← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وأمّا توكيل الوليّ على وجه الخصوص فلم أجد فيه نصّا ولا أثرًا عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إلاّ ما روي أنَّ رجلاّ من العرب ترك بنته عند عمر بن الخطاب ﵁، وقال: إذا وجدت كفؤًا فزوّجه إيّاها ولو بشراك نعله، فزوّجها عمر بن الخطاب من عثمان بن عفان- ﵁ فهي أمُّ عمرو بن عثمان "١ قال ابن قدامة - مستدلاًّ بهذا الأثر على التوكيل المطلق في النكاح- قال: واشتهر ذلك فلم ينكر" اه٢ ومع هذا فإنَّ الوكالة عقد مجمع على صحته في الحقوق التي تدخلها النيابة شرعًا، والنكاح منها، وفي عموم أدلّة الوكالة مطلقًا، أو التوكيل في النكاح خاصَّة ما يغنى عن التنصيص على خصوص توكيل الوليِّ٣، ولم

стр. 632

أر خلافاً للعلماء في صحة توكيل الولِّي، إلاّ أنَّه اشتهر عن الشافعية أنَّ الوليّ لا يوكِّل إلاّ بإذن المرأة المعتبر إذنها، على الصحيح عندهم، وهذا إذا لم يكن أبًا أو جدًّا معلّلين ذلك بأنَّ غير الأب والجدّ إنّما يملك التزويج بالإذن١. ومع أن هذا القول لا يعارض القول بصحّة توكيل الوليّ غيره في الأصل فهو مردود بالاتفاق على صحة توكيل الحاكم بدون إذن المرأة٢، وبأن الولاية لا تتوقف أصلاً على إذن المرأة، بل هى ثابتة عليها شرعًا بدون إذنها، وإنَّما الذي يتوقَّف على إذنها لزوم العقد لها، سواء أكان العاقد وليّها أو وكيله٣. وعلى هذا فالوليّ يملك التوكيل فيما ثبت له من الولاية شرعًا، فحيث جاز للوليّ الإجبار كان ذلك جائزًا لوكيله، وحيث منع من الإجبار امتنع وكيله، فلا يملك الوكيل ما لا يملكه الأصيل، والولاية حقٌّ للولِّي، والإذن حقٌّ للمرأة، وتوكيل الولِّي في حقّه لا يسقط حقّها، ولا يتوقَّف على رضاها. والله أعلم.

стр. 633

حكم التوكيل من حيث الإطلاق والتقييد. وأمّا صفة توكيل الوليِّ من يزوّج مولِيَّته في حياته فهذا إن كان توكيلاً معيّنًا كأن يعيّن له الخاطب صحّ التوكيل، وليس للوكيل أن يتعدّى ما عيّن له اتِّفاقًا. وأمَّا إن كان توكيلاً مطلقاً، كأن يقول له: وكَّلتك في تزويجها بمن شئت، أو بمن ترضاه، فقد اختلف العلماء في صحَّة ذلك على قولين: أوّلهما: صحة ذلك أيضًا وهو مذهب الجمهور. واستدلّ لهم ابن قدامة بما روي أنَّ رجلاً من العرب ترك ابنته عند عمر بن الخطاب ﵁ وقال: إذا وجدت لها كفؤًا فزوّجه إيّاها ولو بشراك نعله، فزوّجها عمر من عثمان بن عفان ﵁ فهى أم عمرو بن عثمان١. قال ابن قدامة: "واشتهر ذلك فلم ينكره منكر". ولأنَّه إذن في النكاح فجاز مطلقًا كإذن المرأة، أو عقد فجاز التوكيل فيه مطلقًا كالبيع "٢ اه. وثانيهما: أنَّه لا يصحّ. وهو أحد القولين للشافعية. إلاّ أنَّ الأظهر صحَّته، سواء كان الوليُّ مجبرًا أم غير مجبر، إلاّ أن غير المجبر مقيّد بصفة إذن المرأة فإن أذنت مقيّدًا لم يتجاوزه، وإن أطلقت الإذن له أن يطلق التوكيل في الأصحّ.

стр. 634

وعلى هذا فإذا كان التوكيل مطلقاً فالمشهور في كتب المذاهب أنّه مقيّد بحسن النظر للمرأة في الكفاءة وغيرها، حتى قال بعض الشافعية: إنَّه لا يزوّجها- حينئذ- بكفء وقد خطبها من هوأكفأ منه، ولا بمهر المثل مع بذل أكثر منه١. ومما تقدَّم يظهر رجحان القول بصحة التوكيل المطلق، كما يصحُّ المقيّد، وكذلك وجوب احتياط الوكيل للمرأة في الكفاءة وغيرها. أمَّا صحّة التوكيل المطلق: فلأنَّ للنَّاس مقاصد في الإطلاق، كما لهم مقاصد في التقييد، ولا دليل على المنع. وأمَّا وجوب الاحتياط للمرأة عند إطلاق التوكيل فهذا لا ينبغي أن يكون محلَّ خلاف؛ لأنَّ الإطلاق ينصرف إلى ما تعارف عليه النَّاس من طلب الكفاءة والمهر وحسن النظر، كما هو الشأن في الولي شرعًا، فكذلك وكيله، ولا نظر- غالبًا- في تزويجها بغير كفء، أو مع بخسها حقِّها في المهر، ونحوه من المقاصد الحسنة التي تعين على استقرار النكاح ولا تتعارض مع مقاصده الأصليَّه، إلاّ أن ترضى المرأة ووليّها بغير الكفء، أو ترضى المرأة بأقلِّ من مهر المثل؛ لأنَّه خالص حقِّها دون وليّها على الصحيح، فلا معنى حينئذ لإلزام الوكيل بما أسقطه صاحب الحقِّ. والله أعلم.

