Полный текст (1 155 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
لا يدخل الإلغاء والتعليق في أفعال التصيير] :
ولا يدخل الإلغاء ولا التعليق في شيء من أفعال التصيير١، ولا في قلبي جامد٢، وهو اثنان: هب، وتعلم٣، فإنهما يلزمان الأمر، وما عداهما من أفعال الباب متصرف إلا وهب، كما مر.
ولتصاريفهن ما لهن، تقول في الإعمال: "أظن زيدا قائما" و: "أنا ظانٌّ زيدا قائما"، وفي الإلغاء٤: "زيد أظن قائم، وزيد قائم أظن، وزيد أنا ظانٌّ قائم، وزيد قائم أنا ظانٌّ" وفي التعليق: "أظن ما زيد قائم، وأنا ظانٌّ ما زيد قائم".
[الفرق بين الإلغاء والتعليق] :
[وقد تبين مما قدمناه أن الفرق بين الإلغاء والتعليق من وجهين] :
أحدهما: أن العامل الملغى لا عمل له البتة، والعامل المعلق له عمل في المحل، فيجوز: "علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره" بالنصب عطفا على المحل٥.
الحواشي
(١) ١ لقوتها، لأن متناولها الذوات لا الأحداث، وأثرها ظاهر في الغالب؛ فهي قوية في العمل.
٢ لضعفه بعدم التصرف، فلا يضم إلى ذلك ضعف آخر بإلغائه أو تعليقه.
٣ ذهب الكثيرون من النحاة: إلى أن "تعلم" تتصرف وهو الراجح؛ فقد حكى ابن السكيت؛ تعلمت أن فلانا خارج، وعلى ذلك يدخلها الإلغاء والتعليق.
٤ المراد بالتصاريف: المضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر؛ ويلاحظ أن المصدر يجب فيه الإلغاء إذا تقدم عليه معمولاه، أو أحدهما؛ بأن تأخر أو توسط؛ لأنه يعمل فيما قبله، كما تقدم في موضعه.
٥ للعلماء خلاف في الجملة المعلق عنها بأحد المعلقات التي ذكرها المؤلف -إلا الاستفهام- ولهم في ذلك ثلاثة مذاهب: أولها: أن لهذه الجملة محلا من الإعراب؛ وأن هذا المحل، هو النصب، وهذا مذهب سيبويه وسائر البصريين وابن كيسان، وهو الذي يجري عليه كلام المؤلف ههنا، والثاني: أنه لا محل لها من الإعراب، وأنها جواب قسم مقدر بينها وبين الفعل المعلق، فإذا قلت "علمت لزيد قائم" فتقدير الكلام: علمت والله لزيد قائم، وهذا مذهب الكوفيين.
الثالث: أن الجملة المعلق عنها، لا محل لها من الإعراب، بسبب كونها جواب =стр. 422
قال٣: [الطويل]
١٨٨- وما كانت أدري قبل عزة ما البكى ... ولا موجعات القلب حتى تولت١
الحواشي
(١) = قسم، لكن هذا القسم مدلول عليه بنفس الفعل المعلق، وليس مدلولا عليه بشيء محذوف، كما زعم الكوفيون، وهذا مذهب المغاربة من النحويين، وممن ذهب إليه ابن عصفور.
واعلم أنه إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها جملة أو مفردا في معنى الجملة. شرح التصريح: ١/ ٢٥٧.
فائدة: لا فرق في الاستفهام العمدة -من حيث التعليق- بين المبتدأ، أو الخبر، كما في قولك: علمت متى السفر؟، أو المضاف إليه المبتدأ، نحو: علمت أبو من زيد، أو خبرا كذلك؛ نحو: علمت صبيحة أي يوم سفرك.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٦.
١ القائل هو كثير بن عبد الرحمن، المعروف بكثير عزة. وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٧، والأشموني: "٣٣٨/ ١/ ١٦٢" وقطر الندى: "٧٤/ ٢٣٧" وشذور الذهب: "١٨٧/ ٤٨٦" ومغني اللبيب: "٧٧١/ ٥٤٦"، وديوان كثير: ١/ ٢٧.
المفردات الغريبة: أدري: أعلم. عزة: اسم محبوبة الشاعر: موجعات: جمع موجعة: أي مؤلمة.
المعنى: ما كنت أعلم قبل أن أعرف عزة وأهواها، أي شيء وهو البكى؛ لأنني كنت خالي القلب، وما كانت أعلم الأمور المؤلمة؛ لكوني مرتاح الخاطر، حتى ذهبت وفارقتني.
الإعراب: ما: نافية. كنت: فعل ماضٍ ناقص، واسمه. أدري: فعل مضارع، "والفاعل" أنا؛ وجملة "أدري": في محل نصب خبر "كان". "قبل": متعلق بـ "أدري". عزة: مضاف إليه؛ مجرور بالفتحة عوضا عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف. ما: اسم استفهام، مبتدأ. البكي: خبر. ولا موجعات: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. موجعات: اسم معطوف على محل "ما البكى" منصوب، وعلامة نصبه الكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. حتى: حرف غاية وجر. تولت: فعل ماضٍ، والفاعل: هي، والتاء: للتأنيث؛ والمصدر المؤول من "أن المقدرة قبل تولت مع ما بعدها": في محل جر بـ "حتى"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بالنفي الذي دل عليه "ما" في قوله "ما كنت أدري".
موطن الشاهد: "أدري ما البكى ولا موجعات".
وجه الاستشهاد: علق الفعل القلبي "أدري" عن العمل؛ لأن المبتدأ بعده اسم استفهام؛ ومعلوم أن اسم الاستفهام لا يعمل ما قبله فيه؛ لأن رتبته التصدير؛ غير أن الفعل عمل النصب في محل الجملة؛ ودليل ذلك، عطف "موجعات" المنصوب على محلها. وأعرب بعضهم: "ولا موجعات" كالآتي:
الواو حالية. لا: نافية للجنس. موجعات: اسمها والخبر محذوف. وأعرب بعضهم "ما البكى" كالتالي:
ما: زائدة. البكى: مفعول به؛ والأصل: لا أدري البكى، ولا أدري موجعات القلب؛ فيكون من باب عطف الجمل ولا شاهد فيه على الوجهين؛ والأرجح ما ذهبنا إليه في إعراب البيت. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٧.стр. 423
والثاني: أن سبب التعليق موجب، فلا يجوز: "ظننت ما زيدا قائما" وسبب الإلغاء مجوِّز١، فيجوز: "زيدًا ظننتُ قائما" و"زيدا قائما ظننت".
ولا يجوز إلغاء العامل المتقدم٢، خلافا للكوفيين والأخفش، واستدلوا بقوله٣: [البسيط]
١٨٩- أني رأيت ملاك الشيمة الأدب٤
الحواشي
(١) ١ هناك بعض الحالات التي يجب فيها الإعمال؛ منها: إذا كان الناسخ منفيا، سواء كان متأخرا عن المفعولين، أم متوسطا بينهما، نحو: "شتاء باردا لم أظن"، "شتاء لم أظن باردا"، ويجب الإهمال إذا كان العامل مصدرا متأخرا نحو: المطر قليل- ظني غالب؛ لأن المصدر المتأخر لا يعمل في شيء متقدم عليه؛ وكذلك إذا كان في المفعول المتقدم لام ابتداء أو غيرها من ألفاظ التعليق، نحو: لمحمد مكافح ظننت. أو إذا وقع الناسخ بين اسم إن وخبرها، نحو: إن التردد حسبت مضيعة.
٢ هذا مذهب البصريين. وعليه جرى ابن مالك. ومن الفروق بين الإلغاء والتعليق: أن الإلغاء يؤثر في المفعولين معا. أما التعليق فقد يكون أثره على المفعولين أو على أحدهما. والإلغاء لا يجوز في توابعه إلا مراعاة الناحية الظاهرة. أما التعليق فيجوز في توابعه مراعاة الناحية اللفظية، والناحية المحلية كما سبق.
٣ القائل: رجل من بني فزارة.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
كذاك أدبت حتى صار من خلقي
وقبله قوله:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوأة اللقب
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٨، وابن عقيل: "١٣٠/ ٢/ ٤٩"، والأشموني: "٣٣٥/ ١/ ١٦٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٣، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٥، والمقرب: ٢٢، والخزانة: ٤/ ٥ والعيني: ٢/ ٤١١، وشرح التبريز على الحماسة "تحقيق: =стр. 424
........................................................................
الحواشي
(١) = محمد محيي الدين عبد الحميد": ٣/ ١٤٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١١٤٦. وهي برواية "الأدبا".
المفردات الغريبة: كذاك: اسم الإشارة، يراد به مصدر الفعل المذكور بعده أي تأديبا مثل ذلك التأديب المعبر عنه في قوله: "أكنيه حين ... ". ملاك الشيء: قوامه الذي يملك به. الشيمة. الخلق، والجمع: الشيم.
المعنى: أدبت أدبا مثل ذلك الأدب العظيم؛ حتى من شيمتي وطبعي الإيمان بأن رأس الأخلاق، وملاك الفضائل الإنسانية هو الأدب.
الإعراب: كذاك: "الكاف" اسم بمعنى مثل، صفة لمحذوف واقع مفعولا مطلقا من "أدبت" الذي بعده، واسم الإشارة: مضاف إليه؛ أو الكاف: حرف جر، واسم الإشارة: اسم مجرور؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا لـ "أدبت"؛ والتقدير: أدبت تأديبا مثل هذا التأديب. أدبت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل. حتى: ابتدائية. صار: فعل ماضٍ ناقص. "من خلقي": متعلق بمحذوف خبر "صار" المقدم، والياء: مضاف إليه، أني: حرف مشبه واسمه وجدت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "وجدت" في محل رفع خبر "أن"؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل رفع اسم "صار". ملاك: مبتدأ. الشيمة: مضاف إليه. الأدب: خبر مرفوع؛ وجملة "ملاك الشيمة الأدب": في محل نصب، سدت مسد مفعولي "وجد" على تقدير لام ابتداء، علقت هذا الفعل عن العمل في لفظ جزأي الجملة؛ والأصل: وجدت لملاك الشيمة الأدب؛ أو الجملة في محل نصب مفعولا ثانيا لفعل "وجد"؛ ومفعوله الأول: ضمير الشأن المحذوف؛ والتقدير: وجدته -أي الحال والشأن- ملاك الشيمة الأدب.
مواطن الشاهد: "وجدت ملاك الشيمة الأدب".
وجه الاستشهاد: إلغاء الفعل "وجد" مع تقدمه على معموليه؛ إذ لو أعمله؛ لنصب به "ملاك" و"الأدب" على أنهما مفعولان؛ ولكن رواية البيت برفعهما؛ وفي هذا الشاهد خلاف بين النحويين؛ فمذهب الكوفيون إلى أن ما جاء في هذا الشاهد وأمثاله من باب الإلغاء؛ لأن الإلغاء -عندهم- جائز مع تقدم العامل، كجوازه في التوسط والتأخر؛ والعلة في ذلك، أن أفعال القلوب ضعيفة عن بقية الأفعال المتعدية، وهذا الإلغاء أثر من آثار ضعفها. وأما البصريون فخرجوا هذا الشاهد وأمثاله على ثلاثة احتمالات، ذكرها المؤلف في المتن بعد ذكر الشاهد التالي؛ ورأي الكوفيون أسلم من رأي البصريين في هذه المسألة؛ لأن الأصل؛ وإلا تصبح دلالة الشواهد غير موثوق بها ولا مطمأن إليها؛ لأن التأويل في كل كلام ممكن. وانظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: ١/ ٢٥٨، وشرح ابن عقيل: "ط. دار الفكر": ١/ ٣٤٢-٣٤٤.стр. 425
وقوله١: [البسيط]
١٩٠- وما إخال لدينا منك تنويل٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو كعب بن زهير بن أبي سلمة، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها
والبيت من القصيدة المشهورة في مدح سيدنا محمد ﷺ والتي مطلعها قوله:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٨، وابن عقيل ١٢٩/ ٢/ ٤٧، والأشموني: "٣٣٤/ ١/ ١٦٠" والخزانة: ٤/ ٧، والعيني: ٢/ ٤١٢، وهمع الهوامع: ١/ ٥٣، ١٥٣، والدرر اللوامع: ١/ ٣١، ١٣٦، وديوان كعب بن زهير: ٩، وفيه برواية "تعجيل".
المفردات الغريبة: تدنو: تقرب. تنويل: إعطاء.
المعنى: إني لأرجو أن تدنو مودتها، وتقرب محبتها، وما أظن أني سأصل منك إلى أي عطاء أو تنويل.
الإعراب: أرجو وآمل: فعلان مضارعان، والفاعل فيهما: أنا. أن: حرف ناصب. تدنو: فعل مضارع منصوب بـ "أن" وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الواو؛ منع من ظهورها السكون العارض لضرورة الشعر. مودتها: فاعل ومضاف إليه؛ و"ها": عائد إلى سعاد. وما: الواو عاطفة. ما: نافية. إخال: فعل مضارع والفاعل أنا. "لدينا": متعلق بمحذوف خبر مقدم، و"نا": مضاف إليه. "منك": متعلق بمحذوف حال من ضمير الخبر. تنويل: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل نصب مفعولا به ثانيا لـ "إخال"؛ والمفعول الأول: ضمير شأن محذوف على مذهب البصريين.
موطن الشاهد: "وما إخال لدينا منك تنويل".
وجه الاستشهاد: ظاهر البيت يوحي بإلغاء العامل "إخال" مع تقدمه على معموليه؛ وبهذا الظاهر أخذ نحاة الكوفة؛ لأنهم يجوزون إلغاء أفعال القلوب، مع تقدمها؛ لضعفها، كما بينا في الشاهد السابق، ولكن نحاة البصرة أولوا البيت بما يخرجه عن استشهاد الكوفيين، ولهم فيه توجيهات عدة؛ ذكرها المؤلف في المتن وأعربنا الشاهد على الوجه الثالث منها؛ وهو اعتبار "إخال" عاملة في مفعولين؛ الأول محذوف؛ وهو ضمير الشأن، والثاني جملة.стр. 426
وأجيب بأن ذلك محتمل لثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون من التعليق بلام الابتداء المقدرة، والأصل: "لملاك" و: "للدينا" ثم حذفت وبقي التعليق.
والثاني: أن يكون من الإلغاء؛ لأن التوسط المبيح للإلغاء ليس التوسط بين المعمولين فقط، بل توسط العامل في الكلام مقتضٍ أيضا، نعم الإلغاء للتوسط بين المعمولين أقوى، والعامل هنا قد سبق بأني وبما النافية، ونظيره "متى ظننت زيدا قائما" فيجوز فيه الإلغاء.
والثالث: أن يكون من الإعمال على أن المفعول الأول محذوف، وهو ضمير الشأ،، والأصل: "وجدته" و: "إخاله" كما حذف في قولهم: "إن بك زيد مأخوذ".
[جواز حذف المفعولين اختصارا] :
فصل: ويجوز بالإجماع حذف المفعولين اختصارا١، أي: لدليل، نحو: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُون﴾ ٢، وقوله٣: [الطويل]
١٩١- بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب٤
الحواشي
(١) ١ المراد بالحذف اختصارا: حذف ما يمكن الاستغناء عنه، من الألفاظ؛ لداع يقتضيه؛ وهو جائز بشرط وجود دليل، يدل على المحذوف؛ وألا يترتب على الحذف فساد في المعنى أو في الصياغة اللفظية.
٢ "٢٨" سورة القصص، الآية: ٧٤.
موطن الشاهد: ﴿تَزْعُمُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف مفعولي "تزعمون"؛ لدلالة ما قبلهما؛ والتقدير: أين شركائي الذين كنتم تزعمونهم شركائي؟ أو تزعمون أنهم شركائي.
٣ القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة هاشمية للكميت؛ يمدح فيها آل الرسول ﷺ ، وأولها قوله:
طربت، وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب
ولم يلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب
=стр. 427
أي: تزعمونهم شركائي١، وتحسب حبهم عارا علي.
[جواز حذف المفعولين اقتصارا] :
وأما حذفهما اقتصارا، أي: لغير دليل، فعن سيبويه والأخفش المنع مطلقا٢، واختاره الناظم، وعن الأكثرين الإجازة مطلقا، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ
الحواشي
(١) = والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٩، وابن عقيل: "١٣٢/ ٢/ ٥٥"، والهمع: ١/ ١٥٢، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٤ والمحتسب: ١/ ١٧٣، والمقرب: ٢١، والخزانة: ٤/ ٥ والعيني: ٢/ ٤١٣، وحاشية يس على التصريح: ١/ ١٦١.
المفردات الغريبة: ترى حبهم: رأى هنا من الرأي بمعنى الاعتقاد، ويجوز أن تكون علمية. عارا، العار: كل خصلة يلحقك بسببها عيب ومذمة؛ تقول: عيرته كذا، ولا يجوز عيرته بكذا. على الأرجح؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين بنفسه. تحسب: تظن.
المعنى: يا من يعيرني حب آل بيت رسول الله ﷺ -ويعيب علي ذلك، فبأي كتاب، تسترشد، أم بأية سنة ترى محبتي لهم منقصة ومذمة، أو تظن ذلك؟؟.
الإعراب: "بأي": متعلق بـ "ترى". كتاب: مضاف إليه. أم: حرف عطف. "بأية": معطوف على الأول. سنة: مضاف إليه. ترى: فعل مضارع، والفاعل: أنت. حبهم: مفعول به بأول لـ "ترى" ومضاف إليه. عارا: مفعول به ثانٍ. "علي": متعلق بـ "محذوف صفة من عار"؛ وهو الأفضل. وتحسب: الواو عاطفة جملة على جملة. تحسب: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنت. ومفعولا "تحسب" محذوفان؛ لدلالة الكلام السابق عليهما؛ أو لدلالة مفعولي "ترى" عليهما تحديدا؛ والتقدير: وتحسب حبهم عارا علي.
موطن الشاهد: "تحسب".
وجه الاستشهاد: حذف مفعولي هذا العامل؛ لدلالة سابق الكلام عليهما، كما بينا في الإعراب، وحذف المفعولين اختصارا؛ لدليل يدل عليهما جائز بإجماع النحاة، كما في المتن.
١ كان الأولى أن يقول: تزعمون أنهم شركائي؛ جريا على الأكثر من تعدي "يزعم" إلى "أن" و"صلتها"، ولكنه عدل عن ذلك؛ لأن الكلام في حذف المفعولين معا في حذف ما يسد مسدهما، وإن كانا بمنزلة واحدة، وقد بينا ذلك في وجه الاستشهاد في الآية الكريمة.
شرح التصريح: ١/ ٢٥٩.
٢ أي في أفعال العلم وأفعال الظن، كما يؤخذ من تفصيل الأعلم: الآتي. وعلة المنع: ذهاب الفائدة بحذفهما، وأيضا فإن هذه الأفعال لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم، وجواب القسم، لا يحذف؛ فكذلك ما هو بمنزلته.стр. 428
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ ١، ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ ٢، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْء﴾ ٣، وقولهم: "من يسمع يَخَلْ"٤، وعن الأعلم٥ يجوز في أعال الظن دون أفعال العلم٦.
الحواشي
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢١٦ و٢٣١.
موطن الشاهد: ﴿يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ .
وجه الاستشهاد: استدل بعض النحاة بهذه الآية على جواز حذف مفعولي: العامل القلبي "تعلمون" اقتصارا، من غير دليل يدل على المفعولين المحذوفين؛ لأنهم يجيزون الحذف مطلقا، كما جاء في المتن؛ وأما تقدير الآية -والله أعلم: يعلم الأشياء، كائنة، أو نحو ذلك.
٢ "٥٣" سورة النجم، الآية: ٣٥.
موطن الشاهد: ﴿يَرَى﴾ .
وجه الاستشهاد: جواز حذف المفعولين، كما في الآية السابقة، من غير دليل يدل عليهما؛ وقيل: إن الحذف في هذه الآية لدليل؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْب﴾ يشعر بالمفعولين؛ والتقدير في الآية -والله أعلم- يرى ما يعتقده حقا.
٣ "٤٨" سورة الفتح، الآية: ٦٢.
موطن الشاهد: ﴿ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْء﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف ما يسد مسد المفعولين؛ لأن التقدير: ظننتم انقلاب الرسول والمؤمنين إلى أهليهم منتفيا أبدا؛ وظن السوء: مفعول مطلق مفيد للنوع؛ والأرجح أن الحذف في الآية الكريمة اختصارا؛ لوجود دليل في قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ يشعر بمفعولين؛ أو بما يسد مسدهما.
٤ مثل قالته العرب، يضرب لمن أخبار الناس ومعايبهم؛ فيقع في نفسه، عليهم مكروه ويعني: من يسمع، يخل مسموعه صادقا، وهو من أمثال الميداني: ٢/ ٣٠٠.
٥ الأعلم: هو أبو الحجاج؛ يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي الشنتمري، المعروف بالأعلم. كان عالما بالعربية واللغة ومعاني الأشعار، حافظ لها، مشهورا بضبطها وإتقانها، رحل إلى قرطبة، وأخذ عن علمائها؛ له مصنفات قيمة؛ منها: شرح حماسة أبي تمام، وشرح الجمل للزجاجي، وشرح أبيات الجمل، مات سنة: ٤٧٦هـ.
البلغة: ٢٩٢، بغية الوعاة: ٢/ ٣٥٦، وفيات الأعيان: ٢/ ٤٦٥، معجم المؤلفين: ١٣/ ٣٠٢.
٦ حجته كثرة السماع في الأولى دون الثانية.стр. 429
[حكم حذف أحد المفعولين اختصارا واقتصارا] :
ويمنع بالإجماع حذف أحدهما اقتصارا، وأما اختصارا فمنعه١ ابن ملكون٢ وأجازه الجمهور، كقوله٣: [الكامل]
١٩٢- ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم٤
الحواشي
(١) ١ حجته هو ومن تابعه، أنه أحد جزأي الجملة.
٢ ابن ملكون: هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن منذر بن سعيد بن ملكون الحضرمي الإشبيلي من المغاربة، كان أستاذا نحويا جليلا، روى عن أبي الحسن شريح، وروى عنه ابن خروف والشلوبين؛ له شرح الحماسة، والنكت على تبصرة الصميري، وغير ذلك. توفي سنة: ٥٨٤هـ؛ وقيل ٥٨١هـ.
البلغة: ١٠، بغية الوعاة: ١/ ٤٣١، الأعلام: ١/ ٥٩، معجم المؤلفين: ١/ ١٠٨، وطبقات ابن شهبة: ١٥٢.
٣ القائل: هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، وشداد جده نسب إليه، وقيل: عمه؛ أحد فرسان العرب وأجوادهم، من أهل نجد، ومن الطبقة السادسة من الجاهليين، وأحد أصحاب المعلقات؛ كان أسود اللون عبدا؛ حتى قيل: هو أحد أغربة العرب؛ لم ينسبه أبوه إليه إلا بعد الكبر، كانت له أيام ومشاهد في حرب داحس والغبراء، اختلف في موته، فقيل مات مقتولا؛ وقيل أصابته ريح فقتلته بعد أن أسن وضعف، وذلك سنة ٢٢ ق. هـ.
الشعر والشعراء: ١/ ٢٥٠، والأغاني: ٧/ ١٤١، والخزانة: ١/ ٥٩، والجمحي: ١/ ١٥٢.
٤ تخريج الشاهد: البيت من معلقة عنترة المشهورة؛ والتي مطلعها قوله:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٠، وابن عقيل: "١٢٣/ ٢/ ٥٦"، والأشموني: "٣٤١/ ١/ ١٦٤" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٢، والدرر اللوامع: "١/ ١٣٤، والخصائص: ٢/ ٢١٦، والمحتسب: ١/ ٧٨، والمقرب: ٢١، والخزانة: ١/ ٥٣٩، ٤/ ٤، والعيني: ٢/ ٢١٤ وحاشية يس على التصريح: ١/ ١٢٦ وشذور الذهب: "٤٩٨/ ١٩٦".
المفردات الغريبة: غادر: ترك. متردم: مستصلح: من ردمت الشيء، إذا أصلحته يريد: هل ترك الشعراء لأحد معنى لم يتناولوه؟ توهم: إنكار وظن، المحب: المحبوب.
المعنى: والله، لقد نزلت -أيتها المحبوبة- من قلبي بمنزلة الشيء المحبوب المكرم، فلا تظني شيئا غير ذلك واقعا ذلك الموقع. =стр. 430
[حكم الجملة بعد القول] :
تحكى الجملة الفعلية بعد القول١، وكذا الاسمية، وسليم٢ يعلمونه فيها عمل ظن مطلقا، وعليه يروى قوله٣: [الطويل]
١٩٣- تقول هزيز الريح مرت بأثأب٤
الحواشي
(١) = الإعراب: ولقد: الواو حرف قسم وجر؛ واللام مفيدة للتأكيد، وقد: حرف تحقيق. نزلت: فعل وفاعل؛ وجملة "نزلت": جواب القسم المحذوف؛ والتقدير: والله لقد نزلت. فلا: الفاء: تفريعية، لا: ناهية. غيره: مفعول أول لفعل: تظن المجزوم بـ "لا" الناهية؛ والهاء مضاف إليه؛ والمفعول الثاني محذوف؛ لدلالة سياق الكلام عليه، والتقدير: فلا تظني غيره حاصلا، أو نحو ذلك. "مني" و"بمنزلة": متعلقان بـ "نزلت"؛ وجملة لا تظني غيره": معترضة بين المجرور ومتعلقه.
موطن الشاهد: "فلا تظني غيره".
وجه الاستشهاد: حذف مفعول "ظن" الثاني اختصارا؛ لدلالة السياق عليه؛ وحكم هذا الحذف جائز عند الجمهور، خلافا لابن ملكون.
١ هذا بإجماع العرب، أما الاسمية فعند البعض، وتكون الجملة في موضع نصب على المفعولية للقول. هذا: والجملة المحكية قد تذكر بلفظها، كما سمعت، وكما جرت على لسان الناطق بها، وقد تذكر بمعناها لا بألفاظها مع مراعاة الدقة في المعنى، إلا إذا كان هناك ما يقتضي التمسك بنصها الحرفي لداعٍ ديني أو قضائي مثلا، وإذا كانت الجملة المحكية، فيها خطأ لغوي أو نحويٌّ وجب حكايتها بالمعنى للتخلص مما بها من خطأ؛ إلا إذا قصد إبراز هذا الخطأ لسبب ما. وإذا وقع بعد القول مفرد، سواء كان مدلوله لفظا، نحو: قلت كلمة أو لفظا. أو كان في معنى الجملة، نحو: قلت قصيدة، أو محاضرة -نصب على أنه مفعول به للقول، وإن أريد بالمفرد نفس اللفظ المحض- وجب حكايته ورعايته إعرابه نحو: قال فلان: محمد، إذا تكلم بمحمد مرفوعا.
حاشية يس على التصريح: ١/ ٢٦١.
٢ سليم: اسم لقبيلة من قيس عيلان؛ رأسها سليم بن منصور بن عكرمة بن قيس بن عيلان وسليم أيضا قبيلة من جذام من اليمين يجرون القول مجرى الظن.
٣ هو: امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه
=стр. 431
بالنصب، وقوله١: [الطويل]
١٩٤- إذا قلت أني آئبٌ أهل بلدة٢
الحواشي
(١) = وهو في وصف فرس، وهو من القصيدة، التي مطلعها:
خليليَّ مُرَّا بي على أم جندب ... لنقضيَ حاجات الفؤاد المعذب
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٢، والعيني: ٢/ ٤٣١، والمقرب: ٦٤، وديوان امرئ القيس: ٤٩.
المفردات الغريبة: شأوين: تثنية شأو، وهو الشوط والطلق. عطفه: جانبه. هزيز الريح: دويها عند هبوبها. أثأب: اسم جنس جمعي؛ واحده أثأبة، وهي نوع من الشجر.
المعنى: يصف فرسه قائلا: إذا ما جرى هذا الفرس شوطين، وحمي السبق، وعرق، تظنه؛ لخفته وسرعة جريه- ريحا هبت على تلك الأشجار، فلعبت بها.
الإعراب: تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" مرفوع، والفاعل: أنت. هزيز: مفعول أول، لـ "تقول". الريح: مضاف إليه. مرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي. "بأثأب": متعلق بـ "مر"؛ وجملة "مرت": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ "تقول".
موطن الشاهد: "تقول".
وجه الاستشهاد: استعمل الشاعر فعل "تقول" بمعنى تظن من غير أن يتقدمه استفهام، ونصب به مفعولين؛ أحدهما: "هزيز" وثانيهما: جملة "مرت بأثأب"؛ والذين يجرونه هذا المجرى مطلقا من غير شروط بنو سليم فقط؛ وأما غيرهم، فيتقيدون بشروط ذكرها المؤلف في المتن.
١ القائل هو الحطيئة: جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس، لقب بالحطيئة لقصره وقربه من الأرض، يكنى أبا مليكة، كان راوية زهير، وصفه الرواة بأبشع الأوصاف، وقالوا: "ما تشاء أن تقول في شعر شاعر ما من عيب إلا وجدته فيه، مع قبح منظر ونسب مغمور ودين فاسد" وكان من فحول الشعراء ومتقدميهم، وفصحائهم في فنون الشعر؛ من المديح والهجاء، والفخر والنسيب مات سنة: ٥٠هـ.
الشعر والشعراء: ١/ ٣٢٢، الاشتقاق: ١٧٠، الأغاني: ٢/ ٤١، الخزانة: ١/ ٤٠٨، الجمحي: ١/ ١٠٤.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
وضَعْتُ بها عنه الولية بالهجْرِ
والبيت من قصيدة يصف فيها بعيره بالسرعة.
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٢، والأشموني: "٣٤٧/ ١/ ١٦٥" والعيني: ٢/ ٤٣٢، وديوانه: ١٠٤. =стр. 432
[شروط إجراء القول مجرى الظن] :
بالفتح١، وغيرهم يشترط شروطا، وهي: كونه مضارعا، وسوى به السيرافي "قلت" بالخطاب، والكوفي "قل"، وإسناده للمخاطب، وكونه حالا، قاله الناظم، ورد بقوله٢: [الكامل]
١٩٥- فمتى تقول الدار تجمعنا٣
الحواشي
(١) = المفردات الغريبة: قلت: معناها هنا ظننت. آئب: راجع؛ اسم فاعل من آب يؤوب: إذا رجع، والعادة أن يرجع الإنسان من عمله آخر النهار، وفي أول الليل، وهذا، هو المراد هننا، الولية: "البرذعة" توضع تحت الرحل، أو ما يوضع تحتها. بالهجر: نصف النهار عند اشتداد الحر، وأصله بتحريك الجيم، وسكنت للضرورة.
المعنى: إذا قدرت وظننت أني سأصل بلدة آخر النهار، لبعد مسافتها، أتيتها نصف النهار، عند اشتداد الحر، وذلك لسرعة بعيري ونجابته.
الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان مبني على السكون في محل نصب على الظرفية. قلت: فعل وفاعل. و"قلت" بمعنى ظننت. أني: حرف مشبه بالفعل، و"الياء" اسمه. آئب: خير "أن" مرفوع؛ وفاعل اسم الفاعل: ضمير مستتر فيه. أهل: مفعول به لـ "آئب"؛ لإشرابه معنى واصل أو مدرك، وأهل: مضاف. بلدة: مضاف إليه؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل نصب، سدت مسد مفعولي "قال" الذي جاء بمعنى "ظن"؛ وجملة؛ "قال وفاعله وما سد مسد مفعوليه": في محل جر بالإضافة. وضعت: فعل وفاعل. "وبها" و"عنه": متعلقان بـ "وضع". الولية: مفعول به لـ "وضع". "بالهجر": متعلق بـ "وضع".
موطن الشاهد: "قلت أني آئب".
وجه الاستشهاد: أجرى الشاعر فعل "قال" مجرى ظن، ولم يحك به الجملة بعده، بدليل فتح همزة "أني"، ولو قصد الحكاية؛ لكسر همزتها؛ ومعلوم أن همزة "أن" تفتح بعد ظن، ولما أُجرِيَ فعلُ "قال" مجراه، وحُمِل عليه؛ فُتِحت همزة "أن" بعده؛ ولو جاء "قال" على معناه غير متضمن معنى الظن؛ لكسرت همزة إن بعده، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه﴾ .
١ أي بفتح همزة "أني" على أنها مع معموليها سدت مسد مفعولي قلت: كما أوضحنا.
٢ هو: عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
أما الرحيل فدون بعد غد
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٢، والكتاب لسيبويه: ١/ ٦٣، والمقتضب، =стр. 433
والحق أن متى ظرف لتجمعنا لا لنقول، وكونه بعد استفهام بحرف أو باسم، سمع الكسائي: "أتقول للعميان عقلا"١ وقال٢: [الطويل]
١٩٦- علام تقول الرمح يثقل عاتقي٣
الحواشي
(١) = ٢/ ٢٤٩، وجمل الزجاجي: ٣١٤، وشرح المفصل: ٧/ ٧٨، والخزانة: ١/ ٤٢٣، والعيني: ٢/ ٤٣٤، وديوان عمر بن أبي ربيعة: ٣٩٤.
المفردات الغريبة: الرحيل: الارتحال ومفارقة ديار الأحبة. دون بعد غد: أي قبل بعد الغد، وهذا يصدق باليوم وبالغد.
المعنى: إن فراق الأحبة ورحيلهم عنا، سيكون اليوم أو غدا. فمتى تظن الدار تجمع شملنا، بعد هذا الفراق؟
الإعراب: متى: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بـ "تقول". تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" وفاعله: أنت. الدار: مفعول به أول لـ "تقول". تجمعنا: فعل مضارع، والفاعل: هي -يعود إلى الدار- و"نا" مفعول به؛ وجملة "تجمعنا": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ "تقول".
موطن الشاهد: "تقول الدار تجمعنا".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "تقول" بمعنى تظن، ونصب به مفعولين؛ أحدهما: الدار، والثاني: جملة "تجمعنا"؛ وأوضح أن الشاعر، لم يقصد به الحكاية؛ لأنه لو قصد الحكاية؛ لرفع "الدار" على الابتداء؛ ولكانت جملة "تجمعنا": في محل رفع خبر؛ ومن ثم كانت جملة "الدار تجمعنا": في محل نصب مقول القول.
فائدة: أعمل الشاعر "تقول" عمل تظن، مع أنها ليست للزمان الحاضر، بل هي للمستقبل؛ لأنه لم يستفهم عن ظنه في الحال أن الدار تجمعه مع أحبابه، بل الاستفهام عن وقوع ظنه؛ وهذا يقتضي إلا يكون واقعا في الحال؛ وإلا لم يستفهم عن وقته؛ ومع هذا، فالحق اشتراط كون "تقول" بمعنى تظن للزمان الحاضر، كما ذهب إليه ابن مالك.
١ قول لبعض العرب، للعميان: مفعول ثانٍ مقدم لتقول، عقلا: مفعول أول، وقد عملت "تقول" بعد حرف الاستفهام.
٢ القائل: هو عمرو بن معديكرب الزبيدي، أبو ثور، أحد بني مذحج، وأحد فرسان العرب المشهورين بالبأس والقوة في الجاهلية، أسلم وارتد ثم عاد إلى الإسلام وحسن إسلامه، وشهد القادسية، وفتح نهاوند فقتل هناك مع النعمان بن مقرن المزني؛ قائد الجيش؛ له شعر جيد في الفخر والمديح. الشعر والشعراء: ١/ ٣٧٢، الأغاني: ١٤/ ٢٤، الاشتقاق: ٦٣، الإصابة: ٥/ ٢٠.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: =стр. 434
قال سيبويه والأخفش: وكونهما متصلين١، فلو قلت: "أأنت تقول" فالحكاية، وخولفا٢، فإن قدرت الضمير فاعلا بمحذوف والنصب بذلك المحذوف جاز اتفاقا، واغتفر الجميع الفصل بظرف أو مجرور أو معمول القول٣.
الحواشي
(١) = إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
وهو من قصيدة رواها أبو تمام في ديوان الحماسة؛ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٣، والأشموني: "٣٤٢/ ١/ ١٦٤" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٩ ومغني اللبيب: "٢٤٨/ ١٩١"، والسيوطي: ١٤٣ والعيني: ٢/ ٤٣٦.
المفردات الغريبة: علام: مؤلفة من حرف واسم وهما "على" و"ما" ومثلها قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ، و: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ . تقول: تظن. عاتقي: كاهلي، وهو ما بين المنكب والعنق. أطعن: أضرب، من طعن بالرمح يطعن -من باب منع أو نصر، أما طعن فلان على فلان في سببه -مثلا- فمن باب فتح.
المعنى: على أي شيء، وبأي حجة، تظن الرمح يثقل كاهلي، ولم أحمل السلاح إذا أنا لم أطعن برمحي، ولم أضرب بسيفي، عند كر الخيل واحتدام القتال؟
الإعراب: علام حرف جر، وما: اسم استفهام؛ حذف ألفه؛ لاتصاله بحرف الجر؛ وهو في محل جر بحرف الجر؛ و"علام": متعلق بـ "تقول". تقول: فعل مضارع "بمعنى تظن" مرفوع، والفاعل: أنت. الرمح: مفعول به أول لـ "تقول". يثقل: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو؛ وجملة "يثقل": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ "تقول". عاتقي: مفعول به لـ "يثقل" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "تقول الرمح يثقل عاتقي".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "تقول" بمعنى "تظن" بعد اسم الاستفهام، ونصب به مفعولين؛ الأول: "الرمح" والثاني: جملة "يثقل عاتقي"، ودليل استعماله بمعنى الظن نصب "الرمح"؛ فلو كان بمعنى الحكاية؛ لرفع الرمح على أنه مبتدأ، وتكون جملة "يثقل عاتقي": الخبر، والجملة في محل نصب مقول القول؛ لأن القول، لا ينصب اسما مفردا، متى كان المقصود الحكاية؛ وإنما ينصب الجملة، أو ما يؤدي معنى الجملة.
١ أي: لا يفصل بين الاستفهام والمضارع فاصل. ومن النحاة من يشترط عدم الفصل.
٢ أي خالفهما الكوفيون والبصريون، فأجازوا النصب، ولم يعتدوا بالضمير فاصلا.
٣ سواء كان المعمول مفعولا، أو حالا، أو غيرهما، ويجوز الفصل بأكثر من واحد مما ذكر.стр. 435
كقوله١: [البسيط]
١٩٧- أبَعدَ بُعْدٍ تقول الدار جامعة٢
الحواشي
(١) ١ لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
شملي بهم أم تقول البعد محتوما؟
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٣، والأشموني: "٣٤٤/ ١/ ١٦٤"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٧ والدرر اللوامع: "١/ ١٤٠، ومغني اللبيب: "١١٧٦/ ٩٠٩" والسيوطي: ٣٢٧، والعيني: ٢/ ٤٣٨، والشذور: "١٩٨/ ٥٠١".
المفردات الغريبة: جامعة: اسم فاعل جمع، والجمع ضد التفريق. شملي: مصدر شملهم الأمر إذا عمهم، ويطلق الشمل على العذق من النخلة، وعلى الاجتماع يقال: فرق شملهم: أي: ما اجتمع من أمرهم. وجمع الله شملهم: أي ما تفرق منه. محتوما: أي واجبا، وهو اسم مفعول من حتم الأمر، أوجبه.
المعنى: أبعد تفرقنا وتنائينا، تظن الدار تجمع شملنا ثانية، ونلتقي بعد فراق، أم تظن البعد أصبح أمرا مقضيا به علينا إلى الأبد؟؟.
الإعراب: أبعد: الهمزة حرف استفهام. "بعد": متعلق بـ "تقول". أو بـ "جامعة". بعد: مضاف إليه. تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن"، والفاعل: أنت: الدار: مفعول به أول لـ "تقول". جامعة: مفعول به ثانٍ؛ وفي "جامعة" ضمير مستتر، فاعل لاسم الفاعل، يعود إلى الدار. شملي: مفعول به لاسم الفاعل "جامعة" والياء: مضاف إليه. "بهم: متعلق بـ "جامعة". أم: حرف عطف. تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" مرفوع، والفاعل: أنت. البعد: مفعول به أول لـ "تقول". محتوما: مفعول به ثان لـ "تقول".
موطن الشاهد: "تقول الدار جامعة، تقول البعد محتوما".
وجه الاستشهاد: استعمل الشاعر فعل "تقول" بمعنى "تظن" في الموضعين، ونصب به مفعولين اثنين ظاهرين في كلا الموضعين؛ وفي هذا أقوى دليل على إجراء القول مجرى الظن؛ لأن المفعولين في كلا الموضعين منصوبان لفظا؛ ومعلوم أن القول؛ إذا أريد به الحكاية لم ينصب إلا الجمل أو ما يؤدي مؤداها؛ فإذا لم يصح أن يقصد بالقول -هنا- الحكاية، وجب أن يقصد به الظن لما بينا.стр. 436
وقوله١: [الوافر]
١٩٨- أجهَّالا تقول بني لؤي٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا، صدر بيت، يمدح فيه الشاعر مضر ويفضلهم على أهل اليمن، وعجزه قوله:
لعمر أبيك أم متجاهلينا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٣، والأشموني: "٣٤٥/ ١/ ١٦٤"، وابن عقيل: "١٣٥/ ٢/ ٦٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٠، والكتاب لسيبويه: ١/ ٦٣، والمقتضب: ٢/ ٢٤٩ وشرح المفصل: ٧١/ ٧٨، والخزانة: ١/ ٤٢٣ عرضا، ٤/ ٢٣، والعيني: ٢/ ٤٢٩ وشذور الذهب: "١٩٩/ ٥٠٢"، وليس في ديوان الكميت.
المفردات الغريبة: أجهالا: جمع جاهل. بنو لؤي: يراد بهم جمهور قريش وعامتهم؛ لأنهم ينسبون إلى لؤي بن غالب. لعمر أبيك: لحياته وبقاؤه. متجاهلينا: المتجاهل: الذي يتصنع الجهل ويتكلفه وليس بجاهل.
المعنى: أخبرني وحياة أبيك: أتظن بني لؤي جهالا حين استعملوا أهل اليمن على أعمالهم، وقدموهم على بني مضر، مع فضلهم عليهم؛ أم هم عالمون بالحقيقة مقدرون النتائج، غير أنهم يتصنعون الجهل؛ لحاجة في أنفسهم؟.
الإعراب: أجهالا: الهمزة حرف استفهام. جهالا: مفعول به ثان مقدم على المفعول الأول، وعلى عامله "تقول". تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" والفاعل: أنت. بني مفعول به أول، لـ "تقول" منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. لؤي: مضاف إليه مجرور؛ والخبر محذوف وجوبا؛ والتقدير: لعمر أبيك قسمي؛ والجملة معترضة، لا محل لها. أم: عاطفة، معادلة للهمزة. متجاهلينا، معطوف على "جهالا".
موطن الشاهد: "أجهالا تقول بني لؤي".
وجه الاستشهاد: إعمال "تقول" عمل تظن، ونصبه مفعولين، وقد فصل بين الاستفهام والفعل بمعمول الفعل "جهالا"؛ الواقع مفعولا ثانيا للفعل؛ وحكم الفصل بين الاستفهام والفعل بمعمول الفعل جائز في هذا الباب؛ كما ظهر ذلك واضحا في الإعراب.стр. 437
قال السهيلي١: وأن لا يتعدى باللام٢، كـ: "ستقول لزيد عمرو منطلق".
وتجوز الحكاية مع استيفاء الشروط٣، نحو: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٤ الآية، في قراءة الخطاب، وروي: "علام تقول الرمح" بالرفع.
الحواشي
(١) ١ السهيلي: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي الأندلسي المالقي، كان عالما بالعربية واللغة والقراءات، جامعا بين الدراية والرواية، نحويا مقدما واسع المعرفة، تصدَّر للإقراء والتدريس، روى عن ابن العربي وأبي طاهر، وابن الطراوة، وروى عنه الرندي، وأبو الحسن الغافقي؛ له مصنفات قيمة منها: الروض الأنف، في شرح السيرة النبوية، وكتاب: التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام، وكتاب في شرح آية الوصية، وكتاب الفكر ... وغيرها وهو مع هذا شاعر مجيد؛ له شعر جيد، منه الأبيات المشهورة:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعدُّ لكل ما يتوقع
يا من يرجَّى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول: "كن" ... امنن، فإن الخير عندك أجمعُ
وقد مات بمراكش سنة ٦٨٨؛ وقيل ٥٨١هـ.
البلغة: ١٢٢، إنباه الرواة: ٢/ ١٦٤، بغية الوعاة: ٢/ ٨١، طبقات القراء: ١/ ٣٧١ معجم المؤلفين: ٥/ ١٤٧، والأعلام: ٤/ ٨٦.
٢ أي يشترط في المضارع: ألا يتعدى باللام؛ لأنها تبعده عن معنى الظن، ويصبح قولا مسموعا وقد علمت أن مذهب الجمهور: أن القول، إذا عمل عمل الظن، يجري مجراه في المعنى أيضا.
شرح التصريح: ١/ ٢٦٣.
٣ وحينئذ يكون بمعنى النطق والتلفظ، لا معنى الظن، وتكون الجملة بعده في محل نصب سدت مسد المفعول به. ومن هنا يتبين: أن استيفاء الشروط ليس موجبا لتنزله منزلة الظن، وإنما يجيز ذلك فقط. أما جريانه مجرى الظن، فيوجب تحقق الشروط المذكورة كلها.
٤ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٤٠.
أوجه القراءات:
موطن الشاهد: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "تقولون" مرادا به الحكاية، على الرغم من كونه مضارعا مسبوقا باستفهام؛ وحكم مجيئه على هذه الحالة الجواز؛ و"إن وما دخلت عليه": سدت مسد مفعول به واحد؛ والدليل على كون "تقولون" مرادا به الحكاية كسر همزة "إن" بعده.стр. 438
...........................................................................
الحواشي
(١) تنبيهات:
١- ليس بلازم، أن يكون المفعولان، في هذا الباب؛ أصلهما المبتدأ والخبر حقيقة؛ بل يكفي أن يكون أصلهما كذلك، ولو تأويلا؛ مثل: جعلت الطين إبريقا، وصيرت الذهب خاتما؛ فإنه لا يصح أن يقال: الطين إبريق، والذهب خاتم؛ لأن الخبر يجب أن يكون نفس المبتدأ في المعنى، وهنا ليس كذلك اللهم إلا بشيء من التأويل؛ كأن يقدر: أن الطين سيتحول إلى إبريق، والذهب إلى خاتم.
٢- كثيرا ما يستعمل "رأى" الماضي مسبوقا بأداة استفهام، بمعنى: أخبرني، تقول: أرأيتك هذا الملثم، أفدائي هو؟ وحينئذ، ينصب مفعولا واحدا أو مفعولين على حسب المراد.
٣- التعليق بالاستفهام ليس مقصورا على الأفعال القلبية المتصرفة في هذا الباب، بل سمع في غيرها من الأفعال مثل: تفكر، سأل، استنبأ، أبصر. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة﴾ ، ﴿يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّين﴾ ، ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ ، ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ .
٤ كما يجوز حذف المفعولين؛ أو أحدهما اختصارا أو اقتصارا على النحو الذي بسطناه، ويجوز أيضا حذف الناسخ مع مرفوعه. تقول: ماذا تزعم؟ فيكون الجواب: مندوب الجماعة بالباب، أي أزعم ... ضياء السالك: ١/ ٣٦٦.стр. 439
[باب الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل] :
هذا باب ما ينصب مفاعيل ثلاثة:
وهي: أعلم وأرى اللذان أصلهما علم ورأى المتعديان لاثنين، وما ضمن معناهما١ من نبأ وأنبأ وخبر وأخبر وحدث، نحو: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِم﴾ ٢، ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ ٣.
[جواز حذف الأول والاقتصار عليه] :
ويجوز عند الأكثرين حذف الأول، كـ: "أعلمت كبشك سمينا" والاقتصار عليه، كـ: "أعلمت زيدا"٤.
الحواشي
(١) ١ يشير بهذا: إلى أن الخمسة المذكورة ملحقة في بعض استعمالاتها بأعلم وأرى المذكورتين، في التعدية إلى ثلاثة مفاعيل لتضمنها معناهما. وليست الهمزة فيها، أو التضعيف -للتعدية أو النقل؛ لأنه ليس لها ثلاثي مستعمل في العلم- إلا خبر بمعنى علم، ولم ترد تعديتها إلى ثلاثة مفاعيل صريحة في كلام العرب، إلا وهي مبنية للمفعول كما سترى من الشواهد، فيكون أول المفاعيل نائب فاعل مرفوعا، ويكون الثاني والثالث صريحين. أو تسد مسدهما جملة، أو يكون أحدهما صريحا، والثاني مكانه جملة.
شرح التصريح: ١/ ٢٦٤.
٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٦٧.
موطن الشاهد: ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "يريهم" مضارع "أرى" متعديا إلى ثلاثة مفاعيل؛ وهي: الضمير المتصل "هم"، وأعمالهم، وحسرات؛ وإذا كان الفعل من "رأى البصرية" فحسرات: حال، وليس مفعولا ثالثا.
٣ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٤٣.
موطن الشاهد: ﴿يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "يُرِي" كما في الآية السابقة في الموضعين؛ فالكاف؛ المفعول الأول، و"هم": المفعول الثاني؛ قليلا وكثيرا: المفعول الثالث.
٤ وذلك؛ لأن الفائدة لا تنعدم بحذفه في المثال الأول، أو بالاقتصار عليه في المثال الثاني؛ إذ قد يراد الإخبار بمجرد العلم به، وبمجرد إعلام الشخص المذكور، أما حذف الثلاثة؛ فأجازه ابن مالك لدليل ولغيره؛ وإن لم يجز في باب ظن لغير دليل.
شرح التصريح: ١/ ٢٦٥.стр. 440
[جواز حذف الثاني والثالث اختصارا] :
وللثاني واللثالث من جواز حذف أحدهما اختصارا ومنعه اقتصارا، ومن الإلغاء والتعليق ما كان لهما، خلافا لمن منع من الإلغاء والتعليق مطلقا، ولمن منعهما في المبني للفاعل، ولنا على الإلغاء قول بعضهم: "البركة أَعْلَمَنَا الله مع الأكابر" وقوله١: [الطويل]
١٩٩- وأنت أَرَانِي اللهُ أمنعُ عاصِمٍ٢
الحواشي
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
وأرأف مستكفيٍ وأسمحُ واهبِ
ويروى قبله:
وكيف أبالي بالعدى ووعيدهم ... وأخشى ملمات الزمان الصوائب
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٦، والأشموني: "٣٤٨/ ١/ ١٦٦"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٨ والدرر اللوامع: ١/ ١٤٠، والعيني: ٢/ ٤٤٦.
المفردات الغريبة: أمنع: أفعل تفضيل، من منع على وزن كرم، إذا صار منيعا قويا لا يعتدى عليه. عاصم: حافظ، وهو اسم فاعل من عصم فلان فلانا، على وزن ضرب، أي منع عنه الأذى والمكروه. أرأف: أفعل تفضيل من الرأفة، وهي الشفقة والرحمة. مستكفي: مطلوب منه الكفاية في الملمات.
المعنى: أرأني الله إياك أقوى حافظ يقي الإنسان شر الأعداء، أرأف من يلجأ إليه في الملمات، وأجود وأكرم من يعطي من غير مَنٍّ في هذه الحياة.
الإعراب: أنت: مبتدأ. أراني: فعل ماضٍ، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. الله: فاعل مرفوع. أمنع: خبر المبتدأ. عاصم: مضاف إليه. وأرأف: الواو عاطفة، أرأف: معطوف على أمنع. مستكفيٍ: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. وأسمح: الواو عاطفة. أسمح: معطوف على "أمنع" واهب: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "أنت أراني الله أمنع عاصم".
وجه الاستشهاد: إلغاء عمل "أرى" في المفعولين الثاني والثالث؛ وهما: "أنت أمنع عاصم"؛ لتوسطه بينهما؛ لأن الأصل: أرأني الله إياك أمنع عاصم؛ أو: أرأنيك الله أمنع عاصم؛ فلما قدم المفعول الثاني؛ أبدل بضمير الرفع "أنت" وارتفع على الابتداء.стр. 441
وعلى التعليق: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ١، وقوله٢: [الطويل]
٢٠٠- حذار فقد نُبِّئْتُ إِنَّك للَّذِي ... ستجزى بما تسعى فتسعدُ أو تشقَى
الحواشي
(١) = عاصم"؛ لتوسطه بينهما؛ لأن الأصل: أرأني الله إياك أمنع عاصم؛ أو: أرأنيك الله أمنع عاصم؛ فلما قدم المفعول الثاني؛ أبدل بضمير الرفع "أنت" وارتفع على الابتداء.
١ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿يُنَبِّئُكُمْ..... إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: علق فعل "ينبِّئ" عن العمل في مفعولين الثاني والثالث؛ لدخول لام الابتداء والمفعول الأول: "كم" وجملة الشرط وجوابه المحذوف اعترضت بين المفعول الأول وما سد مسد المفعولين: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ﴾ .
٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٦، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٨، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٠ وشرح شواهد الألفية للعيني: ٢/ ٤٧٧.
المفردات الغريبة: حذار: اسم فعل أمر، بمعنى احذر. نبئت: أعلمت وأخبرت. ستجزى: ستكأفأ. بما تسعى: بما تعمل في هذه الحياة.
المعنى: احذر عاقبة ما تعمل في هذه الحياة؛ فإنك ستؤاخذ بما قدمت يداك، وتجزى على حسب عملك، فإن كان خيرا سعدت، وإن كان شرا شقيت وندمت.
الإعراب: حذار: اسم فعل أمر بمعنى احذر: وفاعله: أنت. فقد: الفاء تعليلية، قد: حرف دالٌّ على التحقيق. نبئت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل؛ وهي المفعول الأول، قبل بناء الفعل للمجهول. إنَّك: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمه. للذي: اللام لام المزحلقة، تفيد التوكيد. الذي: خبر "إن"؛ وجملة "إن وما دخلت عليه": في موضع نصب، سدت مسد المفعولين؛ الثاني والثالث؛ لتعلق الفعل عنهما. ستجزى: "السين" للاستقبال. تجزى: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل: أنت. وجملة "ستجزى": صلة لـ "الذي لا محل لها. "بما": متعلق بـ "تجزى". تسعى: فعل مضارع والفاعل: أنت، وجملة "تسعى": صلة للموصول، لا محل لها. فتسعد: الفاء عاطفة، تسعد: فعل مضارع والفاعل: أنت؛ وفعل تسعد معطوف على تجزى: أو: عاطفة. تشقى: معطوف على تسعد.
موطن الشاهد: "نبئت إنك للذي".
وجه الاستشهاد: "مجيء فعل "نُبِّئَ" القلبي المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل معلقا عن العمل في الثاني والثالث؛ لدخول اللام المزحلقة في خبر "إن"؛ وأما مفعوله الأول؛ فهو التاء المنقلبة نائب فاعل، لبناء الفعل للمجهول؛ ومعلوم أن تعليق الفعل عن العمل في المفعولين الثاني والثالث معناه إبطال عمله في لفظهما؛ ولكنه يظل عاملا في محلهما؛ ولهذا، مكنا في الإعراب: و"إن وما دخلت عليه": في محل نصب، سدت مسد المفعولين الثاني والثالث.стр. 442
[حكم أرى وأعلم المنقولين من المتعدي لواحد] :
قال ابن مالك: وإذا كانت أرى وأعلم منقولتين من المتعدي لواحد١ تعدتا لاثنين٢، نحو: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ ٣، وحكمهما حكم مفعولي "كسا"٤، في الحذف لدليل وغيره، وفي منع الإلغاء والتعليق، قيل: وفيه نظر في موضعين؛ أحدهما: أن "علم" بمعنى عرف إنما حفظ نقلها بالتضعيف لا بالهمزة، والثاني: أن "أرى" البصرية سمع تعليقها بالاستفهام، نحو: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ٥، وقد يجاب بالتزام جواز نقل المتعدي لواحد بالهمزة قياسا، نحو: "ألبست زيدا جبة" وبادعاء أن الرؤية هنا علمية.
الحواشي
(١) ١ بأن كانت بصرية بمعنى أبصر، وعلم عرفانية بمعنى عرف.
٢ أي: بواسطة الهمزة.
٣ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٥٢.
موطن الشاهد: ﴿أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أرى" فعلا ماضيا بصريا، والفاعل: هو: و"كم" مفعول أول، و"ما" "الاسم الموصول" مفعول ثانٍ؛ وجملة "تحبون": صلة؛ وتعدى الفعل لمفعولين بسبب دخول همزة التعدية عليه.
٤ باب كسا: هو كل فعل يتعدى إلى مفعولين ليس في الأصل مبتدأ وخبرا، مثل: "سأل، وأعطى، وألبس، ومنح، ومنع"؛ ولهذا لا يصح تطبيق الأحكام الخاصة بالأفعال القلبية عليهما إلا التعليق؛ فإنه جائز.
٥ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٦٠.
موطن الشاهد: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أر" فعل أمر من "أرى" البصرية، خرج إلى معنى الدعاء، والفاعل: أنت. والنون للوقاية، والياء: مفعول به أول؛ وجملة "كيف تحيي الموتى": في محل نصب، سد مسد المفعول الثاني لـ "أر" المعلق عن المفعول الثاني بـ "كيف". =стр. 443
.........................................................................
الحواشي
(١) فائدتان: أ- لا يجوز أن يعامل أخوات "رأى وعلم" القلبية معاملتهما في النقل إلى الثلاثة بالهمزة فيقال: أظننت محمد عليا كريما ... وأحسبت ... وأزعمت، وأجاز ذلك الأخفش، ورأيه ضعيف.
ب- صوغ الفعل للمفعول يجعله قاصرا عن مفعول كان متعديا إليه قبل الصوغ؛ فالمتعدي إلى ثلاثة؛ إذا صغته للمفعول؛ صار متعديا إلى اثنين، وذو الاثنين يصير متعديا إلى واحد، وذو الواحد يصير غير متعدٍّ، أما دخول همزة النقل على الفعل فبالعكس. شرح الأشموني: ١/ ١٦٧.стр. 444
[باب الفاعل] :
هذا باب الفاعل:
[تعريف الفاعل] :
الفاعل١: اسم٢ أو ما في تأويله، أسند إليه فعل أو ما في تأويله، مقدم، أصلي المحل والصيغة.
فالاسم نحو: "تبارك الله" والمؤول به٣ نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ ٤، والفعل كما مثَّلْنَا، ومنه: "أتى زيد" و: "نعم الفتى"، ولا فرق بين المتصرف والجامد، والمؤول بالفعل نحو: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ ٥، ونحو: "وجهه" في قوله٦: "أتى زيد منيرا وجهه" و: "مقدم" رافع لتوهم دخول نحو: "زيد قام". و: "أصليُّ المحل" مخرج لنحو: "قائم زيد" فإن المسند، وهو قائم، أصله التأخير لأنه
الحواشي
(١) ١ معنى الفاعل لغة: من أوجه الفعل، واصطلاحا: ما ذكر المصنف.
٢ أي صريح ظاهر، أو ضمير بارز، أو مستتر.
٣ أي بالاسم؛ وذلك لوجود سابك ملفوظ به أو مقدر، والسابك في باب الفاعل يكون "بأن" المفتوحة، و"أن" الناصبة للفعل، و"ما" لا غير. أما "كي" و"لو" فلا.
٤ "٢٩" سورة العنكبوت، الآية: ٥١.
موطن الشاهد: ﴿يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ .
وجه الاستشهاد: المصدر المؤول من "أن ومعموليها" فاعل "يكفهم"؛ والتقدير: أو لم يكفهم إنزالنا؟.
٥ "١٦" سورة النحل، الآية: ٦٩.
موطن الشاهد: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: "فمختلف في تأويل يختلف، وألوانه: فاعل؛ وصح إعمال "مختلف"؛ لاعتماده على موصوف محذوف؛ والتقدير: صنف مختلف ألوانه.
٦ أي قول ابن مالك في الألفية.стр. 445
خبر، وذكر الصيغة مخرج لنحو: "ضرب زيد"، بضم أول الفعل وكسر ثانيه، فإنها مفرعة عن صيغة ضرب، بفتحهما.
[أحكام الفاعل] :
وله أحكام:
أحدها: الرفع١، وقد يجر لفظا٢ بإضافة المصدر، نحو: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ ٣، أو اسمه نحو: "من قُبلةِ الرجل ِامرأتَه الوضوءُ"٤، أو بمن أو بالباء الزائدتين نحو: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ ٥، ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٦.
الحواشي
(١) ١ وقد ينصب شذوذًا إذا فهم المعنى، سمع من العرب قولهم: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر، برفع أولهما، ونصب ثانيهما؛ وقال الأخطل:
مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوءاتهم هجر
شرح التصريح: ١/ ٢٦٩ و٢٧٠.
٢ ولكنه في محل رفع، ويجوز في تابعه حينئذ الجر حملا على الفظ، والرفع بالنسبة إلى المحل.
٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥١.
موطن الشاهد: ﴿لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء لفظ الجلالة مضافًا إلى المصدر "دفع"؛ وهو فاعل في المعنى؛ ويقال في الإعراب: مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله.
٤ هذا قول للسيدة عائشة ﵂، من قبلة: جار مجرور خبر مقدم. الرجل: مضاف إليه من إضافة اسم المصدر وهو "قبلة" إلى فاعله. "امرأته" مفعوله ومضاف إليه. الوضوء: مبتدأ مؤخر.
٥ "٥" سورة المائدة، الآية: ٢٩.
موطن الشاهد: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "بشير" اسما مجرورا لفظا بمن الزائدة مرفوع محلا على أنه فاعل جاء.
٦ "٤٨" سورة الفتح، الآية: ٢٨.
موطن الشاهد: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء لفظ الجلالة مجرورا لفظا، بحرف الجر الزائد، مرفوعا محلا لأنه فاعل "كفى". =стр. 446
الثاني: وقوعه بعد المسند، فإن وجد ما ظاهره أنه فاعل تقَدَّمَ وجب تقدير الفاعل ضميرا مستترا، وكون المقدم إما مبتدأ في نحو: "زيد قام"، وإما فاعلا محذوف الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١ لأن أداة الشرط مختصة بالجملة الفعلية، وجاز الأمران في نحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٢ و: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ ٣، والأرجح الفاعلية٤.
الحواشي
(١) = هذا وقد يجب جر الفاعل بالباء الزائدة، كما في فاعل أفعل في التعجب. نحو قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ وقد يجب بكثرة كفاعل "كفى" كما في الآية التي تلاها المؤلف، ومن أمثلة تجرد فاعل كفى قول سحيم:
عميرة ودع إن تجهزت غازيا ... بما لاقت لبون بني زياد
إذا ذهبت إلى أن "ما لاقت" فاعل "يأتي" كانت الباء زائدة، وإلا كانت متعلقة بتمني وقد خرج العلماء البيت على الوجهين.
١ "٩" سورة التوبة، الآية: ٦.
موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ.... اسْتَجَارَكَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أحد" فاعلا لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ والتقدير: وإن استجارك أحد استجارك؛ ولا يجوز تقديره مبتدأ؛ لأن أدوات الشرط لا تدخل على الأسماء، كما بيَّنَ المؤلف - وإنما تدخل على الجمل الفعلية.
٢ "٦٤" سورة التغابن، الآية: ٦.
موطن الشاهد: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ .
وجه الاستشهاد: إما أن يكون "بشر" مبتدأ وجملة "يهدوننا": خبره؛ وإما أن يكون فاعلا لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ والراجح أن يكون فاعلا؛ لأن الغالب في همزة الاستفهام أن تدخل على الفعل.
٣ "٥٦" سورة الواقعة، الآية: ٥٩.
موطن الشاهد: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: "أنتم" إما أن تكون في محل رفع مبتدأ؛ وجملة "تخلقونه": خبر، وإما أن تكون فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده؛ وهذا أرجح لما بينا في الآية السابقة.
٤ ذكر المؤلف فيما ظاهره فاعل ثلاث صور:
الأولى: ما يكون المتقدم فيه مبتدأ ليس غير؛ نحو زياد قام، ونقدر الفاعل ضميرا =стр. 447
وعن الكوفي جواز تقديم الفاعل، تمسكا بنحو قول الزباء١: [مشطور الرجز]
٢٠١- ما للجمال مشيها وئيدا٢
الحواشي
(١) = مستترا في الفعل يعود إلى ذلك المبتدأ؛ والجملة في محل رفع خبر المبتدأ؛ والجملة -هنا- واحدة اسمية على الأرجح، وإن كان المبرد يجوز أن يكون "زيد" فاعلا لفعل محذوف، فيكون لدينا جملتان فعليتان، وهذا رأي ضعيف؛ لأن المبرد نفسه يرجح كون "زيد" مبتدأ.
الثانية: ما يكون الاسم المتقدم فيه فاعلا ليس غير، كما في الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِين ... ﴾ فـ "أحد" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ فيكون لدينا جملتان فعليتان؛ الثانية مفسرة للأولى. ونظير هذا المثال: اسم مرفوع وقع بعد أداة تختص بالفعل؛ كأدوات الشرط والتحضيض.
الثالثة: ما يجوز فيه الوجهان: وهو أن يقع الاسم المرفوع بعد أداة يجوز أن تدخل على الفعل، وعلى الاسم، كهمزة الاستفهام؛ ومثاله: ما ذكر في الآيتين: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ و ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَه﴾ .
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٠.
١ هي ملكة يقال إن اسمها نائلة ويقال فارعة، كانت توصف بشعرها الطويل الذي يجر وراءها فسميت الزباء لذلك -والأزب: الكثير الشعر- وقيل إنها بنت عمرو بن الظرب بن حسان من نسل العماليق، وقيل اسمه: مليح بن البراء، قتله جذيمة الأبرش ملك الحيرة وطردها إلى الشام، فاستعادت ملك أبيها وقتلت جذيمة، ثم قتلت نفسها بالسم.
الخزانة: ٨/ ٢٧٣.
٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الرجز، وبعده قوله:
أجندلا يحملن أم حديدا ... أم صرفانا باردا شديد
أم الرجال جثما قعودا
وقصة الزباء مع جذيمة، رواها الميداني في المثل: خطب يسير في خطب كبير. مجمع الأمثال "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٣٣. رقم ١٢٥٠. والبيت الشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧١، والأشموني: "٣٥٥/ ١/ ١٦٩"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٤١، والمغني: "٩٨٦/ ٧٥٨"، وشرح السيوطي: ٣٠٨ والكامل للمبرد: ٢٧٩، وأمالي الزجاجي: ١٦٦، والعيني: ٢/ ٤٤٨.
المفردات الغريبة: الجمال: جمع جمل. وئيدا: ثقيلا بطيئا، هو صفة مشبهة من التؤدة وهي التمهل والتأني. جندلا، الجندل: ما ينقله الرجل من الحجارة. صرفانا: =стр. 448
.........................................................................
الحواشي
(١) = النحاس والرصاص، جثما: جمع جاثم، أي لاصقين بالأرض. قعودا: جمع قاعد.
المعنى: ومعنى البيت بات واضحا، قالته الزباء لما رأت الجمال التي أتاها بها قصير، وقد حمل عليها الرجال في الغرائر، فأوهمها أن ذلك بضاعة.
الإعراب: ما: اسم استفهام مبتدأ. "للجمال" متعلق بمحذوف الخبر. مشيُها: "بالرفع" فاعل مقدم لـ "وئيدا" على مذهب الكوفيين، و"ها" مضاف إليه. وئيدا: حال من الجمال.
موطن الشاهد: "مشيها وئيدا".
وجه الاستشهاد: تروى "مشيها" بالرفع والنصب والجر؛ فعلى روايتي النصب والجر، لا شاهد على الخلاف بين البصريين والكوفيين في مسألة تقدم الفاعل على عامله، وإعراب الروايتين كالآتي:
أ- رواية النصب: مشيها مشي: مفعول مطلق، لفعل محذوف؛ والتقدير: تشمي مشيها، و"ها" مضاف إليه. وئيدا: حال منصوب من المصدر؛ وجملة الفعل المحذوف في محل نصب حال من الجمال.
ب- رواية الجر: "مشيها" بدل اشتمال من الجمال، و"ها" مضاف إليه. وئيدا: حال من المشي.
وأما رواية الرفع ففيها الخلاف بين البصريين والكوفيين، حيث زعم الكوفيون -كما أعربنا- أن "مشيها" فاعل لـ "وئيدا" تقدم عليه؛ لأنهم يجيزون تقدم الفاعل على عامله؛ والتقدير عندهم: أي شيء ثابت للجمال حال كونها وئيدًا مشيها؛ وأما البصريون فلا يجيزون تقدم الفاعل على عامله لسببين:
أولهما: أن الفاعل مع فعله ككلمة واحدة ذات جزأين؛ صدرها هو الفعل، وعجزها هو الفاعل، وكما لا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها، فلا يجوز تقديم ما هو بمنزلة العجز، على ما هو بمنزلة الصدر.
ثانيهما: أن تقديم الفاعل يوقع في اللبس بينه وبين المبتدأ. ففي قولنا: "زيد قام" إذا كان تقديم الفاعل جائزا، لا يدري السامع، أنريد الابتداء بـ "زيد" والإخبار عنه بالفعل، المتضمن ضميرا واقعا فاعلا له، يعود إلى زيد، أم نريد إسناد قام وحده إليه؟ والفرق بين الحالين أن جملة الفعل وفاعله تدل على حدوث الشيء بعد أن لم يكن؛ بينما جملة المبتدأ وخبره الفعلي تدل على ثبوت الشيء وتأكيد إسناده إلى من قام به أو وقع منه؛ ولهذا خرج البصريون رواية الرفع.
أحدهما: "مشيها". مبتدأ. و"وئيدا": حال من فاعل فعل محذوف؛ والتقدير: مشيها يظهر وئيدا "وجملة الفعل المحذوف وفاعله": في محل رفع خبر المبتدأ.
ثانيهما: "مشيها": بدل من الضمير المستكن في "الجار والمجرور" الواقع خبرا؛ وهو "للجمال"؛ لأن متعلق هذا الجار والمجرور، كان يتحمل ضميرا مرفوعا بالفاعلية؛ ولما حذف المتعلق، انتقل الضمير إلى الجار والمجرور.
بقي أن نعلم أن بعض العلماء ذهبوا إلى أن هذا البيت شاذٌّ؛ لا يقاس عليه.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٧١، والدرر اللوامع: ١/ ١٤١، وحاشية الصبان: ٢/ ٤٦.стр. 449
وهو عندنا ضرورة، أو: "مشيها" مبتدأ حذف خبره، أي يظهر وئيدا، كقولهم: "حكمك مسمطا"١ أي: حكمك لك مثبتا، قيل: أو: "مشيها" بدل من ضمير الظرف.
الثالث: أنه لا بد منه٢، فإن ظهر في اللفظ نحو: "قام زيد، والزيدان قاما" فذاك، وإلا فهو ضمير مستتر راجع إما لمذكور، كـ: "زيد قام" كما مر، أو لما دل عليه الفعل كالحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" ٣ أي: ولا يشرب هو: أي: الشارب، أو لما دل عليه الكلام أو الحال المشاهدة، نحو: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ ٤، أي: إذا بلغت الروح، ونحو قولهم: "إذا كان غدا فأتني"٥ وقوله٦: [الطويل]
الحواشي
(١) ١ مثل قالته العرب، مر التعليق عليه في الجزء الأول.
٢ أي: لا يمكن حذفه، والاستغناء عنه؛ لأنه جزء أساسي في الجملة، لا تستغني عنه؛ لتكملة معناها مع عامله.
٣ هذا حديث شريف أخرجه البخاري في كتاب الأشربة من صحيحه "بولاق": ٧/ ١٠٤ وفيه: "ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان: ١/ ٥٤.
وأخرجه أبو داود "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد" برقم: "٤٦٥٩" ففي يشرب ضمير مستتر هو الفاعل، وحسن الحذف لتقدم نظيره: لا يزني الزاني، ولا يسرق السارق.
٤ "٧٥" سورة القيامة: ٢٦.
موطن الشاهد: ﴿بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف الفاعل، وعوض عنه بالضمير المستتر المرفوع على الفاعلية والراجع إلى الروح، المدلول عليها في سياق الكلام؛ لأن التقدير: إذا بلغت هي -أي الروح- التراقي؛ والتراقي: أعالي الصدر.
٥ قول لبعض العرب، و"كان" يحتمل أن تكون تامة، وغدا: ظرف متعلق بها، وأن تكون ناقصة فيكون "غدا": خبرها، والضمير المستتر المرفوع بكان تدل عليه الحال الواقعة المشاهدة وقت التكلم كما بين المصنف.
٦ القائل: هو سواد بن المضرب السعدي، أحد بني سعد بن تميم.стр. 450
٢٠٢- فإن كان لا يرضيك حتى تردني١
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
إلى قطري لا إخالك راضيا
وكان الشاعر قد هرب من الحجاج مخافة على نفسه حين أراد أن يرسله لمقاتلة الخوارج.
أقاتليَ الحجاج إن لم أزُرْ له ... دراب، وأتركْ عند هندٍ فؤاديا
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٧٢، والأشموني: "٣٥٤/ ١/ ١٦٩" والخصائص: ٢/ ٤٣٣، والمحتسب: ٢/ ١٩٢، والكامل للمبرد "الحلبي": ٤٤٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٨٥، وشرح المفصل: ١/ ٨٠، والعيني: ٢/ ٤٥١.
المفردات الغريبة: قطري: هو قطري بن الفجاءة التميمي، رأس من رؤوس الخوارج في عهد الدولة الأموية. لا إخالك: لا أظنك.
المعنى: إذا كان ما تشاهده مني ومن حالتي وفراري من ذلك الخارجي، لا يرضيك حتى تردني إليه، فإني لا أظنك ترضى أصلا؛ لأنني معتزم عدم الرجوع إليه، ورضاك معلق على عودتي.
الإعراب: إن: شرطية. كان: فعل الشرط، وفاعله؛ أو اسمه -إذا كان ناقصا- ضمير يعود إلى معلوم من المقام؛ كما أوضح المؤلف. لا يرضيك: لا: نافية، وفعل مضارع، والفاعل: هو، والكاف: مفعول به؛ وجملة "لا يرضيك": في محل نصب على الحال من فاعل "كان" المستتر؛ أو اسمها؛ إن كانت ناقصة. لا إخالك: لا: نافية، إخال: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا، والكاف: مفعول به أول. راضيا: مفعول به ثانٍ؛ وجملة "لا إخالك" جواب الشرط.
فائدة: ارتفع جواب الشرط في الشاهد "لا إخالك" لمجيء فعل الشرط ماضيا؛ وارتفاعه في هذه الحالة جائز، قال ابن مالك: وبعد مَاضٍ رفْعُكَ الجَزَا حَسنْ
موطن الشاهد: "فإن كان لا يرضيك".
وجه الاستشهاد: احتج الكسائي بهذا البيت على جواز حذف الفاعل، وما هو بمنزلة الفاعل اسم الأفعال الناسخة؛ وأما البصريون فأنكروا عليه ذلك؛ لأنهم لا يجيزون حذف الفاعل؛ إلا بأحد أمرين؛ الأول: أن يكون الفاعل مذكورا في الكلام، والثاني: أن يكون مضمرا، ولما لم يكن في هذا الكلام مذكور يصلح أن يكون اسما؛ أو فاعلا لـ "كان" قالوا: إن اسمها مضمر جوازا، تقديره: هو؛ ولما لم يكن في الكلام ما يصلح أن يكون مرجعا لذلك الضمير -الذي لا بد له من مرجع- قالوا: إنه عائد إلى الحال المشاهدة والواقعة للمتكلم والسامع.
وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٢.стр. 451
أي: إذا كان هو، أي: ما نحن الآن عليه من سلامة، أو فإن كان هو، أي: ما تشاهده مني، وعن الكسائي إجازة حذفه تمسكا بنحو ما أولناه١.
الرابع: أنه يصح حذف فعله، إن أجيب به نفي، كقولك: "بلى زيد" لمن قال: ما قام أحد، أي: بلى قام زيد، ومنه قوله٢: [الطويل]
٢٠٣- تجلدت حتى قيل: لم يعر قلبه ... من الوجد شيء، قلت: بل أعظم الوجد٣
الحواشي
(١) ١ أي في الحديث والآية والبيت "٢٠١".
٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد التصريح: ١/ ٢٧٣، والأشموني: "٣٦٢/ ١/ ١٧٢"، والعيني ٢١/ ٤٥٣.
المفردات الغريبة: تجلدت: تكلفت الجلد والصبر على الهموم. لم يعر: لم يغش ولم ينزل. الوجد: الشوق والحب.
المعنى: تكلفت الصبر والجلد على بعد المحبوبة وهجرها، ولم أظهر شيئا من الحب والشوق إليها؛ حتى اعتقد الناس أن حبها لم يتمكن من قلبي؛ والحقيقة أن ما حل في قلبي من الشوق، والمحبة أعظم مما يتصور.
الإعراب: تجلدت: فعل ماضٍ وفاعل. حتى: حرف غاية وجر. لم: نافية جازمة. يعره: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف الواو. شيء: فاعل مرفوع. بل: حرف إضراب. أعظم: فاعل لفعل محذوف؛ أي: بل عراه أعظم. الوجد: مضاف إليه.
فائدة: لم يعطف بـ "بل" عطف مفرد على مفرد؛ أي لم تعطف "بل" أعظم" على "شيء"؛ وإنما قدر فعل بعد "بل"؛ لتعطف جملة على جملة؛ لأن "بل" التي تعطف مفردا على مفرد بعد نفي أو شبهه، تُقَرِّرُ ذلك النفي السابق، وتثبت ضده لما بعدها؛ وعلى هذا، يكون المعنى: أنه لم يعر قلبه شيء، وعراه أعظم الوجد؛ وهذا كلام متناقض؛ أما عطفها جملة على جملة؛ فإنها تبطل الأولى، التي نفت عرو شيء من الوجد؛ فإذا بطلت الأولى؛ صح أن تثبت جملة أخرى تدل على أنه عراه أعظم الوجد.
موطن الشاهد: "بل أعظم الوجد".
وجه الاستشهاد: ارتفاع "أعظم" على أنه فاعل لفعل محذوف، يدل عليه سياق الكلام؛ وهذا الفعل المحذوف؛ مجاب به على كلام منفي سابق، وهو قولهم: "لم يعر قلبه من الوجد شيء"؛ والمراد النفي بالجملة الفعلية، فإن كان النفي بالجملة الاسمية؛ فلا يترجح كون المرفوع فاعلا. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٥٠.стр. 452
أو استفهام محقق١، نحو: "نعم زيد" جوابا لمن قال: هل جاءك أحد؟ ومنه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢، أو مقدر كقراءة الشامي٣ وأبي بكر٤: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ"٥، وقوله٦: [الطويل]
٢٠٤- لِيُبْكَ يزيد ضارعٌ لِخُصُومِهِ٧
الحواشي
(١) ١ أي: أجيب به استفهام محقق -أي ملفوظ به ظاهر الأداة، وإن كان في حيز شرط لا يوجد مدلوله في الخارج.
٢ "٤٣" سورة الزخرف، الآية: ٨٧.
موطن الشاهد: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء لفظ الجلالة فاعلا بفعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام؛ والتقدير: خلقنا الله؛ لأن مثل هذا الكلام عند تحقق ما فرض من الشرط والجزاء، يكون جوابا عن سؤال محقق. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٣.
٣ هو: أبو عمران: عبد الله بن عامر إمام أهل الشام، وقد مرت ترجمته.
٤ هو: شعبة بن عياش، وقد مرت ترجمته.
٥ "٢٤" سورة النور، الآية: ٣٦ والآية: ٣٧.
موطن الشاهد: "يُسَبَّحُ لَهُ ... رِجَالٌ".
وجه الاستشهاد: مجيء "رجال" فاعلا بفعل محذوف، دل عليه مدخول الاستفهام المقدر؛ فكأنه لما قيل: يسبح له فيها بالغدو والآصال بالبناء للمجهول، قيل: من يسبحه؟ فأجيب: يسبحه رجال؛ ثم حذف الفعل؛ لإشعار "يسبح" المبني للمجهول به؛ إذ لا يجوز أن نسند "رجال" إلى الفعل المذكور المبني للمجهول؛ لفساد المعنى؛ لأن الرجال ليسوا مسبَّحين "بفتح الباء" بل مسبِّحين بكسرها؛ والآصال:؛ جمع "أصل" بضمتين، و"أصل": جمع أصيل؛ ويجمع "آصال" على أصائل؛ وأما على قراءة يسبح "بكسر الباء" والبناء للمعلوم، فلا إشكال في الآية و"رجال" فاعل يسبح، كما هو معلوم. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٣.
٦ قيل: هو لبيد بن ربيعة العامري، وقيل: غيره، وقد مرت ترجمة لبيد.
٧ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
ومختبط مما تطيح الطوائح
وفي ديوان لبيد "طبع ليدن": ٥٠، الشاهد من قطعة، مطلعها:
لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل ... حشا جدت تسفي عليه الروائح
=стр. 453
أي: يسبحه رجال، ويبكيه ضارع، وهو قياسي وفاقا للجرمي١ وابن
الحواشي
(١) =
لقد كان ممن يبسط الكف بالندى ... إذا ضن بالخير الأكف الشحائح
والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٤، والكتابه لسيبويه: ١/ ٢٤٥: وفيه نسب البيت إلى: الحارث بن نهيك، والأشموني: "٣٦١/ ١/ ١٧١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٢، وفيه نسب البيت إلى ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد، والشعر والشعراء: ٤٧، وتصحيف العسكري: ٢٠٨، والمقتضب: ٣/ ٢٨٢، والمحتسب: ١/ ٢٣٠ والخصائص ٢/ ٣٥٣ والشريشي: ١/ ٢١، والخزانة: ١/ ١٤٧، ومعاهد التنصيص: ١/ ٧٠، ومغني اللبيب: "١٠٤٤/ ٨٠٧" وقد نسبه الزمخشري إلى: مزرد بن ضرار، ونسبه السيرافي إلى الحارث بن ضرار النهشلي، ونسبه بعضهم إلى نهشل بن حري.
المفردات الغريبة: ضارع: ذليل خاشع. مختبط: هو المحتاج الذي يطلب معروفك من غير أن تكون له وسيلة يمت بها إليك. تطيح: الطوائح: جمع طائح أو طائحة.
المعنى: ليبك يزيد ويندبه شخصان: فقير ذليل مهضوم الحق، لا يجد له نصيرا؛ وطالب معروف يدفع به مصائب الدهر؛ وليس له وسيلة يتقرب بها.
الإعراب: ليبك: اللام، لام الأمر، يبك: فعل مضارع مجزوم؛ وهو مبني للمجهول. يزيد: نائب فاعل. ضارع: فاعل لفعل محذوف، دل عليه مدخول الاستفهام المقدر؛ أي: يبكيه ضارع. "لخصومه". متعلق بالفعل المحذوف. ومختبط: معطوف على ضارع. مما: من حرف جر. "ما". مصدرية. تطيح: فعل مضارع. الطوائح: فاعل؛ والمصدر المؤول من "ما وما بعدها": في محل جر بـ "من"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ "مختبط".
موطن الشاهد: "ليبك يزيد ضارع".
وجه الاستشهاد: رفع "ضارع" على أنه فاعل لفعل محذوف واقع في جواب استفهام مقدر؛ فكأنه حين قال: ليبك يزيد؛ قيل: فمن يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع، ثم حذف الفعل؛ لدلالة سابق الكلام عليه؛ هذا؛ وقد روي البيت: ليبك يزيد ضارع، ببناء الفعل للمعلوم ونصب يزيد ورفع ضارع على أنه فاعل لـ "يبك"؛ وهذه الرواية أثبتها العسكري، ونفي غيرها، وعليها، فلا شاهد في البيت.
١ هو: أبو عمر؛ صالح بن إسحاق الجرمي البصري، مولى جرم بن زبان، وجرم من قبائل اليمن فقيه عالم بالنحو واللغة؛ دينا ورعا، أخذ عن الأخفش ويونس والأصمعي وأبي عدة وحدث عنه المبرد، وناظر الفراء فأفحمه، كان يلقب بالنباح؛ لكثرة مناظرته ورفع صوته فيه. له كتب قيمة: منها: الأبنية، ومختصر في النحو، وغريب سيبويه، مات سنة ٢٢٥هـ. البلغة: ٩٦، بغية الوعاة: ٢/ ٨، إنباه الرواة: ٢/ ٨٠، وفيات الأعيان: ١/ ٢٢٨، الأعلام: ٢/ ٨.стр. 454
جني١، ولا يجوز في نحو: "يوعظ في المسجد رجل" لاحتماله للمفعولية، بخلاف: "يوعظ في المسجد رجال زيد"، أو استلزمه ما قبله كقوله٢: [الطويل]
٢٠٥- غداة أَحَلَّت لابن أصرم طعنة ... حضين عبيطات السدائف والخمر٣
الحواشي
(١) ١ هو أبو الفتح؛ عثمان بن جني الموصلي مولدًا ونشأة، وأبوه جني كان مملوكا روميا، لازم ابن جني أبا علي الفارسي وأخذ عنه ٤٠ سنة، حتى صار إماما من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والصرف، ولم يتكلم أحد في التصريف والإعراب أدق منه كلاما، عاصر المتنبي وناظره، وشهد له المتنبي؛ له كتاب: الخصائص، والمحتسب، واللمع، وشرح ديوان المتنبي، مات سنة ٣٩٢هـ، ودفن ببغداد.
البلغة: ١٣٧، بغية الوعاة: ٢/ ١٣٢، وإنباه الرواة: ٢/ ٣٣٥، تاريخ ابن كثير: ١١/ ٣٣١، الأعلام: ٤/ ٣٦٤.
ما ذهب إليه ابن جني والجرمي؛ هو ما ذهب إليه المؤلف في المغني، من أنَّ كلَّ واحد من هذه المرفوعات فاعل بفعل محذوف؛ ولا يجوز غير ذلك.
ويرى الجمهور أن كل واحد من هذه المرفوعات خبر مبتدأ محذوف؛ تقدير الكلام في الآية الأولى عندهم: الله خالقهم، وفي الآية الثانية: المسبّح له رجال، وفي البيت: الباكي ضارع ... ويجوز أن يقدر المرفوع فاعلا بفعل محذوف، دل عليه سابق الكلام، وأن يقدر خبر مبتدأ محذوف، لكن الأولى؛ تقديره فاعلا بفعل محذوف؛ لأن كون هذا المرفوع فاعلا؛ ثابت في القراءة الأخرى في: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ وفي رواية البيت الأخرى:
لِيَبْكِ يزيدَ ضارعٌ.
شرح التصريح: ١/ ٢٧٤، ومغني اللبيب: ٨٠٧.
٢ القائل: هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٤، ومجالس العلماء للزجاجي: ٢١، والجمل: ٢١٢، والإنصاف: ١٨٧، وشرح المفصل: ١/ ٣٢، ٨/ ٧٠، والعيني: ٢/ ٤٥٦، ومعجم البلدان: ١٣/ ٣٦٥، وديوان الفرزدق: ٣١٧.
المفردات الغريبة: طعنة: اسم مرة من الطعن، وهو الضرب بالرمح وغيره، عبيطات: جمع عبيطة، وهي القطعة من اللحم الطري غير النضيج، وعبط الذبيحة واعتبطها: نحرها وهي سمينة فتية من غير داء ولا كسر. السدائف: جمع سديف؛ وهو شحم السنام ونحوه مما غلب عليه السمن.
المعنى: كان لحصين بن أصرم قريب، مات قتلا، فحرم حصين على نفسه أكل اللحم الطري وشرب الخمر حتى يأخذ بثأر قريبه؛ فلما أدرك ثأره أحل لنفسه ما كان حرمه عليها من أكل اللحم الطري وشرب الخمر. =стр. 455
أي: "وحلت له الخمر"، لأن "أحلت" يستلزم "حلت"، أو فسره ما بعده، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١، والحذف في هذه واجب٢.
الحواشي
(١) = الإعراب: "غداة": متعلق بما قبله. أحلت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. طعنة: فاعل مرفوع. "لابن": متعلق بـ "أحل". أصرم: مضاف إليه ممنوع من الصرف. حصين: بدل من "ابن أصرم"؛ أو عطف بيان عليه. عبيطات: مفعول به لـ "أحل" منصوب، وعلامة نصبه الكسرة، وهو مضاف. السدائف: مضاف إليه. والخمر: "بالرفع" فاعل لفعل محذوف، يدل عليه "أحل" المتقدم، والتقدير: وحلت له الخمر؛ وجملة "حلت له الخمر": معطوفه على جملة "أحلت طعنة".
موطن الشاهد: "الخمر".
وجه الاستشهاد: مجيء "الخمر" فاعلا لفعل محذوف، يدل عليه الفعل السابق، ويستلزمه، وهو "أحلت"، كما ذكر المصنف؛ وروي هذا البيت بنصب "طعنة" على أنه مفعول به، وإن كان فعلا في المعنى، ورفع "عبيطات" على الفاعلية، والخمر بالعطف عليها؛ على حذ "خرق الثوب المسمار" ولكن زاد -هنا- تقديم المنصوب.
وقد حكى محمد بن سلام أن الكسائي سُئِلَ في حضرة يونس بن حبيب شيخ سيبويه عن توجيه رفع "الخمر" في هذا البيت، فقال الكسائي: يرتفع بإضمار فعل؛ أي: وحلت له الخمر، فقال يونس: ما أحسن -والله- توجيهك، غير أني سمعت الفرزدق يسنده بنصب "طعنة" ورفع "عبيطات" على جعل الفاعل مفعولا.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٤، والإنصاف في مسائل الخلاف: ١٨٧.
١ "٩" سورة التوبة، الآية: ٦.
موطن الشاهد: ﴿إِنْ أَحَدٌ ... اسْتَجَارَكَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أحد" فاعلا لفعل محذوف، يفسره "استجارك" المذكور؛ والتقدير: وإن استجارك أحد استجارك؛ والحذف من هذه الحالة واجب؛ لأن استجارك المذكور كالعوض من استجارك المحذوف؛ ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه، والمفسر والمفسر. وهناك أساليب أخرى، يجب فيها الحذف -أي حذف الفعل؛ نحو: الاختصاص، والتحذير، والإغراء، والمصدر النائب عن فعله، وسيأتي ذلك لاحقا. وانظر حاشية الصبان: ٢/ ٥٠.
٢ لأن استجارك المذكور كالعوض من "استجارك" المحذوف، ولا يجمع بين العوض والمعوَّض؛ فلذلك لم يجيزوا ذكر العامل في الاسم المرفوع بعد أداة الشرط ونحوها؛ وهذا الكلام إنما يجري على مذهب البصريين الذين لا يجيزون أن يقع بعد أداة الشرط جملة اسمية، فيكون المرفوع مبتدأً، خبره ما بعده؛ ولا يجوز عندهم أيضا أن يتقدم الفاعل على فعله حتى يكون "أحد" فاعلا باستجارك الذي بعده. =стр. 456
الخامس: أن فعله يوحد مع تثنيته وجمعه، كما يوجد مع إفراده، فكما تقول: "قام أخوك" كذلك تقول: "قام أخواك" و: "قام إخوتك" و: "قام نسوتك"، قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلان﴾ ١ ﴿وَقَالَ الظَّالِمُون﴾ ٢، ﴿وَقَالَ نِسْوَة﴾ ٣، وحكى البصريون على طيئ وبعضهم عن أزد شنوءة٤، نحو: "ضربوني قومك" و: "ضربتني نسوتك" و: "ضرباني أخواك"٥ قال٦: [السريع]
٢٠٦- ألفيتا عيناك عند القفا٧
الحواشي
(١) ١ "٥" سورة المائدة، الآية: ٢٣.
موطن الشاهد: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ .
وجه الاستشهاد: إفراد الفعل مع الفاعل المثنى، وحكم إفراد الفعل في هذه الحالة الوجوب.
٢ "٢٥" سورة الفرقان، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿قَالَ الظَّالِمُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: إفراد العمل مع الفاعل الجمع؛ وحكم إفراد الفعل هنا الوجوب.
٣ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٣٠.
موطن الشاهد: ﴿قَالَ نِسْوَةٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: إفراد الفعل مع الفاعل "نسوة"؛ وهو جمع؛ وحكم إفراده -كما في الآيتين السابقتين- الوجوب.
٤ بفتح الهمزة وسكون الزاي أو السين، قال في الصحاح: أزد: أبو حي من اليمن، وهو بالسين أفصح، يقال: أزد شنودة وأزد عمان وأزد السراة؛ واختلف في تسميته أزدا وأسدا، فقيل: لأنه كان كثير العطاء فقيل له ذلك؛ لكثرة من يقول: أسدى إلي كذا، أو أزدى إلي كذا؛ وقيل: لأنه كان كثير النكاح، والأزد والأسد النكاح، وشنوءة بفتح الشين المعجمة وضم النون وفتح الهمزة.
شرح التصريح: ١/ ٢٥٧.
٥ أي: بإلحاق علامة الجمع والتأنيث والتثنية بالفعل، ويعبر بعض النحويين عن هذه اللغة بلغة: أكلوني البراغيث؛ لأن البراغيث فاعل أكلوني.
٦ القائل هو: عمرو بن ملقط؛ شاعر جاهلي؛ ولم أعثر له على ترجمة وافية.
٧ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
أولى فأولى لك ذا واقية
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٧، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ٦٢، وأمالي ابن =стр. 457
وقال١: [المتقارب]
٢٠٧- يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل أهلي فكُلُّهُمُ ألْوَمُ٢
الحواشي
(١) = الشجري: "١/ ١٣٢، والخزانة: ٣/ ٦٣٣، والعيني: ٢/ ٤٥٨، ومغني اللبيب: "٦٩١/ ٤٨٥".
المفردات الغريبة: ألفيتا: وجدتا. أولى فأولى لك: كلمة تقال عند التهديد والوعيد؛ وهي. كما قال الأصمعي والمبرد -اسم فعل معناه: قاربك ما يهلكك. ذا: اسم بمعنى صاحب. واقية: مصدر بمعنى الوقاية، كالعافية.
المعنى: يصف الشاعر رجلا بالجبن والفرار من القتال، فيخاطبه قائلا: وجدت عيناك عند قفاك؛ من كثرة نظرك، والتفاتك الشديد إلى الخلف -وأنت فارٌّ- لتنظر الأعداء خشية أن يتبعوك، ثم يدعو عليه بنزول الكوارث، فيقول: حلت بك المصائب، وقاربك ما يهلكك.
الإعراب: ألفيتا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والألف: علامة التثنية. عيناك: نائب فاعل، ومضاف إليه. "عند": متعلق بـ "ألفيتا". القفا: مضاف إليه. أولى: مبتدأ: فأولى: معطوف عليه. "لك" خبر المبتدأ؛ ويجوك أن يكون "أولى": خبرا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: دعائي أولى. ذا: حال من الكاف في "عيناك". واقية: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ألفتيا عيناك".
وجه الاستشهاد: إلحاق ألف الاثنين بالفعل "ألفى" مع كونه مسندا إلى اسم ظاهر مثنى؛ وهو "عيناك"؛ وهذا الإلحاق على لغة جماعة من العرب بأعيانهم؛ واختلف العلماء في بيان أصحاب هذه اللغة، فبعضهم يذكر أنها لغة طيئ، وبعضهم يذكر أنها لغة أزد شنوءة، ومثل الشاهد السابق قول أحدهم:
نسيا حاتم وأوس لدن فا ... ضت عطاياك يابن عبد العزيز
فقد ألحق الشاعر ألف الاثنين بالفعل "نسي" المبني للمجهول. مع أن نائب الفاعل مذكور بعده، وفي هذا الشاهد والذي استشهد به المؤلف دلالة على أن شأن نائب الفاعل في هذه المسألة كشأن الفاعل. وانظر حاشية الصبان: ٢/ ٤٦-٤٧.
١ ينسب البيت إلى أمية بن أبي الصلت، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: صوب بعضهم إنشاد البيت هكذا:
يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل قومي فكلهم يَعدِلُ
وأنشدوا بعده:
وأهل الذي باع يلحونه ... كما لُحِيَ البائعُ الأوَّلُ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٦، والأشموني: "٣٥٩/ ١/ ١٧٠"، وابن عقيل =стр. 458
وقال١: [الطويل]
٢٠٨- نتج الربيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب٢
الحواشي
(١) = "١٤٣/ ٢/ ٨٢" وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٢، وشرح المفصل: ٣/ ٨٧، و٧/ ٧ والعيني: ٢/ ٤٦٠، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٣٣، والعيني: ٢/ ٤٦٠، ومغني اللبيب: "٦٧٩/ ٤٧٨"، وديوان أمية: ٤٨، وفيه برواية: فكلهم ألوم.
المفردات الغريبة: يلومونني: اللوم: العذل والتعنيف. يعذل: "العذل" اللوم. يلحونه: لحا يلحو مثل: دعا يدعو؛ فيقال: لحاه يلحوه؛ ولحاه يلحاه مثل: نهاه ينهاه؛ إذا لامه وعذله؛ فالمعاني السابقة متشابهة.
المعنى: يعتب علي أهلي، ويعنفونني لشراء النخيل، ولا حق لهم؛ فكلهم أكثر استحقاقا للوم.
الإعراب: يلومونني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ والواو: حرف دال على جماعة الذكور، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. "في اشتراء": متعلق بـ "يلوم". النخيل: مضاف إليه. أهلي: فاعل "يلوم". فكلهم: الفاء عاطفة. كلهم: مبتدأ، ومضاف إليه. يعذل: فعل مضارع، والفاعل: هو؛ وجملة "يعذل": في محل رفع خبر المبتدا.
موطن الشاهد: "يلومونني".
وجه الاستشهاد: اتصال واو الجماعة بالفعل، مع أن الفعل أسند إلى الاسم الظاهر المذكور؛ وهو "أهلي"؛ وهذا لغة طيئ، أو أزد شنوءة، كما أسلفنا؛ ومثل هذا الشاهد قول زيد بن معاوية:
يدورون بي في ظل كل كنيسة ... فينسونني قومي وأهوى الكنائسا
فوصل واو الجماعة بالفعل "ينسى" مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعده؛ وهو "قومي". وقول آخر:
نصروك قومي فاعتززت بنصرهم ... ولو أنهم خذلوك كنت ذليلا
فقد ألحق واو الجماعة بفعل "نصر" مع أن الفاعل مذكور بعده؛ وهو "قومي".
حاشية الصبان: ٢/ ٤٧.
١ القائل: هو أبو فراس الحمداني.
٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة للشاعر؛ ومعها قوله:
يا أيها الملك الذي ... أضحت له جمل المناقب
نتج الربيع محاسنا ... ألقحنها غير السحائب
راقت ورق نسيمها ... فحكت لنا صور الحبائب
=стр. 459
والصحيح أن الألف والواو والنون في ذلك أحرف دلوا بها على التثنية والجمع، كما دل الجميع١ بالتاء في نحو: "قامت" على التأنيث٢؛ لا أنها ضمائر الفاعلين وما بعدها مبتدأ على التقديم والتأخير أو تابع على الإبدال من الضمير، وأن هذه اللغة٣ لا تمتنع من المفردَيْن أو المفردات المتعاطفة، خلافا لزاعمي ذلك،
الحواشي
(١) = والبيت للتمثيل وليس للاستشهاد، وقد مثل به: التصريح: ١/ ٢٧٦، والعيني: ٢/ ٤٦٠، وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٢، وحاشية يس: ١/ ٢٧٦، والشذور: "٨٢/ ٢٣٣".
المفردات الغريبة: نتج: بالبناء للمعلوم، أو للمجهول، ويقال: نتجت الناقة، بالبناء للمجهول؛ إذا ولدت. الربيع: المراد هنا المطر الذي ينزل وقت الربيع. محاسنا: جمع لا واحد من لفظه مثل ملامح، وقيل جمع حسن على غير قياس. ألقحنها؛ الإلقاح: أصله الإيلاد، من أقلح الفحل الناقة إلقاحا: أحبلها، ثم استعير للشجر. غر: جمع غراء: أبي بيضاء. السحائب: جمع سحابة.
المعنى: أنبت المطر الذي ينزل في فصل الربيع نباتا حسنا، وكسا الأرض حلة ناضرة بوساطة تلك السحب الغراء، وما أنتجته من نبات حسن.
الإعراب: نتج: فعل ماضٍ. الربيع: فاعل؛ أو نائب فاعل، إذا عد "نتج" مبنيا للمجهول. محاسنا: مفعول به أول؛ أو ثان؛ لما أسلفنا. ألقحنها: فعل ماضٍ، والنون: علامة جمع النسوة، و"ها" مفعول به. غر: فاعل مرفوع. السحائب: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ألقحنها".
وجه الاستشهاد: وصل نون النسوة بالفعل "ألقح" مع أنه مسند إلى اسم ظاهر بعده، وهو "غر السحائب"؛ وإلى مثل هذا يشير الناظم بقوله:
"وقد يقال: سعدا وسعدوا ... والفعل للظاهر -بعد- مسندُ"
أي: جاء في بعض اللغات: "سعدا وسعدوا" بزيادة علامة التثنية والجمع على أنهما مجرد علامة، ليس أكثر، والفعل مسند إلى الفاعل الظهر بعده.
١ أي: جميع العرب.
٢ والجامع بينهما: الفرعية عن الغير، فالمثنى والجمع فرع الإفراد، والمؤنث فرع المذكر. والفرق بين الاثنين أن لحاق علامة التأنيث لغة جميع العرب، ويجب أحيانا. أما لحاق الثانية فلغة قوم، ولا يجب مطلقا.
شرح التصريح: ١/ ٢٧٦.
٣ هذا معطوف على قوله "والصحيح أن الألف والواو ... ". أي والصحيح أيضا أن هذه اللغة -وهي لحاق علامة التثنية والجمع- لا تمتنع مع المفردين -إلخ. وقوله "خلافا لزاعمي ذلك" أي في المسألتين، ورد على زاعمي الأول بقوله: "لقول الأئمة ... إلخ". وردَّ على زاعمي الثاني بقوله: "ولمجيء قوله -إلخ".стр. 460
لقول الأئمة: إن ذلك لغة لقوم معينين، وتقديم الخبر والإبدال لا يختصان بلغة قوم بأعيانهم، ولمجيء قوله١: [الطويل]
٢٠٩- وقد أسلماه مبعد وحميم٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك، من بني عامر بن لؤي، ولَقَبُ الرقيات أطلق عليه؛ لأنه كان يشبب بثلاث نسوة؛ كل واحدة منهن تسمى رقية، وهو شاعر مبدع، أكثر شعره في الغزل؛ وله مدائح جيدة في مصعب بن الزبير وأخيه عبد الله؛ وكان قد خرج معهما على بني أمية، ولما قتلا أمنه عبد الملك بن مروان، ومات سنة ٨٥هـ.
الشعر والشعراء: ١/ ٥٣٩، الجمحي: ٢/ ٦٤٧، الأغاني: ٤/ ١٥٤، واللآلي: ٢٩٤، والخزانة: ