وهو الأب في ابنته البكر، أو الصغيرة مطلقاً.
وإمّا أن يكون غير مجبر وهم: بقيَّة الأولياء، ومثلهم الأب في ابنته الثّيب المكلّفة.
فبعضهم جرى على إطلاق قول واحد، ولم يفرّق بين مجبر وغير مجبر، وبعضهم فصّل، ولكن في كلّ من التفصيل والإجمال إشكال، وحاصل تلك الأقاويل يمكن تصنيفها إلى صنفين:
الصنف الأوّل: يدلّ على أنّ المعتمد هو أنّ الولاية تنتقل في غيبة الوليّ الأقرب إلى الأبعد، لا فرق بين مجبر وغيره.
وهذا ما يدلّ عليه كلام ابن عبد البرِّ في (الكافي) ١، والقرطبي في تفسيره٢، وابن رشد فى (بداية المجتهد) ٣، وابن جزي فى (قوانين الأحكام) ، وكلامه في هذا صريح مفصّل، ونصّه: "إذا غاب الأقرب انتقلت الولاية إلى الأبعد، وقال الشافعي: إلى السلطان"٤ اه. ثم قال في مسألة بعد هذا: "إذا غاب عن البكر أبوها وهي مجبرة زوَّجها سائر الأولياء، أو السلطان إن لم يكن لها وليّ"٥.
وهذا هو ما عزاه ابن هبيرة لمالك ﵀ حيث قال: "واختلفوا
стр. 597
فيما إذا غاب الأقرب من الأولياء غيبة منقطعة، فقال أبوحنيفة ومالك وأحمد: تنتقل الولاية إلى من بعدهم، وقال الشافعي: تنتقل إلى السلطان"١.
والصنف الآخر: يدلَّ على أنَّ المعتمد هو انتقالها إلى السلطان، سواءً كان الوليُّ مجبراً أم غير مجبر، إلاَّ في بعض الحالات التي قد قيل بانتقالها إلى الأبعد، أو بصحَّة تزويجه فيها، وإن كان الأحقّ به فيها السلطان.
وهذا هو ظاهر كلام خليل في (المختصر) ، وكذلك شروحه
وحاصلها:
أنَّه إن كان الغائب الوليَّ المجبر كالأب في ابنته البكر فلا يزوِّجها إلاَّ السلطان حيث قيل بتزويجها دون الأولياء الحاضرين، وأمَّا إن كان الغائب غير مجبر وكانت الغيبة مسافة ثلاثة أيام فما فوقها فالذي يزوّجها هو السلطان أيضاً، ولكن لو زوّجها الوليّ الأبعد صحَّ حينئذ بناء على أنّ الترتيب بين الأولياء ليس بشرط.
وأمَّا إن كان الغائب أسيراً، أو مفقودا، ً أو وليّاً غير مجبر، ومسافة غيبته دون ثلاثة أيام، فالذي يزوّج حينئذ الوليّ الأبعد دون السلطان، وقيل غير ذلك٢. والله أعلم.
стр. 598
الأدلَّة:
استدلَّ من قال: يزوّجها الوليّ الأبعد دون السلطان، بما يلي:
١ حديث "السلطان وليُّ من لا وليَّ له". وهذه لها وليٌّ؛ فلا ولاية للسلطان عليها مع وجوده ١.
٢- ولأنَّه تعذّر حصول التزويج من الأقرب فتثبت الولاية لمن يليه من الأولياء الحاضرين، كما لو جُنّ الأقرب، أو مات٢.
٣- ولأنّها حالة جاز فيها التزويج لغير الأقرب، فكان الأبعد أحقّ بها من السلطان؛ لأنّه أكمل نظراً لها منه٣.
وأمَّا من قال يزوِّجها السلطان دون الوليّ الأبعد فدليلهم: أنّ الوليّ الأبعد محجوب بولاية الأقرب، وولاية الوليّ الأقرب باقية؛ بدليل أنَّه لو زوّجها في مكانه، أو وكّل من يزوّجها لصحّ ذلك منه، وإنّما تعذّر لغيبته فناب الحاكم عنه، كما لو غاب وعليه دين فإنّ الحاكم ينوب عنه في الدفع من ماله دون غيره من الأولياء، كما سبق في العضل٤.
стр. 599
الرّاجح:
والذي يظهر لي: هو رجحان القول الأوّل، فإنَّه متى أمكن تزويج المرأة من قبل وليّها الحاضر فلا موجب لتجاوزه إلى الحاكم، للحديث السابق الذي هو صريح في أنّ "السلطان وليّ من لا وليّ له"، وهذه لها وليّ، إلاّ أنَّه إن خيفت الفتنة بين الأولياء بسبب ما يخشى من دعوى تعدّي الحاضر على حقّ الغائب في الولاية، فإنّ الأمر يرفع للحاكم؛ لتمكين الوليّ الحاضر من التزويج، قطعاً للنزاع بين الأولياء. والله أعلم.
وأمّا هل تبقى ولاية الوليّ أثناء غيبته كما يقوله الشافعيّة١؟ أو تزول بالغيبة كما يقوله غيرهم٢، وهو الصحيح عند الحنفيّة؟.
فالظاهر هو بقاء ولاية الوليّ الغائب؛ بدليل صحّة توكيله أو تزويجه لها، إلاّ أنّ عدم الانتفاع بتلك الولاية، بل والضرر من تحرّيها، صيّرها منزلة العدم. والله أعلم.
"حدُّ الغَيْبَة"
وأمَّا حدّ الغيبة التي يجوز للوليّ الأبعد أو السلطان تزويج المرأة في مثلها: فقد اختلف فيها الجمهور القائلون بصحّة تزويج المرأة في غيبة وليّها الأقرب على أقاويل كثيرة في كلّ مذهب من المذاهب الأربعة؛
стр. 600
وذلك شأن المسائل الفقهية الخاضعة للنظر والاجتهاد؛ إذ ليس في هذه الغيبة ولا في تحديدها نصّ من كتابٍ أو سنَّة، وإنّما هي مسألة اجتهادية، وإليك ما قيل في كلّ مذهب:
أولاً: مذهب الحنفيّة: يتفق الحنفيّة على أنّ الغيبة التى يجوز
لغير الوليّ الأقرب تزويج المرأة فيها على أنَّها الغيبة المنقطعة، وإنّما يختلفون: متى تكون الغيبة منقطعة؟ على أقوال كثيرة منها:
١ أن يكون الوليّ في بلد لا تصل إليه القوافل في السَّنة إلاّ مرة واحدة١.
٢ أنّها أدنى مدّة السفر؛ لأنَّه لا نهاية لأقصاه، وهو اختيار بعض المتأخرين٢.
٣ أنّها الغيبة التي يفوت الكفء لو انتظر استطلاع رأي الوليّ الأقرب٣.
٤ وقيل: من جابلقا إلى جابلتا، قالوا: وهما قريتان إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب. وهذه رواية عن أبي يوسف، وقد قيل فيها: إنّ هذا دليل على رجوعه إلى قول زفر: أي أنّ المرأة لا تزوّج في غيبة وليّها، وإنّما ذكر هذا على طريق ضرب المثل٤.
стр. 601
٥ وقيل: من بغداد إلى الرّيّ. وهي رواية عن أبي يوسف
ومحمد١.
٦ وقيل: مسيرة شهر فصاعداً. وهى رواية عن أبي يوسف.
٧ وقيل: من الكوفة إلى الرّيّ. وهي رواية عن محمد٢.
٨ وقيل: من الرِّقة إلى البصرة. وهي رواية عن محمد٣.
٩ وقيل: إذا كان جوّالاً من موضع إلى موضع، فلا يوقف له على أثر، أو مفقوداً لا يعرف له خبر، وهذا قول بعض المشايخ٤.
١٠ وقيل: إذا كان في موضع يقع الكراء إليه دفعة واحدة فليست منقطعة، أو بدفعات فهي منقطعة٥.
ثانياً: مذهب المالكية: إنّ الوليّ الغائب عند المالكيّة لا يخلو من أحد أمرين، فهو:
إمّا أن يكون وليّاً غير مجبر. فحدّها مسافة ثلاثة أيّام٦.
стр. 602
وأمّا إذا كان الوليّ مجبراً كالأب في ابنته البكر فلا تزوّج إلاّ إذا كانت غيبته بعيدة، ومثّلوا لها بإفريقيا: - يعني القيروان - واختلفوا في بدايتها، فقيل: أي من المدينة إلى إفريقيا؛ لأنّ مالكاً لمّا قرّرهاكان بالمدينة.
وقيل: بل من مصر؛ لأنّ ابن القاسم لمّا سئل عنها فأجاب كان بمصر.
ثمّ اختلفوا هل من شرطها الاستيطان أولا؟
فقد قيل لابن القاسم: "أرأيت إن خرج تاجراً إلى افريقيا، أو إلى نحوها من البلدان وخلّف بنات أبكاراً فأردن النِّكاح، ورفعن ذلك إلى السلطان، أينظر في ذلك السلطان أم لا؟
قال: إنَّما سمعت مالكاً يقول في الذي يغيب غيبة منقطعة، فأمّا من خرج تاجراً وليس يريد المقام بتلك البلاد فلا يهجم السلطان على ابنته فيزوّجها، وليس لأحدٍ من الأولياء تزويجها. قال: وهو رأيي؛ لأنّ مالكاً لم يوسّع في أنّه تزوّج ابنة الرجل إلاَّ أنّ يغيب غيبة منقطعة"١ اه.
ولقد أطال الحطَّاب في شرح (المختصر) في هذه المسألة، وأكثر من إيراد النقول المتضاربة ثمّ قال: "علم من كلام المدوّنة، وكلام ابن رشد أنّ هذا الخلاف إنّما هو إذا كانت غيبة الأب عن ابنته غيبة انقطاع، بمعنى: أنّه طالت إقامته بحيث لا يرتجى قدومه بسرعة غالباً، وأمّا من خرج
стр. 603
لحاجة، أو تجارة، ونيته العودة، ولم تطل إقامته، فلا تزوّج ابنته"١ اه.
ثالثاً: مذهب الشافعية: وأمّا مذهب الشافعيّة فحدّ الغيبة عندهم مسافة القصر٢، وأمّا ما دونه ففيه قولان في المذهب، أصحّهما: أنَّها لا تزوّج إلاّ بإذنه، وقيل: بل تزوّج لئلاَّ تتضرَّر بفوات الكفء الراغب٣.
رابعًا: مذهب الحنابلة: وأمّا مذهب الحنابلة فهو أشبه بمذهب الحنفية في هذه المسألة؛ إذ يتَّفق معه على أن المعتبرفي الغيبة إنّما هي الغيبة المنقطعة ويختلفون في حدّها على أقوال هي:
١- قول الخرقي: أنّه من لا يصل إليه الكتاب أو يصل إليه فلا يجيب عنه.
وإلى هذا أشار الإمام أحمد في رواية الأثرم؛ وهذا لتعذر مراجعته بالكلّية فيلحق الضرر بانتظاره.
стр. 604
٢- قول القاضي: من لا تتردد إليه القوافل في السنة إلاّ مرة؛ لأنّ الكفء ينتظر سنة، ولا ينتظر أكثر، فيلحق الضرر بترك تزويجها.
٣- أنّها المسافة التي تقصر فيها الصلاة؛ فقد روى عن الإمام أحمد أنّه قال: إذا كان الأب بعيد السفر يزوج الأخ، قال ابن قدامة: فيحتمل أنّه أراد بالسفر البعيد ما تقصر فيه الصلاة؛ لأنّ ذلك هو السفر الذي علقت عليه الأحكام "١.
