← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11821

الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

Полный текст (758 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ليس بأولى من القول بأنَّهما وليَّان، بل الظاهر كونهما وليِّين إمّا وجوبًا كما يقوله الجمهور أو استحبابًا كما يقوله الحنفية ومن وافقهم. وأمَّا من جهة النظر: فإنَّ للصبي المميّز عبارة صحيحة في النكاح بإذن وليّه على قول الجمهور، والغالب في عقود الأنكحة أنَّه يسبقها تمهيد، ومشاورة من الوليِّ ومولِيَّته وأقاربهم، فإذا تمَّ عقد الصبي المميِّز لمولِيَّته بإذنها وإذن من يشاركها أمرها عادة كان منعه من العقد حينئذ بحجَّة قصور نظره محلَّ نظر، وخاصّة إذا لم يكن لها وليٌّ بالغ غيره كما هو ظاهر الأثرين السابقين. وإنَّما قلت: باعتبار التَّمييز بين الصِّبيان دون الإطلاق أو اعتبار العشر، كما في الرواية الآنفة الذكر عن الإمام أحمد ﵀؛ لأنَّه لا عبرة بعقد غير مميّز إجماعًا؛ إذ ليس له قصد صحيح معتبر في تصرُّفاته أشبه المجنون. وأمَّا التحديد بالعشر السنين فهذا يحتاج إلى توقيف، وما تقدَّم من أثر أمّ سليم وقع اتِّفاقًا - إن صحَّ أن عمره كان كذلك - فلا يدلُّ على منع ما دون ذلك. ولذلك نقل صاحب (الإنصاف) قول بعض الحنابلة: إنَّ أكثر الروايات تحدِّد من يقع طلاقه من الصبيان بكونه يعقل١. والله أعلم.

стр. 667

المبحث الثَّالث: اشتراط العقل في وليّ النِّكاح إنَّ العقل شرط من شروط الوليّ اتفاقًا؛ لأنَّ الولاية تثبت نظرًا للموليّ عليه، ومن لا عقل له لا يمكنه أن ينظر لنفسه ولا لغيره. وقد تقدَّم حديث "رفع القلم عن ثلاثة" ومنهم "المجنون؛ حتى يعقل"١. وهذا يدل على رفع التكليف عنه زمن جنونه، وهذا إجماع من الأئمة، وقد تقدَّم أنَّ رفع الإثم عن الصَّبيِّ حتى يبلغ لا يلزم منه إبطال تصرُّفاته التي وقعت موقعها، ولكن مثل هذا لا يقال في المجنون؛ إذ ليس للمجنون قصد صحيح في إدراك وجه المصلحة بخلاف الصَّبيِّ المميّز. وعدم أهليَّة غير العاقل مجمع عليها، بل إنَّ عدم العقل هو الأصل في موانع الأهليَّة والتكليف، وغير العاقل يشمل أيضًا: الطفل قبل تمييزه وقد تقدَّم. ويشمل من زال عقله بالجنون، سواء أكان جنونًا مُطْبِقًا أم مُتَقَطِّعاً، وسواء أكان أصليًّا أم طارئًا عليه بعد بلوغه، وكذلك يشمل: من ذهب

стр. 668

عقله بسبب كبر كالشيخ إذا أَفْنَد١، فمن لا عقل له؛ لصغره أو جنونه أو كبر سنّه أو نحو ذلك سقط حقّه في الولاية، وانتقلت إلى من بعده من الأولياء، إلا في بعض الحالات الطارئة على العقل والتي عرف بالعادة قرب إفاقة صاحبها، فحينئذ تنتظر إفاقته ولا تسلب منه ولايته بسبب ذلك العذر الطارئ، وذلك كمن زال عقله بالإغماء، أو بجنون غير مطبق، أو بسكر من غير تعدّ منه، فهذه الحالات لا يستديم العقل فيها زواله غالبًا، بل يرجى عن قرب زوال ما ألمّ به فيكون من أهل النظر لنفسه ولغيره أشبه النائم، وإنما قيّدت السكر بعدم التعدّي مع أن إفاقة المتعدّي وغيره سواء؛ لأنّ المتعدّي فاسقٌ، وسيأتي الكلام عليه في محلّه إن شاء الله تعالى٢. والله أعلم.

стр. 669

المبحث الرَّابع: اشتراط الحرّيّة في وليّ النِّكاح إنّ اشتراط الحرّية في وليِّ النِّكاح مما لم أجد فيه خلافًا في المذاهب الأربعة ولا غيرها، إلاّ ما حكاه بعض الحنابلة من احتمال صحّة إنكاح العبد ابنته، وتصحيح بعضهم له بإذن سيّده، وأطلق بعضهم فحكى في المذهب رواية في صحّة ولاية العبد على قريباته الحرائر، ومع هذا فالرِّواية المعتمدة في المذهب عندهم هي اشتراط الحرّية في وليِّ النكاح، كما في (المغني والإنصاف) ١. ووجه اشتراط الحرّية في وليّ النكاح: أنَّ العبد مولِيٌّ عليه في النِّكاح إجماعاً، فهو ملك لسيّده، ولا يملك تزويج نفسه بغير إذن سيده، ومن لا يملك تزويج نفسه فأولى أن لا يملك تزويج غيره، ولأنّ ولاية النِّكاح يشترط لها النظر، ولا نظر في تفويض نكاح الحرّة إلى مملوك٢. والله أعلم.

стр. 670

ولكن قد يقال: إنَّ تزويجه قريباته الحرائر بإذن سيّده صحيح؛ بدليل صحّة تزويجه نفسه بإذن سيده إجماعاً، ولعلَّ هذا هو ملحظ بعض الحنابلة في قولهم المشار إليه آنفاً. ولكن يبدو لي أنَّ بينهما فرقًا واضحًا، وذلك أنَّ تزويج السيِّد عَبْدَه، أو إذنه له في تزويج نفسه أثر من آثار ملكه له، فالسيِّد - بحكم ملكه - يزوِّج عبده مباشرة بنفسه، أو بإذنه له، أو لغيره في تزويجه، فهو يأذن فيما يملكه، أمَّا الإذن للعبد في تزويج قريباته الحرائر فلا سبيل لمالك العبد إليه؛ إذ ليس له عليهنَّ ملك ولا ولاية، فلو أثبتنا للعبد عليهنَّ ولاية لكان وليّهنَّ حقيقة هو سيّد العبد، وهو أجنبيّ عنهنَّ، وهو غضّ أيضًا من قدرهنَّ بجعل أمر نكاحهنَّ بأيدي المملوكين والأجانب، وفيه أيضاً غضاضة على أوليائهنَّ الأحرار. والله تعالى أعلم.

стр. 671

المبحث الخامس: اشتراط الإسلام فى وليّ النِّكاح أوّلاً: اشتراطه فى وليّ المسلمة: الإسلام يعلو ولا يُعْلى عليه، به أعزّ الله عباده، وبه قطع الموالاة بين أوليائه المؤمنين وأعدائه الكافرين؛ فلا ولاية لكافر على مسلم بإجماع أهل العلم، كما حكاه ابن المنذر وغيره١. وهذا هو المعتمد في المذاهب الأربعة مما أمكن الوقوف عليه٢.

стр. 672

وحكى بعض الحنابلة وجهًا في المذهب لصحّة ولاية الكافر على ابنته المسلمة، وهل يباشر تزويجها بنفسه على هذا الوجه؟ أو يعقده مسلم بإذنه؟ أو يعقده الحاكم بإذنه؟ أو جه على هذا الوجه، أصحها الأوّل١. إلاّ أن المعتمد الذي عليه المذهب أنَّه لا ولاية لكافر على مسلمة، سواء أكان أبًا أم غيره، وهو المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله٢. وهذا هو الصحيح لما تقدَّم من حكاية الإجماع المستند لعموم الكتاب والسنة ومن ذلك: أ- من القرآن الكريم ما يلى: أوّلاً: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ٣. وولاية الكافر على المسلمة نوع من هذا السبيل المنفي شرعاً. ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٤. ثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٥.

стр. 673

ففي هاتين الآيتين الكريمتين قد قسم الله تعالى الناس إلى قسمين، مؤمن وكافر؛ فجعل المؤمنين بعضهم لبعض أولياء، والكافرين بعضهم لبعض أولياء، ومفهوم ذلك أنَّ لا ولاية بين مؤمن وكافر. والله أعلم. رابعًا: قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١. وهذه الآية وإن كانت ليست في الكافرين، بل هي في المؤمنين؛ لبيان الموالاة بين من أسلم ولم يهاجر، ومن هم في دار الإسلام، إلا أنَّ بعض العلماء - كمالك ﵀ قد استدلَّ بها على منع الموالاة بين المؤمنين والكافرين من باب أولى٢ والله أعلم. ب- وأمَّا من السنَّة فمنها: أوّلاً: زواج النبي ﷺ أمّ حبيبة، ابنة أبي سفيان من غير ولاية أبيها"٣. قال الشافعي ﵀: ولا يكون الكافر وليًّا لمسلمة وإن كانت بنته، قد زوّج ابن سعيد٤ بن العاص النبيّ ﷺ أمّ حبيبة، وأبو سفيان حيّ؛

стр. 674

لأنَّها كانت مسلمة وابن سعيد مسلم، لا أعلم مسلمًا أقرب بها منه، ولم يكن لأبي سفيان فيها ولاية؛ لأنَّ الله ﵎ قطع الموالاة بين المسلمين والمشركين والمواريث والعقل وغير ذلك" اهـ١. ثانياً: حديث "الإسلام يعلو ولا يُعْلى": والولاية في النكاح فيها استعلاء على الموْلِيِّ عليه، فلا ينبغي أن تكون لكافر على مسلم. والله أعلم. وهذا الحديث قد رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهم مرفوعًا عن عائذ ابن عمرو المزني رضي الله عنه٢. ورواه البخاري في صحيحه تعليقًا موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنه٣. ووصله الطحاوي بإسناده إلى ابن عباس ﵁ في اليهوديَّة والنصرانيَّة تكون تحت النصرانيِّ أو اليهوديِّ، فتُسلم هي، قال: "يفرق

стр. 675

بينهما، الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلى عليه"١. وساقه من طريق آخر ولكن بدون لفظ "الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلى عليه"٢. وهو صحيح موقوفاً على ابن عباس ﵄، وحسن مرفوعاً بمجموع طرقه التي يشدّ بعضها بعصًا. قال الألباني في إرواء الغليل: "حديث الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلَى" حسن. روي من حديث عائذ بن عمرو المزني، وعمر بن الخطاب، ومعاذ ابن جبل مرفوعاً، وعبد الله بن عباس مرفوعاً٣. ثم فصّل القول في هذه الطرق كلّها، وقال في آخر البحث: وجملة القول: "أنَّ الحديث حسن مرفوعاً بمجموع طريقي عائذ ومعاذ، وصحيح موقوفاً"٤

стр. 676

ج- وأمَّا من الآثار. فقد ذكر ابن قدامة في المغني عن الإمام أحمد ﵀ أنَّه قال: "بلغنا أنَّ عليًّا ﵁ أجاز نكاح الأخ، وردّ نكاح الأب وكان نصرانيًّا١. د- وأمَّا من المعقول. فولاية الكافر على المسلمة ممنوعة قياساً على منع التوارث بينهما٢. لقوله ﷺ : "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر" متفق عليه٣. وأيضًا ففي ولاية الكافر على المسلم إذلال للمسلم، مع عدم النظر له غالبًا؛ لما بينهما من العداوة في الدِّين، ولهذا صينت المسلمة عن نكاح الكافر إجماعاً. والله المستعان. إذا كانت الأمة مسلمة وسيِّدها كافر فهل يزوِّجها؟ وكذلك إذا أسلمت الأمة وبقي سيِّدها كافرًا فلا يلي نكاحها كالحرَّة، إلا أن تكون أمَّ ولده في أحد الوجهين للحنابلة،٤ وهو وجه

стр. 677

أيضاً في مذهب الشافعية١؛ لأنَّها مملوكته فيلي نكاحها كالمسلم في تزويج أمته الكافرة٢. وقد قرّر صاحب (الإنصاف) من الحنابلة: أنَّ هذا الوجه هو المذهب٣. فعلى هذا هل يباشر تزويجها بنفسه؟ أو يباشره بإذنه مسلم؟ أو الحاكم؟ أوجه٤. وأمَّا على الوجه الأول، وهو: أنَّه لا ولاية له عليها فيزوِّجها الحاكم، واختاره ابن قدامة في المغني٥؛ لما سبق من حكاية الإجماع على أنَّه لا ولاية لكافر على مسلم. والله أعلم. وبحث هذه المسألة- أعني تزويج الكافر أَمَتَه المسلمة- بحث قليل الجدوى؛ إذ مبناه على أنَّ الكافر هل يثبت له ملك شرعيّ على مسلم عبد أو أمة؟ وعلى القول بثبوته فهو ملك غير مستقرٍّ؛ لإجبار الكافر على إزالة ملكه عنهما بنحو بيع أو كتابة٦. والله أعلم.

стр. 678

ثانياً: الولاية على الكافرة في النِّكاح. إنّ المقصود في هذا المبحث هو الولاية على المسلمة دون الكافرة إلا أنَّه اشتهر عند الفقهاء في هذا المبحث ذكر من الذي يزوج الكافرة؟ وذلك بناء على أنَّ الشرط هنا هل هو الإسلام في وليِّ المسلمة؟ أو اتحاد الدِّين مطلقًا؟ ولهذا أردت التنبيه إلى تلك المسائل استكمالاً لهذا المبحث وهي: المسألة الأولى: ولاية المسلم على الكافرة. والمسألة الثَّانية: ولاية الكافر على الكافرة. والمسألة الثَِّالثة: إذا كان خاطِب الذميّة مسلمًا فهل يزوّجه إيّاها وليّها الذميّ؟ فأمَّا المسألة الأولى: وهي ولاية المسلم على الكافرة، فإنَّ المسلم لا يكون وليّا لكافرة، كما لا يكون الكافر وليًّا لمسلمة إلاّ في الحالات التَّالية: الحالة الأولى: أن يكون المسلم سلطانًا ولا وليَّ لها فيكون هو

стр. 679

وليّها؛ لعموم ولايته على من هم في دار الإسلام من المسلمين وغيرهم١. ولعموم قوله ﷺ : "السلطان وليّ من لا وليّ له"،٢ ولم أر خلافاً في استثناء هذه الحالة. الحالة الثَّانية: أن يكون المسلم سيِّدَ أمة أو وليَّ سيِّدتِها، فيزوِّجها لكافر، لأنَّها لا تحلُّ للمسلمين. وذلك لأنّ هذه ولاية مال بناء على الصحيح من قولي الفقهاء في تزويج العبيد والإماء؛ أهو بالملك أم بالولاية؟ والصحيح أنَّه بالملك، ولأنَّها تحتاج إلى التزويج ولا وليَّ لها غير سيّدها٣.

стр. 680

قال ابن هبيرة: اتفقوا على أنَّ السيِّد المسلم يملك تزويج أمته الكافرة، إلاّ الشافعي في أحد قوليه أنَّه لا يملك ذلك. اهـ١. الحالة الثَّالثة: أن تكون الكافرة عتيقة لمسلم من غير نساء الرجال الذين يؤدّون الجزية، وذلك بأن يعتقها وهو مسلم في دار الإسلام، أمّا لو أعتقها كافراً ثم أسلم فلا يزوِّجها إلاّ أهل الكفر إلا أن تسلم، وكذلك لو أعتقها ببلاد الحرب فليس له تزويجها٢. وهذه الحالة مستثناة للمالكية، ولم يظهر لي وجه استثنائها على هذا الوجه. والله أعلم. الحالة الرَّابعة: ما حكى عن ابن وهب من المالكية أن "للمسلم أنَّ يعقد نكاح ابنته النصرانية لمسلم، وإن كان لنصرانيّ فلا يليها أبوها"٣. وتوجيه ذلك كما في المنتقى للباجي: أنّ عقد المسلم على النصرانيَّة غير

стр. 681

مفسد للنكاح، كالسيّد المسلم يزوّج أمته النصرانية من مسلم أو نصرانيِّ١. وقد منع ابن حزم صحَّة استثناء هذه الصورة، وردّها بما سبق من الآيات الدالّة على قطع الولاية بين المسلم والكافر، ثم قال: "وهو قول من حفظنا قوله إلا ابن وهب صاحب مالك قال: إنَّ المسلم يكون وليًّا لابنته الكافرة في إنكاحها من المسلم أو من الكافر، وهذا خطأ لما ذكرنا، وبالله التوفيق"٢.

стр. 682

المسألة الثَّانية: ولاية الكافر على الكافرة. وأمّا ولاية الكافر على الكافرة: فهذا لا يخلو من أن يكون الكافر أصليًّا أو مرتدًّا، فإن كان مرتدًّا، فلا ولاية له على أحد، ولو على مرتدّة مثله١؛ لأنَّه محكوم عليه بالقتل. وأمَّا إن كان أصليًّا: فله الولاية على قريبته الكافرة، وهي كلُّ من يربطه بها سبب من أسباب الولاية المعروفة في نكاح المسلمين من نسب، أو ولاء، أو سلطان، أو نحوها. وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢. وهذا إن اتّحد دينهما كاليهوديين، أو النصرانيين، أو المجوسيين فلا خلاف فيه؛ لاتحاد معتقدهما. وأمَّا إن اختلف دينهما كاليهوديِّ مع قريبته النصرانيَّة فظاهر صنيع الفقهاء عدم التفصيل في مبحث ولاية النكاح، ولكن الظاهر أنَّه يجري في باب الولاية في النكاح ما قالوه في باب الميراث من اختلاف الملل أو اتّحادها، وهو بحث يطول بيانه وتحقيقه، فليراجع في محلّه٣.

стр. 683

المسألة الثالثَّة: إذا كان خاطب الذمّية مسلماً فهل ينكحه إيّاها وليّها الذمّي؟ مذهب الجمهور: - ومنهم الأئمة الثلاثة - نعم١، وهو أيضًا أحد الوجهين للحنابلة، قال المرداوي في (الإنصاف) : وهو المذهب٢. والوجه الثَّاني للحنابلة: لا يزوّجه إيّاها إلا الحاكم المسلم، وهو المنصوص عن الإمام أحمد ﵀ فقد روى حنبل٣ عنه أنَّه قال: "لا يعقد يهوديّ ولا نصرانيّ عقد نكاح لمسلم ولا لمسلمة"٤.

стр. 684

وقال صاحب الإنصاف: ينبغي أن يكون هذا المذهب للنصّ عن الإمام١. ودليل الجمهور على عدم التفريق بين كون زوج الكتابية مسلمًا أو كافرًا هو عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢ ونحوها من الأدلّة على أنَّ الكفَّار بعضهم لبعض أولياء، فصحّ تزويجه لها من مسلم، كما لو زوّجها كافراً، ولأنَّها امرأة لها وليٌّ مناسب فلم يجز أن يليها غيره كما لو تزوّجها ذميّ٣. وأمَّا وجه ما روى عن الإمام أحمد ﵀ من المنع فقال ابن قدامة في توجيهه: "ووجهه أنَّه عقد يفتقر إلى شهادة مسلمين، فلم يصحّ بولاية كافر كنكاح المسلمين"٤. ثم عقّب عليه بقوله: "والأول أصحُّ (أي: تزويج الكافر لها من مسلم) - والشهود يرادان لإثبات النكاح عند الحاكم، بخلاف الولاية"اهـ٥.

стр. 685

وقيل أيضًا: لأنّ فيه صغارًا على المسلم١. ولكن في هذا نظر؛ فإنَّ النِّكاح مبناه على المكارمة، ورضى المرأة الكتابية ووليّها بتزويج المسلم فيه إكرام له لا إهانة، وقد أحلَّ الله لنا نكاح نسائهم، ولم يفصِّل، بل قد بيّن في مواضع من كتابه أنَّ الكفار بعضهم لبعض أولياء، وكذلك جاءت به السنة، كما أنَّ الزَّوج دائمًا في مقام السيّد لا المسود، بخلاف المرأة؛ بدليل الحديث "فإنَّما هنَّ عوان عندكم" ٢ والعاني هو الأسير، وعقد وليّها لها من مسلم إقرار لهذه السِّيادة. ولهذا- والله أعلم- أحلَّ الله لنا نكاح نسائهم، ولم يُحِلَّ لهم نكاح نسائنا، وبهذا يتبيّن أنَّ عقد الذميّ على مَوْلِيَّته الذمّية لمسلم لا صَغَارَ فيه على المسلم. والله أعلم. وإنَّما الأولى ألاّ يتزوَّج مسلم كتابية مطلقًا، لا بولاية وليِّها، ولا غيره؛ لسلامة دينه وذرّيته؛ فإنَّه بالزَّواج تتآلف القلوب؛ فربّما جارى زوجته وأهل دينها فيما يضرُّ بدينه، وربَّما نشَّأت أولادهما على دينها، فيفقد الزَّوج أعظم وأجلَّ مقاصد النِّكاح وهي الذرّية الصالحة. والله أعلم.

стр. 686

المبحث السادس: اشتراط العدالة في وليِّ النِّكاح أوّلاً: هل العدالة وعدم الفسق بمعنى واحد؟ أو أنَّ بينهما فرقًا؟ إنَّ كون الوليِّ عدلاً من الصفات الحميدة الباعثة على ملازمة التقوى، فالوليُّ العدل في دينه المجانب لأسباب الفسق مؤتمن على تحصيل الخاطب الكفء الصالح في دينه لمن له عليها الولاية، وذلك لميله إلى أمثاله من أهل الصلاح والتقوى، وهذا بخلاف ما إذا كان الوليُّ فاسقًا غير عدل في دينه فهو إلى الميل إلى أمثاله من أهل الفسوق والمجون أقرب، وبهذا تعظم مصيبة المرأة به في دينها، وكلُّ مصيبة دون ذلك تهون، ولذلك قيل:١ إنَّ الوليَّ إذا كان فاسقًا متهتِّكاً غير مبال بما تنسب إليه وليّته فلا ولاية له عليها اتفاقاً، وهذا مما لا ينبغي أن يكون محلَّ خلاف. وإنَّما الخلاف في ولاية الفاسق الذي لديه شيء من الأنفة على صيانة عرضه، والحرص على طلب الحظّ لمن كانت له عليها الولاية. وقبل الشروع في بيان مذاهب الفقهاء في اشتراط العدالة في وليِّ النكاح ينبغي التنبيه إلى ملحظ لبعض الفقهاء في معنى العدالة وعدم الفسق، وهو:

