Полный текст (1 155 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فالتقدير: لهي عجوز، أو اللام زائدة لا لام الابتداء، أو متأخرا عنه نحو: غلام مَنْ في الدار" و"غلام مَنْ يقم أقم معه" و"مالُ كَمْ رجل عندك" أو مشبها به، نحو: "الذي يأتيني فله درهم"، فإن المبتدأ هنا مشبه باسم الشرط، لعمومه، واستقبال الفعل الذي بعده، وكونه سببا، ولهذا دخلت الفاء في الخبر كما تدخل في الجواب.
[وجوب تقدم الخبر في أربع مسائل] :
الحالة الثانية: التقدم، ويجب في أربع١ مسائل:
الحواشي
(١) = موالي بني ثقيف، ورواه الجوهري في الصحاح، وابن منظور في اللسان، ولم ينسباه. وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٤، وابن عقيل: "١٠١/ ١/ ٣٦٦"، والأشموني: "٢٦٦/ ١/ ١٤١" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٠، والدرر اللوامع: ١/ ١١٧، واللسان "شهرب"، والمغني: "٤١٣/ ٣٠٤"، "٤١٩/ ٣٠٧" ملحقات ديوان رؤبة.
المفردات الغريبة: أم الحليس: كنية الأتان، وهي أنثى الحمار. والحليس: تصغير حلس، وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، وكنيت به هذه المرأة تشبيها لها بالأتان. شهربه: كبيرة طاعنة في السن. من اللحم: بدل اللحم، فـ "من" بمعنى البدل.
المعنى: يصف الراجز هذه المرأة بأنها عجوز كبيرة، لا تستطيع أكل اللحم وهضمه، فترضى بدله بلحم الرقبة، لسهولة مضغه، فالمضاف هنا محذوف.
الإعراب: أُمّ: مبتدأ. الحليس: مضاف إليه، لَعجوز: اللام للابتداء، تفيد التوكيد، عجوز: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: لهي عجوز: والجملة الاسمية من "المبتدأ المحذوف وخبره": في محل رفع خبر المبتدأ "أم الحليس". شهربه: صفة لـ "عجوز". وجملة "ترضى": في محل رفع صفة ثانية، وبعضهم يعرب "لعجوز": خبر المبتدأ، وفي هذه الحالة، ذهب النحاة إلى أن "اللام" المقترنة بـ "لعجوز" ليست لام الابتداء، ولكنها "زائدة" في خبر المبتدأ"، والأرجح ما ذهبنا إليه في الوجه الأول.
موطن الشاهد: "لعجوز".
وجه الاستشهاد: استشهد المؤلف بهذا البيت، لدلالة ظاهره على تأخير الخبر المقترن بـ "لام الابتداء" غير أن ما ذهبنا إليه في الإعراب، من اعتبار "عجوز" خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره لهي عجوز، وانتقلت اللام إلى الخبر، بعد حذف المبتدأ، يجعل البيت يخلو من الشاهد.
١ هناك مسائل أخرى، يجب تقديم الخبر على المبتدأ فيها، وهي: =стр. 212
إحداها: أن يوقع تأخيره في لبس ظاهر: نحو "في الدار رجل" و"عندك مال" و"قصدك غلامه رجل" و"عندي أنك فاضل"، فإن تأخير الخبر في هذا المثال يوقع في إلباس "أن" المفتوحة بالمكسورة، و"أن" المؤكدة بالتي بمعنى لعل، ولهذا يجوز تأخيره بعد "أما"، كقوله١: [البسيط]
٧٤-....... وأمَّا أنني جزع ... يوم النوى؛ فلوجدٍ كاد يبريني٢
الحواشي
(١) = أ- أن يقترن المبتدأ بفاء الجزاء، بعد "أما"، نحو: أما في الصف فخالد، وأما في المسجد فسعيد.
ب- أن يقع الخبر اسم إشارة إلى المكان، نحو: هنا زاهر، وهناك محمد، وثمة خليل.
ج- في نحو قولهم: "في كل وادٍ أثر من ثعلبة"؛ وذلك لأن الأمثال لا تغير.
د- أن تقترن بالخبر لام الابتداء خلاف الأصل فيها؛ لأن الأصل فيها اتصالها بالمبتدأ، نحو: "لقائم زيدا"، ففي هذه الحالة، لا يجوز تأخير الخبر المقترن بها، ولهذا عددنا اللام الداخلة على الخبر في قول الشعر: "أمّ الحليس لعجوز" زائدة، وأنها ليست لام الابتداء، وإن عددنها "لام الابتداء"، كما ذهبنا إليه في الإعراب، فإن "عجوز" ليست خبر "أم الحليس" بل خبر مبتدأ محذوف، والتقدير، لهي أم الحليس، وقلنا: إنْ عددنا "عجوز" خبرا عما قبلها، واعتبرنا "اللام" للابتداء، فذاك شاذٌّ، والشاذُّ يُحفظ، ولا يقاس عليه.
هـ- أن يكون الخبر "مذ، أو منذ" في نحو قولك: ما لقيته "مذ يومان أو منذ يومان" وذلك على وفق ما ذهب إليه الزجاج من أنهما خبران مقدمان وجوبا، والجمهور اعتبروا أن "مذ ومند" مبتدأين واجبي التقديم.
وكثيرا من العلماء، يرون أن مذ ومنذ" حرفان بمعنى "من" ولكنهما يجران الأزمنة، ويكونان اسمين، إذا ارتفع ما بعدهما، وهنا الخلاف، فذهب الجمهور إلى أنهما مبتدآن واجبا التقديم ورأى الزجاج أنهما خبران وما بعدهما مبتدآن واجبا التأخير، والصواب: ما ذهب إليه الجمهور، ويستحسن العودة إلى كتاب النحو الوافي، ففيه المزيد من المسائل والإيضاحات. النحو الوافي، عباس حسن: ١/ ١٠٥- ٥٠٦.
١ لم ينسب إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هكذا:
عندي اصطبار، وأما أنني جزع ... يوم النوى فلوجدٍ كاد يبريني.
وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٥، والأشموني: "١٥٧/ ١/ ١٠١"، وهمع الهوامع: =стр. 213
لأن "إن المسكورة و"أن" التي بمعنى لعل لا يدخلان هنا، وتأخيره في الأمثلة الأُوَل يوقع في إلباس الخبر بالصفة، وإنما لم يجب تقديم الخبر في نحو: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ﴾ ١؛ لأن النكرة قد وصفت بمسمى، فكان الظاهر في الظرف أنه خبر لا صفة.
الحواشي
(١) = ١/ ١٠٣ والدرر اللوامع: ١/ ٧٧، والعيني: ١/ ٥٣٦، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ٢٥٩.
المفردات الغريبة: اصطبار: تصبُّر وتجلُّد. جزِع: شديد الخوف فاقد الصبر، وهو صفة مشبهة من جزع يجزع من باب علم. النوى: البعد والفرق. الوجد: شدة الحب. يبريني: ينحلني، من بَرَيت القلم إذا نحته.
المعنى: يقول الشاعر: إن في طبعي التجلد والتحمل لكل ما ينزل بي من مكروه، وأما جزعي يوم فراق الأحباب، فلشدة شوق كاد ينحلني ويقضي علي.
الإعراب: "عندي": متعلق بخبر مقدم محذوف، ومضاف إليه. اصطبار: مبتدأ مؤخرا. وأما: حرف شرط وتفصيل. أنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، والياء: اسمه، جزع: خبر "أن" والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل رفع مبتدأ. "يوم": متعلق بـ "جزع". النوى: مضاف إليه. فلوجد: الفاء واقعة في جواب "أما" "لوجد": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، المؤول من "أن وما دخلت عليه" كاد: فعل ماضٍ، من أفعال المقاربة، يعمل عمل "كان" الناقصة، واسمه: هو: يعود على "وجد"، يبريني: فعل مضارع، والفاعل: هو، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، وجملة "يبريني" في محل نصب خبر "كاد"، وجملة "كاد واسمها وخبرها": في محل جر صفة لـ "وجْد".
موطن الشاهد: "أما أنني جزع؛ فلوجد".
وجه الاستشهاد: وقوع المصدر المؤول من "أن وما بعدها" مبتدأ متقدما على خبره الواقع جار ومجرورا "لوجد"، والذي جوز تقدم المبتدأ، وهو مصدر مؤول، أمن اللبس بين "أن المفتوحة الهمزة، وإن المكسورة الهمزة لفظا، ولأمن اللبس بين "أن المفتوحة" الهمزة المؤكدة والتي بمعنى "لعل" معنى.
فائدة: لا يقع بعد "أما" التي للشرط والتفصيل "إن" المكسورة، ولا "أن" المفتوحة، التي بمعنى "لعل"، وإنما يقع بعدها "أن" المؤكدة المفتوحة الهمزة وحسب؛ لأنها تؤول مع ما تدخل عليها بمفرد، ولا يفصل بين "أما" وبين الفاء الواقعة في جوابها إلا بمفرد. وانظر في هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ١٧٤-١٧٥.
١ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١.
موطن الشاهد: ﴿أَجَلٌ مُسَمَّىً عِنْدَهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع المبتدأ متقدما، وهو نكرة؛ لأنه وصف "مسمى" فضعف طلب النكرة للظرف، وكان الظاهر في "عنده" أنه خبر لـ "أجل" لا صفة ثانية.стр. 214
الثانية: أن يقترن المبتدأ بإلا لفظا، نحو: ما لنا إلا اتباع أحمدا١ أو معنى، نحو: "إنما عندك زيد".
الثالثة: أن يكون لازم الصدرية، نحو: "أين زيد"؟ أو مضافا إلى ملازمها، نحو: "صبيحة أي يوم سفرك".
الرابعة: أن يعود ضمير متصل بالمبتدأ على بعض الخبر، كقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٢، وقول الشاعر٣: [الطويل]
٧٥-....... ولكِنْ مِلءُ عينٍ حبيبُها٥
الحواشي
(١) ١ هذا مثال من ألفية ابن مالك وتمامه:
وخبر المحصور قدم أبدا ... كما لنا إلا اتباع أحمدا
٢ "٤٧" سورة محمد، الآية: ٢٤.
موطن الشاهد: ﴿عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الخبر "على قلوب" متقدما على المبتدأ "أقفال" المتأخر، وحكم تقدم الخبر هنا الوجوب، لئلا يعود الضمير "ها" المتصل بالمبتدأ على "على قلوب" المتأخرة في الرتبة؛ لأنها بعض متعلق الخبر؛ لأن الخبر المتقدم هو الاستقرار، والجار والمجرور متعلق به، ومتعلق الخبر، رتبته التأخير، فيعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة.
٣ هو نصيب بن رباح الأكبر، أبو محجن، قيل هو من قضاعة، وكان مولى لعبد العزيز بن مروان، وهو شاعر فحل، فصيح، مقدم في النسيب، والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء، وكان عفيفا، لم يشبب، أو ينسب بامرأة قط إلا امرأته.
تجريد الأغاني: ١/ ١٠٨، الشعر والشعراء: ١/ ٤١٠، الجمحي: ١/ ١٢٥.
٤ تخريج الشاهد: والبيت بتمامه:
أهابك إجلالا، وما بك قدرة ... عليَّ، ولكن ملء عين حبيبها
وقد نسبه ابن نباتة المصري في كتابه "سرح العيون" إلى مجنون ليلى في أبيات، أولها قوله:
دعا المحرمون الله يستغفرونه ... بمكة يوما أن تُمَحَّى ذنوبُهَا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٧٦، وابن عقيل: "٥٤/ ١/ ٢٤١"، والأشموني =стр. 215
[الحالة الثالثة: جواز التقديم والتأخير] :
الحالة الثالثة: جواز التقديم والتأخير، وذلك فيما فقد فيه موجبهما، كقولك: "زيد قائم" فيترجح تأخيره على الأصل، ويجوز تقديمه لعدم المانع.
[حالات حذف المبتدأ والخبر] :
وما علم من مبتدأ أو خبر جاز حذفه، وقد يجب١.
الحواشي
(١) = "١٥٦/ ١/ ١٠١" والعيني: ١/ ٥٣٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٣٦٣، وديوان نصيب: ٦٨.
المفردات الغريبة: أهابك: من الهيبة، وهي المخافة، إجلالا: إعظاما لقدرك.
المعنى: إني لأهابك وأخافك، إعظاما لقدرك، لا خوفا من بطشك، فليس لك سلطان عليَّ، ولكن العين تمتلئ بمن تحبه، فتحصل المهابة والخوف في قلب صاحبها من ذلك المرئي.
الإعراب: أهابك: فعل مضارع، وفاعل، ومفعول به. إجلالا: مفعول لأجله، وما: الواو حالية، ما: نافية. "بك" خبر مقدم. قدرة: مبتدأ مؤخر. ولكن: حرف استدراك. ملء: خبر مقدم: عين مضاف إليه. حبيبها: مبتدأ مؤخر، و"ها" مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ملء عين حبيبها".
وجه الاستشهاد: تقدم الخبر "ملء عين" على المبتدأ، وهو "حبيبها"، لاتصال المبتدأ بضمير يعود على ملابس الخبر، وهو المضاف إليه، فلو قدم المبتدأ، لزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لأن رتبة الخبر التأخير، وذلك غير جائز. وإلى هذا، أشار الناظم بقوله:
كذا إذا عاد عليه مضمرُ ... مما به عنه مبينا يخبرُ
أي: كذلك يجب تقديم الخبر، إذا عاد عليه ضمير من المبتدأ الذي يخبر عنه بخبر يبين ويفسر الضمير العائد إليه، وفي عبارة الناظم مضاف محذوف، أي: عاد على ملابسه.
ويرى ابن جني في المثال السابق رأيا لا غبار عليه، وهو أن "ملء عين": مبتدأ و"حبيبها": خبره، وليس في البيت تقديم ولا تأخير؛ لأن كلا منهما صالح للابتداء به، والأصل: عدم التقديم والتأخير، فيجعل أولهما مبتدأ، والثاني خبرا.
