Полный текст (1 155 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وهو أضعفها١ حتى خصه يونس وجماعة بالضرورة كتنوين المنادى، وهو عند غيرهم على تقدير "لا" زائدة مؤكدة، وأن الاسم منتصب بالعطف.
[العطف على اسم لا من غير أن تكرَّر] :
فإن عطفت ولم تكرر "لا" وجب فتح الأول، وجاز في الثاني النصب والرفع٢، كقوله٣: [الطويل]
١٦٥- فلا أبَ وابنًا مثل مروان وابنه٤
الحواشي
(١) ١ لأن نصب الاسم مع وجود "لا" ضعيف، والقياس فتحة بلا تنوين.
شرح التصريح: ١/ ٢٤٢.
١ أي مطلقا، سواء أكان مفردا أم غير مفرد، وكذلك الاسم المعطوف عليه، ويكون النصب بالعطف على محل اسم "لا" الأولى، والرفع على محلها باعتبار أصلها قبل دخول "لا"، وقد علمت أن أصلها مبتدأ مرفوع، أو على "لا" مع اسمها، وهما بمنزلة المبتدأ.
٣ القائل: هو رجل من بني عبدة مناة.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
إذا هو بالمجد ارتدى وتأزَّرا
وفيه يمدح الشاعر مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان.
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٣، والأشموني: "٣٠٢/ ١/ ١٥٣"، والكتاب لسيبويه: ١/ ٣٤٩، والمقتضب: ٤/ ٣٧٢، وشرح المفصل: ٢/ ١٠١، ١١٠، والخزانة: ٢/ ١٠٢ والعيني: ٢/ ٣٥٥، وهمع الهوامع: ٢/ ١٤٣، والدرر اللوامع: ٢/ ١٩٧، وقطر الندى: "٦٦/ ٢٢٤".
المفردات الغريبة: المجد: العز والشرف. ارتدى: لبس الرداء؛ وهو اسم لما يستر النصف الأعلى من الإنسان. تأزرا: لبس الإزار؛ وهو اسم لما يستر النصف الأسفل منه، وقد كنى بذلك عن ثبوت هذه الصفة "العز والشرف" لهما؛ لأنه جعلهما كاللابسين لها، المرتدين بها، وهو نظير قولهم: المجد بين برديه، والوقار في ثوبه، والحلم تحت عمامته، والكمال في قبة ضربت عليه ... إلخ.
المعنى: يمدح الشاعر مروان وابنه عبد الملك.
الإعراب: لا: نافية للجنس. أب: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب. وابنا: الواو عاطفة. ابنا: اسم معطوف على محل اسم "لا". مثل: "بالنصب" صفة لاسم لا =стр. 387
ويجوز "وابن" بالرفع، وأما حكاية الأخفش "لا رجلَ وامرأةَ" بالفتح، فشاذة١.
[وصف اسم لا] :
فصل: وإذا وصفت النكرة المبنية بمفرد متصل جاز فتحه٢ على أنه ركب معها قبل مجيء "لا" مثل "خمسة عشر"، ونصبه مراعاة لمحل النكرة٣، ورفعه مراعاة لمحلها مع لا، نحو: "لا رجل ظريف فيها"٤ ومنه: "ألا ماءَ ماءً باردا عندنا"
الحواشي
(١) = وما عطف عليه؛ وعلى هذا الوجه، يكون خبر "لا" محذوفا؛ والتقدير: لا أب وابنا مماثلين لمروان موجودان؛ وبـ "الرفع": فهو خبر "لا"؛ أو صفة على محل لا واسمها؛ والأول أفضل. مروان: مضاف إليه. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط. هو: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ والتقدير: إذا ارتدى ... وجملة الفعل المحذوف وفاعله في محل جر بالإضافة. "بالمجد": متعلق بالفعل المحذوف. ارتدى: فعل ماضٍ، والفاعل هو؛ وجملة "ارتدى": تفسيرية، لا محل لها. وتأزرا: الواو عاطفة، تأزرا: فعل ماضٍ، والفاعل: هو: والألف: للإطلاق. وجملة "تأزرا": معطوفة على جملة "ارتدى"، لا محل لها.
موطن الشاهد: "لا أب وابنا".
وجه الاستشهاد: عطف ابنا على اسم "لا" النافية للجنس، من دون أن يكرر "لا"؛ وجاء بالمعطوف منصوبا؛ وذلك لأنه عطفه على محل اسم "لا" النافية للجنس؛ ويجوز وجه آخر في هذا الشاهد؛ وهو رفع "ابنا" عطفا على محل "لا مع اسمها" على مذهب سيبويه؛ لأن "لا" و"اسمها" معا في محل رفع على الابتداء.
١ لأنه لا يصح البناء بالتركيب؛ لوجود الفصل بحرف العطف. وخرجه بعضهم على أن الأصل: ولا امرأة، فحذفت "لا" وأبقي البناء على نيتها؛ فالشذوذ من هذه الناحية. هذا، وإذا كان المعطوف معرفة، لم يجز فيها إلا الرفع على أنه مبتدأ.
شرح التصريح: ١/ ٢٤٣.
٢ أي بناؤه على الفتح، إن كان مفردا، أو على ما ينوب عنها، كالياء في المثنى والمجموع.
٣ وقيل إتباعا للحركة البنائية؛ لأنها هنا شبيهة بحركة الإعراب، بل أصلها الإعراب.
٤ هذا من أمثلة الخليل، بفتح ظريف، ونصبه منونا، ورفعه. ويقال في المثنى: لا رجلين ظريفين بالبناء والنصب، وظريفان. وفي الجمع: لا رجال ظريفين بالبناء والنصب أيضا، وظريفون.стр. 388
لأنه يوصف بالاسم إذا وصف، والقول بأنه توكيد خطأ١.
فإن فقد الإفراد نحو: "لا رجل قبيحا فعله عندنا" أو "لا غلام سفر ظريفًا عندنا" أو الاتصال نحو: "لا رجل في الدار ظريف" أو "لا ماءَ عندنا ماءً باردًا" امتنع الفتح، وجاز الرفع والنصب، كما في المعطوف بدون تكرار "لا"، وكما في البدل الصالح لعمل "لا" فالعطف نحو: "لا رجل وامرأة فيها"، والبدل نحو: "لا أحد رجل وامرأة فيها"، فإن لم يصلح له فالرفع نحو: "لا أحد زيد وعمر فيها" وكذا في المعطوف الذي لا يصلح لعمل "لا" نحو: "لا امرأة فيها ولا زيد".
[دخول همزة الاستفهام على "لا" لا يغير حكمها] :
وإذا دخلت همزة الاستفهام على "لا" لم يتغير الحكم.
ثم تارة يكون الحرفان باقيين على معنييهما، كقوله٢: [البسيط]
١٦٦- ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد٣
الحواشي
(١) ١ لأنه مقيد بالوصف، فليس مرادفا في اللفظ "لما" الأولى المطلقة؛ وأجازه بعضهم على اعتبار أن الوصف طرأ بعد التوكيد. كما جوزوا إعرابه بدلا؛ ومنعه بعضهم؛ لأنه يلزم عليه تقديم البدل على النعت، وهو ممنوع.
شرح التصريح: ١/ ٢٤٣، ٢٤٤.
٢ القائل هو: مجنون بني عامر؛ قيس بن الملوح، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
إذًا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
ويروى صدر البيت:
ألا اصطبار لليلى ...
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٤، وابن عقيل: "١١٤/ ٢/ ٢٢"، والأشموني: "٣٠٥/ ١/ ١٥٣" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٧"، والدرر اللوامع: ٢/ ١٨٢، ومغني اللبيب: "٩/ ٢١" "١١٠/ ٩٧"، والسيوطي: ١٥، ٧٧، وديوان قيس: ٢٢٨.
المفردات الغريبة: اصطبار: تصبر وتجلد واحتمال. جلد: صلابة وثبات. لاقاه أمثالي: كناية عن الموت.
المعنى: أيذهب الصبر، وينتقي عن سلمى وتجزع؟ أم تتجلد، وتثبت إذا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت؟. =стр. 389
وهو قليل، حتى توهم الشلوبين١ أنه غير واقع.
وتارة يراد بهما التوبيخ، كقوله٢: [البسيط]
١٦٧- ألا ارعواء لمن ولَّت شبيته٣
وهو الغالب.
الحواشي
(١) = الإعراب: ألا: الهمزة حرف استفهام. لا: نافية للجنس. اصطبار: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب. "لسلمى": متعلق بمحذوف خبر "لا". أم: حرف عطف. "لها": متعلق بمحذوف خبر مقدم. جلد: مبتدأ مؤخر؛ وجملة "لها جلد": معطوفة على الجملة الأولى، لا محل لها. إذا: ظرفية متضمنة معنى الشرط. ألاقي: فعل مضارع والفاعل: أنا. وجملة "ألاقي": في محل جر بالإضافة. الذي: مفعول به. لاقاه: فعل ماضٍ، والهاء: مفعول به. أمثالي: فاعل مرفوع، والياء: مضاف إليه؛ وجملة "لاقاه": صلة للموصول، لا محل لها.
موطن الشاهد: "ألا اصطبار".
وجه الاستشهاد: دخول همزة الاستفهام على "لا" النافية للجنس، لم يمنعها من العمل؛ وظل الاستفهام على معناه، و"لا" على معناها؛ والمراد بهما: الاستفهام عن النفي؛ وفي هذا البيت رد على الشلوبين في دعواه أن الاستفهام عن النفي شيء غير واقع.
انظر حاشية الصبان: ١/ ١٥.
١ مرت ترجمته.
٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
وآذنت بمشيب بعده هرمُ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٥، وابن عقيل: "١١٣/ ٢/ ٢١"، والأشموني: "٣٠٥/ ١/ ١٥٣" والهمع: ١/ ١٤٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٨، ومغني اللبيب: "١٠٨/ ٩٦"، والسيوطي: ٨٦ وشرح شواهد الألفية للعيني: ٢/ ٣٦٠.
المفردات الغريبة: ارعواء: انتهاء وانكفاف عن القبيح. ولت: أدبرت وذهبت. شبيبته: شبابه. آذنت: أعلمت. مشيب: شيخوخة. هرم: كبر وضعف.
المعنى: ألا ينزجر وينأى عن الأمور القبيحة من ذهب شبابه، وولى صباه، وأنذره المشيب بالكبر، والضعف، وذهاب القوة؟!
الإعراب: ألا: الهمزة حرف استفهام. لا: نافية للجنس؛ ومعنى الحرفين هنا =стр. 390
وتارة يراد التمني، كقوله١: [الطويل]
١٦٨- ألا عُمْرَ ولَّى مستطاعٌ رجوعُهُ٢
الحواشي
(١) = التوبيخ والإنكار. ارعواء: اسم "لا" مبني على الفتح، في محل نصب. "لمن": متعلق بمحذوف خبر "لا"؛ أولا بـ "ارعواء"، والخبر محذوف. ولت شبيبته: فعل ماضٍ، وفاعل، ومضاف إليه، والتاء: للتأنيث؛ وجملة "ولت شبيته": صلة للموصول "من" لا محل لها. وآذنت: الواو عاطفة وجملة "آذنت": معطوفة على جملة "ولت": لا محل لها؛ وهو الأفضل. "بمشيب": متعلق بـ "آذنت". "بعده": متعلق بمحذوف خبر مقدم ومضاف إليه. هرم: مبتدأ مؤخر؛ والجملة في محل جر صفة لـ "مشيب".
موطن الشاهد: "ألا ارعواء".
وجه الاستشهاد: دخول همزة الاستفهام على "لا" النافية للجنس مع بقاء عملها، قبل دخول الهمزة عليها، مع أن الشاعر قصد بالحرفين جميعا التوبيخ والإنكار؛ غير أن العلامة الدماميني لم يرتضِ أن يكون الحرفان "الهمزة ولا" دالين معا على الإنكار التوبيخي، وذكر أن المفيد للإنكار التوبيخي هو الهمزة وحدها؛ و"لا" بعد الهمزة دالة على النفي؛ فيكون كل حرف منهما دالا على ما اختص به، أي أن معنى: "ألا ارعواء": التوبيخ على عدم الارعواء والإنكار على من لم يرعوِ وينكف عن الميل إلى دواعي الصبا.
وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٤٥.
١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
فيرأبَ ما أَثْأَتْ يد الغفلات
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٥، وابن عقيل: "١١٥/ ٢/ ٢٣"، والأشموني: "٣٠٦/ ١/ ١٥٣" والعيني: ٢/ ٣١٦، ومغني اللبيب: "١٠٩/ ٩٧" "٧٠٩/ ٤٩٩"، والسيوطي: ٧٦/ ٢٨٠".
المفردات الغريبة: ولى: ذهب وأدبر. فيرأب: فيصلح ويجبرز أثأت: أفسدت.
المعنى: يتمنى الشاعر أن يعود عمره الذي مضى وذهب؛ ليصلح ما أفسده، وما عمله من سوء في عهد الغفلة والجهل والصبوة.
الإعراب: ألا: "مركبة" تفيد التمني. عمر: اسمها مبني على الفتح في محل نصب؛ وهو بمنزلة المفعول، لأن "ألا" بمعنى أتمنى؛ ولا خبر لها؛ وقيل: الهمزة للاستفهام، و"لا" نافية للجنس، وأريد بهما التمني. وجملة "ولى": في محل نصب صفة لـ "عمر". مستطاع: خبر مقدم. رجوعه: مبتدأ مؤخر، ومضاف إليه؛ ويجوز أن =стр. 391
وهو كثير، وعند سيبويه والخليل أن "ألا" هذه بمنزلة أتمنى فلا خبر لها، وبمزلة: "ليت" فلا يجوز مراعاة محلها مع اسمها، ولا إلغاؤها إذا تكررت، وخالفهما المازني والمبرد١، ولا دليل لهما في البيتن إذ لا يتعين كون: "مستطاع" خبرا، أو صفة، و: "رجوعه" فاعلا، بل يجوز كون "مستطاع" خبرا مقدما، و: "رجوعه" مبتدأ مؤخرا، والجملة صفة ثانية.
الحواشي
(١) = نعرب "مستطاع": خبر "ألا" مرفوع. رجوعه: نائب فاعل ومضاف إليه؛ لأن "مستطاع" اسم مفعول؛ وعلى الوجه الأول، فجملة "مستطاع رجوعه": في محل نصب صفة ثانية لـ "عمر". فيرأب: الفاء سببية، يرأب: فعل مضارع منصوب بـ "أن" مضمرة وجوبا بعد فاء السببية، وفاعله: هو، يعود إلى "عمر". ما: اسم موصول، مفعول به لـ "يرأب". أثأت: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث. يد: فاعل مرفوع، وهو مضاف. الغفلات: مضاف إليه؛ وجملة "أثأث يد الغفلات": صلة للموصول، لا محل لها؛ والعائد محذوف؛ والتقدير: أثأته.
موطن الشاهد: "ألا عمر".
وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مركبة لمجرد التمني؛ والذي يؤكد كونها للتمني، انتصاب الفعل المضارع بـ "أن" مضمرة بعد فاء السببية في جواب التمني، واستعمال: "ألا" بهذا المعنى كثير شائع في لغة العرب.
فائدة: استدل المازني والمبرد بهذا البيت على أن "ألا" الدالة على التمني، يجوز ذكر خبرها ويجوز مراعاة محلها مع اسمها؛ فيطعف بالرفع بعدها، كما يصح ذلك مع "لا" التي لم تقترن بها الهمزة الدالة على التمني، وخالفا في ذلك سيبويه والخليل بن أحمد؛ ووجه استدلالهما بهذا البيت، أنهما أجازا إعراب "مستطاع" خبرا: لـ "ألا" كما بينا: أو أن يكون صفة لـ "عمر" باعتبار محله مع لا؛ لأن سيبويه يجعل محل "ألا مع اسمها" مرفوعا بالابتداء؛ فإن جعل "مستطاع" خبرا لـ "ألا" كان ذلك دليلا على جواز ذكر خبر "ألا"؛ وهذا خلاف ما ذهب إليه سيبويه والخليل؛ وإن أعرب "مستطاع" صفة لـ "عمر" كان الشاعر قد راعى محل "ألا مع اسمها" وهذا خلاف مذهب سيبويه في هذا البيت؛ غير أن المذكور، لا يكون ردا على سيبويه إلا إذا لم يكن له وجه آخر من وجوه الإعراب؛ ولكن رأينا له وجها آخر عرضناه في إعراب مفردات البيت، وعليه فلا يصلح البيت شاهدا لما ذهبا إليه، لأن الدليل، متى تطرق إليه الاحتمال لم يصلح للاستدلال. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٤٥.
١ فجعلاهما كالمجردة من همزة الاستفهام، واستدلا بالبيت السابق، فجعلا "مستطاع": إما خبرا للا أو صفة لاسمها، مراعاة لمحلها قبل دخول "لا" والخبر محذوف، أي راجع، و"رجوعه" نائب فاعل مستطاع.стр. 392
[ترد "ألا" للتنبيه وتدخل على الجملتين] :
وترد "ألا" للتنبيه١ فتدخل على الجملتين نحو: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ ٣ وعرضية وتحضيضية فتختصان بالفعلية نحو: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ٤ ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُم﴾ ٥.
[إذا جهل الخبر وجب ذكره] :
مسألة: وإذا جهل الخبر وجب ذكره، نحو: "لا أحدَ أغيرُ من الله عز
الحواشي
(١) ١ هي "ألا" الاستفتاحية، وهي كلمة واحدة لا عمل لها، وتدل على توجيه الذهن وتنبيهه إلى شيء هام يجيء بعدها، مؤكد الوقوع عند المتكلم، وكثيرا ما تقع بعدها "إن" المكسورة.
٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ٦٢.
موطن الشاهد: ﴿أَلَا إِنَّ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مفيدة التنبيه، وقد دخلت على الجملة الاسمية، وحكم دخولها على الجملة الاسمية الجواز.
٣ "١١" سورة هود، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مفيدة التنبيه، وقد دخلت على الجملة الفعلية؛ وحكم دخولها عليها الجواز.
٤ "٢٤" سورة النور، الآية: ٢٢.
موطن الشاهد: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مفيدة العرض؛ لأن العرض: طلب الشيء برفق ولين؛ ومدلول الآية يؤكد ذلك.
٥ "٩" سورة التوبة، الآية: ١٣.
موطن الشاهد: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مفيدة التحضيض؛ لأن التحضيض طلب الشيء بشدة وإزعاج؛ ومعنى الآية يوحي بذلك.стр. 393
وجل" ١ وإذا علم فحذفه كثير، نحو: ﴿فَلا فَوْتَ﴾ ٢ ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ﴾ ٣ ويلتزمه التميميون والطائيون٤.
الحواشي
(١) ١ هذا جزء من حديث نبوي ونصه: "أنا أغار، والله يغار، ولا أحد أغير من الله، ولذا حرم الفواحش"، والغيرة: الحمية والأنفة وانفعال النفس من فعل القبيح، يقال رجل غيور، وامرأة غيور، وهذا مستحيل على الله، فالمراد لازم الغيرة، وهو البعد عن الموبقات، وزجر مرتكبها.
تخريج الحديث: جاء الحديث بلفظ: "لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش". في مسند الإمام أحمد "المطبعة الميمنية": ١/ ٣٨١، والدررالمنثور للسيوطي "ط. دار الفكر": ٢/ ٢٤٨ و٣٨١ وفتح الباري لابن حجر "ط. دار الفكر": ٨/ ٣٠٢.
وجاء بلفظ: "لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش" في صحيح البخاري "ط. دار الفكر": ٦/ ٧٢، ٦/ ٧٤، وصحيح مسلم باب التوبة "مط. عيسى الحلبي" برقم ٣٣، ٣٤ وفتح الباري: ٨/ ٢٩٦.
موطن الشاهد: "لا أحد أغير".
وجه الاستشهاد: ذكر خبر "لا" النافية؛ أو خبر المبتدأ؛ وهو "أغير" وسبب ذكره جهلنا به؛ وحكم ذكر الخبر في هذه الحال الوجوب.
٢ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٥١.
موطن الشاهد: ﴿لَا فَوْتَ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف خبر "لا" لمعرفته من السياق؛ لأن التقدير: "لا فوت لهم"؛ وحكم حذفه الجواز عند الحجازيين، والوجوب عند التميميين والطائيين، كما نقل ابن مالك، ونقل ابن خروف عن تميم أنهم لا يظهرون الخبر المرفوع، ويظهرون المجرور والظرف. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٤٦.
٣ "٢٦" سورة الشعراء، الآية: ٥٠.
موطن الشاهد: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف خبر "لا" للعلم به من سياق الآية؛ لأن التقدير: لا ضير علينا؛ وحكمه واضح في الآية السابقة.
٤ الضمير في "يلتزمه" يحتمل أن يعود على حذف خبر "لا" سواء علم أو لم يعلم؛ ويحتمل عوده على الخبر بقيد كونه معلوما بقرينة ما؛ ويكون المراد أن الحجازيين يجيزون ذكر الخبر المعلوم وحذفه. أما التميميون والطائيون فلا يجيزون ذكره. ولعل هذا هو الصواب؛ لأن الجميع متفقون على أن الخبر غير المعلوم يجب ذكره.
هذا، وقد قال أبو حيان: إن أكثر ما يحذف الحجازيون خبر لا إذا كان مع "إلا" نحو "لا إله إلا الله" اهـ. وقد اختلف النحاة في إعراب هذه الجملة، ونحن نعربها لك =стр. 394
........................................................................
الحواشي
(١) = إعرابا قريبا. فلا: نافية للجنس تعمل عمل إن. إله: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب، وخبر لا محذوف؛ والتقدير: لا إله لنا، أو لا إله موجود، وإلا: أداة استثناء، ولفظ الجلالة بدل من الضمير المستكن في خبر "لا" وللزمخشري في إعراب هذه الجملة كلام طويل دارت حوله مناقشات كثيرة.
شرح التصريح: ١/ ٣٤٦، والمفصل للزمخشري "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ٨٩. وابن عقيل: ٢/ ٢٥-٢٦.стр. 395
[باب ظن وأخواتها] :
هذا باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها على المبتدأ والخير، فتنصبهما مفعولين١:
[أفعال القلوب] :
أفعال هذا الباب نوعان: أحدهما أفعال القلوب، وإنما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس كل قلبي ينصب المفعولين، بل القلبي ثلاثة أقسام:
[الأفعال القلبية ثلاثة أقسام] :
ما لا يتعدى بنفسه، نحو فكر وتفكر، وما يتعدى لواحد نحو عرف وفهم، وما يتعدى لاثنين وهو المراد، وينقسم أربعة أقسام:
الحواشي
(١) ١ ذهب الجمهور إلى أن أصل مفعولي ظن وأخواتها مبتدأ وخبر، وذهب السهيلي وحده إلى أن المفعولين هما كمفعولي أعطى ليس أصلهما مبتدأ وخبرا، واستدل بظننت زيادا عمرا، وهذا قول لا ينكر. وقولك "زيد عمرو" على أنهما مبتدأ وخبر، لا يصح إلا على معنى التشبيه، وأنت لم ترد ذلك مع ظننت، وأجيب بالمنع، وأن المراد ظننت زيدا عمرا فتبين خلافه.
وذهب الفراء إلى أن المنصوب الأول: مفعول، والمنصوب الثاني منصوب على التشبيه بالحال، واستدل لذلك بأن الثاني يجيء جملة، نحو: ظننت زيدا يؤدي واجبه، ويجيء ظرفا؛ نحو: ظننت زيدا عندك، ويجيء جارا ومجرورا، نحو: ظننت زيدا على خلق حسن؛ وقد عهدنا الحال يجيء على هذه الوجوه، والذي يقطع بالرد عليه أن المنصوب الثاني يجيء معرفة نحو: ظننت زيدا أخاك، ويجيء ضميرا: نحو: زيد ظننتكه، ويجيء جامدا؛ نحو: ظننت زيدا أسدا، ولا يقتصر في شيء من ذلك على السماع، ثم هو في جميع أحواله مما لا يستغني الكلام عنه؛ لأنه لا يتم معنى الكلام بدونه، والحال لا يكون كذلك.
شرح التصريح: ١/ ٢٤٦-٢٤٧.стр. 396
[ما يتعدى لاثنين أربعة أقسام] :
أحدها: ما يفيد في الخبر يقينا، وهو أربعة: وجد، وألفى، وتعلَّمْ، بمعنى اعلَمْ، ودرى، قال الله تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ١ ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ ٢، وقال الشاعر٣: [الطويل]
١٦٩- تعلَّمْ شفاء النفس قهر عدوها٤
الحواشي
(١) ١ "٧٣" سورة المزمل، الآية: ٢٠.
موطن الشاهد: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "تجد" فعلا قلبيا ناصبا لمفعولين هما: "الهاء، وخيرا"؛ ويفيد العلم واليقين؛ لأن من وجد الشيء على حقيقته، فقد علمه.
٢ "٣٧" سورة الصافات، الآية: ٦٩.
موطن الشاهد: ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "ألفى" قلبيا مفيدا اليقين وناصبا لمفعولين اثنين؛ هما: "آباءهم، وضالين".
٣ هو زياد بن سيار بن عمرو بن جابر:
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
فبالغ بلطف في التحيل والمكر
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٧، وابن عقيل: "١٢٠/ ٢/ ٣٢"، والأشموني: "٣٢٥/ ١/ ١٥٨"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٣، ومغني اللبيب: "١٠١٧/ ٧٧٥"، وشرح السيوطي: ٣١٢، وشرح العيني: ٢/ ٣٧٤، وشذور الذهب: "١٨٣/ ٤٧٧".
المفردات الغريبة: تعلم: فعل أمر مبني على السكون؛ وهو ملازم لهذه الصيغة؛ ومعناه: اعلمْ وتَيَقَّنْ. شفاء النفس: قضاء مطالبها ومآربها. بلطف: برفق ولين. التحيل: أخذ الأشياء بالحيلة والدهاء.
معنى الشاهد: اعلم أن ما يشفي نفوس الرجال قهرهم لأعدائهم، وتغلبهم عليهم؛ فعليك أن تبالغ في الاحتيال، وتحين الفرص؛ لكي تنال من عدوك ما تريد.
الإعراب: تعلم: "قلبي بمعنى اعلم" فعل أمر، والفاعل: أنت. شفاء: مفعول به أول، وهو مضاف. النفس: مضاف إليه ثان. فبالغ: الفاء عاطفة. بالغ: فعل أمر، الفاعل: أنت. "بلطف": متعلق بـ "بالغ". "في التحيل": متعلق بـ "لطف". والمكر: معطوف على التحيل مجرور مثله. =стр. 397
والأكثر وقوع هذا على "أن" وصلتها١، كقوله٢: [الطويل]
١٧٠- فقلت تعلم أن للصيد غرة٣.
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: "تعلم شفاء النفس قهر عدوها".
وجه الاستشهاد: مجيء "تعلم" فعلا قلبيا بمعنى "اعلم" مفيدا اليقين؛ وقد نُصِبَ به مفعولان اثنان؛ أصلهما مبتدأ أو خبر؛ ومثل هذا الشاهد قول الحارث بن ظالم المري:
تعلم -أبيت اللعن- أني فاتك ... من اليوم أو من بعده بابن جعفر
فقد سدت أن ومعمولاها مسد مفعولي "تعلم"؛ ومعلوم أن هذا الفعل، يندر أن ينصب مفعولين ظاهرين، وإنما تسد "أن" المؤكدة ومعمولاها مسد المفعولين لهذا الفعل، كما في الشاهد التالي.
١ وحينئذ تسد "أن" ومعمولها مسد المفعولين، ومعروف أن الصلة تشتمل على مسند ومسند إليه.
٢ هو: زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني، شاعر حكريم من أهل نجد وأحد أصحاب المعلقات السبع، والمعروف بحولياته، وهو راوية أوس بن حجر، قيل إنه أشعر الشعراء في الجاهلية لأنه لا يعاظل بين القول ولا يتبع حوشي الكلام، شهد له بذلك عمر بن الخطاب ﵁ وجرير. ولم يتصل الشعر في ولد أحد من فحول الشعر ما اتصل في ولده، ولم يدرك الإسلام ومات سنة ١٣ ق. هـ. الشعر والشعراء: ١/ ١٣٧، الأغاني: ٩/ ١٣٩، الاشتقاق: ١١١، الخزانة: ١/ ٣٧٥، الجمحي: ١/ ٦٣.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
وإلا تضيعها فإنك قاتله
وهو من قصيدة لزهير ومطلعها قوله:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢١٤٧، والأشموني: "٣٢٦/ ١/ ١٥٨"، والعيني: ٢/ ٣٧٤ وديوان زهير بن أبي سلمى: ١٣٤.
المفردات الغريبة: تعلم: اعلم. غرة: غفلة. تضيعها: الضمير عائد على الفرصة التي تتيحها الغفلة.
المعنى: اعلم، وتيقن أن للصيد أوقاتا، يهأ فيها ويستريح، وتعتريه غفلة وسكون؛ فإذا انتهزت هذه الفرصة، وصوبت إليه سهامك، فإنك قاتله لا محالة.
الإعراب: تعلم: "بمعنى: اعلم" فعل أمر مبني على السكون، والفاعل: أنت: أن: حرف مشبه بالفعل "للصيد"؛ متعلق بخبر مقدم لـ "أن". غرة: اسم "أن" مؤخر منصوب؛ و"أن ومعمولاها": سدت مسدَّ مفعولي "تعلم". إلا: إن شرطية، لا: نافية، تضيعها: فعل الشرط مجزوم، والفاعل: أنت، و"ها" مفعول به. فإنك: الفاء واقعة في جواب الشرط، إنك: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمه، قاتله: خبر "إن" والهاء: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "تعلم أن للصيد غرة".
وجه الاستشهاد: استعمال "تعلم" بمعنى اعلم، وقد تعدى هذا الفعل إلى مفعوليه بوساطة "أن" المفتوحة المؤكدة وصلتها؛ وهذا الغالب في استعمال هذا الفعل.стр. 398
وقوله١: [الطويل]
١٧١- دريت الوفي العهد يا عُرْوَ فاغتبط٢
الحواشي
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
فإن اغتباطا بالوفاء حميد
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٧، وابن عقيل: "١١٩/ ٢/ ٣١"، والأشموني: "٣٢٣/ ١/ ١٥٧" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٢، وقطر الندى: "٦٨/ ٢٢٨" والعيني: ٢/ ٣٧٣ وشذور الذهب: "١٨١/ ٤٧٥".
المفردات الغريبة: دريت: ماضٍ مبني للمجهول، من درى بمعنى علم. فاغتبط. أمر من الغبطة، وهي تمني مثل ما للغير، من غير تمني زواله عنه، والمراد: ازدد فيما أنت عليه من الصفات الحميدة ليغبط الناس؛ أو الدعاء له بأن يدوم على ما هو عليه؛ ليغبطه الناس.
المعنى: تيقن الناس وعلموا علما لا شك فيه، أنك -يا عروة- تفي بالعهد، ولا تنقضه؛ فلتغتبط على هذه الخصلة الحميدة؛ لأن الاغتباط بها أمر محمود، ومشكور عند الله وعند الناس.
الإعراب: دريت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل؛ وهي المفعول الأول قبل بناء الفعل للمجهول. الوفي: مفعول به ثان منصوب، والوفي: صفة مشبهة. العهد: فاعل للصفة المشبهة؛ أو مضاف إليه، من إضافة الصفة إلى فاعلها؛ أو منصوب على التشبيه بالمفعول به؛ والوجه الثاني: أفضل. يا عرو: "يا" حرف نداء. عرو: منادى مرخم بحذف التاء، مبني على ضم الحرف المذكور، أو المحذوف؛ على لغة من ينتظر، ومن لا ينتظر. فاغتبط: الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، والتقدير: إذا كنت كذلك فاغتبط. فإن الفاء تعليلية، إن: حرف مشبه بالفعل. اغتباطا: اسم "إن" "بالوفاء": متعلق بـ "اغتباطا". حميد: خبر "إن" مرفوع.
موطن الشاهد: "دريت الوفي العهد".
وجه الاستشهاد: جاء فعل "درى" قلبيا يفيد اليقين، ونصب مفعولين اثنين؛ الأول: التاء المتحولة نائب قاعل؛ لبناء الفعل المجهول، والثاني: الوفي؛ ونصب فعل درى لمفعولين قليل، والأكثر فيه أن يتعدى إلى واحد بالباء، نحو: دريت بكذا.стр. 399
والأكثر في هذا أن يتعدى بالباء، فإذا دخلت عليه الهمزة تعدى لآخر بنفسه١ نحو: ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ٢.
والثاني: ما يفيد في الخبر رجحانا٣، وهو خمسة: جعل، وحجا، وعدَّ، وهب، وزعم، نحو: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ٤، وقوله٥: [البسيط]
١٧٢- قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة٦
الحواشي
(١) ١ أي: إن دخلت عليه همزة التعدية؛ تعدى بها إلى واحد، وتعدى إلى الثاني بالباء، كما في الآية الكريمة التالية.
٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ١٦.
موطن الشاهد: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: دخول همزة التعدية على فعل "درى" فتعدى بوساطة هذه التعدية إلى المفعول الأول؛ وهو "كم" بنفسه، وإلى المفعول الثاني بحرف الجر، كما أسلفنا.
٣ الرجحان: ما ينشأ من تغلب أحد الدليلين المتعارضين في أمر من الأمور على الآخر؛ بحيث يصير أقرب إلى اليقين من الشك.
٤ "٤٣" سورة الزخرف، الآية: ١٩.
موط الشاهد: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ.... إِنَاثًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "فعل" مفيدا، رجحان الخبر؛ فنصب مفعولين اثنين؛ الأول: الملائكة؛ والثاني: إناثا.
٥ القائل: هو تميم بن أبي مقبل، وقيل اسمه تميم بن أُبَي بن مقبل، أحد بني العجلان، شاعر مجيد في الوصف والرثاء، منقح للكلام وصاف للقدح حتى قيل: قدح ابن مقبل، أدرك الإسلام وأسلم، وكان جافيا في الدين، يبكي أهل جاهليته. وبلغ مائة وعشرين سنة. الشعر والشعراء: ١/ ٤٥٥، الجمحي: ١/ ١٥٠، الإصابة: ١/ ١٩٥، الأغاني: ٣/ ١٧٩، اللآلي: ٣٦٢.
٦ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
حتى ألمت بنا يوما ملمات
=стр. 400
.........................................................................
الحواشي
(١) = وقد نصب صاحب المحكم البيت إلى أبي شنبل الأعرابي، ونسبه ثعلب في أماليه إلى أعرابي يقال له: القنان، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، وابن عقيل: "١٢٥/ ٢/ ٣٨" والأشموني: "٣٢٢/ ١/ ١٥٧" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٨، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٠، والعيني: ٢/ ٣٧٦ وشذور الذهب: "١٧٨/ ٤٧٢" وليس في ديوان تميم بن أبي مقبل.
المفردات الغريبة: أحجو: أظن. ألمت: نزلت. ملمات: جمع ملمة وهي النازلة من نوازل الدهر.
المعنى: قد كنت أظن وأعتقد أن أبا عمرو أخا مخلصا، يوثق به، ويعتمد عليه في الملمات والشدائد؛ حتى نزلت بنا يوما حوادث مؤملة؛ فتبين لي غير ما كنت أظن فيه.
الإعراب: أحجو: فعل مضارع، والفاعل: أنا. أبا: مفعول به أول، وهو مضاف. عمرو: مضاف إليه. أخا: مفعول به ثانٍ، وهو مضاف. ثقة: مضاف إليه؛ ويجوز أن تكون "أخا" بالتنوين مفعولا ثانيا وثقه بالتنوين والنصب صفة لها. حتى: حرف غاية وجر: ألمت: فعل ماضٍ، والتاء، للتأنيث. ملمات: فاعل مرفوع.
موط الشاهد: "أحجو أبا عمرو أخا".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "أحجو" بمعنى أظن؛ فنصب به مفعولين؛ أحدهما: أبا عمرو، وثانيهما: أخا ثقة؛ وفعل حجا لا يتعدى إلى مفعولين إلا إذا كان قلبيا مفيدا الرجحان والظن.
فائدة ١: ذكر العيني أنه لم ينقل أحد من النحاة أن "حجا يحجو" ينصب مفعولين غير ابن مالك رحمه الله تعالى.
فائدة ٢: يأتي فعل حجا بمعانٍ عدة؛ منها: الغلبة في المحاجاة؛ وذلك إذا ألقيت على مخاطبك كلمة يخالف لفظها معناها، وتسمى هذه الكلمة أحجية؛ ويأتي فعل "حجا" بمعنى "قصد"؛ نحو قول الأخطل:
حجونا بني النعمان إذ عصَّ ملكهم ... وقبل بني النعمان حاربنا عمرو
فحجونا بمعنى قصدنا. وعص ملكهم: قوي واشتد.
ويأتي بمعنى أقام؛ نحو: "حجا محمد بمكة"؛ أي: أقام بها.
ويأتي بمعنى "رد" نحو: حجوت السائل؛ أي رددته.
ويأتي بمعنى "ساق" نحو: حجوت الإبل، أي سقتها.
ويأتي بمعنى "حفظ وكتم" نحو: حجوت الحديث؛ أي حفظته أو كتمته.
ويتضح من الأمثلة السابقة أن "حجا" لما يكون بمعنى غلب في المحاجاة، أو قصد، أو رد، أو ساق، أو كتم، أو حفظ؛ تتعدى إلى مفعول واحد. وإذا كان بمعنى أقام في المكان، أو وقف؛ فإنه لا يتعدى بنفسه، وإنما يتعدى بحرف الجر.стр. 401
وقوله١: [الطويل]
١٧٣- فلا تعدد المولى شريكك في الغنى٢
الحواشي
(١) ١ القائل هو: النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله؛ صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه، وابن أخت عبد الله بن رواحة، ولد سنة اثنتين للهجرة ومسنده: ١١٤ حديثا؛ حدث عنه الزهري والشعبي وغيرهما، ولاه معاوية الكوفة ثم دمشق، ثم حمص وبها قتل.
سير أعلام النبلاء: ٣/ ٤١١، البداية والنهاية: ٨/ ٢٤٤، الإصابة: ٣/ ٥٥٩، شذرات الذهب: ١/ ٧٢.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
ولكنما المولى شريكك في العدم
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، وابن عقيل: "١٢٤/ ٢/ ٣٧"، والأشموني: "٣٢١/ ١/ ١٥٧" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٨، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٠، والخزانة: ١/ ٤٦١ عرضا، والعيني: ٢/ ٣٧٧.
المفردات الغريبة: لا تعدد: لا تظن. المولى: يطلق على معانٍ كثيرة، والمراد هنا الصاحب والناصر. العدم: الفقر.
المعنى: لا تظن الصديق المخلص، والصاحب الوفي، هو الذي يقاسمك ويشاطرك المودة والإخاء في حال يسارك وغناك؛ بل هو الذي يرافقك ويصاحبك في حال فقرك، وضيق عيشك، وغدر الزمان بك.
الإعراب: لا: ناهية. تعدد: فعل مضارع مجزوم، والفاعل: أنت. المولى: مفعول به أول لفعل "تعدد". شريكك: مفعول به ثان، والكاف: مضاف إليه. "لكنما": كافة ومكفوفة تفيد الاستدراك. المولى: مبتدأ. شريكك: خبر ومضاف إليه.
موطن الشاهد: "لا تعدد المولى شريكك".
وجه الاستشهاد: استعمل مضارع "عد" "بمعنى ظن" ونصب به مفعولين؛ أحدهما: المولى. والثاني: شريكك، كما بينا في الإعراب؛ ومثل الشاهد السابق بعد قول جارية بن الحجاج:
لا أعد الإقتار عُدْمًا ولكنْ ... فَقْدُ من قد فقدته الإعدام
فـ "أعد" بمعنى أظن، وقد نصب مفعولين؛ الإقتار وعدما؛ والشواهد على استعمال عد بمعنى ظن كثيرة.стр. 402
وقوله١: [المتقارب]
١٧٤- وإلا فهبني امرأ هالكا٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو عبد الله بن همام السلولي، أحد بني مرة صعصعة من قيس عيلان، وبنو مرة يعرفون ببني سلول؛ شاعر أموي، جيد الشعر عذبه، حتى سمي بالعطاء لحسن شعره، وهو إلى هذا صاحب جاه عند السلطان؛ لزوم معاوية وابنه يزيد، وكان عندهما حظيا مكينا. الشعر والشعراء: ٢/ ٦٥١، والجمحي: ٢/ ٦٢٥، واللآلي: ٦٨٣، والخزانة: ٢/ ٦٣٨.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
فقلت: أجرني أبا مالك
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، وابن عقيل: "١٢٦/ ٢/ ٣٦"، والأشموني: "٣٢٤/ ١/ ١٥٧"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٣١، والخصائص: ٢/ ١٨٦، والعيني: ٢/ ٣٧٨ ومغني اللبيب: "١٠١٨/ ٧٧٥"، وشرح السيوطي: ٣١٢، وشذور الذهب: "١٨٢/ ٤٧٦".
المفردات الغريبة: أجرني: أغثني واحمني، وأصله: اتخذني لك جارا تدفع عنه وتحميه. هبني: احسبني وظنني.
المعنى: فقلت: أغثني واحمني ودافع عني يا أبا مالك، وأمني من أعدائي، فإن لم تفعل ذلك، فظن أني هالك لا محالة.
الإعراب: أجرني: فعل أمر؛ خرج إلى معنى الاستعطاف، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. أبا خالد: منادى بحرف نداء محذوف منصوب، وخالد: مضاف إليه. إلا: إن شرطية جازمة، لا: نافية؛ وفعل الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه. فهبني: الفاء رابطة لجواب الشرط، هب: فعل أمر مبني على السكون؛ وهو ملازم لصيغة الأمر، والفاعل: أنت. والنون: للوقاية، والياء: مفعول به أول. أمرأ: مفعول ثانٍ منصوب. هالكا: صفة منصوبة.
موطن الشاهد: "هبني امرأ".
وجه الاستشهاد: مجيء "هب" بمعنى الظن؛ فنصب مفعولين؛ أحدهما: ياء المتكلم؛ والثاني: امرأ؛ ومعلوم أن "هب: بهذا المعنى فعل جامد، لا يتصرف؛ فلا يأتي منه مضارع ولا ماضٍ؛ بل هو مزم لصيغة الأمر؛ والغالب على هذا الفعل أن يتعدى إلى مفعولين صريحين، كما في الشاهد، وقد يدخل على "أن" المؤكدة ومعموليها خلافا لابن سيده، والجوهري، والجرمي؛ حيث عدوا دخوله عليها لحنا، غير أن العلماء والمحققين أثبتوا أنه ليس لحنا، واستشهدوا بحديث عمر: "هب أن أبانا كان حمارا". غير أن هذا الاستعمال قليل، والأفضل ألا يصار إلى استعماله.
فائدة: يجب أن نميز هنا بين "هب" الفعل الجامد الذي تحدثنا عنه، وبين "هب" الأمر من "وهب" يهب المتصرف؛ فذاك يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه، كما قال ﷻ : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق﴾ ، وقوله في آية أخرى: ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾ ، وقوله تقدست أسماؤه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ .
ففعل "وهب" في الآيات الكريمة بمعنى الهبة، وهي التفضل بما ينفع الموهوب.стр. 403
وقوله١: [الخفيف]
١٧٥- زعمتني شيخا ولست بشيخ٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو أبو أمية الحنفي:
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
إنما الشيخ من يدبُّ دبيبا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، والأشموني: "٣١٩/ ١/ ١٥٦"، والعيني: ٢/ ٣٧٩ ومغني اللبيب: "١٠١٦/ ٧٧٥" وشذور الذهب: "١٧٩/ ٤٧٣"، وقطر الندى: "٧٠/ ٢٣١".
المفردات الغريبة: شيخا، الشيخ: هو الذي ظهر عليه الضعف والشيب، ويغلب أن يكون من سن الخمسين ويجمع على أشياخ وشيوخ. يدب دبيبا: يمشي مشيا وئيدا.
المعنى: ظنت هذه المرأة حين رأت الشيب برأسي، أني أصبحت شيخا ضعيفا منهوك القوى، وهي في ذلك مخطئة؛ لأن الشيخ من ضعفت قوته، وكَلَّ عزمه، وتقاربت خطاه وأضحى لا يستطيع السير لشدة ضعفه فأخذ يدب على عصاه؛ أما أن فأقوى وأشد مما تظن.
الإعراب: زعمتني: فعل ماضٍ، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به أول لـ "زعم". شيخًا: مفعول ثان منصوب، ولست: الواو حالية. لست: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. بشيخ: الباء زائدة، شيخ: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس. إنما: كافة ومكفوفة، تفيد الحصر. الشيخ: مبتدأ. من: اسم موصول، خبر. يدب: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو. دبيبا: مفعول مطلق؛ وجملة "يدب دبيبا": صلة للموصول لا محل لها.
موطن الشاهد: "زعمتني شيخا".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "زعم" بمعنى ظن، فنصب به مفعولين؛ أحدهما: ياء المتكلم، والثاني: قوله: "شيخا"؛ وهذا مستعمل شائع في لغة العرب؛ وإن كان الأكثر فيه أن يقع على أن المثقلة أو المخففة وصلتهما كما سنرى.стр. 404
والأكثر في هذا وقوعه على أن وأن وصلتهما، نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ١، وقال٢: [الطويل]
١٧٦- وقد زعمت أني تغيرت بعدها٣
الحواشي
(١) ١ ٦٤ سورة التغابن، الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ .
وجه الاستشهاد: دخول فعل زعم القلبي على "أن" المخففة وصلتها، فسدَّتْ مع معموليها مسدَّ مفعولي زعم؛ ووقوع "زعم" على "أن" وصلتها كثير شائع في اللغة، كما جاء في المتن.
٢ القائل: هو كثير بن عبد الرحمن، المعروف بكثير عزة، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
ومن ذا الذي يا عَزُّ لا يتغير
وبعده قوله:
تغير جسمي والخليفة كالذي ... عهدت، ولم يُخبَرْ بسرك مُخبَرُ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، والأشموني: "٣٢/ ١/ ١٥٧"، والعيني: ٢/ ٣٨٠ وشذور الذهب: "١٨٠/ ٤٧٤"، وديوان كثير عزة: ١/ ٦٢.
المفردات الغريبة: زعمت: ظنت. تغيرت: تغير جسمي فأصبح هزيلا شاحب اللون.
المعنى: ظنت عزة، وهي تتحدث عني؛ لما رأته من تحول في بدني وشحوب في لوني وهزال في جسمي- أنني تغيرت بعد فراقها والبعد عنها؛ ثم استدرك وقال: ومن الذي لا يتغير بعدما عانى من الوجد وألم الشوق والبعد؟
الإعراب: زعمت: فعل ماضٍ من أفعال القلوب؛ والتاء: للتأنيث. أني: حرف مشبه واسمه. تغيرت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "تغيرت بعدها": في محل رفع خبر "أن"؛ وأن وما دخلت عليه سدت مسد مفعولي زعم. "بعدها": متعلق بـ "تغير"، و"ها": مضاف إليه. من ذا: مبتدأ وخبر: الذي: بدل من اسم الإشارة؛ أو عطف بيان عليه. يا: حرف نداء. عز: منادى مفرد علم مرخم؛ وجملة النداء؛ معترضة بين الموصول وصلته، لا محل لها. لا: نافية. يتغير: فعل مضارع والفاعل: هو؛ وجملة "لا يتغير": صلة للموصول لا محل لها.
موطن الشاهد: "زعمت أني تغيرت".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "زعم" بمعنى ظن، وعداه إلى مفعولين؛ سد مسدهما أن وما دخلت عليه؛ وهذا كثير شائع في استعمال هذا الفعل كما أشرنا من قبل؛ ومن أمثلته قول امرئ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي
وقول جميل بن معمر العذري:
وقد زعمت أني سأرضي بها العدى ... سرقت إذن يا بثن زاد رفيقي
ومن تعدية هذا الفعل بوساطة "أن" المخففة وما دخلت عليه قوله جل شأنه: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ .стр. 405
والثالث: ما يَرِدُ بالوجهين١، والغالب كونه لليقين، وهو اثنان: رأى، وعلم، كقوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات﴾ ٤.
والرابع: ما يَرِدُ بهما، والغالب كونه للرجحان، وهو ثلاثة: ظن، وحسب، وخال كقوله٥: [الطويل]
١٧٧- ظننتك إن شبَّتْ لظى الحرب صاليا٦
الحواشي
(١) ١ أي يكون بمعنى اليقين أحيانا، وبمعنى الرجحان أحيانا أخرى، والقرينة تعين المراد.
٢ "٧٠" سورة المعارج، الآية: ٦ و٧.
موطن الشاهد: ﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "يرى" في الآية الكريمة دالا على المعنيين، فالأول يدل على الرجحان؛ لأن الضمير عائد إلى الكفار الذين يظنون البعث ممتنعا؛ والثاني: يدل على اليقين؛ لأن المتكلم الله ﷻ ؛ ومعناه: ونعلمه واقعا لا محالة.
٣ "٤٧" سورة محمد، الآية: ١٩.
موطن الشاهد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "اعلم" بمعنى تيقن واعتقد؛ وأن وصِلَتُها سدت مسد مفعولي "اعلم".
٤ "٦٠" سورة الممتحنة، الآية: ١٠.
موطن الشاهد: ﴿عَلِمْتُمُوهَُّن مُؤْمِنَاتٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "علم" في الآية الكريمة بمعنى "ظن"؛ والضمير "هن"؛ مفعوله الأول، ومؤمنات: مفعوله الثاني.
٥ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٦ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
فعردت فيمن كان عنها معردا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، والأشموني: "٣١٧/ ١/ ١٥٦" والعيني: ٢/ ٣٨١. =стр. 406
وكقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ ١، وكقوله الشاعر٢: [الطويل]
١٧٨- وكنا حسبنا كل بيضاء شحمةً٣
الحواشي
(١) = المفردات الغريبة: شبَّت: اشتعلت واتَّقَدت وتأججت. لظى الحرب: نارها وأوارها. صاليا: داخلا فيها، وخائضا غمارها. عردت: أحجمت وفرَّت، والتعريد: الفرار، أو سرعة الذهاب في الهزيمة.
المعنى: لقد ترجح أنك -إذا اضطرمت نيران الحرب وحمي وطيسها- تقتحهما وتخوض غمارها غير هياب ولا وجل؛ وإذا بك تفر وتنهزم مع المنهزمين.
الإعراب: ظننتك: فعل ماضٍ يفيد الرجحان، والتاء: فاعله، والكاف: مفعوله الأول. إن: شرطية جازمة. شبت: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث. لظى: فاعل مرفوع، الحرب: مضاف إليه؛ وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه. صاليا: مفعول به ثانٍ؛ لفعل "ظن" فعردت: الفاء عاطفة. عردت: فعل ماضٍ وفاعل. "فيمن": متعلق بـ "عرد". كان فعل ماضٍ ناقص، واسمه: هو. معردا: خبر كان؛ وجملة "كان مع معموليها": صلة "من" لا محل لها.
موطن الشاهد: "ظننتك صاليا".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "ظن" من الظن بمعنى الرجحان؛ ونصب به مفعولين؛ الأول: "الكاف" ضمير الخطاب، والثاني: صاليا.
١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٤٦.
موطن الشاهد: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "يظنون" من الظن بمعنى اليقين؛ لأن المؤمنين يتيقنون من ملاقاة ربهم، و"أن" وصلتها سدت مسد مفعولي "يظنون".
٢ الشاعر: هو زفر بن الحارث الكلبي: أبو الهذيل، كبير قيس في زمانه، ومن الطبقة الأولى من التابعين من أهل الجزيرة، سمع عائشة ومعاوية ﵄، وشهد صفين مع معاوية، وشهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس؛ لجأ إلى قرقيسيا -بلد على الفرات- وبقي فيها إلى أن مات في خلافة عبد الملك بن مروان، وله بضع وسبعون سنة.
الخزانة: ٢/ ٣٧٢، المؤتلف: ١٢٩.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
عشية لاقينا جُذامَ وحميرا
وهو من كلمة يقولها في وصف مرج راهط، وهو موضع كانت لهم فيه موقعة، وبعده قوله: =стр. 407
وقوله١: [الطويل]
١٧٩- حسبتُ التقى والجودَ خيرَ تجارةٍ٢
الحواشي
(١) =
فلما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا في الأعنة ضمرا
سقيناهم كأسا سوقنا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٩، ومغني اللبيب: "١٠٧٨/ ٨٣٣" والسيوطي: ٣١٤، والعيني: ٢/ ٣٨٢، وشرح التبريزي لديوان الحماسة "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد"، ١/ ١٥٠.
المفردات الغريبة: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة: كنا ظننا شيئا فوجدنا الأمر على خلاف ما كنا نظن، وهذه العبارة مأخوذة من المثل: "ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة". جذام وحمير: قبيلتان من قبائل اليمن.
المعنى: كنا ظننا في قومنا -لما نعلمه من شجاعتهم ومقدرتهم الفائقة في الحرب- أنهم سيقهرون أعداءهم بمجرد اللقاء بهم، وأن أولئك الأعداء، سيهزمون حين يرون أنفسهم أمام شجعان لا قبل لهم بمنازلتهم؛ ولكننا وجدنا في الأعداء قدرة وصلابة وصمودا في المواجهة، وصبرا على النزال، لم يكن متوقعا؛ ولعل هذا البيت من خير ما قيل في إنصاف الخصوم.
الإعراب: كنا: فعل ماضٍ ناقص، واسمه، حسبنا: فعل ماضٍ يفيد الرجحان، و"نا" فاعل. كل: مفعول به أول لـ "حسب" بيضاء: مضاف إليه. شحمة: مفعول به ثانٍ. لاقينا: فعل ماضٍ، وفاعل. جذام: مفعول به. وحميرا: معطوف على "جذام" وجملة "لاقينا ... " في محل جر بالإضافة.
موطن الشاهد: "حسبنا كل بيضاء شحمة".
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "حسب" القلبي بمعنى الرجحان ونصبه مفعولين اثنين؛ الأول: كل؛ والثاني: شحمة.
١ هو: لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
رباحا، إذا ما المرء أصبح ثاقلا
وهو من كلمة طويلة للبيد عدتها اثنان وتسعون بيتا، وأولها قوله:
كبيشة حلت بعد عهدك عاقلا ... وكانت له خبلا على النأي خابلا
=стр. 408
وكقوله١: [الطويل]
١٨٠- إخالك، إن لم تغضض الطرف، ذا هوى٢
الحواشي
(١) =
تربعت الأشراف ثم تصيفت ... حساء البطاح وانتجعن المسايلا
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٩، وابن عقيل: "١٢٢/ ٢/ ٣٤"، والأشموني: "٣٣٩/ ١/ ١٦٣" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٢، والعيني: ٢/ ٣٨٤، وديوان لبيد: ١٤٦.
المفردات الغريبة: رباحا: أي ربحا. ثاقلا: أي ميتا؛ لأن الجسم يثقل إذا فارقته الروح.
المعنى: لقد علمت وتيقنت أن تقوى الله تعالى، والجود بالمال وبالنفس -إذا اقتضى الأمر- أحسن تجارة، تعود على الإنسان بخير ربح، إذا مات وفارق هذه الدنيا؛ وذلك لأنه سيجد ما أعده الله له خيرا وأعظم أجرا.
الإعراب: حسب: فعل ماضٍ بمعنى "علم"، والتاء: فاعل. التقى: مفعول به أول.
والجود: معطوف على المفعول الأول. خير: مفعول به ثانٍ. تجارة: مضاف إليه. رباحا: تمييز منصوب. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان متعلق بجوابه. ما: زائدة. المرء: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ وهذا الفعل المحذوف ناقص محذوف الخبر؛ لأن مفسره "أصبح" فعل ناقص والجملة من "أصبح مع معموليها": في محل جر بالإضافة. أصبح: فعل ماضٍ ناقص، واسمه: هو. ثاقلا: خبر أصبح منصوب؛ وجملة "أصبح ثاقلا": مفسرة لا محل لها.
موطن الشاهد: "حسبت التقى ... خير".
وجه الاستشهاد: استعمال فعل "حسب" بمعنى علم القلبي، ونصبه مفعولين اثنين؛ الأول: التقى. والثاني: خير؛ واستعمال "حسب" بهذا المعنى كثير شائع.
١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
يسومك ما لا يستطاع من الوجد
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٩، والأشموني: "٣١٣/ ١/ ١٥٥" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٠ والدرر اللوامع: ١/ ١٣٣، والعيني: ٢/ ٣٨٥.
المفردات الغريبة: إخالك: أظنك، وهو بكسر الهمزة، مع أن القياس في همزة المضارعة فتحها، ولكن جمهور العرب كسروها في هذا الفعل ما عدا بني أسد فإنهم يفتحونها على القياس. تغضض الطرف: تصرف العين وتغمضها. ذا هوى: صاحب عشق. يسومك: يكلفك ويجشمك. الوجد: الهيام والحزن. =стр. 409
وقوله٢: [المنسرح]
١٨١- ما خلتني زلت بعدكم ضَمِنًا٢
الحواشي
(١) = المعنى: إني لأظنك -إن لم تصرف النظر عن الحسان ومفاتنهن- صاحب عشق وهيام؛ وعشقك وهيامك يجشمانك المصاعب، ويقودانك إلى ما لا تستطيع تحمله من تباريح الشوق والهوى.
الإعراب: إخالك: فعل مضارع "يفيد الرجحان"، والفاعل: أنا، والكاف: مفعوله الأول. إن: شرطية جازمة: لم: جازمة نافية، تغضض: فعل مضارع مجزوم؛ وهو فعل الشرط، والفاعل: أنت. الطرق: مفعول به. ذا: "بمعنى صاحب": مفعول به ثانٍ لـ "إخالك" وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة؛ وجملةُ جوابِ الشرط محذوفةٌ؛ لدلالة ما قبل الشرط عليها. هوى: مضاف إليه. يسومك: فعل مضارع، والفاعل: هو، يعود على هوى؛ والكاف: مفعول به أول. لـ "يسوم". ما: اسم موصول، مفعول به ثانٍ لـ "يسوم" لا: نافية. يستطاع: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل: هو، يعود إلى "ما"؛ وجملة "لا يستطاع من الوجد": صلة لـ "ما" لا محل لها، وجملة "يسومك ما لا يستطاع من الوجد": في محل جر صفة لـ "هوى". "من الوجد": متعلق بمحذوف حال من "ما"؛ وهو الأفضل.
موطن الشاهد: "إخالك ذا هوى".
وجه الاستشهاد: استعمال مضارع "خال" وهو فعل قلبي يفيد الرجحان، وقد نصب بهذا الفعل مفعولان اثنان؛ وهما: كاف الخطاب، وذا. واستعمال إخالك بهذا المعنى كثير شائع.
فائدة: القياس في همزة "إخالك" أن تكون مفتوحة في المضارع، نحو: خاف أخاف، ولكن العرب كسروا همزة المضارعة في هذا الفعل وحده باستثناء بني أسد؛ فهم يفتحونها على ما يقتضيه القياس فيقولون: أخالك، والوجهان جائزان باتفاق.
١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت -أنشده الجوهري عن خلف الأحمر- وعجزه قوله:
أشكو إليكم حموة الألم
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٩، والعيني: ٢/ ٣٨٦، واللسان "ضمن".
المفردات الغريبة: ضَمِنًا: زَمِنًا مُبتَلَىً. حموة الألم: شدته وسورته.
المعنى: يخاطب من فارقهم من الأحبة قائلا: ما ظننت أنني سأبقى بعد فراقكم وبعدكم عني مريضا أشكو مرارة الفراق ولوعة الأسى شوقا إليكم.
الإعراب: ما: نافية. خلتني: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل، والنون: للوقاية، والباء: مفعول به أول. زلت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. "بعدكم": متعلق بـ "ضمنا" المفعول الثاني لـ "خال". أشكو: فعل مضارع، والفاعل: أنا، وجملة "أشكو": في محل نصب خبر "زال". حموة: مفعول به لـ "أشكوا". الألم: مضاف إليه؛ ويجوز أن يكون "ضمنا" خبر "زال"، وجملة "أشكو": المفعول الثاني لـ "خال".
موطن الشاهد: "خلتني ضمنا".
وجه الاستشهاد: استعمال "خال" القلبي بمعنى الرجحان، وقد نصب هذا الفعل مفعولين اثنين؛ ياء المتكلم، وضمنا؛ كما أوضحنا في الإعراب؛ واستعمال خال بهذا المعنى كثير شائع كما أسلفنا.стр. 410
تنبيهان: الأول: ترد علم بمعنى عرف، وظن بمعنى اتهم، ورأى بمعنى الرأي، أي: المذهب، وحجا بمعنى قصد، فيتعدين إلى واحد نحو: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ١ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضنِينٍ﴾ ٢ وتقول: "رأى أبو حنيفة حِلَّ كذا، ورأى الشافعي حرمته" و: "حجوت بيت الله"٣.
وترد وجد بمعنى حزن أو حقد فلا يتعديان.
وتأتي هذه الأفعال وبقية أفعال الباب لمعانٍ أُخَر غير قلبية فلا تتعدى لمفعولين، وإنما لم يحترز عنها لأنها لم يشملها قولنا: "أفعال القلوب".
الحواشي
(١) = مفعول به أول. زلت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. "بعدكم": متعلق بـ "ضمنا" المفعول الثاني لـ "خال". أشكو: فعل مضارع، والفاعل: أنا، وجملة "أشكو": في محل نصب خبر "زال". حموة: مفعول به لـ "أشكوا". الألم: مضاف إليه؛ ويجوز أن يكون "ضمنا" خبر "زال"، وجملة "أشكو": المفعول الثاني لـ "خال".
موطن الشاهد: "خلتني ضمنا".
وجه الاستشهاد: استعمال "خال" القلبي بمعنى الرجحان، وقد نصب هذا الفعل مفعولين اثنين؛ ياء المتكلم، وضمنا؛ كما أوضحنا في الإعراب؛ واستعمال خال بهذا المعنى كثير شائع كما أسلفنا.
١ "١٦" سورة النحل، الآية: ٧٨.
موطن الشاهد: ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "تعلمون" بمعنى تعرفون؛ أي ليس قلبيا؛ ولذا نصب مفعولا واحدا، واكتفى به؛ ومفعوله "شيئا" كما هو واضح.
٢ "٨١" سورة التكوير، الآية: ٢٤.
موطن الشاهد: "بِظَنِيْن".
وجه الاستشهاد: مجيء "ظنين" في الآية الكريمة -على قراءة الظاء- بمعنى متهم؛ والمعنى: وما هو على ما يأتيه من أخبار الغيب بمتهم، كما زعم المشركون.
٣ قال الرضي: إن "رأى" التي من الرأي بمعنى الاعتقاد تتعدى أحيانا لاثنين، مثل: رأى أبو حنيفة كذا حلالا، ورأى الشافعي كذا حراما. وتارة تتعدى إلى واحد هو مصدر ثاني هذين الفعلين مضافا إلى أولهما، كما ذكر المصنف.
وقال الصبان: "وهذا صريح في جواز استعمال أفعال هذا الباب متعدية إلى واحد هو مصدر ثاني الجزأين مضافا إلى أولهما، من غير تقدير مفعول ثانٍ؛ لأن هذا المصدر هو المفعول به في الحقيقة؛ نحو: رأى أبو حنيفة حل كذا. شرح التصريح: ١/ ٢٥٠، حاشية الصبان: ٢/ ٢٠.стр. 411
الثاني: ألحقوا رأى الحلُمية١ برأي العلمية في التعدي لاثنين، كقوله٢: [الوافر]
١٨٢- أراهم رفقتي حتى إذا ما٣
الحواشي
(١) ١ أي الدالة على الرؤيا المنامية.
٢ القائل هو: عمرو بن أحمر الباهلي، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
تجافى الليل وانخزل انخزالا
وبعد قوله:
إذا أنا كالذي يجري لوردٍ ... إلى آل فلم يدرك بلالا
وهذان البيتان من قصيدة للشاعر يندب فيها رفاقه الذين فارقوه إلى الشام فصار يراهم في منامه وأولها:
أبت عيناك إلا أن تلحا ... وتحتالا بما بهما احتيالا
كأنهما سُعَينَا مستغيث ... يرجَّى طالعا بهما ثقالا
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٠، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٤ وابن عقيل: "١٣١/ ٢/ ٥٣" والأشموني: "٣٣٩/ ١/ ١٦٣".
المفردات الغريبة: رفقتي، الرفقة: الجماعة ينزلون جملة ويرتحلون جملة. تجافى الليل: زال، ذهب. انخزل: انطوى وانقطع. لورد، الورد: المنهل العذب الذي يشرب منه. آل: الآل: السراب وهو ما تراه وسط النهار، كأنه ماء، وليس بماء. بلالا: ما يبل به الحلق، والمراد هنا الماء.
المعنى: إن هؤلاء الأصحاب "أبو حنش وطلق وعمار وأثال" أراهم مجتمعين معي مناما؛ فإذا ما انطوى الليل، واستيقظت من نومي، لا أرى أحدا منهم؛ فأنا كالظمآن الذي يرى السراب، فيظنه ماء؛ حتى إذا جاءه، لم يجد شيئا، فيظل عطشا، ولم ينل مطلبا.
الإعراب: أراهم: فعل مضارع، والفاعل: أنا، و"هم": مفعول به أول. رفقتي: مفعول به ثان، والياء: مضاف إليه. حتى: ابتدائية. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، متضمن معنى الشرط. ما: زائدة. تجافى: فعل ماضٍ. الليل: فاعل مرفوع؛ وجملة "تجافى الليل": "فعل الشرط غير الجازم" في محل جر بالإضافة؛ وجواب إذا في أول البيت التالي: "إذا أنا كالذي ... ".
موطن الشاهد: "أراهم رفقتي".
وجه الاستشهاد: إعمال "أرى" مضارع "رأى" الحلمية؛ أي رأى في المنام عمل رأى؛ التي بمعنى "علم"؛ لما بينهما من تشابه؛ لأن الرؤيا إدراك بالحسن الباطن، كالعلم؛ ولهذا، نصب بالفعل مفعولين اثنين، كما بينا في الإعراب.стр. 412
ومصدرها الرؤيا، نحو: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ١، ولا تختص الرؤيا بمصدر الحلمية، بل تقع مصدرا للبصرية، خلافا للحريري٢ وابن مالك، بدليل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٣، قال ابن عباس: هي رؤيا عين.
النوع الثاني: أفعال التصيير، كجعل، ورد، وترك، واتخذ، وتخذ، وصير، ووهب، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ٤ ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ
الحواشي
(١) رأى؛ التي بمعنى "علم"؛ لما بينهما من تشابه؛ لأن الرؤيا إدراك بالحسن الباطن، كالعلم؛ ولهذا، نصب بالفعل مفعولين اثنين، كما بينا في الإعراب.
١ "١٢" سورة يوسف، الآية: ١٠٠.
موطن الشاهد: ﴿رُؤْيَايَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "رؤيا" مصدرا لـ "رأى" الحلمية.
٢ الحريري: هو أبو محمد: القاسم بن علي بن محمد الحريري، صاحب المقامات المشهورة، كان غاية في الذكاء والفطنة والبلاغة، وأحد أئمة عصره في اللغة، وذلك واضح من خلال مقاماته التي بزَّ بها الأوائل وأعجز الأواخر، له مصنفات أخرى مثل: درة الغواص في أوهام الخواص، وملحة الإعراب وشرحها في النحو، وله ديوان شعر، كان الحريري دميم الخلقة مبتلى بنتف لحيته، ولد سنة ٤٤٦ ومات بالبصرة وله سبعون سنة وذلك سنة ٥١٦هـ. سير أعلام النبلاء: ١٩/ ٤٦٠، معجم الأدباء: ١٦/ ٢٦١، بغية الوعاة: ٢/ ٢٥٧، خزانة الأدب: ٦/ ٤٦٢.
٣ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٦٠.
موطن الشاهد: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الرؤيا" مصدرا لـ "رأى" البصرية؛ لأن الرؤيا هنا رؤيا عين، كما فسرها ابن عباس؛ غير أن المشهور استعمالها في الحلمية.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٥١.
ومن استعمالهم للرؤيا بمعنى رؤية قول الراعي النميري، يصف صيادا:
وكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبَشَّرَ نفسا كان قبلُ يلومُها
٤ "٢٥" سورة الفرقان، الآية: ٢٣.
موطن الشاهد: ﴿جَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "جعل" دالا على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى، فنصب مفعولين؛ الأول هاء الضمير العائد إلى عمل الكفار، والثاني: هباء؛ وهو ذرات التراب الصغيرة التي ترى في شعاع الشمس. ومنثورا: مبعثرا.стр. 413
كُفَّارًا﴾ ١ ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ٢ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٣، وقال الشاعر٤: [الوافر]
١٨٣- تخذت غراز إثرهم دليلا٥.
الحواشي
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٠٩.
موطن الشاهد: ﴿يَرَدُّونَكُمْ ... كُفَّارًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "يردونكم" مضارع رد الدال على التحويل والتصيير ناصبا لمفعولين؛ هما: الضمير المتصل "كم" و"كفارا"؛ والمعنى: ود الذين كفروا لو يصيرونكم كفارا.
٢ "١٨" سورة الكهف، الآية: ٩٩.
موطن الشاهد: ﴿تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَمُوجُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "ترك" دالا على التصيير، فنصب مفعولين؛ الأول: بعضهم، والثاني: جملة "يموج"؛ ومن العلماء من ينصب بـ "ترك" مفعولا واحدا، وينصب الثاني على الحال.
٣ "٤" سورة النساء، الآية: ١٢٥.
موطن الشاهد: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "اتخذ" ناصبا لمفعولين؛ أصلهما مبتدأ وخبر، كما في الآيات السابقة؛ فـ "إبراهيم" المفعول الأول، و"خليلا": المفعول الثاني.
٤ الشاعر: هو: أبو جندب بن مرة الهذلي؛ أخو أبي خراش الهذلي.
٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
وفرُّوا في الحجاز ليعجزوني
وهو ثالث ثلاثة أبيات يقولها في بني لحيان:
لقد أمسى بنو لحيان مني ... بحمد الله في خزي مبين
جزيتهم بما أخذوا تلادي ... بني لحيان كُلًّا فاخِرُوني
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٢، والأشموني: "٣٢٩/ ١/ ١٥٨" والعيني: ٢/ ٤٠٠ وديوان الهذليين: ٣/ ٩٠.
المفردات الغربية: غراز: اسم واد، وقيل اسم جبل. إثرهم: عقب رحيلهم. ليعجزوني: ليغلبوني، وذلك بأن يفلتوا مني فلا أدركهم.
المعنى: يذم الشاعر بني لحيان -وكانت بينه وبينهم خصومة- فيقول: تتبعت أثرهم بعد رحليهم؛ ولكنهم فروا إلى الحجاز؛ ليعجزوني؛ فلا أدركهم.
الإعراب: تخذت: فعل ماضٍ وفاعل "وفعل تخذت دال على التصيير وهو بمعنى =стр. 414
وقال١: [مشطور الرجز]
١٨٤- فصيروا مثل كعصف مأكولْ٢
الحواشي
(١) = جعل في هذا البيت. غراز: مفعول به أول؛ وهو ممنوع من الصرف على إرادة البقعة؛ وهي مؤنثة. إثرهم: ظرف متعلق بـ "تخذت" ومضاف إليه. دليلا: مفعول به ثانٍ لـ "تخذت". في الحجاز": متعلق بـ "فروا"؛ وفي هنا بمعنى "إلى". ليعجزوني: اللام للتعليل، يعجزوني: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد لام كي، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به؛ والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل جر بلام التعليل؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ "فر"؛ وتقدير الكلام: وفروا إلى الحجاز لإعجازهم إياي من اللحاق بهم.
موطن الشاهد: "تخذت غراز دليلا".
وجه الاستشهاد: مجيء "تخذ" فعلا دالا على التصيير، ونصبه مفعولين اثنين؛ الأول؛ غراز، والثاني: دليلا، كما أوضحنا في الإعراب.
١ القائل: هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من السريع الموقوف بسكون لام مأكول، أو من مشطور الرجز. وصدره قوله:
ولعبت طير بهم أبابيلْ
وقبل الشاهد قوله:
ومسهم ما مس أصحاب الفيلْ ... ترميهمُ حجارة من سِجِّيلْ
وهما في ذكر أصحاب الفيل وما حل بهم من الهلاك، وينسبهما بعض النحاة إلى حميد الأرقط. والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٢، ٢/ ١٧٢، والأشموني: "٣٢٨/ ١/ ١٥٨"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٠ والدرر اللوامع: ١/ ١٣٢، ومغني اللبيب: "٣٢٤/ ٢٣٨"، والسيوطي: ١٧١ والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٠٣، والمقتضب: ٤/ ١٤١، ٣٥٠، وخزانة الأدب: ٤/ ٢٧٠ والعيني: ٢/ ٤٠٢، وسيرة ابن هشام "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٥٦، وملحقات ديوان رؤبة: ١٨١.
المفردات الغريبة: أبابيل: جماعات وفرق، واحدة إبول؛ أو أبيل، وقيل: لا واحد له. كعصب، العصب: الزرع الذي أكل حبه، وبقي تبنه وورقه، وقيل: التبن.
المعنى: يصف الشاعر قوما أبيدوا واستؤصلوا، فلم يبق لهم أثر يذكر؛ ولعله يشير إلى قصة أصحاب الفيل؛ فشبههم بالزرع الذي عبثت به جماعات الطيور؛ فأكلت حبه؛ ولم تترك منه غير ورقه الجاف. =стр. 415
وقالوا: "وَهَبَنِي الله فداك"١ وهذا ملازم للمضي.
[أحكام ظن وأخواتها من حيث الإعمال والإلغاء والتعليق] :
فصل: لهذه الأفعال ثلاثة أحكام:
أحدها: الإعمال، وهو الأصل، وهو واقع في الجميع٢.
الثاني: الإلغاء، وهو: إبطال العمل لفظا ومحلا، لضعف العامل بتوسطه أو تأخره، كـ: "زيد ظننت قائم" و: "زيد قائم ظننت"٣ قال٤: [البسيط]
الحواشي
(١) = الإعراب: صيروا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والواو: نائب فاعل؛ وهي المفعول الأول. مثل: مفعول به ثانٍ لـ "صيروا". كعصف: الكاف اسم بمعنى مثل، توكيد لـ "مثل" المذكورة؛ وعصف: مضاف إليه؛ أو الكاف زائدة، وعصف: مضاف إلى مثل؛ وقد فصل بين المتضايفين بالكاف؛ وهذا جائز.
موطن الشاهد: "صيروا مثل".
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "صير" بمعنى التحويل من حالة إلى حالة، فنصب مفعولين؛ "واو الجماعة" الذي ناب عن الفاعل بعد بناء الفعل للمجهول، و"مثل"، كما بينا في الإعراب.
١ قول لبعض العرب، حكاه ابن الأعرابي، ومعنى وهبني: صيرني.
٢ أي في أفعال القلوب، وفي أفعال التصيير؛ سواء منها المتصرف والجامد على النحو الذي ذكر، وقد مر أن الأفعال القلبية متصرفة إلا فعلين هما: "تعلم" بمعنى اعلم، و"هب" بمعنى ظن، والذي يعمل من المتصرف هو الماضي وحده في الغالب، أما أفعال التصيير فالجامد منها هو "وهب". ويلزمه المضي كما سبق.
شرح التصريح: ١/ ٢٥٣.
٣ المثال الأول، يدل على توسط العامل الملغى بين المبتدأ والخبر؛ وهما مفعولاه قبل أن يلغى والمثال الثاني؛ يدل على تأخر العامل الملغى عنهما؛ والإلغاء في هاتين الحالتين جائز، وليس واجبا، كما سيتضح لنا لاحقا.
٤ القائل هو: منازل بن ربيعة المنقري، وقيل ابن زمعة؛ والمعروف باللعين المنقري؛ وذلك لأن عمر بن الخطاب ﵁ سمعه ينشد شعرا والناس يصلون، فقال: من هذا اللعين؟ فعلقت عليه، وكنية اللعين هذا، أبو أكيدر، وهو شاعر إسلامي هجاء، مبغض للضيوف، وذلك ظاهر في شعره.
الشعر والشعراء: ١/ ٤٩٩، والاشتقاق: ١٥٣، والخزانة: ١/ ٥٣٠.стр. 416
١٨٥- وفي الأراجيز -خِلُت- اللؤمُ والخورُ١
وقال٢: [الطويل]
١٨٦- هُمَا سَيِّدَانا يزعمان؛ وإنما٣
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
أبالأراجيز يا ابن اللوم توعدني؟
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٣، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٣ وفيه:
وفي الأراجيز خلت اللؤم والفشل
والدرر اللوامع: ١/ ١٣٥، والكتاب لسيبويه: ١/ ٦١، وشرح المفصل: ٧/ ٨٤، ٧/ ٨٥ وقطر الندى: "٧١/ ٢٣٢"، والخزانة: ١/ ١٢٥ عرضا، وذكر أن الصواب: " ... والفشل".
المفردات الغريبة: الأراجيز: جمع أرجوزة، وهي ما كان من الشعر من بحر الرجز، وقد كان من الشعراء من لا يقول غير الرجز، كالعجاج، وابنه رؤبة، ومنهم من يقول الشعر لا غير. وآخرون يقولون النوعين. توعدني: تتهددني. اللؤم: دناءة الأصل وشحُّ النفس. الخور: الضعف.
المعنى: أتتهددني بالأراجيز، يا دنيء الأصل، ويا وضيع النسب؟ وفي هذه الأراجيز الدناءة والضعف. "ربما لأن الرجز لا ينزل منزلة الشعر في نظره"؛ وجعله ابنا للوم مبالغة في هجائه.
الإعراب: أبالأراجيز: الهمزة للاستفهام. "بالأراجيز": متعلق بـ "توعدني". يابن اللؤم: حرف نداء، ومنادى مضاف منصوب، ومضاف إليه، وجملة النداء معترضة بين الجار والمجرور ومتعلقه. توعدني: فعل مضارع، والنون للوقاية، والياء: مفعول به، والفاعل: أنت. وفي الأراجيز: الواو حالية. "في الأراجيز": متعلق بمحذوف خبر مقدم. خلت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "خلت": اعتراضية، لا محل لها؛ لأنها اعترضت بين المبتدأ والخبر. اللؤم: مبتدأ مؤخر. والخور: معطوف على اللؤم مرفوع مثله؛ وجملة "في الأراجيز اللؤم والخور": في محل نصب على الحال.
موطن الشاهد: "في الأراجيز خلت اللؤم".
وجه الاستشهاد: توسط فعل "خال" بين المبتدأ "اللؤم" والخبر "الأراجيز"؛ ولما توسط الفعل بينهما، ألغي عمله فيهما؛ إذ لولا توسطه؛ لنصبهما؛ والتقدير: وخلت اللؤم والخور في الأراجيز؛ فاللؤم: مفعول أول، ومحل الجار المفعول الثاني.
٢ القائل هو: أبو أسيدة الدبيري؛ ولم أعثر له على ترجمة وافية.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
يسوداننا إن أيسرت غنماهما
=стр. 417
وإلغاء المتأخر أقوى من إعماله١، والمتوسط بالعكس٢، وقيل: هما في المتوسط بين المفعولين سواء.
الثالث: التعليق، وهو إبطال العمل لفظا لا محلا٣؛ لمجيء ما له صدر
الحواشي
(١) = ويُروى قبله:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجدي علينا غناهما
والبيت رواه ابن السكيت في كتاب الألفاظ ثاني أربعة أبيات: ١٣٥، والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٤، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٣، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٥ والعيني: ٢/ ٤٠٣، واللسان "يسر".
المفردات الغريبة: يزعمان: يظنان، أيسرت غنماهما: كثرت ألبانها ونسلها.
المعنى: لنا في قومنا شيخنا غنيان، قد طعنا في السن، لا يعود علينا من غناهما شيء، مع ذلك، فهما يظنان أنهما سيدانا وصاحبا الأمر والنهي فينا.
الإعراب: هما: مبتدأ. سيدانا: خبر ومضاف إليه. يزعمان: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والألف في محل رفع فاعل. وإنما: أداة حصر. يسوداننا: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو: فاعل: و"نا" مفعول به. إن: شرطية جازمة. أيسرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. وأيسرت: في محل جزم فعل الشرط. غنماهما: فاعل "أيسر" مرفوع، وعلامة رفعه الألف، و"هما": مضاف إليه؛ وجواب الشرط محذوف لدلالة سياق الكلام عليه.
موطن الشاهد: "هما سيدانا يزعمان".
وجه الاستشهاد: إلغاء عمل فعل "يزعم" القلبي؛ لتأخره عن مفعوليه؛ فارتفعا على أصلهما؛ وأصلهما -كما هو معلوم- المبتدأ والخبر؛ وإلغاء عمل الفعل في حالة تأخره عن عامليه أكثر من أعماله، كما هو واضح في المتن.
١ وذلك لضعفه بالتأخر، ويشترط لجواز الأمرين: عدم انتفاء العامل، وإلا وجب الإعمال نحو: محمدًا مسافرا لم أدر، وكون العامل غير مصدر نحو: علي مجد ظني، وألا تدخل على الاسم لام الابتداء نحو: لرأيك ناضج خلت، وإلا وجب الإلغاء في الموضعين. ويرى بعضهم أن الثاني من باب التعليق؛ وتأخير الفعل مع وجود المعلق، لا يمنع التعليق.
٢ أي أن الإعمال أقوى من الإهمال، ومحل هذا إذا لم تتقدم على الاسم لام الابتداء، وإلا وجب الإلغاء. وإذا كان الفعل منفيا تعين الإعمال كما سبق.
٣ أي أن العامل يمنع من العمل الظاهر -وهو النصب في لفظ المفعولين أو أحدهما- ولكنه في التقدير عامل؛ وذلك بسبب مانع يحول بينه وبين العامل الظاهر. وسمي هذا النوع من العمل تعليقا؛ لأن العامل متعلق بالمحل ومقدر عمله فيه، وإن بطل عمله في اللفظ بسبب هذا المانع كما سترى. واعلم أن الجملة في حال التعليق لفظها مرفوع ولكنها في محل نصب، فإذا عطفت عليها: جاز مراعاة لفظها برفع المعطوف، وجاز نصبه مراعاة لمحلها. أما في حالة الإلغاء فالجملة، لا محل لها من الإعراب، ولا يعطف عليها إلا بالرفع تبعا للفظها.
شرح التصريح: ١/ ٢٥٤.стр. 418
الكلام بعده، وهو: لام الابتداء، نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١، ولام القسم، كقوله٢: [الكامل]
١٨٧- ولقد علمت لتأتين منيتي٣
الحواشي
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
موطن الشاهد: ﴿عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع فعل "علم" القلبي معلقا عن العمل لدخول لام الابتداء على المبتدأ والخبر؛ ولام الابتداء، لا يعمل ما قبلها فيما بعدها وإلا فقدت صدارتها؛ فاللام: حرف ابتداء. من: اسم موصول، مبتدأ أول. وجملة "اشتراه": صلة، لا محل لها. وما: نافية. "له": متعلق بخبر مقدم محذوف. من: زائدة. خلاف: مبتدأ ثانٍ مؤخر؛ وجملة "ما له من خلاق": في محل رفع خبر المبتدأ الأول؛ وجملة المبتدأ الأول وخبره، سدت مسد مفعولي "علم" المعلق عن العمل في اللفظ فقط، بسبب لام الابتداء التي لا يتخطاها العامل كما أسلفنا. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٤.
٢ القائل هو: لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
إن المنايا لا تطيش سهامها
وهو من معلقة لبيد، والتي مطلعها قوله:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٩، والأشموني: "٣٣٦/ ١/ ١٦١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٤، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٧، والكتاب لسيبويه: ١/ ٤٥٦، وخزانة الأدب: ٤/ ١٣، ٣٣٢، ومغني اللبيب: "٧٤٧/ ٥٢٤" "٧٥٤/ ٥٣٢" والعيني: ٢/ ٤٠٥ وشذور الذهب: "١٨٥/ ٤٨١"، وقطر الندى: "٧٣/ ٢٣٥".
المفردات الغريبة: منيتي، المنية: الموت. لا تطيش: لا تخيب ولا تخطئ، يقال: طاش السهم، إذا لم يصب الهدف. سهامها: جمع سهم. =стр. 419
وما النافية نحو: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ١.
ولا وإن النافيتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر٢، نحو: "علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو" و: "علمت إن زيد قائم".
الحواشي
(١) = المعنى: لقد أيقنت أن منيتي ستأتيني وسألاقي الموت حتما، لأن الموت نازل لا محالة بكل إنسان، لا يفلت منه أحد، ولا تطيش سهامه.
الإعراب: ولقد: الواو حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف؛ والتقدير والله لقد علمت. لقد: اللام واقعة في جواب القسم، قد: حرف تحقيق. علمت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "علمت": جواب القسم، لا محل لها. لتأتين: اللام واقعة في جواب قسم مقدر آخر، تأتين: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. منيتي: فاعل مرفوع، والياء مضاف إليه؛ وجملة "تأتين منيتي": سدت مسد مفعولي "علم" المعلق عن العمل بسبب لام القسم؛ هذا؛ ويجوز أن تكون اللام المقترنة بـ "قد" الموطئة للقسم تفيد التوكيد، واللام في لتأتين: واقعة في جواب القسم؛ وجملة "لتأتين"؛ جواب القسم، لا محل لها. أن: حرف مشبه بالفعل. المنايا: اسمه. لا: نافية. تطيش: فعل مضارع. سهامها: فاعل ومضاف إليه؟ وجملة "لا تطيش سهامها": في محل رفع خبر "إن".
موطن الشاهد: "علمت لتأتين منيتي".
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "علم" القلبي معلقا عن العمل؛ لوقوعه قبل لام جواب القسم؛ ولذا علق عن العمل في لفظ الجملة فقط؛ ولولا وجود لام القسم لنصب المفعولين؛ والتقدير: ولقد علمت منيتي آتية؛ بنصب "منيته" نصبا تقديريا، على أنه المفعول الأول، ونصب آتية نصبا ظاهرا على أنه المفعول الثاني؛ وقد ذكر صاحب شرح التصريح تعليقا حول جملة جواب القسم، وهل لها محل أو لا في مثل هذا الشاهد يفضل العودة إليه؛ وإلى حاشية الصبان معا لمعرفة مراده. شرح التصريح: ١/ ٢٥٥، وحاشية الصبان: ٢/ ٣٠.
١ "٢١" سورة الأنبياء، الآية: ٦٥.
موطن الشاهد: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: علق فعل "علم" عن العمل في الجملة بعده لفظا، لأنه وقع قبل "ما" النافية؛ فـ "ما" نافية. هؤلاء: مبتدأ. جملة "ينطقون": خبر؛ والجملة من "المبتدأ والخبر": في محل نصب، سدت مسد مفعولي "علم".
٢ لأن لهما الصدارة حينئذ، ويرى البعض عدم اشتراط القسم قبل كل أداة من الثلاثة؛ لعدم وروده في الأساليب الفصيحة، ولا فرق في الأحرف الثلاثة بين العاملة منها؛ والمهملة؛ فكلها مع الأهمال أو الإعمال صالحة؛ لأن تكون أداة تعليق.стр. 420
والاستفهام، وله صورتان:
إحداهما: أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة، نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُون﴾ ١.
والثانية: أن يكون في الجملة اسم استفهام: عمدة كان، نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ ٢، أو فضلة، نحو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ٣.
الحواشي
(١) ١ "٢١" الأنبياء، الآية: ١٠٩.
موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُون﴾ .
وجه الاستشهاد: اعترضت همزة الاستفهام بين الفعل القلبي "أدري" وبين معموليه؛ فعلقت عن العمل لفظا لا معنى؛ فـ قريب: مبتدأ، بعيد: معطوف عليه: ما: خبر المبتدأ والجملة من "المبتدأ والخبر": في موضع نصب، سدت مسد مفعولي "أدري" المعلق.
٢ "١٨" سورة الكهف، الآية: ١٢.
موطن الشاهد: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ .
وجه الاستشهاد: علق فعل "نعلم" عن العمل لفظا؛ لوقوعه قبل اسم الاستفهام العمدة؛ فأي: مبتدأ، وأحصى: خبر "إن كانت اسم تفضيل" وفي محل رفع خبر إن كانت فعلا ماضيا؛ وجملة: "أيُّ الحزبين أحصى" في موضع نصب سدت مسد مفعولي "نعلم" المعلق.
٣ "٢٦" سورة الشعراء، الآية: ٢٢٧.
موطن الشاهد: ﴿سَيَعْلَمُ ... أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: علق فعل "يعلم" عن العمل لفظا؛ لأنه تلي بـ "أي" اسم الاستفهام، وهو لا يعمل فيه ما قبله؛ فـ "أي" مفعول مطلق مقدم من تأخير، والعامل فيه "ينقلبون"؛ والأصل؛ ينقلبون أي منقلب؛ وليست "أي" مفعولا به لـ "يعلم" كما يتوهم المبتدئون -لما ذكرنا- وجملة ينقلبون معلق عنها العامل؛ فهي في محل نصب سدت مسد مفعولي "يعلم".стр. 421
لا يدخل الإلغاء والتعليق في أفعال التصيير] :
ولا يدخل الإلغاء ولا التعليق في شيء من أفعال التصيير١، ولا في قلبي جامد٢، وهو اثنان: هب، وتعلم٣، فإنهما يلزمان الأمر، وما عداهما من أفعال الباب متصرف إلا وهب، كما مر.
ولتصاريفهن ما لهن، تقول في الإعمال: "أظن زيدا قائما" و: "أنا ظانٌّ زيدا قائما"، وفي الإلغاء٤: "زيد أظن قائم، وزيد قائم أظن، وزيد أنا ظانٌّ قائم، وزيد قائم أنا ظانٌّ" وفي التعليق: "أظن ما زيد قائم، وأنا ظانٌّ ما زيد قائم".
[الفرق بين الإلغاء والتعليق] :
[وقد تبين مما قدمناه أن الفرق بين الإلغاء والتعليق من وجهين] :
أحدهما: أن العامل الملغى لا عمل له البتة، والعامل المعلق له عمل في المحل، فيجوز: "علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره" بالنصب عطفا على المحل٥.
الحواشي
(١) ١ لقوتها، لأن متناولها الذوات لا الأحداث، وأثرها ظاهر في الغالب؛ فهي قوية في العمل.
٢ لضعفه بعدم التصرف، فلا يضم إلى ذلك ضعف آخر بإلغائه أو تعليقه.
٣ ذهب الكثيرون من النحاة: إلى أن "تعلم" تتصرف وهو الراجح؛ فقد حكى ابن السكيت؛ تعلمت أن فلانا خارج، وعلى ذلك يدخلها الإلغاء والتعليق.
٤ المراد بالتصاريف: المضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر؛ ويلاحظ أن المصدر يجب فيه الإلغاء إذا تقدم عليه معمولاه، أو أحدهما؛ بأن تأخر أو توسط؛ لأنه يعمل فيما قبله، كما تقدم في موضعه.
٥ للعلماء خلاف في الجملة المعلق عنها بأحد المعلقات التي ذكرها المؤلف -إلا الاستفهام- ولهم في ذلك ثلاثة مذاهب: أولها: أن لهذه الجملة محلا من الإعراب؛ وأن هذا المحل، هو النصب، وهذا مذهب سيبويه وسائر البصريين وابن كيسان، وهو الذي يجري عليه كلام المؤلف ههنا، والثاني: أنه لا محل لها من الإعراب، وأنها جواب قسم مقدر بينها وبين الفعل المعلق، فإذا قلت "علمت لزيد قائم" فتقدير الكلام: علمت والله لزيد قائم، وهذا مذهب الكوفيين.
الثالث: أن الجملة المعلق عنها، لا محل لها من الإعراب، بسبب كونها جواب =стр. 422
قال٣: [الطويل]
١٨٨- وما كانت أدري قبل عزة ما البكى ... ولا موجعات القلب حتى تولت١
الحواشي
(١) = قسم، لكن هذا القسم مدلول عليه بنفس الفعل المعلق، وليس مدلولا عليه بشيء محذوف، كما زعم الكوفيون، وهذا مذهب المغاربة من النحويين، وممن ذهب إليه ابن عصفور.
واعلم أنه إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها جملة أو مفردا في معنى الجملة. شرح التصريح: ١/ ٢٥٧.
فائدة: لا فرق في الاستفهام العمدة -من حيث التعليق- بين المبتدأ، أو الخبر، كما في قولك: علمت متى السفر؟، أو المضاف إليه المبتدأ، نحو: علمت أبو من زيد، أو خبرا كذلك؛ نحو: علمت صبيحة أي يوم سفرك.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٦.
١ القائل هو كثير بن عبد الرحمن، المعروف بكثير عزة. وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٧، والأشموني: "٣٣٨/ ١/ ١٦٢" وقطر الندى: "٧٤/ ٢٣٧" وشذور الذهب: "١٨٧/ ٤٨٦" ومغني اللبيب: "٧٧١/ ٥٤٦"، وديوان كثير: ١/ ٢٧.
المفردات الغريبة: أدري: أعلم. عزة: اسم محبوبة الشاعر: موجعات: جمع موجعة: أي مؤلمة.
المعنى: ما كنت أعلم قبل أن أعرف عزة وأهواها، أي شيء وهو البكى؛ لأنني كنت خالي القلب، وما كانت أعلم الأمور المؤلمة؛ لكوني مرتاح الخاطر، حتى ذهبت وفارقتني.
الإعراب: ما: نافية. كنت: فعل ماضٍ ناقص، واسمه. أدري: فعل مضارع، "والفاعل" أنا؛ وجملة "أدري": في محل نصب خبر "كان". "قبل": متعلق بـ "أدري". عزة: مضاف إليه؛ مجرور بالفتحة عوضا عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف. ما: اسم استفهام، مبتدأ. البكي: خبر. ولا موجعات: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. موجعات: اسم معطوف على محل "ما البكى" منصوب، وعلامة نصبه الكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. حتى: حرف غاية وجر. تولت: فعل ماضٍ، والفاعل: هي، والتاء: للتأنيث؛ والمصدر المؤول من "أن المقدرة قبل تولت مع ما بعدها": في محل جر بـ "حتى"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بالنفي الذي دل عليه "ما" في قوله "ما كنت أدري".
موطن الشاهد: "أدري ما البكى ولا موجعات".
وجه الاستشهاد: علق الفعل القلبي "أدري" عن العمل؛ لأن المبتدأ بعده اسم استفهام؛ ومعلوم أن اسم الاستفهام لا يعمل ما قبله فيه؛ لأن رتبته التصدير؛ غير أن الفعل عمل النصب في محل الجملة؛ ودليل ذلك، عطف "موجعات" المنصوب على محلها. وأعرب بعضهم: "ولا موجعات" كالآتي:
الواو حالية. لا: نافية للجنس. موجعات: اسمها والخبر محذوف. وأعرب بعضهم "ما البكى" كالتالي:
ما: زائدة. البكى: مفعول به؛ والأصل: لا أدري البكى، ولا أدري موجعات القلب؛ فيكون من باب عطف الجمل ولا شاهد فيه على الوجهين؛ والأرجح ما ذهبنا إليه في إعراب البيت. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٧.стр. 423
والثاني: أن سبب التعليق موجب، فلا يجوز: "ظننت ما زيدا قائما" وسبب الإلغاء مجوِّز١، فيجوز: "زيدًا ظننتُ قائما" و"زيدا قائما ظننت".
ولا يجوز إلغاء العامل المتقدم٢، خلافا للكوفيين والأخفش، واستدلوا بقوله٣: [البسيط]
١٨٩- أني رأيت ملاك الشيمة الأدب٤
الحواشي
(١) ١ هناك بعض الحالات التي يجب فيها الإعمال؛ منها: إذا كان الناسخ منفيا، سواء كان متأخرا عن المفعولين، أم متوسطا بينهما، نحو: "شتاء باردا لم أظن"، "شتاء لم أظن باردا"، ويجب الإهمال إذا كان العامل مصدرا متأخرا نحو: المطر قليل- ظني غالب؛ لأن المصدر المتأخر لا يعمل في شيء متقدم عليه؛ وكذلك إذا كان في المفعول المتقدم لام ابتداء أو غيرها من ألفاظ التعليق، نحو: لمحمد مكافح ظننت. أو إذا وقع الناسخ بين اسم إن وخبرها، نحو: إن التردد حسبت مضيعة.
٢ هذا مذهب البصريين. وعليه جرى ابن مالك. ومن الفروق بين الإلغاء والتعليق: أن الإلغاء يؤثر في المفعولين معا. أما التعليق فقد يكون أثره على المفعولين أو على أحدهما. والإلغاء لا يجوز في توابعه إلا مراعاة الناحية الظاهرة. أما التعليق فيجوز في توابعه مراعاة الناحية اللفظية، والناحية المحلية كما سبق.
٣ القائل: رجل من بني فزارة.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
كذاك أدبت حتى صار من خلقي
وقبله قوله:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوأة اللقب
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٨، وابن عقيل: "١٣٠/ ٢/ ٤٩"، والأشموني: "٣٣٥/ ١/ ١٦٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٣، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٥، والمقرب: ٢٢، والخزانة: ٤/ ٥ والعيني: ٢/ ٤١١، وشرح التبريز على الحماسة "تحقيق: =стр. 424
........................................................................
الحواشي
(١) = محمد محيي الدين عبد الحميد": ٣/ ١٤٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١١٤٦. وهي برواية "الأدبا".
المفردات الغريبة: كذاك: اسم الإشارة، يراد به مصدر الفعل المذكور بعده أي تأديبا مثل ذلك التأديب المعبر عنه في قوله: "أكنيه حين ... ". ملاك الشيء: قوامه الذي يملك به. الشيمة. الخلق، والجمع: الشيم.
المعنى: أدبت أدبا مثل ذلك الأدب العظيم؛ حتى من شيمتي وطبعي الإيمان بأن رأس الأخلاق، وملاك الفضائل الإنسانية هو الأدب.
الإعراب: كذاك: "الكاف" اسم بمعنى مثل، صفة لمحذوف واقع مفعولا مطلقا من "أدبت" الذي بعده، واسم الإشارة: مضاف إليه؛ أو الكاف: حرف جر، واسم الإشارة: اسم مجرور؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا لـ "أدبت"؛ والتقدير: أدبت تأديبا مثل هذا التأديب. أدبت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل. حتى: ابتدائية. صار: فعل ماضٍ ناقص. "من خلقي": متعلق بمحذوف خبر "صار" المقدم، والياء: مضاف إليه، أني: حرف مشبه واسمه وجدت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "وجدت" في محل رفع خبر "أن"؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل رفع اسم "صار". ملاك: مبتدأ. الشيمة: مضاف إليه. الأدب: خبر مرفوع؛ وجملة "ملاك الشيمة الأدب": في محل نصب، سدت مسد مفعولي "وجد" على تقدير لام ابتداء، علقت هذا الفعل عن العمل في لفظ جزأي الجملة؛ والأصل: وجدت لملاك الشيمة الأدب؛ أو الجملة في محل نصب مفعولا ثانيا لفعل "وجد"؛ ومفعوله الأول: ضمير الشأن المحذوف؛ والتقدير: وجدته -أي الحال والشأن- ملاك الشيمة الأدب.
مواطن الشاهد: "وجدت ملاك الشيمة الأدب".
وجه الاستشهاد: إلغاء الفعل "وجد" مع تقدمه على معموليه؛ إذ لو أعمله؛ لنصب به "ملاك" و"الأدب" على أنهما مفعولان؛ ولكن رواية البيت برفعهما؛ وفي هذا الشاهد خلاف بين النحويين؛ فمذهب الكوفيون إلى أن ما جاء في هذا الشاهد وأمثاله من باب الإلغاء؛ لأن الإلغاء -عندهم- جائز مع تقدم العامل، كجوازه في التوسط والتأخر؛ والعلة في ذلك، أن أفعال القلوب ضعيفة عن بقية الأفعال المتعدية، وهذا الإلغاء أثر من آثار ضعفها. وأما البصريون فخرجوا هذا الشاهد وأمثاله على ثلاثة احتمالات، ذكرها المؤلف في المتن بعد ذكر الشاهد التالي؛ ورأي الكوفيون أسلم من رأي البصريين في هذه المسألة؛ لأن الأصل؛ وإلا تصبح دلالة الشواهد غير موثوق بها ولا مطمأن إليها؛ لأن التأويل في كل كلام ممكن. وانظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: ١/ ٢٥٨، وشرح ابن عقيل: "ط. دار الفكر": ١/ ٣٤٢-٣٤٤.стр. 425
وقوله١: [البسيط]
١٩٠- وما إخال لدينا منك تنويل٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو كعب بن زهير بن أبي سلمة، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها
والبيت من القصيدة المشهورة في مدح سيدنا محمد ﷺ والتي مطلعها قوله:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٨، وابن عقيل ١٢٩/ ٢/ ٤٧، والأشموني: "٣٣٤/ ١/ ١٦٠" والخزانة: ٤/ ٧، والعيني: ٢/ ٤١٢، وهمع الهوامع: ١/ ٥٣، ١٥٣، والدرر اللوامع: ١/ ٣١، ١٣٦، وديوان كعب بن زهير: ٩، وفيه برواية "تعجيل".
المفردات الغريبة: تدنو: تقرب. تنويل: إعطاء.
المعنى: إني لأرجو أن تدنو مودتها، وتقرب محبتها، وما أظن أني سأصل منك إلى أي عطاء أو تنويل.
الإعراب: أرجو وآمل: فعلان مضارعان، والفاعل فيهما: أنا. أن: حرف ناصب. تدنو: فعل مضارع منصوب بـ "أن" وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الواو؛ منع من ظهورها السكون العارض لضرورة الشعر. مودتها: فاعل ومضاف إليه؛ و"ها": عائد إلى سعاد. وما: الواو عاطفة. ما: نافية. إخال: فعل مضارع والفاعل أنا. "لدينا": متعلق بمحذوف خبر مقدم، و"نا": مضاف إليه. "منك": متعلق بمحذوف حال من ضمير الخبر. تنويل: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل نصب مفعولا به ثانيا لـ "إخال"؛ والمفعول الأول: ضمير شأن محذوف على مذهب البصريين.
موطن الشاهد: "وما إخال لدينا منك تنويل".
وجه الاستشهاد: ظاهر البيت يوحي بإلغاء العامل "إخال" مع تقدمه على معموليه؛ وبهذا الظاهر أخذ نحاة الكوفة؛ لأنهم يجوزون إلغاء أفعال القلوب، مع تقدمها؛ لضعفها، كما بينا في الشاهد السابق، ولكن نحاة البصرة أولوا البيت بما يخرجه عن استشهاد الكوفيين، ولهم فيه توجيهات عدة؛ ذكرها المؤلف في المتن وأعربنا الشاهد على الوجه الثالث منها؛ وهو اعتبار "إخال" عاملة في مفعولين؛ الأول محذوف؛ وهو ضمير الشأن، والثاني جملة.следующие страницы →