стр. 687

هل العدالة وعدم الفسق بمعنى واحد؟ أو أن بينهما فرقًا؟ إنّ التفريق بينهما للشَّافعية، فالمشهور عندهم أنَّ الشرط هو عدم الفسق، لا تحقّق العدالة، ولا يلزم من كون الوليِّ غير فاسق أن يكون عدلاً. وأمّا غير الشافعية ومنهم أصحاب المذاهب الثلاثة فالعدالة والفسق عندهم ضدَّان هنا؛ فالعدالة شرط، والفسق مانع، ولا واسطة بينهما، وعلى هذا فلا فرق بين قولنا: يشترط في الوليِّ أن يكون عدلاً، وقولنا: يشترط ألاّ يكون فاسقاً. ووجهة الشافعية في التفريق بينهما: أنَّ الفسق يتحقَّق عندهم بارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة، ولم تتغلَّب طاعات صاحبه على معاصيه. وأمَّا العدالة: فهي ملكة تحمل على ملازمة التقوى، وبين العدالة والفسق واسطة يدل عليها: أنَّ الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم ولم تصدر منهما كبيرة، ولم تحصل لهما تلك الملكة، لا يوصفان بعدالة ولا فسق١. والمتأمّل لمعنى العدالة وعدم الفسق لا يعدم فرقاً بينهما، إلاّ أنّه فرق اصطلاحيّ، ولا مشاحّة في ذلك، وإنّما ذكرته لبيان المراد من إطلاق

стр. 688

العدالة، أو عدم الفسق عند الفقهاء في هذا المبحث وما أشبهه. والله أعلم. والمراد بالعدالة أو عدم الفسق هو: وجود العدالة، أو انتفاء الفسق ظاهرًا لا باطنًا على الصحيح. وعلى هذا فيكتفى بمستور الحال١. وقيل: بل تشترط العدالة، أو انتفاء الفسق، ظاهرًا وباطنًا، ولا يخفى صعوبة تحقيق ذلك باطناً. والله أعلم٢. ثانياً: مذاهب الفقهاء فى ولاية الفاسق. وأمَّا مذاهب الفقهاء في ولاية الفاسق فيمكن حصرها بالتتبُّع في التَّالي: أوّلاً: أنّه لا ولاية لفاسق في النكاح مطلقًا. وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعية٣، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وعليها المذهب٤.

стр. 689

ثانيًا: صحَّة ولايته في النِّكاح. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد وقول للشافعية قيل: إنَّ الفتوى عليه عند أكثر المتأخِّرين١. إلاّ أن المشهور من مذهب المالكية أنَّ عدم الفسق شرط كمال، وهل المراد به عندهم تقديم العدل الأبعد على الفاسق الأقرب؟ أو تقديم العدل على الفاسق المساوي له في الرتبة؟ ظاهر كلام شراح المختصر أن المراد الثَّاني٢. وكأنَّ هذا- أعني كون عدم الفسق شرط كمال- تفسير لما يروى في المذهب من الاختلاف في صحّة ولاية الفاسق٣. والله أعلم. ثالثًا: أنَّه إن كان الفاسق لو سلب الولاية لانتقلت منه إلى حاكم فاسق صحت ولايته، وإلاّ فلا.

стр. 690

وبهذا أفتى الغزالي من الشافعية وقال: "ولا سبيل إلى الفتوى بغيره؛ إذ قد عمّ الفسق البلاد والعباد، وقال النووي: وهذا الذي قاله حسن وينبغي أن يكون العمل به، واختاره ابن الصلاح١ في فتاويه. وقال الأذرعي٢: ليس هذا مخالفة للمشهور عن العراقيين والنصِّ والحديث، بل ذلك عند وجود الحاكم المرضيِّ العالم الأهل، وأمَّا غيره من الجهلة والفسِّاق فكالعدم، كما صرَّح به الأئمة في الوديعة وغيرها"اهـ٣. وقد عقّب عليه الشربيني٤ الخطيب بقوله: "والأوجه إطلاق المتن- (يعني عدم ولاية الفاسق مطلقاً) - لأن الحاكم يزوِّج للضرورة، وقضاؤه

стр. 691

نافذ" اهـ١. رابعاً: أنَّه يلي إن كان مجبرًا. وهذا قول للشافعية٢، والمقصود بالمجبر عندهم: الأب والجدّ فيما لهما إجباره، كالصغيرة والبكر. خامساً: أنّه يلي إن لم يكن مجبرًا، عكس الأول. وهو قول لهم أيضًا٣. سادساً: أنّه يلي إن كان فسقه بغير شرب الخمر، وهو قول لهم أيضًا٤. سابعاً: أنّه يلي إن كان متستِّرًا غير معلنٍ بفسقه، وهو قول لهم أيضا٥. الأدلّة: أ- أدلّة القول بعدم ولاية الفاسق. استدلّ القائلون بعدم ولاية الفاسق بما يلي: أوّلاً: حديث ابن عباس ﵄: "لا نكاح إلا بوليٍّ مرشد

стр. 692

وشاهدي عدل" رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما١. وفي لفظ للدارقطني والبيهقي: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل، وأيُّما امرأة أنكحها وليٌّ مسخوط عليه فنكاحها باطل"٢. وفي لفظ ثالث للبيهقي: "لا نكاح إلاّ بولي أو سلطان، فإن أنكحها سفيه أو مسخوط عليه فلا نكاح له"٣. وقد نقل عن الشافعي ﵀ قوله: "والمراد بالمرشد في الحديث العدل"٤، أي أنَّ الفاسق غير رشيد. ولكن نوقش هذا الحديث من جهة إسناده ودلالته على هذا.

стр. 693

فأمَّا الإسناد فالصحيح فيه أنّه موقوف على ابن عباس ﵄، كما رواه البيهقي من طريق الشافعي وغيره١، وأمَّا المرفوع فضعيف، كما قاله الدارقطني والبيهقي وغيرهما٢. وأمَّا عدم دلالته على اشتراط العدالة سواء أكان مرفوعاً أم موقوفاً؛ فلاحتماله أن يكون المراد به غير العاقل٣، ولكن بقيَّة ألفاظ هذا الأثر دالّة على أنَّ المراد "بالمرشد" هنا نوع خاصٌّ من العقلاء، وأصرحها لفظ "فإن أنكحها سفيه أو مسخوط عليه". فهذا ظاهر الدلالة على أنّه قصد "بالمرشد" هنا نوعاً خاصّاً من العقلاء لا تحمد تصرفاتهم. والله أعلم. ثانيًا: ما رواه أبو بكر البرقاني٤ بإسناده إلى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلاّ بولي مرشد وشاهدي عدل"، كذا

стр. 694

في المغني لابن قدامة وغيره من كتب الحنابلة١ ولم أقف له على تخريج، فإن صحّ فهو شاهد لما سبق عن ابن عباس ﵄. ثالثاً: ولأنَّ ولاية النِّكاح ولاية نظر، فلا تثبت لفاسق، كولاية المال٢. رابعاً: ولأنَّ الفسق عيب قادح في الشهادة فكذلك الولاية٣. ب- وأمَّا أدلّة القول بصحَّة ولاية الفاسق فهي: أوّلاً: عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ٤، وهذا خطاب للأولياء بدون فرق بين عدل وفاسق٥. كذا قيل، ولكن لا يلزم من عدم التفصيل في الآية صحّة ولاية الفاسق؛ وإلاّ لأبطلت جميع الشروط في الوليِّ مع أنَّ بعضها ثابت بالإجماع - كالعقل- بحجّة عدم ذكرها في الآية؛ فإنّه ليس في الآية ما يدلّ على شيء منها سوى الذكوريّة باعتبار الخطاب للمذَّكر، وقد نازع في اشتراطه من استدلّ بها هناكالحنفية.

стр. 695

ثانيًا: أنَّ الفسقة لم يمنعوا من التزويج في العصور المفضَّلة، ولا فيما بعدها١. بل قد يدَّعَى الإجماع على ذلك كما قال الكاساني: "ولنا إجماع الأمّة أيضًا، فإنَّ الناس عن آخرهم عامّهم وخاصّهم من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا يزوّجون بناتهم من غير نكير من أحد"٢. ثالثًا: ولأنَّ الفاسق يلي نكاح نفسه، فثبت له الولاية على غيره كالعدل٣. وردّ بالفرق بين تزويجه نفسه وولايته على غيره؛ فإنَّ غاية ما في تزويجه نفسه أن يضرَّ بها، ويحتمل في حقِّ نفسه ما لا يحتمل في حقّ غيره؛ ولهذا يقبل إقراره على نفسه ولا تقبل شهادته لها٤. رابعاً: ولأنَّ سبب الولاية القرابة، وشرطها النظر، والفاسق قريب ناظر، والفسق لا يقدح في تحصيل النظر، ولا في الدَّاعي إليه وهو الشفقة٥. ولذا قيل: إنَّ الوازع الطبعيّ أقوى من الوازع الشَّرعيِّ٦.

стр. 696

خامساً: ولأنَّ الكافر يملك تزويج ابنته الكافرة، والمسلم أعلى منه قدرًا وإن كان فاسقاً، فأولى أن يملك تزويج ابنته ونحوها من قريباته١. ولكن في هذا نظر: فإنَّ الكافر إن كان فاسقاً في دينه فالخلاف في ولايته على ابنته موجود، وإن كان عدلاً في دينه لم يقدح فيه كفره لتساويه معها في ذلك. والله أعلم. ج- وأمَّا دليل القول الثَّالث: وهوما أفتى به الغزالي واستحسنه النووي واختاره غيرهما من الشافعية وهو القول بصحَّة ولاية الفاسق إذا كان منعه يؤدّي إلى رفع النكاح إلى حاكم فاسق، فقد تقدَّم توجيهه وهو: أنّه لا سبيل إلى غيره في هذه الحال؛ لعموم الابتلاء بكثرة الفسّاق، وتقدَّم ما قيل من أنَّ هذا لا يتنافى مع منع ولاية الفاسق؛ لأنَّ محلَّ النزاع إذا كان الحاكم عدلاً، وأمّاً الحاكم الفاسق فوجوده كعدمه، ولكنَّ الصحيح أنَّ الحاكم لا يشترط فيه العدالة؛ لأنَّ حكمه للضَّرورة، كما يدلّ عليه قول الخطيب الشربيني السابق٢ والله أعلم. د- وأمَّا دليل بقيّة الأقوال للشافعية فلم أجد لأكثرها توجيهًا، وفي توجيه بعضها نظر، وكلّها وجهة نظر لأصحابها لا تخفى وجهتها. فمن قال: إنّ الفاسق يلي إن كان مجبراً، فلعلّه لاحظ شفقة الأب والجدّ أكثر من غيرهما.

стр. 697

ومن عكس القضيَّة فقال يلي إن لم يكن مجبراً، فقد قيل في توجيه ذلك: إنَّ الوليَّ المجبر يزوّج بالولاية، والولاية ينافيها الفسق، بخلاف غير المجبر فهو يزوّج بالإذن فهو كالوكيل"١. وفي هذا نظر من وجهين: أولهما: ضعف القول بإجبار الأب، أو الجدّ، للبكر الحرّة المكلّفة. وثانيهما: أنَّ كون الولِّي يزوِّج بالإذن لا يخرجه عن كونه وليًّا، فإنَّ الإذن لا تثبت به الولاية، بل الولاية ثابتة قبل إذنها وبعده. وأمّا من منع ولاية الفاسق إن كان سبب فسقه شرب الخمر، فلعلّه لاحظ ما عرف به حالة أصحاب هذه المعصية من سقوط مروءتهم، وقلَّة غيرتهم، وكثرة مصيبتهم بفقدان عقولهم. وأمّا من منع ولاية الفاسق المجاهر بمعصيته دون المستتر بها فهذا له وجهة نظرظاهرة؛ فإنَّ الفاسق حين لايبالي بظهورمعصيته يعظم ضرره وتسقط مروءته ولا يؤتمن على عرضه، بخلاف المستتر، فطالما أنَّه يستحي من معصيته؛ فإنَّه يرجى فيه بقيّة من خير، وقد تقدم في أوّل هذا المبحث ما قيل: من أنَّ محلَّ الخلاف هو في الفاسق الذي له نوع من المروءة، وليس المتهتك الماجن، فهذا لا ينبغي أن تكون له ولاية على أحد. والله أعلم.

стр. 698

ومن عكس القضيَّة فقال يلي إن لم يكن مجبراً، فقد قيل في توجيه ذلك: إنَّ الوليَّ المجبر يزوّج بالولاية، والولاية ينافيها الفسق، بخلاف غير المجبر فهو يزوّج بالإذن فهو كالوكيل"١. وفي هذا نظر من وجهين: أولهما: ضعف القول بإجبار الأب، أو الجدّ، للبكر الحرّة المكلّفة. وثانيهما: أنَّ كون الولِّي يزوِّج بالإذن لا يخرجه عن كونه وليًّا، فإنَّ الإذن لا تثبت به الولاية، بل الولاية ثابتة قبل إذنها وبعده. وأمّا من منع ولاية الفاسق إن كان سبب فسقه شرب الخمر، فلعلّه لاحظ ما عرف به حالة أصحاب هذه المعصية من سقوط مروءتهم، وقلَّة غيرتهم، وكثرة مصيبتهم بفقدان عقولهم. وأمّا من منع ولاية الفاسق المجاهر بمعصيته دون المستتر بها فهذا له وجهة نظرظاهرة؛ فإنَّ الفاسق حين لايبالي بظهورمعصيته يعظم ضرره وتسقط مروءته ولا يؤتمن على عرضه، بخلاف المستتر، فطالما أنَّه يستحي من معصيته؛ فإنَّه يرجى فيه بقيّة من خير، وقد تقدم في أوّل هذا المبحث ما قيل: من أنَّ محلَّ الخلاف هو في الفاسق الذي له نوع من المروءة، وليس المتهتك الماجن، فهذا لا ينبغي أن تكون له ولاية على أحد. والله أعلم.

стр. 699

التنازل عن حقّهم في ولاية أنكحة نسائهم، ولذلك اضطرَّ كثير١ من الشافعية إلى الفتوى بصحة ولاية الفسّاق خلافاً للمعتمد من مذهبهم؛ معلّلين ذلك بالضرورة والحاجة، وعموم البلوى بكثرة الفسّاق. والله المستعان. ٤- أنَّ غالب أمر الفسّاق الحرص على النظر لمَوْلِيَّاتهم؛ لما جبلوا عليه من دفع العار عنهم، ولذلك قيل: إنَّ الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشَّرعيِّ. وإذا صحّ هذا فينبغي القول بصحة تقديم العدل مطلقًا على الفاسق، سواء أكان مساويًا له في درجة، القرابة أم أبعد منه؛ وذلك لأنَّه لا يستوي في دين الله عدل وفاسق في درجة واحدة فضلاً عن أن يقدَّم فاسق على عدل؛ ولما في ولاية العدل للنكاح من تحقيق المصالح الدينيّة التي هي أعلى المصالح قدراً وأهمّها خطراً، وأشرفها مقاماً، فتقديم العدل لشرفه ومكانته في دين الله، وصحَّة عقد الفاسق لعدم نهوض الدليل على بطلانه، مع أنَّ الأصل صحَّة عقد الوليِّ. والله أعلم.

стр. 700

محلُّ الخلاف في ولاية الفاسق. ينبغي أن يعلم أنَّ ما تقدَّم من خلاف في ولاية الفاسق لا يشمل ولاية السلطان في النِّكاح على الصحيح المعتمد عند من اشترط العدالة في وليّ النكاح١. والله أعلم.

стр. 701

المبحث السّابع: اشتراط الرُّشْد في وليّ النكاح أوّلاً: المراد بالرُّشْد في هذا المبحث. الرُّشْد في اللغة: - بضم الراء المشدّدة وإسكان الشين المعجمة وفتحهما- خلاف الغيّ، وأصل هذه الكلمة يدلُّ على معنى الاستقامة، سواء أكانت حسيَّة أم معنويَّة١. وأمّا المراد بالرُّشْد عند الفقهاء فهو: ضدُّ السَّفَه، وقد تقدَّم في إنكاح السَّفِيه نفسه اختلافهم في المراد بالرُّشْد في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٢ على ثلاثة أوجه: أهو الرُّشْد في المال وحده؟ وهو معرفة وجوه كسبه واستثماره وعدم تبذيره، أم الرُّشْد في الدِّين وحده؟ وهو الصلاح وعدم الفسق، أم الرُّشْد في الدِّين والمال جميعاً؟. إلاّ أن الرُّشْد هنا بمعنى الصلاح في الدِّين غير مراد للفقهاء في هذا الشرط؛ إذ محلّه ولاية الفاسق وقد تقدَّم.

стр. 702

فلم يبق إلاّ الرُّشْد في المال وحده، فهل بين الرُّشْد في المال والرُّشْد في النكاح تلازم؟ أو أنَّ رُشْد كلّ مقام بحسبه؟ هذا ما نحاول بحثه من خلال استعراض مذاهب الفقهاء التالية: أوّلاً: مذهب الحنفيَّة: لم أر من صرح منهم بعدّ الرُّشْد شرطاً من شروط الولي في النِّكاح، وهذا هو قياس مذهب أبي حنيفة ﵀ في الولاية على ماله؛ إذ لا حَجْر – عنده - على السفيه الحرّ المكلّف في ماله، ولا في إنكاحه نفسه، فكذلك ينبغي أن يكون لا حجر عليه في ولايته النكاح؛ إذ باب الولايتين عنده واحد، وهذا هو المشهور عنه في كتب الخلاف، أعني أنَّ الرُّشْد ليس شرطاً في وليِّ النكاح١. ثانياً: مذهب المالكيَّة: وأمَّا مذهب المالكيَّة فقد اختلف أصحاب مالك في اشتراط الرُّشْد في وليِّ النكاح: فمنهم من عدّه شرطًا، ومنهم من لم يره - وهم الأكثر والمذهب المشتهر - ومنهم من قال: إنه شرط كمال لا صحَّة، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً بين القولين، أو تقييداً لقول من أطلق اشتراط الرُّشْد في وليِّ النِّكاح.

стр. 703

وظاهر مذهبهم أنَّ الرَّشيد ضدُّ السَّفِيه المحجور عليه في ماله، وعلى هذا فلا فرق عندهم بين رُشْد المال ورُشْد النكاح١. ثالثاً: مذهب الشَّافعيَّة. أنّ الرُّشْد شرط في ولي النِّكاح، والرَّشيد هنا ضدُّ السفيه المحجور عليه في ماله؛ فلا ولاية له في النكاح على الصحيح المعتمد في المذهب، وهناك قول آخر مرجوح: أنَّه يلي؛ لأنَّه كامل النظر في النِّكاح، وإنَّما حجر عليه لحفظ ماله٢. رابعاً: مذهب الحنابلة. قد نصّ بعضهم على أنَّ الرُّشْد شرط من شروط الوليِّ في النِّكاح، إلاّ أنَّهم صرّحوا بالفرق بين الرُّشْد في المال والرُّشْد في النكاح، وأنَّ رُشْد المال غير معتبر في النكاح، فقالوا: إنَّ الرُّشْد هنا: هو معرفة الكفء، ومصالح النكاح، وليس هو حفظ المال؛ لأنَّ رُشْد كلِّ مقام بحسبه٣.

стр. 704

وممَّا سبق يتَّضح أنَّ للفقهاء في معنى الرُّشْد في وليِّ النِّكاح وجهتين: الوجهة الأولى: أنَّ الرُّشْد في النِّكاح فرع الرُّشْد في الأموال. وعلى هذا يدلُّ صنيع أكثر الفقهاء. ولعلَّ وجهتهم: أنَّ من لم يكن رشيدًا في ماله، فأولى ألاّ يكون رشيدًا في معرفة مصالح النكاح، خاصّة أنَّ النكاح أعلى شأنًا من المال، وعلى هذا فتصحّ ولاية النكاح من السفيه قبل الحجر عليه في ماله، كما يصحّ تصرّفه في ماله قبل ذلك اتفاقاً. وأمّا بعد الحجر عليه في ماله فلا تصحّ ولايته في النكاح، على الصحيح المعتبر، إلاّ أن يأذن له وليّه ففيه بحث آخر. والوجهة الثَّانية: أنّ الرُّشْد في النكاح غير الرُّشْد في المال، وكلٌّ منهما معتبر في محلّه. واشتراط الرُّشْد في النّشكاح بهذا المعنى لم أجده صريحاً كغيره من الشروط المشهورة لغير الحنابلة، كما تقدَّم. ومع هذا فإن عبارات عامّة الفقهاء لم تَخْلُ من هذا المعنى كقولهم: "إن شرط الوليّ النظر". ولكنّ الظاهر أن هذا معتبر عندهم بالعقل والبلوغ؛ لأنَّ شأن العاقل البالغ حسن النظر، ويدلُّ على هذا عدم تصريحهم باشتراط الرُّشْد بجانب العقل، والبلوغ، وغيرهما، من الشروط التي سبق بيانها، ولا يخفى أنَّ المقصود بالرُّشْد هنا معنى زائد على ما يحصل بمجرَّد العقل، والبلوغ، وبقيَّة الشروط الأخرى؛ إذ المراد به صفة كمال للعاقل البالغ دالّة على حسن تصرّفه، كما هو الشأن في الأموال؛ فيلزم من

стр. 705

اعتبر هذه الصِّفة من الكمال شرطًا للأهليَّة في الأموال أن يعتبرها شرطاً للأهليَّة في النِّكاح، سواء أكان هناك تلازم بين رُشْد المال والنِّكاح- كما هو صنيع أكثر الفقهاء- أم لا. كما قرّره ابن رُشْد بقوله: "وسبب الخلاف تشبيه هذه الولاية بولاية المال، فمن رأى أنَّه قد يوجد الرُّشْد في هذه الولاية مع عدمه في المال قال: ليس من شرطه أن يكون رشيدًا في المال، ومن رأى أنَّ ذلك ممتنع الوجود قال: لا بدّ من الرُّشْد في المال، وهما قسمان كما ترى، أعني أنَّ الرُّشْد في المال غير الرُّشْد في اختيار الكفاءة لها"١ اهـ. وما اختاره ابن رُشْد هنا من عدم التلازم بين رُشْد المال ورُشْد النِّكاح هو الأظهر، ولكنَّ لا يلزم من الرُّشْد في المال أن يكون رشيدًا في النِّكاح، كما قد يفهم من كلامه. وعليه فينبغي أن يمنع الوليُّ من النِّكاح إذا عرف بسوء اختياره درءاً للمفسدة، وجلبًا للمصلحة، وأمَّا قبل ذلك فلا تزول ولايته بمجرَّد سفهه، ما لم يظهر موجباً للفسخ يردّ به عقد الرَّشيد ومن هو دونه، وذلك قياساً على اعتبار الرُّشْد في المال، لا أنَّ الحَجْر عليه في ماله يسقط ولايته في النِّكاح. ويشهد لذلك قول ابن عباس ﵄ "لا نكاح إلاّ بولي مرشد"٢.
следующие страницы →