стр. 635

المبحث السَّابع: الولاية في النِّكاح بالوصيّة وأمّا وصيّ الوليّ فهو: من عهد إليه الوليُّ بتزويج مَوْلِيَّته بعد مماته. فالوصيّ: نائب عن الوليّ كالوكيل، إلاّ أنَّ وكيل الوليّ نائب عنه في حياته، ووصيّ الوليّ: نائب عن الوليّ بعد مماته، ووكيل الوليِّ تصحّ نيابته اتِّفاقًا، وأمّا وصيّ الولي ففي نيابته خلاف بين العلماء على أقوال، خلاصتها ثلاثة: القول الأوّل: أنِّ الولاية في النكاح لا تستفاد بالوصيَّة. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والظاهرية وإحدى الروايتين المشهورتين عن الإمام أحمد رحمهم الله١. القول الثَّانى: أنّها تستفاد بالوصيَّة: وهو مذهب المالكية وأظهر الروايتين المشهورتين عن الإمام أحمد ﵀. قال صاحب (الإنصاف)

стр. 636

فيها: "هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب"١. والقول الثَّالث: أنَّ الولاية في النّكاح تستفاد بالوصيّة إن لم يكن للمرأة عصبة تلي تزويجها، وأمّا مع وجود العصبة فلا. -وهذه- رواية ثالثة٢ عن الإمام أحمد، اختارها أبو عبد الله بن حامد٣. الأدلة: (أ) أدلّة من منع الولاية في النكاح بوصيّة الوليّ. استدلَّ من منع صحة وصيّة الوليّ بتزويج مولِيَّته بما يلي: أوّلاً: حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: توفي عثمان بن مظعون فترك ابنة له من خويلة بنت حكيم ابنة أميّة بن حارثة بن الأوقص قال: وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون قال عبد الله: وهما خالاي، قال فخطبت إلى قدامة بن عثمان بن مظعون فزوّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة- يعنى إلى أمّها- فأرغبها في المال فحطَّت إليه، وحطّت الجارية إلى هوى أمّها فأبيا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ فقال له قدامة بن

стр. 637

مظعون: يا رسول الله ابنة أخي أوصى بها إليّ فزوّجتها ابن عمتها عبد الله بن عمر فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة ولكنّها امرأة وإنّما حطّت إلى هوى أمّها، فقال رسول الله ﷺ "هي يتيمة ولا تُنْكَح إلاّ بإذنها، فانتزعت منِّي والله بعد أن ملكتها، فزوّجوها المغيرة بن شعبة ". رواه أحمد بهذا اللفظ، ورواه أيضًا الدارقطني والحاكم والبيهقي، وروى ابن ماجه طرفًا منه موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنه١. فقالوا: إن هذا الحديث صريح في منع الولاية في النكاح بالوصيّة؛ إذ لو كانت جائزة لأجاز النّبيُّ ﷺ وصيّة عثمان بن مظعون إلى أخيه قدامة بن مظعون بتزويج ابنته٢. ولكن الاستدلال بهذا الحديث على منع الولاية في النّكاح بالوصيّة غير ظاهر، وذلك أنَّ الوصيّ في هذا الحديث هو عمّها، فلو بطلت وصيّة أخيه إليه لم تبطل ولايته عليها بعصوبة النَّسب، والنبيّ ﷺ لم يتعرَّض- في هذا الحديث- لإبطال حقِّه في الولاية، وإنّما أبطل حقّه في إجبارها على من لا ترضاه، وهو صريح قوله ﷺ : "هي يتيمة ولا تُنْكَح إلاّ بإذنها". وعلى هذا فإن كانت ابنة عثمان بن مظعون كبيرة مكلّفة فالأمر واضح- على أقوال أهل العلم- في البكر البالغ أنّه لا يجبرها أبٌ ولا غيره فوصيّه من باب أولى.

стр. 638

وأمّا إن كانت صغيرة فالأمر باستئذانها في هذا الحديث دالّ على أنّها قد بلغت سنًّا يمكن لها فيه أن تنظر لنفسها في اختيار زوجها، ولادليل على عدم اعتبار إذن من لم تبلغ مطلقًا، بل الصحيح اعتباره، وقد تقدَّم في تزويج الصغيرة اليتيمة من قال باختياره من المحقِّقين، كابن تيميَّة وتلميذه ابن القيِّم رحمهما الله تعالى١. وبهذا يتَّضح أنَّ الاحتجاج بهذا الحديث على منع ولاية الوصيّ في النكاح مبنيّ على القول بأنَّ للأب تزويج البكر مطلقًا بدون إذنها، والوصيّ قائم مقام الأب فلو صحت الوصيَّة لما ردّ ﷺ تزويج قدامة بن. مظعون ابنة أخيه التي أوصى بتزويجها إليه، وهذا إلزام ليس بلازم، فالنبي ﷺ نهى عن تزويج النساء بدون إذنهنَّ، ولافرق في هذا بين أب ولا غيره، وعلى هذا فلا دليل في هذا الحديث على إثبات الوصيّة ولا نفيها. والله أعلم. ثانيًا: عموم أدلّة إثبات الولاية في النكاح، مثل: حديث "لا نكاح إلا بوليّ "، "وأيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل-ثلاثًا". والوصيّ أجنبي من المرأة فلا يسمَّى وليًّا فيكون عقده باطلاً٢. ثالثًا: أن ولاية النكاح تنتقل شرعًا بعد موت الموصي إلى غيره، من الأولياء، فلم يجز أنَّ يوصي بها إلى غير مستحقّها كالحضانة٣.

стр. 639

رابعًا: ولأنّها ولاية نكاح؛ فلم يجز الوصيّة بها كولاية الحاكم١. خامسًا: أنَّ الوليّ أجنبيّ من المرأة، فلا ينظر لها كنظر الوليّ من طلب الكفاءة ونحوها؛ إذ لا يلحقه عار ولا ضرر بوضعها في غير كفئها٢. وقد يجاب عن هذا بأنَّ الأب أو غيره من الأولياء لا يوصي عليها إلا من يثق بنظره وأمانته وحسن اختياره. سادسًا: أن ولاية الموصي قد انقطعت بموته، ولها من يستحقّها شرعًا بدون وصيّته، ففي نقلها إلى الأجنبي إسقاط لحقِّ من يستحقُّها شرعًا، وتمليك ممن لا يملكها إلى من لا يستحقُّها٣. سابعًا: أنَّ الوصيّ أجنبي غير وارث، والولاية في النكاح مستحقّة بالميراث٤. وهذا التعليل يتّجه على مذهب الإمام أبي حنيفة في قوله: كلُّ من استحقَّ الميراث - فرضًا أو تعصيبًا- استحقَّ الولاية، ولذلك صحَّ عنده ولاية النِّساء في النِّكاح وقرابتهنَّ من ذوي الأرحام، وأمَّا مذهب الجمهور

стр. 640

فالولاية مستحقَّة بالإرث بالتعصيب خاصة، إلاّ الابن ففيه من الخلاف ما سبق بيانه. فالقول بأنَّ الولاية مستحقّة بالميراث مطلقًا غير مسلّمة، وإنّما ذكرتها حصرًا لما أمكن من أدلّة القول بمنع ولاية الوصيِّ في النكاح. والله أعلم. ب: وأمّا أدلّة من أجاز الولاية فى النّكاح بالوصيَّة فهي كالتالي: أوّلاً: أنَّها ولاية ثابتة شرعًا للولي، فجازت وصيته بها، كما جازت وصيّته في ولاية المال١. وأُورد على هذا الفرق بين ولاية النكاح وولاية المال، فالبضع إلى الأولياء، وأمَّا المال فللأوصياء٢. ثانيًا: أنَّ للولِّي أن يستنيب فيها غيره في حياته فيقوم نائبه مقامه بعد موته كذلك٣. ومعنى هذا أنّه تصحُّ وصيَّته، كما تصحُّ وكالته، ولكن أُورد على هذا الفرق بين الوصيَّة والوكالة في النكاح، فولايته قد انقطعت بموته، وانتقلت إلى غيره، بخلاف وكالته حيًّا ووصيَّته في المال.

стр. 641

ج- وأمّا من فصّل في صحَّة الولاية في النِّكاح بالوصيّة فمنعها إذا كان للمرأة عصبة وأجازها عند عدم العصبة؛ فذلك لأنَّ الوصيَّة بنكاح النِّساء مع وجود أوليائهنَّ فيه إسقاط لحقِّهم، بخلاف ما إذا لم يوجد لهنّ أولياء؛ إذ ليس فيه إسقاط لحقِّ أحد، ويبقى الشأن فيمن يحسن النظر للمرأة التي لا وليَّ لها١. وهذا القول له وجه قويّ من النظر فيما يظهر لي وذلك لما يلي: أوّلاً: أنَّ القول بالوصيّة في إنكاح النِّساء إلى الأجانب مع وجود أوليائهنَّ يتعارض مع مفهوم أحاديث اشتراط الولاية في النكاح، كحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ". والوصيّ لا يدخل في مسمَّى الوليِّ قطعًا٢. ثانيًا: أنَّ ولاية النكاح ليست ولاية نظر محضة، كولاية المال، بل هي بالإضافة إلى ذلك لحكم أخرى، كدفع المعرَّة عن النَّسب، ومجرَّد إقدام الأجنبيِّ على تزويج المرأة بدون إذن أوليائها الأحياء فيه معرّة عليهم، وأمّا حقُّ الميت في الولاية فالظاهر أنّه انقطع بموته. وهذا القول لا يتعارض مع ولاية الحاكم؛ فإنَّ الحاكم ليس بوليٍّ حقيقة، وإنَّما هو قائم مقام الوليِّ ضرورة، لعدمه، كما يدلُّ عليه حديث:

стр. 642

"السلطان وليّ من لا وليّ لها". مع أنَّ وصيّ الوليّ يكون أوفر نظرًا لها من الحاكم. والله أعلم بالصَّواب. "تتمّة في ولاية الوصيّ " تقدَّم أنَّ القول بصحة وصيَّة الولي بتزويج مولِيَّته هو قول المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة، إلا أنَّ هناك مسائل خلاف واتفاق بينهم، يجدر التنبيه إليها استكمالاً للبحث، فمن ذلك: أوّلاً: يتفقون على أنَّ وصيَّ النكاح يقوم مقام من وصَّاه من الأولياء؛ وعليه فللوصي ما للوليّ، كتزويج البكر البالغ بدون إذنها، وكذلك الصغيرة والمجنونة أو عدمه. ثانياً: يختلفون في الوليِّ الذي تصحّ منه الوصية في النكاح، فعند المالكية هو الأب خاصّة، دون سائر الأولياء، وعند الحنابلة كلُّ من ثبتت ولايته صحَّت وصيَّته وينزل منزلة من وصّاه١. ثالثًا: للوصيّ أن يوصي، أو يوكلِّ فيما أوصي له به عند المالكية، وأمَّا عند الحنابلة فروايتان: قيل: إنَّ أظهرهما: صحَّة ذلك أيضًا، والأخرى: المنع٢. رابعاً: الوصيُّ على نكاح الصبِّي الصغير، كالوصي على نكاح الأنثى الصغيرة، وهو المذهب عند الحنابلة، وهنا يتفقون مع المالكية على

стр. 643

أنَّه لا وصيَّة لغير الأب، بناء على أنّه لا يزوّج الصغير إلاّ الأب دون سائر الأولياء، والوصيُّ إنّما هو قائم مقام من وصّاه١. والرواية الأخرى للحنابلة: أنّه يزوّج الصغير كلُّ وصيّ، سواء أكان وصيّ نكاح، أم وصيّ مال، أم نحو ذلك، وهو اختيار القاضي وابن تيميَّة رحمهما الله٢. وهذا هو الأظهر- فيما يظهر لي- فإنَّ ولاية النكاح على الذكر ولاية نظر محضة؛ إذ لا يلحق الأولياء غضاضة بتزويج غيرهم له، بل ربَّما فخروا به، وهذا بخلاف الأمر في الأنثى. والله أعلم. خامسًا: تصحُّ الوصيَّة بولاية النكاح إلى العبد والأنثى عند المالكية، ولكن لا يباشران العقد بأنفسهما، بل يوكّلان غيرهما ممن تصحُّ مباشرته له ٣. وأمَّا مذهب الحنابلة فلم أقف على نصّ صريح في هذا بالجواز ولا بالمنع، ولكن قياس مذهبهم المنع، لقولهم: إنّه يشترط في وكيل الوليِّ ما يشترط في الوليِّ نفسه، وباب الوكالة والوصيَّة عندهم واحد - أعني على الرواية المشهورة بصحة الوصية بالولاية في النكاح - وأمَّا على رواية المنع فالأمر ظاهر. والله أعلم.

стр. 644

"خلاصة هذا الفصل" إنّ خلاصة ما سبق تفصيله في هذا الفصل من أسباب الولاية في النّكاح على الحرّة يمكن تلخيصه في النقاط التالية: أولاً: إن أسباب الولاية على الحرة في النكاح يمكن حصرها في سبعة أسباب هي: (١) القرابة. (٢) الولاء. (٣) الكفالة. (٤) الإسلام. (٥) السلطان. (٦) الوكالة من الوليِّ. (٧) الوصيَّة من الوليِّ. ثانيًا: إنَّ بعض هذه الأسباب تثبت بها الولاية أصالة، وبعضها نيابة عن الأصيل، فالأسبالب الأصلية خمسة: (١) القرابة. (٢) الولاء. (٣) الكفالة. (٤) السلطان. (٥) الإسلام. وسببان بالنيابة وهما:

стр. 645

(١) الوكالة. (٢) الوصيَّة. ثالثًا: إنَّ محلَّ الاتفاق في هذه الأسباب في أربعة مواضع: ثلاثة أصلية هي: (١) عصبات النَّسب. (٢) عصبات الولاء بالعتق. (٣) السلطان. وواحد بالنيابة: وهو الوكالة. وأمَّا محلُّ الخلاف ففي خمسة مواضع: أربعة في الأسباب الأصلية وهي: (١) قرابة ذوي الأرحام. (٢) والولاء بالموالاة. (٣) والكفالة. (٤) والإسلام. وواحد بالنيابة: وهو الوصيَّة من الوليِّ. رابعًا: مذاهب الفقهاء في ترتيب هذه الأسباب على النحو التالي: أ- مذهب الشافعية والظاهرية وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة وإحدى الروايتين المشهورتين عن الإمام أحمد: أنَّ ولاية النكاح على الحرة تثبت بالأسباب الأربعة المتفق عليها لا غير وهي: ثلاثة أسباب أصلية هي على الترتيب:

стр. 646

(١) عصبات النَّسب. (٢) ثم عصبات الولاء بالعتق. (٣) ثم السلطان. والسَّبب الرَّابع المتَّفق عليه هو الثابت بالنيابة عن الوليِّ وهو: الوكالة عن الوليِّ. ووكيل كلِّ وليِّ يقوم مقامه، وفي درجته من الترتيب. ب- والرواية الثانية عن الإمام أحمد والتي عليها المذهب، هي تلك الأسباب المتفق عليها، وتزيد سبباً واحداً بالنيابة: وهو الوصيَّة، فوصيُّ كلِّ وليٍّ يقوم مقامه، كوكيله. ج- مذهب المالكية: أنَّ ولاية النِّكاح تثبت بسبعة أسباب: خمسة أصلية وهي: (١) عصبات النسب. (٢) ثم عصبات الولاء بالعتق. (٣) ثم الكفالة. (٤) ثم السلطان. (٥) ثم الإسلام. وسببان بالنيابة عن الوليِّ: وهما: (١) الوكالة. (٢) والوصيَّة. إلاّ أنّه لا وصيَّة هنا لغير الأب.

стр. 647

وقد سبق أنَّ الترتيب بين الأولياء غير لازم، بل هو مستحب على المشهور عندهم، كذلك الأسباب في الأظهر١، إذا لم يكن هناك وليٌّ مجبر، وهو الأب في ابنته البكر أو الصغيرة مطلقًا، وكذلك وصيّة وقد قدَّمنا أنَّ الرَّاجح٢ من مذاهب الفقهاء، هو اشتراط الترتيب بين الأولياء، كما هو مذهب الجمهور، كما أنَّ الراجح٣ أنَّه لا وصيَّة لأب، ولا لغيره من الأولياء، طالما وجد هناك وليٌّ يستحقُّ الولاية أصالة با لعصوبه. والله أعلم. وأمَّا الولاية العامة بالإسلام، فإن لم يوجد وليٌّ خاصّ ولا حاكم فقد تقدَّم أنَّ هذا لا ينفرد به المالكية دون غيرهم؛ إذ هو ضرورة لا محيد عنها. وأمَّا مع وجود الوليِّ الخاصّ فقد تقدم أنَّه لا ولاية لأحد مع وجود الوليِّ الخاصّ، وأنَّه لا فرق بين دنيئة وشريفة في هذا. د- مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀: هو أنَّ الولاية في النكاح تثبت بخمسة أسباب: أربعة أصلية، وواحد بالنيابة، أمَّا الأصلية: (١) فالقرابة مطلقًا- أي عصبة أو ذوي أرحام. (٢) والولاء بالعتق.

стр. 648

(٣) والولاء بالموالاة. (٤) وا لسلطان. وأمَّا السبب الخامس بالنيابة فهو: الوكالة، إلا أنَّه لا يلزم هنا أن يكون وكيل وليّ، بل قد يكون وكيل المرأة نفسها بناء على مشهور مذهبه أنَّها تزوّج نفسها. وقد تقدَّم في فصل "الولاية على الحرّة المكلّفة" أنَّ الرَّاجح هو اشتراط الولاية على النِّساء مطلقًا في نكاحهنَّ، وأن حقَّهنَّ الرضى دون العقد، فالرضى لهنَّ والعقد لأوليائهنَّ إن كن من الحرائر المكلّفات. وأمَّا أحقّيَّة ذكور ذوي الأرحام في الولاية فله وجه قويّ من النظر، سبق بيانه بشرطه، وهو عدم وجود العصبة مطلقًا، لا من النَّسب ولا من السبب أي الولاء بالعتق. وأما مولى الموالاة: فشرط ولايته عند أبي حنيفة ﵀ عدم وجود العصبة مطلقًا أيضًا أو ذوي الأرحام. وترتيب هذه الأسباب عند أبي حنيفة ﵀ كالتالي: عصبات النسب، ثم عصبات الولاء بالعتق، ثم ذوي الأرحام ذكورًا وإناثًا، ثم مولى الموالاة، ثم السلطان١. وأمَّا الوكيل فهو في درجة من وكله، وقائم مقامه. والله أعلم.

стр. 649

"خاتمة هذا الفصل" إذا لم يكن للمرأة وليٌّ ولا سلطان، فمن يزوِّجها؟ تقدَّم أنَّ الولاية على المرأة في النكاح شرط من شروط صحة النكاح، وأنَّه لا نكاح لها إلاّ بولي أو سلطان، ولكن قد لا يوجد - أحيانًا- وليٌّ ولا سلطان، فما الحكم حينئذ؟ إنّ هذه ضرورة تقدَّر بقدرها، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، والفقهاء لم يهملوا هذا التقدير على ندرته، فقد نصّ الشافعية- مع أنَّ مذهبهم أكثر المذاهب احتياطًا في هذا الباب- نصّوا على أنَّه يزوِّجها رجل عدل بإذنها، وفي اشتراط كونه مجتهدًا خلاف وتفصيل، اختار النووي ﵀ عدم اشتراطه، وحمل بعضهم قول النووي على حالة السفر مع فقد القاضي، وذهب بعضهم إلى صحة ذلك حتى مع وجود الحاكم؛ لأنَّ هذا الرَّجل يكون محكَّمًا، والمحكَّم كالحاكم – على الصحيح من مذهبهم – إلاّ أنَّ المعتمد عدم صحة ذلك مع وجود الحاكم١. وكذلك قال الحنابلة إنَّه يزوِّجها رجل عدل للضرورة؛ لأنَّ اشتراط الوليِّ هنا، كاشتراط الوليِّ من النَّسب في حقِّ من لا مناسب لها٢.

стр. 650

وأمَّا المالكيَّة: فقد سبق قولهم في الولاية العامّة، وهي عندهم فرض كفاية على كلِّ مسلم ذكر، في حقِّ كلِّ مسلمة حرَّة١. وإذا عضل السلطان فهو كعدمه، بل قيل: إنَّه لو امتنع من التزويج إلا بدفع مال لا يحتمل كان عاضلاً أيضًا٢ والله أعلم.

стр. 651

الفصل التاسع: شروط الوليّ في النكاح تمهيد: المراد بشروط الولي في النكاح في هذا الفصل هي: صفات أهليَّة وليِّ النِّكاح، وأكثر ما يذكر هنا من تلك الصفات ليست خاصة بوليِّ النِّكاح، بل هي شرط لصحَّة تصرُّف كلِّ عاقد. وقد جرى صنيع الفقهاء هنا على بحث تلك الصفات باسم "شروط الوليِّ في النكاح"، وبعضهم باسم "موانع الولاية في النكاح"، ولا مشاحَّة بين الاصطلاحين، فالشروط ضد الموانع، فبعضهم أراد بيان الصفات التي يجب وجودها في الوليِّ، "كالعقل والبلوغ"، وبعضهم أراد بيان الصفات السالبة للأهليّة "كالجنون والصغر". والذي جرى اختياره في هذا الفصل هو بحث صفات أهليَّة الوليِّ، وهي المسمّاة بالشروط، وإليك تعريفًا موجزًا بكلِّ من الشروط والموا نع: أوّلا: الشروط لغة: جمع شرْط- بإسكان الراء- وهو الزام شيء وإلتزامه، وأصله العلامة، ومنه شرط الحاجم؛ لأنَّه يترك أثرًا علامة في مكانه١.

стр. 652

واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. كالطهارة للصلاة١، والعقل للوليّ. ثانيًا: الموانع. لغة: جمع مانع: اسم فاعل، من منعه إذا حجزه أو حال بينه وبين ما يريد. وأصل منع: ضدُّ أعطى، والمانع ضدُّ المعطي٢. وأمَّا اصطلاحاً: فهي ضدُّ الشرط: وهي: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود، ولا عدم لذاته. كالأبوّة في القصاص، والجنون للوليِّ٣.

стр. 653

وبهذا يتَّضح أنَّ: الشروط والموانع ضدَّان، وسيكون البحث في هذا الفصل عن صفات أهليَّة الوليِّ، وهي الصفات المسمّاة بالشروط، وبضدِّها تتبيَّن الأشياء، وهي تبلغ بالتتبع ثمانية شروط، بعضها متفق عليه، وبعضها فيه خلاف، وسيكون لكلٍّ منها مبحث خاصّ لبيان أهمّ ما قيل فيه - إن شاء الله تعالى - وهي كالتالي: اشتراط الذكورية، والبلوغ، والعقل، والحرِّيَّة، والعدالة، والرُّشْد، وعدم الإحرام بحج، أو عمرة، أو بهما معاً، والله المستعان.

стр. 654

المبحث الأوّل: اشتراط الذكوريّة في وليِّ النِّكاح إنّ اشتراط الذكوريّة في وليِّ النِّكاح من أهمِّ مسائل الولاية في النِّكاح؛ إذ هو أهمُّ مميزاته عن عقود المعاملات؛ ولذلك فقد اشتهر في كتب الخلاف أنَّه إذا أطلق الوليّ في النكاح فإنّما يقصد به الذَّكر لا الأنثى، وكذلك إذا أطلقت الولاية في النكاح فإنّما يقصد بها الولاية على الإناث، لا على الذكور، وعلى هذا فقد اشتهر في كتب الخلاف أنَّ الولاية في النكاح شرط عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة ﵀، مع أن الإمام أبا حنيفة ﵀ يقول كغيره من الفقهاء باشتراط الولاية في النِّكاح على الصغار، والمجانين، والأرقّاء مطلقا ذكورًا وإناثًا. ولأنَّ الرجال الأحرار المكلّفين لا ولاية عليهم في النكاح، ولا في غيره إجماعاً. إلاّ ما قيل في المحجور عليه لسفه، وإنّما الخلاف المشتهر إنّما هو في الولاية على الحرة المكلّفة، ولهذا فقد أفردت لهذه المسألة أوّل فصل في هذه الرسالة١، وقد تقدَّم فيه من التفصيل والتدليل ما يكفي ويشفي، بحمد الله. ولمّا كان القول باشتراط الذكوريّة في وليّ النكاح أخصّ في رأي بعض الفقهاء من القول باشتراط الولاية في النكاح، بينما هو فرع على مذهب الجمهور عن ثبوت تلك الولاية على الحرة المكلّفة، ناسب أن

стр. 655

نذكر هنا الفرق بين إنكاح المرأة نفسها، وولايتها على غيرها، من خلال ما تبيَّن لنا من هذا البحث وهو: أوّلاً: يتَّفق الأئمة الثلاثة- أعني مالكًا والشافعيَّ وأحمد - وكذلك أهل الظاهر على أنَّ المرأة لا تزوّج نفسها، ولا ولاية لها في النكاح على غيرها، إلاّ ما روي عن الإمام أحمد ﵀ من أنَّ للمرأة أن تزوّج أمتها، وقد خرّج بعض أصحابه عليها قولاً له بصحة عبارة النِّساء في النكاح، ولو صحَّت هذه الرواية لكانت قاصرة على ما ذكر، فكيف وهي محتملة أن يكون الإمام أحمد ﵀ قد قصد بها حكاية مذهب غيره، كما قاله ابن قدامة رحمه الله١. وأمَّا ما اشتهر عن الإمام مالك ﵀ من أنَّ الولاية في النكاح شرط في الشريفة دون الدنيئة، وكذلك ما ذهب إليه داود الظاهري من اشتراط الولاية في البكر دون الثيّب، فليس معنى ذلك أنّه يجوز للدنيئة أو الثّيب أن تنكح نفسها، وإنّما معناه عندهم: أن توكِّل رجلاً، مسلماً، عدلاً، فينكحها، كما سبق بيانه في محلِّه٢.

стр. 656

ودليل الأئمة هنا في اشتراط الذكوريَّة في وليّ النكاح هو نفس أدلّة اشتراط الولاية في نكاح الحرّة المكلّفة التي سبق بيانها في أوّل فصول هذه الرسالة وأصرحها لهذه المسألة حديث أبي هريرة المرفوع "لا تُنْكِح المرأةُ المرأةَ، ولا تُنْكِح المرأةُ نفسَها"١. ثانيا: يصحُّ للمرأة عند المالكية أن تكون وكيلة في النكاح، أو وصيّة عليه٢. مع أنَّه لا يختلف القول عن الإمام مالك وأصحابه في أنَّ النِّساء لا يباشرن عقده لا لأنفسهنَّ ولا لغيرهنَّ من النِّساء٣، وإنَّما تقوم الوكيلة أو الوصيَّة بالتمهيد للنكاح، ثم توكِّل رجلاً ليعقد، ولا يخفى أنَّ تمهيد النِّساء للنِّكاح مما لا مشاحّة فيه، وقد كان وما زال للنِّساء مشاركة فيه لأنفسهنَّ ولغيرهنَّ، وإنَّما الشأن في العقد الذي تستباح به الفروج. ولكن يَرِدُ هنا إشكال: وهو أنَّ وكيل المرأة قائم مقامها، مما يدلُّ على صحّة نكاحها لو باشرته بنفسها.

стр. 657

والذي يظهر لي في هذا أنَّ الوكيل هنا ليس قائماً مقامها في الحقيقة، وإنَّما هو قائم مقام الوليِّ؛ لما استقرّ عندهم معرفته من أنَّ المرأة لا تعقد لنفسها، ولا لغيرها من النِّساء، وبهذا يتَّفق مذهب المالكية هذا مع ما يقوله الشافعية من أنَّ الوليِّ إذا أذن لمولِيّته أو غيرها أن توكّل رجلاً عنه صحّ ذلك لها؛ لأنَّ ما تختاره وكيلاً عن الوليِّ لا عن المرأة١. والله أعلم. ثالثًا: يتفق أئمة الحنفية الثلاثة- أعني أبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمَّدًا- على أنَّه لا ولاية للمرأة في النكاح مع وجود العصبة بالنفس - أي نسبًا أو ولاء بالعتق- وإن اختلفوا- كما تقدم- في صحة تزويج المرأة الحرة المكلّفة نفسها بدون إذن وليّها٢. وذلك لأنَّ الولاية في النكاح معتبرة عند الصاحبين بالتعصيب، وفاقًا للجمهور، وعند أبي حنيفة ﵀ معتبرة بالإرث، وإنَّما التعصيب سبب للتقديم لا للحصر٣. وبهذا نرى اتفاق الأئمة الأربعة وأصحابهم على أنَّه لا ولاية للمرأة في النكاح مع وجود العصبة من الذكور نسبًا أو ولاء بالعتق. وذلك لأنَّ الولاية المتفق عليها في النكاح هي الولاية على الصغار، والمجانين، والأرقّاء، والخلاف إنَّما هو في الولاية على الحرّة المكلّفة، وقد

стр. 658

تقدَّم أنَّ الرَّاجح هو مذهب الجمهور، وهو ثبوت الولاية عليها أيضًا١. وبهذا لا تكون المرأة وليًّا في النكاح، كما لا تزوّج نفسها. والله أعلم. "تتمة في مسائل يصحّ فيها عقد المرأة النِّكاح" إنً الأحكام الشرعيًة جميعًا إنًما تتقرًر بناء على الحالات الاختياريّة، أمّا الحالات الاضطراريّة فلها استثناءاتها المعروفة في أصول الشريعة، وفروعها، كما قال تعالى فيمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ٢، وقوله تعالى بعد بيان المحرمات من المطعومات كالميتة ونحوها قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤. وعلى هذا فيستثنى من منع تزويج المرأة نفسها أو غيرها الحالات الاضطراريّة اتفاقًا كغيرها من الأحكام الشرعية، ونحن نذكر بعض الأمثلة

стр. 659

لذلك، والتي نصّ عليها بعض الشافعية مع ما عرف من أنَّ مذهبهم أشدّ المذاهب كلّها منعًا لعقود النِّساء للأنكحة، وإليك بعض تلك الأمثلة: أولاً: إذا زوّجت المرأة نفسها في حال الكفر، ثمَّ أسلمت فإنَّها تقرّ على ذلك بعد الإسلام١. ثانيًا: إذا ابتُلي المسلمون بإمامة امرأة، فإنَّ أحكامها تنفذ للضَّرورة، ومنها تصحيح تزويجها، وقيّده صاحب٢ (تحفة المحتاج) بتزويج غيرها، وظاهره دون تزويج نفسها، ولعلّه أراد أنَّها غير مضطرّة إلى ذلك بخلاف غيرها٣. ثالثًا: إذا عدم الوليُّ والحاكم فلها أن تولّي مع خاطبها رجلاً، عدلاً، مجتهدًا فيزوِّجها؛ وذلك لأنَّ ذلك الرجل يكون محكّمًا حينئذ، والمحكّم كالحاكم، بل لو ولّت عدلاً صحّ على المختار عندهم وإن لم يكن مجتهدًا لشدّة الحاجة إليه٤. والله أعلم.

стр. 660

بل قيل: لو كان الحاكم لا يزوّج إلا بدراهم لا يحتملها الزوجان - عادة - صحَّ لها أن تولّي مع خاطبها رجلاً كذلك١. هذه بعض الأمثلة التي نصّ عليها بعض الشافعية، وإن كان بعضها محلَّ نظر لبعضهم، إلاّ أنَّها أمثلة لما قيل في هذا، والله أعلم.

стр. 661

المبحث الثَّاني: اشتراط البلوغ في وليِّ النكاح وأمَّا اشتراط البلوغ في وليِّ النكاح فإنَّه يكاد يكون محلَّ اتفاق بين الأئمة؛ إذ إنَّ الولاية في النكاح، أو غيره، ولاية نظر، والصغير إمَّا معدوم النظر أو ناقصه، فلم يكن من أهلها، وهذا هو المذهب المشهور المعتمد عند أصحاب المذاهب الأربعة وغيرها١. وقد روى عن الإمام أحمد ﵀: أنَّ الصغير إذا بلغ عشراً زوّج وتزوّج وطلّق، وأجيزت وكالته في الطلاق، قال ابن قدامة- بعد أن حكى هذه الرواية-: "وهذا يحتمله كلام الخرقي لتخصيصه مسلوب الولاية بكونه طفلاً"٢.

стр. 662

الأدلة: ووجه اشتراط البلوغ في الوليِّ لا يختلف عمّا قدَّمناه في تزويج الصغار أنفسهم؛ إذ إنَّ الولاية على الغير فرع عن الولاية على النفس، وحاصل ما يستدل به لهذه المسألة ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ١. فإذا لم يؤتمن الصغير على حفظ ماله حتى بلغ، فأولى ألاّ يؤتمن على تصريف أمور غيره فيما هو أشدّ خطرًا من المال، وهذه الآية الكريمة هي الأصل في منع عقود الصغار، ولكن لا يستبعد أن يقال: إنَّ هناك فرقًا بين عقود الصغار وحفظ أموالهم، والآية نصّ في الثَّاني دون الأول، كما تقدّم في مبحث الولاية على الصغار٢. ثانياً: ما روي عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً بلفظ "لا نكاح إلاّ بوليٍّ مرشد" ٣، ومظنّة الرُّشْد المعتبر هو ما كان بعد البلوغ، لا قبله. والله أعلم.

стр. 663

إلاّ أن الصحيح في هذا الحديث وقفه بهذا اللفظ على ابن عباس ﵄، كما سيأتي تخريجه مع مزيد بيان حول معناه١. ثالثًا: حديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصَّبيِّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق"٢. رابعًا: ويستدلّ من جهة المعنى بأنَّ الصغير مَوْلِىٌّ عليه في نفسه، فأولى أن لا يلي على غيره، والولاية يعتبر لها كمال النظر، والصغير إما أن يكون لا نظر له - إن كان غير مميِّز - أو ناقص النظر إن كان مميِّزًا، ولأنَّ النكاح عقد معاوضة فلم يصحّ من الصَّبيِّ كالبيع٣. وأمَّا وجه ما روي عن الإمام أحمد ﵀ من أن الصغير إذا بلغ عشرًا زوّج وتزوّج، فذلك لأنَّه إذا بلغ هذا السنّ صحّ بيعه، ووصيّته، وطلاقه، فتثبت له الولاية كالبالغ، قاله٤ ابن قدامة ﵀، إلاّ أنه رجّح الرواية المشهورة في المذهب وهي اشتراط البلوغ٥، وتبعه صاحب

стр. 664

الشرح الكبير، إلاّ أنه زاد- في ردّه للقول بعدم اشتراط البلوغ- قوله: "والأصول المقيس عليها ممنوعة"١. ولعلَّ هذا فيما ترجّح عنده، وإلا فالرواية بصحة بيع الصَّبيِّ وطلاقه ووصيّته موجودة في المذهب، بل إنَّ صحة طلاق الصَّبيِّ ووصيَّته هي المذهب كما قرّره صاحب الإنصاف٢. بل إنَّ صاحب الإنصاف حكى عن الشارح المذكور قوله: إن أكثر الروايات تحدِّد من يقع طلاقه، من الصبيان بكونه يعقل، وهذا اختيار القاضي من الحنابلة٣. الرَّاجح: ومما تقدَّم يتَّضح أنَّ مذهب الجمهور باشتراط بلوغ الوليِّ هو الأقوى والأولى احتياطًا للنِّكاح؛ فإنَّ هذه ولاية على الغير، فينبغي أن يعتبر لها كمال النظر، ومظنَّته البلوغ، والصغير إن كان غير مميّز فلا نظر له لنفسه ولا لغيره، وأمَّا إن كان مميِّزًا فهو قاصر النظر، وقصور نظره مظنّة إلحاق الضَّرر بغيره. ومع هذا؛ فإنَّ عقد الصّبيّ المميّز بإذن مولِيَّته المعتبر إذنها شرعاً له وجه من النظر ومستند من الأثر، فأمَّا الأثر فما سبق من حديث أمّ سلمة

стр. 665

رضي الله عنها أنَّها أمرت ابنها ليزوّجها برسول الله ﷺ ، وابنها هذا كان صغيرًا لم يبلغ الحلم حينذاك١. وكذلك إن كان الذي زوّجها ابنها الآخر سلمة بن أبي سلمة، فإنَّه لم يقل أحد أنَّه قد بلغ الحلم حينذاك، وظاهر أمره أنَّه كان صغيرًا٢، فيلزم من قال بصحَّة هذا الحديث على هذا الوجه أنَّ يصحح عقد الصَّبيِّ المميّز، وليس القول بأنَّه وكيل عن أمّه بأولى من القول بأنَّه وليٌّ، وقد تقدَّم ما أمكن بيانه حول معنى هذا الحديث إسنادًا ودلالة فليراجع٣. والأثر الثَّاني: ما سبق أيضًا عن أمّ سليم ﵂: أنها أمرت ابنها أنس أن يزوّجها بأبي طلحة الأنصاري ﵁، وكان عمر أنس إذ ذاك عشر سنين٤ أو دونها، وهذا قريب أو موافق لما روى عن الإمام أحمد ﵀ من اعتبار العشر سنين، فإن صحَّ هذان الأثران على هذا النحو ففيهما الحجّة على صحّة عقود الصبيان المميِّزين بإذن مولِيَّاتهم، وما يقال من الخصوصيّة في حديث أم سلمة ﵂ لا يمكن قوله في قصّة أمّ سليم ﵂، وما يقال أيضًا بأنَّهما وكيلان عن أمّهاتهم- كما يقوله من لا يشترط الولاية في النكاح على الحرة المكلّفة-

стр. 666

ليس بأولى من القول بأنَّهما وليَّان، بل الظاهر كونهما وليِّين إمّا وجوبًا كما يقوله الجمهور أو استحبابًا كما يقوله الحنفية ومن وافقهم. وأمَّا من جهة النظر: فإنَّ للصبي المميّز عبارة صحيحة في النكاح بإذن وليّه على قول الجمهور، والغالب في عقود الأنكحة أنَّه يسبقها تمهيد، ومشاورة من الوليِّ ومولِيَّته وأقاربهم، فإذا تمَّ عقد الصبي المميِّز لمولِيَّته بإذنها وإذن من يشاركها أمرها عادة كان منعه من العقد حينئذ بحجَّة قصور نظره محلَّ نظر، وخاصّة إذا لم يكن لها وليٌّ بالغ غيره كما هو ظاهر الأثرين السابقين. وإنَّما قلت: باعتبار التَّمييز بين الصِّبيان دون الإطلاق أو اعتبار العشر، كما في الرواية الآنفة الذكر عن الإمام أحمد ﵀؛ لأنَّه لا عبرة بعقد غير مميّز إجماعًا؛ إذ ليس له قصد صحيح معتبر في تصرُّفاته أشبه المجنون. وأمَّا التحديد بالعشر السنين فهذا يحتاج إلى توقيف، وما تقدَّم من أثر أمّ سليم وقع اتِّفاقًا - إن صحَّ أن عمره كان كذلك - فلا يدلُّ على منع ما دون ذلك. ولذلك نقل صاحب (الإنصاف) قول بعض الحنابلة: إنَّ أكثر الروايات تحدِّد من يقع طلاقه من الصبيان بكونه يعقل١. والله أعلم.

стр. 667

المبحث الثَّالث: اشتراط العقل في وليّ النِّكاح إنَّ العقل شرط من شروط الوليّ اتفاقًا؛ لأنَّ الولاية تثبت نظرًا للموليّ عليه، ومن لا عقل له لا يمكنه أن ينظر لنفسه ولا لغيره. وقد تقدَّم حديث "رفع القلم عن ثلاثة" ومنهم "المجنون؛ حتى يعقل"١. وهذا يدل على رفع التكليف عنه زمن جنونه، وهذا إجماع من الأئمة، وقد تقدَّم أنَّ رفع الإثم عن الصَّبيِّ حتى يبلغ لا يلزم منه إبطال تصرُّفاته التي وقعت موقعها، ولكن مثل هذا لا يقال في المجنون؛ إذ ليس للمجنون قصد صحيح في إدراك وجه المصلحة بخلاف الصَّبيِّ المميّز. وعدم أهليَّة غير العاقل مجمع عليها، بل إنَّ عدم العقل هو الأصل في موانع الأهليَّة والتكليف، وغير العاقل يشمل أيضًا: الطفل قبل تمييزه وقد تقدَّم. ويشمل من زال عقله بالجنون، سواء أكان جنونًا مُطْبِقًا أم مُتَقَطِّعاً، وسواء أكان أصليًّا أم طارئًا عليه بعد بلوغه، وكذلك يشمل: من ذهب

стр. 668

عقله بسبب كبر كالشيخ إذا أَفْنَد١، فمن لا عقل له؛ لصغره أو جنونه أو كبر سنّه أو نحو ذلك سقط حقّه في الولاية، وانتقلت إلى من بعده من الأولياء، إلا في بعض الحالات الطارئة على العقل والتي عرف بالعادة قرب إفاقة صاحبها، فحينئذ تنتظر إفاقته ولا تسلب منه ولايته بسبب ذلك العذر الطارئ، وذلك كمن زال عقله بالإغماء، أو بجنون غير مطبق، أو بسكر من غير تعدّ منه، فهذه الحالات لا يستديم العقل فيها زواله غالبًا، بل يرجى عن قرب زوال ما ألمّ به فيكون من أهل النظر لنفسه ولغيره أشبه النائم، وإنما قيّدت السكر بعدم التعدّي مع أن إفاقة المتعدّي وغيره سواء؛ لأنّ المتعدّي فاسقٌ، وسيأتي الكلام عليه في محلّه إن شاء الله تعالى٢. والله أعلم.

стр. 669

المبحث الرَّابع: اشتراط الحرّيّة في وليّ النِّكاح إنّ اشتراط الحرّية في وليِّ النِّكاح مما لم أجد فيه خلافًا في المذاهب الأربعة ولا غيرها، إلاّ ما حكاه بعض الحنابلة من احتمال صحّة إنكاح العبد ابنته، وتصحيح بعضهم له بإذن سيّده، وأطلق بعضهم فحكى في المذهب رواية في صحّة ولاية العبد على قريباته الحرائر، ومع هذا فالرِّواية المعتمدة في المذهب عندهم هي اشتراط الحرّية في وليِّ النكاح، كما في (المغني والإنصاف) ١. ووجه اشتراط الحرّية في وليّ النكاح: أنَّ العبد مولِيٌّ عليه في النِّكاح إجماعاً، فهو ملك لسيّده، ولا يملك تزويج نفسه بغير إذن سيده، ومن لا يملك تزويج نفسه فأولى أن لا يملك تزويج غيره، ولأنّ ولاية النِّكاح يشترط لها النظر، ولا نظر في تفويض نكاح الحرّة إلى مملوك٢. والله أعلم.

стр. 670

ولكن قد يقال: إنَّ تزويجه قريباته الحرائر بإذن سيّده صحيح؛ بدليل صحّة تزويجه نفسه بإذن سيده إجماعاً، ولعلَّ هذا هو ملحظ بعض الحنابلة في قولهم المشار إليه آنفاً. ولكن يبدو لي أنَّ بينهما فرقًا واضحًا، وذلك أنَّ تزويج السيِّد عَبْدَه، أو إذنه له في تزويج نفسه أثر من آثار ملكه له، فالسيِّد - بحكم ملكه - يزوِّج عبده مباشرة بنفسه، أو بإذنه له، أو لغيره في تزويجه، فهو يأذن فيما يملكه، أمَّا الإذن للعبد في تزويج قريباته الحرائر فلا سبيل لمالك العبد إليه؛ إذ ليس له عليهنَّ ملك ولا ولاية، فلو أثبتنا للعبد عليهنَّ ولاية لكان وليّهنَّ حقيقة هو سيّد العبد، وهو أجنبيّ عنهنَّ، وهو غضّ أيضًا من قدرهنَّ بجعل أمر نكاحهنَّ بأيدي المملوكين والأجانب، وفيه أيضاً غضاضة على أوليائهنَّ الأحرار. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →