، فلمّا كان أقوى تعصيباً في الميراث، كان أحقّ بالتقديم من الأب في ولاية النِّكاح٤.
جـ ـ وأمّا من سوّى بين الابن والأب في درجة واحدة: فقد رأى أنّ كلاً منهما قد وجد فيه سبب التقديم، أمّا الأب فلأنّه من قومها وأشفق عليها، وأمّا الابن فلأنّه أقوى تعصيباً في الميراث، وكلّ واحد من هذين السببين داع للتقديم؛ فاستويا في القوّة؛ فاستحقّا الولاية معاً، وقال