Полный текст (1 155 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
بخلاف "جاء الذي إياه أكرمت" و"جاء الذي إنه فاضل" أو "كأنه أسد" أو "أنا الضاربة"١، وشذ قوله٢: [البسيط]
٥٨- ما المستفِزُّ الهوى محمودُ عاقِبَةٍ٣
الحواشي
(١) = الإعراب: ما: اسم موصول، مبتدأ. الله: "لفظ الجلالة" مبتدأ ثانٍ. موليك: خبر المبتدأ الثاني، مضاف إلى "الكاف" من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله الأول، وجملة: "الله موليك": صلة للموصول، لا محل لها، والعائد إلى "ما" محذوف، التقدير: ما الله موليكه"، وهذا المحذوف، هو المفعول الثاني لاسم الفاعل "موليك" فضل: خبر "ما" فاحمدنه: الفاء واقعة في جواب شرط مقدر أي: إذا كان كذلك فاحمدنه، احمدنه: فعل أمر مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والهاء: مفعول به. فما: الفاء تعليلية. ما نافية مهملة. لدى: متعلق بخبر مقدم. غيره: مضاف إليه، والهاء: مضاف إليه ثانٍ. نفع: مبتدأ مؤخر، ويجوز أن تكون "ما" عاملة عمل "ليس" و"لدى" خبرها مقدم، و"نفع" اسمها مؤخر.
موطن الشاهد: "ما الله موليك".
وجه الاستشهاد: حذف الضمير العائد إلى الاسم الموصول، من جملة الصلة؛ لأن التقدير "موليكه" وهذا العائد منصوب بوصف، وهو مولٍ، ويمكن هنا أن يكون التقدير موليك إياه، وهذا التقدير أرجح؛ لأن الانفصال في ثاني الضميرين المعمولين "اسم" أرجح من الاتصال، كما مر سابقا، ولكن قدر متصلا تمشيا مع قول المصنف، وتقييد المصنف بالمتصل، احترازا من المنفصل، يقصد به الحصر ليس غير.
١ في المثال الأول: لم يجز حذف العائد فيه؛ لأن هذا العائد ضمير منفصل لغرض الحصر، ففات فيه شرط اتصال الضمير، أما المثال الثاني: فلم يجز حذف العائد؛ لأن العامل في العائد هو "إن" ففات فيه شرط كون العامل فيه فعلا، أو وصفا، وأما المثل الثالث: فلم يجز حذف العائد فيه المثال السبب في المثال الثاني، وإنما جاء بمثالين للعائد المعمول لحرف؛ لأن الحرف العامل، إما أن يغير معنى الجملة مثل كأن، وإما ألا يغيرها مثل إن، وأما المثال الرابع: فلم يجز حذف العائد فيه؛ لكون العامل فيه وصفا واقعا صلة "أل".
التصريح: ١/ ١٤٦.
٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
ولو أتيح له صفو بلا كدر.
وهو من شواهد التصريح: "١/ ١٤٦، ٢/ ٢٦٧، والأشموني: "١١٥/ ١/ ٧٩"، والعيني: =стр. 177
وحذف منصوب الفعل كثير، ومنصوب الوصف قليل١
الحواشي
(١) = ١/ ٤٤٧، ٤/ ٤٧٩، وهمع الهوامع: ١، ٨٩، والدرر اللوامع: ١/ ٦٨.
المفردات الغريبة: المستفزّ: اسم فاعل من استفزه: أزعجه واستخفه. الهوى: ميل النفس إلى ما تشتهي. أتيح: هيئ وقدر.
المعنى: يرى الشاعر أن الإنسان الذي يستخفه الهوى وتزعجه صبوة النفس ويتبع شهوات نفسه، وينقاد لها، ليس محمود العواقب.
الإعراب: "ما" نافية مهملة. "المستفز: مبتدأ. الهوى: فاعل المستفز، ومفعوله محذوف عائد إلى "أل" أي: المستفزه. محمود: خبر المبتدأ، ويمكن أن تكون "ما" عاملة عمل "ليس" والمستفز: اسمها، ومحمود: خبرها. ولا: الواو عاطفة على محذوف. لو شرط غير جازم أتيح: فعل ماضٍ مبني للمجهول، "له: "متعلق بـ "أتيح". صفو: نائب فاعل. بلا: الباء حرف جر. لا: اسم بمعنى "غير" ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، وهو مضاف، كدر مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية و"بلا كدر": متعلق بمحذوف صفة لـ "صفو".
موطن الشاهد: "ما المستفز".
وجه الاستشهاد: حذف العائد من صلة "أل"، وهو منصوب بالوصف "المستفز"، وحكم هذا الحذف أنه شاذّ، ويرى بعضهم أنه قليل، وليس شاذا، والأصل في العبارة: ما المستفزه الهوى محمود العاقبة.
١ كان حذف منصوب الفعل كثيرا؛ لأن الأصل في العمل للفعل، فكثر تصرفهم في معموله بالحذف تارة، وبالتقديم تارة وبالفصل بين الفعل ومعموله تارة أخرى وكان حذف منصوب الوصف قليلا جدا، بل قال الفارسي: لا يكاد يسمع من العرب، وقال ابن السراج أجازوه على قبح، وقال المبرد: رديء جدا؛ لأن الوصف فرع في العمل ومن شأن الفرع أن يكون ضعيفا، فلا يتصرف في معموله، ومن التصرف في المعمول الحذف، غير أن ابن مالك في نظمه، يقول:
والحذف عندهم كثير منجلي ... في عائد متصل إن انتصب
بفعل او وصف......
فسوَّى بين منصوب الفعل والوصف في كثرة الحذف، والأفضل ما ذهب إليه المتقدمون.стр. 178
ويجوز حذف المجرور بالإضافة إن كان المضاف وصفا غير ماضٍ١، نحو: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٢، بخلاف: "جاء الذي قام أبوه" و"أنا أمس ضاربه"٣.
والمجرور بالحرف٤ إن كان الموصول أو الموصوف بالموصول مجرورا بمثل ذلك الحرف معنى ومتعلقا، نحو: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّاْ تَشْرَبُوْنَ﴾ ٥، أي: منه،
الحواشي
(١) وانظر شرح التصريح: ١/ ١٤٦، وحاشية الصبان: ١/ ١٧٠-١٧١
١ بأن يكون اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، أو اسم مفعول كذلك، بشرط أن يكون فعله متعديا لاثنين؛ ليكون أحدهما: نائب فاعل، والثاني: هو المضاف إليه لفظه. شرح التصريح: ١/ ١٤٧.
٢ "٢٠" سورة طه، الآية: ٧٢.
موطن الشاهد: ﴿مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف العائد إلى "ما" الموصول الاسمى؛ لأن الأصل: فاقض الذي أنت قاضيه، والعامل في العائد اسم فاعل بمعنى الحال، أو الاستقبال هنا، ومعلوم أن اسم الفاعل المضاف إلى العائد ناصب له تقديرا. ويجوز أن تكون "ما" موصولا حرفيا، يسبك بما بعده بمصدر، التقدير: فاقض قضاءك.
٣ لأن المضاف في الأول، ليس بوصف، وفي الثاني وصف ماضٍ، وهو لا يعمل.
٤ إن كان العائد مجرورا بحرف فلا يحذف؛ إلا إن دخل على الموصول حرف مثله، لفظا ومعنى، واتَّفق العامل فيهما مادة، نحو: مررت بالذي مررت به، أو أنت مار به، فيجوز حذف الهاء، فتقول: "مررت بالذي مررت"، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُون﴾ أي: منه، وتقول: مررت بالذي أنت مارٌّ، أي: به.
فإن اختلف الحرفان، لم يجز الحذف، نحو: مررت بالذي غضبت عليه، فلا يجوز حذف "عليه" وكذلك، مررت بالذي مررت به على زيد، فلا يجوز حذف "به" منه؛ لاختلاف معنى الحرفين؛ لأن الباء الداخلة على الموصول للإلصاق، والداخلة على الضمير للسببية، وكذا إن اختلف العاملان، لم يجز الحذف أيضا، نحو: "مررت بالذي فرحت به" فلا يجوز حذف "به".
انظر شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: ١/ ١٣٩-١٤٠.
٥ "٢٣" سورة المؤمنون، الآية: ٣٣.
موطن الشاهد: ﴿مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف الهاء من "تشربون" لأن الأصل: تشربون منه، والذي جوز حذف العائد هنا دخول الجار نفسه على "ما" الموصولة، مع اتحاد العامل مادة، وهو: "تشرب".стр. 179
قوله١: [البسيط]
٥٩- لا تركنن إلى الأمر الذي ركنت ... أبناء يعصر حين اضطرها القدر٢
وشذ قوله٣: [الوافر]
الحواشي
(١) ١ هو: كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر فحل مجيد، أسلم، بعد أخيه بجير، وكان قد نهى أخاه عن الإسلام، وهجا المسلمين، فتوعده الرسول ﷺ ثم جاءه مسلما وأنشده قصيدته المشهورة، التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
فعفا عنه، وكساه بردته، فسميت هذه القصيدة بالبردة.
الشعر والشعراء: ١/ ١٥٤، الأغاني: ١٥/ ١٤٢، الإصابة: ١/ ١٤٣، أسد الغابة: ١/ ١٦٤.
٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ١٤٧، والأشموني: "١١٩/ ١/ ٨١" والعيني: ١/ ١٤٤٩.
المفردات الغريبة: لا تركنن: لا تميلن، من ركن إليه: مال وسكن. الأمر: المراد به هنا: الفرار من القتال. يعصر: أبو قبيلة من باهلة.
المعنى: يحرض الشاعر على الثبات في القتال قائلا: لا تجنح إلى الهزيمة، والفرار من القتال، وعدم الصمود أمام الأعداء، كما فعلت أبناء يعصر حين اضطرت إلى ذلك.
الإعراب: لا: ناهية. تركنن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، في محل جزم بـ "لا" والفاعل: أنت. "إلى الأمر": متعلقان بـ "ترك". الذي: صفة لـ "الأمر" ركنت: فعل ماضٍ والتاء: للتأنيث. أبناء: فاعل مرفوع. يعصر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها. "حين": متعلق بـ ... ركنت" اضطرها: فعل ماضٍ، و"ها" مفعول به. القدر: فاعل، و"الجملة" في محل جر بالإضافة.
موطن الشاهد: "تركنن إلى الأمر الذي ركنت أبناء يعصر".
وجه الاستشهاد: حذف العائد من جملة الصلة إلى الموصول، والسبب الذي جوز حذفه، مجيء ذلك العائد مجرورا بحرف جر مماثل للحرف الذي جر الموصوف بالموصول في اللفظ، والمعنى، ومجيء، متعلق الحرفين متحدا في اللفظ، والمعنى أيضا؛ لأن المادة واحدة، وإن اختلفت الصيغتان.
٣ هو حاتم الطائي، وقد مرت ترجمته.стр. 180
٦٠- وأي الدهر ذو لم يحسدوني١
أي: فيه، وقوله٢: [الطويل]
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
ومن حسد يجور علي قومي
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٤٧، والأشموني: "١٢١/ ١/ ٨١"، والعيني: ١/ ٤٥١ وليس في ديوان حاتم الطائي.
المفردات الغريبة: من حسد: من: للتعليل، والحسد: تمني زوال نعمة الغير. يجور علي قومي: يظلمونني.
المعنى: يقول الشاعر: أن قومي يظلمونني، ويجاوزون حد الاعتدال معي، حسدا منهم علي وبغضا. وحسدهم هذا دائم متواصل، فأي وقت من الأوقات لم يحسدوني فيه؟!
الإعراب: "مِن حسد: متعلق بـ "يجور". يجور: فعل مضارع مرفوع. "علي: متعلق بـ "يجوز". قومي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء: مضاف إليه وأي: الواو استئنافية، أي: اسم استفهام، مبتدأ، وهو مضاف. الدهر: مضاف إليه. ذو: اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع خبر المبتدأ "أي". لم حرف نفي وجزم وقلب. يحسدوني: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها، والعائد إلى الموصول، من هذه الجملة محذوف، كما سنرى.
موطن الشاهد: "ذو لم يحسدوني".
وجه الاستشهاد: حذف العائد إلى الموصول من جملة الصلة، فجملة الصلة: "لم يحسدوني" والاسم الموصول: "ذو" الذي بمعنى "الذي"، والعائد المحذوف: ضمير مجرور بحرف جر محذوف، وتقدير الكلام: لم يحسدوني فيه. وأما حكم هذا الحذف، فشاذ عند جمهور العلماء، والذي سهل الحذف، كون الموصوف بالموصول اسما مرادا به زمان، والضمير العائد إليه مجرورا بـ "في" التي بها ينصرف الذهن إلى المحذوف، ولذا قال بعضهم: إن الحذف في مثل هذا قياسي.
انظر شرح التصريح: ١/ ١٤٧.
٢ ينسب هذا الشاهد إلى رجل من همدان، ولم يعين اسمه أحد من النحاة.стр. 181
٦١- وهوَّ على من صبه الله علقم١
أي: عليه، فحذف العائد المجرور مع انتفاء خفض الموصول في الأول، ومع اختلاف المتعلق في الثاني وهما: "صب" و"علقم"٢.
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
وإن لساني شهدة يُشتفَى بها
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٤٨، والأشموني: "١٢٢/ ١/ ٨١، والعيني: ١/ ٤٥١ وشرح المفصل: ٣/ ٩٦، وخزانة الأدب: ٢/ ٤٠٠،ومغني اللبيب: "٧٩٧/ ٥٦٧" وشرح السيوطي: ٢٨٥.
المفردات الغريبة: شهدة "بضم الشين وسكون الهاء" أصله العسل، ما دام في شمعه. علقم: هو الحنظل، وهو شجر له ثمر مر كريه الطعم.
المعنى: يدَّعي الشاعر أن لسانه مثل الشهد والعسل، فيه شفاء للناس الذين أحبهم وأثنى عليهم، وهو مثل الحنظل في المرارة، على من سلطه الله عليه.
الإعراب: هو: "بالتشديد على لغة همدان" مبتدأ. علقم: خبر "على من": متعلق بـ "علقم"؛ لأنه بمعنى. مر"، وجملة "صبه الله". صلة للموصول؛ لأن "من" اسم موصول بمعنى الذي، والعائد إلى الاسم الموصول محذوف مجرور بـ "على" و"الجار والمجرور": متعلق بـ "صب".
موطن الشاهد: "على من صبه الله".
وجه الاستشهاد: حذف العائد إلى "من" وهو مجرور، بحرف جر محذوف، مع اختلاف المتعلقين، "صب" و"علقم"، وحكم هذا الحذف شاذ، وتقدير الكلام: "وهو علقم على من صبه الله عليه".
٢ ويمتنع حذف العائد المجرور في مواضع أخرى منها:
١- إذاكان العائد المجرور محصورا، نحو مررت بالذي ما مررت إلا به، أو إنما مررت به.
٢- إذا كان نائبا عن الفاعل، نحو: مررت بالذي مُرَّ به.
٣- إذا كان لا يتعين للربط نحو: مررت بالذي مررت به في داره.
٤- إذا كان حذفه ملبسا نحو: رغبت فيما رغبت فيه؛ لأنه لا يعلم أن الأصل فيه أو عنه، وقيل يجوز؛ لأن الحذف يدل على اتفاق الحرفين، ولو كانا متباينين لم يجز الحذف؛ لأنه مشروط فيه اتفاق الحرفين وهذا أوفق.
التصريح: ١/ ١٤٨.стр. 182
[باب المعرفة بالأداة] :
[أداة التعريف وبيان أنواعها] :
وهي: "أل" لا اللام وحدها، وِفاقا للخليل١ وسيبويه، وليست الهمزة زائدة، خلافا لسيبويه٢.
وهي: إما جنسية٣، فإن لم تخلفها "كل" فهي لبيان الحقيقة٤، نحو:
الحواشي
(١) ١ الخليل: هو أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم البصري الفراهيدي الأزدي النحوي اللغوي الزاهد، صاحب علم العروض وضبط اللغة، لم يكن بعد الصحابة أذكى ولا أجمع لعلم العربية منه، كان يحج عاما ويغزو عاما، عفيف النفس لا يقبل عطايا الملوك، ولا يحب مصاحبتهم، له مؤلفات كثيرة منها: كتاب العين في اللغة، وكتاب الجمل، والشواهد والعروض، مات سنة ١٧٥هـ. وقد نيف على السبعين.
البلغة: ٧٩، إنباه الرواة: ١/ ٣٤١، بغية الوعاة: ١/ ٥٥٧، طبقات القراء: ١/ ٢٧٥، والأعلام ١/ ٣٦٣.
٢ للعلماء في تعيين المعرف أربعة مذاهب، الأول: أن المعرف هو "أل" برمتها، والألف أصلية، لا زائدة، والثاني: أن المعرف هو "أل" برمتها، والألف زائدة، والثالث: أن المعرف هو اللام وحدها، الرابع: أن المعرف، هو الألف وحدها واللام زائدة فرقا بين همزة الاستفهام والهمزة المعرفة، والأول هو مذهب الخليل بن أحمد، والثاني: هو مذهب سيبويه، والثالث: هو مذهب كثير من النحاة، والرابع: هو مذهب المبرد ولكل واحد من هذه الأقوال حجته.
انظر التصريح: ١/ ١٤٨-١٤٩، وتعليق الفرائد على تسهيل الفوائد: ٢/ ٣٥١-٣٥٥.
٣ هي الداخلة على نكرة، تفيد معنى الجنس المحض.
٤ أي الحقيقة الذهنية التي تتكون في العقل -من غير نظر إلى ما تنطبق عليه من أفراد، والفرق بين المعرف بأل هذه، وبين النكرة أن هذا المعرف يدل على الحقيقة بقيد حضورها في الذهن، أما النكرة فتدل عليها بدون قيد" شرح التصريح: ١/ ١٤٩.стр. 183
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَي﴾ ١، وإن خلفتها "كل" فهي لشمول أفراد الجنس، نحو: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٢، وإن خلفتها مجازا فلشمول خصائص الجنس مبالغة، نحو: "أنت الرجل علما".
وإما عهدية٣، والعهد إما ذكرى نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ٤، أو علمى نحو: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ ٥. ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ٦، أو حضوري نحو: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٧
الحواشي
(١) ١ "٢١" سورة الأنبياء، الآية: ٣٠.
موطن الشاهد: ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة لبيان الحقيقة والماهية من حيث هي، والتقدير: جعلنا من حقيقة الماء المعروف وقيل "المنى" التصريح: ١/ ١٤٩.
٢ "٤" سورة النساء، الآية: ٢٨.
موطن الشاهد: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة لشمول أفراد الجنس؛ لأننا نستطيع أن نقول: خُلِق كل إنسان ضعيفا.
٣ أي: للعهد، وهي التي تدخل على النكرة، فتفيدها نوعا من التعريف، يجعل مدلولها معينا بعد أن كان مبهما؛ لما يأتي من أسباب.
٤ "٧٣" سورة المزمل، الآية: ١٦.
موطن الشاهد: ﴿الرَّسُوْلَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة العهد الذكرى؛ لأن الرسول الثاني، هو الرسول الأول المذكور سابقا.
٥ "٢٠" سورة طه، الآية: ١٢.
موطن الشاهد: ﴿الْوَادِي الْمُقَدَّسِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة العهد العلمي؛ لأن المعلوم لدينا أن الوادي المقصود، هو الكائن تحت الشجرة.
٦ "٩" سورة التوبة، الآية: ٤٠.
موطن الشاهد: ﴿الْغَّارِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة العهد العلمي؛ لأن الغار المقصود معروف لدينا.
٧ "٥" سورة المائدة، الآية: ٣.
موطن الشاهد: ﴿الْيَوْمَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة العهد الحضوري؛ لأن مصحوبها حاضر، أي اليوم الحاضر، وهو يوم عرفة.стр. 184
[مجيء "أل" زائدة] :
وقد ترد "أل" زائدة، أي غيرمعرفة، وهي إما لازمة كالتي في علم قارنت وضعه كالسموأل واليسع واللات والعزى، أو في إشارة وهو "الآن" وفاقا للزجاج والناظم، أو في موصول وهو "الذي" و"التي" وفروعهما؛ لأنه لا يجتمع تعريفان، وهذه معارف بالعلمية والإشارة، والصلة، وإما عارضة: إما خاصة بالضرورة، كقوله١: [الكامل]
٦٢- ولقد نهيتك عن بنات الأوبر٢.
الحواشي
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد:
هذا عجز بيت، وصدره قوله:
ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥١، وابن عقيل: "٣٦/ ١/ ١٨١"، والأشموني: "١٢٧/ ١/ ٨٥" ومجالس ثعلب: ٦٢٤، والمقتضب: ٤م ٤٨، والخصائص: ٣/ ٥٨، والمنصف: ٣/ ١٣٤ والمحتسب: ٢/ ٢٢٤، والإنصاف: ١/ ٣١٩، ٢/ ٧٢٦، وشرح المفصل: ٥/ ٢٧١، والعيني: ٤٩٨ ومغني اللبيب: "٧٥/ ٧٥"، "٢٠٤/ ٢٩١"، وشرح السيوطي: ٦١.
المفردات الغريبة: جنيتك: جنيت لك، حذف الجار توسعا، فاتصل الضمير. أكمؤا: جمع "كمء" ويجمع على كمأة، وهو نبات في البادية معروف، له ثمر كالقلقاس، يقال له: شحم الأرض. عساقلا. جمع عسقول، وهو الكبير الأبيض من الكمأة: صغير رديء الطعم، له زغب، لونه كالتراب. المعنى: يقول الشاعر: لقد جنيت لك النوع الجيد من الكمأة، ونهيتك عن جني الرديء الخبيث منه.
الإعراب: ولقد: الواو للقسم، واللام: للتأكيد، واقعة في جواب القسم، قد: حرف تحقيق. نهيتك: فعل وفاعل ومفعول به. "عن بنات الأوبر" متعلق بـ "نهيتك". الأوبر: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "بنات الأوبر".
وجه الاستشهاد: زيادة "أل" في العلم اضطرارا؛ لأن بنات أوبر علم على نوع من الكمأة رديء، ومعلوم أن العلم لا تدخله "أل"؛ لأنه لا تجتمع معرفتان، العَلَمية و"أل"، ومثل هذا قول الشاعر:
يا ليت أم العمرو كانت صاحبي ... مكان من أشتى على الركائب.стр. 185
وقوله١: [الطويل] .
٦٣- صددت وطبت النفس يا قيسُ عن عمرو٢
الحواشي
(١) ١ هو رشيد بن شهاب اليشكري، يخاطب قيس بن مسعود اليشكري، ولم أعثر له على ترجمة وافية
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥١، ١/ ٣٩٤، وابن عقيل: "٣٧/ ١/ ١٨٢"، والأشموني: "١٢٨/ ١/ ٨٥" والعيني: ١/ ٥٠٢، ٣/ ٢٢٥"، وهمع الهوامع: ١/ ٨٠، ١/ ٢٥٢، والدرر اللوامع: ١/ ٥٣، ١/ ٢٠٩، والمفضليات، للمفضل الضبي: ٣١٠.
المفردات الغريبة: وجوهنا: ذواتنا، أو عظمائنا وزعمائنا. صددت: أعرضت وابتعدت. طبت النفس: طابت نفسك ورضيت.
المعنى: يخاطب الشاعر قيسا ويندد به، فيقول: لما رأيتنا ورأيت أكابرنا وعظماءنا، رضيت نفسك، وامتنعت عن الأخذ بثأر صديقك عمرو الذي قتلناه. وكان قوم الشاعر قد قتلوا عمرا؛ وهو صديق لقيس.
الإعراب: رأيتك: فعل وفاعل ومفعول به. لما: ظرفية حينية متعلقة بـ "رأى" أن زائدة. عرفت: فعل وفاعل، وجوهنا: مفعول به، ومضاف إليه. صددت: فعل وفاعل، وهو جواب "لما" وطبت: فعل وفاعل، و"الجملة" معطوفة على جملة "صددت"، النفس: تمييز منصوب، ويمكن أن تكون مفعولا به لـ "صددت" والتمييز محذوف، والتقدير: صددت النفس وطبت نفسا. يا قيس: حرف نداء، ومنادى مبني على الضم في محل نصب، و"جملة النداء": اعتراضية، لا محل لها. "عن عمرو": متعلق بـ "صددت"؟ أو متعلق بـ "طبت" على أنه مضمن معنى تسليت.
موطن الشاهد: "طبت النفس".
وجه الاستشهاد: دخول "أل" على التمييز الذي يجب تنكيره، وحكم دخول "أل" على التمييز أنه ضرورة عند جمهور البصريين؛ وأما الكوفيون، فإنهم لا يوجبون تنكير التمييز، بل يجوز أن يكون معرفة، وعلى مذهبهم فـ "أل" معرفة، وليست زائدة. وبعض النحويين أعرب النفس مفعولا به. ولا شاهد حينئذ في البيت ...
فائدة: تزاد "أن" بعد لما إذا أعقبت بفعل ماضٍ كما في قول الشاعر:
"رأيتك لما أن عرفت وجوهنا".стр. 186
لأن "بنات أوبر" علم، و"النفس" تمييز، فلا يقبلان التعريف، ويلتحق بذلك ما زيد شذوذا نحو: ادخلوا الأول فالأول"١.
وإما مجوَّزة لِلمْح الأصل٢، وذلك أن العلم المنقول مما يقبل "أل" قد يلمح أصله فتدخل عليه أل، وأكثر وقوع ذلك في المنقول عن صفة كحارث وقاسم وحسن وحسين وعباس وضحاك، وقد يقع في٣ المنقول عن مصدر كفضل، أو اسم عين كنعمان٤، فإن في الأصل اسم للدم، والباب كله
الحواشي
(١) ١ السابق منهما حال، واللاحق معطوف، و"أل" زائدة؛ لأن الحال واجبة التنكير، والأصل: ادخلوا أول فأول، وفائدة العطف بالفاء الدلالة على الترتيب التعقيبي، والمعنى: دخلوا مترتبين الأسبق فالأسبق، وأصل أول على الأصح: أو أل على وزن: "أفعل" قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت الواو في الواو؛ لاجتماع المثلين، وله استعمالان، أحدهما: أن يكون اسما بمعنى قبل، فحينئذ يكون منصرفا منونا، ومنه قولهم: أولا وآخرا، والثاني: أن يكون صفة، فيكون أفعل تفضيل ومعناه: الأسبق، فيكون غير منصرف، لوزن الفعل والوصف.
شرح التصريح: ١/ ١٥٢.
٢ لمح الأصل: أن ينظر ويلمح أصله المنقول عنه، قبل أن يكون علما، لتكون هنالك صلة معنوية بين المعنى القديم والجديد، فإن كان يقبل "أل" بأن لم يكن فعلا- دخلت "أل" عليه.
٢ صرح ابن مالك أن المنقول عن اسم "عين" في درجة متأخرة عن المنقول عن "المصدر" وهما جميعا يقعان مرتبين، بعد درجة المنقول عن الصفة، قال في شرح التسهيل: "وأكثر وقوعها على منقول من صفة، ويليه دخولها على منقول من مصدر، ويليه دخولها على منقول من اسم "عين"، ولكن المؤلف جمع بين المنقول عن مصدر والمنقول عن اسم عين، وجعلهما في درجة واحدة.
شرح التصريح: ١/ ١٥٢.
٤ يمثل العلماء تارة بالنعمان، للعلم الذي قارنت "أل" وضعه، فتكون لازمة، وتارة يمثلون به للعلم الذي زيدت فيه "أل" للمح الأصل، فتكون غير لازمة؛ وذلك لأن العرب سموا "النعمان" مصاحبا "لأل"، وسموا "نعمان" غير مقترن بأل، فتمثيل كل جماعة باعتبار، ومن تسميتهم بالمجرد قوله:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إليَّ هبوبها
وقول الآخر:
زيادتنا نعمان لا تحسبنها ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو
شرح التصريح: ١/ ١٥٢، وابن عقيل "تحقيق البقاعي": ١/ ١٤٧- ١٤٨، وحاشية الصبان: ١/ ١٨٣.стр. 187
سماعي١، فلا يجوز في نحو محمد وصالح ومعروف، ولم تقع في نحو: "يزيد" و"يشكر"؛ لأن أصله الفعل وهو لا يقبل أل، وأما قوله:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا٢. ... فضرورة سهَّلها تقدم ذكر الوليد.
فصل:
من المعروف بالإضافة أو الأداة ما غلب على بعض من يستحقه حتى التحق بالأعلام، فالأول كابن عباس، وابن عمر بن الخطاب، وابن عمرو بن العاص، وابن مسعود، غلبت على العبادلة٣ دون من عداهم من إخوتهم، والثاني كالنجم للثريا، والعقبة والبيت والمدينة والأعشى، و"أل" هذه زائدة لازمة، إلا في نداء أو إضافة فيجب حذفها، نحو: "يا أعشى باهلة"، و"أعشى تغلب"، وقد يحذف في غير ذلك، سمع: هذا عَيُّوق طالعا، و"هذا يوم اثنين مباركا فيه"٤.
الحواشي
(١) ١ يرى بعض المحدثين أن من الخير أن يقاس على ذلك؛ لأن الغرض الذي من أجله زيدت اللام مستجد في كل العصور، فلا يصح قصره على ما سمع قديما.
٢ تقدم تخريج الشاهد والتعليق عليه.
٣ قيل: الصواب ذكر ابن الزبير، مكان ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود، مات قبل إطلاق اسم العبادلة، وهذه الكلمة منحوتة من "عبد الله" مثل بسملة، وحمدلة......... إلخ.
وقصد المؤلف: أن لفظ "ابن عمر" غلب على عبد الله بن عمر من دون إخوته، وابن مسعود غلب على عبد الله بن مسعود، من بين إخواته، وآية ذلك: أن كلامه في المعرف بالإضافة، فأما لفظ العبادلة، فقد جمع به "عبد الله" بطريق النحت.
٤ حكاه سيبويه، ومجيء الحال منه في الفصيح، يوضح فساد قول المبرد في جعله "أل" في الاثنين وسائر الأيام للتعريف، فإذا زالت، صارت نكرات، والصحيح عند الجمهور: أن أسماء الأيام أعلام توهمت فيها الصفة، فدخلت عليها "أل" كالحارث، ثم غلبت، فصارت كالدبران.
شرح التصريح: ١/ ١٥٤.стр. 188
[باب المبتدأ والخبر] :
هذا باب المبتدأ والخبر:
[تعريف المبتدأ وهو نوعان] :
المبتدأ: اسم أو بمنزلته، مجرد عن العوامل اللفظية أو بمنزلته، مخبر عنه، أو وصف رافع لمكتفىً به.
فالاسم، نحو: "الله ربنا" و"محمد نبينا" والذي بمنزلته، نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم﴾ ، و: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم﴾ ٢، و"تسمع بالمعيديِّ خير من أن تراه٣.
الحواشي
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٨٤.
موطن الشاهد: ﴿أَنْ تَصُومُوا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء المبتدأ مصدرا مؤولا من "أن وما دخلت عليه" والتقدير: وصومكم خير لكم، وهذا جائز باتفاق؛ لأنه بمنزلة الاسم الصريح.
٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٦.
موطن الشاهد: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء المبتدأ مصدرا متصدرا من الفعل، والتقدير: إنذارك وعدمه سواء عليهم، "وسواء": خبر مقدم، وإنذارك: مبتدأ مؤخرا، وعدمه: معطوف عليه.
٣ هذا مثل قاله العرب: يضرب لمن يكون خبره والحديث عنه أفضل من مرآه ومنظره، وأول من قاله، هو: المنذر بن ماء السماء، وانظر قصته في مجمع الأمثال للميداني: ١/ ١٢٩ برقم: ٦٥٥.
وقد أورد الجاحظ في البيان والتبيين: ١/ ١٧٧، ٢٣٧، والخزانة: ١/ ١٥١، ٢/ ٤٤٢، ٣/ ٦١٤، ٤/ ٤٠٨، ٤٩٩، وأورده ابن برهان في باب "إن".
ولهذا المثل ثلاث روايات، هي:
أ- "لأن تسمع بالمعيديّ خير......" فاللام للابتداء، وأن المصدرية، ولا إشكال في هذه الرواية: لأن المصدر المنسبك من "أن وما بعدها" في تأويل المبتدأ، والحرف موجود في الكلام.стр. 189
والمجرد كما مثلنا، والذي بمنزلة المجرد، نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه﴾ ١، و"بحسبك درهم" لأن وجود الزائد كلا وجود، ومنه عند سيبويه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ ٢، وعند بعضهم: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" ٣.
الحواشي
(١) ب- "تسمعَ بالمعيديّ خير..........." بنصب المضارع بـ "أن" محذوفة، وفي هذه الرواية شذوذ؛ لأن الحرف المصدري ضعيف؛ ومع هذا فقد بقي عمله بعد حذفه.
جـ- "تسمعُ بالمعيدي خير من أن تراه" برفع المضارع "تسمع" بعد حذف "أن"، وهذه الرواية جاءت على الأصل، حيث حذف الحرف الناصب، وزال عمله، وهنا اختلف العلماء في توجيه هذه الرواية، فذهب بعضهم إلى أن الحرف المصدري مقدَّر؛ ليسبك بالفعل، ويؤول بمصدر يقع مبتدأ؛ لأن المبتدأ لا يكون إلا اسما، وذهب آخرون إلى أن الفعل، إذا أريد به مجرد الحدث صح أن يسند إليه، ويضاف إليه، ولا حاجة عند هؤلاء إلى تقدير الحرف المصدري، ويكون من باب استعمال اللفظ في جزء معناه؛ لأن الفعل يدل على الحدث الذي هو مدلول المصدر وعلى الزمان، وقد جرد هنا من الدلالة على الزمان، واقتصر فيه على الجزء الأول الذي هو الحدث.
١ "٣٥" سورة فاطر، الآية: ٣.
موطن الشاهد: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" حرف جر زائد، أي: اسم استفهام مبتدأ، و"كم" مضاف إليه. المفتون: خبر، وهذا -على رأي سيبويه وأما الأخفش، فيرى أن: "بأيكم": خبر مقدم، والباء بمعنى "في" وليست زائدة، والمفتون: "بمعنى الفتنة" مبتدأ مؤخر، وهو مصدر جاء على وزن اسم المفعول، ومنع ذلك سيبويه؛ لأن صيغة "مفعول" لم تثبت عنده بمعنى المصدر، ولأن سياق الآية يقتضي أن الاستفهام عن تعيين الشخص الذي وقعت عليه الفتنة من المخاطبين؛ لا عن مكان المفتون.
انظر شرح التصريح: ١/ ١٥٦.
٣ هذه قطعة من حديث نبوي روي في صحيح مسلم، من حديث ابن مسعود، وهو =стр. 190
والوصف نحو: "أقائم هذان"، وخرج نحو: "نزال"، فإنه لا مخبر عنه ولا وصف، ونحو: "أقائم أبواه زيد"، فإن المرفوع بالوصف غير مكتفىً به، فزيد: مبتدأ، والوصف خبر.
[يشترط في المبتدأ الوصف تقدم نفي أو استفهام] :
ولا بد لوصف المذكور من تقدم نفي أو استفهام١، نحو٢: [الطويل]
الحواشي
(١) = بتمامه: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أحصن للفرج، وأغض للبصر، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فأنه له وجاء"، البخاري: ٤/ ١١٩، ٩/ ١١٢، ومسلم: ٢/ ١٠١٨-١٠١٩.
لغة الحديث: الباءة: النكاح، وقيل القدرة على تبعات الزواج. وجاء: مصدر وجأ يجأ، والوجاء: رض عروق البيضتين، حتى تنفضخ، أي: تنفتح وتنعصر، من غير إنزال، فيكون شبيها بالخصاء؛ لكونه يكسر الشهوة.
الإعراب: فعليه: الفاء واقعة في جواب الشرط. "عليه" خبر مقدم. بالصوم: الباء زائدة، الصوم: مبتدأ مؤخر، والتقدير: الصوم واجب عليه، وهذا قول ابن عصفور، وقيل: "عليه": اسم فعل أمر بمعنى "ليلزم" وفاعله مستتر فيه وجوبا. بالصوم: الباء زائدة، الصوم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول اسم الفعل، غير أن هذا الوجه ضعيف لأمرين، الأول: من جهة الصناعة؛ لأن فعل الأمر، يكون عادة للمخاطب، لا للغائب. الثاني: لأن زيادة الباء مع المفعول غير ثابتة، في غير هذا الموضع، حتى يحمل عليها.
وانظر شرح التصريح: ١/ ١٥٦.
١ مذهب البصريين إلا الأخفش أن الوصف، لا يكون مبتدأ إلا إذا اعتمد على نفي أو استفهام، كما في المبتدأ، وذهب الأخفش والكوفيون إلى عدم اشتراط ذلك فأجازوا: "قائم" الزيدان، فقائم: مبتدأ، والزيدان: فاعل سد مسد الخبر، والشرط المذكور لاكتفاء الوصف بالفاعل عن الخبر على الأرجح، لا شرط العمل، ومعلوم أن النفي يشمل النفي بالحرف، أو بالاسم، أو بالفعل. وكذا الاستفهام، يشمل الاستفهام بالحرف، أو بالاسم.
انظر شرح التصريح: ١/ ١٥٧، وابن عقيل: ١/ ١٩٢، وابن عقيل "ط. دار الفكر": ١/ ١٥٤، ومغني اللبيب "ط. دار الفكر" ٧٢٣.
٢ لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين.стр. 191
٦٤- خليليَّ ما وافٍ بعهدِّيَ أنتما١
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
إذا لم تكونا لي على من أقاطعُ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥٧، والأشموني: "١٣٦/ ١/ ١٨٩"، ومغني اللبيب "٩٥٨/ ٧٢٣" وشذور الذهب "٨٤/ ٢٣٧"، وقطر الندى "٣٨/ ١٥٩"، وشرح شواهد المغني: ٣٠٣ والعيني: ١/ ٥١٦، وهمع الهوامع: ١/ ٩٤، والدرر اللوامع: ١/ ٧١".
المفردات الغريبة: واف: اسم فاعل، من وفى بالعهد، أنجزه ولم يخلفه. عهدي. هو ما بين الرَّجُلَيْن من صداقة وأخوة. أقاطع: أخاصم وأهجر.
المعنى: يخاطب الشاعر صديقيه: إنكما إذا لم تكونا لي على من أعاديه، وإذا لم تقاطعا من أقاطع من الناس؛ من أجلي؛ فإنكما لم تفيا بما بيننا من عهد الصداقة والوداد.
الإعراب: خليلي: منادى مضاف بحرف نداء محذوف، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والياء الثانية: مضاف إليه. ما: نافية. واف: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين. "بعهدي": متعلق بـ "واف" ومضاف إليه. أنتما: فاعل "واف" سد مسد الخبر: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. لم: جازمة نافية. تكونا: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ "لم" والألف: اسمه. "لي": متعلق بـ "تكونا". "على من": متعلق بمحذوف خبر "تكونا" الناقص. أقاطع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا، و"الجملة": صلة الموصول "من" لا محل لها، والعائد إلى الاسم الموصول ضمير نصب محذوف، والتقدير على من أقاطعه، وجملة: "لم تكونا لي على من أقاطع": في محل جر بالإضافة بعد إذا، وجواب إذا محذوف، لدلالة الكلام السابق عليه، وتقدير الكلام، إذا لم تكونا لي على من أقاطع فما واف بعهدي أنتما.
موطن الشاهد: "ما واف..... أنتما".
وجه الاستشهاد: مجيء "أنتما" فاعلا سادا مسد الخبر بعد المبتدأ الوصف "واف" المسبوق بالنفي، فهو اسم فاعل من فعل "وفى". وفي البيت شاهد آخر على أن الضمير البارز الواقع فاعلا بعد الوصف، يسد مسد الخبر كالاسم الصريح تماما، خلافا لبعض النحويين الذين لا يجوزون وقوع الضمير سادا مسدا الخبر، ومن هؤلاء الزمخشري، وابن الحاجب، حيث شرط أن يكون المرفوع اسما ظاهرا.
انظر شرح التصريح: ١/ ١٥٧.стр. 192
ونحو١: [البسيط]
٦٥- أقاطنٌ قوم سلمى أم نَوَوْا ظَعَنَا٢
الحواشي
(١) ١ لم ينسب إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد:
هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥٧، والأشموني: "١٣٤/ ١/ ٨٩" والعيني: ١/ ٥١٢، وشذور الذهب: "٨٥/ ٢٣٨"، وقطر الندى: "٣٩/ ١٦٠".
المفردات الغريبة: قاطن: "اسم فاعل من قطن بالمكان" إذا أقام فيه، ظعنا "بفتح العين": الاسم من ظعن، ومعناه: ارتحل، والظعن "بسكون العين": هو مصدر الفعل، ويقال: الساكن والمتحرك كلاهما مصدر، ويجوز أن يكون أصله السكون، وفتحت العين؛ لأنها حرف حلق، كما في البحر والشعر.
المعنى: يتساءل الشاعر: أمقيم وباقٍ قوم سلمى في مكانهم الذي أعهده؟ أم عزموا السفر والرحيل؟ ثم قال: إن يسافروا ويتركوا ديارهم ومنازلهم، فستكون حياة من يبقى ويتخلف عنهم عجيبة غريبة.
الإعراب: أقاطن: الهمزة حرف استفهام، قاطن: مبتدأ مرفوع. قوم: فاعل سد مسد الخبر. سلمى: مضاف إليه. أم: حرف عطف. نووا: فعل ماضٍ وفاعل. ظعنا: مفعول به لـ "نوى" إن: حرف شرط جازم. يظعنوا: فعل مضارع مجزوم، وهو فعل الشرط، والواو: فاعل: فعجيب: الفاء رابطة لجواب الشرط. عجيب: خبر مقدم. عيش: مبتدأ مؤخر. من: اسم موصول، مضاف إليه. قطنا: فعل ماضٍ، والألف: للإطلاق، والفاعل هو. و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها، وجملة "المبتدأ والخبر" في محل جزم جواب الشرط.
موطن الشاهد: "أقاطن قوم".
وجه الاستشهاد: مجيء اسم الفاعل "قاطن" مبتدأ؛ لاعتماده على الاستفهام بالهمزة، فاستغنى بمرفوعه "قوم" عن الخبر، وهذا جائز بالإجماع.
فائدة: لا يجوز إعراب "قاطن" خبرا مقدما، و"قوم" مبتدأ مؤخرا؛ لأن لفظة "قوم" تدل على معنى الجمع، بسبب كونه اسم جمع، و"قاطن"، مفرد، ولا يجوز أن يأتي المفرد خبرا عن الجمع، ولا عما يدل عليه.стр. 193
خلافا للأخفش والكوفيين١، ولا حجة لهم في نحو:١ [الطويل]
٦٦- خبيرٌ بنو لهب فلا تك ملغيا٣
الحواشي
(١) ١ ذهب الكوفيون، والأخفش، وابن مالك في الألفية إلى أنه يجوز أن يرفع الوصف فاعلا أو نائب فاعل مكتفىً به، وإن لم يعتمد هذا الوصف على نفي أو استفهام، وعبارة الناظم:
..................... وقدْ ... يجوز نحو: فائز أولو الرَّشَدْ
لكن المؤلف، لم يشر إلى ذلك، وقد أشرنا إلى هذا سابقا.
التصريح: ١/ ١٥٧.
٢ ينسب هذا البيت إلى رجل من طيئ، ولم يعينه أحد من النحاة.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
مقالة لِهبيٍّ إذا الطير مرَّتِ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥٧، وابن عقيل: "٤١/ ١/ ١٩٥"، والأشموني: "١٣٩/ ١/ ٩٠.
المفردات الغريبة: خبير: من الخبرة. وهي العلم بالشيء. بنو لهب: جماعة من بني نصر من الأزد، يقال: إنهم أزجر قوم، وأعيفهم وأعرفهم، بما تدور عليه حركات الطير. ملغيا: من الإلغاء، يقال: ألغيت كلامه إذا عددته ساقطا.
المعنى: إن بني لهب يعلمون زجر الطير، ويعرفون مهابطه، وما تدل عليه أصواته وحركاته حين يمر، فإذا أخبرك لهبي بشيء من ذلك فصدقه، ولا تلغِ قوله.
الإعراب: خبير: مبتدأ، وقد سوغ الابتداء به، وهو نكرة، أنه عامل فيما بعده. بنو: فاعل "خبير" سد مسد الخبر، وبنو ملحق بجمع المذكر السالم. لهب: مضاف إليه. فلا: الفاء عاطفة، لا: ناهية. تكُ: مضارع ناقص مجزوم بـ "لا" وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة تخفيفا، واسمه: أنت. ملغيا: خبر "تك" منصوب، وفيه فاعل مستتر فيه؛ لأنه اسم فاعل. مقالة: مفعول به لـ "ملغيا" لهبي: مضاف إليه. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط. الطير: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. والجملة من "الفعل المحذوف والفاعل": في محل جر بالإضافة، وهي جملة الشرط، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة السياق عليه، والتقدير، إذا مرَّتِ الطير فلا تك ملغيا. مرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي، والجملة مفسرة، لا محل لها.
موطن الشاهد: "خبير بنو لهب".
وجه الاستشهاد: استدل الكوفيون والأخفش بهذا الشاهد على مجيء "خبير" مبتدأ، لكونه وصفا عاملا فيما بعده، من دون أن يعتمد على نفي أو استفهام؛ لأنهم لا يشترطون ذلك، وعليه فـ "بنو" فاعل سدَّ مسدَّ الخبر، غير أن البصريين عدا =стр. 194
خلافا للناظم وابنه، لجواز كون الوصف خبرا مقدما، وإنما صح الإخبار به عن الجمع لأنه على فعيل، فهو على حد: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ١.
وإذا لم يطابق الوصف ما بعده تعيَّنت ابتدائيته، نحو: "أقائم أخواك"، وإن طابقه في غير الإفراد تعينت خبريته، نحو: "أقائمان أخواك"، و"أقائمون إخوتك"، وأن طابقه في الإفراد احتملهما، نحو: "أقائم أخوك"٢.
الحواشي
(١) = الأخفش يرون أن "خبير": خبر مقدم، و"بنو": مبتدأ مؤخر، وهذا الراجح لدى جمهور العلماء، ورد البصريون على من قال: إنه يشترط أن يتطابق المبتدأ والخبر في الإفراد والتثنية والجمع، وهنا لا تطابق بين "خبير" و"بنو" فالجواب: أن "خبير" جاءت على زنة المصدر، والمصدر: يخبر به عن الواحد، والمثنى، والجمع بلفظ واحد، وقد وردت صيغة "فعيل" مخبرا بها عن الجماعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ وقول الشاعر:
هن صديق للذي لم يشب
وفي هذا، إبطال لحجة الكوفيين والأخفش، انظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: ١/ ١٥٨، وحاشية الصبان: ١/ ١٩٢.
١ "٦٦" سورة التحريم، الآية: ٤.
موطن الشاهدَّ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ظهير" خبرا لـ "الملائكة" وجاز الإخبار بـ "ظهير" لأنه على وزن فعيل" الذي على زنة المصدر، وكما يجوز الإخبار بالمصدر، يجوز الإخبار بما يوازنه.
٢ يتضح مما سبق أن للوصف مع مرفوعه ثلاثة أحوال هي:
أ- أن يتعين كون الوصف خبرا مقدما والمرفوع بعده مبتدأ مؤخرا؛ وذلك إذا كان الوصف والمرفوع، إما مثنيين، نحو: "أقائمان أخواك"؟، وإما مجموعين، نحو: "أقائمون إخوانك"، والسبب في عدم مجيء الوصف مبتدأ في هذه الحال، والمرفوع فاعلا له أغنى عن الخبر؛ لأن العامل في الفاعل لا تتصل به علامة تثنية ولا جمع على الفصيح من لغات العرب.
ب- أن يتعين كون الوصف مبتدأ، والمرفوع فاعلا، وذلك إذا كان الوصف مفردا، والمرفوع مثنى، أو جمعا، نحو: أقادم صديقاك؟ و: أذاهب أعمامك؟ والسبب في عدم جعل الوصف خبرا في هذه الحال، أنه لا يجوز الإخبار بالمفرد عن المثني والجمع.
ج- جواز الأمرين، وذلك إذا كان الوصف مفردا، والمرفوع مفردا أيضا، فيجوز اعتبار الوصف مبتدأ، ومرفوعه سد مسد الخبر، أو يكون خبرا مقدما، والمرفوع مبتدأ مؤخرا. راجع التصريح. ١/ ١٥٨، وابن عقيل: ١/ ١٥٧- ١٥٨.стр. 195
وارتفاع المبتدأ بالابتداء، وهو التجرد للإسناد، وارتفاع الخبر بالمبتدأ، لا بالابتداء، ولا بهما، وعن الكوفيين أنهما ترافعا١.
[تعريف الخبر وأنواعه] :
والخبر الجزء الذي حصلت به الفائدة مع مبتدأ غير الوصف المذكور، فخرج فاعل الفعل، فإنه ليس مع المبتدأ، وفاعل الوصف٢.
وهو: إما مفرد٣، وإما جملة. والمفرد: إما جامد٤ فلا يتحمل ضمير
الحواشي
(١) ١ مذهب سيبويه، وجمهور البصريين أن المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأن الخبر مرفوع بالابتداء، فالعامل في المبتدأ معنوي وهو كون الاسم مجردا عن العوامل اللفظية غير الزائدة، وما أشبهها واحترز بغير الزائدة، من مثل: "بحسبك درهم" فـ "حسبك": مبتدأ، وهو مجرد عن العوامل اللفظية غير الزائدة، ولم يتجرد عن الزائدة؛ لأن "الباء" الداخلة عليه زائدة، واحترز "بشبهها" من مثل: "رب رجل قائم"، لأن رب حرف جر شبيه بالزائد، فـ "رجل: مبتدأ"، وقائم: خبره"، ويدل على ذلك رفع المعطوف عليه، نحو: "رب رجل قائم وامرأة".
- والعامل في الخبر لفظي، وهو المبتدأ. وهذا مذهب سيبويه ﵀.
- وذهب قوم إلى أن العامل في المبتدأ والخبر الابتداء، فالعامل فيهما معنوي.
- وقيل: المبتدأ مرفوع بالابتداء، والخبر مرفوع بالابتداء والمبتدأ.
- وقيل: ترافعا، ومعناه أن الخبر رفع المبتدأ، وأن المبتدأ رفع الخبر.
وأعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه، وهو الأول، وهذا الخلاف مما لا طائل فيه. انظر ابن عقيل: ١/ ١٥٩. وشرح التصريح: ١/ ١٥٨- ١٥٩.
٢ أي: فلا يسمى خبرا وإن حصلت به فائدة مع المبتدأ؛ لأن هذا المبتدأ هو الوصف المذكور، وإنما يسمى فاعلا سد مسد الخبر.
٣ المراد بالمفرد: ما ليس جملة ولا شبه جملة، فيشمل المثنى والجمع، والمركب بأنواعه المعروفة.
٤ أي: غير مشتق، وهو ما لم يُصَغْ من مصدر للدلالة على متصف به، ولا يشعر بمعنى الفعل الموافق له في مادته، فيشمل أسماء الزمان، والمكان، والآلة.стр. 196
المبتدأ، نحو: "هذا زيد"، إلا إن أُوِّل بالمشتق، نحو: "زيد أسد"، إذا أريد به شجاع٢، وإما مشتق فيتحمل ضميره، نحو: "زيد قائم"، إلا أن رفع الظاهر، نحو: "زيد قائم أبواه"٣، ويبرز الضمير المتحمل إذا جرى الوصف على غير من هو له، سواء ألبس، نحو: غلام زيد ضاربه هو"٤ إذا كانت الهاء للغلام٥، أم لم يلبس، نحو: "غلام هند ضاربته هي"٦، والكوفي إنما يلتزم الإبراز عند الإلباس، تمسكا بنحو قوله٧: [البسيط]
الحواشي
(١) ١ ولا يرفع كذلك ضميرا بارزا، ولا اسما ظاهرا بعده.
٢ أو: قَلْب السفَّاح حَجَر، أي: قاسٍ، لا رحمة فيه، وهكذا.
٣ أو رفع كذلك ضميرا بارزا، نحو: الخير أنت مقدم عليه. وفي الخبر المفرد، يقول ابن مالك:
والمفرد الجامد فارغ، وإن ... يشتق فهو ذو ضمير مستكن
أي: الخبر المفرد نوعان، جامد ومشتق، فالجامد: فارغ من الضمير، ومشتق: فيه ضمير مستكن، أي: مستتر.
٤ أي: إذا كان الوصف الواقع خبرا صفة لغير مبتدئه.
٥ ضاربه: وصف في المعنى لـ "زيد"؛ لأنه هو الضارب للغلام، وقد جرى على الغلام؛ لأنه خبر عنه، فلو لم يبرز الضمير المستتر في "ضاربه" لتوهم أن الغلام، هو الضارب لـ "زيد"، فينقلب المعنى، وفي هذه الحالة، يتعين أن يكون الضمير البارز فاعلا أو نائب فاعل بحسب نوع الوصف؛ لأن جريانه على غير صاحبه، يمنع استتاره، فترجع إليه حالته الأولى، ولا يعرب توكيدا للضمير المستتر. شرح التصريح: ١/ ١٦١- ١٦٢.
٦ جرى الوصف "ضاربته" على غير ما هو له، وهو الغلام، ولكن تاء التأنيث، تدل على أن الوصف في المعنى لـ "هند" وفي هذا، يقول الناظم:
وأبرِزَنْه مطلقا حيث تلا ... ما ليس معناه له محصلا
أي: أبرز الضمير الرابط مطلقا سواء أمن اللبس أم لم يؤمن إذا وقع الخبر بعد مبتدأ، لا يكون معنى هذا الخبر محصلا أي حاويا لمعناه، وذلك إذا كان الخبر جاريا على غير ما هو له، ويستوي في توقع الإلباس عند عدم القرينة: الوصف والفعل ماضيا أو مضارعا، نحو: محمد علي أكرمه، أو يكرمه، ففي كل من الفعلين ضمير مستتر، وآخر بارز، يصح عودهما إلى الاسمين، ومن القرائن هنا حروف المضارعة، وضمائر الرفع البارزة راجع شرح التصريح: ١/ ١٦٢، وابن عقيل، ١/ ١٦٤.
٧٧ لم يعرف قائله.стр. 197
٦٧- قومي ذرا المجد بانوها.......... ١
والجملة إما نفس المبتدأ في المعنى، فلا تحتاج إلى رابط، نحو: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ ٢ إذا قُدِّر "هو" ضمير شأن، ونحو: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: تمام البيت هو:
قومي ذرا المجد بانوها، وقد علمت ... بكنه ذلك عدنان وقحطان
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٦٢، وابن عقيل: "٤٢/ ١/ ٢٠٨" والأشموني: "١٤٣/ ١/ ٩٣"، والعيني: ١/ ١٥٧.
المفردات الغريبة: ذرا: جمع ذروة، وذروة الشيء: أعلاه. المجد: الكرم. بانوها: اسم فاعل من البناء، وبانون أصله بانيون أعلَّ إعلال قاضيون. كنه: حقيقة ونهاية الشيء، عدنان: أبو معد. قحطان: أبو اليمن.
المعنى: يفخر الشاعر بأن قومه هم الذين أسسوا أعالى المجد والشرف، وقد علمت بحقيقة ذلك قبيلتا عدنان وقحطان، ويريد العرب جميعا.
الإعراب: قومي: مبتدأ أول، ومضاف إليه. ذرا: مبتدأ ثانٍ، وهو مضاف. المجد: مضاف إليه بانوها: خبر المبتدأ الثاني، و"ها" مضاف إليه، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول. قد: حرف تحقيق. علمت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث "بكنه": متعلق بـ "علمت"، وكنه مضاف. ذلك: مضاف إليه واللام للبعد، والكاف للخطاب. عدنان: فاعل علمت. وقحطان: معطوف عليه مرفوع مثله.
موطن الشاهد: "قومي ذرا المجد بانوها".
وجه الاستشهاد: وقوع "بانوها" خبرا لـ "ذرا"، وهو في المعنى عائد إلى "قومي"؛ لأنهم هم البانون، ولم يبرز الضمير؛ لأمن اللبس؛ لأن "الذرا" مبنية لا بانية، ولو أبرزه، لقال: بانيها هم، حيث إن الوصف كالفعل يفرد إذا أسند إلى المثنى والجمع، ويجوز على غير الفصحى: بانوها هم، والكوفيون يجيزون عدم إبراز الضمير عند أمن اللبس فقط، كما في هذا المثال، وأما البصريون، فيوجبون إبراز الضمير في كل حال، ويعدون هذا الشاهد غير موافق لقياس، فهو شاذٌّ، ومعلوم أن الشاذَّ، يحفظ، ولا يقاس عليه، وقد أعرب بعضهم "ذرا المجد" منصوبا بوصف محذوف، يفسره الوصف المذكور، والتقدير: بانوا ذرا المجد بانوها.
انظر شرح التصريح: ١/ ١٦٢.
٢ "١١٢" سورة الإخلاص، الآية: ١.
موطن الشاهد: "هو الله أحد".
وجه الاستشهاد: مجيء "الله أحد" خبرا لـ "هو" وهي عينه في المعنى؛ لأنها مفسرة له، والمفسر عن المفسر، أي الشأن الله أحد، ولما كانت الجملة نفس المبتدأ في المعنى، فلا تحتاج إلى رابط، وهذا، على اعتبار "هو" ضمير الشأن، وأما إذا قدر ضمير المسؤول عنه، فخبره مفرد وهو "الله" وأحد خبر ثان، أو بدل.стр. 198
كَفَرُوا﴾ ١، ومنه "نطقي: الله حسبي" لأن المراد بالنطق المنطوق به.
وإما غيره فلا بد من احتوائها على معنى المبتدأ الذي هي مسوقة له٢، وذلك بأن تشمل على اسم بمعناه، وهو إما ضميره مذكورا نحو: "زيد قائم أبوه"، أو مقدرا نحو: "السمن منوان بدرهم"، أي: منه، وقراءة ابن عامر٣: "وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ
الحواشي
(١) ١ "٢١" سورة الأنبياء، الآية: ٩٧.
موطن الشاهد: ﴿هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
وجه الاستشهاد: "هي" ضمير قصة "الشَّأْن" مبتدأ. وشاخصة: خبر مقدم، وأبصار الذين كفروا: مبتدأ مؤخر، وجملة "أبصار الذين كفروا شاخصة" في محل رفع خبر "هي" ومعلوم أنها عين "هي" في المعنى، والتقدير: فإذا القصة أبصار الذين كفروا شاخصة، ولذا فهي لا تحتاج إلى رابط.
٢ يشترط في الجملة الواقعة خبرا ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون مشتملة على رابط، يربطها بالمبتدأ، وقد فصل المؤلف الكلام فيه.
الثاني: ألا تكون الجملة ندائية، فلا يجوز أن تقول: محمد يا أعدلَ الناس، على أن تكون جملة "يا أعدل الناس": خبرا عن محمد.
الثالث: ألا تكون مصدَّرة بأحد الحروف: "لكن، وبل، وحتى".
وقد أجمع النحاة على ضرورة استكمال جملة الخبر لهذه الشروط الثلاثة، وزاد ثعلب شرطا رابعا، وهو ألا تكون جملة الخبر قسمية، وزاد ابن الأنباري، ألا تكون إنشائية، والصحيح عند الجمهور صحة وقوع القسمية خبرا عن المبتدأ، كأن تقول: زيد والله إن قصدته ليعطينك، كما أن الصحيح عند الجمهور جواز وقع الإنشائية خبرا للمبتدأ كأن تقول: زيد اضربه. وذهب ابن السراج إلى أنه إن وقع خبر المبتدأ جملة طلبية، فهو على تقدير "قول" فالتقدير عنده في المثال الذي ذكرناه: زيد مقول فيه: اضربه، تشبيها للخبر، بالنعت، وهو غير لازم عند الجمهور في الخبر، وإن لزم في النعت، وفرقوا بين الخبر والنعت بأن النعت يقصد منه التمييز، فيجب أن يكون معلوما قبل الكلام، والخبر يقصد منه الحكم، فلا يلزم أن يكون معلوما قبل الكلام. أوضح المسالك: ١/ ١٩٧ حا: ٣.
٣ ابن عامر: هو أبو عمران، عبد الله بن عامر الدمشقي، أمام أهل الشام في القراءة، وأسن القراء السبعة، قرأ على جماعة من الصحابة، وقيل: إنه قرأ على عثمان بن عفان ﵁، ولد سنة ٢١هـ، وتوفى بدمشق سنة ١١٨هـ.
طبقات القراء لابن الجوزي: ١/ ٤٢٣، والعبر: ١/ ١٤٩.стр. 199
الْحُسْنَى"١، أي: وعده، أو إشارة إليه نحو: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾ ٢، إذا قدر "ذلك" مبتدأ ثانيا، لا تابعا للِبَاس.
قال الأخفش: أو غيرهما٣، نحو: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين﴾ ٤، أو على اسم بلفظه ومعناه، نحو: ﴿الْحَاقَّةُ،
الحواشي
(١) ١ "٥٧" سورة الحديد، الآية: ١٠.
قرأ ابن عمر "كل" بالرفع، وقرأ الباقون "كلا" بالنصب. تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٤١، والبحر المحيط: ٨/ ٢١٩.
موطن الشاهد: "وكُلٌ وَعَد اللهُ الحُسنَى".
وجه الاستشهاد: مجيء "كل" مبتدأ على قراءة ابن عامر وجملة "وعد الله الحسنى": في محل رفع الخبر، والرابط بينهما الضمير المقدر المنصوب بـ "وعد" على أنه مفعول الأول، أي: وعده الله، وأما على قراءة النصب فلا شاهد فيها.
٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٢٦.
قرأ نافع وأبو جعفر وابن عامر والكسائي "ولباس" بالنصب عطفا على "لباس" المنصوب بـ "أنزلنا" وقرأ الباقون "ولباس" بالرفع على الابتداء والقطع مما قبله، وذلك: صفة أو بدل منه، أو عطف بيان عليه، و"خبره" خبره، النشر: ٢٥٩، والاتحاف: ٢٢٣، والمشكل: ١/ ٣٠٩-٣١٠.
موطن الشاهد: ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ذلك" مبتدأ ثانيا، و"خير" خبره، والجملة خبر المبتدأ "لباس" الرابط بينهما الإشارة إلى المبتدأ بـ "ذلك".
٣ أي: غير الضمير والإشارة، كإعادة المبتدأ بمعناه، كما في الآية التالية.
٤ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٧٠.
موطن الشاهد: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الذين" مبتدأ، وجملة "يمسكون بالكتاب": صلة، وأقاموا الصلاة، معطوفة على الصلة، والخبر: جملة "إنا لا نضيع أجر المصلحين"، ومعلوم أن "المصلحين" في المعنى، هم الذين يمسكون بالكتاب، ويقيمون الصلاة فأعاد المبتدأ بمعناه، وهذا هو الرابط المشار إليه، وقيل: إن الرابط محذوف، والتقدير: إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، وحذف الرابط المجرور جائز باتفاق، أو الرابط العموم؛ لأن المصلحين أعم من الذين يمسكون بالكتاب، وقيل: إن الذين يمسكون في موضع جر بالعطف على "للذين يتقون". انظر شرح التصريح: ١/ ١٦٥.стр. 200
مَا الْحَاقَّةُ﴾ ١، أو على اسم أعم منه، نحو: "زيد نعم الرجل"٢ وقوله٣: [الطويل]
٦٨- فأما الصبر عنها فلا صبرا٤.
الحواشي
(١) ١ "٦٩" سورة الحاقة، الآية: ١-٢.
موطن الشاهد: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الحاقة" مبتدأ، و"ما" مبتدأ ثانيا، والحاقة "الثانية" خبرا لـ "ما"، الجملة" في محل رفع خبر "الحاقة" الأولى، والرابط بينهما إعادة المبتدأ بلفظه ومعناه.
٢ ففي الرجل عموم يشمل زيدا وغيره.
٣ القائل هو: ابن ميادة، واسمه الرماح بن أبرد، وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذه قطعة من بيت، وهو بكماله:
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر ... سبيل؟ فأما الصبر عنها فلا صبرا
وهو من شواهد، التصريح: ١/ ١٦٥، وهمع الهوامع: ١/ ٩٨، والدرر اللوامع: ١/ ٧٤ والكتاب لسيبويه: ١/ ١٩٣، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٨٦، ٢/ ٣٤٩، والعيني: ١/ ٥٢٣ ومغني اللبيب "٨٨٤/ ٦٥٠" وشرح شواهد المغني: ٢٩٦، والأغاني: ٢/ ٨٩، وزهر الآداب: ٧١٧.
المفردات الغريبة: ليت شعري: الشعر مصدر شعر بمعنى علم وفطن، والشعر: العلم، والمعنى، ليتني أشعر، أي: أعلم أم جحدر: كنية محبوبته.
المعنى: يتمنى الشاعر أن يجد جوابا لسؤاله، أهناك سبيل لوصول إلى أم جحدر ولقائها؟؛ لأن شوقه إليها شديد، ولا يستطيع الصبر على فراقها، والبعد عنها.
الإعراب: شعري: اسم "ليت" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل الياء، وهو مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، وخبر ليت محذوف، والتقدير: ليت شعري حاصل. "إلى أم": متعلق بمحذوف خبر مقدم. سبيل: مبتدأ مؤخر. فأما: حرف شرط وتفصيل. الصبر: مبتدأ. "عنها" متعلق بـ "الصبر". فلا الفاء واقعة في جواب "أما"، لا "نافية للجنس. صبرا: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب، وخبر "لا" محذوف، والتقدير: لا صبر لي. وجملة "لا صبر لي": في محل رفع خبر المبتدأ "الصبر".
موطن الشاهد: "أما الصبر فلا صبر".
وجه الاستشهاد: مجيء "لا صبرا" خبرا لـ "الصبر" الواقع بعد "أما"، والرابط بينهما العموم؛ لأن النكرة الواقعة بعد النفي، تفيد العموم، فبقوله: "لا صبرا" نفي الصبر بمختلف أنواعه، ومنه الصبر" الواقع مبتدأ.
وفي البيت شاهد آخر على مجيء الفاء الزائدة في خبر المبتدأ الواقع بعد "أما"، وحكم اقتران الفاء بالخبر في هذه الحالة الوجوب.стр. 201
[وقوع الخبر شبه جملة] :
ويقع الخبر ظرفا١، نحو: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُم﴾ ٢، ومجرورا نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ ٣، والصحيح أن الخبر في الحقيقة متعلقهما المحذوف٤، وأن
الحواشي
(١) ١ معلوم أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلق، وهذا المتعلق؛ إما أن يكون عاما، وإما أن يكون خاصا.
فإذا كان المتعلق خاصا، فإما أن تدل عليه قرينة، وأما لا، فإن دلت عليه قرينة، نحو: متى يسافر أخوك؟ فتقول: محمد غدا، وأحمد بعد غد، فسامع الكلام، يفهم أن المراد: محمد مسافر غدا، وأحمد مسافر بعد غد، وفي هذه الحال، يجوز حذف المتعلق، وأما إن لم تدل عليه قرينة، لم يجز حذفه، نحو: خالد مسافر اليوم.
وأما إن كان المتعلق عاما، سمِّي الظرف مستقرا، ووجب حذف هذا المتعلق، وسمِّي كل من الظرف، والجار والمجرور خبرا؟ ومن هذا ندرك أن "الظرف" و"الجار والمجرور". لا يقال: إنهما خبر، إلا أن يكون متعلقهما عاما، وأن هذا المتعلق العام واجب الحذف.
٢ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٤٢.
موطن الشاهد: ﴿الرَّكْبُ أَسْفَلَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الركب" مبتدأ، و"أسفل" واقعا موقع الخبر؛ لأنه متعلق بالخبر المحذوف، والتقدير: والركب كائن أسفل، أو مستقر أسفل منكم.
٣ سورة الفاتحة، الآية: ١.
موطن الشاهد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الجار والمجرور" متعلقا بالخبر المحذوف، والتقدير: الحمد كائن لله.
فائدة: يشترط في الظرف والجار والمجرور أن يكونا تَامَّيْن، يحصل بالإخبار بهما فائدة بمجرد ذكرهما، فلا يصح: العلم مكانا، ومحمد بك، لعدم الفائدة.
٤ قيل في هذه المسألة: إن الخبر هو نفس الظرف والجار والمجرور وحدهما؛ لأنهما يتضمنان معنى صادقا على المبتدأ وقيل: إن الخبر، هو مجموع الظرف أو الجار والمجرور مع متعلقهما والمتعلق جزء من الخبر، واختار هذا الرأي المحقق الرضي، وقيل: إن الخبر هو المتعلق المحذوف، وهو ما ارتضاه المؤلف هنا، وذكر أنه صحيح.
التصريح: ١/ ١٦٦.стр. 202
تقديره كائن أو مستقر، لا كان أو استقرَّ، وأن الضمير الذي كان فيه انتقل إلى الظرف والمجرور كقوله١:
٦٩- فإن فؤادي عندك الدهرَ أجمعُ٢
الحواشي
(١) ١ القائل هو: جميل بن عبد الله بن معمر العذري: المعروف بجميل بثينة، يكنى أبا عمرو، أحد عشاق العرب المشهورين، وأكثر أشعاره في بثينة والغزل، وله شعر في الهجاء مع ابن قطبة ابن عم بثينة، مات سنة ١٠٨هـ.
تجريد الأغاني: ٣/ ٩٣٠، المؤتلف: ٧٢، الشعر والشعراء: ١/ ٤٣٤ ابن خلكان: ١/ ١٤٣.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
فإن يك جثماني بأرض سواكم
والبيت من قصيدة لجميل، مطلعها:
أهاجك أمْ لا بالمداخل مربع ... ودار بأجراع الغديرين بلقع
والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ١٦٦، والأشموني: "١٤٤/ ١/ ٩٣، وهمع الهوامع: ١/ ٩٩، والدرر اللوامع: ١/ ٧٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٥، ٣٣٠، وأمالي القالي: ١/ ٢١٧، وسمط اللآلي: ٥٠٥، والعيني: ١/ ٥٢٥، وخزانة الأدب: ١/ ١٩٠ ومغني اللبيب: "٨١٢/ ٥٧٩"، وشواهد السيوطي: ٢٨٦، وديوان جميل: ١١٨، وديوان كثير: ١/ ٣٣.
المفردات الغريبة: جثماني: قال ابن منظور: "الجثمان بمنزلة "الجسمان" جامع لكل شيء، يريد به جسمه وألواحه، ويقال: ما أحسن جثمان الرجل وجسمانه، تريد ما أحسن جسده، بأرض سواكم: "يروى بالإضافة، وبتنوين أرض، في بعض الروايات": بأرض بعيدة.
المعنى: يقول الشاعر لمحبوبته: إن كانت أجسامنا متباعدة وكنت مقيما في أرض غير أرضكم، فإن قلبي مقيم عندك لا يفارق أرضك ما بقي الدهر، ولا يغادرك، يعني أنه مقيم على حبها، ولا ينصرف عنها إذا ما ابتعد عنها.
الإعراب: فإن: الفاء عاطفة. إن: شرطية جازمة. يك: فعل مضارع ناقص مجزوم؛ لأنه فعل الشرط، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة. جثماني: اسم "يك" ومضاف إليه. "بأرض": متعلق بالخبر المحذوف، والتقدير: فإن يك جثماني كائنا بأرضстр. 203
ويخبر بالزمان عن أسماء المعاني١، نحو: "الصوم اليوم"، و"السفر غدا" لا عن أسماء الذوات، نحو: "زيد اليوم"، فإن حصلت فائدة جاز: كأن يكون المبتدأ عاما والزمان خاصا٢، نحو: "نحن في شهر كذا"، وأما نحو: "الورد في أيار"٣، و"اليوم خمر" و"الليلة الهلال"، فالأصل: خروج الورد، وشرب خمر، ورؤية الهلال.
الحواشي
(١) = سواكم: مضاف إليه؛ لأن "أرض" غير منونة، وأما إذا نونت فـ "سواكم" صفة. فإن: حرف مشبه بالفعل. فؤادي: اسم "إن" ومضاف إليه "عند": متعلق بمحذوف الخبر، والكاف: مضاف إليه: الدهر: متعلق بالخبر المحذوف. أجمع: توكيد للضمير المستكن في الظرف.
موطن الشاهد: "أجمع".
وجه الاستشهاد: مجيء "أجمع" توكيدا مرفوعا للضمير المنتقل إلى الظرف، وهو "عندك"؛ لأنه، لا يصح أن يكون توكيدا لـ "فؤادي" ولا لـ "عند" ولا "للدهر"؛ لأن هذه الألفاظ منصوبة، و"أجمع" مرفوعة، والمرفوع، لا يكون توكيدا للمنصوب، وفي الوقت نفسه، فلا يجوز أن يكون توكيدا لمحذوف؛ لأن التوكيد، ينافي الحذف، فلم يبق إلا أن يكون توكيدا للضمير المستكن في الظرف الواقع متعلقه خبرا؛ لأن هذا الضمير مرفوع على الفاعلية.
وانظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: ١/ ١٦٦.
١ يخبر بالزمان عن أسماء المعاني؛ لأن اسم المعنى عبارة عن حركات وأفعال، وهي غير مستمرة الوجود، بل قد تحدث، وقد لا تحدث، وهي تحدث في زمان دون زمان؛ ومن أجل هذا كان الإخبار عن وجودها في زمان ما مفيدا، كقولنا: السفر غدا، ولهذا أجازوا الإخبار بالزمان عن اسم المعنى، من غير قيد؛ لأن الفائدة حاصلة دائما، وأما الإخبار بالزمان عن الذات، فاشترطوا فيه حصول الفائدة؛ وذلك لأنه لا فائدة في الإخبار بالزمان عن أسماء الذوات غالبا؛ لأن نسبتها إلى الأزمان كلها واحدة، بخلاف الأحداث التي لا بد لها من زمن.
وأما المكان، فيخبر به مطلقا عن أسماء الذوات والمعاني متى حصلت الفائدة.
٢ يكون التخصص بصفة، كقولنا: نحن في يوم حار، أو بإضافة، نحو: نحن في شهر الصوم، أو بعلمية، نحو: نحن في رمضان.
وتحصيل الفائدة: إذا كان المبتدأ "الذات" صالحا، لتقدير مضاف، هو اسم معنى، نحو قول امرئ القيس: اليوم خمر، أي: شرب خمر.
٣ اسم شهر رومي، من أشهر فصل الربيع، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.стр. 204
[لا يبدأ بالنكرة إلا إذا أفادت] :
ولا يبتدأ بنكرة١، إلا إن حصلت فائدة؛ كأن يخبر عنها بمختصٍّ مقدم ظرف أو مجرور نحو: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٢، و ﴿عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ٣ ولا يجوز "رجل في الدار" ولا "عند رجل مال" أو تتلو نفيا، نحو: "ما رجل قائم" أو استفهاما نحو: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٤، أو تكون موصوفة سواء ذكرا نحو: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ ٥، أو حذف الصفة، نحو: "السمن منوان بدرهم"، ونحو: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ
الحواشي
(١) ١ لأن المبتدأ محكوم عليه، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معلوما، ولو إلى حد ما، وإلا كان الحكم عليه لغوًا، لا فائدة فيه، وإنما يكون، إذا كان للمبتدأ خبر، فإن كان وصفا له فاعل، أو نائب فاعل، يغني عن الخبر، كان نكرة، ولا يحتاج إلى مسوغ؛ لأن المبتدأ في هذه الحالة، يكون محكوما به، بمنزلة الفعل والفعل في مرتبة التنكير كما يقال.
التصريح: ١/ ١٦٨.
٢ "٥٠" سورة ق، الآية: ٣٥.
موطن الشاهد: ﴿لَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مزيد" مبتدأ وهو نكرة والذي جوز مجيئه مبتدأ الإخبار عنه بالظرف "لدينا" المتقدم عليه.
٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "غشاوة" مبتدأ مؤخرا، وهو نكرة، والذي جوز الابتداء بالنكرة الإخبار عنها بالجار والمجرور والمتقدم عليها.
٤ "٢٧" سورة النمل: الآية: ٦٠-٦٤.
موطن الشاهد: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "إله" مبتدأ، وهو نكرة، والذي جوز وقوع النكرة مبتدأ سبقها بهمزة الاستفهام.
٥ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٢١.
موطن الشاهد: ﴿لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "عبد" مبتدأ، وهو نكرة: والذي جوز وقوع النكرة مبتدأ وصفها بوصف مخصص، وهو "مؤمن"؛ لأن "مؤمن": صفة لـ "عبد" مرفوعة مثله.стр. 205
أَنْفُسُهُم﴾ ، أي منوان منه، وطائفة من غيركم، أو الموصوف٢، كالحديث: "سوداء ولود خير من حسناء عقيم"٣، أي: امرأة سوداء، أو عاملة عمل الفعل، كالحديث: "أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة" ٤ ومن العاملة المضافة كالحديث: "خمس صلوات كتبهن الله" ٥.
الحواشي
(١) ١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٥٤.
موطن الشاهد: ﴿طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "طائفة" مبتدأ، وهي نكرة، والذي سوَّغ الابتداء بها، كونها موصوفة بصفة محذوفة؛ لأن التقدير، وطائفة من غيركم، كما في المتن.
٢ أي: أو حذف الموصوف وحده، وبقيت الصفة، فهذا عطف على قوله السابق: "سواء ذكرا"، أي: الموصوف والصفة معا، وقوله: "أو حذفت الصفة"، فالأقسام ثلاثة: ذكرهما معا، وحذف الموصوف وحده، وحذف الصفة وحدها.
٣ الحديث: صيغة الحديث في المصادر التي رجعنا إليها: "سوداء ولود خير من حسناء لا تلد". اتحاف السادة المتقين للزبيدي: ٥/ ٢٩٧-٥٩٨، وكنز العمال: ٧/ ٤٤٤٢، والأسرار المرفوعة للقاري: ٢١٨.
موطن الشاهد: "سوداء.....".
وجه الاستشهاد: مجيء "سوداء" مبتدأ، وهى نكرة، والذي سوَّغ الابتداء بها كونها صفة لموصوف محذوف.
٤ الحديث رواه مسلم. ونصه: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحية صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، ويجزي عن ذلك كله ركعتان يركعهما في الضحى".
صحيح مسلم: ١/ ٤٩٩.
موطن الشاهد: "أمر بمعروف، ... نهي عن منكر".
وجه الاستشهاد: مجيء كل من "أمر" و"نهى" مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ الابتداء بهما كونهما عاملين في محل المجرور بعدهما؛ لأنهما مصدران، والمصدر يعمل عمل فعله.
٥ الحديث: للحديث روايات متعددة، ومعناها واحد. صحيح البخاري: ١/ ١٠٦، وصحيح مسلم: ١/ ٤١، وسنن أبي داود: ٢/ ١٣٠، وسنن النسائي: ١/ ٢٣٠، وسنن ابن ماجة: ١/ ٤٤٨.
موطن الشاهد: "خمس صلوت".
وجه الاستشهاد: مجيء "خمس" مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ الابتداء بالنكرة كونها عاملة في المضاف إليه.стр. 206
ويقاس على هذه المواضع ما أشبهها نحو: "قصَدَك غلامُه رجلٌ" و"كم رجلا في الدار"، وقوله١: [البسيط]
٧٠- لولا اصطبار لأودَى كلُّ ذي مِقَةٍ٢
وقولك: "رجيل في الدار" لشبه٣ الجملة بالظرف والمجرور، واسم الاستفهام بالاسم المقرون بحرفه، وتالي "لولا" بتالي النفي، والمصغر بالموصوف٤.
الحواشي
(١) ١ لم ينسب إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
كما استقلت مطاياهن للظعَنِ
وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٠، وابن عقيل: "٤٧/ ١/ ٢٢٤"، والأشموني: "٥٠/ ١/ ٩٨"، والعيني: ١/ ٣٥٢.
المفردات الغريبة: أودى: ماضٍ لازم بمعنى هلك. مقة: محبة، وفعله: ومق يمق بالكسر فيهما، والياء فيه عوض عن فاء الكلمة، وهي الواو. استقلت: نهضت وهمت للسفر. مطاياهن: جمع مطية، والمراد بها هنا الإبل، وسميت بذلك؛ لأنه يركب مطاها أي ظهرها. الظعن: الارتحال.
المعنى: يقول الشاعر: لولا التجلد والصبر، وحمل النفس على عدم الجزع لهلك كل محب عند تهيؤ أحبابه للسفر والرحيل، ومفارقتهم له.
الإعراب: لولا: حرف امتناع لوجود، أو حرف شرط غير جازم. اصطبار: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف وجوبا، والتقدير: لولا اصطبار موجود لأودى: اللام واقعة في جواب "لولا" أودى: فعل ماضٍ. كل: فاعل "أودى". ذي: مضاف إليه. مقة. مضاف إليه. "كما": متعلق بـ "أودى". استقلت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. مطاياهن: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف، و"هن" في محل جر بالإضافة. "للظعن": متعلق بـ "استقلت".
موطن الشاهد: "اصطبار".
وجه الاستشهاد: وقوع "اصطبار" مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ وقوعه مبتدأ، وقوعه بعد "لولا" وهي تشبه "ما" النافية في الجملة؛ لأنها تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها.
٣ مواضع النكرة المفيدة كثيرة جدا. وقد أوصلها بعض النحاة إلى أربعين موضعا، والأصل الذي تقوم عليه الإفادة، وهذا الأصل هو المرجع الوحيد في صحة الابتداء بالنكرة.
٤ أي: ألحق المصغر بالمصوف في الحكم، وجواز الابتداء به إذا كان نكرة، ووجه الشبه هو اشتراكهما في المعنى؛ لأن التصغير وصف في المعنى، ومن قال: "رجيل عندنا" كأنه قال: رجل صغير عندنا، ولما جاز الابتداء بالنكرة الموصوفة، جاز قياسا عليها الابتداء بالاسم المصغر النكرة.
وانظر بقية شروط الابتداء بالنكرة في شرح ابن عقيل: ١/ ١٧٠- ١٧٨. والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢٠٤ وما بعدها.стр. 207
[حالات الخبر] :
وللخبر ثلاث حالات:
[يجب تأخر الخبر في أربع مسائل] :
إحداها: التأخر، وهو الأصل كـ "زيد قائم" ويجب في أربع مسائل١:
إحداها: أن يخاف التباسه بالمبتدأ، وذلك إذا كانا معرفتين، أو متساويين ولا قرينة، نحو: "زيد أخوك" و"أفضل منك أفضل مني" بخلاف "رجل صالح حاضر". و"أبو يوسف أبو حنيفة"، وقوله: [الطويل]
٧١- بنونا بنو أبنائنا..........٣
الحواشي
(١) ١ ومن المسائل الأخرى التي يجب فيها تأخير الخبر:
١- أن يكون المبتدأ هو "مذ" أو "منذ"، نحو: ما رأيته "مذ يومان" إذا جعلت "مذ" اسما مبتدأ، وإعراب مذ خبرا مقدما -كما ذهب إليه الزجاج- غير مستقيم.
٢- أن يكون المبتدأ ضمير متكلم، أو مخاطب، مخبرا عنه بالذي وفروعه، نحو: أنا الذي عرفوني، ونحو: أنت الذي تدعى ما لا تحسنه، خلافا للكسائي، في هذه المسألة.
٣- أن يكون الخبر طلبا، نحو: زيد اضربه، وزيد لا تهنه.
٤- أن يكون المبتدأ دعاء، نحو قولك: سلام عليكم وويل لكم.
٥- أن يكون الخبر متعددا، وهو في قوة الخبر الواحد، نحو: الرمان حلو حامض.
٦- أن يقع بين المبتدأ والخبر ضمير الفصل، نحو: زيد هو المنطلق.
٧- أن يكون الخبر مقترنا بالباء الزائدة، نحو قولك: ما زيد بقائم.
- حاشية يس على التصريح: ١/ ١٧١، والنحو الوافي ١/ ٤٩٢-٥٠٠، والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢١١-٢١٢.
٢ هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: البيت بتمامه:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
=стр. 208
أي: بنو أبنائنا مثل بنينا.
الثانية: أن يخاف التباس المبتدأ بالفاعل١، نحو: "زيد قام" بخلاف "زيد قائم" أو "قام أبوه" و"أخواك قاما"٢.
الحواشي
(١) = وهو: من شواهد التصريح: ١/ ١٧٣، وابن عقيل "٥١/ ١/ ٢٣٣"، والأشموني: "١٥٣/ ١/ ٩٩"، ومغني اللبيب: "٨١٨/ ٥٨٩"، وهمع الهوامع: "١/ ١٠٢" والدر اللوامع: "١/ ٧٦"، ودلائل الإعجاز للجرجاني: ٢٤٠، والإنصاف: ١/ ٦٦، وشرح المفصل: ١/ ٩٩، ٩/ ١٣٢، وخزانة الأدب: ١/ ٢١٣، وديوان الفرزدق: ٢١٧.
المعنى: إن أولاد أبنائنا، ينتسبون إلينا؛ لأنهم كأولادنا، أما أولاد بناتنا، فينتسبوا إلى آبائهم الأجانب عنا.
الإعراب: بنونا: خبر مقدم، ومضاف إليه. بنو: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. أبنائنا: مضاف إليه، و"نا": مضاف إليه ثانٍ. وبناتنا: مبتدأ أول، مضاف إليه. بنوهن مبتدأ ثانٍ، ومضاف إليه. أبناء: خبر للمبتدأ الثاني، الرجال: مضاف إليه. الأباعد صفة لـ "الرجال"، وجملة "بنوهن أبناء الرجال": خبر للمبتدأ الأول "بناتنا".
موطن الشاهد: بنونا بنو أبنائنا.
وجه الاستشهاد: تقديم الخبر "بنونا" على المبتدأ، وهو "بنو أبنائنا" مع تساويهما فـ التعريف؛ لأن كلا منهما مضاف إلى ياء المتكلم، وسوغ ذلك القرينة المعنوية التي تعين المبتدأ، وهي التشبيه الذي يقضي بأن بني الأبناء مشبهون بالأبناء، وقيل: هل من التشبيه المقلوب للمبالغة، ولا شاهد فيه، وإلى هذا، أشار الناظم:
"فامنعه حين يستوي الجزآن ... عرفا ونكرا عادمي بيان
أي: امنع التقديم، إذا استوى المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير، وعُدِما القرينة والبيان الذي يوضح المبتدأ منهما من الخبر.
انظر شرح التصريح: ١/ ١٧٢، وابن عقيل: ١/ ١٨٢-١٨٣.
١ وذلك إذا كان الخبر جملة "فعلية"، فاعلها ضمير مستتر، يعود على المبتدأ، نحو: زيد يقوم؛ ففي "يقوم" ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ يعود على زيد؛ ولهذا يجب تقديم المبتدأ في هذه الحال، ولأننا لو قدمنا الفعل؛ لانقلبت الجملة من اسمية إلى فعلية، كما هو معلوم، والفرق واضح بين الجملتين، فالجملة الاسمية، تدل على ثبوت المسند إلى المسند إليه، ودوامه، والجملة الفعلية، تدل على تجدده، وحدوثه.
٢ فالخبر في المثال الأول وصف، والفعل في المثال الثاني، رفع اسما ظاهرا، وفي المثال الثالث رفع ضميرا؛ فلهذا أمن اللبس، ولهذا فلا يجب تأخير الخبر فيهما.стр. 209
الثالثة: أن يقترن بإلا معنى، نحو: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِير﴾ ١، أو لطفا نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ٢، فأما قوله٣: [الطويل]
٧٢-...........وهل إلَّا عليك المعوَّلُ٤
فضرورة.
الحواشي
(١) ١ "١١" سورة هود، الآية: ١٢.
موطن الشاهد: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: وجوب تقديم المبتدأ، وتأخير الخبر؛ لأن الخبر محصور بـ "إلا" معنى، والتقدير: ما أنت إلا نذير.
٢ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.
موطن الشاهد: ﴿مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الخبر "رسول" مؤخرا عن المبتدأ، وحكم هذا التأخير الوجوب؛ لأن الخبر، اقترن بـ "إلا" لفظا.
٣ القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، أبو المستهل، شاعر متقدم، من شعراء بني أمية، عالم بلغات العرب وأخبارها، متعصب لمصر، ومعروف بالتشيع، يتكلف في شعره، ويسرق من غيره، عرف بقصائده الهاشميات، لقي الفرزدق، وعرض عليه شعره. ولد سنة ٦٠ هـ مات سنة ١٢٦هـ.
تجريد الأغاني: ٤/ ١٧٩٣، والشعر والشعراء: ٢/ ٥٨١، والجمحي: ١/ ٤٥، والأغاني: ١٥/ ١٠٨.
٤ تخريج الشاهد: البيت بتمامه:
فيا رب، هل إلا بك النصر يرتجى ... عليهم؟ وهل إلا عليك المعول؟
والبيت من قصيدة من "هاشمياته"، يمدح فيها بني هاشم، وأولها قوله:
ألا هل عمٍ في رأيه متأمِّلُ؟ ... وهل مدبرٌ بعد الإساءة مقبِلُ؟
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٧٣، وابن عقيل: "٥٢/ ١/ ٢٣٥"، والأشموني: "١٥٤/ ١/ ٩٩"، وهمع الهوامع: ١/ ١٠٢، والدرر اللوامع: ١/ ٧٦، والعيني: ١/ ٣٥٤" وليس في ديوان الكميت.
المفردات الغريبة: يرتجى: يؤمَّل، ويطلب. المعول: مصدر بمعنى التعويل والالتجاء.
المعنى: هل يطلب النصر على الأعداء، ويرتجي إلا منك وبعونك؟ وهل هنالك من سند يلجأ إليه الإنسان، ويعول عليه إلا أنت؟ والاستفهام إنكاري.
الإعراب: هل: حرف استفهام، يفيد الإنكار، في هذا الشاهد. إلا أداة حصر. =стр. 210
الرابعة: أن يكون المبتدأ مستحقا للتصدير، إما بنفسه١، نحو: "ما أحسن زيدا" و"من في الدار" و"من يقم أقم معه" و"كم عبيد لزيد" أو بغيره، أما متقدما عليه، نحو: "لزيد قائم"، وأما قوله: [مشطور الرجز]
٧٣- أم الحليس لعجوز شهربة٣
الحواشي
(١) = بك: متعلق بـ "يرتجى". النصر: مبتدأ. يرتجى: مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل. "هو" يعود على النصر، وجملة "يرتجى": في محل رفع خبر. وهل: حرف استفهام، يفيد معنى النفي. إلا: أداة حصر، لا محل لها. "عليك": متعلق بمحذوف خبر مقدم. المعول: مبتدأ مؤخر.
موطن الشاهد: "بك النصر، عليك المعوَّل".
وجه الاستشهاد: تقديم الخبر المحصور بـ "إلا" في الموضع الثاني: "عليك المعول" شذوذا، وكذا في الموضع الأول: "بك النصر" إذا أعربنا "بك" خبرا مقدما، والنصر: مبتدأ مؤخرا، وأما على ما أعربناه، فلا شاهد فيه، وكان الأفصح أن يقول: "وهل النصر يرتجى إلا بك، وهل المعول إلا عليك.
فائدة: أسقط المؤلف صدر البيت: "فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى"، لاحتمال إعراب "النصر" مبتدأ، وخبره: جملة "يرتجى" كما أعربنا، على هذا، فلا شاهد فيه، ولم يذكره المؤلف.
فائدة: بعض البلاغيين، يرون أنه إذا كانت أداة الحصر "إنما" لم يصح تقديم الخبر إذا كان مقصورا عليه. وأما إن كانت أداة القصر "إلا" وقدم الخبر، وقدمت معه "إلا" كما في الشاهد، صح هذا التقديم؛ لكون المعنى المقصود لا يضيع؛ لأن تقدم "إلا" يبين المراد.
١ الأسماء المستحقة للتصدير بنفسها أربعة، كما ذكر المؤلف ومثل لها.
ما التعجبية، وقد مثل لها المؤلف بالمثال الأول، وأسماء الاستفهام وقد مثل لها بالمثال الثاني، وأسماء الشرط، وقد مثل لها بالمثال الثالث، وكم الخبرية، وقد مثل لها بالمثال الرابع. والأسماء المستحقة للتصدير بغيرها أربعة أيضا، وهي:
كل اسم أضيف إلى اسم استفهام، أو اسم شرط، أو أضيف إلى كم الخبرية، وكل اسم اقترن بلام الابتداء، وقد مثل المؤلف لذلك كله.
٢ هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: بعد الشاهد قوله:
ترضى من اللحم بعظم الرقبة
وقد اختلف في نسبة هذا الشاهد، فقد نسبه الصاغاني إلى عنترة بن عروس، أحد =стр. 211
فالتقدير: لهي عجوز، أو اللام زائدة لا لام الابتداء، أو متأخرا عنه نحو: غلام مَنْ في الدار" و"غلام مَنْ يقم أقم معه" و"مالُ كَمْ رجل عندك" أو مشبها به، نحو: "الذي يأتيني فله درهم"، فإن المبتدأ هنا مشبه باسم الشرط، لعمومه، واستقبال الفعل الذي بعده، وكونه سببا، ولهذا دخلت الفاء في الخبر كما تدخل في الجواب.
[وجوب تقدم الخبر في أربع مسائل] :
الحالة الثانية: التقدم، ويجب في أربع١ مسائل:
الحواشي
(١) = موالي بني ثقيف، ورواه الجوهري في الصحاح، وابن منظور في اللسان، ولم ينسباه. وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٤، وابن عقيل: "١٠١/ ١/ ٣٦٦"، والأشموني: "٢٦٦/ ١/ ١٤١" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٠، والدرر اللوامع: ١/ ١١٧، واللسان "شهرب"، والمغني: "٤١٣/ ٣٠٤"، "٤١٩/ ٣٠٧" ملحقات ديوان رؤبة.
المفردات الغريبة: أم الحليس: كنية الأتان، وهي أنثى الحمار. والحليس: تصغير حلس، وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، وكنيت به هذه المرأة تشبيها لها بالأتان. شهربه: كبيرة طاعنة في السن. من اللحم: بدل اللحم، فـ "من" بمعنى البدل.
المعنى: يصف الراجز هذه المرأة بأنها عجوز كبيرة، لا تستطيع أكل اللحم وهضمه، فترضى بدله بلحم الرقبة، لسهولة مضغه، فالمضاف هنا محذوف.
الإعراب: أُمّ: مبتدأ. الحليس: مضاف إليه، لَعجوز: اللام للابتداء، تفيد التوكيد، عجوز: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: لهي عجوز: والجملة الاسمية من "المبتدأ المحذوف وخبره": في محل رفع خبر المبتدأ "أم الحليس". شهربه: صفة لـ "عجوز". وجملة "ترضى": في محل رفع صفة ثانية، وبعضهم يعرب "لعجوز": خبر المبتدأ، وفي هذه الحالة، ذهب النحاة إلى أن "اللام" المقترنة بـ "لعجوز" ليست لام الابتداء، ولكنها "زائدة" في خبر المبتدأ"، والأرجح ما ذهبنا إليه في الوجه الأول.
موطن الشاهد: "لعجوز".
وجه الاستشهاد: استشهد المؤلف بهذا البيت، لدلالة ظاهره على تأخير الخبر المقترن بـ "لام الابتداء" غير أن ما ذهبنا إليه في الإعراب، من اعتبار "عجوز" خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره لهي عجوز، وانتقلت اللام إلى الخبر، بعد حذف المبتدأ، يجعل البيت يخلو من الشاهد.
١ هناك مسائل أخرى، يجب تقديم الخبر على المبتدأ فيها، وهي: =стр. 212
إحداها: أن يوقع تأخيره في لبس ظاهر: نحو "في الدار رجل" و"عندك مال" و"قصدك غلامه رجل" و"عندي أنك فاضل"، فإن تأخير الخبر في هذا المثال يوقع في إلباس "أن" المفتوحة بالمكسورة، و"أن" المؤكدة بالتي بمعنى لعل، ولهذا يجوز تأخيره بعد "أما"، كقوله١: [البسيط]
٧٤-....... وأمَّا أنني جزع ... يوم النوى؛ فلوجدٍ كاد يبريني٢
الحواشي
(١) = أ- أن يقترن المبتدأ بفاء الجزاء، بعد "أما"، نحو: أما في الصف فخالد، وأما في المسجد فسعيد.
ب- أن يقع الخبر اسم إشارة إلى المكان، نحو: هنا زاهر، وهناك محمد، وثمة خليل.
ج- في نحو قولهم: "في كل وادٍ أثر من ثعلبة"؛ وذلك لأن الأمثال لا تغير.
د- أن تقترن بالخبر لام الابتداء خلاف الأصل فيها؛ لأن الأصل فيها اتصالها بالمبتدأ، نحو: "لقائم زيدا"، ففي هذه الحالة، لا يجوز تأخير الخبر المقترن بها، ولهذا عددنا اللام الداخلة على الخبر في قول الشعر: "أمّ الحليس لعجوز" زائدة، وأنها ليست لام الابتداء، وإن عددنها "لام الابتداء"، كما ذهبنا إليه في الإعراب، فإن "عجوز" ليست خبر "أم الحليس" بل خبر مبتدأ محذوف، والتقدير، لهي أم الحليس، وقلنا: إنْ عددنا "عجوز" خبرا عما قبلها، واعتبرنا "اللام" للابتداء، فذاك شاذٌّ، والشاذُّ يُحفظ، ولا يقاس عليه.
هـ- أن يكون الخبر "مذ، أو منذ" في نحو قولك: ما لقيته "مذ يومان أو منذ يومان" وذلك على وفق ما ذهب إليه الزجاج من أنهما خبران مقدمان وجوبا، والجمهور اعتبروا أن "مذ ومند" مبتدأين واجبي التقديم.
وكثيرا من العلماء، يرون أن مذ ومنذ" حرفان بمعنى "من" ولكنهما يجران الأزمنة، ويكونان اسمين، إذا ارتفع ما بعدهما، وهنا الخلاف، فذهب الجمهور إلى أنهما مبتدآن واجبا التقديم ورأى الزجاج أنهما خبران وما بعدهما مبتدآن واجبا التأخير، والصواب: ما ذهب إليه الجمهور، ويستحسن العودة إلى كتاب النحو الوافي، ففيه المزيد من المسائل والإيضاحات. النحو الوافي، عباس حسن: ١/ ١٠٥- ٥٠٦.
١ لم ينسب إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هكذا:
عندي اصطبار، وأما أنني جزع ... يوم النوى فلوجدٍ كاد يبريني.
وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٥، والأشموني: "١٥٧/ ١/ ١٠١"، وهمع الهوامع: =стр. 213
لأن "إن المسكورة و"أن" التي بمعنى لعل لا يدخلان هنا، وتأخيره في الأمثلة الأُوَل يوقع في إلباس الخبر بالصفة، وإنما لم يجب تقديم الخبر في نحو: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ﴾ ١؛ لأن النكرة قد وصفت بمسمى، فكان الظاهر في الظرف أنه خبر لا صفة.
الحواشي
(١) = ١/ ١٠٣ والدرر اللوامع: ١/ ٧٧، والعيني: ١/ ٥٣٦، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ٢٥٩.
المفردات الغريبة: اصطبار: تصبُّر وتجلُّد. جزِع: شديد الخوف فاقد الصبر، وهو صفة مشبهة من جزع يجزع من باب علم. النوى: البعد والفرق. الوجد: شدة الحب. يبريني: ينحلني، من بَرَيت القلم إذا نحته.
المعنى: يقول الشاعر: إن في طبعي التجلد والتحمل لكل ما ينزل بي من مكروه، وأما جزعي يوم فراق الأحباب، فلشدة شوق كاد ينحلني ويقضي علي.
الإعراب: "عندي": متعلق بخبر مقدم محذوف، ومضاف إليه. اصطبار: مبتدأ مؤخرا. وأما: حرف شرط وتفصيل. أنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، والياء: اسمه، جزع: خبر "أن" والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل رفع مبتدأ. "يوم": متعلق بـ "جزع". النوى: مضاف إليه. فلوجد: الفاء واقعة في جواب "أما" "لوجد": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، المؤول من "أن وما دخلت عليه" كاد: فعل ماضٍ، من أفعال المقاربة، يعمل عمل "كان" الناقصة، واسمه: هو: يعود على "وجد"، يبريني: فعل مضارع، والفاعل: هو، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، وجملة "يبريني" في محل نصب خبر "كاد"، وجملة "كاد واسمها وخبرها": في محل جر صفة لـ "وجْد".
موطن الشاهد: "أما أنني جزع؛ فلوجد".
وجه الاستشهاد: وقوع المصدر المؤول من "أن وما بعدها" مبتدأ متقدما على خبره الواقع جار ومجرورا "لوجد"، والذي جوز تقدم المبتدأ، وهو مصدر مؤول، أمن اللبس بين "أن المفتوحة الهمزة، وإن المكسورة الهمزة لفظا، ولأمن اللبس بين "أن المفتوحة" الهمزة المؤكدة والتي بمعنى "لعل" معنى.
فائدة: لا يقع بعد "أما" التي للشرط والتفصيل "إن" المكسورة، ولا "أن" المفتوحة، التي بمعنى "لعل"، وإنما يقع بعدها "أن" المؤكدة المفتوحة الهمزة وحسب؛ لأنها تؤول مع ما تدخل عليها بمفرد، ولا يفصل بين "أما" وبين الفاء الواقعة في جوابها إلا بمفرد. وانظر في هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ١٧٤-١٧٥.
١ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١.
موطن الشاهد: ﴿أَجَلٌ مُسَمَّىً عِنْدَهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع المبتدأ متقدما، وهو نكرة؛ لأنه وصف "مسمى" فضعف طلب النكرة للظرف، وكان الظاهر في "عنده" أنه خبر لـ "أجل" لا صفة ثانية.стр. 214
الثانية: أن يقترن المبتدأ بإلا لفظا، نحو: ما لنا إلا اتباع أحمدا١ أو معنى، نحو: "إنما عندك زيد".
الثالثة: أن يكون لازم الصدرية، نحو: "أين زيد"؟ أو مضافا إلى ملازمها، نحو: "صبيحة أي يوم سفرك".
الرابعة: أن يعود ضمير متصل بالمبتدأ على بعض الخبر، كقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٢، وقول الشاعر٣: [الطويل]
٧٥-....... ولكِنْ مِلءُ عينٍ حبيبُها٥
الحواشي
(١) ١ هذا مثال من ألفية ابن مالك وتمامه:
وخبر المحصور قدم أبدا ... كما لنا إلا اتباع أحمدا
٢ "٤٧" سورة محمد، الآية: ٢٤.
موطن الشاهد: ﴿عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الخبر "على قلوب" متقدما على المبتدأ "أقفال" المتأخر، وحكم تقدم الخبر هنا الوجوب، لئلا يعود الضمير "ها" المتصل بالمبتدأ على "على قلوب" المتأخرة في الرتبة؛ لأنها بعض متعلق الخبر؛ لأن الخبر المتقدم هو الاستقرار، والجار والمجرور متعلق به، ومتعلق الخبر، رتبته التأخير، فيعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة.
٣ هو نصيب بن رباح الأكبر، أبو محجن، قيل هو من قضاعة، وكان مولى لعبد العزيز بن مروان، وهو شاعر فحل، فصيح، مقدم في النسيب، والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء، وكان عفيفا، لم يشبب، أو ينسب بامرأة قط إلا امرأته.
تجريد الأغاني: ١/ ١٠٨، الشعر والشعراء: ١/ ٤١٠، الجمحي: ١/ ١٢٥.
٤ تخريج الشاهد: والبيت بتمامه:
أهابك إجلالا، وما بك قدرة ... عليَّ، ولكن ملء عين حبيبها
وقد نسبه ابن نباتة المصري في كتابه "سرح العيون" إلى مجنون ليلى في أبيات، أولها قوله:
دعا المحرمون الله يستغفرونه ... بمكة يوما أن تُمَحَّى ذنوبُهَا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٧٦، وابن عقيل: "٥٤/ ١/ ٢٤١"، والأشموني =стр. 215
[الحالة الثالثة: جواز التقديم والتأخير] :
الحالة الثالثة: جواز التقديم والتأخير، وذلك فيما فقد فيه موجبهما، كقولك: "زيد قائم" فيترجح تأخيره على الأصل، ويجوز تقديمه لعدم المانع.
[حالات حذف المبتدأ والخبر] :
وما علم من مبتدأ أو خبر جاز حذفه، وقد يجب١.
الحواشي
(١) = "١٥٦/ ١/ ١٠١" والعيني: ١/ ٥٣٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٣٦٣، وديوان نصيب: ٦٨.
المفردات الغريبة: أهابك: من الهيبة، وهي المخافة، إجلالا: إعظاما لقدرك.
المعنى: إني لأهابك وأخافك، إعظاما لقدرك، لا خوفا من بطشك، فليس لك سلطان عليَّ، ولكن العين تمتلئ بمن تحبه، فتحصل المهابة والخوف في قلب صاحبها من ذلك المرئي.
الإعراب: أهابك: فعل مضارع، وفاعل، ومفعول به. إجلالا: مفعول لأجله، وما: الواو حالية، ما: نافية. "بك" خبر مقدم. قدرة: مبتدأ مؤخر. ولكن: حرف استدراك. ملء: خبر مقدم: عين مضاف إليه. حبيبها: مبتدأ مؤخر، و"ها" مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ملء عين حبيبها".
وجه الاستشهاد: تقدم الخبر "ملء عين" على المبتدأ، وهو "حبيبها"، لاتصال المبتدأ بضمير يعود على ملابس الخبر، وهو المضاف إليه، فلو قدم المبتدأ، لزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لأن رتبة الخبر التأخير، وذلك غير جائز. وإلى هذا، أشار الناظم بقوله:
كذا إذا عاد عليه مضمرُ ... مما به عنه مبينا يخبرُ
أي: كذلك يجب تقديم الخبر، إذا عاد عليه ضمير من المبتدأ الذي يخبر عنه بخبر يبين ويفسر الضمير العائد إليه، وفي عبارة الناظم مضاف محذوف، أي: عاد على ملابسه.
ويرى ابن جني في المثال السابق رأيا لا غبار عليه، وهو أن "ملء عين": مبتدأ و"حبيبها": خبره، وليس في البيت تقديم ولا تأخير؛ لأن كلا منهما صالح للابتداء به، والأصل: عدم التقديم والتأخير، فيجعل أولهما مبتدأ، والثاني خبرا.
١ وقد يمتنع حذف المبتدأ أو الخبر، وذلك فيما إذا وقعت الجملة خبرا عن ضمير لشأن، فإنه يجب ذكر الجزأين.
وكثر حذف المبتدأ في ثلاثة مواضع:
الأول: في جواب الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ وقوله جلت عظمته: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِك﴾ ، أي هي النار: نار حامية، وهي النار.
الثاني: بعد فاء الجواب، نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: فعمله لنفسه، وإساءته عليها.
الثالث: بعد القول، نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين﴾ . حاشية يس على التصريح: ١/ ١٧٦.следующие страницы →