← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ثانيًا: أهمُّ مسائل الخلاف فى هذا الترتيب: بعد هذا العرض لمذاهب الفقهاء في ترتيب الأوّلياء من العصبات يلاحظ أمران: أوّلهما: أنّ هذه المذاهب أو بعضها قد تتَّفق على الترتيب في جهة واحدة، أو درجة واحدة من درجات الأولياء، ولكن ليس هناك اتفاق كامل من أوّل سلسلة العصبات إلى آخرها. وثانيهما: أنّ هناك روايات وأقوالاً في نفس المذهب الواحد تختلف قوّة وضعفاً، ونظراً لقّوة تلك الأقوال أو شهرتها فلا بدّ من ذكرها وبيانها. ونظراً لتلك الملاحظتين السابقتين، فإنّه لا بدّ من كرّة أخرى تفصيليّة توضِّح أهمّ الأقوال في كلّ جهة وفي كلّ درجة؛ فإنّ الأولياء من العصبات إمّا أن يكونوا.

стр. 527

ويختلفون قوّة أيضاً، فمن يدلي بجهتين أقوى ممّن يدلي بجهة واحدة، فالأخ الشقيق أقوى من الأخ لأب، والعم الشقيق أقوى من العم لأب، وكذلك أبناؤهم فلنبدأ بهم على النحو التالي: أوّلاً: مرتبة الأب. ثانياً: مرتبة الجدّ. ثالثاً: مرتبة الابن. رابعاً: مرتبة الأخ وابنه. خامساً: مرتبة العم وابنه. وإليك تفصيلها: في المطلب الثّالث التالي: ثالثاً: مراتب العصبات وأدلّتها بالتفصيل. ١ـ مرتبة الأب. إنّ للأب في ولايته على ابنته ما ليس لغيره من الأولياء، بل إنّ الولاية له ولفروعه وأصوله دون غيرهم عند الشافعيّة ومن وافقهم. وليس هناك سبب آخر يشاركه إلاّ البنوة عند الجمهور. وعلى هذا فإذا اجتمع أب المرأة وابنها، فأيّهما أحقّ بإنكاحها؟ في هذا ثلاثة أقوال للفقهاء: الأوّل: أنّ الأب أحقّ بإنكاحها من الابن.

стр. 528

وهذا مذهب الشافعيّة، والحنابلة، ومحمد بن الحسن من الحنفيّة، وكذلك المالكيّة إذا كانت في حجر أبيها١. والثَّاني: أنّ الأب في المرتبة الثانيّة بعد الابن وأبنائه وإن نزلوا. وهذا مذهب الحنفيّة عدا محمد بن الحسن، ومذهب المالكيّة إن لم تكن في حجر أبيها٢. الثّالث: استواء الأب والابن في درجة واحدة. وهو قول بعض الحنابلة كما تقدّم٣. الأدلّة: أـ استدل من قدّم الأب على الابن بما يلي: ١ ـ أنّ الولد موهوب لأبيه، كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى٤﴾ ، وقول زكريَّا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَة﴾ ٥، وقول

стр. 529

إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق١﴾ وقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" ٢. وولاية الموهوب له على الهبة أولى من العكس٣. ٢ـ أنّ الأب أكمل نظراً، وأشدّ شفقة على ابنته، ممّا يحمله على طلب الحظّ لها أكثر من غيره٤. ٣- أنّ الأب يلي ولده في صغره، وفي سفهه وجنونه، فيليه في سائر ما يثبت عليه من الولاية، ولذلك اختص بولاية المال، وجاز له أن يشتري لها من ماله، وله من مالها، إذا كانت صغيرة، بخلاف غيره٥. ٤ـ أنّ في الولاية نوعاً من الاحتكام، واحتكام الأصل على فرعه أولى من العكس؛ بخلاف الميراث؛ فإنّه لا يعتبر له نظر، ولهذا يرث الصغير

стр. 530

المجنون، وليس فيه احتكام ولا ولاية على الموروث، بخلاف ولاية النِّكاح١. ٥ـ أنّ كلّ الأولياء يدلون به عدا الأبناء٢. ٦ـ أنّ الأب من قومها، والابن ليس كذلك، فهو ينسب إلى أبيه، فاستحقّ الأب الولاية؛ لقوّة قرابته٣. ب ـ وأمّا من قدّم الابن على الأب فى ولاية النِّكاح: فاستدلّ بأنّ الابن مقدّم على الأب في الميراث؛ فهو أقوى منه تعصيباً؛ ولذلك لا يستحقّ الأب معه إلاّ السدس من الميراث بالفريضة، ومبنى الولاية على العصوبة، فلمّا كان أقوى تعصيباً في الميراث، كان أحقّ بالتقديم من الأب في ولاية النِّكاح٤. جـ ـ وأمّا من سوّى بين الابن والأب في درجة واحدة: فقد رأى أنّ كلاً منهما قد وجد فيه سبب التقديم، أمّا الأب فلأنّه من قومها وأشفق عليها، وأمّا الابن فلأنّه أقوى تعصيباً في الميراث، وكلّ واحد من هذين السببين داع للتقديم؛ فاستويا في القوّة؛ فاستحقّا الولاية معاً، وقال

стр. 531

أبو يوسف ﵀ إنّ الأولى أن يفوّض الابن – حينئذٍ - الأب في الإنكاح، إجلالاً واحتراماً واحترازاً عن موضع الخلاف١. ٢ـ مرتبة الجد في ولاية النِّكاح: وأمّا مرتبة الجدّ- أب الأب- في أحقّيته بولاية النِّكاح، ففيها الأقوال التالية: ١ـ أنَّه أحقُّ بالولاية بعد أبيها وإن علت درجته، فيقدّم الأقرب فالأقرب منهم، سواء على قول من يقدّم جهة الأبوّة، مطلقاً كالشافعيّة والحنابلة، أم على قول من يقدّم جهة البنوّة على الأبوّة، كمذهب المالكيّة ومذهب أبي حنيفة وأبي يوسف٢. ٢- استواء الأخ والجدّ في مرتبة واحدة، وهذه رواية عن الإمام أحمد وقول أبي يوسف ومحمد كما تقدّم٣. ٣- تقديم الإخوّة وبنيهم على الجدّ الأدنى- وهو أب الأب- وهذا مذهب المالكيّة كما تقدّم٤. ورواية عن الإمام أحمد بتقديم الأخ خاصّة على الجدّ٥.

стр. 532

٤- تقديم كلّ جدّ على ابنه من العمومة فقط، فيقدّم الجدّ الأدنى على العم الأدنى، كما يقدّم العمّ الأدنى على أب الجدّ، وهكذا كلّ أب يتقدّم ابنه، وهذا مذهب المالكيّة، وإن كان بعضهم يطلق القول بتقديم الأجداد على الأعمام، كابن رشد وابن جزي١. الأدلَّة: أـ وقد استدلَّ من قدّم الجدّ على الابن وأبنائه بنفس الأدلَّة على تقديم الأب على الابن، فينزّل الجدّ وإن علا منزلة أبيه- عند عدمه- كما ينزّل الابن وإن نزل منزلة أبيه، فالجدّ أب وإن علا، كما أن ابن الابن ابن وإن نزل٢. كما استدلَّ أيضًا من قدّم الابن على الجدّ بنفس الأدلَّة على تقديم الابن على الأب وأولى. وأمّا من قدّم الجدّ على الإخوة أيضاً، فلأنّ الجدّ أقوى تعصيباً من الإخوة في الميراث، فالجدّ لا يسقط إلاّ بالأب، أمّا الأخ فيسقط بالأب وبالابن، وكذلك إذا ضاق المال وفي المسألة جدّ وأخ سقط الأخ دون الجدّ، فوجب تقديمه على الأخ في الولاية٣.

стр. 533

وأيضاً: فإنّ للجدّ ولاية على النفس والمال جميعاً، بخلاف الأخ فلا ولاية له في المال١. ب ـ وأمّا من سوّى بين الأخ والجدّ في أحقّيّة الولاية، فهذا فرع عن التسوية بينهما عنده في الإرث، ولكن لا يخفى أنّ هناك فرقاً بين استحقاق الولاية وبين استحقاق الميراث؛ فالميراث لا يعتبر له كمال النظر؛ ولهذا يرث الصبي والمجنون، والولاية نوع من الاحتكام بخلاف الميراث٢. ثم إنّه يَرِدُ عليه ما تقدّم قريباً من أنّ الجدّ أقوى في الميراث من الإخوة. وقد ذكر ابن الهُمام تبعاً للسَّرَخْسِي قول أبي حنيفة بتقديم الجدّ على الإخوة، وقول الصاحبين بالتسوية بينهما، بناء على أصلهما في الميراث، ثم قال: والأصح أنّ الجدّ أولى بالتقديم اتفاقاً٣. وقال ابن قدامة في توجيه ما روي عن الإمام أحمد من تقديم الأخ خاصة على الجدّ بأنّ: "الجدّ يدلي بأبوّة الأب، والأخ يدلي ببنوّة، والبنوّة مقدّمة"٤. أي لأنّها أقوى تعصيباً.

стр. 534

ولكن يَرِدُ على هذا ما سبق من الفرق بين الولاية والميراث، وبقوّة تعصيب الجدّ على تعصيب الأخ في الميراث أيضاً. ج ـ وأمّا من قدّم أبناء الإخوة على الجدّ أيضاً فهذا تابع لتقديم الإخوة عليه. د ـ وأمّا من قدّم بعض العمومة على بعض الجدود، فقال بتقديم كلّ جدّ على ابنه فقط. فهذا نظر لقرب الدرجة فيما يظهر، والله أعلم. ٣ ـ ولاية الابن في النِّكاح ومرتبته. وأمّا الابن فإنّ البحث في ولايته في النِّكاح ينقسم إلى قسمين: أوّلهما: في ثبوت ولايته في النِّكاح. ثانيهما: في مرتبة ولايته في سلّم العصبات، عند من يقول بولايته. فأمّا المسألة الأولى: وهي ثبوت ولاية الابن في النِّكاح ففيها قولان مشهوران: الأوّل: ثبوت ولايته. وهذا مذهب الجمهور ومنهم الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والمزني من الشافعية١.

стр. 535

والثَّاني: أنَّه لا ولاية للابن على أمّه في النِّكاح بمحض البنوّة، ولكن قد يستحق الولاية عليها في النِّكاح بسبب، آخر غير البنوّة، كأن يكون ابن ابن عمّها، أو مولى لها، أو حاكماً، أو تولّدت بينه وبينها قرابة نسب بسبب نكاح شبهة، أو نكاح في حال الكفر، كأن يكون ابن أخيها أو ابن عمّها، فيلي عليها بذلك السبب، لا بسبب البنوّة المحضة. وهذا مذهب الشافعي وجمهور أصحابه١، وهو مذهب ابن حزم الظا هري أيضاً٢. الأدلة: استدلَّ الجمهور على إثبات الولاية في النِّكاح للابن على أمّه بما يلي: ١ ـ بما رواه عمر بن أبي سلمة، عن أمّه أمّ سلمة ﵂ في حديثها المتقدّم - وفيه: أنّها قالت لابنها عمر هذا: قم فزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم٣. ٢- عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ٤. فهذا خطاب للأقارب، وأقربهم الأبناء٥.

стр. 536

٣- وقياساً على الميراث، فإنّ الابن فيه عصبة اتفافاً، بل إنّه أقوى العصبات١. دليل مذهب الشافعيّة على عدم إثبات الولاية للابن على أمّه فى النِّكاح: واستدلَّ من لم يثبت للابن ولاية على أمّه في النِّكاح كالشافعيّة ومن وافقهم بما يلي: ١ ـ أنّ الولاية في النِّكاح تثبت للأولياء لدفع العار عن النَّسب، ولا نسب بين الابن وأمّه، فالقرابة بينهما لا ينسب أحدهما بسببها إلى الآخر، ولا ينسبان أيضاً إلى من هو أعلى منهما، فلم يكن له ولاية عليها، كابن الأخت والأخ للأمّ٢ ٢- أنّ الولاية في النِّكاح إنّما شرعت طلباً لحظّ المرأة والإشفاق عليها، والابن يعتقد أنّ تزويجه أمّه عار عليه، فلا يطلب لها الحظّ؛ لأنّ طبعه ينفر من ذلك، فلا يستحقّ ولاية نكاحها٣.

