← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

إنكاحه كالأبعد مع الأقرب١. وبعد هذا العرض للمذاهب الأربعة في بيان من هو أحقّ بالتقديم إذا اجتمع أولياء النَّسب واستوت درجتهم وقوّة قرابتهم، يمكن تلخيصها فيما يلي: أوّلاً: أن يكون للمرأة أكثر من أب، كمن ألحقتها القافة بأبوين فأكثر، كما نصّ على ذلك المالكيّة وبعض الحنابلة٢. ففي هذه الصورة لا يزوّجها أحدهم إلاّ بإذن الآخر، ولا ينبغي ـ فيما يظهر لي ـ أن تكون محلَّ خلاف؛ إذ إنّ الأب الحقيقيّ لها واحد منهم، وإنّما لم ينصّ عليها بعض الفقهاء لندرتها. والله أعلم. ثانياً: اختلافهم في تعيين من عيّنته المرأة من الأولياء، والظاهر أنّه لا يتعيّن؛ وذلك لما سبق من أنّ حقّ الوليّ العقد، وحقّ المرأة الرضى، وعلى هذا فالحرّة المكلّفة لا تزوّج إلاّ برضاها، وأمّا إبطال حقّ ثابت للوليّ فليس لها ذلك؛ لأنّه ثبت شرعاً بغير رضاها، فلا تملك إسقاطه إلاّ أن يمتنع من تزويجها مطلقاً، أو يصرّ على إنكاحها بمن لا ترضاه من غير سبب شرعيّ، فحينئذ يكون عاضلاً لها ويسقط حقّه في الولاية.

стр. 562

ثالثاً: اشتراط اجتماع الأولياء لتقديم أحدهم: ومن تأمّل المذاهب السابقة وجدها تجمع على أنّه ليس بشرط، وإنّما الخلاف بينهم في الأولى بالتقديم، وفي تعيين من عيّنته المرأة رغم أنّ لاشتراطه وجهاً من النظر؛ لأنّ الولاية حقّ ثابت لهم جميعاً، وليس أحدهم أولى به من الآخر، إلاّ أنّ حديث سَمُرة بن جُنْدُب ﵁ في تزويج الوليّين وهو: أنّ النبي ﷺ قال: "أيّما امرأة زوّجها وليّان فهي للأوّل منهما١ ". دالّ على صحّة تزويج أحد الوليّين دون علم الآخر؛ إذ لو أذن أحدهما للآخر لما وقع التزويج منهما جميعاً، وقد تقدّم قول الترمذي إنّ هذا الحديث عليه العمل عند أهل العلم. والله أعلم. مسألة تزويج الوليّين: إنّ مسألة تزويج الوليّين مسألة مشهورة عند الفقهاء والمحدّثين، وهي لا تخرج عن ثلاث حالات: الأولى: أن يعلم السابق منهما. الثّانية: أن يقع العقدان معاً ويعلما. الثّالثة: أن يجهل السابق منهما. فأمّا الحالة الأولى: وهي إذا سبق أحد النِّكاحين الآخر وعلم فلا يخلو من حالين:

стр. 563

أوّلهما: أن يعلم ذلك قبل دخول الثّاني، فنكاح الأوّل هو الصحيح، ونكاح الثّاني باطل اتفافاً. وثانيهما: أن يعلم ذلك بعد دخول الثّاني: ففي ذلك قولان مشهور ان: القول الأوّل: أنّ نكاح الأوّل هو الصحيح، ونكاح الثّاني باطل أيضاً، لا فرق بين ما قبل الدخول وما بعده. وهذا مذهب الجمهور١. والقول الثّانى: أنّ الثّاني يصير بالدخول أولى بها من الأوّل. وهذا مذهب الإمام مالك وابن القاسم٢. الأدلّة: أوّلاً: دليل الجمهور: استدل الجمهور على صحة عقد الأوّل بما يلي: ١ـ ما رواه الحسن البصري، عن سَمُرة بن جُنْدُب وعقبة بن

стр. 564

عامر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أيّما امرأة زوّجها وليّان فهي للأوّل منهما، ومن باع بيعاً من رجلين فهو للأوّل منهما". وهذا الحديث قد رواه الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي والدارمي، والحاكم، وأبو داود الطيالسي، والبيهقي عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه١. ورواه أحمد والبيهقي عن الحسن، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه٢. وفي رواية للدارمي والبيهقي "عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدُب أو عقبة بن عامر" ـ أي على الشك من بعض رواته٣. ورواية الحسن عن سمرة أصح٤ كما قال البيهقي. وقد حسّنه الترمذي٥، وقال الحاكم ـ بعد تخريجه ـ: هذا الطريق الواضح التي ذكرتها لهذا المتن كلّها صحيحة على شرط البخاري

стр. 565

ولم يخرجاه، وأقرّه الذهبي١. ونقل الحافظ في التلخيص تصحيحه عن أبي زرعة وأبي حاتم، وقال: "وصحته متوقّفة على سماع الحسن من سَمُرة، فإنّ رجاله ثقات، لكن اختلف فيه على الحسن"٢ اهـ. وقال الألباني في (إرواء الغليل) ـ تعقيباً على قول الحافظ هذا: "بل صحته متوقّفه على تصريح الحسن بالتحديث؛ فإنّه كان يدلّس كما ذكره الحافظ نفسه في ترجمته في (التقريب) ٣، فلا يكفي والحالة هذه ثبوت سماعه من سَمُرة في الجملة، بل لا بدّ من ثبوت خصوص سماعه في هذا الحديث كما هو ظاهر"٤ اهـ. ومع هذا فقد قال الترمذي ﵀: "والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافاً: إذا زوّج أحد الوليّين قبل الآخر، فنكاح الأوّل جائز، ونكاح الآخر مفسوخ، وإذا

стр. 566

زوّجا جميعاً فنكاحهما جميعاً مفسوخ. وهذا قول الثوري وأحمد وإسحاق"١ اهـ. ٢ـ ما روي عن عليّ ﵁ أنّه قال: "إن دخل بها الثّاني وهو لا يعلم أنّها ذات زوج فرّق بينهما بغير طلاق، ولها عليه مهر مثلها"٢. وهذا الأثر قد أخرجه البيهقي بإسناده إلى قتادة٣، عن خِلاَس٤: أنّ امرأة زوّجها أولياؤها بالجزيرة من عبيد الله بن الحرّ، وزوّجها أهلها بعد ذلك بالكوفة، فرفعوا ذلك إلى عليّ رضي الله ففرّق بينها وبين زوّجها الآخر، وردّها إلى زوّجها الأوّل، وجعل لها صداقها بما أصاب من فرجها، وأمر زوجها الأوّل أن لا يقربها حتى تنقضي عدتها"٥.

стр. 567

قال الألباني: رجاله ثقات، لكنّه منقطع، خِلاَس لم يسمع من عليّ كما قاله أحمد وغيره١. ٣ ـ ولأنّ نكاح الأوّل خلا من مبطل، والثَّاني تزوّج امرأة في عصمة غيره، فكان نكاحه باطلاً، كما لو علم أنّ لها زوجاً٢. ٤ ـ ولأنّ نكاح الثّاني باطل لو خلا من الدخول اتفافاً، فكان باطلاً وإن دخل بها كنكاح المعتدّة، وكما لو علم٣. ثانياً: وأمّا دليل القول الثّانى وهو ما روي عن مالك ومن معه من أنّها للأوّل ما لم يدخل بها الثّاني، فهو: ١ـ ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه قال: "إذا أنكح الوليّان فالأوّل أحقّ مالم يدخل الثّاني"٤.

стр. 568

٢ـ ولأنّ الثّاني اتصل بعقده القبض فكان أحقّ١. وعقّب عليه ابن قدامة في (المغني) بعد توجيه هذا القول بقوله: "أمّا حديث عمر فلم يصححه أصحاب الحديث، وقد خالفه حديث عليّ ﵁، وجاء على خلاف حديث النبي ﷺ ، وما ذكروه من القبض لا معنى له؛ فإنّ النِّكاح يصحّ بغير قبض، على أنّ لا أصل له فيقاس عليه، ثم يبطل بسائر الأنكحة الفاسدة"٢ اهـ. وقال ابن رشد: "سبب الخلاف في اعتبار الدخول أولا اعتباره معارضة العموم للقياس، وذلك أنّه قد روي أنّه ﵊ قال: "أيّما امرأة أنكحها وليّان فهي للأوّل منهما"٣، فعموم هذا الحديث أنّها للأوّل دخل بها الثّاني أو لم يدخل، ومن اعتبر الدخول فتشبيهاً بفوات السّلعة في البيع المكروه، وهو ضعيف"٤ اهـ.

стр. 569

وأمّا الحالة الثَّانية: وهي أن يُعْلم وقوع النِّكاحين معاً بدون سبق لأحدهما فهما باطلان اتفاقاً١؛ لأنّ الجمع ممتنع، وليس أحدهما أولى به من الآخر٢. وأمّا الحالة الثّالثة:- وهي أن لا يعلم السابق من النِّكاحين - ففي هذه الصورة خلاف وتفصيل للفقهاء، إليك بيانه: القول الأوّل: فسخ النِّكاحين جميعًا، لا فرق بين أن لا يعلم كيفيّة وقوعهما، أو علم أنّ أحدهما وقع قبل الآخر لا بعينه، أو علم بعينه ثم جهل، كأن يشتبه بالآخر أو ينسى، فالحكم في جميعها واحد وهو فسخ النِّكاحين جميعاً، وهذا مذهب الجمهور٣، ومنهم الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على تفصيل فيمن يفسخ أهو الحاكم؟ أم الزوجان؟ ثمّ تتزوّج

стр. 570

المرأة من شاءت منهما أو من غيرهما، وهذا إذا لم يكن قد دخل بها أحدهما، وإلاّ فلا فسخ عند الإمام مالك ﵀ كما تقدّم. وإنّما يلجأ إلى الفسخ عند الجمهور؛ لأنّ كلّ واحد من النِّكاحين يحتمل أن يكون هو الصحيح. والجمع متعذّر فيلجأ إلى الفسخ لإزالة الزوجيّة١. القول الثََّاني: أن يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة أُمِر صاحبه بالطلاق، ثم يجدّد القارع نكاحه بإذن المرأة، فإن كانت زوجته بالعقد الأوّل لم يضرّه تجديد النِّكاح شيئاً، وإن كانت زوجة الآخر بانت منه بطلاقه وصارت زوجة من خرجت له القرعة بعقده الجديد، وهذا القول رواية ثانية عن الإمام أحمد رحمه الله٢. القول الثََّالث: يجبرهما السلطان على أن يطلق كلٌ منهما فإن أبيا فرّق بينهما. وهو مذهب الثوري، وأبي ثور، وهذا قريب ممّا قبله، لأنّه تعذّر إمضاء العقد الصحيح، فوجب إزالة الضرر بالتفريق٣. القول الرَّابع: تخيّر المرأة بينهما، فأيّهما اختارته فهو زوجها. وهذا القول يروى عن بعض التابعين كشريح، وعمر بن عبد العزيز، وحمّاد بن أبي سليمان٤.

стр. 571

وقال ابن قدامة ﵀: "وهذا غير صحيح؛ فإنّ أحدهما ليس بزوج لها، فلم تخيّر بينهما، كما لو لم يعقد عليها إلاّ واحد منهما، وكما لو أشكل على الرجل امرأته من النساء، أو على المرأة زوجها، إلاّ أن يريدوا بقولهم: أنّها إذا اختارت أحدهما فرّق بينها وبين الآخر، ثم عقد المختار نكاحها فهذا حسن، فإنَّه يستغنى بالتفريق بينها وبين أحدهما عن التفريق بينها وبينهما جيمعاً، وبفسخ أحد النِّكاحين عن فسخهما"١. اهـ. ووصف ابن رشد القول بالتخيير بالشذوذ٢. القول الخامس: هو التفصيل بحسب احتمالات الوقوع، وهو مذهب الشافعيّة ولهم في هذه الصورة التفصيل التالي: (أ) إن لم يعلم السبق والمعيّة وأمكن كلّ منهما فالنكحان باطلان. لأنّهما: إن وقعا معاً تدافعا، وإن وقعا مرتّبين فلا اطّلاع على السابق منهما، وإذا تعذّر إمضاء العقد بطل؛ إذ الأصل في الأبضاع الحرمة حتى يتحقّق السبب المبيح.

стр. 572

وأمّا هل يحتاج النِّكاحان إلى فسخ كما قاله الجمهور؟ أو هما منفسخان أصلاً؛ لأنّ النِّكاح الباطل لا حكم له؟. فيه وجه في المذهب: أنّه لا بدّ من إنشاء الفسخ؛ لاحتمال السبق، ذكره في الروضة١. وفي شروح (المنهاج) يندب للحاكم أن يقول: إن كان قد سبق أحدهما الآخر فقد حكمت ببطلانه، لتحلّ يقيناً، وتثبت هذه الولاية للحاكم للضرورة والحاجة٢. ويظهر من هذا أنّ المعتمد هو أنّ النِّكاح مفسوخ أصلاً، وهذا هو الذي عزاه ابن قدامة في المغني للشافعي حيث قال: "وقال الشافعي وابن المنذر: النِّكاح مفسوخ؛ لأنّه تعذّر إمضاؤه". وعقّب عليه بقوله: "وهذا لا يصحّ، فإنّ العقد الصحيح لا يبطل بمجرّد إشكاله، كما لو اختلف المتبايعان في قدر الثمن؛ فإنّ العقد لا يزول إلاّ بفسخه كذا هنا" اهـ٣.

стр. 573

(ب) أن يعلم سبق أحد النِّكاحين ولم يعلم عينه، فالنِّكاحان باطلان على المنصوص وهو المذهب، كما لو احتمل السبق والمعيّة؛ لأنّ مجرّد العلم بالسبق هنا لا يفيد؛ وذلك لتعذّر الإمضاء. والقول الآخر في المذهب: التوقف حتى يتبيّن، وهذان القولان في المذهب فيما إذا لم يُرْجَ معرفته بعينه، وإلاّ فيجب التوقف قولاً واحداً. وأمّا هل يحتاج هذان النِّكاحان إلى فسخ؟ فيه ما في الصورة التي قبله، ويَرِدُ عليه قول ابن قدامة السابق. وفيه سؤال آخر: وهو هل يقع النِّكاح باطلاً ظاهراً وباطناً؟ أو ظاهراً فقط؟ هما وجهان في المذهب، وصحّح النووي وتبعه بعض شرّاح المنهاج أنّ محلّ الخلاف فيما إذا لم يكن فسخ، أمّا إن حصل الفسخ فالصَّواب انفساخ النِّكاح ظاهراً وباطناً. ويترتّب على هذا الخلاف ما إذا علمنا السابق منهما، فعلى القول بالبطلان ظاهراً وباطناً فلا زوجيّة للسابق، ولو نكحت ثالثاً فهي للثّالث، وأمّا على القول بالبطلان ظاهراً لا غير، فإذا علمنا السّابق فهي زوجته. (ج) أن يسبق واحد معيّن ثمّ يخفى ـ كأن يشتبه بصاحبه أو ينسى ـ فيتوقّف حتى يتعيّن؛ وذلك لجواز التذكّر، ولأنّنا تحقّقنا صحّة العقد فلا يرتفع إلاّ بيقين؛ فعلى هذا لا تحلّ لواحد منهما، ولا تنكح غيرهما إلاّ ببينونتها منهما؛ بأن يطلقاها، أو يموتا، أو يطلقها أحدهما ويموت الآخر وتنقضي عدَّتُها من موت آخرهما، ولا يبالى بطول ضررها

стр. 574

كزوجة المفقود، ومثل التي انقطع دمها بمرض ونحوه تصير إلى سنِّ اليأس مع الضَّرر. ويرى بعضهم: أنّه عند اليأس من التبيّن ـ عرفاً ـ تطلب الفسخ من الحاكم، ويجيبها للضرورة؛ كالفسخ بالعيب وأولى١. "خلاصة ما تقدّم وبيان الرّاجح" ومّما سبق يعلم أنّ عدم العلم بالسابق من النِّكاحين يحتمل الآتي: الاحتمال الأوّل: أن يقع النِّكاحان معاً، فالنِّكاحان باطلان على هذا الاحتمال اتِّفاقاً، ولكن لا سبيل للعلم به مع أنّها صورة نادرة. الاحتمال الثّايى: أن نعلم السّابق بعينه ثم نجهله، فهنا أحد النِّكاحين وقع صحيحاً وهو السابق منهما، وإنّما الإشكال في معرفة عينه. فهذا إن كان التوقف لانتظار بيّنة تكشف حقيقة الأمر يقيناً، فالأمر كما قال الشافعيّة، وهو التوقف حتى يتبيّن النِّكاح الصحيح، ولا ينبغي أن تكون محلّ خلاف بهذا الاعتبار، أمّا إن كان التوقّف لغير ذلك؛ كاحتمال تذكّره مثلاً، ففي هذا ضرر بالغ بالمرأة مع ضآلة احتمال اكتشاف الأمر على حقيقته.

стр. 575

الاحتمال الثّالث: أن نعلم مجرّد السبق، كأن نعلم أنّ أحدهما عقد قبل الزوال والآخر بعده، فهنا أيضاً أحد النِّكاحين وقع صحيحاً وهو السابق، وإنّما الإشكال في معرفة عينه، فالقول ببطلانه من أصله حكم بالبطلان على عقد وقع صحيحاً، وهذا غير صحيح كما قاله ابن قدامة ﵀. لذا: فالذي يظهر لي: أنّه لا يحكم ببطلان النِّكاحين أو أحدهما إلاّ بعد فرقة، سواء كانت فسخاً كما قال الجمهور، أو طلاقاً كما قاله بعض العلماء، كما أنّ المرأة لا تحلّ لأحدهما إلاّ بعقد جديد تسبقه فرقة من الآخر بفسخ أو طلاق، أو موت أحدهما وانقضاء العدّة، ولا فرق من أنّ يكون الفسخ من الحاكم، كما هو المعتمد عند الشافعيّة والحنابلة، أو من الزوج. أمّا ما ذكره في (الرّوضة) ١ من جواز أن يكون الفسخ من المرأة فلا أدري ما وجه ذلك. والله تعالى أعلم. المسألة الثَّّانية: إذا أنكح الوليُّ الأبعدُ مع حضور الأقرب فما الحكم؟ وأمّا إذا أنكح الوليُّ الأبعدُ مع حضور الأقرب وبدون إذنه فقد اختلف فيه الفقهاء بناء على اختلافهم في حكم الترتيب بين الأولياء، أهو شرط أم ليس بشرط؟

стр. 576

١ فالجمهور: ومنهم الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة أنّه شرط، فالأقرب يحجب الأبعد كما في الميراث، فيكون الأبعد بمنزلة الأجنبي عند حضور الأقرب. وعلى هذا: فإذا أنكح الأبعد، والأقرب حاضر من غير إذن منه ولا عذر فالنِّكاح غير صحيح عند الشافعيّة والحنابلة. وأمّا عند الحنفيّة ورواية عن الإمام أحمد فيصحّ النِّكاح ويقف على إجازة الوليّ الأقرب؛ فإن أجازه جاز، وإن ردّه بطل. والخلاف هنا في تصحيحه مبنيٌّ على صحّة العقود بالإجازة كبيع الفضوليّ، فمن قال: النِّكاح لا يكون بالإجازة صحيحاً - كالشافعيّة والصحيح من مذهب الحنابلة - أبطله، ومن قال تلحقه الإجازة كالحنفيّة والرّواية الأخرى عن الإمام أحمد أجازه با لإجازة، وردّه بعدمها١. ٢- وأمّا المالكيّة ففي مذهبهم تفصيل وخلاف. أمّا التفصيل فباعتبار الوليّ الذي يملك الإجبار، والوليّ الذي لا يملكه. وأمّا الخلاف ففي الأولياء غير المجبرين.

стр. 577

فإن كان الوليّ أباً في ابنته البكر فلا ولاية لأحد معه، ومثل الأب في ابنته البكر عندهم: وصيّه، والمالك في أمته، فهم الذين يملكون حقّ الإجبار. فإن أنكح الوليّ الأبعد في هذه الحال فسخ النِّكاح، ولو أجازه المجيز بعد ذلك، إلاّ إن كان هناك إذن بالتفويض له من الوليّ المجبر في جميع أموره، وثبت له التفويض بالبيّنة، فيصحّ بهذه المحترزات، وفي اشتراط قرب الإجازة أيضاً وجهان: أقربهما اشتراطه. وقد تعقّب بعض المالكيّة مسألة استثناء التفويض متسائلاً: أيُّ فرق عند التفويض بين الوليّ الأبعد والأجنبي؟ لأنّه إن كانت العلّة هي الولاية فلا ولاية لأحد مع الأب في ابنته البكر، والوصيّ في محجورته، والمالك في أمته، وإن كانت العلّة التفويض من الأب أو الوصيّ أو المالك فأيُّ فرق بين الوليّ الأبعد والأجنبي١. وأمّا إن كان الوليّ غير مجبر فقد اختلف القول هنا عن الإمام مالك وأصحابه على أقوال كثيرة أهمِّها ما يلي: القول الأوّل: أنّ كلاً من الوليّ الأقرب والأبعد وليّ في النِّكاح، وإنِّما يقدّم الأقرب منهم استحباباً من باب الأولى والأفضل، وهذا القول

стр. 578

هو المشهور عن مالك وأصحابه، وكثيراً ما اقتصر على نسبته إليه في كتب الخلاف دون التعرُّض لذكر ما سواه من الأقاويل، وهو المنصوص في (المدوّنة) أيضاً ففيها: (قلت١: أرأيت المرأة يكون أولياؤها حضوراً كلُّهم، وبعضهم أقعد من بعض، منهم العم، والأخ، والجدّ، وولد الولد، والولد نفسه، فزوّجها العمّ فأنكر ولدها وسائر الأولياء تزويجها وقد رضيت المرأة، قال: ذلك جائز على الأولياء عند مالك٢". قال: وقال مالك: في المرأة الثيّب لها الأب والأخ، فيزوّجها الأخ برضاها، وأنكر الأب، أذلك له؟ قال: قال مالك: ليس للأب ههنا قول إذا زوّجها الأخ برضاها، لأنّها قد ملكت أمرها" اه٣. ودليل هذا القول: قول عمر ﵁: "لا تُنْكَح المرأة إلاّ بإذن وليّها أو ذي الرّأي من أهلها أو السلطان"٤. ففي المدوّنة: قال: سألت مالكاً عن قول عمر بن الخطاب "أو ذي الرّأي من أهلها". من ذو الرّأي من أهلها؟ قال مالك: الرجل من العشيرة أو ابن العمّ، أو المولى، وإن كانت المرأة من العرب فإنّ إنكاحه جائز.

стр. 579

قال مالك: وإن كان ثمّ من هو أقعد منه فإنكاحه إيّاها جائز، إذا كان له الصلاح والفضل، إذا أصاب وجه النِّكاح"١. القول الثّاني لهم: أنّه إذا أنكح الأبعد مع حضور الأقرب فالنِّكاح مفسوخ. ذكره ابن رشد في (البداية) ٢. وعلى هذا فيكون الترتيب بين الأولياء شرط. لكن قال ابن رشد: قد أنكر قوم هذا المعنى في المذهب أعني أن يكون النِّكاح منفسخاً غير منعقد"٣ اه. القول الثَّالث لهم: أنّ للوليّ الأقرب أن يجيز أو يفسخ. ذكره ابن رشد في البداية٤. وفي قوانين الأحكام لابن جزي ما يفيد: أنّ الفسخ مقيد بعدم الدخول٥.

стр. 580

وهذا هو الأظهر؛ لما تقدّم من اعتبار الدخول عند الإمام مالك ﵀. وقال ابن عبد البر: "وقيل: بل للأقعد ردّه وإجازته على كلّ حال، لأنّه حقّ له" اه١. وهذا يفيد صحّة نكاح الوليّ الأبعد، وإنّما فيه حقّ للوليّ الأقرب، فإن أجازه جاز، وإن لم يجزه انفسخ، ويدلّ على صحّة إنكاح الأبعد تصحيحهم له بعد الدخول، فلو كان النِّكاح باطلاً من أصله لم يصحّ، لا قبل الدخول، ولا بعده. وقد نقل المواق: عن اللخميّ: أنّ إنكاح الوليّ الأبعد مع حضور الأقرب لا فساد فيه اتفاقاً- (أي عندهم) وإنّما الخلاف هل فيه حقّ للآدمي أو لا؟ "٢. القول الرّابع لهم: أنّ للأقرب ردّه أو إجازته ما لم يطل مكثها، وتلد الأولاد٣. وهذا القول قريب ممّا قبله إن لم يكن تقييداً له، وهو يفيد وقوع النِّكاح صحيحاً، كما يفيد إثبات حقّ للوليّ الأقرب، وإنّما يسقط هذا

стр. 581

الحقّ بطول المكث، وإنجاب الأولاد، ممّا يدلّ على رضى الأقرب إن علم، وإن لم يعلم فإنّ حقّه لا يقابل بما يلحق الزوجين والأولاد من فرقة وضياع. والله أعلم. القول الخامس لهم: أن ينظر السلطان في ذلك، ويسأل الوليّ الأقرب عمّا ينكره ثمّ إن رأى السلطان إمضاءه أمضاه، وإن رأى أن يردّه ردّه١. وهذا يدلّ على وقوع النِّكاح صحيحاً إذا عقده الوليّ الأبعد وأصاب فيه وجه النِّكاح، وإنّما ردّ لسبب آخر كعدم النظر لحظّ المرأة، أمّا إذا وضعها حيث ينبغي أن توضع فالنِّكاح صحيح، ونافذ. والله أعلم. "سبب الخلاف وبيان الرَّاجح" وممّا تقدّم نعلم أنّ سبب الخلاف بين المالكيّة أنفسهم وبينهم وبين غيرهم إنّما مردّه إلى اختلافهم في حكم الترتيب بين الأولياء؛ أهو شرط أم ليس بشرط؟ وعلى القول بأنّه شرط، هل هو حقّ لله أو حقّ للآدمي؟ فمن رأى أنّه لم يقم دليل شرعي على اشتراط الترتيب بين الأولياء قال بصحّة إنكاح الوليّ الأبعد مع حضور الأقرب؛ لأنّه نكاح انعقد بوليّ، وإنّما الترتيب باعتبار الأولى والأفضل لا غير. ومن رأى أنّ الترتيب بين الأولياء شرط ولكنّه حقّ للوليّ الأقرب قال: النِّكاح صحيح، ويقف على إجازة من له الحقّ وهو الوليّ الأقرب.

