Полный текст (1 155 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
[إعمال إن عمل ليس على النادر] :
وأما "إن" فإعمالها نادر١، وهو لغة أهل العالية٢، كقول بعضهم: "إن أحدٌ
الحواشي
(١) = الطائف: الذي يطرق ليلا، وأراد هنا خيالها الذي يطرقه عند النوم. الأهوال: جمع هول، وهو الخوف.
المعنى: ليس هذا الوقت وقت تذكر جبيرة، أو تذكر ذلك الطائف الذي أزعجك، لما رأيته من عضبها.
الإعراب: لات: حرف نفي مهمل، لا عمل له، لعدم دخوله على زمان. هنا: "ظرف مكان" متعلق بمحذوف خبر مقدم. ذكرى: مبتدأ مؤخر. جبيرة. مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى مفعوله، ويجوز أن نعلق "هنا" بذكرى، ويكون الخبر محذوفا، والتقدير: ليت ذكرى جبيرة مقبولة، والأول أفضل. أو: حرف عطف. من: اسم موصول معطوف على جبيرة. جاء: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. "منها": متعلق بـ "جاء". "بطائف": متعلق بـ "جاء". الأهوال: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "لات هنا ذكرى جبيرة".
وجه الاستشهاد: إهمال "لات" لأنها دخلت على غير زمان، كما أشار المصنف؛ لأن "هنا" إسم إشارة إلى المكان البعيد، ومعلوم أن "لات" النافية العاملة عمل "ليس" لا تعمل إلا في أسماء الزمان، ولهذا، فإن محاولة إعمالها في "هنا" وهي على أصلها غير جائزة لأنها لا تعمل في المصدر أو اسم المكان، ولهذا أهملت سواء أتعلقت "هنا" بـ "ذكرى" أو بمحذوف الخبر المقدم؛ لأن "ذكرى" على الوجهين مبتدأ مرفوع كما أعربنا.
- غير أن سيبويه والرضي وغيرهما من النحاة، ذهبوا إلى أن "هنا" التي تقع بعد "لات" في مثل هذا البيت ظرف زمان متعلق بخبرها المحذوف، وقد أضيف إلى ذكرى جبيرة، واسم "لات" محذوف، والتقدير: ليس الوقت وقت ذكرة جبيرة.
١ ذهب الكسائي، وأكثر الكوفيين، وأبو على الفارسي، وأبو الفتح بن جني، إلى جواز إعمال "إن" عمل ليس. وذهب الفراء، وأكثر أهل البصرة، إلى عدم جواز إعمالها، واختلف نقل العلماء عن سيبويه والمبرد، فنقل السهيلي الجواز عن سيبويه والمنع عن المبرد، ونقل النحاس العكس، فنسب الجواز إلى المبرد والمنع إلى سيبويه، ونقل ابن مالك الجواز عنهما، ثم قال ابن مالك: إن إعمال "إن" النافية عمل ليس مع جوازه نادر، وتبعه على هذا ابن هشام، وقال غير ابن مالك: إن عمل "إن" النافية عمل ليس أكثر من عمل لا.
التصريح: ١/ ٢٠١، وانظر حاشية الصبان: ١/ ٢٥٥.
٢ تطلق على ما فوق أرض نجد إلى تهامة وإلى ما وراء مكة وما والاها.стр. 282
خيرا من أحد إلا بالعافية" وكقراءة سعيد١: "إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالُكُمْ"٢، وقول الشاعر٣: [المنسرح]
١١١- إن هو مستوليًا على أحد٤
الحواشي
(١) ١ هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الولاء، الكوفي، يكنى أبا عبد الله، ولد سنة ٤٥هـ. وهو تابعي جليل، قرأ على عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، خرج على بني أمية مع عبد الرحمن بن محمد الأشعث، فقتله الحجاج سنة ٩٥هـ.
سير أعلام النبلاء: ٤/ ٣٢١، طبقات ابن سعد: ٦/ ٢٥٦، وفيات الأعيان: ٢/ ٣٧١.
٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٩٤.
أوجه القراءات: قرأ سعيد بن جبير بتخفيف "إن" ونصب "عبادا" و"أمثالكم". وقرأ الجمهور بتشديد "إن" ورفع "عباد" و"أمثالكم".
توجه القراءات: قراءة الجمهور واضحة، وأما قراءة سعيد بن جبير، فإن "إن" عاملة عمل "ليس" على لغة أهل العالية والذين: اسمها، وعبادا: خبرها. انظر: المحتسب: ١/ ٢٧٠، والبحر المحيط: ٤/ ٤٤٤.
موطن الشاهد: "إن الذين..... عبادا أمثالكم".
وجه الاستشهاد: إعمال "إن" عمل "ليس"، وحكم إعمالها جائز عند الكوفيين -ما عدا الفراء- وأجازه المبرد وابن السراج والفارسي من البصريين، وتبعهم ابن مالك في ألفيته. وانظر في إعراب الآية: البيان: ١/ ٣٨١، والعكبري: ١/ ١٦٧.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه يروى على صور مختلفة، إحداها:
إلا على أضعف المجانين
الثانية:
إلى على حزبه الملاعين
الثالثة:
إلا على حزبه المناحيس
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠١، والأشموني: "٢٢٦/ ١/ ١٢٦"، وابن عقيل: "٨١/ ١/ ٣١٧" والمقرب: ١٩، والعيني: ٢/ ١١٣، وخزانة الأدب: ٢/ ١٤٣، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٥، والدرر اللوامع: ١/ ٩٦، وشذور الذهب: "١٣٦/ ٣٦٣".
المفردات الغريبة: مستوليا: اسم فاعل من استولى على الشيء: أي تولاه وملك زمام التصرف فيه. المجانين: جمع مجنون، وهو الذي ذهب عقله.стр. 283
[زيادة الباء في أخبار الحروف العاملة عمل ليس] :
وتزاد الباء بكثرة في خبر ليس"١/ "وما"٢، نحو: ﴿أَلَيْسَ الْلهُ بِكَاْفً عَبْدَهُ﴾ ٣، ...
الحواشي
(١) المعنى:
ليس لهذا الرجل سلطان وولاية على أحد من الناس، إلا على أشد المجانين ضعفا.
الإعراب: إن: نافية عاملة عمل "ليس". هو: اسمها مبني على الفتح في محل رفع. مستوليا: خبر منصوب، "على أحد": متعلق بـ "مستوليا". إلا أداة حصر، أو أداة استثناء مرفوع. "على أضعف": جار ومجرور بدل بعض من كل من "على أحد"، أو نقول: "جار ومجرور" واقع موقع المستثنى من الجار والمجرور السابق. المجانين: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "إن هو مستوليا".
وجه الاستشهاد: إعمال "إن" عمل "ليس" على مذهب الكوفيين، ومن وافقهم من البصريين، وفي البيت شاهد آخر على أن "إن" النافية" مثل "ما" في كونها، لا تختص بالنكرات، كما تختص بها "لا" حيث جاء اسم "إن ضميرا بارزا، كما هو واضح، كما يستفاد من الشاهد أن انتقاض النفي بـ "إلا" بعد الخبر، لا يقدح في العمل، ولا يبطله.
١ بشرط ألا تكون أداة استثناء، وألا ينتقض النفي بإلا، ويكون الخبر مجرورا لفظا، منصوبا تقديرا، وقد تزاد الباء في الاسم، إذا تأخر إلى موضع الخبر، كقراءة بعضهم: "لَيْسَ الْبِرََّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُم" بنصب "البر"، وقول الشاعر:
أليس عجيبا بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
وهذا من الغريب، كما قال في المغني، ونظير ذلك، زيادتها في خبر المبتدأ المنفي بما، ولو كان قد تقدم على المبتدأ، ومنه قول الشاعر:
لَوَ انَّك يا حسين خلقت حرا ... وما بالحر أنت ولا العتيقِ
التصريح: ١/ ٢٠١، ومغني اللبيب: ١٤٩.
٢ تزاد الباء في خبر "ليس" و"ما" عند البصريين؛ لرفع توهم الإثبات، فإن السامع قد لا يسمع أول الكلام، وعند الكوفيين؛ لتأكيد النفي، وهذا يكون خطابا لمن ينكر عدم قيام زيد، فيقول: إن زيدا لقائم، مثلا، فهذا يجاب بليس زيد بقائم.
التصريح: ١/ ٢٠١.
٣ "٣٩" سورة الزمر، الآية: ٣٦.
موطن الشاهد: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" زائدة في خبر "ليس"، وحكم مجيء هذه "الباء" جائز =стр. 284
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِل﴾ ١، وبقلة في خبر "لا"٢ وكل ناسخ منفي، كقوله٣: [الطويل]
١١٢- وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغنٍ فتيلا عن سواد بن قاربِ٤
الحواشي
(١) = باتفاق وبكثرة، فهي تفيد تأكيد النفي، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ٨٨ سورة الغاشية، الآية: ٣٢ وقوله جلت قدرته: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ ٣ سورة آل عمران، الآية: ١٨٢. وقوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين﴾ ٦ سورة الأنعام، الآية: ٥٣. وقد ورد مثل ذلك في الشعر العربي، فمنه قول عمرو بن قميئة:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فما بال من يرمَى وليس برامِ
وقول الفرزدق:
وليس كليبي إذا جن ليله ... إذا لم يجد ريح الأتان بنائم
١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٧٤.
موطن الشاهد: ﴿مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ما" عاملة عمل ليس، ودخول "الباء" الزائدة على خبرها، كما في الآية السابقة، ونقول في الإعراب: الباء حرف جر زائد، و"غافل": اسم مجرور لفظا منصوب محلا، على أنه خبر "ما"، وأمثلة إعمال "ما" عمل ليس مع دخول الباء الزائدة على خبرها كثيرة، فمن الشعر العربي المحتج به قول الفرزدق:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدلِ
وقول عبيد بن الأبرص:
ما الطرف مني إلى ما لست أملكه ... مما بدا لي بباغي اللحظ طماح
وقول المتنبي:
وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيفٌ هوىً يبغي عليه ثواب
انظر أوضح المسالك "تحقيق عبد الحميد": ١/ ٢٩٣.
٢ سواء كانت عاملة عمل "ليس" أو عمل "إن".
٣ القائل: هو سواد بن قارب الأزدي، وقيل: الأسدي الدوسي، أو السدوسي: صحابي وفد على الرسول ﷺ ، وكان كاهنا في الجاهلية، وقصة إسلامه أوردها البخاري في تاريخه، وله أخبار أخرى مع سيدنا عمر بن الخطاب ﵁. الإصابة: ٢/ ٩٥.
٤ تخريج الشاهد: هذا البيت من كلمة يخاطب بها الشاعر رسول الله ﷺ وقبله، قوله: =стр. 285
وقوله١: [الطويل]
الحواشي
(١) =
فأشهد أن الله لا شيء غيره ... وأنك مأمون على كل غائبِ
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يابن الأكرمين الأطايبِ
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسَل ... وإن كان فيما جئت شيب الذوائبِ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠١، والأشموني: "٢١٦/ ١/ ٢٣"، وابن عقيل "٧٦/ ١/ ٣١٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، ١/ ٢١٨ والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، ١/ ١٨٨، والعيني: ٢/ ٤٤، ٣/ ٤١٧ ومغني اللبيب: "٧٧٢" ٥٤٨" "٩٨٨/ ٧٥٩". والسيوطي: ٢٨٢.
المفردات الغريبة: لا ذو شفاعة: لا صاحب شفاعة. قتيلا: هو الخيط الدقيق الذي يكون في شق النواة.
المعنى: كن شفيعي -يا رسول الله- في اليوم الذي لا ينفعني فيه صاحب شفاعة نفعا ما، وذلك يوم القيامة.
الإعراب: كن: فعل أمر ناقص، خرج إلى معنى التوسل، والاستعطاف، واسمه: ضمير مستتر وجوبا، تقديره: أنت. "لي": متعلق بقوله: "شفيعا" الآتي: شفيعا: خبر "كن" يوم متعلق بـ "شفيعا". لا: نافية تعمل عمل "ليس" ذو اسمها مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه من الأسماء الستة. شفاعة: مضاف إليه. بمغنٍ: الباء حرف جر زائد، مغن: خبر "لا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الياء المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، منع منها حركة حرف الجر الزائد. وفاعل "معين" ضمير مستتر يعود على "ذو" لأن "مغنٍ" اسم فاعل يأخذ فاعلا وينصب مفعولا. فتيلا مفعول به، أو نائب مفعول مطلق. "عن سواد" متعلق بـ "مغن". ابن: صفة لـ "سواد". قارب مضاف إليه.
موطن الشاهد: "بمغن".
وجه الاستشهاد: دخول الباء الزائدة على خبر "لا" النافية العاملة عمل "ليس"، وحكم دخولها على خبر "لا": الجواز مع القلة.
فائدة: ذهب بعضهم إلى أن الباء الزائدة، كما تدخل في خبر "لا" العاملة عمل "ليس" فهي تدخل شذوذا في خبر "لا" العاملة عمل "إن" كما في قولهم: "لا خير بخير بعده النار"، وهذا شرط أن لا تجعل الباء بمعنى "في" وإلا؛ أي: إذا جعلت بمعنى "في" كانت أصلية وشبه الجملة متعلق بالخبر المحذوف، ولا زيادة ولا شذوذ.
١ القائل: هو الشنفرى الأزي: وأكثر الرواة على أن اسمه هو لقبه، وقيل اسمه: عمرو بن مالك الأزدي من قحطان، شاعر جاهلي، يماني، من فحول الطبقة الثانية، والشنفرى أحد فتاك العرب وعدائيهم ولصوصهم، وأحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم، وهو صاحب اللامية المشهورة. وقد قتله بنو سلامان. خزانة الأدب: ٣/ ٣٤٣، الأعلام: ٥/ ٨٥، الأغاني: ٢١/ ١٣٤، سمط اللآلي: ٢٤١٣.стр. 286
١١٣- وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم........................١
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هو:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم، إذ أجشع القوم أعجلُ
والبيت من لاميته المشهورة، والتي مطلعها:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأمْيَلُ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، وابن عقيل "٧٧/ ١/ ٣١٠"، والأشموني: "٢١٧/ ١/ ١٢٣" وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، والعيني: ٢/ ١١٧، ٤/ ٥١، ولامية العرب، ومغني اللبيب: "٩٦١/ ٧٢٨"، وشرح السيوطي: ٣٠٣، وقطر الندى: "٧٦/ ٢٥٣".
المفردات الغريبة: بأعجلهم: أي: يعجلهم، فهو صفة مشبهة لا أفعل تفضيل. أجشع، الجشع، شدة الحرص على الطعام.
المعنى: إذا تقدم القوم للطعام أو لاقتسام الغنائم، لم أتعجل ذلك، ولا أسبق غيري؛ لأن المتعجل شديد الحرص على ما يقدم عليه، ولست بحريص على السبق في هذا الميدان.
الإعراب: إن شرطية جازمة. مدت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، وهو فعل الشرط، مبني على الفتح، في محل جزم، والتاء: للتأنيث، وحركت لالتقاء الساكنين، الأيدي: نائب فاعل. إلى الزاد" متعلق بـ "مدت" السابق. لم أكن: حرف جزم. أكن: فعل مضارع ناقص مجزوم، واسمه: أنا. بأعجلهم: الباء زائدة، أعجلهم: خبر "أكن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو مضاف. و"هم" مضاف إليه. وجملة "لم أكن......." في محل جزم جواب الشرط. إذ: تعليلية، وهي: إما أنها حرف، لا محل لها، وإما أنها ظرف، فهي متعلقة بقوله: "أعجل" أجشع: مبتدأ، وهو مضاف، القوم: مضاف إليه. أعجل: خبر المبتدأ.
موطن الشاهد: "بأعجلهم".
وجه الاستشهاد: إدخال الباء الزائدة في خبر مضارع "كان" المنفي بـ "لم" وحكم إدخال الباء في الخبر هنا جائز مع القلة.
وفي البيت دليل آخر على أن "أعجلهم" وإن كانت على صيغة أفعل التفعيل، لكن المراد منها معنى الصفة الخالية من التفضيل، وسيأتي الكلام مفصلا عليها في حينه.
فائدة: لا تزاد الباء في خبر "لا تكون" الاستثنائية.стр. 287
وقوله١: [الطويل]
١١٤- فلما دعاني لم يجدني بقعدَدِ٢
الحواشي
(١) ١ القائل هو: دريد بن الصمة القشيري، "الصمة": هو معاوية الأصغر، من غزية بن جشم بن هوازن. ودريد، شاعر وفارس شجاع، وصاحب رأي في الجاهلية، ذكر أنه غزا مائة غزاة ما أخفق في واحدة منها، أدرك الإسلام، ولم يسلم، وخرج معه قومه مظاهرا المشركين في يوم حنين، فقتل، وهو يومئذ شيخ فان، بلغ من العمر عتيا.
الشعر والشعراء: ٢/ ٧٤٩، تجريد الأغاني: ٣/ ١١٢، المعمرين: ٢١، الخزانة: ٤/ ٤٤٢، الأغاني: ٩/ ٢.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه
وهو من كلمة جيدة، يرثي أخاه أبا فرعان، عبد الله بن الصمة.
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، والأشموني: "٢١٨/ ١/ ١٢٣"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، والعيني: ٢/ ١٢١، وليس في الأصمعيات ولا في الحماسة.
المفردات الغريبة: دعاني: أراد استصرَخَنِي، وطلب أن أغيثه. "والخيل بيني وبينه": أي حالت الموقعة واصطفاف الفرسان بيننا. القعدد: الرجل الجبان اللئيم الدنيء القاعد عن الحرب والمكارم.
المعنى: استصرخني أخي، وطلب معونتي في الحرب، وقد حالت خيل الأعداء بفرسانها بيننا، فأجبته، ولم أجبن، ولم أتوانَ.
الإعراب: دعاني: فعل ماضٍ، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. أخي: فاعل، ومضاف إليه. والخيل: الواو حالية، الخيل: مبتدأ. "بيني" متعلق بمحذوف خبر، والياء: مضاف إليه. وبينه: الواو عاطفة. "بين" معطوف على "بين" الأولى، وجملة "الخيل بيني وبينه": في محل نصب على الحال. "لما" بمعنى "حين" في محل نصب بـ "يجدني" الآتي. دعاني: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود على أخي، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، و"الجملة": في محل جر بالإضافة، بعد "لما". لم: جازمة نافية، يجدني: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" والفاعل: هو: يعود إلى "أخى"، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به أول. بقعدد: الباء زائدة، قعدد: مفعول به ثان لـ "يجد" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل، بحركة حرف الجر الزائد.
موطن الشاهد: "بقعدد".стр. 288
وينذر في غير ذلك كخبر "إن" و"لكن" و"ليت" في قوله١: [الطويل]
١١٥- فإنك مما أحدثَتْ بالمجرَِّب
الحواشي
(١) وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في المفعول الثاني لـ "يجد" المنفي بـ "لم"، ومعلوم أن "يجد" من أخوات "يظن"، التي ماضيها "ظن"، أي: هو من النواسخ، والنواسخ تدخل على المبتدأ أو الخبر، كما هو معلوم، فـ "قعدد" أصلها: خبر، فالزيادة داخلة على ما أصله خبر في الشاهد.
١ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها
وهو من قصيدة طويلة للشاعر، مطلعها قوله:
خليلي مرا بي على أم جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، والأشموني: "٢٢٠/ ١/ ١٢٣" والعيني: ٢/ ١٢٦، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، وديوان امرئ القيس: ٤٢.
المفردات الغريبة: تنأ: تبعد. عنها: أي أم جندب، التي ذكرها في مستهل القصيدة المجرب: اسم فاعل من التجربة، وهي الاختبار، والابتلاء بوساطة التكرر، ورواية فتح الراء المشددة على أنه مصدر ميمي أو اسم مكان. حقبة: مدة. والجمع: حقب والحقب: السنون.
المعنى: إذا ابتعدت مدة عن أم جندب لا تراها فيها وغابت هي عنك، فلا تظن ذلك منها هجرا، أو قطعية، وإنما هي تريد أن تعرف مبلغ حبك لها وصدقك معها، وتلك عادتها، وقد جربت ذلك من قبل.
الإعراب: إن شرطية جازمة. تنأ: فعل الشرط مجزوم، والفاعل: أنت. "عنها": متعلق بـ "تنأ". "حقبة": متعلق بـ "تنأ". لا: نافية. تلاقها: فعل مضارع مجزوم؛ لأنه بدل من "تنأ"، والفاعل: أنت، و"ها" مفعول به. فإنك: الفاء رابطة لجواب الشرط. إن: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمها. "مما" حرف جر، و"ما" مصدرية، أو اسم موصول بمعنى الذي، وعليه فـ "مما": جار ومجرور، و"الجملة" بعده: لا محل لها، وعلى الأول: فـ "ما وما دخلت عليه": في تأويل مصدر، مجرور بـ "من"، و"الجار والمجرور": متعلق بـ "مجرب" الآتي، وعلى كلا التأويلين: فـ "من" بمعنى التعليل. بالمجرب: الباء حرف جر زائد، والمجرب: خبر "إن" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة "إنك مما أحدثت بالمجرب": في محل جزم جواب الشرط.стр. 289
وقوله١: [الطويل]
١١٦- ولكنَّ أجرًا لو فعلتِ بهيِّنِ٢
الحواشي
(١) موطن الشاهد: "بالمجرب".
وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في خبر "إن" وهو المجرب، وهذا نادر في اللغة، وزيادة "الباء" على جعل المجرب اسم فاعل، والمعنى كما أسلفنا فإنك الذي جرب ما أحدثته أم جندب.
هذا؛ وذهب بعض العلماء إلى جعل "المجرب" بفتح الراء المشددة اسم مكان من التجربة، وعلى هذا التخريج، تكون "الباء" حرف جر أصلي، ويكون الجار والمجرور: متعلقا بالخبر المحذوف، والتقدير: فإنك كائن بمكان التجربة.
وذهب آخرون: إلى أن "المجرب" اسم فاعل كما هي غير أن "الباء" حرف جر أصلي، وليست زائدة؛ لأنها تفيد هنا التشبيه، و"الجار المجرور": متعلق بالخبر المحذوف، كما في التخريج السابق، والتقدير: فإنك كائن مثل الشخص المجرب لها ولأفعالها.
١ لم ينسب إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
وهل يُنكَر المعروفُ في الناس والأجرُ؟
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، وشرح المفصل: ٨/ ١٣٩، والخزانة: ٤/ ١٦٠، والعيني: ٢/ ١٣٤، واللسان "كفى".
المفردات الغريبة: هين "بفتح الهاء وتشديد الياء" سهل خفيف، وأصله "هيون" مثل: سيد وميت: المعروف: الخير والعمل الطيب.
المعنى:
إن عمل المعروف والجزاء عليه هين وسهل لمن أراده، والناس لا ينكرون على صانع المعروف عمله والجزاء عليه، ولن يضيع أجره عند الله.
الإعراب: لكن: حرف استدراك ونصب، أو حرف مشبه بالفعل أجرا: اسمه. لو: حرف شرط غير جازم. فعلت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعله، وجملة "فعلت" شرط "لو" وجوابها محذوف، والتقدير: لو فعلت لنلت جزاء فعلك. بهين: الباء زائدة. هين: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا، على أنه خبر "لكن" هل: حرف استفهام. ينكر: فعل مضارع مبني للمجهول. المعروف: نائب فاعل "في الناس": معلق بـ "ينكر". والأجر: الواو عاطفة، والأجر: اسم معطوف على المعروف.
موطن الشاهد: "لكن أجرا ... بهين".
وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في خبر "لكن" المشددة النون، وحكم زيادة "الباء" في هذا الموضع أنه نادر.стр. 290
وقوله١: [الطويل]
١١٧- ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو الفرزدق: وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
يقول إذا اقلولى عليها وأقردتْ
البيت من كلمة للفرزدق، يهجو فيها جرير بن عطية، وقومه بني كليب، ويعيرهم بأنهم يأتون الأتن، وقبل الشاهد، قوله:
وليس كليبي إذا جن ليله ... إذ لم يجد ريح الأتان بنائمِ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، والأشموني: "٢١٩/ ١/ ١٢٣"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، والمنصف: ٣/ ٣٧، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٦٧، والعيني: ٢/ ١٣٥، ١٤٩ واللسان "قرد، قلا"، والمغني "٦٥٢/ ٤٥٩" وفيه برواية: ألا أهل أخو عيش لذيد بدائم.
وشرح السيوطي: ٢٦٢، وديوان الفرزدق: ٨٦٣.
المفردات الغريبة: جن ليله: ستره وأظلم عليه. الأتان: أنثى الحمار، وجمعها أتن، مثل سحاب وسحب. اقلولى: فسره العيني: ارتفع، صاحب اللسان: انكمش. أقردت: ذلت وخضعت.
المعنى: يقول الكلبي: إذا قضى مأربه من الأتان، وسكنت له: أتمنى دوام هذا العيش اللذيذ.
الإعراب: يقول: فعل مضارع، والفاعل: هو، يعود إلى "كليبي" في البيت السابق عليه. إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، في محل نصب على الظرفية الزمانية. اقلولي: فعل ماضٍ، والفاعل هو. "عليها": متعلق بـ "اقلولى" و"ها" ضمير عائد إلى "الأتان" في محل جر بالإضافة وجملة "اقلولى عليها": في محل جر بالإضافة بعد "إذا" وأقردت" الواو عاطفة، أقردت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي، يعود إلى الأتان، وجملة "أقردت": في محل جر؛ لأنها معطوفة على جملة في محل جر بالإضافة. ألا: حرف استفتاح وتنبيه. ليت حرف مشبه بالفعل. ذا: اسم إشارة، اسم "ليت". العيش: بدل من اسم الإشارة. اللذيذ: صفة لـ "العيش". بدائم: الباء حرف جر زائد، دائم: خبر "ليت" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة "ليت وما دخلت عليه": في محل نصب مقول القول.
موطن الشاهد: "ليت ذا العيش بدائم".
وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في خبر "ليت"، وحكم زيادتها هنا أنها نادرة، ولا يكاد ينسج على منوالها.стр. 291
وإنما دخلت في خبر "أن" في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ ١، لما كان: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ في معنى "أو ليس الله".
الحواشي
(١) ١ "٤٦" سورة الأحقاف، الآية: ٣٣.
موطن الشاهد: ﴿أَنَّ اللَّهَ....... بِقَادِرٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: زيادة الباء في خبر "أنَّ" في الآية الكريمة ليس على الندرة؛ لأن القرآن الكريم منزه عن وقوع الندرة فيه، وإنما زيدت لأن المعنى: "أو ليس الله الذي خلق السموات" ومعلوم أن زيادة الباء في خبر "ليس" كثيرة.
فائدتان: "أ": قد يجر المعطوف على الخبر الصالح للباء مع سقوطها. تقول: ليس المجاهد بمتأخر، وقاعد عن الفتك بالأعداء، ويسمى هذا عند النحويين بالعطف على التوهم، أي أن المتكلم توهم وجود الباء الزائدة، فعطف بالجر. ويندر هذا في غير خبر "ليس" و"ما"، وينبغي أن يقتصر ذلك على السماع. ويجوز كذلك النصب عطفا على محل المعطوف عليه.
"ب": خير ما قيل في إعراب "حنت نوار ولات هنَّا حنت": أن "لات" حرف نفي مهمل، و"هنا" اسم إشارة للمكان منصوب على الظرفية خبر مقدم "حنت" فعل ماضٍ والتاء للتأنيث، والفاعل: هي، وقبلها "أن" مقدرة، والمصدر المؤول من أن المقدرة والجملة: في محل رفع مبتدأ مؤخر. حاشية الصبان. ١/ ٢٥٦، ٢٥٧، وانظر ضياء السالك: ١/ ٢٥١.стр. 292
[باب أفعال المقاربة] :
هذا باب أفعال المقاربة:
[أفعال هذا الباب ثلاثة أنواع] :
وهذا من باب تسمية الكل باسم الجزء١، كتسميتهم الكلام كلمة.
وحقيقة الأمر أن أفعال الباب ثلاثة أنواع: ما وضع للدلالة على قرب الخبر، وهو ثلاثة: كاد، وأوشك، وكرب، وما وضع للدلالة على رجائه، وهو ثلاثة: عسى٢، واخلولق، وحرى، وما وضع للدلالة على الشروع فيه، وهو كثير، ومنه: أنشأ، وطفق، وجعل، وعلق، وأخذ.
الحواشي
(١) ١ الأولى أن يقول: من باب التغليب؛ لأن تسمية الكل باسم الجزء إنما تكون بإطلاق اسم الجزء على ما تركب منه، ومن غيره، كتسمية المركب كلمة، أما تسمية الأشياء المجتمعة من غير تركيب باسم بعض فيسمى تغليبا كما هنا.
حاشية يس على التصريح: ١/ ٢٠٣.
٢ في "عسى" ثلاثة أقوال للنحاة.
الأول: أنها فعل في كل حال، سواء اتصل بها ضمير الرفع أم ضمير النصب أم لم يتصل بها واحد منهما، وهو قول نحاة البصرة، ورجحه المتأخرون.
الثاني: أنها حرف في جميع الأحوال، سواء اتصل بها ضمير الرفع أم لم يتصل بها، وهو قول جمهرة الكوفيين، وثعلب، وابن السراج.
والثالث: أنها حرف إذا اتصل بها ضمير نصب، كما في قول صخر بن العود الحضرمي.
ومنه قول الراجز:
تقول بنتي: قد أنى أناكا ... يا أبتا علك أو عساكا
ومنه قول عمران بن حطان الخارجي:
ولي نفس تنازعني إذا ما ... أقول بها: لعلي أو عساني
فهي في مثل هذه الشواهد حرف، وفعل فيما عدا ذلك، وهو قوله سيبويه شيخ النحاة. مغني اللبيب: ٢٠١.стр. 293
[شرط عمل هذه الأفعال] :
ويعملْنَ عمل "كان"، إلا أن خبرهن يجب كونه جملة١، وشذ مجيئه مفردا بعد "كاد" وعسى، كقوله٢: [الطويل]
١١٨- فأُبْتُ إلى فهم وما كدت آئبا٣
الحواشي
(١) ١ إنما وجب ذلك؛ لأن الحكم يتوجه إلى مضمون الجملة.
٢ القائل: هو تأبط شرا، واسمه: ثابت بن جابر بن سفيان، وقيل ثابت بن عمسل، كان شاعرا بئيسا، يغزو على رجليه وحده.
الشعر والشعراء: ١/ ٣١٢، الأغاني: ١٨/ ٢٠٩، الخزانة: ١/ ٦٦، الاشتقاق: ١٦٢.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
والبيت من كلمة، اختارها أبو تمام في حماسته، وأولها قوله:
إذا المرء لم يحتَلْ وقد جدَّ جدُّه ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٣، وابن عقيل "٥٨/ ١/ ٣٢٥"، والأشموني: "٢٣١/ ١/ ١٢٨" وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٧، والإنصاف: ٥٤٤، وشرح المفصل: ٧/ ١٣، ١١٩ والعيني: ٢/ ١٦٥، والخزانة: ٣/ ٥٤، ٤/ ٩٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٨٣.
المفردات الغريبة: أبت: رجعت. فهم: اسم قبيلته، وأبوها فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان، تصفر، تخلو، والمراد هنا تتأسف وتتحزن على إفلاتي منها بعد أن ظنوا أنهم قد قدروا عليَّ، وكان ذلك بعد أن أفلت من بني لحيان، وقد أحكموا خطة؛ ليوقعوا به عندما كان يشتار عسلا من فوق جبل.
المعنى: رجعت إلى قبيلتي "فهم" وما كدت أعود إليها بعد مفارقتي لها، وكثير من القبائل مثلها تركتها وهي تتحسر وتتأسف على تركي لها.
الإعراب: فأبت: الفاء عاطفة، أبت: فعل وفاعل. "إلى فهم": متعلق بـ "أبت". وما: الواو حالية "ما" نافية. كدت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه آئبا: خبر كاد، و"الجملة" في محل نصب على الحال وكم: خبرية، تفيد التكثير، في محل رفع مبتدأ. مثلها: مضاف إليه وهو تمييز كم" و"ها": مضاف إليه ثانٍ. فارقتها: فعل وفاعل ومفعول به، و"الجملة": في محل رفع خبر "كم". وهي: الواو
حالية، والضمير بعدها مبتدأ تصفر: فعل مضارع، والفاعل: هي و"الجملة" في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة "المبتدأ وخبره"، في محل نصب على الحال.
موطن الشاهد: "وما كان آئبا".
وجه الاستشهاد: عمل "كاد" عمل "كان" ومجيء خبرها اسما مفردا، وحكم مجيء خبر كاد اسما مفردا شاذ، لا يقاس عليه؛ لأن الأصل في خبرها أن يكون جملة فعلية، فعلها مضارع، وبعض النحاة أنكروا رواية البيت على الوجه السابق، وزعموا أن الرواية الصحيحة "وما كنت آئبا".стр. 294
وقولهم: "عسى الغوير أبؤسا"١.
وأما: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ ٢، فالخبر محذوف، أي: يمسح مسحا.
الحواشي
(١) ١ هذا مثل قالته العرب، وذكره الميداني في مجمع الأمثال: "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ٢/ ١٧.
وأصله: أن قوما كانوا في غار، فانهار عليهم، فماتوا جميعا، ثم تمثلت به الزباء ملكة الجزيرة، حين رجع إليها قصير ومعه الرجال والغوير: تصغير الغار، وهو اسم ماء لبني كليب. الأبؤس: جمع بؤس أو بأس، ومعناه: العذاب والشدة. والمعنى: لعل الشر يأتيكم من قبل الغوير، فصار مثلا يضرب للرجل يتوقع الشر من جهة بعينها. شرح التصريح: ١/ ٢٠٤.
موطن الشاهد: "عسى الغوير أبؤسا".
وجه الاستشهاد: مجيء خبر "عسى" مفردا، وحكم هذا أنه شاذ، ولا يقاس عليه، كما في الشاهد السابق، وهذا تخريج سيبويه وأبي علي الفارسي، وذهب ابن الأعرابي، إلى أن "أبؤسا" منصوب بفعل محذوف، والتقدير: عسى الغوير يصير أبؤسا، وقدره الكوفيون: عسى الغوير أن يكون أبؤسا، وذهب آخرون إلى أن "أبؤسا": مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: يأتي بأبؤس، وكان الصواب أن يقدر على هذا الوجه يأتي أبؤسا؛ لأن "أتى" يتعدى بنفسه؛ وأما ابن هشام فيرى أنه مفعول مطلق لعامله المحذوف، والتقدير: عسى الغوير يبأس أبؤسا. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٣-٢٠٤.
٢ "٣٨" سورة ص، الآية: ٣٣.
موطن الشاهد: ﴿طَفِقَ مَسْحًا﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف عامل المفعول المطلق، وهو "يمسح" الواقع خبر لـ "طفق"، والذي جوز حذف العامل دلالة المصدر عليه، فأقيم مقامه، واسم "طفق" يعود إلى سليمان ﵇، وفي هذه الآية رد على ابن مالك، حيث قال: "وحذف عامل المؤكد امتنع". شرح التصريح: ١/ ٢٠٤.стр. 295
وشرط الجملة: أن تكون فعلية، وشذ مجيء بعد "جعل" في قوله١: [الوافر]
١١٩- وقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب٢
الحواشي
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٤، والأشموني: "٢٣٣/ ١/ ١٢٨"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٨، والخزانة: ٤/ ٩٢، والعيني: ٢/ ١٧٠، والمغني: "٤٢٣/ ٣١٠" والسيوطي: ٢٠٦.
المفردات الغريبة: قلوص: بفتح القاف: الشابة من النوق. بني سهيل: ويروى مكانه ابني سهيل، الأكوار: جمع كور وهو الرحل بأدواته، وقد يكون "الكور" بفتح الكاف: الجماعة من الإبل: مرتعها: المكان الذي ترعى فيه.
المعنى: أخذت هذه النوق الفتية ترعى بالقرب من رحالها أو من جماعة الإبل التي تجاورها، وذلك لما بها من الإعياء والتعب، فلم تستطع البعد عن الرحال.
الإعراب: جعلت: فعل ماضٍٍ من أفعال الشروع، يعمل عمل "كان"، والتاء: للتأنيث. قلوص: اسم جعل مرفوع. بني: مضاف إليه. سهيل: مضاف إليه ثانٍ. "من الأكوار": متعلق بـ "قريب" مرتعها: مبتدأ، و"ها": مضاف إليه. قريب: خبر مرفوع، وجملة "مرتعها قريب": في محل نصب على الحال.
وذهب آخرون إلى أن "جعل" بمعنى "صار"، وليست من أفعال الشروع، وعليه، فـ "قلوص": اسم جعل، وجملة مرتعها قريب: خبر، ولا شاهد في البيت على هذين التخريجين.
وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٤، وحاشية الصبان: ١/ ٢٥٩-٢٦٠.стр. 296
وشرط الفعل ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون رافعا لضمير الاسم١، فأما قوله٢: [البسيط]
١٢٠- وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي........................ ٣
الحواشي
(١) ١ أي: الاسم الذي لهذه الأفعال نحو: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ، وذلك؛ لأن أفعال هذا الباب إنما جاءت؛ لتدل على أن مرفوعها هو الذي قد تلبس بالفعل، أو شرع فيه لا غيره، فلا بد في الفعل من ضمير يعود على المرفوع؛ ليتحقق ذلك.
التصريح: ١/ ٢٠٤.
٢ القائل هو: عمرو بن أحمر الباهلي، شارع مجيد من مخضرمي الجاهلية والإسلام، يُعرَف بكثرة غريبه في الشعر، وبصحة كلامه؛ وذلك لأنه كان في أفصح بقعة من الأرض أهلا، وهذا الموضع هو "يذبل" جبل مشهور لباهلة، وكان عمرو أعور العين؛ وذلك لسهم أصابه في عينه، عمَّر تسعين سنة وسقي بطنه فمات.
الشعر والشعراء: ١/ ٣٥٦، والجمحي: ٢/ ٥٨٠، المؤتلف: ٣٧، الخزانة: ٣/ ٣٨، اللآلي: ٣٠٧.
٣ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هو:
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي، فأنهض نهض الشارب السكر
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٤ برواية "الثمل"، والأشموني: "٢٤٥/ ١/ ١٣٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٢٨، ١/ ١٣١، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٢، ١/ ١٠٩، والخزانة: ٤/ ٩٣، "الثمل" والمقرب: ١٨، والعيني: ٢/ ١٧٣، والمغني: "٩٨٤/ ٧٥٤" برواية "ثمل" والسيوطي: ٣٠٨ وشذور الذهب: "٨٧/ ٢٥٢، ٣٥٩".
وقد ذكر الرواة بيتا مثله من كلام أبي حية النميري، وهو:
وقد جعلت إذا ما قمت يوقعني ... ظهري، فقمت قيام الشارب السكر
ويروى أيضا:
وقد جعلت إذا ما نمت أوجعني ... ظهري وقمت قيام الشارف الظهر
حاشية الصبان: ١/ ٢٦٣.
المفردات الغريبة: يثقلني: يجهدني ويتعبني، أنهض: أقوم، ومصدره النهض. السكر: صفة مشبهة بمعنى الثمل وهو الذي أخذ منه الشراب، وأضعف قواه.
المعنى: جعلت إذا قمت يجهدني ويتعبني ثوبي الذي ألبسه؛ لِما بي من ضعف، فأقوم بمشقة، كما يقوم السكران الذي أخذ منه من الشراب وأضعف قواه.
الإعراب: جعلت: فعل ماضٍٍ من أفعال الشروع، يعمل عمل "كان" والتاء: اسمه. إذا: ظرفية متضمنة معنى الشرط. ما زائدة. قمت: فعل ماضٍٍ وفاعل: يثقلني: فعل مضارع، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. ثوبي: فاعل يثقل، وهو مضاف، =стр. 297
وقوله١: [الطويل]
١٢١- وأسقيه حتى كاد مما أبثّه ... تكلمني أحجاره وملاعبُهْ٢
الحواشي
(١) = والياء: مضاف إليه، وهذا الإعراب على الوجه الذي استشهد المؤلف بالبيت لإبرازه. فأنهض: الفاء عاطفة، أنهض: فعل مضارع، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: أنا: نهض: مفعول مطلق مبين لـ "النوع". ونهض: مضاف، والشارب: مضاف إليه. السكر: صفة لـ "الشارب" مجرورة.
موطن الشاهد: "جعلت يثقلني ثوبي".
وجه الاستشهاد: وقوع خبر "جعل" فعل مضارعا "يثقلني" وقد رفع اسما ظاهرا، هو "ثوبي" مضاف إلى ضمير عائد إلى اسم جعل كما يدل ظاهر البيت وذلك غير جائز عند النحويين؛ لأنهم يشترطون في أفعال الشروع أن تكون أخبارهم مضارعة رافعة لضمير مستتر يعود إلى الاسم، فكان عليه أن يقول: "جعلت أثقل".
وذهب العلامة العيني إلى أن "جعلت" فعل واسمه، و"يثقلني": خبره وقوله: "ثوبي" بدل من اسم جعلت، بدل اشتمال، وليس فاعل يثقلني.
انظر شرح الشواهد للعيني بذيل حاشية الصبان: ١/ ٢٦٣-٢٦٤.
١ القائل هو: ذو الرمة، غيلان بن عقبة، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من قصيدة طويلة للشاعر، مطلعها:
وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه.
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٤، والأشموني: "٢٤٤/ ١/ ١٣٠"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣١، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٨، وكتاب سيبويه: ٢/ ٢٣٥، وشرح شواهد الشافية للبغدادي: ٤١، والعيني: ٢/ ١٧٦، وديوان ذي الرمة: ٣٨.
المفردات الغريبة: أبثه: أظهر له بثي، والبث: شدة الحزن. ملاعبه: جمع ملعب، وهو مكان اللعب، والضمير عائد على ربع مية.
المعنى: وقفت أسقي ربع مية بدموعي؛ أو أدعو له بالسقيا وأظهر ما عندي من أسى وألم وحزن، حتى كادت أحجاره وأماكن اللعب فيه تجيبني إشفاقا علي ورحمة بي.
الإعراب: أسقيه: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا، و"الهاء" مفعول به. حتى: حرف غاية وجر. كاد: فعل ناقص، واسمه يعود إلى الأحجار والملاعب. "مما": متعلق بـ "تكلمني:" أبثه: فعل مضارع، والفاعل: أنا و"الهاء": مفعول به، وجملة "أبثه": صلة للموصول "ما" لا محل لها. تكلمني: فعل مضارع مرفوع، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، والفاعل: هو، يعود إلى "أحجاره" الواقع بدلا من الضمير المستتر في "كاد" العائد إلى الربع؟ والأصل: كاد هو أحجاره وملاعبه تكلمني.
موطن الشاهد: "كاد تكلمني أحجاره".
وجه الاستشهاد: وقوع خبر كاد فعلا مضارعا رافعا الاسم الظاهر المضاف إلى ضمير الاسم، وهو كالشاهد السابق، ولذا أعربناه الإعراب الذي يتفق والقاعدة.стр. 298
فثوبي وأحجاره بدلان من اسمي جعل وكاد، ويجوز في "عسى" خاصة أن ترفع السببيَّ١، كقوله٢: [الطويل]
١٢٢- وماذا عسى الحجاج يبلغُ جُهْدَُهُ٣
الحواشي
(١) ١ المراد بالسببي: الاسم الظاهر المضاف إلى ضمير يعود على الاسم المرفوع بعسى، وانظر إلى قوله "جهده" في رواية الرفع، تجده اسما مرفوعا بعسى ظاهرا مضافا إلى ضمير يعود إلى الحجاج، وهو المرفوع بعسى.
٢ القائل هو البرج التميمي. ولم أعثر له على ترجمة وافية.
٣ تخريج الشاهد: البيت كما نسبه ياقوت للبرج التميمي، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي قد ألزمه البعث إلى المهلب بن أبي صفرة لقتال الأزارقة، فهرب منه إلى الشام. وقد نسبه العيني، والشيخ خالد الأزهري إلى الفرزدق. انظر شرح العيني بذيل حاشية الصبان: ١/ ٢٦٤ وشرح التصريح: ١/ ٢٠٥، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٥، والأشموني: "٢٤٦/ ١٣٠"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣١ والدرر اللوامع: ١/ ١٠٨، والعيني: ٢/ ١٨٠، وليس في ديوان الفرزدق، والشاهد صدر البيت، وعجزه:
إذا نحن جاوزنا حفير زياد
المفردات الغريبة: جهده، الجهد: الطاقة والوسع. حفير زياد: هو موضع على خمس ليالٍ من البصرة. وزياد هو ابن أبي سفيان أخو معاوية، وكان واليا على العراق.
المعنى: ما الذي يرجو الحجاج أن يناله منا إذا نحن جاوزنا هذا الموضع، وأصبحنا في أمن من اللحاق بنا؟ والاستفهام إنكاري أي: إنه لا يرجى له شيء مما يريد.
الإعراب: ماذا: اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، أو ما: في محل رفع مبتدأ، و"ذا" اسم موصول: خبر، وعلى هذا، فجملة "عسى": صلة للموصول، لا محل لها؛ لأن المعنى: ما الذي يقال فيه عسى؟، ومعلوم أن الإنشاء لا يقع صلة. عسى: فعل ماضٍ ناقص. الحجاج: اسمه. يبلغ فعل مضارع وفاعل. جهده: مفعول به، والهاء: مضاف إليه على رواية النصب. أما على رواية الرفع فجهده فاعل يبلغ مرفوع بالضمة الظاهرة، والهاء: مضاف إليهظ وجملة "يبلغ جهده": في محل نصب خبر "عسى".
موطن الشاهد: "عسى الحجاج يبلغ جهده".
وجه الاستشهاد: رفع المضارع الواقع خبرا لـ عسى وهو "يبلغ" اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير عائد إلى اسم عسى، وهو "جهده"، وهذا سائغ في "عسى" من دون أخواتها على رأي الجمهور، وبعضهم يرى أن "جهده" بالنصب مفعول "يبلغ" والفاعل يعود إلى الحجاج، فلا شاهد إذًا، على رواية النصب.
وفي البيت شاهد آخر على مجيء خبر ليس فعلا مضارعا غير مقترن بـ "أن" المصدرية.стр. 299
يروى بنصب "جهده" ورفعه.
الثاني: أن يكون مضارعا١، وشذ في "جعل" قول ابن عباس٢ ﵄: "فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا"٣.
الثالث: أن يكون مقرونا بأن إن كان الفعل حرى أو اخلولق، نحو: "حرى زيد أن يأتي" و"اخلولقت السماء أن تمطر"٤، وأن يكون مجردا منها إن كان الفعل دالا
الحواشي
(١) ١ أي: في اللفظ والإعراب، ولكن معناه ماضٍٍ قريب من الحال في الزمن، مثل "كا" وأخواتها.
٢ ابن عباس: هو أبو العباس، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، حبر الأمة وترجمان القرآن، وفقيه عصره، ولد سنة ٣ ق. هـ، لازم النبي ﷺ وروى عنه الأحاديث، شهد مع علي بن أبي طالب "الجمل" "وصفين"، وله في الصحيحين ١٦٦٠ حديثا، ينسب إليه كتاب في تفسير القرآن، جمعه بعض أهل العلم، مات سنة ٦٨هـ.
سير أعلام النبلاء: ٣/ ٣٣١، وفيات الأعيان: ٣/ ٦٢، البداية والنهاية: ٨/ ٢٩٥، الإصابة: ٢/ ٣٣٠.
٣ قال ابن عباس ذلك مبنيا حال الناس عندما أعلن رسول الله ﷺ الدعوة. وأما الإعراب، فـ "جعل": فعل ناقص. الرجل: اسمه. إذا: ظرفية زمانية. لم: جازمة. نافية. يستطع: مضارع مجزوم، والفاعل هو، أن: حرف مصدري ونصب، يخرج: فعل مضارع منصوب، والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل نصب مفعول به، والتقدير: لم يستطع الخروج. أرسل: فعل ماضٍٍ، والفاعل: هو رسولا: مفعول به، وجملة "أرسل رسولا": في محل نصب خبر "جعل".
موطن الشاهد: "جعل الرجل........... أرسل رسولا".
وجه الاستشهاد: مجيء خبر "جعل" فعلية، فعلها ماضٍ، وحكم مجيئه ماضيا شاذ ولا يقاس عليه.
٤ المقصود بـ "أن" المقترن بها -هنا- أن المصدرية الناصبة وجوبا، وذلك للإشعار بأن الفعل السابق عليها، يفيد الرجاء في المستقبل، وأما خبر الفعل الناسخ السابق لها، فيكون مصدرا منسبكا من "أن وما دخلت عليه"، وفي هذه الحال، يحصل إشكال، وهو الإخبار بالمعنى عن الجثة، وهذا غير جائز، وللتخلص من هذا الإشكال؛ فإما أن يظل الأمر على ظاهره، ويقصد به المبالغة، وإما أن يقدر مضاف قبل أو بعد الناسخ، ففي نحو: عسى زيد أن يذهب، يكون التقدير: عسى زيد صاحب قيام، وهذا أفضل، وقيل: يغتفر في هذا الباب الإخبار بالمعنى عن الجثة.
وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٦.стр. 300
على الشروع١، نحو: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَان﴾ ٢، والغالب في خبر "عسى" و"أوشك" الاقتران بها، نحو: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ ٣، وقوله:٤ [الطويل]
١٢٣- ولو سُئِل الناسُ الترابَ لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا٥
الحواشي
(١) ١ لأن الشروع في الفعل والأخذ فيه ينافيان الاستقبال الذي تفيده "أن".
٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٢٢، و"٢٠" سورة طه، الآية: ١٢١.
موطن الشاهد: ﴿طَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "طفق" دالا على الشروع، ومجيء خبره "يخصفان" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرد من "أن"، وحكم تجرُّد الخبر من "أن" مع أفعال الشروعِ الوجوبُ، ومعنى "يخصفان" في الآية الكريمة: يلصقان.
٣ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء خبر عسى جملة فعلية، فعلها مضارع مقترن بـ "أن"، وحكم اقتران "أن" بالفعل المضارع الواقع جوابا لـ "عسى" الجواز مع التغليب.
٤ لم ينسب إلى قائل معين.
٥ تخريج الشاهد: يروى قبل البيت الشاهد قوله:
أبا مالك، لا تسأل الناس والتمس ... بكفيك فضل الله، والله واسعُ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٦، والأشموني: "٢٣٨/ ١/ ١٢٩" وابن عقيل: "٨٩/ ١/ ٣٣٢"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٥، ومجالس ثعلب: ٤٣٣، وأمالي الزجاجي: ١٩٧ والعيني: ٢/ ١٨٢، واللسان: "وشك" وشذور الذهب: "١٢٧/ ٣٥٣".
المفردات الغريبة: لأوشكوا: لَقَربوا. يملوا: يسأموا ويضجروا.
المعنى: لو سئل الناس إعطاء التراب وهو شيء تافهٌ لا قيمة له لكرهوا الطلب، وكادوا يمنعونه، إذا قيل لهم: هاتوا؛ وذلك لما طبعوا عليه من الحرص، أو لكراهة الطلب.
الإعراب: لو: شرطية غير جازمة. سئل: فعل ماضٍٍ مبني للمجهول. الناس: نائب فاعل. التراب: مفعول به ثانٍ منصوب، والمفعول الأول انقلب نائب فاعل؛ لِبناء =стр. 301
والتجرد قليل، كقوله١: [الوافر]
١٢٤- عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريبُ٢
الحواشي
(١) = الفعل للمجهول. لأوشكوا: اللام واقعة في جواب "لو"، أوشكوا: فعل ماضٍ ناقص، والواو: اسمه. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط قيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول، وهو فعل الشرط لـ "إذا"، ونائب الفاعل محذوف، والتقدير: قيل لهم، أو قيل القول. هاتوا: فعل أمر، والواو: فاعل، وجملة "هاتوا": مقول القول في محل نصب. أن: حرف مصدري ونصب. يملوا: فعل مضارع منصوب، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، و"المصدر المؤول": في محل نصب خبر "أوشك". ويمنعوا: معطوف على "يملوا".
موطن الشاهد: "أوشكوا..... أن يملوا".
وجه الاستشهاد: مجيء خبر "أوشك" فعلا مضارعا مقترنا بـ "أن" وحكم اقتران جواب "أوشك" بـ "أن" الجواز مع التغليب. وفي البيت شاهد آخر، على مجيء "أوشك" بصيغة الماضي، وفي هذا رد على من لا يجوز وقوعها إلا بصيغة المضارع.
١ القائل هو: هدبة بن خشرم العذري، شاعر إسلامي من أهل بادية الحجاز، توفي سنة ٥٠هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٦٩١، الاشتقاق: ٣٢٠، الأغاني: ٢١/ ١٦٩، الخزانة: ٤/ ٨١.
٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من قصيدة، قالها وهو في الحبس، وقد روى أكثر هذه القصيدة أبو علي القالي في أماليه، وروى أبو السعادات بن الشجري في حماسته أكثر مما رواه القالي، وأول هذه القصيدة:
طربت وأنت أحيانا طروبُ ... وكيف وقد تعلَّاك المشيبُ؟
يجدَّ النأي ذكرك في فؤادي ... إذا ذهلت على النأي القلوبُ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٦، وابن عقيل: "٨٦/ ١/ ٣٢٧"، والأشموني: "٢٣٤/ ١/ ١٢٩" وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٦، والكتاب لسيبويه: ١/ ٤٧٨، والمقتضب: ٣/ ٧٠ والجمل للزجاجي: ٢٠٩، والمرزباني: ٤٨٣، وشرح المفصل: ٧/ ١١٧، ١٢١، والمقرب: ١٧ والخزانة: ٤/ ٨١، والعيني: ٢/ ١٨٤، والمغني: "٢٧٠/ ٢٠٣" "٩٨٣/ ٧٥٤" وشرح السيوطي لأبيات المغني: ١٥٢.
المفردات الغريبة: الكرب: الهمّ والغمّ. أمسيت: يروى بفتح التاء وضمّها، والمراد صرت. فرج: أي كشف للكرب والغم.
المعنى: عسى هذا الخطب الذي ألم بي أن يكشفه الله تعالى عن قريب.
الإعراب: عسى: فعل ماضٍٍ ناقص. الكرب: اسم عسى. الذي: صفة لـ "الكرب".
أمسيت: فعل ماضٍٍ ناقص، والتاء: اسمه. "فيه" متعلق بالخبر المحذوف، =стр. 302
وقوله١: [المنسرح]
١٢٥- يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها٢
الحواشي
(١) = وجملة "أمسيت فيه": صلة للموصول، لا محل لها. يكون: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه يعود إلى الكرب. "وراءه" متعلق بخبر مقدم محذوف، وهو مضاف، و"الهاء": مضاف إليه. فرج: مبتدأ مؤخر مرفوع. قريب: صفة لـ "فرج"، وجملة "وراءه فرج": في محل نصب خبر "يكون"، وجملة "يكون وراءه فرج قريب": في محل نصب خبر "عسى".
موطن الشاهد: "يكون وراءه......".
وجه الاستشهاد: مجيء خبر "عسى" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرَّد من "أن"، وحكم مجيئه مجردا منها الجواز مع القلة.
فائدة: في الشاهد السابق، لا يجوز أن نعرب "فرج" "يكون" و"وراءه" متعلق بخبر محذوف تقدم عليه؛ لأن ذلك، يقتضي أن يرفع المضارع الواقع خبرا لـ عسى" اسما ظاهرا، وهو ممتنع بالإجماع. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٦.
١ القائل هو: أمية بن أبي الصلت، واسم أبيه عبد الله بن أبي ربيعة الثقفي رغب في جاهليته عن عبادة الأوثان، ولم يؤمن بالنبي ﷺ حيث بعث، كان شعره بأحاديث أهل الكتاب، قال عنه الرسول ﷺ حين أنشد شعره: "آمن لسانه وكفر قلبه" مات سنة: ٥هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٤٥٩، الأغاني: ٣/ ١٧٩، الخزانة: ١/ ١١٨، شعراء الجاهلية: ٢١٩-٢٣٧.
٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٧، وابن عقيل: "٩٠/ ١/ ٣٣٣"، والأشموني: "٢٣٩/ ١/ ١٢٩" وهمع الهوامع: ١/ ١٢٩، ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٣، ١/ ١٠٦، والكتاب لسيبويه: ١/ ٤٧٩ والكامل للمبرد: ٤٣، وشرح المفصل: ٧/ ١٢٦، والمقرب: ١٧، والعيني: ٢/ ١٨٧ وحاشية الدمنهوري: ٨٧، ٩١، ٩٦، وشذور الذهب: "١٢٩/ ٣٥٥"، وديوان أمية: ٤٢.
المفردات الغريبة: منيته، المنية: الموت. غراته، جمع غرة، بكسر الغين: وهي الغفلة. يوافقها: يصيبها، ويقع عليها.
المعنى: إن من فر وهرب من الموت جبنا وخوفا في حرب أو نحوها يقرب أن يدركه الموت، وينزل به في بعض غفلاته.
الإعراب: يوشك: فعل مضارع ناقص. مَن: اسم موصول، في محل رفع اسم "يوشك". فر: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. وجملة "فر": صلة للموصول، لا محل لها. "من منيته": متعلق بـ "فر"، والهاء: مضاف إليه "في بعض": متعلق بـ "يوافقها". غراته: مضاف إليه، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه. يوافقها: فعل مضارع، والفاعل: هو، و"ها" مفعول به، وجملة "يوافقها": في محل نصب خبر "يوشك".
موطن الشاهد: "يوشك من....... يوافقها".
وجه الاستشهاد: مجيء خبر "يوشك" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرد من "أن"، وحكم تجرده منها الجواز مع القلة.стр. 303
وكاد وكرب بالعكس١، فمن الغالب قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُون﴾ ٢، وقول الشاعر٣: [الخفيف]
١٢٦- كرب القلب من جواه يذوب٤
الحواشي
(١) ١ أي: يغلب في خبرهما التجرد من "أن"؛ وذلك لأنهما يدلان على شدة مقاربة الفعل، فأشبها أفعال الشروع واقترانهما بأن في النادر بالنظر لأصلهما.
التصريح: ١/ ٢٠٧.
٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٧١.
موطن الشاهد: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء خبر "كاد" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرد من "أن" وحكم مجيئه مجردا منها الجواز مع التغليب.
٣ الشاعر: هو الكلحبة اليربوعي، ويقال له: العريني، واسمه هبيرة بن عبد مناف بن عرين من بني تميم وساداتها، ويعرف بفارس العرادة. الخزانة. ١/ ٣٩٢، الاشتقاق: ٢٢٦.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
حين قال الوشاة: هند غضوب.
ينسب البيت أيضا إلى رجل من طيء، وهو من شواهد، التصريح: ١/ ٢٠٧، وابن عقيل: "٩١/ ١/ ٣٣٥"، والأشموني: "٢٤٢/ ١/ ١٣٠"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٥، والعيني: ٢/ ١٨٩، وشذور الذهب: "١٣٠/ ٣٥٦".
المفردات الغريبة: جواه: الجوى، شدة الوجد. الوشاة، جمع واشع، من وشى به إذا نم عليه. ويروى: حين قال العذول: وهو اللائم في المحبة. غضوب: فعول بمعنى فاعل، وهي صفة من الغضب.
المعنى: قرب قلبي من شدة وجده وحزنه وحرقته يسيل، حين قال الساعون المفسدون بين الأحبة. هند غاضبة عليك.
الإعراب: كرب: فعل ماضٍ ناقص. القلب: اسمه. "من جواره" متعلق بـ "يذوب" الآتي، أو بقوله "كرب" والهاء: مضاف إليه. يذوب فعل مضارع، والفاعل: هو، وجملة "يذوب": في محل نصب خبر كرب. "حين": متعلق بـ "يذوب". قال: فعل =стр. 304
ومن القليل، قوله١: [الخفيف]
١٢٧- كادت النفس أن تفيض عليه٢
الحواشي
(١) = ماضٍٍ. الوشاة: فاعل. هند: مبتدأ. غضوب: خبره، وجملة "هند غضوب": في محل نصب مقول القول، وجملة "الفعل وفاعله ومفعوله" في محل جر بالإضافة.
موطن الشاهد: "كرب القلب...... يذوب".
وجه الاستشهاد: مجيء خبر "كرب" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرد من "أن"، وحكم مجيئه مجردا منها الجواز مع التغليب.
١ القائل: هو محمد بن مناذر، أبو ذريح، وقيل أبو جعفر، أحد شعراء البصرة، كان مولى لنبي يربوع، أدرك المهدي العباسي ومدحه، وكان كثير المعرفة يجالس سفيان بن عيينة أحد الفقهاء المشهورين فيسأله سفيان عن غريب الحديث ومعانيه. مات في أيام المأمون. الشعر والشعراء: ٢/ ٨٦٩-٨٧١، الأغاني: ١٧/ ٩-٣٠، معجم الأدباء: ١٩/ ٥٥.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
إذ غدا حشو ريطةٍ وبرودِ
البيت من قصيدة لابن مناذر، يرثي فيها رجلا اسمه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، وكان ابن مناذر يحبه، ويشغف به، وكان الآخر يحب ابن مناذر، ويعينه على دنياه.
وأول هذه القصيدة قوله:
ما لحي مؤمل من خلودِ ... كل حي لاقى الحمام فَمُودِ
وقبل الشاهد قوله:
إن عبد المجيد يوم توفي ... هَدَّ رُكنًا ما كان بالمهدودِ
ليت شعري وهل درى حاملوه ... ما على النعش من عفاف وجودِ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٧، وابن عقيل: "٨٨/ ١/ ٣٣٠"، والأشموني: "٢٣٥/ ١/ ١٢٩"، والشذور: "١٣١/ ٣٥٧"، والمغني: "١١٢٣/ ٨٦٨"، وشرح السيوطي: ٣٢١.
المفردات الغريبة: تفيض: من فاضت نفس فلان، وهي لغة تميم، ويروى مكانه "تفيظ" على لغة قيس وكل الرواة يجيزون أن تقول: فاظت نفسه، إلا الأصمعي، فأبى أن تقول إلا: فاظ فلان، أو تقول: فاضت نفس فلان، ريطة "بفتح الراء": الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، وأراد بها الأكفان التي يلف بها الميت.
المعنى: قاربت النفس أن تخرج من جسدها، حزنا على هذا الميت، حين صار مدرجا في أكفانه.стр. 305
وقوله١: [الطويل]
١٢٨- وقد كربت أعناقها أن تقطعا٢
ولم يذكر سيبويه في خبر كرب إلا التجرد من أن.
الحواشي
(١) الإعراب: كادت النفس: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث. النفس: اسم "كاد" مرفوع. أن: حرف مصدري ونصب. تفيض: فعل مضارع منصوب لـ "أن" والفاعل: هي، وجملة "تفيض": صلة للموصول الحرفي، لا محل لها، والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل نصب نصب خبر "كاد". "عليه" متعلق بـ "تفيض". إذ: ظرف للزمان الماضي، متعلق بـ "تفيض". غدا: فعل ماضٍٍ بمعنى صار، واسمه، ضمير مستتر جوازا، تقديره: هو، يعود إلى المرثي. حشو: خبر "غدا" منصوب، وهو مضاف. ريطة: مضاف إليه. وبرود: معطوف على ريطة مجرور مثله.
موطن الشاهد: "أن تفيض".
وجه الاستشهاد: اقتران خبر "كاد" بـ "أن" وحكم اقتران خبرها بها الجواز مع القلة كما في المتن.
١ القائل: هو أبو هشام بن زيد الأسلمي. ولم أعثر له على ترجمة وافية.
٢ هذا عجز بيت، وصدره قوله:
سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما
وهو من كلمة للشاعر يهجو فيها إبراهيم بن اسماعيل بن المغيرة والي المدينة من قبل هشام بن عبد الملك بن مروان، وكان قد مدحه من قبل، فلم ترقه مدحته فلم يعطه، وأمر به فضرب بالسياط، وأول هذه الكلمة:
مدحت عروقا للندى مصت الثرى ... حديثا، فلم تهمم بأن تترعرعا
نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى ... وحلَّبت الأيامَ والدهر أضرُعا
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٧، وابن عقيل: "٩٢/ ١/ ٣٣٥"، والأشموني: "٢٤١/ ١/ ١٣٠"، وهمع الهوامع: ١/ ٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٥، والمقرب: ١٧ وشذور الذهب: "١٣٢/ ٣٥٨".
المفردات الغريبة: الأحلام: العقول، جمع حلم. سجلا: دلوا عظيمة. الظمأ: العطش. الأعناق: جمع عنق وهو الرقبة.
المعنى: إن هذه العروق التي مدحتها فردتني، إنما هي عروق ظلت في الضر والبؤس، حتى أنقذها ذوو أرحامها بعد أن أوشكت أن تموت؟ ويقصد بذوي الأرحام بني مروان ويريد الشاعر أن يقول: إن الذين مدحتهم حديثو عهد بالنعمة واليسار، ومثل هؤلاء لا يرتجى خيرهم.стр. 306
[أفعال المقاربة ملازمة لصيغة الماضي إلا أربعة] :
وهذه الأفعال ملازمة لصيغة الماضي، إلا أربعة استعمل لها مضارع، وهي "كاد" نحو: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ ١، وأوشك، كقوله:
يوشك من فر من منيته٢
وهو أكثر استعمالا من ماضيها، و"طفق"، حكى الأخفش: طفق يطفق كضرب يضرب، وطفق يطفق كعلم يعلم، و"جعل"، حكى الكسائي: "إن البعير ليهرم حتى يجعل إذا شرب الماء مجه".
[استعمال اسم فاعل ثلاثة منها] :
واستعمل اسم فاعل لثلاثة، وهي: "كاد" قاله الناظم، وأنشد عليه٣: [الطويل]
الحواشي
(١) = الإعراب: سقاها: فعل ماضٍ، ومفعول به أول. ذوو: فاعل مرفوع. الأحلام: مضاف إليه. سجلا: مفعول به ثانٍ منصوب. "على الظما": متعلق بـ "سقاها". وقد: الواو حالية. قد: حرف تحقيق. كربت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث. أعناقها: اسم كَرُبَ، و"ها" مضاف إليه. أن: حرف مصدري ونصب. تقطعا: فعل مضارع، حذفت إحدى تاءيه تخفيفا، منصوب وعلامة نصبه حذف النون، والألف للإطلاق، والفاعل: ني، والمصدر المؤول في محل نصب خبر "كرب"، الجملة من "كرب واسمها وخبرها": في محل نصب على الحال.
موطن الشاهد: "أن تقطعا".
وجه الاستشهاد: مجيء خبر "كرب" مضارعا مقترنا بـ "أن" وحكم هذا الاقتران جائز مع القلة، وفي الشاهد رد على سيبويه الذي لم يحك فيه غير التجرد، فالبيت حجة عليه، ومثل هذا الشاهد، قول العجاج:
لقد برئت أو كربت أن تبورا ... لما رأيت بيهسا مثبورا
فاقترن جواب كرب بـ "أن" وهو قليل نادر، كما أسلفنا.
١ "٢٤" سورة النور، الآية: ٣٥.
موطن الشاهد: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ .
وجه الاستشهاد: استعمال مضارع "كاد" الناقصة، واستعمال مضارعها جائز شائع في لغة العرب، وزيت: اسمها، وجملة "يضيء": في محل نصب خبرها.
٢ مر تخريج هذا الشاهد، والتعليق عليه.
٣ هذا البيت لكثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عِزَّة، يكنى أبا صخر، ويعرف بابن أبي جمعة، وهو جده لأمه، وكثير شاعر فحل من شعراء الطبقة الأولى، وأحد شعراء الغزل في عصره، عرف بحبه لعزة وتغزله بها، على الرغم من قبحها، وكان أحمق، غاليا في التشيع، ورافضيا، اتصل بعبد الملك بن مروان، فأكرمه. مات سنة ١٥٠هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٥٠٣، تجريد الأغاني: ٣/ ١٠٠٨، الجمحي: ١/ ١٢١، الخزانة: ٢/ ٣٧٦. اللآلي: ٦١.стр. 307
١٢٩-............ وإنني ... يقينا لرهن بالذي أنا كائد١.
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة طويلة في رثاء عبد العزيز بن مروان أبي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل. وتمام البيت قوله:
أموت أسى يوم الرجام، وإنني ... يقينا لرهن بالذي أنا كائد
وقبل البيت الشاهد قوله:
وكدت وقد سالت من العين عبرة ... سها عاند منها وأسبل عاند
قذيت بها والعين سهو دموعها ... وعوارها في باطن الجفن زائد
فإن تركت للكحل لم يترك البكى ... وتشري إذا ما حثحثتها المزاود
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٨، وابن عقيل: "٩٤/ ١/ ٣٣٩"، والأشموني: "٢٤٩/ ١/ ١٣١، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٤، والعيني: ٢/ ٩٨، وديوان كثير: ٢/ ١١٤.
المفردات الغريبة: الأسى: الحزن وشدة اللوعة. الرجام: اسم موضع حدثت فيه موقعة. اليقين: العلم والجزم. رهن مرهون
المعنى: كدت أموت من الحزن واللوعة في هذا اليوم الذي غاب فيه عبد العزيز، وإنني لمرهون ومحبوس، بالذي لا بد عما قريب سيكون، فالموت أمر لا مفر منه.
الإعراب: أموت: فعل مضارع وفاعل. أسى مفعول له، ويجوز أن يكون حالا بتقدير: آسيا، أي: حزينا، وبعضهم أعربه: تمييزا، والأول أفضل. "يوم": متعلق بـ "أموت". الرجام: مضاف إليه. وإنني: الواو حالية، إن: حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب اسمها. يقينا: مفعول مطلق لفعل محذوف، لرهن: اللام لام المزحلقة، رهن: خير "إن" مرفوع. "بالذي" متعلق بـ "رهن" أنا مبتدأ. كائد: خبر، وجملة "أنا كائد": صلة للموصول، لا محل لها، واسم كائد: ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنا، وخبره محذوف، والتقدير: ألقاه، والهاء المحذوفة في محل نصب مفعول به، وهذه الهاء هي العائد إلى الاسم الموصول.
موطن الشاهد: "أنا كائد".
وجه الاستشهاد: استعمال "كائد" اسم الفاعل من "كاد" على هذه الرواية غير أن المؤلف صوب رواية "كابد" بالباء، من المكابدة، وعلى تلك الرواية فلا شاهد فيه، وقد اعتمد تلك الرواية ابن السكيت في شرح ديوان كثير عزة.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٨.стр. 308
و"كرب" قال جماعة، وأنشدوا عليه١: [الكامل]
١٣٠- أبُنِيَّ إن أباك كارب يومه٢
الحواشي
(١) ١ هذا البيت لعبد قيس بن خفاف البرجمي، أحد بني عمرو بن حنظلة، شاعر تميمي جاهلي وفحل مجيد، وهو من شعراء المفضليات، والبرجمي، أي: من البراجم، وهو بطون من أولاد حنظلة بن مالك بن تميم.
الأعلام: ٤/ ٤٩، سمط اللآلي: ٩٣٧.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
فإذا دعيت إلى المكارم فاعجلِ
وبعده قوله:
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح ... طبن بريب الدهر غير مغفل
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٨، والأشموني: "٢٥٠/ ١/ ١٣١"، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ١١٤، والعيني: ٢/ ٢٠٢، والمفضليات، للمفضل الضبي: ٣٨٤، والأصمعيات: ٢٢٩.
المفردات الغريبة: كارب يومه: قريب يوم وفاته. المكارم: جمع مكرمة، وهي الخصلة من خصال البر.
المعنى: يوصي الشاعر ابنه، فيقول: اعلم يا بني أن أباك قريب يوم وفاته وانتهاء حياة الدنيا، فإذا دعيت إلى فعل المكرمات وعمل البر فأسرع إلى ذلك، ولا تتأخر.
الإعراب: أبني: "الهمزة" حرف نداء، بني: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء، والياء: مضاف إليه. إن: حرف مشبه بالفعل. أباك: اسم إن منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، والكاف: مضاف إليه. كارب: خبر "إن" مرفوع. يومه: مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى ظرفه، واسم "كارب": ضمير مستتر، تقديره: هو. والخبر محذوف، والتقدير: كارب هو في يومه يموت.
موطن الشاهد: "كارب يومه".
وجه الاستشهاد: استعمال اسم فاعل "كرب" الناقصة على زعم جماعة من النحاة. كما أعربنا الشاهد، والتقدير: كارب هو في يومه يموت، فالخبر محذوف، غير أن الجوهري وبعض النحاة وتبعهم المؤلف، يذهبون إلى أن "كارب" في البيت اسم =стр. 309
و "أوشك"، كقوله١: [الوافر]
١٣١- فإنك موشكٌ أن لا تراها٢
الحواشي
(١) = فاعل لـ "كرب" التامة، لا الناقصة، وهو لا يحتاج إلى اسم وخبر، وإنما هو محتاج إلى فاعل وحسب، وعلى هذا فهو مضاف إلى فاعله، في قوله: "كارب يومه". وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٨.
فائدة: بني: تصغير "ابن" مضاف إلى ياء المتكلم، وقد دخلت عليه همزة النداء، وأصله قبل الإضافة "بنيو" فاجتمع الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فانقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم أضيفت إلى المتكلم، فاجتمع ثلاث ياءات، فحذفت الثانية منهن، التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتى بها لغرض خاص، ولم تحذف الثالثة، التي هي ياء المتكلم؛ لأنها كلمة برأسها.
انظر أوضح المسالك "تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد": ١/ ٣٢٠.
١ القائل: هو كثير بن عبد الرحمن، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه، قوله:
وتعدو دون غاضرةَ العوادي
وهو من قصيدة لكثير، يشبب فيها بغاضرة، جارية أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز.
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٨، والأشموني: "٢٤٨/ ١/ ١٣١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٤، والعيني: ٢/ ٢٠٥، وليس في ديوان كثير.
المفردات الغريبة: العوادي: عوائق الدهر وغوائله التي تعدو على الإنسان، واحدها: عادية.
المعنى: إن القريب إلى الفعل والغالب أنك لا ترى غاضرة، وأن تحول دون رؤيتها موانع وعوائق، لا تستطيع التغلب عليها.
الإعراب: إنك: حرف مشبه، واسمه. موشك: خبر: "إن" مرفوع، وهو اسم فاعل من أوشك، واسمه: أنت. ألا: أن مصدري ونصب، ولا: نافية. تراها: فعل مضارع منصوب بـ "أن" والفاعل: أنت، و"ها" مفعول به، وجملة "تراها": صلة للموصول الحرفي، والمصدر المؤول، في محل نصب خبر "موشك" على الوجه المراد من الاستشهاد بالبيت، تعدو: فعل مضارع مرفوع "دون": متعلق بـ "تعدو". غاضرة مضاف إليه. العوادي: فاعل مرفوع.
موطن الشاهد: "موشك".
وجه الاستشهاد: استعمال اسم الفاعل "موشك" من أوشك الناقصة، وإعماله عمل فعله، فرفع الاسم، وهو الضمير المستتر فيه، ونصب الخبر، وهو المصدر المؤول من "أن وما بعدها" وما يدل على عمله عمل فعله اقتران خبره بـ "أن" المصدرية كذلك.стр. 310
والصواب أن الذي في البيت الأول كابد، بالباء الموحدة، من المكابدة والعمل، وهو اسم غير١ جارٍ على الفعل، وبهذا جزم يعقوب٢ في شرح ديوان كثير.
وأن كاربا في البيت الثاني اسم فاعل كرب التامة٣ في نحو قولهم: "كرب الشتاء" إذا قرب، وبهذا جزم الجوهري٤.
[استعمال مصدر طفق وكاد] :
واستعمل مصدر لاثنين، وهما: "طفق، وكاد" حكى الأخفش: طفوقا عمن قال: طفق بالفتح، وطفقا عمن قال: طفق بالكسر، وقالوا: كاد كودا ومكادا ومكادة.
[اختصاص عسى واخلولق وأوشك باستغنائها عن الخبر] :
وتختص "عسى" و"اخلولق" و"أوشك" بجواز إسنادهن إلى "أن يفعل"
الحواشي
(١) ١ فعل المكابدة هو "كابد" مثل: قاتل وشارك، واسم فاعل هذا الفعل هو "مكابد" هل: مقاتل؛ لِهذا كان "كابد" غير جار على قياس الفعل المستعمل.
٢ هو أبو يوسف، يعقوب بن السكيت، وقد مرت ترجمته، وقد ورد في بعض النسخ "ابن يعقوب" وليس بشيء.
٣ وعليه، فلا يحتاج إلى اسم وخبر، وإنما يحتاج إلى فاعل، وحسب.
٤ الجوهري: هو الإمام اللغوي، أبو نصر الفارابي: إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب كتاب الصحاح في اللغة، كان من أعاجيب الزمان ذكاءً وفطنةً وعلمًا، طاف البلاد، ودخل العراق، وقرأ على أبي علي الفارسي والسيرافي، له فضلا عن الصحاح المشهور كتاب في العروض، ومقدمة في النحو: مات سنة ٣٩٣هـ. البلغة: ٣٦، بغية الوعاة، ١/ ٤٤٦ن إنباه الرواة: ١/ ٤٩١، معجم المؤلفين: ٢/ ٢٦٧.стр. 311
مستغنى به عن الخبر١، نحو: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ٢، وينبني على هذا فرعان.
أحدهما: أنه إذا تقدم على إحداهن اسم هو المسند إليه في المعنى وتأخر عنها "أن" والفعل نحو: "زيد عسى أن يقوم"، جاز تقديرها خالية من ضمير ذلك الاسم، فتكون مسندة إلى "أن" والفعل مستغنى بهما عن الخبر، وجاز تقديرها مسندة إلى الضمير، وتكون "أن" والفعل في موضع نصب على الخبر.
ويظهر أثر التقديرين في التأنيث والتثنية والجمع، فتقول على تقدير الإضمار "هند عست أن تفلح" و"الزيدان عسيا أن يقوما" و"الزيدون عسوا أن يقوموا" و"الهندات عسين أن يقمن"، وتقول على تقدير الخلو من الضمير "عسى" في الجميع، وهو الأفصح، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُن﴾ ٣.
الثاني: أنه إذا ولي إحداهن "أن" والفعل وتأخر عنهما اسم هو المسند إليه في المعنى، نحو: "عسى أن يقوم زيد"، جاز في ذلك الفعل أن يقدر خاليا من الضمير، فيكون مسندا إلى ذلك الاسم، وعسى مسندة إلى أن والفعل مستغنىً بهما عن الخبر،
الحواشي
(١) ١ أي: تكون تامة، لا تحتاج إلى خبر، والمصدر المؤول من "أن والفعل" بعدها: فاعل لها، ويشترط في هذه الحال أن يكون مرفوع المضارع ضميرا يعود إلى اسم سابق، ويرى الناظم "ابن مالك" وبعض النحاة: أنها في هذه الحالة ناقصة، والمصدر المؤول من "أن والفعل" سد مسد المعمولين.
٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢١٦.
موطن الشاهد: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء عسى "تامة" والمصدر المؤول من "أن وما بعدها" في محل رفع فاعل لـ "عسى".
٣ "٤٩" سورة الحجرات، الآية: ١١.
موطن الشاهد: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا﴾ ، ﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "عسى" تامة، و"أن وما بعدها" في محل رفع فاعل في الموضعين، وهذا الوجه الأفضل.стр. 312
وأن يقدر١ متحملا لضمير ذلك الاسم، فيكون الاسم مرفوعا بعسى، وتكون "أن" والفعل في موضع نصب على الخبرية، ومنع الشلوبين٢ هذا الوجه؛ لضعف هذه الأفعال عن توسُّط الخبر، وأجازه المبرد٣ والسيرافي٤ والفارسي٥.
ويظهر أثر الاحتمالين أيضا في التأنيث والتثنية والجمع، فتقول على وجه الإضمار: "عسى أن يقوما أخواك" و"عسى أن يقوموا إخوتك" و"عسى أن يقمن نسوتك" و"عسى أن تطلع الشمس" بالتأنيث لا غير٦ وعلى الوجه الآخر توحِّدُ
الحواشي
(١) ١ أي الفعل المنصوب بأن المصدرية.
٢ الشلوبين: هو أبو علي: عمر بن محمد الأشبيلي الأزدي، المعروف بالشلوبين، أي: الأبيض الأشقر بلغة الأندلس، إمام عصره في العربية، وآخر أئمة هذا النوع بالمشرق والمغرب، أخذ عن ابن ملكون، وغيره، وأقرأ نحو ستين سنة، فاشتهر وعلا صيته، له تعليق على كتاب سيبويه، وكتاب آخر في النحو، سماه التوطئة. توفي سنة: ٦٤٥هـ. البلغة: ١٧٢، إنباه الرواة، ٢/ ٣٣٢، بغية الوعاة: ٢/ ٢٢٤، وفيات الأعيان: ١/ ٣٨٢، الأعلام: ٥/ ٢٢٤.
٣ المبرد: هو أبو العباس، محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري، إمام العربية ببغداد، أخذ عن المازني والجرمي، وقرأ عليهما كتاب سيبويه، وروى عنه نفطويه، والصولي، وغيرهما، كان فصيحا بليغا، وصاحب نوادر، سماه المازني بالمبرد: أي المثبت للحق، له مؤلفات كثيرة، منها: الكامل في الأدب، والمقتضب في النحو، وشرح شواهد الكتاب وغيره. مات بالكوفة سنة ٢٨٦هـ.
البلغة: ٢٥٠، إنباه الرواة: ٣/ ٢٤١، بغية الوعاة: ١/ ٢٦٩، الفهرست: ٩٥، الأعلام: ٨/ ١٥.
٤ السيرافي: أبو سعيد: الحسن بن عبد الله بن المرزبان القاضي: وكان اسم أبيه: بهزاد، فسماه ابنه عبد الله، والسيرافي نسبة إلى سيراف، "مدينة بفارس" وهو إمام في النحو والفقه واللغة والشعر، وكثير من العلوم، أخذ عن ابن السراج، وعن أبي بكر بن مجاهد، وابن دريد. له: شرح كتاب سيبويه، وهو شرح حسده عليه أبو علي الفارسي، وله كتب أخرى، مات سنة ٣٦٨هـ.
البلغة: ٦١، إنباه الرواة: ١/ ٣١٣، بغية الوعاة: ١/ ٥٠٧، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢٥٦، الأعلام: ٢/ ٢١٠.
٥ هو أبو علي الفارسي، وقد مرت ترجمته.
٦ لأن: "تطلع" حينئذ مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الشمس، والشمس مجازي التأنيث؛ وكل فعل أسند إلى ضمير عائد إلى اسم مجازي التأنيث، وجب تأنيثه.стр. 313
"يقوم" وتؤنث "تطلع" أو تذكره١
[جواز كسر سين عسى] :
يجوز كسر سين "عسى" خلافا لأبي عبيدة٢، وليس ذلك مطلقا خلافا للفارسي، بل يتقيد بأن تسند إلى التاء أو النون أو نا، نحو: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِب﴾ ٣، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُم﴾ ٤، قرأهما....................................
الحواشي
(١) ١ إنما وجب أن توحّد "يقوم" لأنه أسند إلى الاسم الظاهر التالي له، وكل فعل أسند إلى اسم ظاهر، وجب في اللغة الفصحى ألا تلحقه علامة تثنية، ولا علامة جمع، وإنما جاز في "تطلع" التذكير والتأنيث؛ لأنه حينئذ مسند إلى اسم ظاهر مجازي التأنيث، وكل فعل أسند إلى الاسم الظاهر المجازي التأنيث، جاز إلحاق تاء التأنيث به، وعدم إلحاقها.
التصريح: ١/ ٢١٠.
٢ أبو عبيدة: هو معمر بن المثنى، لغوي بصري، ومولى لبني تيم "تيم قريش رهط أبي بكر الصديق" أخذ عن يونس بن حبيب، وأبي عمرو بن العلاء، وأخذ عنه أبو حاتم والمازني، وهو أول من صنف في غريب الحديث، قيل: إنه أعلم من الأصمعي، وأبي زيد بأنساب العرب وأيامهم، له تصانيف تقارب المائتين؛ منها: النقائض بين جرير والفرزدق، وأيام العرب، والمجاز في غريب القرآن، والأمثال في غريب الحديث، وغيرها. توفي سنة ٢١٣هـ، وقد قارب المائة.
البلغة: ٢٦١، إنباه الرواة: ٣/ ٢٧٦، بغية الوعاة: ٢/ ٢٩٤، وفيات الأعيان: ٢/ ١٠٥.
٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٤٦.
أوجه القراءات: قرأ نافع "عَسِيتم" بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها.
توجيه القراءات: عسيت وعسيت: لغتان، وقد منع الكسر أبو عبيدة، والصواب جوازه وإن كان الفتح أشهر؛ لِجريانه على القياس، وانظر في هذه المسألة.
حجة القراءات: ١٤٠، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٧٧، والبحر المحيط: ٢/ ٢٥٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٤٤، ومجمع البيان للطبرسي: ٢/ ٢٤٩، وتفسير الرازي: ٢/ ٢٩٢، والكشف للقيسي: ١/ ٣٣، وشرح التصريح: ١/ ٢١٠.
٤ ٤٧ سورة محمد "ص"، الآية: ٢٢.
أوجه القراءات: قرأ نافع "عَسِيتم" بالكسر، وقرأ الباقون بالفتح.
توجه القراءات: جواز فتح وكسر سين "عسى" كما في الآية السابقة؛ لأن الفتح والكسر لغتان فيها، وإن كان الأشهر فيها الفتح، ومعلوم أن القراءة ينبغي أن توافق لغة من لغات العرب، حتى تصح بها القراءة، ولهذا قرأ نافع بكسر السين في عسِيتم؛ لِموافقتها إحدى لغات العرب.
انظر مراجعة توجيه قراءات الآية السابقة.стр. 314
نافع١ بالكسر، وغيره، وهو المختار.
الحواشي
(١) ١ نافع: هو أبو الحسن، نافع بن عبد الرحمن المدني، أحد أصحاب القراءات السبع، أصله من أصبهان، كان إمام الناس بالقراءة في المدينة وانتهت إليه رياسة الإقراء بها، قيل: إنه قرأ على سبعين من التابعين، وأجمع عليه الناس بعدهم. مات سنة ١٦٩هـ. وفيات الأعيان: ٥/ ٣٦٨، المعارف: ٥٨٢ غاية النهاية: ٢/ ٣٣٠، طبقات القراء: ٢/ ٣٣٠، الشذرات: ١/ ٢٧٠.
فائدة: "أ": يجوز حذف خبر هذه الأفعال إن علم، وهو كثير في خبر "كاد" قليل في خبر "كان"، نحو: من تأنى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد.
"ب": يتعين في مثل: عسى أن يكرم محمد الضيف، أن تكون "عسى" تامة، و"محمد" فاعلا لها، ولا يجوز أن يعرب "محمد" مبتدأ مؤخرا، ولا اسما لعسى على أنها ناقصة، و"أن يكرم" خبرها مقدما؛ لِئلا يلزم الفصل بين أجزاء صلة "أن" بأجنبي؛ وهو "محمد"، ومثل هذا يقال في إعرابه كلمة "ربك" في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ، و"مقاما" ظرف. حاشية الصبان: ١/ ٢٦٦.
"ج": اختلف فيما يتصل بعسى من الضمائر: الكاف والهاء والياء، فذهب سيبويه، إلى أنها في محل نصب اسم لعسى، وهي حينئذ حرف ترجٍّ، مثل "لعل"، وما بعدها خبر لها، وفي هذه الحالة لا تقع بعدها "ما" الزائدة. وذهب المبرد والفارسي إلى أن "عسى" على ما هي عليه من رفع الاسم ونصب الخبر، وهذه الضمائر أخبارها مقدمة في محل نصب، وما بعدها الاسم، وقد عكس الإسناد، ويلزم على هذا: جعل خبر "عسى" اسما صريحا. وهذا نادر كما تقدم، وذهب الأخفش إلى أن "عسى" على ما كانت عليه أيضا، وهذه الضمائر أسماؤها، وقد ناب ضمير النصب عن ضمير الرفع ونيابة بعض الضمائر عن بعض جائزة، واختار الناظم قول الأخفش حاشية الصبان: ١/ ٢٦٧.стр. 315
[باب الأحرف المشبهة بالفعل] :
هذا باب الأحرف الثمانية الداخلة على المبتدأ والخبر١:
[عملها وعددها:]
فتنصب المبتدأ ويسمى اسمها، وترفع خبره ويسمى خبرها٢.
الحواشي
(١) ١ عد المؤلف "عسى" إذا جاءت تفيد الرجاء بمعنى "لعل" حرفا مشبها بالفعل، كما سيأتي.
فائدة: سميت هذه الأحرف أحرفا مشبهة بالفعل؛ لِكونها تشبه الفعل في اللفظ، والمعنى جميعا ويكن حصر أوجه الشبه في خمسة أمور، هي:
أ- أنها كلها على ثلاثة أحرف أو أكثر، فـ "إن وإن وليت" على ثلاثة أحرف، و"لعل، وكأن" على أربعة أحرف، و"لكن" على خمسة أحرف.
ب- أنها تختص بالأسماء كما أن الفعل يختص بالأسماء.
ج- أنها كلها مبنية على الفتح، كما أن الفعل الماضي مبني على الفتح.
د- أنها تلحقها نون الوقاية عند اتصالها بياء المتكلم، كما تلزم هذه النون الفعل عند اتصاله بها.
هـ- أنها تدل على معنى الفعل، فـ "إن"، و"أن" تفيدان معنى "أكدت"، و"كأن" تدل على معنى "شبهت"، و"ليت" تدل على معنى "تمنيت"، ولعل" تدل على معنى "رجوت" فلما كانت الأحرف المشبهة تتضمن تلك المعاني، عملت عمل الأفعال، أوضح المسالك: ١/ ١٢٥.
٢ أي: عملها عكس عمل "كان" وأخواتها، وهذا أحد أوجه الفروق بينهما. وثاني تلك الفروق أن "الأحرف المشبهة" أحرف، وتلك "كان وأخواتها" أفعال وحروف. وثالثها: أن هذه الحروف، يجب أن تكون في صدر الجملة ما عدا "أن" المفتوحة- كما سيأتي، بخلاف كان وأخواتها. ضياء السالك: ١/ ٢٧٣.
فائدة١: ذهب بعضهم إلى أن الأحرف المشبهة بالفعل تنصب المبتدأ والخبر معا، واستدلوا بقول عمر بن أبي ربيعة، وليس في ديوانه:стр. 316
فالأول والثاني: "إن" و"أن": وهما لتوكيد النسبة، ونفي الشك عنها، والإنكار لها.
والثالث: "لكن": وهو للاستدراك١ والتوكيد، فالأول نحو: "زيد شجاع
الحواشي
(١) إذا اسود جنح الليل فلتأتِ ولتكنْ ... خطاك خفافا إن حراسنا أسد
بنصب "حراسنا وأسد" معا.
غير أن الجمهور يمنعون ذلك، ويؤولون هذا الشاهد، وما شابهه بأن الجزء الثاني حال والخبر محذوف، والتقدير: إن حراسنا تلقاهم أسدا، ونحو ذلك.
انظر حاشية الصبان: ١/ ٢٦٩، ومغني اللبيب: ٥٥.
فائدة٢: لا تدخل الأحرف المشبهة على جملة يجب فيها حذف المبتدأ، ولا تدخل على مبتدأ، لا يخرج عن الابتدائية، نحو "ما" التعجبية، ولا تدخل على مبتدأ يجب له التصدير أي الوقوع في صدر الجملة كاسم الاستفهام، ويستثنى في هذه الحال، ضمير الشأن، فهو مما يجب تصديره وقد دخلت عليه "أن" في قول الأخطل.
إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء
فـ "إن" حرف مشبه بالفعل، واسمه ضمير الشأن المحذوف. و"من" اسم شرط في محل رفع مبتدأ. وجملة "الشرط والجواب" أو إحداهما: في محل رفع خبر المبتدأ. وجملة "المبتدأ والخبر": في محل رفع خبر "إن"، ومعلوم أنه لا يجوز إعراب "من" في محل نصب اسم "إن" لكون "من" اسم شرط يجب له التصدير. وانظر حاشية الصبان: ١/ ٢٦٩.
فائدة٣: لا تدخل هذه الأحرف على جملة يكون الخبر فيها طلبيا أو إنشائيا، وخرجوا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه﴾ ، وقول الشاعر:
إن الذين قتلهم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
بأنها على تقدير قول محذوف، يقع خبرا لـ "إن" وتقع هذه الجمل الإنشائية معمولة له، فيكون الكلام من باب حذف العامل وإبقاء المعمول، والتقدير: إن الذين قتلتم سيدهم أمس مقول في شأنهم لا تحسبوا، أو إن الذين قتلتم سيدهم قد استعدوا لكم وأخذوا الأهبة لقتالكم فلا تحسبوا، وهكذا. واستثنى "أن" المفتوحة الهمزة، فيجوز وقوع خبرها جملة إنشائية، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُم﴾ . وقوله جل شأنه: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ على قراءة تخفيف النون بعدها جملة. وانظر حاشية الصبان: ١/ ٢٦٩.
١ الاستدراك. هو تعقيب الكلام بنفي يتوهم ثبوته أو إثبات ما يتوهم نفيه، وهذا يستلزم أن يسبقها كلام له صلة بمعموليها، وأن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها في المعنى ومغايرا له، وتقع بعد النفي والإثبات، واستعمال "لكن" في الاستدراك، هو الغالب فيها، وقد تستعمل لتأكيد النسبة وتقويتها في ذهن السامع، إيجابية كانت أو سلبية.
التصريح: ١/ ٢١١.стр. 317
لكنه بخيل" والثاني نحو: "لو جاءني أكرمته؛ لِكنه لم يجيء"١.
والرابع: "كأن": وهو للتشبيه المؤكد٢؛ لأنه مركب من الكاف وأن.
والخامس: "ليت": هو للتمنى، وهو: طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر٣، نحو: "ليت الشباب عائد"، وقول منقطع الرجاء: "ليت لي مالا فأحج منه".
والسادس: "لعل": وهو للتوقع، وعبر عنه قوم بالترجي في المحبوب نحو: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ٤ أو الإشفاق في المكروه نحو: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ
الحواشي
(١) ١ ومن ذلك قول الحماسي:
فلو طار ذو حافر قبلها ... لطارت، ولكنه لم يَطِرْ
٢ ولا تخرج عنه عند البصريين، وزعم الكوفيون أن "كأن" كما تأتي للتشبيه تأتي للتحقيق. وجعلوا منه قول الشاعر:
فأصبح بطنُ مكَّةَ مُقْشَعِرًّا ... كأن الأرض ليس بها هشامُ
وزعم ابن السيد أنها تأتي للظن، إذا كان خبرها فعلا أو طرفا أو صفة من صفات أسمائها، وزعم أبو الحسين الأنصاري أنها تأتي للتقريب، وزعم أبو علي الفارسي أنها قد تأتي للنفي.
التصريح: ١/ ٢١٢. ومغني اللبيب: ٢٥٢.
٣ الفرق بينهما: أن ما لا طمع فيه مستحيل، كرجوع الشباب للطاعن في السن، وما فيه عسر يكون ممكنا في مجرى العادة ولكنه نادر الوقوع، ومن ذلك تفهم أن "ليت" لا تدخل على جملة يكون مضمونها واجب الوقوع، فلا تقول: ليت غدا يجيء. شرح التصريح: ١/ ٢١٢-٢١٣.
٤ "٦٥" سورة الطلاق، الآية: ١.
موطن الشاهد: ﴿لَعَلَّ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "لعل" حرفا مشبها بالفعل بمعنى التوقع والترجي، ولفظ الجلالة في محل نصب اسمه، وجملة "يحدث بعد ذلك أمرا": في محل رفع الخبر.
وأتت "لعل" معنى الترجي؛ لأن توقع المحبوب يسمى ترجِّيًا.стр. 318
نَفْسَكَ﴾ ١، قال الأخفش: وللتعليل، نحو: "أفرغ عملك لعلنا نتغدى"، ومنه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ ٢، قال الكوفيون: وللاستفهام، نحو: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ٣، وعقيل تجيز جر اسمها وكسر لامها الأخيرة٤.
والسابع: "عسى" في لغيَّة: وهي بمعنى لعل٥، وشرط اسمه أن يكون ضميرا، كقوله٦: [الطويل]
١٣٢- فقلت: عَسَاها نار كأس وعلَّها٧
الحواشي
(١) ١ "١٨" سورة الكهف، الآية: ٦.
موطن الشاهد: ﴿لَعَلَّكَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "لعل" بمعنى الإشفاق في الشيء المكروه؛ لأن المعنى: لعلك قاتل نفسك، أي: أشفِقْ على نفسك من أن تقتلها حسرةً على ما فاتك من إسلام قومك. أتت لعل بمعنى الإشفاق؛ لأن توقع المكروه يسمى إشفاقا. شرح التصريح: ١/ ٢١٣.
٢ "٢٠" سورة طه، الآية: ٢٤.
موطن الشاهد: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "لعل" مفيدة التعليل -على مذهب الأخفش والكسائي- ومعنى لعله يتذكر، أي: ليتذكرن ومن لم يثبت هذا، حمله على الرجاء، ويصرفه للمخاطبين المغني: ٣٧٩، وشرح التصريح: ١/ ٢١٣.
٣ "٨٠" سورة عبس، الآية: ٣.
موطن الشاهد: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَى﴾ .
وجه الاستشهاد:
مجيء "لعل" مفيدة الاستفهام على مذهب الكوفيين.
٤ مع حذف لأمها الأولى وإثباتها، وحينئذ، لا تعمل عمل "إن" على الصحيح، بل تنزل منزلة حرف الجر الزائد، في عدم تعلقها بشيء. ومجرورها في موضع رفع بالابتداء، وما بعده خبر، وعليه قول شاعرهم:
لعل أبي المغوار منك قريب
فأبى المغوار: مبتدأ ومضاف إليه، و"قريب" خبر. شرح التصريح: ١/ ٢١٣.
٥ في الترجي والإشفاق، فحملت في العمل عليها كما حملت لعل على عسى في إدخال أن في خبرها كما في الحديث "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض".
٦ القائل هو: صخر بن العود الحضرمي، ولم أعثر له على ترجمة وافية.
٧ تخريج الشاهد:
هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
تشكي فآتي نحوها فأعودها
=стр. 319
وقوله١: [الوافر]
الحواشي
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢١٣، وهمع الهوامع: ١/ ١٣٢ وفيه: لعلها بدل وعليها. والدرر اللوامع: ١/ ١١٠، والعيني: ٢/ ٢٢٧، والمغني: "٢٧٤/ ٢٠٤". والسيوطي: ١٥٣.
المفردات الغريبة: تشكى: أصله تتشكى بتاءين فحذف إحدى التاءين، أي: يصيبها المرض فتشكو الأمة، أعودها: العيادة: زيارة المريص خاصة. "كأس" اسم محبوبته.
المعنى: أرجو أن تكون هذه النار التي أبصرها نار محبوبتي "كأس"، كما أتمنى أن تمرض وتشكو آلام المرض، فأذهب لزيارتها ورؤيتها، وهي أمنية سخيفة، تدل على الأنانية.
الإعراب: قلت: فعل ماضٍ وفاعل. عساها: "بمعنى لعل" حرف ترجٍّ ونصب، و"ها" في محل نصب اسمه. خبر "عسى" مرفوع. كأس: مضاف إليه. وعليها: الواو حرف عطف، على: حرف مشبه بالفعل، و"ها": اسمه. تشكى: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هي، وجملة تشكى: في محل رفع خبر "لعل". فآتي: الفاء عاطفة، آتي: فعل مضارع، والفاعل: أنا: "نحوها": متعلق بـ "آتي"، و"ها": مضاف إليه. فأعودها: الفاء حرف عطف، أعود: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. و"ها": مفعول به.
موطن الشاهد: "عساها نار كأس".
وجه الاستشهاد: مجيء "عسى" بمعنى "لعل" واتصل بها ضمير "ها" النائبة، فنصب محلا بها، ورفع ما بعده على الخبرية، وفي هذا دليل على عملها عمل "إن"، وهذا مذهب سيبويه الذي أرى أن "عسى" قد تجيء حرفا دالا على الترجِّي، فتعمل عمل "إن" والشاهد السابق يؤيد ما ذهب إليه. غير أن المبرد والفارسي خالفا سيبويه في هذه المسألة، وزعما أن "عسى" لا تكون إلا فعلا عاملا عمل "كان" وزعما أن الضمير المتصل بـ "عسى" خبر لها، تقدم على اسمه، وأن الاسم المرفوع بعده اسم "عسى" تأخر عن الخبر، وهذا الزعم فاسد؛ لأنه يلزم جعل خبر "عسى" مفردا، وهو نادر، أو ضرورة. انظر شرح التصريح: ١/ ٢١٤.
١ القائل: هو عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي الوائلي الخارجي، أبو سماك، أحد أصحاب العلم والحديث، أدرك جماعة من الصحابة وروى عنهم، وروى أصحاب الحديث عنه، كان يحرض الناس، فطلبه الحجاج، فهرب إلى عمان، مات سنة ٨٤هـ.
خزانة الأدب: ٥/ ٣٥٠، الإصابة: ترجمة ٦٨٧٧، ميزان الاعتدال: ٢/ ٢٧٦، المؤتلف: ٩١.стр. 320
١٣٣- أقول لها لعلي أو عساني١
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
ولي نفس تنازعني إذا ما
ويروى البيت برواية أخرى هكذا:
ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلي أو عساني
وهذه رواية سيبويه: ١/ ٣٨٨ ورواية الأعلم.
ويُزعَم أن عمران كان سنيا، فتزوج امرأة من الخوارج، فقيل له فيها، فقال: أردها عن مذهبها، فغلبت عليه، وأضلته عن مذهب السنة.
والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢١٣، والمقتضب: ٣/ ٧٢، والخصائص: ٣/ ٢٥، وشرح المفصل، ٣/ ١٠٥، ١١٨، ٢٢٢، ٧/ ١٢٣، والمقرب: ١٨، والعيني: ٢/ ٢٢٩، والخزانة: ٢/ ٤٣٥.
المفردات الغريبة: تنازعني: تزين لي حب الدنيا والخوف من الموت في القتال. لعلي: أراد لعلى أتورط في الملاذ المردية، أو لعلى أنال الشهادة في الحرب فأكون من الفائزين.
المعنى: إن نفسي لا تطاوعني إذا أردت مغاضبة زوجي ومخاصمتها، وأقول لها: لعلي أنال ما أريد وأبغي.
الإعراب: "لي": متعلق بمحذوف خبر مقدم. نفس: مبتدأ مؤخر. تنازعني: فعل مضارع، والفاعل: هي، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. "إذا": متعلق بـ "تنازع" في محل نصب على الظرفية الزمانية. ما: زائدة: أقول: فعل مضارع، والفاعل: أنا "لها": متعلق بـ "أقول" لعلى: حرف مشبه بالفعل، والياء: اسمه، وخبره محذوف، والتقدير: لعلي أنال منها ما أريد، أو نحو ذلك. والجملة في محل نصب مقول القول. أو: حرف عطف. عساني: "عسى حرف مشبه بالفعل بمعنى "لعل"، والنون للوقاية، والياء: اسمه، وخبره محذوف، والتقدير كالأول، غير أنه ينبغي أن يقترن بـ "أن" أي عساني أن أنال منها وجملة "عساني مع الخبر المحذوف": في محل نصب، معطوفة على جملة "لعلي" السابقة.
موطن الشاهد: "عساني".
وجه الاستشهاد: استعمال "عسى" حرفا بمعنى "لعل" ومجيء اسمه ضميرا، وهو لا يأتي إلا ضميرا عندما يستعمل عسى استعمال "لعل" أي حرفا يفيد الترجي.
وفي هذا الشاهد ما يرجح مذهب سيبويه، حيث أتى الشاعر بنون الوقاية قبل ياء المتكلم، كما في إنَّني، وليتني وكأنَّني"، ولو كان هذا الضمير خبرا، كما زعم المبرد والفارسي، وكانت "عسى" فعلا، لكان الشاعر قد اقتصر على الفعل ومنصوبه من دون مرفوعه، وهذا لا نظير له في الاستعمال العربي.следующие страницы →