٤- أنّه ما لا يقطع إلاّ بكلفة ومشقة. قال ابن قدامة: "وهذا أقربها - إن شاء الله تعالى - للصَّواب، فإنَّ التحديدات بابها التوقيف؛ ولا توقيف في هذه المسألة فتردُّ إلى ما يتعارف عليه الناس بينهم مما لم تجر العادة بالانتظار فيه، ويلحق المرأة الضرر بمنعها من التزويج في مثله٢. وقال صاحب الإنصاف: "وهذا هو المذهب "٣.
٥- وقيل: ما تستضرّ به الزوجة. قال صاحب الإنصاف: "وهو الصَّواب "٤.
стр. 605
٦- وقيل: ما يفوت به كفء راغب. وقال صاحب الإنصاف: "وهو قويّ "١.
ومن هذا العرض لمذاهب الفقهاء في تحديد الغيبة التي يجوز في مثلها لغير الوليّ الأقرب تزويج المرأة فيها، يمكن حصرها في قولين:
الأول: أنّها الغيبة المنقطعة دون غيرها، وإن اختلفوا في تحديدها.
وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة والصحيح من مذهب المالكية في غيبة الأب عن ابنته البكركما تقدّم.
والثَّاني: أنّها الغيبة التي تقصر في مثلها الصلاة. وهذا مذهب الشافعية، وفيما دون ذلك عندهم خلاف، الصحيح عدم اعتباره.
ونحو مذهب الشافعية هذا مذهب المالكية في غيبة الوليّ غير المجبر لتحديدهم غيبته بثلاثة أيام، وقد تقدّم في مذهب الحنابلة رواية عن الإمام أحمد تحتمل هذا.
والذي يظهر لي مما تقدّم: أنَّ الصَّواب هو اعتبار الغيبة المنقطعة دون غيرها، فإنَّ التحديد بابه التوقيف؛ ولا توقيف في هذه المسألة، كما تقدّم عن ابن قدامة ﵀.
ومتى أمكن تزويج المرأة عن طريق وليِّها الأقرب لم يعدل عنه إلى غيره لمجرّد غيبته، سواء كان الغائب أبًا أم غيره؛ فإنَّ الغيبة ليست مقصودة لذاتها، بل لأنّها مظنّة الإضرار بالمرأة، والضرورة تقدّر بقدرها، وأمّا لغير
стр. 606
ضرورة فلا تستباح أعراض النِّساء بغير عقود الأولياء؛ إذ لو وسّع الأمر في ذلك لفتح باب الفوضى والفساد، والاستهانة بالأعراض، ولما أمن مسافر إلى حجٍّ أو عمرة، أو طلب علم، أو تجارة أو نحو ذلك على حقِّه في ولايته على بناته، وأخواته، ونحوهنّ، وما أظنُّ أحدًا يسرُّه أن تستغلَّ غيبته للإقدام على تزويج محارمه، سواء زوّجهن الأباعد من الأولياء أم الحكَّام.
وأمّا معرفة حدّ الغيبة المنقطعة من غيرها فهذه مردّها إلى أعراف النَّاس، كما قاله ابن قدامة ﵀، ولا تقدّر بالأيام، ولا بطول المسافة؛ إذ التقديرات بابها التوقيف؛ ولا توقيف في هذه المسألة، وأعراف النَّاس تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وفي زماننا هذا من وسائل الاتصال الميسّرة ما لم يسبق له مثيل، مما يوفِّر كثيرًا من الجهد، ويذلِّل كثيرًا من الصِّعاب التي كانت في الماضي يحسب حسابها. والله أعلم.
стр. 607
تتمَّة:
يلحق بالغيبة المنقطعة البعيدة، الغيبة القريبة متى تعذَّر الوصول إلى صاحبها، وتضررت المرأة بانتظاره، كأن يكون سجينًا أو أسيرًا في مكان قريب، لا يمكن مراجعته ولا يعرف متى خروجه، لأنَّ طول الغيبة ليس مقصودا لذاته؛ وإنّما لتعذُّر الوصول إلى التزويج عن طريق الوليّ الأقرب١. والله تعالى أعلم.
стр. 608
المبحث الثَّاني: الولاية في النِّكاح بالوَلاَء
هذا هو السّبب الثَّاني من أسباب الولاية في النِّكاح، وإليك معناه لغة وشرعًا.
١- أمّا لغة: فالوَلاَء- بفتح الواو وآخره ألف ممدوة- هو القرابة.
لأنّه مشتق من مادة "وَلِيَ ". ومعنى هذه الكلمة كلّه راجع إلى معنى القرب، كما نصّ على ذلك ابن فارس وغيره من أهل اللغة١.
وقيل: الولاء: الملك. كذا في القاموس، وتبعه صاحب تاج العروس،٢ واعتمده بعض الفقهاء في تعريفاتهم٣.
والأنسب لبحثنا هذا هو المعنى الأوّل؛ فإنَّ الوَلاَء هنا: أثر من آثار الملك بعد زواله؛ إذ هو علاقة بين المالك والمملوك بعد عتقه. والله أعلم.
وأمّا المراد به شرعًا: فهو تلك القرابة بين المعتِق وعتيقه بسبب العتق.
وأحسن ما وقفت عليه من تعريفات الوَلاَء هو: أنّه عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق٤.
стр. 609
ومعنى هذا: أنَّ المالك إذا أنعم على رقيقه بالعتق أصبح المنعَم عليه بالعتق عصبة لمن أنعم عليه به في جميع أحكام التعصيب، فيحلُّ محلَّ عصبة النسب عند عدمها في الإرث والنكاح والعقل ونحوها.
وهذا التعريف للولاء: قاصر على الولاء المتفق عليه وهو: ولاء العتق ١، دون ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ﵀ من اعتبار الولاء بالموالاة، وهو من أسلم أبو الصغير أو الصغيرة على يديه ووالاه٢.
وقد روى نحو هذا أيضًا عن الإمام أحمد ﵀ فيمن أسلمت
على يد رجل أنّه أحقُّ بتزويجها من السلطان "٣.
стр. 610
إلاّ أنَّ هذا النوع من الولاء لم يثبت عند الجمهور؛ ولذلك فسنقتصر في هذا البحث على الولاء المتفق عليه: وهو وَلاَء العتق دون غيره.
٢- دليل الوِلاَية فى النِّكاح بوَلاَء العتق.
لا خلاف بين أهل العلم في أنَّ من أعتق شخصًا ثبت له ولاؤه في الإرث، والنِّكاح، والعقل، ونحو ذلك بشرط ألا يكون للمنعَم عليه بالعتق وليٌّ من النَّسب.
ومن الأدلّة على ثبوت ولاء العتق لمن أعتقه ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُم﴾ ١:
فقد نزلت هذه الآية في (زيد بن حارثة ﵁ ٢ فقد كان مملوكًا لخديجة ﵂، فأهدته للنبي ﷺ ، فأعتقه وتبنّاه- على ما كان معروفًا حينذاك- فكان يدعى (زيد بن محمد) حتى نزلت هذه الآية فأبطلت التبنّي- وهو أن يدعى الشخص إلى غير أبيه حقيقة- وأمرت أن يدعى الناس إلى آبائهم من النَّسب، فإن لم يعرف لهم آباء فإلى مواليهم، وهم المعتِقون لهم، وحسبهم أخوّة الإسلام.
٢- حديث "الوَلاَء لُحْمَةٌ كلُحْمَة النَّسب، لا يباع ولا يوهب".
стр. 611
وهذا الحديث قد رواه الشافعي وابن حبّان. قال الشافعي أخبرنا محمد بن الحسن١، عن يعقوب بن إبراهيم٢، عن عبد الله بن دينار٣ عن ابن عمر مرفوعًا٤.
ومن طريق الشافعي رواه الحاكم٥ والبيهقي٦، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقَّبه الذهبي قائلاً: "بالدَّبُّوس " تشنيعًا على الحاكم في تصحيحه له.
ومع هذا فإنَّ الحديث صحيح بشواهده ومتابعاته، كما في إرواء الغليل وغيره من كتب التخريج٧.
стр. 612
ولعلَّ سبب تعقيب الذهبي المشار إليه ما قيل من ضعف محمد وأبي يوسف١ صاحبي الإمام أبي حنيفة ﵏، ولذلك قال محقِّق نصب الراية: "قد صحح الحاكم هذا الحديث، وتتبَّعه الذهبي في "تلخيصه" ومن رجاله الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف القاضي "النُّجوم الثَّواقب" اه ٢.
وهذا الحديث من أشهر أدلّة هذه المسألة عند الفقهاء؛ لصراحة تشبيه الولاء بالنَّسب، مما يدلّ على قيامه مقام قرابة النَّسب عند عدمها؛ لدلالة التشبيه على أنَّ الولاء أقلّ رتبة من النَّسب٣. والله أعلم.
٢- حديث "مولى القوم منهم". رواه أحمد والحاكم وغيرهما من حديث رافع بن رفاعة ﵁ مرفوعًا. وصححه الحاكم، وأقرّه الذهبي٤.
стр. 613
٣- حديث "إنّما الوَلاَء لمن أعتق". متفق عليه١.
٣- من يستحق الولاء بالعتق؟
وأمّا من الذي يستحق الولاء بالعتق؟ فهو المنعِم بالعتق اتِّفاقًا، رجلاً أم امرأة، لقوله ﷺ : "إنّما الوَلاَء لمن أعتق". متفق عليه٢.
إلاّ أنّه إذا كانت المنعمة بالعتق امرأة ففي مباشرتها لنكاح مولاتها الخلاف المعروف في ولاية النِّساء في النكاح، والقول هنا في ولايتها على عتيقتها- إن لم يكن للعتيقة وليٌّ من النَّسب- كالقول في ولايتها على أمتها، وخلاصته - عند من منع ولاية النساء في النكاح - قولان:
القول الأوّل: أنّها توكِّل رجلاً فيزوّج عتيقتها.
لأنّها بإعتاقها لها أصبحت عصبة لها كالرَّجل، وإنّما منعت من مباشرة النّكاح؛ لأنَّها امرأة، فصحَّ أن توكِّل من تصحُّ عبارته في النِّكاح. وهذا مذهب المالكية ورواية في مذهب الحنابلة٣.
القول الثَّاني: أنّ وليّ عتيقتها هو نفس وليّ المنعِمة بالعتق في النِّكاح.
стр. 614
وهذا مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة١.
وذلك لأنَّ هذه ولاية نكاح حرَّة، والمرأة ليست من أهل الولاية في النِّكاح، فتكون الولاية لعصبة المنعمة بالعتق؛ لأنَّهم يرثونها بالتعصيب بعد موت المعتِقة- بكسر التاء- ويعقلون عنها، كما لو تعذَّر على المعتِق- بكسر التاء- تزويج معتقته لموت أو جنون٢.
وفي قول للشافعي يزوّجها السلطان٣.
والصحيح هو أنَّ وليَّها وليُّ معتقتها كما تقدّم٤ في وليّ أمة المرأة في النكاح. والله أعلم.
وأمَّا بعد موت المعتِق- بكسر التاء- رجلاً أم امرأة فوليّها عصبة من أعتقها الذكور دون الإناث، الأقرب فالأقرب كما تقدّم في عصبة النَّسب، إلاّ أنَّ ابن المعتق هنا له الولاية على عتيقة أبيه أو أمّه اتِّفاقًا بخلاف ما سبق عن الشافعية ومن وافقهم من منع ولاية الابن على أمّه الحرّة٥، والفرق بينهما واضح، بل إنَّه يتقدَّم هنا على الأب عند الشافعية.
стр. 615
وكذلك يتقدم على الصحيح من مذهب الحنابلة بخلاف ما سبق عنهم من تقديم أبي الحرّة على ابنها في ولاية نكاحها. والله أعلم
استواء العصبات بالولاء في درجة واحدة.
وإذا استوى أولياء المعتَقة- بفتح التاء- بالولاء في درجة واحدة، كأن يكون لها أكثر من معتق.
فمذهب الجمهور: ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة١ أنّه لا يزوّجها أحدهم إلاّ بإذن الآخرين، ولا يشترط ذلك عند المالكية٢ والأولّ هو الأظهر؛ لأنَّ أحدهم لا يستحق الولاء كاملاً. والله أعلم.
وأمّا إن كان عصباتها بالولاء غير المباشرين لها بالعتق، كأبناء المعتِق- بكسر التاء- وإخوته، ففيهم ما سبق في استواء أولياء النسب، والظاهر هو أنّه لا يشترط اجتماع إذنهم كما تقدم في أولياء النّسب، وعلى هذا فلو كان للمعتَقة- بفتح التاء- أكثر من معتِق فيكفى واحد من عصبة كلٍّ منهم. والله أعلم.
стр. 616
المبحث الثاَّلث: ولاية السلطان في النّكاح
١- ثبوت ولايته في النكاح.
إنَّ ثبوت الولاية في النِّكاح بسبب السلطنة من الأسباب المتفق عليها بين أهل العلم لكلِّ من لا وليّ لها، فإنَّ للسلطان ولاية عامَّة على الأنفس والأموال، ومن أدلّة ثبوت ولايته في النِّكاح ما يلي:
أولاً: حديث "السلطان وليُّ من لا وليَّ لها " ١. وهذا الحديث هو الأصل في إثبات ولاية السلطان وعليه العمل عند أهل العلم.
ثانيًا: قوله ﷺ لمن خطب منه المرأة التي وهبت نفسها للنَّبيِّ: "زوّجناكها بما معك من القرآن" ٢ متفق عليه. وممن استدل بهذا الحديث على ثبوت ولاية السلطان في النكاح الإمام البخاري في صحيحه، حيث كانت إحدى تراجمه عليه "باب٣: السلطان وليّ، لقوله ﷺ "زوّجناكها بما معك من القرآن".
ثالثًا: حديث أمّ حبيبة ﵂: أنَّ النجاشي زوّجها النَّبيَّ ﷺ وهي عنده بأرض الحبشة" رواه الأئمة أحمد وأبوداود والنسائي وابن
стр. 617
الجارود والدارقطني والحاكم وصححه وأقرّه الذهبي ورواه البيهقي من طريق الحاكم١.
قال ابن القيِّم ﵀: هذا هو المعروف عند أهل العلم أنَّ الذي زوج أمّ حبيبة للنَّبيِّ ﷺ هو النجاشي في أرض الحبشة، وأمهرها من
стр. 618
عنده ... وتزويج النجاشي لها حقيقة؛ فإنّه كان مسلمًا، وهو أمير البلد وسلطانه، وقد تأوّله بعضهم على أنّه كان هو الخاطب، والذي ولي العقد عثمان بن عفان، وقيل: عمرو بن أميّة الضمري، والصحيح أنَّ عمرو بن أميّة الضمري كان وكيل النبيِّ ﷺ في ذلك، بعث به النبيُّ ﷺ إلى النَّجاشي يزوّجه إيّاها. وقيل: الذي ولي العقد عليها خالد بن سعيد بن العاص- ابن عم أبيها"١ انتهى المقصود من كلامه.
إلاّ أنَّ تزويج النَّجاشي لها مع القول بوجود من هو أولى منه كعثمان بن عفَّان، وخالد بن سعيد ﵄ فيه إشكال على القول باشتراط الترتيب بين الأولياء، ولكنَّ الظاهر أنّه لم تكن هناك مشاحَّة في تزويجها بين النجاشي ومن حضر من أوليائها، بل الكلُّ مغتبط بتزويجها لرسول الله ﷺ ، مع أنّهم كانوا في جواره، فرارًا من أبي سفيان وقومه، والمصلحة حينئذ في تولّي النَّجاشي تزويجها بنفسه لما بين المسلمين وأبي سفيان من العداوة حينذاك. والله أعلم.
٤- قول عمر ﵁: "لا تنكح المرأة إلاَّ بإذن وليّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان "٢.
стр. 619
٢- المراد بالسلطان.
وأمّا المراد بالسلطان هنا: فهو: إمام المسلمين العامَّ الذي له الأمر والولاية على الكافّة؛ إذ هو الأمين على رعاية مصالحهم بمقتضى شريعة ربهم، ويقوم مقامه نائبه أو قاضيه أو من يفوّضه إليه.
إلاّ أن المشهور من مذهب الحنفية أنَّ القاضي ليس له التزويج إلاّ أن ينصّ له السلطان على ذلك في منشوره. أي في صلاحية توليته.
وكذلك اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀ في أمير البلد هل يزوّج أولا؟
فمرّة قال: "القاضي يقضى في التزويج والحقوق والرَّجم، وصاحب الشرط إنّما هو مسلّط في الأدب والجناية، وليس له الوصايا والفروج والرَّجم والحدود وهو إلى القاضي أو إلى الخليفة الذي ليس بعده شيء"١.
стр. 620
ومرّة سئل عن البلد، يكون فيه الوالي وليس فيه قاض فقال: يزوّج إذا احتاط لها في المهر والكفء، أرجو ألاّ يكون به بأس" وحمله القاضي من الحنابلة على أنَّ هذا إذا كان مأذونًا له في التزويج.
ونُقِل عن الشيخ تقي الدِّين- وهو المعروف بابن تيميَّة- حمله على ظاهره عند تعذُّر القاضي؛ لأنَّه موضع ضرورة١.
والذي يظهر لي - والله أعلم -: أنَّ مردّ هذا إلى أعراف النَّاس، فإن جرت عادة الإمام بالتفويض العامُّ للقاضي، أو الوالي فهذا منها، وإن جرت العادة بتحديد الصلاحيات فليس للقاضي أو الوالي ولاية فيما لم يفوِّض فيه بشي؛ وذلك لأنَّهم يستمدُّون ولايتهم من ولاية الإمام العامّ. والله أعلم.
٣- متى يكون السلطان وليًّا في النكاح؟
ويكون السلطان وليًّا في النكاح في الحالات التالية:
الأولى: إذا لم يكن للمرأة وليّ غيره. وهذا متفق عليه.
الثَّانية: إذا عضل الأولياء. فإن امتنعوا جميعًا من تزويجها فيزوّجها السلطان أو نائبه اتفاقًا أيضًا.
وإن عضل بعضهم دون بعض، وأمكن تزويجها ممن يلي العاضل من أوليائها فقد تقدَّم أنَّ فيها قولين للعلماء:
стр. 621
أوّلهما: أنَّه يزوّجها السلطان، وهو مذهب المالكية والشافعية، وكذلك هو مذهب الحنفية بناء على أنَّ العضل كما يكون في الحرّة المكلّفة يكون في الصغيرة والمجنونة١.
وثانيهما: أنّه يزوّجها الوليّ الذي يلي العاضل في الترتيب، وهو مذهب الحنابلة، وبه قالت الشافعية أيضًا إذا تكرَّر منه العضل، بناء على أنَّ الوليّ يصير بذلك فاسقًا، ولا ولاية لفاسق على الصحيح عندهم٢.
الثَّالثة: إذا غاب الوليّ الأقرب. وقد تقدَّم أنَّ فيه قولين لجمهور العلماء القائلين بصحة تزويجها في غيبة وليّها:
أحدهما: أنّه السلطان. وهو مذهب الشافعية وظاهر مذهب المالكية المعتمد في مختصر خليل وشروحه٣.
وثانيهما: أنَّه الوليُّ الحاضر الذي يلي الغائب في الترتيب. وهو مذهب الحنفية والحنابلة وتقدم ذكر من عزاه لمالك ﵀. وهو الذي تقدم ترجيحه٤
الرَّابعة: إذا كان الخاطب هو الوليّ، وذلك كابن العم، فيزوّجه بها السلطان إن لم يكن لها وليّ في درجته، وهذا مذهب الشافعية.
стр. 622
وهذا مبنى على مسألة مشهورة وهي: هل يتولّى شخص واحد طرفي العقد بنفسه؟
فعند الشافعية المنع إلاّ الجدّ، فيصح أن يزوّج بنت ابنه بابن ابنه الآخر في الأصحِّ عندهم١.
وأمّا الجمهور٢ فعلى الجواز، فيتولّى ابن العم – مثلاً - طرفي الإيجاب والقبول بنفسه لنفسه، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
стр. 623
المبحث الرَّابع: الولاية في النِّكاح بالكفالة
١- من قال بثبوت الولاية في النكاح بالكفالة.
إنَّ استحقاق الولاية على المرأة في النكاح بسبب الكفالة محلُّ خلاف، بل لم يقل به- فيما أعلم- سوى المالكية، وظاهر ما في مختصر خليل وشروحه١ أنَّ الكفالة سبب مستقلّ، تُستَحقّ به الولاية، إلا أنّ بعضهم٢ اعتبرها من جنس الولاية العامّة: وهي ولاية عندهم لكلِّ مسلم، بسبب الإسلام، كما سيأتي.
وهذا راجع إلى اختلافهم في شرط دناءة المكفولة، والولاية العامّة عندهم إنّما تثبت على الدنيئة دون الشريفة في الأظهر.
والمراد بالكافل هنا: هو الرَّجل القائم بأمور مكفولته بعد موت أبيها، أو غياب أهلها، حتى بلغت عنده وهو أجنبيٌّ منها٣.
стр. 624
٢- متى يستحقّ الكافل الولاية في النكاح؟
ويستحقّ الكافل ولاية نكاح مكفولته- عند المالكية- بعدة أمور: بعضها يرجع إلى زمن الكفالة، وبعضها إلى المكفولة نفسها، وبعضها إلى الكافل نفسه.
فأمّا ما يرجع إلى زمن الكفالة فقيل: كفالتها عشرة أعوام، وقيل: أربعة أعوام، وقيل: لا حدّ لأقلِّ زمن الكفالة، وإنّما المعتبر زمن يحصل له فيها شفقة عليها وحنان، وهذا أكثرها اختيارًا عندهم١.
وأمّا ما يتعلَّق بالمكفولة: فشرطها الدناءة، وهو ظاهر المدوّنة كما نصّ عليه خليل في مختصره، وجرى عليه شرَّاحه، وقيل: بل تثبت ولاية الكافل على الشريفة، والدنيئة، وهو ظاهر إطلاق (المختصر) ٢.
وأمّا ما يتعلَّق بالكافل نفسه فاستحقاقه لولاية مكفولته يأتي بعد عصبات النَّسب، والولاء بالعتق، كما هو ظاهر ترتيب المختصر٣.
إلاّ أنَّ ظاهر المذهب أنَّ هذا ليس بشرط، إذا لم يكن لها وليٌّ مجبر، وذلك على ما اشتهر من المذهب أنَّ الترتيب بين الأولياء غير المجبرين على
стр. 625
الاستحباب، لا على الوجوب، كما تقدَّم في عصبات النَّسب. والله تعالى أعلم.
الرَّاجح:
والذي يظهر لي مما تقدَّم: أنّه لا ولاية لكافل مع وجود وليّ نسب، أو ولاء بالعتق، أو سلطان، أو من يقيمونه مقامهم، أمَّا مع عدم وجود أولئك فله وجه من النظر للحاجة والضرورة حينئذ، كما سيأتي في الولاية العامّة بالإسلام، ويكون الكافل- حينئذ- أولى من مجرد وليّها في الإسلام، إذ هو كافل ومسلم. والله أعلم.
стр. 626
المبحث الخامس: الولاية فى النِّكاح بالإسلام
١- من قال بها.
اشتهر القول بثبوت الولاية على المرأة في النكاح بسبب الإسلام وحده بين الرجل والمرأة عند المالكية وحدهم، فالولاية عندهم نوعان: ولاية خاصّة، وولاية عامّة.
فالولاية الخاصّة: هي التي تثبت بسبب النَّسب، أو الولاء بالعتق، أو الكفالة، أو الإمامة، أو نوّاب هؤلاء.
وأمّا العامّة: فهي الثابتة بمقتضى ما بين أهل الإسلام من موالاة، وهي عندهم فرض كفاية؛ إذا قام به بعض المسلمين سقط عند الآخرين، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ ١.
٢- شرط ثبوت هذه الولاية:
وشرط ثبوت هذه الولاية أن لا يوجد للمرأة ولي خاصّ مطلقًا، لا من النَّسب، ولا من الولاء بالعتق، ولا كافل، ولا حاكم، ولا نائب لهم. إلاّ أن تكون المرأة دنيئة، وهي عندهم: المرأة التي لا قدر لها ممن لا يرغب فيها لنسب، ولا لحسب، ولا مال، ولا جمال، فهذه إن لم يكن لها ولٌّي خاص مجبر صح لها أن تفوّض أمرها إلى رجل من المسلمين، فيزوّجها
стр. 627
بولاية الإسلام على المشهور من المذهب، حتى وإن وجد لها وليٌّ خاصٌّ ما لم يكن مجبرًا، والولُّي المجبر عندهم هو: الأب في ابنته البكر أو الصغيرة مطلقًا، وكذلك وصيّة عليها، وكذلك السيّد في إمائه، إلاّ أنَّ هذا الأخير نادر وجوده في هذه الصورة، فهؤلاء الثلاثة لا ولاية لأحد معهم، فإن زوّجها غيرهم فالنِّكاح مفسوخ على كلّ حال، وإن أجازه الوليُّ الخاصّ المجبر بعد ذلك. وقد تقدم بيان هذه المسألة في آخر فصل اشتراط الولاية في النِّكاح على الحرّة المكلّفة فليراجع١.
الرَّاجح:
وبتأمّل القول بالولاية العامّة بسبب الإسلام بين الرجل والمرأة نجد أنّه لا يخلو من إحدى حالتين:
الأولى: عدم الوليّ الخاصّ مطلقًا- أي لا من النَّسب ولا بولاء العتق ولا سلطان، ولا كافل، ولا نائب لهم- ففي هذه الحال لا أعتقد أن المالكية ينفردون بهذا القول عن غيرهم، بل لقد نصّ كل من الشافعية والحنابلة٢ على أنَّ المرأة إن لم يكن لها وليٌّ ولا سلطان، فإنّها تولِّي رجلاً
стр. 628
فيزوّجها بإذنها، هذه ضرورة لا مفرّ منها ولا محيد عنها؛ إذ من يلي أمرها- حينئذ- إن لم يكن أخاها في الإسلام؟ وهذا أكرم لهامن أن تتولاَّه بنفسها؛ لما فيه من تكريم النكاح عن شبهة السفاح.
والحالة الثانية: وجود الوليُّ الخاص مطلقًا- أي وإن لم يكن مجبرًا- فالظاهر – حينئذ - أنّه لا فرق بين شريفة ودنيئة.
وهذا ما تقدَّم ترجيحه في آخر مبحث اشتراط الولاية في النكاح١.
стр. 629
المبحث السادس: الوكالة عن الوليّ في النكاح
إنّ الوكالة عقد شرعيّ، يصحّ في كلِّ ما تدخله النيابة شرعًا؛ فيقوم الوكيل مقام من وكّله١.
والذي يهمّنا في هذا المبحث منها: هو وكيل الوليّ، وهو: من استنابه الوليّ في تزويج مولِيَّته في حياته. فيقوم مقام الوليّ فيما وكِّل فيه في حضرة الوليّ وغيابه، ويثبت له ما يثبت للوليّ من الإجبار أو عدمه، وإنّما أخَّرته عن أسباب الولاية السابقة- مع أنَّ الوكيل في درجة من وكّله- لأنَّ تلك أسباب يملك بها الشخص الولاية على غيره شرعًا، بدون واسطة، بخلاف الوكيل فهو إنّما يستمدّ ولايته ممن وكّله من الأولياء.
ومن الأدلّة على ثبوت الوكالة في النّكاح مطلقًا.
стр. 630
قبل أن يخرج"١. وهذا إسناد صحيح ولكنّه مرسل كما في إرواء الغليل للألباني٢. وسيأتي له مزيد تخريج في آخر البحث٣.
٢- ولما روي أنَّه ﷺ "وكّل عمرو بن أميّة الضمري في تزويجه أمّ حبيبة ﵂" رواه الحاكم والبيهقي٤ وإسناده ضعيف٥.
٣- ولأنَّ النِّكاح عقد معاوضة فجاز فيه التوكيل كالبيع٦.
стр. 631
وأمّا توكيل الوليّ على وجه الخصوص فلم أجد فيه نصّا ولا أثرًا عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إلاّ ما روي أنَّ رجلاّ من العرب ترك بنته عند عمر بن الخطاب ﵁، وقال: إذا وجدت كفؤًا فزوّجه إيّاها ولو بشراك نعله، فزوّجها عمر بن الخطاب من عثمان بن عفان- ﵁ فهي أمُّ عمرو بن عثمان "١ قال ابن قدامة - مستدلاًّ بهذا الأثر على التوكيل المطلق في النكاح- قال: واشتهر ذلك فلم ينكر" اه٢
ومع هذا فإنَّ الوكالة عقد مجمع على صحته في الحقوق التي تدخلها النيابة شرعًا، والنكاح منها، وفي عموم أدلّة الوكالة مطلقًا، أو التوكيل في النكاح خاصَّة ما يغنى عن التنصيص على خصوص توكيل الوليِّ٣، ولم
стр. 632
أر خلافاً للعلماء في صحة توكيل الولِّي، إلاّ أنَّه اشتهر عن الشافعية أنَّ الوليّ لا يوكِّل إلاّ بإذن المرأة المعتبر إذنها، على الصحيح عندهم، وهذا إذا لم يكن أبًا أو جدًّا معلّلين ذلك بأنَّ غير الأب والجدّ إنّما يملك التزويج بالإذن١. ومع أن هذا القول لا يعارض القول بصحّة توكيل الوليّ غيره في الأصل فهو مردود بالاتفاق على صحة توكيل الحاكم بدون إذن المرأة٢، وبأن الولاية لا تتوقف أصلاً على إذن المرأة، بل هى ثابتة عليها شرعًا بدون إذنها، وإنَّما الذي يتوقَّف على إذنها لزوم العقد لها، سواء أكان العاقد وليّها أو وكيله٣.
وعلى هذا فالوليّ يملك التوكيل فيما ثبت له من الولاية شرعًا، فحيث جاز للوليّ الإجبار كان ذلك جائزًا لوكيله، وحيث منع من الإجبار امتنع وكيله، فلا يملك الوكيل ما لا يملكه الأصيل، والولاية حقٌّ للولِّي، والإذن حقٌّ للمرأة، وتوكيل الولِّي في حقّه لا يسقط حقّها، ولا يتوقَّف على رضاها. والله أعلم.
стр. 633
حكم التوكيل من حيث الإطلاق والتقييد.
وأمّا صفة توكيل الوليِّ من يزوّج مولِيَّته في حياته فهذا إن كان توكيلاً معيّنًا كأن يعيّن له الخاطب صحّ التوكيل، وليس للوكيل أن يتعدّى ما عيّن له اتِّفاقًا.
وأمَّا إن كان توكيلاً مطلقاً، كأن يقول له: وكَّلتك في تزويجها بمن شئت، أو بمن ترضاه، فقد اختلف العلماء في صحَّة ذلك على قولين:
أوّلهما: صحة ذلك أيضًا وهو مذهب الجمهور. واستدلّ لهم ابن قدامة بما روي أنَّ رجلاً من العرب ترك ابنته عند عمر بن الخطاب ﵁ وقال: إذا وجدت لها كفؤًا فزوّجه إيّاها ولو بشراك نعله، فزوّجها عمر من عثمان بن عفان ﵁ فهى أم عمرو بن عثمان١. قال ابن قدامة: "واشتهر ذلك فلم ينكره منكر". ولأنَّه إذن في النكاح فجاز مطلقًا كإذن المرأة، أو عقد فجاز التوكيل فيه مطلقًا كالبيع "٢ اه.
وثانيهما: أنَّه لا يصحّ. وهو أحد القولين للشافعية. إلاّ أنَّ الأظهر صحَّته، سواء كان الوليُّ مجبرًا أم غير مجبر، إلاّ أن غير المجبر مقيّد بصفة إذن المرأة فإن أذنت مقيّدًا لم يتجاوزه، وإن أطلقت الإذن له أن يطلق التوكيل في الأصحّ.
стр. 634
وعلى هذا فإذا كان التوكيل مطلقاً فالمشهور في كتب المذاهب أنّه مقيّد بحسن النظر للمرأة في الكفاءة وغيرها، حتى قال بعض الشافعية: إنَّه لا يزوّجها- حينئذ- بكفء وقد خطبها من هوأكفأ منه، ولا بمهر المثل مع بذل أكثر منه١.
ومما تقدَّم يظهر رجحان القول بصحة التوكيل المطلق، كما يصحُّ المقيّد، وكذلك وجوب احتياط الوكيل للمرأة في الكفاءة وغيرها.
أمَّا صحّة التوكيل المطلق: فلأنَّ للنَّاس مقاصد في الإطلاق، كما لهم مقاصد في التقييد، ولا دليل على المنع.
وأمَّا وجوب الاحتياط للمرأة عند إطلاق التوكيل فهذا لا ينبغي أن يكون محلَّ خلاف؛ لأنَّ الإطلاق ينصرف إلى ما تعارف عليه النَّاس من طلب الكفاءة والمهر وحسن النظر، كما هو الشأن في الولي شرعًا، فكذلك وكيله، ولا نظر- غالبًا- في تزويجها بغير كفء، أو مع بخسها حقِّها في المهر، ونحوه من المقاصد الحسنة التي تعين على استقرار النكاح ولا تتعارض مع مقاصده الأصليَّه، إلاّ أن ترضى المرأة ووليّها بغير الكفء، أو ترضى المرأة بأقلِّ من مهر المثل؛ لأنَّه خالص حقِّها دون وليّها على الصحيح، فلا معنى حينئذ لإلزام الوكيل بما أسقطه صاحب الحقِّ. والله أعلم.
стр. 635
المبحث السَّابع: الولاية في النِّكاح بالوصيّة
وأمّا وصيّ الوليّ فهو: من عهد إليه الوليُّ بتزويج مَوْلِيَّته بعد مماته. فالوصيّ: نائب عن الوليّ كالوكيل، إلاّ أنَّ وكيل الوليّ نائب عنه في حياته، ووصيّ الوليّ: نائب عن الوليّ بعد مماته، ووكيل الوليِّ تصحّ نيابته اتِّفاقًا، وأمّا وصيّ الولي ففي نيابته خلاف بين العلماء على أقوال، خلاصتها ثلاثة:
القول الأوّل: أنِّ الولاية في النكاح لا تستفاد بالوصيَّة.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية والظاهرية وإحدى الروايتين المشهورتين عن الإمام أحمد رحمهم الله١.
القول الثَّانى: أنّها تستفاد بالوصيَّة: وهو مذهب المالكية وأظهر الروايتين المشهورتين عن الإمام أحمد ﵀. قال صاحب (الإنصاف)