стр. 582

ومن رأى أنّه حقّ لله تعالى قال: النِّكاح غير منعقد أصلاً. هذا حاصل ما ذكره ابن رشد من أسباب الخلاف في هذه المسألة١. ونحن إذا تأمّلناها وجدنا أنّ أقوى حجّة مع من لم يشترط الترتيب هو المطالبة بإقامة الدليل الصريح على اشتراطه شرعاً، ولكن يعكّر على حجّتهم هذه أنّ قولهم لم يطّرد في جميع الأولياء بل فرّقوا بين الوليّ المجبر وغير المجبر، فاشترطوه حقّاً للوليّ المجبر دون غيره، فقالوا: إنّه لا يتقدّم على الأب في ابنته البكر أحد، فإن تقدّم أحد غيره فزوّجها فالنِّكاح مفسوخ، ولو أجازه الأب بعد ذلك، وهذا بداية الطريق للتسليم باشتراط الترتيب بين الأولياء، وإلاّ فما الفرق؟ والذي يظهر لي والله أعلم أنّ الحجّة هنا في اشتراط الترتيب بين الأولياء هي في تحقيق معنى الوليّ لغة وشرعاً وعرفاً، أيشمل مطلق الأقارب بعدوا أم قربوا؟ أم هو خاص بالأقرب فالأقرب، وفيما يظهر لي: أنّ الاحتمال وارد في كلّ منهما، إلاّ أنّ أقربهما صواباً هو اعتبار الأقرب فالأقرب لما يلي: أولاً: أنّ الأقرب وليّ لغة وشرعاً وعرفاً اتفاقاً، ففي اعتباره احتياط للنِّكاح، بخلاف الأبعد فهو محتمل لغة وشرعاً وعرفاً، والمتَّفق عليه أولى بالتقديم خروجاً من الخلاف؛ لقوله ﷺ "دع ما يَريبك إلى ما لا

стр. 583

َريبك١". وقوله ﷺ : "إنّ الحلال بيّن وإنّ الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالرَّاعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه". متفق عليه٢. ثانياً: القياس على الميراث كما تقدّم، فالأقرب يحجب الأبعد فكذلك هنا. ثالثاً: أنّ القول بعدم اشتراط الترتيب بين الأولياء يعود على القول باشراط الولاية بالبطلان، وذلك أنّه ليس هناك حدٌّ يُنْتهى إليه حينئذ وإن حدّ في ذلك حدّاً احتاج إلى دليل؛ ولذلك قال ابن حزم ﵀: "أمّا قولنا: إنّه لا يجوز إنكاح الأبعد من الأولياء مع الأقرب؛ فلأنّ الناس كلّهم يلتقون في أب واحد إلى آدم ﵇ بلا شكّ، فلو جاز إنكاح الأبعد مع وجود الأقرب لجاز إنكاح كلّ من على وجه الأرض؛ لأنّه يلقاها بلا شكّ في بعض آبائها، فإن حدّوا في ذلك حدّاً كلّفوا البرهان عليه ولا سبيل إليه، فصحّ يقيناً أنّه لا حقّ مع الأقرب للأبعد"٣ اه.

стр. 584

رابعاً: أنّ القول بجواز نكاح الأبعد يفضي إلى الفوضى بين الأولياء، ممّا يترتّب عليه مفاسد بين الأولياء أنفسهم، وبينهم وبين موليَّاتهم، فوجب منعه درءاً للمفسدة على قاعدة "درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح". وبهذا يقوى القول باشتراط الترتيب بين الأولياء. والله أعلم. المسألة الثَّالثة: وهي إذا عضل الوليّ الأقرب فمن يزوّجها؟ وأمّا إذا عضل الوليّ الأقرب مولِّيَّته فلم يزوّجها فهذه المسألة من أهمّ مسائل هذا المبحث وينبغي قبل الشروع في بيان من يزوّجها؟ أن نبيّن معنى العضل وحكمه. أولاً: معنى العضل: فأمّا معنى العضل لغة: فهو الشِّدَّة، والمنع، والتضييق. يقال: عضل الرجل أيمه إذا منعها من التزويج ظلماً. ومنه العَضَل بفتح العين المهملة والضاد المعجمة لكلّ لحم مكتنز في عصب لقوّته وشدّته. ومنه: الدّاء العضال الذي أعيا الأطباء علاجه، والأمر العضال: الذي استغلق حلّه ولم يهتد لوجهه، كما تسمّى الشدائد معضلات. ويقال: عضّلت- بتشديد الضاد المعجمة المرأة أو الناقة بولدها، إذا التوى في رحمها، ونشب، وتعسّر خروجه. ويقال: عضّلت الأرض بأهلها: أي غصّت بهم وضاقت لكثرتهم، ومنه قول الشاعر:

стр. 585

ترى الأرض منّا بالفضاء مريضة ... معضّلة منّا بجمع عرمرم١ والباب كلّه يدور حول: الشدّة والمنع والتضييق كما تقدّم. قال ابن فارس: "العين والضّاد واللاّم أصل واحد صحيح يدلّ على شدّة والتواء في الأمر"٢. وفي اللسان: أصل العضل: المنع والشدّة، يقال أعضل بي الأمر إذا ضاقت عليك فيه الحيل، وأعضله الأمر غلبه، وداء عضال: شديد معْيٍ غالبٌ، قالت ليلى: شفاها من الدّاء العضال الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها٣ اه وأمّا معنى العضل شرعاً: فهو امتناع الوليّ من تزويج مولِيَّته بغير حقّ شرعي؛ كامتناعه من تزويجها بكفء رضيته. وإنّما يختلف الفقهاء بعد ذلك في: متى يكون امتناع الوليّ بحقّ أو بغير حقّ؟ تبعاً لاختلاف الأنظار والاجتهادات فيما هو أصلح للمرأة، وفيما يكون تصرّفاً من الوليّ في حدود ولايته شرعاً. وأهمّ ما اشتهر ذكره عن الفقهاء هنا: هو امتناع الوليّ من تزويجها

стр. 586

بكفئها أو لنقصان مهر مثلها؟ فيتفقون على أنّ الوليّ إذا امتنع من تزويجها بخاطبها الكفء الذي رضيته فهو عاضل لها. وأمّا إن كان الخاطب الذي رضيته غيركفء لها فلا يعدّ امتناع الوليّ من تزويجها به عضلاً لها١. وأمّا إن رضيت المرأة بالتزويج بأقلّ من مهر مثلها، فليس لوليِّها الامتناع من تزويجها به طلباً لمهر المثل عند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة المشترطون للولاية في النِّكاح، ووافقهم أبو يوسف ومحمد من الحنفية٢، إمّا لأنّ نكاحها بيد وليِّها عندهما، أو لأنّ نقص المهر لا يثبت لأوليائها حقّ الاعتراض عليها٣ على القول بصحة تزويجها نفسها. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا زوّجت المرأة نفسها بدون مهر مثلها

стр. 587

فللأولياء حقّ الاعتراض عليها؛ لأنّ الأولياء يتفاخرون بكمال مهور نسائهم، ويعيَّرون بنقصها فأشبه الكفاءة١. ولأنَّ في تزويجها بأقلّ من مهر مثلها ضرراً على نسائها بنقص مهور أمثالهنّ٢. وأمّا وجهة نظر الجمهور: فلأنّ المهر حقّ خالص للمرأة، فلم يكن للأولياء حقّ في منعها، أو الاعتراض عليها من أجل نقصانه، كثمن عبدها أو أجرة دارها٣. ولأنّها لو أسقطته بعد وجوبه لسقط اتفاقاً٤. ولقول النبي ﷺ : "التمس ولو خاتماً من حديد" ٥. متفق عليه. ولقول عمر ﵁: "لو كان مكرمة في الدنيا أي التغالي في المهور أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ "٦. وهذا هو الرّاجح إن شاء الله تعالى؛ فإنّ تيسير المهور ممّا ندب إليه

стр. 588

الإسلام، وممَّا يعتزّ به خيار الناس وكرامهم، فضلاً عن أنّه حقّ خالص للمرأة. وا لله أعلم. ثانياً: حكم العضل. وأمّا حكم العضل فلا خلاف في تحريمه؛ لأنَّه نوع من الظلم الذي يتنافى ومشروعية الولاية في النِّكاح؛ إذ هي ولاية نظر وإحسان، لا ولاية قهر وإذلال واستبداد، ومن الأدلّة على تحريم العضل ما يلي: ١ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١. فالخطاب هنا في قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء كما اختاره أكثر المفسرين وإليه ذهب جمهور الفقهاء، كما تقدّم في أدلّة اشتراط الولاية في النِّكاح٢. ٢ حديث معقل بن يسار ﵁ في سبب نزول الآية السابقة حين عضل أخته عن نكاح زوجها الذي طلّقها، فتركها حتى انقضت عدتها، ثم جاء يخطبها من جديد. ونصّه كما في الترمذي "عن الحسن البصري عن معقل بن يسار: "أنّه زوّج أخته رجلاً من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ فكانت عنده ما كانت ثم طلّقها تطليقة لم

стр. 589

يراجعها حتى انقضت العدّة، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطّاب فقال له: يالُكَع١: أكرمتك بها وزوّجتكها فطلّقتها، والله لا ترجع إليك أبداً آخر ما عليك. قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . فلمّا سمعها معقل قال: سمعٌ لربّي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوّجك وأكرمك". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن الحسن"٢. وهذا الحديث رواه أيضاً: البخاري وأبو داود والدارمي والطيالسي والطحاوي والحاكم والبيهقي٣. ٣ حديث عائشة ﵂ الذي تقدّم مراراً وفيه: "فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له"٤. فيؤخذ من هذا الحديث أنّه إذا عضل جميع الأولياء انتقلت الولاية إلى السلطان، لتنزيلهم حينئذ منزلة العدم. ٤ حديث "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد وغيره وهو صحيح

стр. 590

بمجموع طرقه، ومتفق على معناه١. ثالثاً: تزويجها إذا عضل الوليّ. وأمّا تزويجها إذا عضل وليِّها الأقرب فقد اتفق الفقهاء على سقوط حقّ الأقرب في الولاية إذا ثبت عضله وانتقالها إلى غيره، ثمّ اختلفوا فيمن يزوّجها حينئذ على قولين: القول الأوّل: أنّه يزوّجها من يليه من الأولياء. وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة٢، وبه قالت الشافعية إذا تكرّر العضل من الوليّ الأقرب، بناء على أنّه يصير بذلك فاسقاً، ولا ولاية للفاسق على الصحيح عندهم٣. ووجهة هذا المذهب: أنّه تعذّر التزويج من جهة الأقرب فملكه من يليه، كما لو جنّ الأقرب٤. ولأنّه يكون بالعضل فاسقًا، فتنتقل الولاية عنه، كما لو شرب الخمر٥.

стр. 591

والقول الثّاني: أنّه يزوّجها السلطان. وهذا مذهب المالكيّة وكذلك الشافعيّة في غير الصورة السابقة وهي تكرّر العضل، وكذلك الحنفيّة بناء على أنّ العضل كما يكون في الحرّة المكلّفة يكون في الصغيرة والمجنونة، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ اختارها أبو بكر من الحنابلة١. ودليل هذا القول ما يلي: ١ حديث "فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له"٢. ٢ ولأنّ النِّكاح حقّ للمرأة، فإذا تعذّر من جهة وليِّها كان للحاكم استيفاؤه، كما لو كان على رجلٍ دين فامتنع من أدائه، فإنّ الحاكم يقوم باستيفائه لصاحبه من الممتنع٣. ٣- ولأنّ الوليّ بامتناعه يكون ظالماً، والسلطان يقوم مقام صاحب الحقّ في دفع الظلم عنه٤.

стр. 592

ومنع ابن قدامة من صحة الاحتجاج بالحديث لانتقال الولاية للسلطان فقال: الحديث حجّة لنا، لقوله ﷺ : "والسلطان وليُّ من لا وليَّ له". وهذه لها وليّ، ويمكن حمله على ما إذا عضل الكلّ؛ لأنّ قوله "اشتجروا" ضمير جمع يتناول الكلّ" اه١. وكذلك منع من القياس على الدَّين بقوله: والولاية تخالف الدَّين من وجوه ثلاثة: أحدها: أنَّها حقّ للوليّ، والدَّين حقّ عليه. الثّاني: أنّ الدَّين لا ينتقل عنه، والولاية تنتقل لعارض من جنون الوليّ، وفسقه، وموته. الثَّالث: أنّ الدَّين لا يعتبر في بقائه العدالة، والولاية يعتبر لها ذلك، وقد زالت العدالة بما ذكرنا، فإن قيل: فلو زالت ولايته لما صحّ منه التزويج إذا أجاب إليه؟ قلنا: فسقه بامتناعه، فإذا أجاب فقد نزع عن المعصية وراجع الحقّ، فزال فسقه وصحّ تزويجه"٢. انتهى ما قاله ابن قدامة ﵀: إلاّ أنّ الفرق الثَّالث غير لازم لمن لا يشترط عدالة الوليِّ كما هو مشهور مذهب المالكيَّة والحنفيَّة، كما سيأتي في شروط الوليِّ في النِّكاح إن شاء الله تعالى. ومع هذا: فإنَّ في القول بانتقال الولاية من الوليِّ العاضل إلى من يليه

стр. 593

من الأولياء قوّة لا تخفى متى أمكن تزويجها من طريق أوليائها، وذلك أنَّه لا موجب للعدول عنهم متى أمكن التزويج من طريقهم؛ إذ إنّ السلطان ليس بوليّ لمن لها وليّ كما هو صريح الحديث، وأمّا إن لم يمكن تزويجها من طريق بقية أوليائها؛ كأن يقوم العاضل بمنع غيره أيضاً من الإقدام على تزويجها، ويخشى وقوع فتنة وعداوة بين العاضل وغيره ممن يريد تزويجها كما هو الغالب عادة في مثل هذا فحينئذ يرفع الأمر للحاكم ليحكم بالولاية لمن يستحقّها من الأولياء، ويعينه على التمكين منها، فإن لم يمكن ذلك إلاَّ مع خوف الفتنة وعداوة بين الأولياء زوَّجها الحاكم؛ قطعاً للنزاع ولتعذّر تزويجها من قبل الأولياء. والله أعلم. المسألة الرَّابعة: وهى إذا غاب الوليّ الأقرب فمن يزوَّجها؟ وأمَّا المسألة الرَّابعة وهي: إذا غاب الوليّ الأقرب فمن يزوّجها؟ فقد اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أنَّه: إذا غاب وليّ المرأة الأقرب فقد جاز لغيره تزويجها، على خلاف بينهم في حدَّ الغيبة التي يجوز التزويج فيها لغير الأقرب، وكذلك في: من يزوَّجها؟ أهو الوليُّ الذي يليه، أم السلطان؟ كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى. وذهب ابن حزم الظاهري وزفر من الحنفيَّة إلى أنَّه لا يجوز لأحد تزويجها في غيبة وليّها الأقرب، وإن طالت غيبته حتى يقدم فيزوّجها بنفسه. وناقش ابن حزم وجهة الجمهور من أنَّ في انتظاره إضراراً بالمرأة بأنَّ الإضرار بها لا يبيح فرجها، ثم تساءل عن حدِّ الغيبة التي ينتظر، فيها

стр. 594

من التي لا ينتظر؟ قائلاً بأنَّهم لا يأتون إلاَّ بقول لا يعقل له وجه١. وكذلك قال زفر: إنّه لا يزوِّجها الوليُّ الأبعد لبقاء ولاية الأقرب، ولا يزوِّجها السلطان من باب أولى؛ لأنّ ولايته متأخّرة عن ولاية الوليّ الأبعد، وهذا بخلاف العضل عنده لأنَّ الوليّ العاضل ممتنع من إيفاء حقّ لمستحقّه، فيقوم السلطان مقام صاحب الحقّ في دفع الظلم عنه، والغائب غير ظالمٍ في سفره خصوصاً إذا سافر لحجّ ونحوه٢. وما ذهب إليه ابن حزم وزفر رحمهما الله له وجه من النظر متى أمكن تزويجها من قبل وليِّها الأقرب بغير إضرارٍ بها، كسفر الحجّ وزيارة الأقارب ونحوهما، ممّا علم قرب عودة أصحابها، وندرة وقوع الضّرر في مثلها. وأمّا الأسفار التي تتضرّر المرأة فيها بطول غيبة وليّها، كالغيبة المنقطعة كما سيأتي، فالضّرر ممنوع شرعاً بدليل حديث "لا ضرر ولا ضرار" ٣. وبدليل اتفاقهم ومعهم ابن حزم وزفر على أنّ الوليّ الحاضر الكامل الأهليّة إذا عضلها سقطت ولايته، وزوّجت عليه رغم أنفه، كما

стр. 595

هو صريح كلام ابن حزم١، مع أنَّه يرجى عدوله عن عضله في أيّ لحظة، أو أنّه إنِّما عضلها لرغبته في تزويجها بغير من رضيته، وقد يكون أصلح لها ممّن رضيته، وما ذلك إلاَّ بسبب ما يلحقها من الضّرر بسبب عضله إيّاها، وهذا الإضرار يتحقّق في غيبة الوليّ، بل قد يكون أشدّ وأنكى، ولا يضرّنا اختلاف الفقهاء في حدّ الغيبة التي ينتظر فيها الوليّ من التي لا ينتظر متى وجد الاتفاق منهم على رفع الضّرر. وأمّا من الذي يزوّجها في غيبة الوليّ الأقرب؟ أهو الوليّ الأبعد أم السلطان؟ قولان مشهوران: الأوّل: أنّ الذي يزوّجها هو الوليَّ الذي يليه مرتبة، وهذا مذهب الحنفيّة والحنابلة٢. والثَّاني: أنّه السلطان. وهو مذهب الشافعيّة٣. وأمّا المالكيّة ففي كلامهم، ونقل بعضهم عن بعض اختلاف واضطراب شديد؛ وبيان ذلك أنَّ الوليّ- عندهم- إمّا أن يكون مجبراً

стр. 596

وهو الأب في ابنته البكر، أو الصغيرة مطلقاً. وإمّا أن يكون غير مجبر وهم: بقيَّة الأولياء، ومثلهم الأب في ابنته الثّيب المكلّفة. فبعضهم جرى على إطلاق قول واحد، ولم يفرّق بين مجبر وغير مجبر، وبعضهم فصّل، ولكن في كلّ من التفصيل والإجمال إشكال، وحاصل تلك الأقاويل يمكن تصنيفها إلى صنفين: الصنف الأوّل: يدلّ على أنّ المعتمد هو أنّ الولاية تنتقل في غيبة الوليّ الأقرب إلى الأبعد، لا فرق بين مجبر وغيره. وهذا ما يدلّ عليه كلام ابن عبد البرِّ في (الكافي) ١، والقرطبي في تفسيره٢، وابن رشد فى (بداية المجتهد) ٣، وابن جزي فى (قوانين الأحكام) ، وكلامه في هذا صريح مفصّل، ونصّه: "إذا غاب الأقرب انتقلت الولاية إلى الأبعد، وقال الشافعي: إلى السلطان"٤ اه. ثم قال في مسألة بعد هذا: "إذا غاب عن البكر أبوها وهي مجبرة زوَّجها سائر الأولياء، أو السلطان إن لم يكن لها وليّ"٥. وهذا هو ما عزاه ابن هبيرة لمالك ﵀ حيث قال: "واختلفوا

стр. 597

فيما إذا غاب الأقرب من الأولياء غيبة منقطعة، فقال أبوحنيفة ومالك وأحمد: تنتقل الولاية إلى من بعدهم، وقال الشافعي: تنتقل إلى السلطان"١. والصنف الآخر: يدلَّ على أنَّ المعتمد هو انتقالها إلى السلطان، سواءً كان الوليُّ مجبراً أم غير مجبر، إلاَّ في بعض الحالات التي قد قيل بانتقالها إلى الأبعد، أو بصحَّة تزويجه فيها، وإن كان الأحقّ به فيها السلطان. وهذا هو ظاهر كلام خليل في (المختصر) ، وكذلك شروحه وحاصلها: أنَّه إن كان الغائب الوليَّ المجبر كالأب في ابنته البكر فلا يزوِّجها إلاَّ السلطان حيث قيل بتزويجها دون الأولياء الحاضرين، وأمَّا إن كان الغائب غير مجبر وكانت الغيبة مسافة ثلاثة أيام فما فوقها فالذي يزوّجها هو السلطان أيضاً، ولكن لو زوّجها الوليّ الأبعد صحَّ حينئذ بناء على أنّ الترتيب بين الأولياء ليس بشرط. وأمَّا إن كان الغائب أسيراً، أو مفقودا، ً أو وليّاً غير مجبر، ومسافة غيبته دون ثلاثة أيام، فالذي يزوّج حينئذ الوليّ الأبعد دون السلطان، وقيل غير ذلك٢. والله أعلم.

стр. 598

الأدلَّة: استدلَّ من قال: يزوّجها الوليّ الأبعد دون السلطان، بما يلي: ١ حديث "السلطان وليُّ من لا وليَّ له". وهذه لها وليٌّ؛ فلا ولاية للسلطان عليها مع وجوده ١. ٢- ولأنَّه تعذّر حصول التزويج من الأقرب فتثبت الولاية لمن يليه من الأولياء الحاضرين، كما لو جُنّ الأقرب، أو مات٢. ٣- ولأنّها حالة جاز فيها التزويج لغير الأقرب، فكان الأبعد أحقّ بها من السلطان؛ لأنّه أكمل نظراً لها منه٣. وأمَّا من قال يزوِّجها السلطان دون الوليّ الأبعد فدليلهم: أنّ الوليّ الأبعد محجوب بولاية الأقرب، وولاية الوليّ الأقرب باقية؛ بدليل أنَّه لو زوّجها في مكانه، أو وكّل من يزوّجها لصحّ ذلك منه، وإنّما تعذّر لغيبته فناب الحاكم عنه، كما لو غاب وعليه دين فإنّ الحاكم ينوب عنه في الدفع من ماله دون غيره من الأولياء، كما سبق في العضل٤.

стр. 599

الرّاجح: والذي يظهر لي: هو رجحان القول الأوّل، فإنَّه متى أمكن تزويج المرأة من قبل وليّها الحاضر فلا موجب لتجاوزه إلى الحاكم، للحديث السابق الذي هو صريح في أنّ "السلطان وليّ من لا وليّ له"، وهذه لها وليّ، إلاّ أنَّه إن خيفت الفتنة بين الأولياء بسبب ما يخشى من دعوى تعدّي الحاضر على حقّ الغائب في الولاية، فإنّ الأمر يرفع للحاكم؛ لتمكين الوليّ الحاضر من التزويج، قطعاً للنزاع بين الأولياء. والله أعلم. وأمّا هل تبقى ولاية الوليّ أثناء غيبته كما يقوله الشافعيّة١؟ أو تزول بالغيبة كما يقوله غيرهم٢، وهو الصحيح عند الحنفيّة؟. فالظاهر هو بقاء ولاية الوليّ الغائب؛ بدليل صحّة توكيله أو تزويجه لها، إلاّ أنّ عدم الانتفاع بتلك الولاية، بل والضرر من تحرّيها، صيّرها منزلة العدم. والله أعلم. "حدُّ الغَيْبَة" وأمَّا حدّ الغيبة التي يجوز للوليّ الأبعد أو السلطان تزويج المرأة في مثلها: فقد اختلف فيها الجمهور القائلون بصحّة تزويج المرأة في غيبة وليّها الأقرب على أقاويل كثيرة في كلّ مذهب من المذاهب الأربعة؛

стр. 600

وذلك شأن المسائل الفقهية الخاضعة للنظر والاجتهاد؛ إذ ليس في هذه الغيبة ولا في تحديدها نصّ من كتابٍ أو سنَّة، وإنّما هي مسألة اجتهادية، وإليك ما قيل في كلّ مذهب: أولاً: مذهب الحنفيّة: يتفق الحنفيّة على أنّ الغيبة التى يجوز لغير الوليّ الأقرب تزويج المرأة فيها على أنَّها الغيبة المنقطعة، وإنّما يختلفون: متى تكون الغيبة منقطعة؟ على أقوال كثيرة منها: ١ أن يكون الوليّ في بلد لا تصل إليه القوافل في السَّنة إلاّ مرة واحدة١. ٢ أنّها أدنى مدّة السفر؛ لأنَّه لا نهاية لأقصاه، وهو اختيار بعض المتأخرين٢. ٣ أنّها الغيبة التي يفوت الكفء لو انتظر استطلاع رأي الوليّ الأقرب٣. ٤ وقيل: من جابلقا إلى جابلتا، قالوا: وهما قريتان إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب. وهذه رواية عن أبي يوسف، وقد قيل فيها: إنّ هذا دليل على رجوعه إلى قول زفر: أي أنّ المرأة لا تزوّج في غيبة وليّها، وإنّما ذكر هذا على طريق ضرب المثل٤.
следующие страницы →