١ وقد يمتنع حذف المبتدأ أو الخبر، وذلك فيما إذا وقعت الجملة خبرا عن ضمير لشأن، فإنه يجب ذكر الجزأين.
وكثر حذف المبتدأ في ثلاثة مواضع:
الأول: في جواب الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ وقوله جلت عظمته: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِك﴾ ، أي هي النار: نار حامية، وهي النار.
الثاني: بعد فاء الجواب، نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: فعمله لنفسه، وإساءته عليها.
الثالث: بعد القول، نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين﴾ . حاشية يس على التصريح: ١/ ١٧٦.стр. 216
[حذف المبتدأ جوازا] :
فأما حذف المبتدأ جوازا فنحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ١، ويقال: كيف زيد؟ فتقول: دنف، التقدير: فعمله لنفسه، وإساءته عليه، وهو دنف.
[حذف المبتدأ وجوبا] :
وأما حذفه وجوبا فإذا أخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح، نحو: "الحمد لله الحميد" أو ذم نحو: "أعوذ بالله من إبليس عدو المؤمنين" أو ترحم نحو: "مررت بعبدك المسكين" أو بمصدر جيء به بدلا من اللفظ بفعله، نحو: "سمع وطاعة" وقوله٢: [الطويل]
٧٦- فقالت: حنان، ما أتى بك ههنا؟ ٣
الحواشي
(١) ١ "٤١" سورة فصلت، الآية: ٤٦، ٤٥ سورة الجاثية، الآية: ١٥.
موطن الشاهد: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ ، ﴿فَعَلَيْهَا﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف المبتدأ جوازا في الموضعين؛ لأن التقدير: فعمله لنفسه، وإساءته عليها، وحكم حذف المبتدأ في هذه الحالة الجواز للعلم به، وطريقة العلم به أن "عمله وإساءته" مصدران مأخوذان من فعلهما السابق، ودخول الفاء على ما لا يصلح أن يكون مبتدأ قرينة دالة على حذفه.
شرح التصريح: ١/ ١٧٦.
٢ هو منذر بن درهم الكلبي، ولم أعثر له على ترجمة وافية.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
أذو نسب أم أنت بالحي عارف؟
=стр. 217
التقدير: أمري حنان وأمري سمع وطاعة.
الحواشي
(١) = لم ينسب النحاة هذا الشاهد إلى أحد، وفي مادة "روضة المثري" من كتاب معجم البلدان، لياقوت قطعة نسبها إلى منذر بن درهم الكلبي، وأسند روايتها إلى أبي الندي، وفيها هذا البيت، وقبله قوله:
وأحدث عهدي من أميمة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف
تقول: حنان، ما أتى بك ههنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
فقلت: أنا ذو حاجة ومسلم ... فضم علينا المأزق المتضايف
والبيت الشاهد، من شواهد: التصريح: ١/ ١٧٧، والأشموني: "١٦٢/ ١/ ١٠٦، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٦١، ١٧٥، والمقتضب: ٣/ ٢٢٥، وخزانة الأدب: ١/ ٧٧، والعيني: ١/ ٣٥٩، وهمع الهوامع: ١/ ١٨٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٦٣. وأمالي الزجاجي ١٣١، وفيه برواية: "أذو زوجة أم ... ".
المفردات الغريبة: حنان: عطف ورحمة وشفقة. نسب: قرابة.
المعنى: أي شيء حملك هذه المشاق، وأتى بك إلى هنا؟ فإني أشفق عليك، وأخاف أن يراك قومي فيؤذوك. ثم أوحت إليه بحجة يحتج بها إذا رآه أحد، فقالت: ألك قرابة هنا؟ أم بينك وبين أحد في الحي معرفة وصحبة؟
الإعراب: فقالت: الفاء عاطفة، قالت: فعل ماضٍ، والفاعل: هي، والتاء: للتأنيث. حنان: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أمري حنان. ما: اسم استفهام، مبتدأ. أتى: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. "بك" متعلق بـ "أتى". ههنا: "ها": للتنبيه، "هنا": ظرف مكان متعلق بـ "أتى" وجملة "أتى وفاعله": في محل رفع خبر "ما" أذو: الهمزة حرف استفهام، ذو: خبر مبتدأ محذوف، يدل عليه السياق، والتقدير: أأنت ذو نسب؛ نسب: مضاف إليه أم: عاطفة أنت: مبتدأ. "بالحي" متعلق بـ "عارف" الآتي. عارف: خبر "أنت" مرفوع، والجملة الاسمية "أنت عارف": معطوفة على الجملة الاسمية السابقة.
موطن الشاهد: حنان".
وجه الاستشهاد: مجيء "حنان" خبرا لمبتدأ محذوف، وحكم حذف المبتدأ هنا الوجوب، وأصل المصدر "حنان" أن يقع منصوبا بفعل محذوف وجوبا؛ لكونه من المصادر التي جيء بها بدلا من اللفظ بأفعالها، ولكنهم ربما قصدوا للدلالة على الثبوت والدوام، فرفعوا هذه المصادر أحيانا، وجعلوها أخبارا عن مبتدآت محذوفة وجوبا، وإنما جعلوا المبتدآت محذوفة وجوبا؛ حملا لحالة الرفع على حالة النصب أي: كما أنها في حالة النصب منصوبة بعامل محذوف وجوبا، كذلك تكون في حالة الرفع مرفوعة بعامل محذوف وجوبا. انظر شرح التصريح: ١/ ١٧٧.
فائدة: وجوب حذف المبتدأ في المثال السابق مشروط بقصد قيام المصدر مقام فعله، بقصد الدلالة على الثبوت والدوام، وإن لم يقصد ذلك، نحو: صبر جميل، وعيد سعيد، ونحوهما، جاز أن يكون المحذوف هو المبتدأ، أي: صبري صبر جميل، أو الخبر، أي: صبر جميل خير من غيره. انظر ضياء السالك: ١/ ١٩٩.стр. 218
أو بمخصوص بمعنى نعم أو بئس مؤخر عنها، نحو: "نعم الرجل زيد" و"بئس الرجل عمرو" إذا قدِّرا خبرين، فإن كان مقدما نحو: "زيد نعم الرجل" فمبتدأ لا غير، ومن ذلك قولهم١ "من أنت زيد؟ " أي: مذكورك زيد، وهذا أولى من تقدير سيبويه: كلامك زيد.
وقولهم: "في ذمتي لأفعلن" أي: في ذمتي ميثاق أو عهد٢.
الحواشي
(١) ١ هذا أسلوب مسموع عن العرب، يقال، حين يتحدث شخص حقير بالسوء عن شخص عظيم، وقد ورد بغير مبتدأ، فوجب أن يحافظ عليه كما هو بغير زيادة؛ لأنه بمنزلة المثل، ويقدر له مبتدأ مناسب، نحو: مذمومك، أو مذكورك زيد، والأوَّل أفضل.
٢ هناك مواطن أخرى يحذف فيها المبتدأ وجوبا، منها:
أ- بعد "لا سيما" إذا رفع الاسم الواقع بعده، نحو: "لا سيما زيد"، فالتقدير: لا سي الذي هو زيد، ففيه حذف المبتدأ وجوبا؛ لأنه لم يجر الاستعمال بذكره، وفيه حذف صدر صلة الموصول التي لم تطل مع كون الموصول غير "أي". انظر شرح التصريح:
١/ ١٧٧.
فائدة: الاسم الواقع بعد "لا سيما" إما أن يكون معرفة، وإما أن يكون نكرة. فإن كان الاسم بعدها نكرة، جاز فيه ثلاثة أوجه، الجر، والرفع، والنصب. فالجر يأتي على أحد وجهين، أولهما: أن "لا" نافية للجنس، و"سي" اسمها منصوب و"ما" زائدة، ويوم: مضاف إليه، وخبر "لا" محذوف، والتقدير: ولا مثل يوم بدارة جلجل موجود. ثانيها: أن تكون "سي" مضافا، و"ما" نكرة غيرة موصوفة مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر بالإضافة، ويوم: بدل من "ما".
والرفع: على أحد وجهين، أحدهما: أن تكون "لا" نافية للجنس، و"سي": اسمها، و"ما" نكرة موصوفة، في محل جر بإضافة "سي" إليها، ويوم: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو يوم، والجملة من "المبتدأ والخبر": لا محل لها؛ لأنها صلة الموصول، وخبر "لا" محذوف، وهذا الوجه، هو المراد بالتمثيل على حذف المبتدأ بعد "لا سيما".стр. 219
[حذف الخبر جوازا] :
وأما حذف الخبر جوازًا فنحو: "خرجت؛ فإذا الأسد" أي: حاضر، ونحو: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ ١، أي: كذلك، ويقال: من عندك؟ فتقول: زيد، أي: عندي.
[حذف الخبر وجوبا في مسائل أربع] :
وأما حذفه وجوبا ففي مسائل:
إحداها: أن يكون كونا مطلقا٢ والمبتدأ بعد لولا"٣، نحو: "لولا زيد لأكرمتك" أي: لولا زيد موجود، فلو كان كونا مقيدا، وجب ذكره إن فقد دليله، كقولك "لولا زيد سالَمَنَا ما سلِمَ" وفي الحديث: "لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" ٤، وجاز الوجهان إن وجد الدليل، نحو: "لولا أنصار
الحواشي
(١) = وأما النصب، فعلى أحد وجهين، أحدهما: أن "ما" نكرة غير موصوفة، في محل جر بإضافة "سي" إليها، و"يوما": مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ولا مثل لشيء أعني يوما بدارة جلجل. وثانيهما: أن تكون ما نكرة غير موصوفة أيضا، في محل جر بالإضافة. و"يوما" تمييز منصوب. وأما إذا كان الاسم الواقع بعد لا سيما معرفة، فيجوز فيه الجر والرفع بإجماع، واختلفوا في جواز النصب، فمن عده بإضمار فعل، أجازه، كما أجازه في النكرة، ومن جعل النصب على التمييز، قال: إن التمييز لا يكون إلا نكرة منع النصب في المعرفة، ومن جوز أن يكون التمييز معرفة -على مذهب جماعة من الكوفيين- جوز نصب المعرفة بعد "لا سيما".
راجع النحو الوافي: ١/ ٥١٣-٥١٨.
١ "١٣" سورة الرعد، الآية: ٣٥.
موطن الشاهد: ﴿وَظِلُّهُا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ظلها" مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: أكلها دائم: وظلها كذلك؛ أي دائم، وحكم حذف الخبر في هذه الحالة الجواز، لدلالة ما قبله عليه.
١ أي: عاما يدل على مجرد الوجود، من غير زيادة ما.
٢ المقصود بـ "لولا" الامتناعية، التي هي حرف امتناع لوجود، ومثلها: "لوما" التي تفيد الامتناع أيضا، وأما "لولا" التخضيضية، فلا يليها المبتدأ.
٣ هذا حديث شريف يخاطب به النبي ﷺ السيدة عائشة- ﵂ والحديث، رواه البخاري في كتاب العلم: "لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة"، وله في كتاب الحج، وكتاب التمنى روايات أخرى. البخاري: ٦/ ٤٠٧، و٨/ ١٧٠، ومسلم: ٢/ ٢٦٩، والترمذي: ٣/ ٦١٤،والنسائي: ٥/ ٢١٤.
موطن الشاهد: "قومك حديثو".
وجه الاستشهاد: مجيء: "قومك" مبتدأ بعد "لولا" ومجيء الخبر..... كونا مقيدا بالحداثة، وحكم ذكر الخبر في هذه الحالة الوجوب.стр. 220
زيدة حموه ما سلم"، ومنه قول أبي العلاء المعري١: [الوافر]
٧٧- فلولا الغمد يمسكه لسالا٢
الحواشي
(١) ١ هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، ولد سنة ٣٦٣هـ، نادرة الزمان، وأوحد الدهر حفظا وذكاء وصفاء نفس، وهو شاعر من شعراء العصر الثاني، من عصور الدولة العباسية، ولغوي، له تصانيف منها: رسالة الملائكة، ورسالة الغفران، وسقط الزند، ولزوم ما لا يلزم، وغيرها مات وله ٨٦ سنة، وذلك سنة ٤٤٩هـ.
سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٣، إنباه الرواة: ١/ ٤٦، الوافي بالوفيات: ٧/ ٤٩، البداية والنهاية: ١٢/ ٧٢.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
يذيب الرعب منه كل عضب
وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٩، والمقرب لابن عصفور: ١٣، وشروح سقط الزند: ١٠٤ ومغني اللبيب "٤٩٣/ ٣٦٠"، "٩٤٢/ ٧٠٢"، والأشموني: "١٥٨/ ١/ ١٠٢" وابن عقيل: "٥٧/ ١/ ٢٥١" وشذور الذهب: "١٢/ ٥٩".
المفردات الغريبة: يذيب: من الإذابة، وهي إسالة الحديد، ونحوه من الجامدات. الرعب: الفزع والخوف، عضب: هو السيف القاطع. الغمد: قراب السيف وجفنه.
المعنى: يقول المعري: إن كل سيف قاطع يذوب في غمده فزعا وخوفا من هذا السيف، ولولا أن الغمد يمسكه ويمنعه من السيلان، لسال وجرى على الأرض من شدة الخوف.
الإعراب: يذيب: فعل مضارع. الرعب: فاعل مرفوع. كل: معفول به. عضب: مضاف إليه. لولا: حرف امتناع لوجود. الغمد: مبتدأ مرفوع. يمسكه "فعل مضارع، والفعل: هو، والهاء: مفعول به و"الجملة": في محل رفع خبر المبتدأ لسالا: اللام واقعة في جواب "لولا". سال: فعل ماضٍ، والألف: للإطلاق، والفاعل: هو: موطن التمثيل: "لولا الغمد يمسكه"
وجه التمثيل: ذكر الخبر "يمسكه" بعد "لولا" لأنه كون خاص مقيد بالإمساك، وقد دل عليه دليل؛ لأن من شأن غمد السيف إمساكه، والمؤلف يرى: أن خبر المبتدأ =стр. 221
وقال الجمهور: لا يذكر الخبر بعد "لولا"، وأوجبوا جعل الكون الخاص مبتدأ، فيقال: لولا مسالمة زيد إيانا، أي: موجودة، ولحنوا المعري، وقالوا: الحديث مروي بالمعنى١.
الثانية: أن يكون المبتدأ صريحا في القسم٢، نحو: "لعمرك لأفعلن" و"ايمن
الحواشي
(١) = الواقع بعد "لولا" يجوز ذكره، كما يجوز حذفه، إذا كان كونا خاصا، وقد دل عليه دليل.
ويرى الجمهور: أن الحذف واجب، وأن خبر المبتدأ الواقع بعد "لولا" لا يكون إلا كونا عاما، وحينئذ، لا يقال: إما أن يدل عليه دليل أو لا، وهم يعدون بيت المعري لحنا، لذكره الخبر بعد لولا فيه.
وخلاصة القول: يذهب الجمهور إلى أن الخبر بعد لولا لا يكون كونا خاصا، بل يجب كونه كونا عاما، ويجب مع ذلك حذفه، فإن جاء الخبر كونا خاصا في كلام ما؛ فهو لحن أو مؤول.
ويرى غيرهم: يجوز أن يكون الخبر بعد لولا كونا خاصا، ولكن الأكثر أن يكون كونا عاما، فإن كان عاما وجب حذفه، كما يقول الجمهور، وإن كان كونا خاصا، فإن لم يدل عليه دليل، وجب ذكره، وإن دل عليه دليل، جاز ذكره وحذفه.
ومن أمثلة مجيء الخبر كونا خاصا مذكورا بعد "لولا" قول الشاعر:
لولا زهير جفاني كنت منتصرا ... ولم أكن جانحا للسلم إن جنحوا
وقول الآخر:
لولا ابن أوس نأى ما ضِيم صاحبه ... يوما، ولا نابه وهنٌ ولا حَذَرُ
وانظر شرح التصريح: ١/ ١٧٩.
١ ذكر ابن أبي الربيع في رواية الحديث على الوجه الذي يذكره النحاة في هذه المسألة: "لم أر هذه الرواية بهذا اللفظ من طريق صحيح، والروايات المشهورة في ذلك: "لولا حدثان قومك"، و: "لولا حداثة قومك"، "لولا أن قومك حديثة عهد بجاهلية". ا. هـ.
وكل هذه الروايات يجري على مذهب الجمهور، فقد جعل الكون الخاص مبتدأ وحذف خبره، وهو كون عام، أي لولا حدثان بكفر موجود.
التصريح: ١/ ١٧٩.
٢ بمعنى أنه لا يستعمل إلا في القسم ويفهم منه القسم قبل ذكر المقسم عليه، وبالمقابل ما يكثر استعماله في غير القسم حتى لا يفهم منه القسم إلا بعد ذكر المقسم عليه، نحو: "عهد الله" قد كثر استعماله في غير القسم كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُم﴾ ثم إنه يفهم منه القسم إذا قلت: "وعهد الله لأفعلن كذا"؛ لأنك في هذا المثال قد ذكرت المقسم عليه.
التصريح: ١/ ١٧٩، ١٨٠.стр. 222
الله لأفعلن" أي: لعمرك قسمي، وايمن الله يميني، فإن قلت: "عهد الله لأفعلن" جاز إثبات الخبر؛ لعدم الصراحة في القسم، وزعم ابن عصفور أنه يجوز في نحو: "لعمرك لأفعلن" أن يقدر لقسمي عمرك، فيكون من حذف المبتدأ١.
الثالثة: أن يكون المبتدأ معطوفا عليه اسم بواو هي نص في المعية، نحو: "كل رجل وضيعته" و"كل صانع وما صنع" ولو قلت: "زيد وعمرو" وأردت الإخبار باقترانهما جاز حذفه وذكره، قال٢: [الطويل]
٧٨- وكل امرئ والموت يلتقيانِ٣
الحواشي
(١) ١ قول ابن عصفور ضعيف؛ لأن صراحة القسم تحتم أن يكون المحذوف الخبر، وهو "قسمي" ويرجح ذلك، وجود لام الابتداء في أول الاسم، فوجودها يدل على أن مدخولها هو المبتدأ لا الخبر. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٠، وابن عقيل: ١/ ١٩٨.
٢ القائل هو: الفرزدق، همام بن غالب وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى
ويروى قبله:
لشتان ما أنوى وينوي بنو أبي ... جميعا، فما هذان مستويانِ
والشاهد من شواهد التصريح: ١/ ١٨٠، والأشموني: "٥٩/ ١/ ١٠٣"، والعيني: ١/ ٥٤٣، وليس في ديوان الفرزدق.
المفردات الغريبة: يشعب: يفرق، ويسمى الموت: شعوب؛ لأنه يفرق بين الناس.
المعنى: تمنى خصومي لي الموت الذي يفرق بين المرء وإخوانه، وما دروا أن هذا أمرا لا مفر منه، وأن كل إنسان مصيره إلى الموت.
الإعراب: تمنوا: فعل ماضٍ، والواو: فاعل. "لي": "تمنوا". الموت: مفعول به. الذي: اسم موصول له في محل نصب صفة لـ "الموت". يشعب: فعل مضارع، والفاعل: هو. الفتى: مفعول به و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها. وكل: الواو استئنافية. كل: مبتدأ. امرئ: مضاف إليه. والموت: الواو عاطفة، الموت: اسم معطوف على المبتدأ. يلتقيان: فعل مضارع، والألف: فاعل، و"الجملة: في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه.стр. 223
وزعم الكوفيون والأخفش١ أن نحو: "كل رجل وضيعته"٢ مستغنٍ عن تقدير الخبر؛ لأن معناه مع ضيعته.
الرابعة: أن يكون المبتدأ إمَّا مصدرا عاملا في اسم مفسر لضمير ذي حال لا يصح كونها خبرًا عن المبتدأ المذكور، نحو: "ضربي زيدًا قائمًا"٣ أو مضافا.
الحواشي
(١) موطن الشاهد: "كل امرئ والموت يلتقيان".
وجه الاستشهاد: ذكر الخبر "يلتقيان" بعد الواو؛ لكونها للعطف، وليست نصا في المصاحبة والمعية؛ لأننا لو قلنا: كل امرئ مع الموت، لكان كلامنا غير صحيح، ولو كانت الواو نصا في معنى المصاحبة والاقتران، لكان حذف الخبر واجبا، كما في قولنا: كل ثوب وقيمته، وكل امرئ ونيته.
وانظر شرح التصريح: ١/ ١٨٠، وابن عقيل: ١/ ١٩٨.
فائدة: الواو التي هي نص في معنى المصاحبة والاقتران، يكون ما بعدها مما لا يفارق ما قبلها، ففي قولك: كل امرئ ونيته،، فالنية لا تفارق صاحبها، فهي ملازمة له.
وهذا بخلاف قولك: "كل امرئ والموت يلتقيان"؛ لأن الموت ليس ملازما للمرء، وإنما يلقاه مرة واحدة، والواو التي هي نص في معنى المصاحبة والاقتران، هي التي متى ذكرت فهم المخاطب معنى الاقتران من غير حاجة إلى النص على الاقتران، وذلك يكون ما قبل الواو وما بعدها لا ينفك أحدهما في الوجود عن صاحبه.
١ مرت ترجمته.
٢ المراد بالمعية هنا مشاركة ما بعد الواو لما قبلها، بحيث يجتمعان فيه، ولا يفترقان وعلامة الواو التي تفيد الأمرين معا: العطف والمعية، وتكون نصا في المعية، إن صح حذفها، ووضعت كلمة "مع" مكانها، ولا يتغير المعنى، بل يتضح، وهي غير التي ينصب بعدها الاسم على أنه مفعول معه.
الأشموني مع الصبان: ١/ ٢١٧.
٣ فـ "ضربي": مبتدأ أو مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، زيدا: مفعول به للمصدر. قائما: حال من ضمير محذوف، يفسره زيد، والخبر: محذوف وجوبا، ولا يصح أن تكون الحال المذكورة خبرا عن "ضربي" لأن الخبر وصف للمبتدأ في المعنى، والضرب لا يوصف بالقيام.
ويرى سيبويه وجمهور البصريين، وابن مالك، وابن هشام، أن الخبر محذوف، وأن الحال سدت مسد الخبر وأغنت عنه، وذهب قوم إلى أن الحال، هي الخبر نفسه، فأعطوا الحال حكم الظرف كاملا لما رأوا من أوجه الشبه بينهما، وفاتهم أن من شرط المسألة ألا يكون الحال صالحا؛ لأن يقع خبرا عن المبتدأ، وذهب آخرون إلى أن هذا الحال، أغنت عن الخبر، فلا تقدير، كما يغني الفاعل، أو نائب الفاعل عن خبر المبتدأ، إذا كان وصفا، وهذا وما قبله مذهبان ضعيفان، والصواب ما ذهب إليه سيبويه والجمهور.
انظر شرح التصريح: ١٨٠-١٨١، والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢١٧- وابن عقيل "تحقيق البقاعي": ١/ ١٩٨.стр. 224
للمصدر المذكور، نحو: "أكثر شربي السويق ملتويا" أو إلى مؤول بالمصدر المذكور، نحو "أخطب ما يكون الأمير قائما".
وخبر ذلك مقدر بإذ كان، أو إذا كان، عند البصريين، وبمصدر مضاف إلى صاحب الحال عند الأخفش، واختاره الناظم، فيقدر في "ضربي زيدا قائما" ضربه قائما، ولا يجوز ضربي زيدا شديدا؛ لصلاحية الحال للخبرية، فالرفع واجب، وشذ قولهم: "حكمك مسمطا"١، أي: حكمك لك مثبتا"٢.
الحواشي
(١) ١ هذا مثل من أمثال العرب، قيل لرجل حكموه عليهم، وأجازوا حكمه. وهو من أمثال الميداني "ط. الخيرية": ١/ ١٤٣، و"تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد: ١/ ٢١٢، وفي رواية الميداني: حكمك مسمط "بالرفع"، وهذه الرواية لا شذوذ فيها؛ لأنها جارية على القياس. ورواه أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال "١/ ٢٥١" بهامش مجتمع الأمثال للميداني. وفي هذه الرواية: جاء "حكمك" بالنصب بفعل محذوف، ونصب "مسمطا" على الحال، ولا شاهد فيها.
موطن الشاهد: "حكمك مسمطا".
وجه الاستشهاد: مجيء "حكمك" مبتدأ ومضافا إليه، والخبر محذوفا وجوبا، أي: لك مسمطا، أي نافذا، لا يرد، وكان القياس رفعه لصلاحيته للخبرية، ولكن نصب على الحالية والخبر محذوف كما أسلفنا وحكم نصبه على الحال الشذوذ.
فائدة: لعل رواية المثل برفع "حكمك ونصب مسمطا"، وهي الرواية الثالثة للمثل، وهي من تركيب النحاة.
٢ أي: نافذا، وشذوذه من وجهين: أحدهما: النصب مع صلاحية الحال للخبرية، والثاني: أن الحال ليست من ضمير المصدر، وإنما صاحب الحال ضمير المصدر المستتر في الخبر، ولا يصح أن يكون الحال من الكاف المضاف إليها في حكمك؛ لأن الذوات لا توصف بالنفوذ، وأشذ منه قراءة عليّ كرم الله وجهه: "ونَحْنُ عُصْبَةً" بالنصب مع انتفاء المصدرية بالكلية، فعصبة: حال من ضمير الخبر، والتقدير: ونحن نجتمع عصبة.стр. 225
[تعدد الخبر للمبتدأ الواحد] :
والأصح١ جواز تعدد الخبر، نحو: "زيد شاعر كاتب، والمانع يدَّعي تقدير "هو" للثني، أو أنه جامع للصفتين، لا الإخبار بكل منهما.
وليس من تعدد الخبر ما ذكره ابن الناظم من قوله٢: [المتقارب]
الحواشي
(١) التصريح: ١/ ١٨١- ١٨٢. وحاشية الصبان: ١/ ٢٢٠.
١ وذلك؛ لأن الخبر حكم على المبتدأ، وقد يحكم على الشيء الواحد بأكثر من حكم، وأما حكم التعدد، فهو:
أ- إذا كان المبتدأ واحدا، وتعدد الخبر لفظا ومعنى، بأن كان كل واحد مخالفا للآخر، في لفظه ومعناه، ويصح الاقتصار، عليه في الخبرية، جاز عطف الثاني، وما بعده على الأول بواو العطف أو بغيرها، نحو: المعري شاعر وحكيم ولغوي، ويسمى كل واحد معطوفا، وإن كان خبرا في المعنى، كما يجوز حذف الواو، ويسمى كل واحد خبرا.
ب- إذا تعدد الخبر في اللفظ فقط، بأن كانت الألفاظ المتعددة مشتركة في تأدية المعنى الواحد المقصود والمراد، ولا يصح الإخبار بالبعض عن المبتدأ، نحو: هذا الرجل طويل قصير، تريد أنه متوسط، فلا يجوز العطف في هذه الحالة؛ لأن الخبرين في معنى خبر واحد من جهة المعنى، والعطف يقتضي المغايرة في الغالب؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، ويعرب كل منهما خبرا، ولا يصح أن يفصل بينهما بأجنبي، ولا أن يتأخر المبتدأ، أو يتوسط.
وإذا كان المبتدأ متعددا حقيقة، بأنه كان مثنى أو مجموعا، وتعدد الخبر لفظا ومعنى، نحو: المحمدان: مهندس وطبيب، وجب عطف الخبر الثاني، وما بعده على الأول بوساطة حرف العطف، ويسمى كل واحد معطوفا، وإن كان خبرا في المعنى، وكما يكون التعدد في الخبر المفرد، يكون في الجملة، وزعم بعض النحويين أن الخبر لا يتعدد إلا إذا كان من جنس واحد، إفرادا، أو جملة. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٢-١٨٣ والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢٢١-٢٢٢.
٢ وهو طرفة بن العبد بن سفيان بن ضبيعة بن ثعلبة، ويقال: إن اسمه عمرو وسمِّي طرفة ببيت قاله، وهو أحدث الشعراء سنا، وأقلهم عمرا، وأجودهم طويلة؛ كان في حسبٍ من قومه، جريئا على هجائهم وهجاء غيرهم، وكان ينادم عمرو بن هند، فقال فيه شعرا وتغزل بأخته، فبعث معه كتابا إلى عامله في البحرين، فقتله، وهو ابن عشرين عاما، وهو صاحب معلقة مشهورة.стр. 226
٧٩- يداك يد خيرها يرتجى ... وأخرى لأعدائها غائظة١
الحواشي
(١) الشعر والشعراء: ١/ ١٨٥، والخزانة: ١/ ٤١٢، ومعاهد التنصيص: ١٦٤.
١ تخريج الشاهد: الشاهد كما ذكر العيني في شرح الشواهد "أنشده الخليل..... وما قيل: إنه لطرفة لم يثبت" وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٢، والأشموني: "١٦٦/ ١/ ١٠٦"، والعيني: ١/ ٥٧٢، وليس في ديوان طرفة.
المفردات الغريبة: يداك: مثنى يد.
المعنى: يمدح الشاعر رجلا بالكرم والجود، ذاكرا أن إحدى يديه يرتجى منها الخير والبر، ويصفه بالشجاعة، فيذكر أن يده الأخرى غيظ للأعداء؛ لأنها قوية عليهم.
الإعراب: يداك: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، والكاف: مضاف إليه. يد: خبر المبتدأ مرفوع. خيرها "خير" مبتدأ، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه. يُرتجى: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو، و"الجملة": في محل رفع خبر المبتدأ "خيرها"، و"الجملة الاسمية": "خيرها يرتجى" في محل رفع صفة لـ "يد". وأخرى: الواو عاطفة، أخرى: معطوف على "يد" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة. "لأعدائها" متعلق بـ "غائظة" الآتي، و"ها": مضاف إليه. غائظة: صفة لـ "أخرى".
موطن الشاهد: "يداك يد خيرها يُرتجى".
وجه الاستشهاد: أنشد ابن الناظم البيت للدلالة على تعدد الخبر لمبتدأ واحد؛ لأنه يعتقد أن "يداك" الواقع مبتدأ، هو واحد في اللفظ، وإن كان في المعنى متعددا، وعلى أن المعطوف والمعطوف عليه اثنان وأراد المؤلف أن يبين خطأه في ذلك، ووجه تخطئته: أن اختلاف العلماء في جواز تعدد الخبر إنما وقع فيما كان المبتدأ فيه واحدا في اللفظ والمعنى معا، وكان الخبر متعددا في اللفظ والمعنى أيضا، بحيث يصلح كل واحد من الخبرين؛ لأن يكون خبرا عن ذلك المبتدأ، ويصح حمله وحده عليه، ويفيد معه فائدة يحسن السكوت عليها، فأما إذا كان الخبر متعددا في اللفظ فقط، كما في قولهم: "الرمان حلو حامض"، أو عطف ثانيهما على أولهما، نحو: "إبراهيم كاتب وشاعر" فإنه لا يكون من موضع الخلاف بين العلماء، وأخيرا: بقي أن نعلم أن التعدد في الشاهد، من باب التعدد المطلق.
ومثل هذا الشاهد: قول الأحوص:
ثنتان لا أصبو لوصلهما ... عرس الخليل وجارة الجنب
وقول الآخر:
كفاك كف ما تليق درهما ... جودا، وأخرى تعطِ بالسيف الدما
انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٢- ١٨٣، وأوضح المسالك "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٢٩-٢٣٠.стр. 227
لأن "يداك" في قوة مبتدأين لكل منهما خبر، ومن نحو قولهم: "الرمان حلو حامض"؛ لأنهما بمعنى خبر واحد، أي: مُزٌّ، ولهذا يمتنع العطف على الأصح، وأن يتوسط المبتدأ بينهما١، ومن نحو: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ ٢؛ لأن الثاني تابع له٣.
الحواشي
(١) ١ وأن يتقدما على المبتدأ على الأصح فيهما عند الأكثرين فلا يقال: حلو الرمان حامض ولا حلو حامض الرمان، وليس الثاني بدلا؛ لأنه ليس المراد أحدهما، بل كلاهما، ولا صفة؛ لامتناع وصف الشيء بمناقضه، ونقل عن الأخفش جواز كونه وصفا للأول، على معنى حلو فيه حموضة، والصفة توصف إذا نزلت منزلة الجامد، نحو: مررت بالضارب العاقل، ورد بأن الصفة كالفعل، وهو لا يوصف، ولو صح هذا أي الرد لم يصح التصغير، وهو جائز بلا خلاف، ولا خبر مبتدأ محذوف؛ لأن المراد أنه جمع الطعمين، وهل في كل منهما ضمير، أو لا ضمير فيهما، أو في الثاني فقط أقوال: اختار أبو حيان أولها، وصاحب البديع ثانيها، والفارسي ثالثها، وتظهر ثمرة الخلاف في تحملهما، أو تحمل أحدهما، في نحو: هذا البستان حلو حامض رمانه، فإن قلنا لا يتحمل الأول ضمير تعين رفع رمانه بالثاني، وإن قلنا إنه يتحمل، فيجوز أن يكون من باب التنازع في السَّبَبِيّ المرفوع على القول به.
التصريح: ١/ ١٨٣.
٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ٣٩.
موطن الشاهد: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: توهم ابن الناظم في الآية دليلا على تعدد الخبر "لأن الثاني تابع بالعطف بالواو على ما قبله، والأصل: والذين كذبوا بآياتنا بعضهم صم، وبعضهم بكم، فحذف المبتدآن وبقي خبراهما، فعطف أحدهما على الآخر.
٣ بينا أن كونه تابعا، لا ينافي أنه خبر في المعنى؛ لأن المعطوف على الخبر خبر. هذا؛ وقد أجاز بعض النحاة تعدد المبتدأ قياسا على تعدد الخبر، فيقال: محمد، عليّ، زينب غاضبة عليه بسببه "بتعدد المبتدآت بدون ضمائر، وجعل الروابط بعد خبر الأول"، فترتب الضمائر ترتيبا عكسيا، ويكون الضمير في "عليه" راجع إلى الثاني، وهو "على"، وفي "بسببه" راجع إلى الأول، وهو "محمد".
ويقال: محمد عمه خاله خادمه مسافر "بتعدد المبتدآت وخلو الأول من الضمير وإضافة ما بعده، كلٌّ إلى ضمير ما قبله،، والمعنى: خادم خال عم محمد مسافر وفي هذا تعسف واضح.
ومن الخير والصواب عدم استعمال مثل هذه التراكيب.
حاشية الصبان على شرح الأشموني: ١/ ٢٢٣-٢٢٤.стр. 228
باب نواسخ الابتداء: كان وأخواتها:
هذا باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر١:
فترفع المبتدأ تشبيها بالفاعل، ويسمى اسْمَها، وتنصب خبره تشبيها بالمفعول، ويسمى خبرها٢، وهي ثلاثة أقسام:
الحواشي
(١) ١ يشترط في الاسم الذي يراد إدخال "كان" عليه خمسة شروط، وهي:
الأول: ألا يكون مما يلزم الصدارة، كأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وكم الخبرية، والمبتدأ المقرون بلام الابتداء، ما عدا ضمير الشأن، فيجوز دخولها عليها، وإن كان مما يلزم الصدارة، كقول الشاعر:
إذا مت كان الناس صنفان: شامت ... وآخر مثنٍ بالذي كنت أصنع
فذهب بعضهم إلى أن اسم كان ضمير شأن محذوف، والناس: مبتدأ، وصنفان: خبر المبتدأ، والجملة من "المبتدأ وخبره": في محل نصب خبر كان، وذهب الكسائي في هذا البيت، إلى أن "كان" ملغاة لا عمل لها وتبعه على هذا التخريج ابن الطراوة.
الثاني: ألا يكون ذلك الاسم في حال ابتدائيته واجب الحذف، كالضمير المخبر عنه بنعت مقطوع عن منعوته لمجرد المدح.
الثالث: ألا يكون ملازما لعدم التصرف، أي أن يكون ملازما للوقوع في موقع واحد من مواقع الإعراب، نحو: "طوبى"، فهذا ملازم لأن يقع مبتدأ، في نحو: "طوبى للمؤمنين" ونحو: "سبحان الله" فهذا ملازم للوقوع مصدرا.
الرابع: ألا يكون مما يلزم الابتداء بنفسه. في الأساليب التي التزمت صفة واحدة، لا يجوز تغييرها، حتى صارت كالأمثال، نحو: أقل رجل يفعل ذلك إلا زيدا، وهذا الشرط مكمل لما قبله، وإن ذكره العلماء مستقلا.
الخامس: ألا يكون مما يلزم الابتداء بوساطة، وذلك، كالاسم الواقع بعد لولا، وإذا الفجائية، فهما لا يدخلان إلا على المبتدأ كما هو معلوم.
انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٣- ١٨٤.
٢ يشترط في خبرها أن يكون متأخرا عنها، وألا يقع طلبا، ولا إنشاء، حتى عند الذين يجوزون وقوع الجملة الطلبية خبر عن المبتدأ، من غير تقدير، فلا يصحُّ: كان الفقير عاونه، ولا: كان خالد يحفظه الله، ولا جملة ماضية، ما عدا "كان"، فهي تمتاز عن أخواتها، بجوز صحة الإخبار عنها بالجملة الماضوية.
فائدة: ما ذكره المؤلف، من أن هذه الأفعال الناقصة، ترفع وتنصب، هو مذهب جمهور البصريين، وأما الكوفيون، فذهبوا إلى أنها، لم تعمل في الاسم، وإنما هو مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها عليه، واتفق الجميع على كونها ناصبة للخبر، لا أنهم اختلفوا في نصبه، فقال الكوفيون: نصبته على الحال؛ تشبيهًا بالفعل القاصر، نحو: "ذهب زيد مسرعا"، وقال الفرَّاء: نصبته على أنه شبيه بالحال، وقال البصريون: إنا رأينا هذا الخبر يجيء ضميرا، ويجيء معرفة، ويجيء جامدا، ورأيناه لا يُستغنى عنه، فلا يمكن أن يعد حالا، ولا مشبها بالحال؛ لأن الأصل في الحال أن يكون نكرة، وأن يكون مستغنى عنه، والصواب ما ذهب إليه البصريون. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٤، وحاشية الصبان: ١/ ٢٢٦.стр. 229
[أقسام كان وأخواتها من حيث العمل] :
أحدها: ما يعمل هذا العمل مطلقا، وهو ثمانية: كان، وهي أم الباب، أمسى، وأصبح، وأضحى، وظل، وبات، وصار، وليس١، نحو: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ
الحواشي
(١) ١ ذهب الجمهور إلى أن "ليس" فعل، وذهب بعض النحاة إلى أنها حرف، وأول من ذهب إلى أن "ليس" حرف، هو ابن السراج وتابعه على ذلك أبو علي الفارسي -في أحد قوليه- في الحلبيات، وأبو بكر بن شقير -في أحد قوليه- وجماعة، واستدلوا على ذلك بدليلين:
الدليل الأول: أنَّ "ليس" أشبه الحرف من وجهين:
الوجه الأول: أنه يدل على معنى يدل عليه الحرف؛ وذلك لأنه يدل على النفي الذي تدل عليه "ما" وغيرها من حروف النفي.
الوجه الثاني: أنه جامد لا يتصرف، كما أن الحرف جامد لا يتصرف.
الدليل الثاني: أنه خالف سنن الأفعال العامة، وبيان ذلك أن الأفعال بوجه عام مشتقة من المصدر؛ للدلالة على الحدث دائما والزمان بحسب الصيغ المختلفة، وهذه الكلمة لا تدل على الحدث أصلا، وما فيها من الدلالة على الزمان مخالف لما في عامة الأفعال؛ فإن عامة الأفعال الماضية، تدل على الزمان الذي انقضى، وهذه الكلمة تدل على نفي الحدث الذي دل عليه خبرها في الزمان الحاضر إلى أن تقوم قرينة تصرفه إلى الماضي، أو المستقبل، فإذا قلت: "ليس الله مثله" فليس أداة نفي، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة "الفعل الماضي وفاعله" في محل نصب خبرها. =стр. 230
قَدِيرًا﴾ ١.
الثاني: ما يعمله بشرط أن يتقدمه نفي أو نهي أو دعاء، وهو أربعة٢: زال ماضي يزال، وبرح، وفتئ، وانفكَّ، مثالها بعد النفي: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ٣، ﴿لَنْ
الحواشي
(١) = وفي هذا المثال قرينة وهي كون الخبر ماضيا على أن المراد نفي الخلق في الماضي، وقوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُم﴾ ، يشتمل على قرينة تدل على أن المراد نفي صرفه عنهم فيما يستقبل من الزمان، ومن أجل ذلك كله، قالوا: هي حرف.
ويرد ذلك عليهم قبولُها علامات الفعل، ألا ترى أن تاء التأنيث الساكنة تدخل عليها، فتقول: ليست هذه مفلحة، وأن تاء الفاعل تدخل عليها، فتقول: لستُ، ولستَ ولستما، ولستم ولستنَّ.
وأما عدم دلالتها على الحدث، كسائر الأفعال، فإنه منازع فيه؛ لأن المحقق الرضي ذهب إلى أن "ليس" دالة على حدث وهو الانتفاء، ولئن سلمنا أنها لا تدل على حدث كما هو الراجح بل الصحيح عند الجمهور، فإنا نقول: إن عدم دلالتها على حدث، ليس هو بأصل الوضع، ولكنه طارئ عليها، وعارض لها بسبب دلالتها على النفي، والمعتبر إنما هو الدلالة بحسب الوضع، وأصل اللغة، وهي من هذه الجهة دالة عليه فلا يضرها أن يطرأ عليها ذلك الطارئ فيمنعها.
المغنى: ٣٨٧، وابن عقيل: ١/ ٢٦٢، وابن عقيل "ط. دار الفكر": ١/ ٢٠٥.
١ "٢٥" سورة الفرقان، الآية: ٥٤.
موطن الشاهد: ﴿كَانَ﴾ .
وجه الاستشهاد: دخول "كان" على الجملة الاسمية، ورفعها الاسم، ونصبها للخبر، من دون أي شرط يذكر، ومعلوم أن "كان" أم الباب.
٢ إنما اشترط في هذه الأربعة ذلك؛ لأن معناها النفي واستمرار ملازمة الخبر للمخبر عنه على حسب ما يقتضيه المقام، فإذا دخل عليها النفي، انتقلبت إثباتا. والنهي والدعاء يتضمنان في المعنى نفيا.
ويشترط ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية، فلا يقال: ما زال المسافر غاب. الخ وألا يقع بعد إلا، فلا يصح: ما فتئ السائح إلا بعيدا.
التصريح: ١/ ١٨٤.
٣ "١١" سورة هود، الآية: ١١٨.
موطن الشاهد: ﴿لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "يزال" فعلا مضارعا ناقصا، والواو: في محل رافع اسمه، و"مختلفين": خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء، وقد أعمل "يزال"؛ لتقدم النفي بـ "لا" عليه.стр. 231
نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِين﴾ ١ ومنه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ ٢ وقوله: [الطويل] ٣
٨٠- فقلت يمين الله أبرح قاعدا٤
الحواشي
(١) ١ "٢٠" سورة طه، الآية: ٩١.
موطن الشاهد: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "نبرح" فعلا مضارعا ناقصا، واسمه "نحن" و"عاكفين": خبره، وإنما أعمل عمل كان؛ لتقدم النفي بـ "لن" عليه.
٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٨٥.
موطن الشاهد: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "تفتأ" مضارعا ناقصا، لتقدم النفي المصدر عليه؛ لأن تقدير الكلام: تالله لا تفتأ تذكر يوسف، واسم تفتأ "أنت"، وجملة "تذكر": في محل نصب خبر "تفتأ" والتقدير: ذاكرا.
٣ هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٥، والأشموني: "١٧٠/ ١/ ١١٠"، وكتاب سيبويه: ٢/ ١٤٧ والمقتضب: ٢/ ٣٢٦، والجمل للزجاجي: ٨٥، والخصائص: ٢/ ٢٨٤، والعيني: ٢/ ١٣، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٦٩، وشرح المفصل: ٧/ ١١٠، وشرح السيوطي: ١١٨ وديوان امرئ القيس: ٣٢.
المفردات الغريبة: الأوصال: المفاصل جمع وصل، وهو العضو يفصل من الآخر.
المعنى: أقسم بالله لأبقين معك هنا، ولا أفارق رحابك خوفا من أحد، ولو قطعوا رأسي ومزقوني إربا إربا.
الإعراب: قلت: فعل ماضٍ وفاعل. يمين: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف وخبره محذوف، والتقدير: يمين الله قسمي. الله: "لفظ الجلالة": مضاف إليه. أبرح: فعل مضارع ناقص، واسمه: أنا. قاعدا: خبره منصوب. لو شرطية غير جازمة. قطعوا: فعل ماضٍ وفاعل، وهو فعل الشرط غير الجازم، وجواب "لولا" محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه.
موطن الشاهد: "أبرح قاعدا".
وجه الاستشهاد: إعمال "أبرح" عمل كان؛ لأنه تقدم عليه النفي تقديرا، وإن لم يظهر لفظا؛ لأن المعنى: لا أبرح قاعدا.стр. 232
إذ الأصل لا تفتأ ولا أبرح، ومثالها بعد النهي، قوله١: [الخفيف]
٨١- صاح شمر ولا نزل ذاكر الموت٢.
الحواشي
(١) = ونظير البيت الشاهد، قول النابغة:
فقالت: يمين الله أفعل إنني ... رأيتك مسحورا يمينك فاجره
والمراد: يمين الله قسمي لا أفعل....
فائدة أولى: يكثر حذف "لا" النافية من دون أخواتها، بعد القسم، إن كان الفعل المنفي مضارعا، كما في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُف﴾ ، وكما في بيت امرئ القيس السابق.
وإن لم يتقدم القسم، كان الحذف شاذا، وذلك في نحو قول خداش بن زهير:
وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا.
فالمراد: "لا أبرح ما أدام الله قومي"، فحذف "النفي" من دون أن يتقدم عليه القسم.
فائدة ثانية: قد يقع النفي قبل الأفعال المذكورة بغير "لا" كأن يكون اسما دالا على النفي، نحو قول الشاعر:
غير منفكٍّ أسير هوى ... كل وَانٍ ليس يعتبر
أو يكون بالفعل الدال على النفي، نحو قول الآخر:
ليس ينفك ذا غنى واعتزاز ... كل ذي عفَّةٍ مقلٌّ قنوعُ
أو يكون بالفعل المستعمل في النفي، وإن لم يكن موضوعا له، كما في قول الشاعر:
قلما يبرح اللبيب إلى ما ... يورث الحمد داعيا أو مجيبا.
فإن "قلما" في هذا الموضع وشبهه دالة على النفي؛ لا التقليل.
وانظر شرح التصريح: ١/ ١٨٥، وابن عقيل "دار الفكر": ١/ ٢٠٥.
وحاشية الصبان: ١/ ٢٢٧-٢٢٨.
١ لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه:
صاح شَمِّرْ، ولا تزال ذاكر المو ... ت؛ فنسيانه ضلال مبين
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٥، وابن عقيل: "٦١/ ١/ ٢٦٥"، والأشموني: "١٧٢/ ١/ ١١٠" والعيني: ٢/ ١٤، وهمع: ١/ ١١٠، والدرر اللوامع: ١/ ٨١، وقطر الندى: "٤٠/ ١٦٨".
المعنى: اجتهدْ يا صاحبي، واعمل بكل ما أوتيت من قوة، وتذكر أن الموت لا بد منه، فاستعد لما بعده، وكن دائم التذكر له؛ فإن نسيانه يوقعك في الإثم والضلال.
الإعراب: صاح: منادى بحرف نداء محذوف، مرخم ترخيما غير قياسي، من "صاحب" شمر: فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا "أنت". لا: ناهية. تزل: فعل مضارع ناقص، مجزوم بـ "لا" واسمه ضمير مستتر وجوبا "أنت". ذاكر: خبر "تزل" منصوب، وهو مضاف. الموت: مضاف إليه فنسيانه: الفاء: تعليلية، نسيان: مبتدأ مرفوع، و"الهاء" مضاف إليه. ضلال: خبر المبتدأ مرفوع. مبين: صفة لـ "ضلال".
موطن الشاهد: "لا تزل ذاكرَ".
وجه الاستشهاد: إعمال "تزل" عمل "كان"؛ لأنها سبقت بحرف النهي "لا" وهو شبيه بالنفي، فالناهي عن فعل شيء من الأشياء، إنما يقصد عدم حصول الفعل، ومعلوم أن عدم حصوله، هو معنى النفي.стр. 233
ومثالها بعد الدعاء، قوله١: [الطويل]
٨٢- ولا زال منهلا بجرعائك القطر٢
الحواشي
(١) ١ هو ذو الرمة: غيلان بن عقبة بن بهيش، من بني صعب، يكنى أبا الحارث، ويعرف بذي الرمة، لقوله:
أشعث باقٍ رُمَّة التقليدِ
وهو أحد شعراء الطبقة الثانية، قال عنه ابن سلام: "أحسن أهل الجاهلية تشبيها امرؤ القيس، وأحسن أهل الإسلام ذو الرمة". مات سنة ١١٧هـ.
الشعر والشعراء: ١/ ٥٤٢، الجمحي: ٢/ ٥٤٩، الخزانة: ١/ ٥٠، الأغاني: ١٦/ ١٠٦.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، يقوله في صاحبته مية، وصدره قوله:
ألا يا اسلمى يا دار ميّ على البلى
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٥، وابن عقيل: "٦٢/ ١/ ٢٦٦"، والأشموني: "١١/ ١/ ١٤" وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٥١، والعيني: ٢/ ٦، وهمع الهوامع: ١/ ١١١، ٢/ ٤، ٢/ ٧٠، والدرر اللوامع: ١/ ٨١، ٢/ ٢٣، ٢/ ٨٦، ومغني اللبيب: "٤٤٠/ ٣٢٠"، وشرح السيوطي: ٢١٠ وقطر الندى: "٤١/ ١٦٩".
المفردات الغريبة: اسلمى: دعاء بالسلامة من الآفات والعيوب. البلى، من بلي الثوب يبلى، أي: خلق ورَثَّ. منهلًّا: منسكبا منصبًّا. جرعائك: الجرعاء: رملة مستوية، لا تنبت شيئا. القطر: المطر.
المعنى: يدعو الشاعر لدار حبيبته، فيقول: حفظك الله وسلمك يا دار ميّ على ما فيك من قدم من الفناء والزوال، ولا زال المطر ينزل بساحتك، حتى يبقى رحابك عامرا، يذكرنا بالأحبة الذين سكنوك.
الإعراب: ألا: أداة استفتاح وتنبيه. يا: حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير: يا دار مية، أو حرف تنبيه مؤكد لـ "ألا" والأول أرجح، اسلمى: فعل أمر مبني على حذف النون، والياء، فاعل. يا: حرف نداء. دار: منادى مضاف منصوب. مي: =стр. 234
وقيدت زال بماضي يزال احترازا من زال ماضي يزيل، فإنه فعل تام متعدٍّ إلى مفعول، ومعناه مَازَ١، تقول: "زِلْ ضأنك عن معزك" ومصدره الزيل، ومن ماضي يزول؛ فإنه فعل تام قاصر، ومعناه الانتقال، ومنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ ٢، ومصدره الزوال.
الثالث: ما يعمل بشرط تقدم "ما" المصدرية الظرفية، وهو دام٣، نحو: ﴿مَا
الحواشي
(١) = مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة بدل الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. ولا: الواو عاطفة، لا: حرف دعاء لا محل له من الإعراب، زال: فعل ماضٍ ناقص. منهلا: خبر "زال" مقدم منصوب. "بجرعائك": متعلق بـ "منهلا" والكاف: مضاف إليه. القطر: اسم "زال" مؤخر مرفوع.
موطن الشاهد: "لا زال".
وجه الاستشهاد: مجيء "زال" ناقصة عاملة عمل "كان" في رفع الاسم، ونصب الخبر؛ لتقدم "لا" الدعائية عليها، وسبق لنا أن علمنا أن الدعاء شبيه بالنفي؛ لأن دعاءك بحصول الشيء دليل على كونه غير حاصل في وقت الدعاء.
وفي البيت شاهد آخر على اتصال النداء بالفعل المضارع لفظا، وللنحاة في هذا مذهبان:
الأول أن "يا" حرف نداء، والمنادى محذوف قيل فعل الأمر، والتقدير: يا هذه، أو يا دار مية.....
الثاني: أن "يا" حرف تنبيه، وليست حرف نداء.
والأرجح في هذه الحال الأول؛ لأن "يا" سبقت بـ "ألا" التي تفيد الاستفتاح والتنبيه، ومن القواعد المقررة، أن لا يتوالى حرفان بمعنى واحد، لغير توكيد، فعلى الرأي الثاني، تكون "يا" حرف تنبيه يفيد التوكيد؛ ليجري الإعراب وفق القواعد المقررة.
١ أي: ميز وفصل.
٢ "٣٥" سورة فاطر، الآية: ٤١.
موطن الشاهد: ﴿تَزُولََا﴾ ، ﴿زَالَتَا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء كل من "تزولا" و"زالتا" فعلا تاما غير ناقص؛ لأنه بمعنى الانتقال، فـ "أن تزولا": أن تنقلا، و"زلتا": انتقلنا، والمصدر فيهما: الزوال.
٣ قد وردت "دام" غير مسبوقة بما وبعدها اسمان أولهما مرفوع وثانيهما منصوب، في قول الشاعر:
دمت الحميد، فما تنفك منتصرا ... على العدى في سبيل المجد والكرم
وهذا البيت مشكل؛ لأنك، لو قدرت "دام" تامة غير محتاجة إلى تقدم "ما" عليها، =стр. 235
دُمْتُ حَيًّا﴾ ، أي: مدة دوامي حيا، وسميت "ما" هذه مصدرية لأنها تقدر بالمصدر، وهو الدوام؛ وسميت ظرفية لنيابتها عن الظرف، وهو المدة.
[كان وأخواتها ثلاثة أقسام بالنسبة إلى التصرف] :
وهذه الأفعال في التصرف ثلاثة أقسام:
١- ما لا يتصرف بحال، وهو ليس باتفاق، ودام عند الفراء وكثير من المتأخرين.
الحواشي
(١) = وجعلت ضمير المخاطب فاعلا و"الحميد" حالا ورد عليك بأن "الحميد" معرفة بالألف واللام، والحال: لا يكون إلا نكرة في المذهب البصري المنصور، وإن جعلت "دام" ناقصة ورد عليك بأنها "الحميد" معرفة بالألف واللام، والحال: لا يكون إلا نكرة في المذهب البصري المنصور، وإن جعلت "دام" ناقصة ورد عليك بأنه لم تتقدمها "ما" وهو شرط في عملها في الاسم والخبر، وإذا كان لا مناص من ارتكاب أحد الأمرين، فإننا نختار أن تكون "دام" في هذا البيت تامة، وندعي أن "أل في قوله "الحميد" ليست معرفة وإنما هي زائدة.
حاشية يس على التصريح: ١/ ١٨٦، وحاشية الصبان: ١/ ٢٢٨-٢٢٩.
١ "٩" سورة مريم، الآية: ٣١.
موطن الشاهد: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "دمت" فعلا ناقصا يعمل عمل "كان" لتقدم "ما" المصدرية الظرفية عليه، فالتقدير: مدة دوامي حيا، كما في المتن، وفي الإعراب، نقول: "ما" مصدرية ظرفية. دمت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. حيا: خبره منصوب.
فائدة: إذا سبقت: "دام" بـ "ما" مصدرية غير ظرفية، لم تعمل "دام" بعدها عمل "كان" وإن ولي مرفوعها منصوب، فهو منصوب على الحال، نحو: يعجبني ما دمت صحيحا، فـ "دام" فعل تام"، والتقدير: يعجبني دوامك صحيحا، و"صحيحا" منصوب على الحال، وكذلك إذا لم تذكر "ما" أصلا، فأحرى بـ "دام" ألا تعمل، كما في: دام زيد صحيحا، فـ "دام" فعل ماضٍ تام بمعنى "بقي"، وزيد فاعله، وصحيحا حال منصوب من زيد، ولا يلزم من وجود ما المصدرية الظرفية العمل المذكور، إذ لا يلزم من وجود الشرط المشروط، ولا توجد الظرفية من دون المصدرية. انظر صرح التصريح: ١/ ١٨٦.стр. 236
٢- وما يتصرف تصرفا ناقصا، وهو "زال" وأخواتها، فإنها لا يستعمل منها أمر ولا مصدر، و"دام" عند الأقدمين، فإنهم أثبتوا لها مضارعا١.
٣- وما يتصرف تصرفا تاما، وهو الباقي.
وللتصاريف في هذين القسمين ما للماضي من العلم، فالمضارع نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ ٢، والأمر نحو: ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ ٣، والمصدر، كقوله٤: [الطويل]
٨٣- وكونك إياه عليك يسير٥
الحواشي
(١) ١ رجح العلامة الصبان في حاشيته على شرح الأشموني، أن دام الناقصة لها مصدر، ودليله أنها تستعمل البتة لما المصدرية الظرفية، وأن العلماء جروا على تقدير ما دام في نحو قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ بقوله: مدة دوامي حيا، ولو أننا التزمنا أن هذا مصدر لدام التامة أو أن العلماء اخترعوا في هذا التقرير مصدرا، لم يرد عن العرب، لكُنَّا بذلك جائرين، مسيئين الظنَّ بمن قام على العربية وحفظها غاية الإساءة، فلزم أن يكون هذا المصدر مصدر الناقصة فتتم الدعوى.
حاشية الصبان على الأشموني: ١/ ٢٢٨-٢٢٩.
٢ "١٩" سورة مريم، الآية: ٢٠.
موطن الشاهد: ﴿لَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ .
وجه الاستشهاد: إعمال "أك" المضارع عمل "كان" الناقصة، وهو مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة تخفيفًا، واسمه "أنا"، و"بغيا" خبر منصوب.
٣ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٥٠.
موطن الشاهد: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ .
وجه الاستشهاد: إعمال "كونوا" فعل الأمر عمل "كان" الناقصة، وإعرابه: كونوا: فعل أمر ناقص مبني على حذف النون؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: اسمه، و"حجارة": خبره منصوب.
٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٥ تخريج الشاهد:
هذا عجز بيت، وصدره قوله:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى
وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٨٧، وابن عقيل: "٦٤/ ١/ ٢٧٠، والأشموني =стр. 237
واسم الفاعل، كقوله١: [الطويل]
٨٤- وما كل من يبدي البشاشة كائنا ... أخاك.......................٢
الحواشي
(١) = "١٨١/ ١/ ١١٢" وهمع الهوامع: ١/ ١١٤، والدرر اللوامع: ١/ ٨٣، والعيني: ٢/ ١٥.
المفردات الغريبة: بذل: عطاء. ساد: من السيادة، وهي الرفعة وعظم الشأن.
المعنى: إن الإنسان يسود في قومه ويرتفع ذكره بينهم بالجود وبالمال، والحلم في الخلق، وسعيك في الاتصاف بهاتين الخلتين، أمر هين عليك، إذا أردت أن يتكون مثل هذا الإنسان في المنزلة وعلو الشأن.
الإعراب: وكونك: الواو عاطفة. كونك: مبتدأ، وهو مصدر "كان" الناقصة، وهو مضاف إليه اسمه. "الكاف" مبني في محل جر بالإضافة، وفي محل رفع اسم "كان"، فلها محلان من الإعراب. إياه: خبر "كونك" في محل نصب من جهة النقصان.
"عليك": متعلق بـ "يسير". يسير: خبر "كونك" الواقع مبتدأ، من حيث ابتدائيته.
موطن الشاهد: "كونك إياه".
وجه الاستشهاد: إجراء مصدر "كان" الناقصة مجراها في رفع الاسم، ونصب الخبر، وقد بينا في الإعراب كيفية إعرابه مع خبره من جهة نقصانه، ومع خبره من جهة ابتدائيته.
١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هو:
وما كل من يبدي البشاشة كائنا ... أخاك، إذا لم تلفه لك منجدا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٧، وابن عقيل "٦٣/ ١/ ٢٦٩، والأشموني: "١٨٢/ ١/ ١١٢" وهمع الهوامع: ١/ ١١٤، والدرر اللوامع: ١/ ٨٤، والعيني: ٢/ ١٧.
المفردات الغريبة: يبدي: يظهر. البشاشة: طلاقة الوجه. تلفه: تجده. منجدا: مساعدا.
المعنى: ليس كل من يظهر لك البشر وطلاقة الوجه، أخا مخلصا لك، ما لم تجده معينا في الشدائد، مساعدا في الملمات.
الإعراب: ما: نافية حجازية، تعمل عمل ليس. كل: اسم "ما" مرفوع. من: اسم موصول في محل جر بالإضافة. يبدي فعل مضارع، والفاعل: هو. البشاشة: مفعول به، وجملة "يبدي البشاشة" صلة للموصول، لا محل لها. "كائنا": خبر "ما" منصوب، و"كائنا" اسم فاعل من كان الناقصة، واسمه: ضمير مستتر جوازا، تقديره: هو، يعود إلى "من". أخاك: خبر "كائنا" منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، والكاف في محل جر بالإضافة. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط. تلفه: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه حذف حرف العلة، و"الهاء" مفعول أول. منجدا: مفعول ثانٍ منصوب، ويرى العيني: أن "منجدا" حال؛ لأن ظن وأخواتها على زعمه تنصب مفعولا واحدا، هذا مذهب ضعيف.
موطن الشاهد: "كائنا أخاك".
وجه الاستشهاد: إعمال اسم الفعل "كائنا" عمل كان الناقصة، فرفع اسما، ونصب خبرا، كما بينا في الإعراب.стр. 238
وقوله١: [الطويل]
٨٥- قضى الله يا أسماء أن لست زائلا ... أحبك............٢
الحواشي
(١) ١ هو: الحسين بن مطير بن مكمل، مولى بني أسد بن خزيمة، وأحد مخضرمي الدولتين، مدح بني أمية وبني العباس، وكان شاعرا راجزا، مقدما في الشعر والرجز، وكان كلامه يشبه كلام أهل البادية. خزانة الأدب للبغدادي: ٥/ ٤٧٥-٤٨٢.
٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هو:
قضى الله يا أسماء أن لست زائلا ... أحبك حتى يُغمضَ الجفنَ مغمِضُ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٧، والأشموني: "١٨٣/ ١/ ١١٢"، وهمع الهوامع: ١/ ١١٤، والدرر اللوامع: ١/ ٨٤، ومجالس ثعلب: ٢٦٥، وزهر الآدب للحصري: ٩٨، والعيني: ٢/ ١٨.
المفردات الغريبة: قضى الله: حكم وقدر. أسماء: اسم محبوبته. يغمض العين: يطبق جفونها، وهو كناية عن الموت.
المعنى: قدر الله يا أسماء أن أتعلق بك، وأحبك -على الرغم من حدودك وهجرك لي- حتى أفارق هذه الحياة.
الإعراب: قضى الله: فعل وفاعل. يا أسماء: حرف نداء، ومنادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب. أن: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف. لست: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. زائلا: خبره منصوب، و"زائلا": اسم فاعل من "زال" الناقصة، واسمه: ضمير مستتر فيه وجوب. أحبك: فعل مضارع، والفاعل: أنا، و"الكاف": مفعول به. وجملة "أحبك": في محل نصب خبر "زائلا"، وجملة ليس واسمها وخبرها": في محل رفع خبر "أن" المخففة من الثقيلة. حتى: حرف غاية وجر. يغمض: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المضمرة بعد حتى. الجفن: مفعول به منصوب مقدم على الفاعل. مغمض: فاعل مرفوع مؤخر، والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل جر بـ "حتى"، والجار والمجرور متعلق بـ "أحبك".стр. 239
[توسط أخبار كان وأخواتها] :
وتوسط أخبارهن جائز١، خلافا لابن درستويه٢ في ليس، ولابن
الحواشي
(١) ١ لخبر كان وأخواتها ستة أحوال.
الأول: وجوب التأخير، وذلك في مسألتين؛ إحداهما: أن يكون إعراب الاسم والخبر جميعا غير ظاهر، نحو: كان صديقي عدوي، وثانيهما: أن يكون الخبر محصورا، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَة﴾ ، والمكاء: التصفير، التصدية: التصفيق.
الثاني: وجوب التوسط بين العامل واسمه، وذلك في نحو قولك: يعجبني أن يكون في الدار صاحبها، فلا يجوز في هذا المثال تأخير الخبر عن الاسم؛ لئلا يلزم منه عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، كما لا يجوز أن يتقدم الخبر على أن المصدرية؛ لئلا يلزم تقديم معمول الصلة على الموصول، فلم يبقَ إلا توسط هذا الخبر على ما ذكرنا.
الثالث: وجوب التقدم على الفعل، واسمه جميعا، وذلك فيما إذا كان الخبر مما له الصدارة كاسم الاستفهام، نحو: "أين كان زيد"؟
الرابع: امتناع التأخر عن الاسم، مع جواز التوسط بين الفعل واسمه، أو التقدم عليهما، وذلك فيما إذا كان الاسم متصلا بضمير يعود على بعض الخبر، ولم يكن ثمة مانع من التقدم على الفعل نحو: "كان في الدار صاحبها، وكان غلام هند بعلها". يجوز أن تقول ذلك، ويجوز أن تقول: "في الدار كان صاحبها، وغلام هند كان بعلها بنصب غلام ولا يجوز في المثالين التأخير عن الاسم.
الخامس: امتناع التقدم على الفعل واسمه جميعا، مع جواز توسطه بينهما، أو تأخره عنهما جميعا، نحو: "هل كان زيد صديقك"؟ ففي هذا المثال، يجوز هذا، ويجوز "هل كان صديقك زيد" ولا يجوز تقديم الخبر على هل؛ لأن "هل" لها صدر الكلام، ولا توسيطه بين هل والفعل؛ لأن الفصل بينهما غير جائز.
السادس: جواز الأمور الثلاثة: نحو "كان محمد صديقك" ويجوز فيه ذلك، كما يجوز أن تقول: صديقك كان محمد، وأن تقول: كان صديقك محمد، بنصب الصديق. ابن عقيل "دار الفكر": ١/ ٢٢١- ٢١٣، وحاشية الصبان على الأشموني: ١/ ٢٣٢، وابن عقيل "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٧٢.
٢ ابن درستويه: هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي المشهور بعلمه وتصانيفه، ولد بفارس سنة ٢٥٨هـ، وصحب المبرد، وقرأ عليه "الكتاب" وبرع فيه. لقي ابن قتيبة، وأخذ عن الدارقطني، وغيره، له تصانيف قيمة، منها: شرح الفصيح، والإرشاد في النحو، والمقصور والممدود، وأخبار النحاة، توفي سنة: ٣٤٧هـ. البلغة: ١٠٧، إنباه الرواة: ٢/ ١١٣، بغية الوعاة: ٢/ ٣٦، الفهرست: ٦٣، الإعلام: ٤/ ٢٠٤ وغيرها.стр. 240
معط١ في دام، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين﴾ ٢، وقرأ حمزة٣ حفص٤: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُم﴾ ٥ بنصب البر
الحواشي
(١) ١ ابن معط: أبو الحسن، زين الدين يحيى بن معط المغربي الحنفي، إمام مبرز في العربية، وشاعر محسن، قرأ على الجزولي، وأخذ عنه الكثير، وكان مدرسا في دمشق ومصر، وكان يحفظ الكثير المفيد، له تصانيف كثيرة، منها: الألفية في النحو، وشرح الجمل في النحو، وشرح أبيات سيبويه "نظم"، كما نظم كتاب الجمهرة، لابن دريد في اللغة، ونظم كتاب الصحاح للجوهري، ونظم كتابا في العروض، وقصيدة في القراءات..... توفي سنة ٦٢٨هـ. سير أعلام النبلاء: ٢٢/ ٣٢٤، وفيات الأعيان: ٦/ ١٩٧، البداية والنهاية: ١٣/ ١٢٩ بغية الوعاة: ٢/ ٣٤٤.
٢ "٣٠" سورة الروم، الأية: ٤٧.
موطن الشاهد: ﴿كَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ﴾ .
وجه الاستشهاد: تقدم خبر كان على اسمها، وحكم هذا التقدم الجواز؟ والإعراب واضح.
٣ حمزة: هو أبو عمارة، حمزة بن حبيب الكوفي الزيات، أحد أصحاب القراءات السبع، وإمام القراء بالكوفة بعد عاصم، كان ثقة عارفا بالعربية، حافظا للحديث، ورعا زاهدا، وكان يعمل بالتجارة وخاصة تجارة الزيت حتى لُقِّبَ بها، ولد سنة ٨٠هـ. وتوفي سنة ١٥٦هـ.
طبقات القراء للذهبي: ١/ ٢٦١، ابن خلكان: ٢/ ٢١٦
٤ حفص: هو أبو عمرو، حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي، من أصحاب عاصم، معروفا بضبط الحروف، وقد أقرأ الناس مدة طويلة، ولد سنة ٩٠هـ، ومات سنة ١٨٠هـ. معرفة القراء الكبار للذهبي: ١/ ١٤٠، والجرح والتعديل: ٣/ ١٧٣، وشذرات الذهب: ١/ ٢٩٣.
٥ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
أوجه القراءات: قرأ حمزة وحفص ﴿الْبِرَّ﴾ بالنصب، وقرأها الباقون بالرفع.
توجيه القراءات: على قراءة النصب، يكون "البر" يكون "البر" خبر ليس، ويكون المصدر المؤول من "أن وما بعدها": اسم "ليس"، والتقدير: ليس توليتكم وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب البر كله، ومن رفع "البر" فعلى اعتبارها "اسما" لـ "ليس"، والمصدر المؤول في محل نصب الخبر، والتقدير: ليس البر توليتكم وجوهكم؟ وحجة قراءة الرفع، قراءة أبي بأن تولوا، فأدخل الباء على الخبر، ومعلوم أن الباء، لا تدخل في اسم "ليس" وإنما تدخل في خبرها. انظر: حجة القراءات: ١٢٣، والإتحاف: ١٥٣، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٣٠، والبحر المحيط: ٢/ ٢، والكشف للقيسي، ١/ ٢٥٦، ومجمع البيان: ١/ ١٠٩.стр. 241
وقال الشاعر١: [البسيط]
٨٦- لا طيب للعيش ما دامت منغصة ... لذاته......................٢
الحواشي
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة ... لذاته بادِّكَار الموت والهرم
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٧، وهمع الهوامع: ١/ ١١٧، والدرر اللوامع: ١/ ٨٧، والعيني: ٢/ ٢٠، وقطر الندى: "٤٣/ ١٧٢".
المفردات الغريبة: منغصة: اسم مفعول من التنغيص"، وهو التكدير. بادِّكار: بتذكر، وأصله: اذتكار، قلبت تاء الافتعال دالا، ثم قلبت الذال دالا، وأدغمتا. الهرم: الكبر والضعف.
المعنى: لا لذة ولا راحة في هذه الحياة ما دامت لذاتها ونعيمها ومسراتها- تتكدر بتذكر الإنسان للموت، وبالضعف بالكبر، فكلما كبر الإنسان ازداد ضعفه، وقلَّ طموحه.
الإعراب: لا: نافية للجنس. طيب: اسم "لا". "للعيش": متعلق بمحذوف خبر "لا"، ويجوز أن يكون متعلقا بـ "طيب" وخبر "لا" محذوف. ما: مصدرية ظرفية، دامت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث. منغصة: خبر "دامت" مقدم على الاسم. لذاته: اسم "دام" مؤخر، وهو مضاف، و"الهاء" في محل جر بالإضافة. "بادِّكار": متعلق بـ "منغصة". الموت: مضاف إليه. والهرم: الواو عاطفة، الهرم: اسم معطوف على الموت.
موطن الشاهد: "ما دامت منغصة لذاته".
وجه الاستشهاد: تقدم خبر "دام" على اسمها، وعلى هذا الوجه الذي أراده المؤلف وقع الفصل بين العامل وهو "منغصة" ومتعلقه "بادكار" بأجنبي عنهما، وهو لذاته ولذا، فقد أعرب بعضهم البيت كالآتي: لذاته: نائب فاعل لـ منغصة" لأن اسم مفعول، واسم "دام" مستتر فيها، ومنغصة خبرها، وعلى هذا الوجه يخلو البيت من الشاهد، وبالتالي، فليس فيه رد على ابن معط ومن يرى رأيه. وأولى من الشاهد المذكور، للرد على ابن معط قول الشاعر:
ما دام حافظ سري من وثقت به ... فهو الذي لست عنه راغبا أبدا
فقدم الخبر "حافظ سري" على اسم "ما دام"، وهو قوله: "من وثقت به".
التصريح: ١/ ١٨٨.стр. 242
إلا أن يمنع مانع، نحو: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾ ١.
[تقدير أخبار كان وأخواتها] :
وتقديم أخبارهن جائز، بدليل: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون﴾ ٢، ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُون﴾ ٣، إلا خبر دام اتفاقا٤، وليس عند جمهور
الحواشي
(١) ١ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٣٥.
موطن الشاهد: ﴿مَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾ .
وجه الاستشهاد: امتناع تقدم الخبر "مكاء" على الاسم "صلاتهم"؛ لانحصار الخبر بـ "إلا" وحكم تأخر الخبر عن الاسم في هذه الحالة الوجوب لوجود المانع.
٢ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٤٠.
موطن الشاهد: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "هؤلاء" و"إياكم" معمولين لخبر "كان" وقد تقدما عليها، وتقديم المعمول يؤذن بجواز تقديم العامل عند كثير من النحاة، كابن مالك، وسبقه ابن جني، والفارسي وغيرهما من البصريين. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٨.
٣ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٧٧.
موطن الشاهد: ﴿أَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: تقدم "أنفسهم" وهو معمول "يظلمون"، وفي هذا دليل على تقدم معمول الخبر على كان وأخواتها، ومتى تقدم معمول الخبر، جاز تقدم الخبر، كما بيَّنَّا في الآية السابقة.
٤ فلا يجوز تقديمه عليها، وعلى "ما" لأن معمول الصلة الحرف المصدري، لا يتقدم عليه، ويجوز أن يتقدم الخبر على "دام" وحدها، فيتوسط بينها وبين "ما"، تقول: "سأبقى في البيت ما مستمرة دامت الغارة"، والأرجح عدم توسطه. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٨.стр. 243
البصريين١، قاسوها على عسى٢، واحتج المجيز٣ بنحو قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُم﴾ ٤، وأجيب بأن المعمول ظرف فيتسع فيه، وإذا نفي الفعل بما جاز توسط الخبر بين النافي والمنفيّ٥ مطلقا، نحو: "ما قائما كان زيد" ويمتنع التقديم على "ما" عند البصريين والفراء، وأجازه بقية الكوفيين، وخص ابن كيسان٦
الحواشي
(١) ١ وحجتهم: عدم الورود عن العرب، أو ضعفها بعدم التصرف، وقد اختار هذا ابن مالك.
٢ فإن خبرها لا يتقدم عليها اتفاقا، وهي مثلها في الجمود.
٣ من قدماء البصريين، والفراء، وابن برهان، والزمخشري، والشلوبين، وابن عصفور من المتأخرين.
٤ "١١" سورة هود، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "يوم يأتيهم" معمولا لـ "مصروفا" وقد تقدم على "ليس" واسم "ليس": ضمير مستتر فيها، يعود على العذاب، ومصروفا: خبر "ليس"، وتقديم المعمول، لا يصح إلا حيث يصح تقديم عامله، فلولا أن الخبر "مصروفا" يجوز تقديمه على "ليس" لما جاز تقديم معموله عليها، وأجيب عن هذا بالمنع، كما أسلفنا، وأما على تقدير تسليمه بالتقدم في هذه الآية، فيجاب: بأن المعمول ظرف، فيتسع فيه ما لا يتسع في غيره، أو بأن "يوم" معمول لمحذوف، تقديره: "يعرفون يوم يأتيهم" و"ليس مصروفا": جملة حالية مؤكدة، أو مستأنفة، أو بأن "يوم" في محل رفع الابتداء، وبني على الفتح لإضافته إلى جملة "يأتيهم"، وليس مصروفا: خبره، والأفضل ما ذهب إليه المؤلف.
شرح التصريح: ١/ ١٨٨- ١٨٩ وشرح الأشموني مع الصبان: ١/ ٢٣٤.
٥ ويشمل: ما يكون النفي شرطا لعمله كـ "زال"، وما لا يكون النفي شرطا لعمله مثل "كان".
٦ ويتبع ابن كيسان في في رأيه النحاس. وابن كيسان: هو أبو الحسن، محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان النحوي، جامع المذهبين، البصري والكوفي في النحو؛ لأنه أخذ عن المبرد، وثعلب، ولكنه كان إلى المذهب البصري أميل، ولم يكن مجلس أكثر فائدة، وأجمع لأصناف العلوم والتحف من مجلسه، كما قال أبو حيان التوحيدي، له تصانيف هامة، منها: المهذب في النحو، وعلل النحو -ما اختلف فيه البصريون الكوفيون، غلط أدب الكاتب...... إلخ. توفي سنة ٣٢٠هـ.
بغية الوعاة: ١/ ١٨، طبقات النحويين البصريين، ١٧٠، الأعلام: ٥/ ٣٠٨.стр. 244
المنع بغير زال وأخواتها؛ لأن نفيها إيجاب، وعمم الفراء المنع١ في حروف النفي٢، ويرده قوله: [الطويل]
٨٧- على السن خيرا لا يزال يزيد٤
الحواشي
(١) ١ أصل هذا الخلاف مبني على خلاف آخر، وهو هل تستوجب "ما" أن تكون في صدر الكلام؟، ذهب جمهور البصريين إلى أنها لا تستوجب التصدير، وعلى هذا أجازوا أن يتقدم خبر الناسخ المنفي بها عليها مطلقا، ووافقهم ابن كيسان والنحاس على جواز تقديم خبر الناسخ عليها، إذا كان من النواسخ التي يشترط فيها النفي؛ لأن نفيها حينئذ إيجاب، فكأنه لم يكن، بخلاف النوع الثاني.
حاشية يس على التصريح: ١/ ١٨٩، وابن عقيل "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٧٦.
٢ ذهب الفراء إلى أن "ما" و"لا" و"إن" و"لن" النافيات، لها حكم واحد، وهو أنه لا يجوز أن يتقدم الخبر ولا معموله على حرف النفي، وخص المحققون هذا الحكم بحرف واحد من حروف النفي وهو "ما"، وذهب المحقق الرضي إلى أن "إن" النافية لها حكم "ما".
شرح التصريح: ١/ ١٨٩.
٣ القائل: هو المعلوط القريعي ابن بدل "أو بذل" والقريعي نسبة إلى قريع بن عوف بن كعب أحد تميم، والمعلوط شاعر إسلامي.
سمط اللآلي: ١/ ٤٣٤.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره، قوله:
ورجِّ الفتى للخير ما إن رأيته
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٩، والأشموني: "١٨٦/ ١/ ١١٤"، والكتاب لسيبويه: ٢/ ٣٠٦ والخصائص: ١/ ١١٠، وسمط اللآلي: ٤٣٤، وشرح المفصل: ٨/ ١٣٠، والمقرب لابن عصفور: ١٧، ومغني اللبيب: ذكره عدة مرات منها: "٢٦/ ٣٨" "٥١/ ٥٧"، وشرح السيوطي: ٣٢، ٢٤٤.
المفردات الغريبة: رجِّ: أمر من الترجية بمعنى الرجاء، وهو الأمل وتوقع الخير.
الفتى: الشاب. على السن: أي على زيادة العمر.
المعنى: انتظر الخير والنبل، وتوقعه من الشاب، إذا رأيته كلما زادت سنه وتقدم في العمر، يزداد خيرا، ويتلمس المزيد من الخلال الحميدة.
الإعراب: رجِّ: فعل أمر مبني على حذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره أنت. الفتى: مفعول به لـ "رجّ". "للخير": متعلق =стр. 245
إيلاء هذه الأفعال معمول خبرها:
ويجوز باتفاق أن يلي هذه الأفعال معمول خبرها إن كان ظرفا أو مجرورا، نحو: "كان عندك، أو في المسجد، زيد معتكفا"١، فإن لم يكن أحدهما جمهور البصريين يمنعون مطلقا، والكوفيون يجيزون مطلقا٢، وفصل ابن السراج
الحواشي
(١) = بـ "رجِّ" ما: مصدرية ظرفية "إن" حرف زائد بعد ما الظرفية المصدرية، لشبهها لفظا بـ "ما" النافية. رأيته: فعل ماضٍ، والتاء: فاعله، والهاء: مفعول به. "على السن": متعلق بـ "يزيد" الآتي. خيرا: مفعول به مقدم لـ "يزيد" الآتي. لا: حرف نفي. يزال: فعل مضارع ناقص مرفوع، واسمه: هو. يزيد: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو، والجملة في محل نصب خبر يزال.
موطن الشاهد: "خيرا لا يزال يزيد".
وجه الاستشهاد: تقدم معمول خبر "لا يزال" خيرا على "لا يزال" نفسها، وتقدم المعمول، يتبعه تقدم العامل؛ لأن الأصل في المعمول أن يقع بعد عامله، وفي هذا البيت رد على الفراء، ومن ذهب مذهبه، ممن يرون أن خبر الناسخ المنفي بحرف، من حروف النفي، لا يجوز أن يتقدم على ذلك الفعل. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٩. ومن أمثلة تقدم خبر الناسخ عليه، إن سبق بحرف نفي، قول الشاعر:
مه عاذلي فهائما لن أبرحا ... بمثل أو أحسن من شمس الضحى
نرى بأن الشاعر في هذا البيت، قدم خبر الفعل الناسخ المنفي بـ "لن" على الفعل، حيث قدم "هائما" الخبر على العامل "لن أبرح".
١ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ ، فإن "له" جار ومجرور متعلق بقوله: ﴿كُفُوًا﴾ إذ معناه: مكافئ، وقد ولي "يكن"، وهذا النص يرد على جمهور البصريين الذي يمنعون مطلقا، ويؤيد ابن السراج، والفارسي، وابن عصفور، الذين يجيزون إذا تقدم الخبر مع المعمول فولي "كان"، وكما ترى أن ﴿كُفُوًا﴾ الذي هو خبر يكن قد تقدم على الاسم الذي هو أحد مع أن "له" الذي هو معمول الخبر قد ولي يكن. التصريح: ١/ ١٨٩-١٩٠. شرح الأشموني مع الصبان: ١/ ٢٣٧.
٢ يمنع البصريون مطلقا؛ لما في ذلك من الفصل بينها وبين اسمها بـ "أجنبي" منها، وأما الكوفيون، فيجيزون مطلقا؛ لأن معمول معمولها في معنى معمولها.стр. 246
والفارسي١ وابن عصفور٢ فأجازوه إن تقدم الخبر معه٣، نحو: كان طعامك آكلا زيد" ومنعوه إن تقدم وحده، نحو: "كان طعامك زيد آكلا"، واحتج الكوفيون بنحو قوله٤: [الطويل]
٨٨- بما كان إياهم عطية عودا٥
الحواشي
(١) ١ الفارسي: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، إمام النحو المشهور، وأحد علماء العربية، أخذ عن الزجاج وابن السراج، وأخذ عنه ابن جني وغيره، قيل: إنه كان أعلم من المبرد، له مصنفات كثيرة منها: الإيضاح في النحو، والتكملة في التصريف، وكتاب الحجة في التعليل لقراءات القرآن، وتعليقان على كتاب سيبويه، والمسائل، "الحلبية، البغدادية، البصرية، الشيرازية........." وكتاب الأغفال........ إلخ توفي ببغداد، سنة ٣٧٧هـ. البلغة: ٥٣ن إنباه الرواة: ١/ ٢٧٣، بغية الوعاة: ١/ ٤٩٦، طبقات القراء: ١/ ٢٠٦.
٢ تقدمت ترجمته وترجمة ابن السراج.
٣ لأن المعمول مكمل للخبر، فهو كالجزء منه.
٤ هو الفرزدق همام بن غالب، وقد مرت ترجمته.
٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
قنافذ هدَّاجون حول بيوتهم
وهو من كلمة للفرزدق يهجو فيها جريرا وعبد القيس، وهي من النقائض بينهما وأولها قوله:
رأى عبد قيس خفقة شوَّرت بها ... يدا قابس ألوى بها ثم أخمدا
والشاهد: من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٠، وابن عقيل "٦٧/ ١/ ٢٨١" والأشموني: "١٩٠/ ١/ ١١٦"، وهمع الهوامع: ١/ ١١٨، والدرر اللوامع: ١/ ٨٧، والمقتضب: ٤/ ١٠١، وخزانة الأدب: ٤/ ٥٧، والعيني: ٢/ ٣٤ ومغني اللبيب: "١٠٣٠/ ٧٩٥"، وديوان الفرزدق: ٢١٤.
المفردات الغريبة: قنافذ: جمع قنفذ، وهو حيوان شائك معروف، يضرب به المثل في السري، فيقال: هو أسرى من قنفذ، ذلك؛ لأنه ينام نهارا، ويصحو ليلا، ليبحث عما يقتات به، وهو بالذال والدال. هداجون: جمع هداج، وهو صيغة مبالغة من الهدج أو الهدجان، وهو مشية الشيخ الضعيف، أو مشية فيها ارتعاش. عطية: أبو جرير.
المعنى: هؤلاء الناس أي رهط جرير في الخسة والفجور كالقنافذ، يمشون ليلا حول البيوت؛ للدعارة والسرقة، مشية الشيخ الهرم؛ لئلا يشعر بهم أحد. وقد ورثوا هذه الصفة الذميمة عن عطية أبي جريرة، الذي عودهم ذلك. =стр. 247
.........................................................................
الحواشي
(١) = الإعراب: قنافذ: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم قنافذ: هداجون: صفة لـ "قنافذ" "حول": متعلق بـ "هداجون". بيوت: مضاف إليه، و"هم" مضاف إليه ثانٍ. "بما" الباء حرف جر، و"ما" اسم موصول في محل جر بحرف الجر، أو "ما" موصول حرفي. كان: فعل ماضٍ ناقص. إياهم: مفعول أول لـ "عودا" تقدم على الفعل "عود"، والمفعول الثاني محذوف، وهو عائد الصلة. عطية. اسم "كان" مرفوع. عودا: فعل ماضٍ مبني على الفتح لا محل له، والألف: للإطلاق، والفاعل هو، والجملة من الفعل والفاعل، في محل نصب خبر "كان".
موطن الشاهد: "بما كان إياهم عطية عودا".
وجه الاستشهاد: تقديم معمول خبر "كان" وهو "إياهم" على اسمها، وهو "عطية" علما أنه ليس بظرف أو جار ومجرور، وتقدمه هذا على رأي الكوفيين، وأما البصريون الذين لا يجيزون ذلك فأولوا البيت عدة تأويلات:
أحدها: أن اسم كان ضمير الشأن، وعطية: مبتدأ وجملة "عودا": خبره، وجملة "عطية عودا" في محل نصب خبر كان، فلم يتقدم في هذه الحال معمول الخبر على اسم كان.
الثاني: أن "ما" اسم موصول مجرور محلًا بـ "ما". و"كان" زائدة، وجملة "المبتدأ والخبر": صلة للموصول، لا محل لها.
الثالث: أن اسم "كان" ضمير مستتر يعود على "ما" الموصولة، وجملة "المبتدأ والخبر" في محل نصب خبر "كان"، وجملة "كان وما دخلت عليه": صلة للموصول، لا محل لها، والعائد على هذا التوجيه، والذي قبله محذوف، والتقدير: بما كان عطية عوَّدَهُمُوه. ورأى بعضهم أن هذا البيت من الضرورات التي تباح للشاعر، ولا يجوز لأحد من المتكلمين أن يقيس عليها، ومثل هذه الضرورة متعينة في قول الشاعر:
باتت فؤادي ذات الخال سالبة ... فالعيش إن حُمَّ لي عيش من العجب
فـ "ذات الخال" اسم "بات"، سالبة. خبره، وفيه ضمير مستتر، هو فاعله، يعود على ذات الخال، وفؤادي: مفعول به مقدم على عامله، وهو قوله: سالبة، وهنا لا يجوز دعوى زيادة "بات" ولا إضمار اسمها مرادا به الشأن؛ لظهور نصب الخبر "سالبة"؛ لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه بمفرد. ولا يتعين دعوى الضرورة، لجواز أن يكون فؤادي منادى، سقط منه حرف النداء، ومعمول الخبر محذوف، أي: سالبة ذلك.
وانظر في تفصيل هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ١٩٠-١٩١. والأشموني مع شرح الصبان: ١/ ٢٣٧-٢٣٨.стр. 248
وخرج على زيادة كان أو إضمار الاسم: مرادا به الشأن، أو راجعا إلى ما وعليه؛ فعطية مبتدأ، وقيل: ضرورة، وهذا متعين في قوله١: [البسيط]
٨٩- باتت فؤادي ذات الخال سالبة٢
لظهور نصب الخبر.
الحواشي
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
فالعيش إن حم لي عيش من العجب
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩، والأشموني: "١٩١/ ١/ ١١٦"، والعيني: ٢/ ٢٨.
المفردات الغريبة: الخال: شامة سوداء في الجسم تكون غالبا في الخد، والجمع خيلان، سالبة: اسم فاعل من سلب الشيء: أخذه خلسة. حم: قدر.
المعنى: يقول الشاعر: إن صاحبة الخال باتت طول الليل مستولية على قلبي وحواسي، بجمالها وحسنها، فعيشي إن قدر لي أن أعيش بعد ذلك عجيب غريب.
الإعراب: باتت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء للتأنيث. فؤادي: مفعول به لـ "سالبة" الآتي، ومضاف إليه. ذات: اسم "بات" مرفوع، وهو مضاف، الخال: مضاف إليه. سالبة: خبر بات. منصوب. فالعيش: الفاء تفريعية، العيش: مبتدأ مرفوع. إن: شرطية جازمة. حم: فعل ماضٍ مبني للمجهول، وهو فعل الشرط. "لي": متعلق بـ "حم". عيش: نائب فاعل "حم" "من العجب": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون نائب فاعل "حم" ضميرا مستترا فيه جوازا، تقديره: هو، يعود إلى العيش، ويكون قوله "عيش" خبرًا للمبتدأ. "من العجب": متعلق بمحذوف صفة لـ "العيش"، وجملة جواب الشرط محذوفة، يدل عليها سياق الكلام، وجملة الشرط وجوابه، لا محل لها من الإعراب؛ لكونها معترضة بين المبتدأ والخبر.
موطن الشاهد: "باتت فؤادي ذات الخال سالبة".
وجه الاستشهاد: تقدم معمول خبر "بات" فؤادي على الخبر "سالبة" بعد الفعل الناسخ "بات" لأن "فؤادي" مفعول به لـ "سالبة" كما بينا في الإعراب، وبهذا البيت ونحوه، استدل الكوفيون، على جواز وقوع معمول خبر الفعل الناسخ بعده -أي: بعد الفعل الناسخ، وقبل الخبر- وقد خرجه المؤلف على أنه ضرورة. ومعلوم أنه لا يجوز زيادة "بات" في البيت، ولا جعل اسمها ضمير الشأن؛ لأنه لا يخبر عنه بمفرد، وهناك تخريج آخر يفسد استدلال الكوفيين، وهو اعتبار "فؤادي" منادى بحرف نداء محذوف، لا مفعول لـ "سالبة"، واعتبار مفعول الخبر "سالبة" محذوفا أيضا، أي: سالبة إياك، وفي هذا التخريج تكلف ظاهر، والصواب ما ذهبنا إليه في الإعراب الأول.стр. 249
[استعمال كان وأخواتها تامة] :
قد تستعمل هذه الأفعال تامة١، أي مستغنية بمرفوعها٢، نحو: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة﴾ ٣، أي: وإن حصل ذو عسرة، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون﴾ ٤، أي: حين تدخلون في المساء وحين تدخلون في الصباح، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ٥، أي: ما بقيت،.......
الحواشي
(١) ١ فائدة: اختلف في كان وكائنا في: "لأضربنه كائنا ما كان" فقال الفارسي: هما تامان في الموضعين و"ما" مصدرية، وهما وما بعدهما: فاعل كائنا أي كونه، وقيل: هما ناقصان في الموضعين، وفي "كائنا" ضمير هو اسمه وخبره "ما" وهي موصولة، وصلتها: "كان واسمها وخبرها ضمير مستتر فيها"، وخبرها محذوف تقديره "إياه" واسم كائن المستتر فيه وخبر كان عائدان على الشخص المضروب، وتقدير الكلام حينئذ لأضربنه كائنا الذي كان إياه، وكائنا: حال من مفعول لأضربنه، وينظر معنى الكلام حينئذ وفيه إطلاق "ما" على العاقل، وهو جائز وجوز بعضهم أن تكون "ما" نكرة موصوفة. انظر حاشية يس على التصريح: ١/ ١٩٠.
٢ هذا ما ارتضاه ابن مالك مخالفا بذلك سيبويه وجمهور النحاة، حيث عد التام من الأفعال ما اكتفى بمرفوعه، في إتمام المعنى الأساسي للجملة، بينما يرى سيبويه وكثير من البصريين: أن معنى كونها تامة: دلالتها على الحدث المقيد والزمان معا.
٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٨٠.
موطن الشاهد: ﴿كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "كان" تامة؛ لأنها بمعنى "حصل"، والتقدير: وإن حصل ذو عسرة، فـ "كان": فعل ماضٍ تام، وذو: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو، وعسرة: مضاف إليه.
٤ "٣٠" سورة الروم، الآية: ١٧.
موطن الشاهد: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء كل من "تمسون، تصبحون فعلا تاما؛ لأن المقصود: حين تدخلون في المساء، وحين تدخلون في الصباح.
٥ "١١" سورة هود، الآية: ١٠٧.
موطن الشاهد: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ﴾ وجه الاستشهاد: مجيء "دام" فعلا تاما؛ لأنه بمعنى بقي، والتقدير: خالدين فيها ما بقيت السموات والأرض.стр. 250
.......... وقوله١: [المتقارب]
٩٠- وباب وباتت له ليلة٢
وقالوا: "بات بالقوم"، أي: نزل بهم، و"ظل اليوم"، أي: دام ظله، و"أضحينا"، أي: دخلنا في الضحى.
إلا ثلاثة أفعال فإنها ألزمت النقص، وهي: فتئ، وزال، وليس.
[اختصاص كان بجواز زيادتها بشرطين] :
تختص "كان" بأمور، منها: جواز زيادتها٣ بشرطين:
الحواشي
(١) وجه الاستشهاد: مجيء "دام" فعلا تاما؛ لأنه بمعنى بقي، والتقدير: خالدين فيها ما بقيت السموات والأرض.
١ القائل هو: امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته، وقيل: هو امرؤ القيس بن عانس.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر ثاني بيتين من كلمة لامرئ القيس، وهو بكامله مع المطلع:
تطاول ليلك بالإثمدِ ... وبات الخلي ولم ترقدِ
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرقدِ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٩١، والأشموني: "١٨٨/ ١/ ١١٥"، والعيني ٢/ ٢٠ وقطر الندى: "٤٦/ ١٨٠".
المفردات الغريبة: العائر: القذى في العين أو بئر في الجفن الأسفل تدمع له العين.
الأرمد: المصاب بالرمد.
المعنى: يصف الشاعر هذا الشخص الذي قضى ليلة سيئة طويلة، كَلَيْلَة المريض بعينه، المصاب بالرمد، لا يذوق النوم إلا غرارا، بسبب ما يعتريه من الألم.
الإعراب: بات: فعل ماضٍ تام، والفاعل: هو، وأراد نفسه. باتت: فعل ماضٍ تام، والتاء: للتأنيث. "له" متعلق بـ "بات". ليلة: فاعل "باتت". "كليلة": متعلق بمحذوف صفة لـ "ليلة". ذي: مضاف إليه، وهو مضاف. العائر: مضاف إليه. الأرمد: صفة لـ "ذي العائر".
موطن الشاهد: "بات، باتت".
وجه الاستشهاد: استعمال فعل "بات" في الموضعين تاما؛ لأنه بمعنى الدخول في المبيت، وحكم مجيء فعل "بات" تاما جائز باتفاق.
٣ معنى زيادتها: أنها لا تعمل شيئا، فلا تحتاج إلى فاعل أو مفعول، أو اسخ وخبر، ونحوهما، ولا تقع معمولة لغيرهما، وقيل: معناه استغناء الكلام عنها، فلا ينقص معناه بحذفها، وتكون لمجرد التقوية والتوكيد، مع دلالتها على الزمان الماضي على الراجح، ولا سيما إذا توسطت بين "ما" التعجبية وفعل التعجب؛ لأن فعل التعجب، لا يكون إلا بصيغة الماضي، وإن كان لا أثر للزمن فيه؛ لأنه لمجرد الإنشاء، الأشموني وحاشية الصبان: ١/ ٢٣٩.следующие страницы →