стр. 537

هذا خلاصة ما قاله الشافعيّة في منع ولاية الابن. وقد أجاب الجمهور عن القول الأوّل - وهو أنّ الابن غير مناسب لها - بأنّه منتقض بما إذا كان الابن حاكماً أو مولى١. وكذلك القول بأنَّ طبعه ينفر من تزويجها يبطله ما إذا كان الابن ابن ابن عمّ٢. وأجاب عنه الشافعيّة: بأنّ البنوّة غير مقتضية للولاية، وليست مانعة منها، فإذا وجد معها سبب آخر يقتضى الولاية فإنّ وصف البنوّة لا يمنع من ذلك٣. كما أجاب الشافعيّة عن حديث أمّ سلمة بما يلي: ١ ـ أنّ نكاح النبي ﷺ لا يحتاج إلى وليّ، وإنّما قال له ذلك تطييباً لخاطره٤. ٢ ـ أنّ عمر بن أبي سلمة كان- حينذاك - طفلاً صغيراً، فكيف يصحّ تزويجه؟ ٥.

стр. 538

٣ ـ وعلى فرض أنّه كان بالغاً فيكون تزويجه لها ببنوّة العمومة؛ فإنّه كان من بني أعمامها، ولم يكن لها وليّ أقرب منه، والابن إذا كان مشاركاً لأمّه في نسبها صحّ تزويجه لها اتفاقاً١. ٤ ـ احتمال: أن يكون المخاطب في هذا الحديث هو عمر بن الخطاب ﵁ وليس عمر ابنها؛ فإنّ عمر بن الخطاب ﵁ كان السفير بينهما، وهو نسيب لها، فتكون لفظة "ابنها" وهم من الراوي٢. والله أعلم. الرَّا جح: والذي يبدو لي- والله أعلم- أنّ القول بإثبات الولاية في النِّكاح للابن، كثبوتها للأب وعصبته لا يخلو من نظر - وإن كثر القائلون به - والذي أميل إليه في هذا هو مذهب الإمام الشافعي- ﵀، وهو أنّه لا ولاية للابن على أمّه بمحض البنوّة، وذلك لما يلي: أوّلاً: أنّ جهة الأمومة لا مدخل لها في إثبات ولاية النِّكاح عند الجمهور ومنهم المالكيّة والحنابلة، ولذلك منعوا ولاية الأخ لأمّ، والخال، وغيرهما، من قرابة الأمّ، والابن هنا غير مشارك لأمّه في النَّسب؛ فلا قرابة بينه وبينها – حينئذ - إلاّ بجهة الأمومة خاصّة.

стр. 539

والقول بولايته له وجه من النظر على المشهور من مذهب الحنفيّة، وهو أنّ المرأة المكلّفة يصحّ لها تزويج نفسها بدون وليِّها؛ وعلى هذا فلها أن تفوّض نكاحها إلى من شاءت قريباً أم بعيداً، وهذا أقرب إلى الوكالة منه إلى الولاية، كما قرّره الحنفيّة أنفسهم أنّه إنّما يسمّى وليّاً- حينئذ- مراعاة لقرابته، وإلاّ فهو وكيل حقيقة. ويدلّ على هذا اتفاق أئمة الحنفيّة الثلاثة على أنّه لا ولاية لذوي الأرحام مع وجود العصبات في الولاية على الصغار والمجانين، وهي الولاية الحقيقيَّة عندهم في النِّكاح، ثم إنّ أبا يوسف ومحمدًا لم يجعلا لذوي الأرحام ولاية مطلقاً وإن لم يوجد عصبة أيضاً، فتنتقل الولاية بعد العصبات إلى الحاكم. بينما أثبتها لهم أبو حنيفة- ﵀ في رواية إن لم يوجد لها عصبة، وبهذا يتَّضح أنَّ الأئمة الأربعة وأصحابهم يتفقون على أنّ جهة الأمومة لا تُستحقّ بها الولاية في النِّكاح مطلقاً، أو مع وجود قرابة الآباء، أو العصبات مطلقاً، فكيف أثبتوا لابن المرأة الولاية عليها في النِّكاح؟. ثانياً: وأمّا تعليل من أثبت الولاية للابن بأنّه عصبة لها اتفافًا، ففي هذا إجمال وتناقض، فإن كان قصدهم بذلك أنّه عصبة لها اتفافاً في الميراث فنعم، ولكن ما الدليل على إجراء استحقاق ولاية النِّكاح مجرى استحقاق الإرث؟ فليس في هذا نصّ ولا إجماع، بل إنّ أقرب الأئمة إلى هذه القاعدة - وهو أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه وهي: أنّ كلّ من استحقّ الإرث استحقّ الولاية في النِّكاح -، إنّما قصد بها من تثبت لهم

стр. 540

نوع ولاية من حيث الجملة؛ بدليل أنّه إذا وجد أب الصغيرة فإنّه لا يشاركه في ولايتها في النِّكاح أحد، لا عند أبي حنيفة ولا غيره، وبدليل ما تقدّم عنه قريباً من أنّه لا ولاية للأمّ ولا لغيرها من ذوي الأرحام إذا وجد العصبة أيّاً كان نوعها نسباً أو ولاء. وأمّا إن كان مرادهم بالتعصيب: ما روي عن عليّ ﵁ موقوفاً أو مرفوعًا بلفظ "النِّكاح إلى العصبات١" فهذا يحتاج إلى ثبوته أوّلاً، وما أظنُّه يثبت بهذا اللفظ، ثم إنّه لا يلزم منه أن يكون العصبات هنا هم عصبات الميراث، بل يحتمل أنّه قصد بذلك الرجال المشاركين لها في النَّسب. وأمّا ما روي عن عليّ ﵁ موقوفاً عليه بلفظ "إذا بلغ النساء نصّ الحقائق فالعصبة أولى"٢. فهذا يدلّ صراحة على أنّ مراد عليّ- ﵁ بالعصبات هنا هم عصبات الصغيرة، والصغيرة لا ابن لها، فبطل القول بإدخال الابن ضمن العصبات فيما روي عن عليّ بلفظ "النِّكاح إلى العصبات"، ثم ما المقصود بالأولويّة هنا؟ أهي أولويّة الحضانة أم التزويج؟ والأوّل أظهر؛ بدليل مشاركة الأمّ للعصبات في هذا الحقّ، ولا مشاركة للأمّ مع العصبات على مذهب الجمهور مطلقاً، ولا على مذهب الحنفيّة إن كانت ابنتها صغيرة، أو مجنونة، أعني مع وجود

стр. 541

العصبة، وأمّا إن كانت ابنتها كبيرة عاقلة فلا حقّ في تزويجها لأحد على المشهور من مذهب الحنفيّة، ومن الغريب أن يشتهر الاستدلال بهذه الرواية عن عليّ موقوفة، ومرفوعة إلى النبي ﷺ بلفظ "النِّكاح إلى العصبات" في كتب الحنفيّة مع أنّها أقوى حجّة عليهم - لو صحّت - على اشتراط الولاية في النِّكاح على الحرّة المكلّفة، لأنّ الحصر يفيد ذلك. والله أعلم. ثالثاً: وأمّا حديث أمّ سلمة ﵂ فإنّه أقوى حجّة للجمهور- لو صحّ سنده، وسلمت وجهة دلالته - وقد تقدّم الكلام عليه إسنادًا ودلالة في مبحث احتجاج الحنفيّة به على إثبات إنكاح الحرّة المكلّفة نفسها. وذلك أنّهم قالوا: إنّ ابنها عمر بن أبي سلمة كان صغيراً ليس أهلاً لولاية النِّكاح، ففوّضت ذلك إليه فهو قائم مقامها. وحاصل ما تقدّم: أنّ في إسناد هذا الحديث: (ابن عمر بن أبي سلمة) وهو مجهول، ثم على فرض صحته واتصاله فمن هو الذي زوّج أمّ سلمة حقيقة؟ أهو ابنها عمر هذا كما ورد صريحاً في بعض ألفاظ هذا الحديث؟ أم هو ابنها الآخر: سلمة بن أبي سلمة؟ وكان أكبر من أخيه عمر؟: وهذا اختيار ابن كثير. أم أنّ الذي زوّجها هو عمر بن الخطاب ﵁؟ فإنّه كان السفير بينهما، وهو نسيب لها، واسمه موافق لاسم ابنها الصغير، فوهم الراوي وظنّه عمر ابنها؟ أم أنّ وليّها حقيقة هو رسول الله ﷺ بولاية

стр. 542

السلطنة؟ لعدم وجود أحد من أوليائها كما هو صريح تلك الرواية؟ أم أنّه خصوصية له ﷺ ؟ لأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ١. ولا يصح الاستدلال به حينئذٍ للجمهور إلاّ على القول بأنّ الذي زوّجها هو أحد ابنيها (عمر، أو سلمة) ومع هذا فيعكّر على هذا الاستدلال أمران: أوّلهما: أنّ ابنيها كانا صغيرين، وأحسن أحوالهما بلوغ سنّ التمييز فكيف يستدل به من يشترط بلوغ الوليّ؟ وهم أكثر المحتجّين بهذا الحديث، بل إنّني لا أعرف من قال بصحة ولاية الصبيّ المميّز في المذاهب الأربعة خاصّة إلاّ ما روي عن الإمام أحمد: أنّ الصبيّ إذا بلغ عشراً زوّج وتزوّج٢. وثانيهما: أنّ ابنيها كانا مناسبين لها كما تقدّم٣ ـ أي من بني أعمامها ـ وعلى هذا فلا يحتجّ به على ثبوت الولاية بالبنوّة المحضة. والله أعلم.

стр. 543

ترتيب الابن فى سلّم العصبات (عند من قال بولايته) . وأمّا المسألة الثانية: فهي ترتيب الابن في سلّم العصبات عند من قال بولايته في النِّكاح، وفيها الأقوال الثلاثة التي سبقت في مرتبة الأب وهي: ١ـ تقديم الأبوّة مطلقاً على البنوّة مطلقاً، وعلى هذا فيكون الأب، وأبوه وإن علا مقدّماً على الابن، وابنه وإن نزل. ٢ـ تقديم البنوّة مطلقاً على الأبوّة مطلقاً، أي عكس الأولى. ٣ـ استواء الابن والأب في درجة واحدة. وقد تقدّم بيان من قال بها ووجهة نظركلّ في ذلك١، فلا حاجة إلى إعادتها مرّة أخرى. وهنا زيادة روايتين عمّا سبق: كلتاهما عن الإمام أحمد ﵀ وهي لا تخرج عن الأقوال السابقة وهما: ١ـ تقديم الابن على الجدّ خاصّة، وتوجيه هذه الرواية يتبع القول في تقديم الابن على الأب٢. ٢ـ استواء الجدّ وابن الابن في درجة واحدة، وهذه الرِّواية أيضاً تخريج على القول باستواء الأب والابن في درجة واحدة، وخرّجها بعض الحنابلة على رواية استواء الأخ والجدّ٣.

стр. 544

٤ـ مرتبة ولاية الإخوة: المقصود بالإخوة في هذا المبحث هم: الإخوة الأشقاء، أو لأب، وأمّا الأخ لأمّ فليس هو من العصبات - التي هي محلّ بحثنا هذا ـ وإنّما قد يلي عند عدم العصبات بقرابة ذوي الأرحام كما في الرواية المشهورة عن الإمام أبي حنيفة ﵀، وكذلك قد يلي بالولاية العامة التي تُستَحقّ بمجرَّد الإسلام، كما هوالمشهور عند المالكيّة. وترتيب الإخوة الأشقاء أو لأب في سلّم العصبات فيه الخلاف المشهور في الجدّ والإخوة، وقد سبق أهمّ ما قيل فيه في مبحث "مرتبة الجدّ في الولاية" وحاصله ثلاثة مذاهب. القول الأوّل: أنّ ترتيب الإخوة وبنيهم في ولاية النِّكاح يأتي بعد الأصول والفروع، فلا ولاية لأخ وابنه وإن نزل مع أب وأبيه وإن علا، ولا مع ابن وابنه وإن نزل عند من يقول بولاية الأبناء، وهم الجمهور. وهذا القول هو مذهب الحنفيّة، والحنابلة، وكذلك الشافعيّة القائلين بعدم ولاية الابن أصلاً١. وحجّة هذا القول: أنّ الإخوة أقرب العصبات بعد الأصول والفروع، وأقواهم تعصيباً، وأحقّهم بالميراث٢. وأمّا ما يختص بتقديم الجدّ عليهم فقد تقدّم في مبحث الجدِّ٣.

стр. 545

القول الثَّاني: أنّ الإخوة وبنيهم مقدّمون على الجدّ. وهذا هو المشهور من مذهب المالكيّة١، ولم أجد من نصّ على توجيه هذا القول إلاّ ما أشار إليه ابن رشد بقوله: "وسبب اختلافهم في الجدّ هو اختلافهم فيمن هو أقرب هل الجدّ أو الأخ"؟ ٢ اهـ. وقد ذكر ابن قدامة رواية للإمام أحمد ﵀ توافق مذهب المالكيّة هذا في تقديم الأخ على الجدّ، وقال في توجيهها: "لأنَّ الجدّ ـ يدلي بأبوّة الأب، والأخ يدلي ببنوّة، والبنوّة مقدّمة"٣. اهـ. وهذا التوجيه يتفق مع مذهب المالكيّة؛ لقولهم بتقديم البنوّة مطلقاً على الأبوّة مطلقاً، فيكون من يدلي بالبنوّة - وهو الأخ - مقدّماً على من يدلي بالأبوّة وهو الجدّ. والله أعلم. القول الثَّالث: هو استواء الأخ والجدّ في درجة واحدة، وهي رواية عن الإمام أحمد، وقول أبي يوسف، ومحمد، وهذا بناء على استوائهما في الميراث بالتعصيب، فيستويان في الولاية كالأخوين، كما تقدّم٤.

стр. 546

استواء الإخوة فى الدّرجة واختلافهم في القوّة. وأمّا إذا اجتمع الإخوة في درجة واحدة واختلفت قوّة مراتبهم كالأخ الشقيق مع الأخ لأب، ففي استوائهما في أحقّية الولاية أو تقديم أحدهما على الآخر قولان مشهوران: القول الأوّل: أنّهما سواء في أحقّية الولاية. وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد ﵀، وهو المذهب عند المتقدِّمين من أصحابه، وبه قال أبو ثور، والشَّافعي في القديم، وزفر من الحنفيّة١. ووجهة هذا القول: أنّ الأخ لأبوين والأخ لأب قد استويا في الجهة التي تستفاد منها الولاية - وهي جهة الأب - فاستويا في استحقاق الولاية، والأخ الشقيق إنّما يترجّح في الميراث بجهة الأمومة، وقرابة الأمّ لا مدخل لها في ولاية النِّكاح، فلم يترجّح بها هنا، كالعمّين أحدهما خال، وابني العمّ أحدهما أخ لأمّ٢. والقول الثَّاني: هو تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب: وهذا مذهب الأئمة أبي حنيفة، ومالك، والشافعي في الجديد،

стр. 547

وهي الرِّواية الثَّانية عن الإمام أحمد وعليها المذهب عند متأخري أصحابه١. ووجهة هذا القول ما يلي: ١ـ أنّ الولاية حقّ يستفاد بالتعصيب، فقدّم فيه الأخ لأبوين على الأخ لأب٢. ٢- وقياساً على استحقاق الميراث بالولاء، فإنَّة لا مدخل للنِّساء فيه، وقد قدّم فيه الأخ لأبوين ٣. ٣- ولأنّه وليّ القصاص، فقد قال : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانا﴾ ٤، ولو قُتِل رجل وله أخ لأبوين، وأخ لأب، كان القصاص للأخ لأبوين، دون الأخ لأب، فدلّ على تقديمه٥. والله أعلم.

стр. 548

والرّاجح: تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب؛ فإنَّ جهة الأمومة وإن كان لا مدخل لها في أصل ثبوت الولاية، فإن ذلك لا يمنع الترجيح بها؛ فإنّها زيادة قرابة هي مظنَّة للشفقة والنظر، وذلك معتبر في الولاية، وعلى هذا فيقدّم الشقيق من الإخوة وأبنائهم وكذلك الأعمام وأبناؤهم على غير الشقيق. والله أعلم. ٥- مرتبة ولاية الأ عمام في النِّكاح: يأتى ترتيب العمومة في أحقّية الولاية متأخِّرًا عن الأصول والفروع، وفروع الأب وهم الإخوة عدا ما تقدم ذكره عن بعض المالكية من القول بالتفصيل بين الأعمام والأجداد، وهو أنَّ كلَّ أب يتقدَّم ابنه فقط١. ولكنَّ الرَّاجح هو تقديم الجدّ مطلقًا وإن علا، على الأعمام والإخوة، بل وحتى على الأبناء كذلك، بناء على أنَّ الرَّاجح تقديم الأصول على الفروع مطلقاً. وأمّا الأعمام فيما بينهم: فإنَّ الشقيق يتقدَّم على العمِّ لأب، وكذلك ابن العم الشقيق يتقدَّم على ابن العمِّ لأب، وهكذا كما تقدَّم في الإخوة.

стр. 549

ويتفرَّع على تقديم الشقيق على غيره مسائل يراعى فيها الأقوى عند الاستواء في درجة واحدة وهي كثيرة، وإنّما نكتفي بذكر ثلاث مسائل للتمثيل. المسألة الأولى: إذا اجتمع ابنا عم أحدهما أخ لأم فأيُّهما يقدم؟ قيل: هما سواء؛ لاستوائهما في التعصيب والإرث به. وقيل: فيهما الخلاف في الشقيق مع ولد الأب، وطرد هذا القول جمهور الشافعية في الجديد، والقاضي من الحنابلة١. فعلى هذا يقدّم ابن العم الذي هو أخ لأمِّ بجهة الأمومة؛ بناء على أنَّ الرَّاجح تقديم الشقيق على غيره. واختار ابن قدامة القول الأوّل، ووافقه بعض الحنابلة؛ وذلك لأنَّ جهة الأم في هذه المسألة يرث بها منفردة، وما ورث به منفردًا لم يرجّح به، ولذلك لم يرجّح بها في الميراث، ولا في غيره٢.

стр. 550

المسألة الثّانية: إذا اجتمع ابنا عمّ أحدهما لأبوين، والآخر لأب، ولكنّه أخوها من الأمّ فأيّهما يقدّم؟ اختار الشافعيّة تقديم ابن العمّ لأب الذي هو أخوها لأمّها؛ لإدلائه بالجدّ والأمّ، وولد الأبوين يدلي بالجدّ والجدّة١. واختار ابن قدامة تقديم ولد الأبوين؛ بناء على أنّ الرّاجح تقديم الشقيق، ولم يعتبر الترجيح هنا بجهة الأمومة؛ لأنّه يرث بها منفردة، كما في المسألة السابقة٢. المسألة الثّالثة: ابنا عمّ أحدهما معتِق: على القولين في الأخ الشقيق والأخ لأب. المسألة الرّابعة: ابنا عمّ أحدهما خال: فهما سواء قولاً واحداً، نصّ على ذلك الشافعيّة في الصورتين٣. وإلى هنا ينتهي ما أمكن بيانه من خلاف الفقهاء في ترتيب الأولياء من العصبات النسبيّة إجمالاً وتفصيلاً، وأولاها بالاختيار مذهب الشافعيّة وهو أنّ: وليّ الحرّة: أبوها، فأبوه وإن علا، ثمّ أخوها، فابنه وإن

стр. 551

نزل، ثمّ عمّها، فابنه وإن نزل، ويتقدّم الشقيق من الإخوة والأعمام وأبنائهم على غير الشقيق إذا استوت درجتهم. والله أعلم. رابعاً: أثر الترتيب بين الأولياء في ولاية النِّكاح: إنّ للترتيب بين الأولياء أثره في أحقيّة الوليّ بالولاية، وفي انتقالها عنه إلى غيره، وإن كان تام الأهليّة، وهذا الأثر يتجلّى في كثيرٍ من المسائل وأهمّها المسائل التالية: المسألة الأولى: إذا اجتمع الأولياء واستووا درجة وقوّة فمن يزوّج منهم؟ المسألة الثَّانيه: إذا أنكح الوليّ الأبعد مع حضور الأقرب فما الحكم؟ المسألة الثّالثة: إذا عضلها الوليّ الأقرب فمن يزوّجها؟ المسألة الرَّابعة: إذا غاب الولُّي الأقرب فمن يزوّجها؟ وإليك بيان ذلك بالتفصيل ما أمكن. والله الموفِّق والمعين. المسألة الأولى: إذا استوى الأولياء فمن يزوّج منهم؟ إذا اجتمع الأولياء واتّحد سبب الولاية، واستووا في الجهة والدّرجة والقوَّة، كالإخوة الأشقاء – مثلاً - فقد اتفق الفقهاء ﵏ على أنّ كلاً من أولئك أولياؤها، وأنّه إذا تقدّم أحدهم بإذن بقيّتهم فزوّج

стр. 552

المرأة كفؤاً بإذنها أنّ عقده صحيح، وأنّ المستحب أن يقدّموا أفضلهم وأكبرهم وأحسنهم نظراً في الولاية. واختلفوا فيما إذا انفرد أحدهم بدون إذن الآخرين، وإليك عرضاً لمذاهبهم في هذه المسألة: أولاً: مذ هب الحنفيّة: أنّه لا يشترط اجتماعهم، فأيّهم زوّجها جاز ذلك، وذلك لما يلي: ١ ـ ما رواه الحسن البصري، عن سَمُرة بن جُنْدُب ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا أنكح الوليّان فهو للأوّل". رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، والنسائي، والطيالسي، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم١. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، والعمل علي هذا عند

стр. 553

أهل العلم، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافاً: إذا زوّج أحد الوليين قبل الآخر، فنكاح الأوّل جائز، ونكاح الآخر مفسوخ. وإذا زوّجا جميعاً فنكاحهما جميعاً مفسوخ، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق"١. اهـ وقد صحّحه الحاكم وغيره٢، إلا أنّ في سماع الحسن البصري من سَمُرة بن جُنْدُب ﵁ خلافاً مشهوراً، مع ما عرف عنه ﵀ من التدليس أيضاً، فلا يكفي سماعه من سمرة مطلقاً، بل لابدّ من خصوص سماعه لهذا الحديث منه لثبوت صحته٣. والله أعلم. وقد روى هذا الحديث أيضاً الإمام أحمد بن حنبل، والبيهقي، عن الحسن، عن عقبة بن عامر ﵁، إلاّ أنّ الصحيح رواية الحسن، عن سَمُرة، كما قاله البيهقي رحمه الله٤.

стр. 554

وإذا ثبت هذا الحديث فهو ظاهر الدلالة على تصوّر انفراد بعض الأولياء بالتزويج بدون علم الآخر، وإلاّ لما كان هناك تصوّر لتكرار العقد من ولييّن؛ ولذلك قال السَّرْخَسِي في المبسوط: "وفي هذا تنصيص على أنّ كلّ واحد منهما ينفرد بالعقد"١. ٢- أنّ سبب الولاية هنا القرابة، وهو غير محتمل للوصف بالتجزيء، والحكم الثابت أيضاً غير متجزيء وهو النِّكاح، فيجعل كلّ واحد من الأولياء كالمنفرد به؛ لثبوت صفة الكمال في حقّ كلّ واحد منهم بكمال السبب، وكونه غير محتمل للتجزيء كما في ولاية الأمان، فإنّها تثبت لكلّ واحد من المسلمين بهذا الطريق، وهذا بخلاف ما إذا كان سبب الولاية هو الملك أو الولاء، فالسبب هناك متجزيء في نفسه؛ فلم يتكامل في حقّ كلّ واحد منهم؛ بدليل أنّ أحد الموليين لا يرث جميع المال بالولاء، بخلاف ما إذا تفرّد به أحد الأخوين فإنّه يأخذ جميع المال٢.

стр. 555

ثانياً: مذهب المالكيّة: وأمّا مذهب المالكيّة ففيه تفصيل، وهو: إن كان الوليّ مجبراً - كأبويّ من ألحقتها القافة بهما، وكالوصيّين - فلا يصحّ بدون إذن الآخر، كالشريكين في الأمة، ويفسخ إن وقع حتى ولو أجازه الوليّ المجبر بعد ذلك. وأمّا إن لم يكن الوليّ مجبراً، فيصحّ وإن لم يأذن الآخر. فإن تشاحّ الأولياء في تعيين الزوج، أو فيمن يتولّى العقد فحاصل المذهب كما قاله ابن عبد البرِّ: أن ينظر الحاكم في ذلك فما رآه سداداً ونظراً أنفذه، وعقده أو ردّه إلى من يعقده منهم، وقد قيل: يأمر أحدهم بالعقد، ولا يعقده هو مع وليّ حاضر مرشد، والأوّل تحصيل المذهب؛ لقوله ﷺ في الأولياء "فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له" ١، ولقول عمر بن الخطاب ﵁: "لا تُنْكَح المرأة إلاّ بإذن وليّها أو ذي الرأي من أهلها أوالسلطان"٢. اهـ.

стр. 556

ثالثاً: مذهب الشافعيّة: وأمّا مذهب الشافعيّة ففيه تفصيل يرجع إلى اعتبار إذن المرأة لهم جميعاً أو لبعضهم، أو عدم إذنها مطلقاً، وكذلك إلى إذن الأولياء لبعضهم أو تشاحّهم على توليّ العقد. فأمّا ما يرجع إلى إذن المرأة فلا يخلو من ثلاثة أحوال هي: الأوّل: أن تعيّن المرأة أحدهم وتأذن له دون غيره، ففي هذه الحال لا يزوّجها غيره إلاّ بوكالة عنه، فإن زوّجها الآخر لم يصحّ قطعاً. والثَّاني: أن تأذن لكلٍّ منهما على انفراده، أو تعيّن الخاطب، فتقول أذنت في فلان، فمن شاء من أوليائي فليزوّجني به، ففي هذه الحال يستحب أن يزوّجها أفضلهم فقهاً، أو ورعاً، أو أكبرهم سنّاً، فإن تعارضت تلك الصفات قدّم الأفقه، فالأورع فالأكبر. أمّا الأفقه: فلانّه أعرف بشروط العقد، وقيّده بعضهم بأعلمهم في باب النِّكاح. وأمّا الأورع: فلأنّه أشفق وأحرص على طلب الحظّ لها، وأبعد عن التُّهمة.

стр. 557

وأمّا الأسنُّ: فلأنّه أكثر تجربة، وأخبر با لأكفاء، ولقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سهل لمّا تقدّم للكلام بين يديه قال له: "كبّر كبّر" ١ أي قدّم الأكبر منك سنّاً، فتقدّم محيّصة فتكلَّم. فإن تقدّم ـ حينئذ ـ المفضول، أو الأصغر، فزوّجها في هذه الحال بكفء صحّ ولا اعتراض للباقين. والثالث: أنَّ تأذن لأوليائها إذناً مطلقاً- أي بدون تعيين أحد منهم ـ فتقول: زوّجوني، ففي هذه الحال يشترط اجتماعهم ـ على الأصحّ عندهم ـ فيأذن الأولياء لأحدهم، فيزوّج بالولاية عن نفسه، وبالوكالة عن بقيَّة الأولياء، فلو عيّنت المرأة بعد إطلاق الإذن واحداً منهم لم ينعزل الباقون، قطع بذلك البغوي وصححه النووي٢. وأمّا إن تشاحّ الأولياء ولم يقدّموا واحداً منهم وقد أذنت المرأة لكلِّ واحدٍ منهم ففيه ما يلي: ١ـ إن بادر أحدهم فزوّجها برضاها صحّ قطعاً، بدون كراهة.

стр. 558

٢ـ وإن لم يسبق أحدهما فلا يخلو: إمّا أن يكون الخاطب واحداً أو متعدّداً، فإن اتّحد الخاطب أُقْرِع بين الأولياء وجوباً قطعاً للنزاع، فمن خرجت قرعته زوّج، ولا تنتقل الولاية في هذه الحال إلى السلطان؛ لأنّ هذا لا يعدّ عضلاً منهم، وإنِّما العضل الامتناع من تزويجها، فإن زوّجها بعد القرعة غيرُ من خرجت قرعته صحّ أيضاً ـ على الأصحّ عندهم ـ لأنّه وليّ مأذون له، وقيل: لا يصحّ ليكون للقرعة فائدة، وأجاب من صحّحه بأنّ فائدة القرعة قطع النزاع بينهم، لا سلب الولاية عمّن خرجت له. وأمّا إن تعدّد الخاطب فالمعتبر رضى المرأة، فإن رضيت بالجميع أمر القاضي بتزويجها من أصلحهم بعد تعيينه١. رابعاً: مذهب الحنابلة. وأمّا مذهب الحنابلة ففيه تفصيل يرجع إلى إذن المرأة وإلى تشاحّ الأولياء. ١ـ فإن أذنت المرأة لواحد منهم بعينه تعيَّن، ولم يصحّ إنكاح غيره ممّن لم تأذن له؛ لعدم الإذن، وعن الإمام أحمد رواية: إن أجازه من عيّنته

стр. 559

صحّ وإلاّ فلا١. ٢- وأمّا إن أذنت المرأة لكلِّ واحد منهم أن يزوّجها صحّ تزويج كلّ واحد منهم؛ لأنَّ سبب الولاية موجود في كلِّ واحد منهم، والأولى تقديم أفضلهم علماً، وديناً، وورعاً، وخبرة، ثم أسنَّهم٢، ثم يقرع بينهم، واستدلوا لاستحباب تقديم الأكبر بقوله ﷺ لعبد الرحمن بن سهل "كبّر كبّر" ٣ أي قدّم الأكبر منك سنّاً، وذلك أنّه لما قدم محيّصة٤ وحويّصة٥ وعبد الرحمن٦ بن سهل، وكان أصغرهم سنّاً، فبدأ بالكلام مخبراً النبي ﷺ بقصة قتل اليهود لأخيه عبد الله بن سهل، فأراد النبي ﷺ أن يتكلَّم من هو أكبر منه سنّاً ممّن كان معه.

стр. 560

وأمّا إجراء القرعة بينهم: فلتساوي حقوقهم، ولما صحّ عن النبي ﷺ أنّه كان إذا سافر أقرع بين نسائه، فأيّهما خرجت لها القرعة خرجت معه في سفره١؛ وذلك لتساوي حقوقهنّ. وأمّا إن تشاحّ الأولياء، وقد كانت المرأة قد أذنت لكلِّ واحد منهم، فإنَّه يقرع بينهم؛ لأنَّهم تشاحّوا في الحقّ وتعذّر الجمع؛ لما كان النبي ﷺ يفعله من إجراء القرعة بين نسائه إذا أراد السفر بهنّ لتساوي حقوقهنّ فكذلك هنا. فإن بدر واحد من الأولياء فزوّج كفؤاً بإذنها صحّ، وإن كان أصغرهم أو المفضول، وكذلك إن كان من خرجت القرعة لغيره في أقوى الوجهين عندهم؛ لأنَّه تزويج صادر من وليّ كامل الولاية بإذن مولّيته فصحّ، كما لو انفرد، والقرعة إنِّما هي لإزالة المشاحّة، وذكر أبوالخطاب٢ أنّه إن خرجت القرعة لغيره كان هو الأولى فلم يصحّ

стр. 561

إنكاحه كالأبعد مع الأقرب١. وبعد هذا العرض للمذاهب الأربعة في بيان من هو أحقّ بالتقديم إذا اجتمع أولياء النَّسب واستوت درجتهم وقوّة قرابتهم، يمكن تلخيصها فيما يلي: أوّلاً: أن يكون للمرأة أكثر من أب، كمن ألحقتها القافة بأبوين فأكثر، كما نصّ على ذلك المالكيّة وبعض الحنابلة٢. ففي هذه الصورة لا يزوّجها أحدهم إلاّ بإذن الآخر، ولا ينبغي ـ فيما يظهر لي ـ أن تكون محلَّ خلاف؛ إذ إنّ الأب الحقيقيّ لها واحد منهم، وإنّما لم ينصّ عليها بعض الفقهاء لندرتها. والله أعلم. ثانياً: اختلافهم في تعيين من عيّنته المرأة من الأولياء، والظاهر أنّه لا يتعيّن؛ وذلك لما سبق من أنّ حقّ الوليّ العقد، وحقّ المرأة الرضى، وعلى هذا فالحرّة المكلّفة لا تزوّج إلاّ برضاها، وأمّا إبطال حقّ ثابت للوليّ فليس لها ذلك؛ لأنّه ثبت شرعاً بغير رضاها، فلا تملك إسقاطه إلاّ أن يمتنع من تزويجها مطلقاً، أو يصرّ على إنكاحها بمن لا ترضاه من غير سبب شرعيّ، فحينئذ يكون عاضلاً لها ويسقط حقّه في الولاية.

стр. 562

ثالثاً: اشتراط اجتماع الأولياء لتقديم أحدهم: ومن تأمّل المذاهب السابقة وجدها تجمع على أنّه ليس بشرط، وإنّما الخلاف بينهم في الأولى بالتقديم، وفي تعيين من عيّنته المرأة رغم أنّ لاشتراطه وجهاً من النظر؛ لأنّ الولاية حقّ ثابت لهم جميعاً، وليس أحدهم أولى به من الآخر، إلاّ أنّ حديث سَمُرة بن جُنْدُب ﵁ في تزويج الوليّين وهو: أنّ النبي ﷺ قال: "أيّما امرأة زوّجها وليّان فهي للأوّل منهما١ ". دالّ على صحّة تزويج أحد الوليّين دون علم الآخر؛ إذ لو أذن أحدهما للآخر لما وقع التزويج منهما جميعاً، وقد تقدّم قول الترمذي إنّ هذا الحديث عليه العمل عند أهل العلم. والله أعلم. مسألة تزويج الوليّين: إنّ مسألة تزويج الوليّين مسألة مشهورة عند الفقهاء والمحدّثين، وهي لا تخرج عن ثلاث حالات: الأولى: أن يعلم السابق منهما. الثّانية: أن يقع العقدان معاً ويعلما. الثّالثة: أن يجهل السابق منهما. فأمّا الحالة الأولى: وهي إذا سبق أحد النِّكاحين الآخر وعلم فلا يخلو من حالين:

стр. 563

أوّلهما: أن يعلم ذلك قبل دخول الثّاني، فنكاح الأوّل هو الصحيح، ونكاح الثّاني باطل اتفافاً. وثانيهما: أن يعلم ذلك بعد دخول الثّاني: ففي ذلك قولان مشهور ان: القول الأوّل: أنّ نكاح الأوّل هو الصحيح، ونكاح الثّاني باطل أيضاً، لا فرق بين ما قبل الدخول وما بعده. وهذا مذهب الجمهور١. والقول الثّانى: أنّ الثّاني يصير بالدخول أولى بها من الأوّل. وهذا مذهب الإمام مالك وابن القاسم٢. الأدلّة: أوّلاً: دليل الجمهور: استدل الجمهور على صحة عقد الأوّل بما يلي: ١ـ ما رواه الحسن البصري، عن سَمُرة بن جُنْدُب وعقبة بن

стр. 564

عامر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أيّما امرأة زوّجها وليّان فهي للأوّل منهما، ومن باع بيعاً من رجلين فهو للأوّل منهما". وهذا الحديث قد رواه الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي والدارمي، والحاكم، وأبو داود الطيالسي، والبيهقي عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه١. ورواه أحمد والبيهقي عن الحسن، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه٢. وفي رواية للدارمي والبيهقي "عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدُب أو عقبة بن عامر" ـ أي على الشك من بعض رواته٣. ورواية الحسن عن سمرة أصح٤ كما قال البيهقي. وقد حسّنه الترمذي٥، وقال الحاكم ـ بعد تخريجه ـ: هذا الطريق الواضح التي ذكرتها لهذا المتن كلّها صحيحة على شرط البخاري

стр. 565

ولم يخرجاه، وأقرّه الذهبي١. ونقل الحافظ في التلخيص تصحيحه عن أبي زرعة وأبي حاتم، وقال: "وصحته متوقّفة على سماع الحسن من سَمُرة، فإنّ رجاله ثقات، لكن اختلف فيه على الحسن"٢ اهـ. وقال الألباني في (إرواء الغليل) ـ تعقيباً على قول الحافظ هذا: "بل صحته متوقّفه على تصريح الحسن بالتحديث؛ فإنّه كان يدلّس كما ذكره الحافظ نفسه في ترجمته في (التقريب) ٣، فلا يكفي والحالة هذه ثبوت سماعه من سَمُرة في الجملة، بل لا بدّ من ثبوت خصوص سماعه في هذا الحديث كما هو ظاهر"٤ اهـ. ومع هذا فقد قال الترمذي ﵀: "والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافاً: إذا زوّج أحد الوليّين قبل الآخر، فنكاح الأوّل جائز، ونكاح الآخر مفسوخ، وإذا
следующие страницы →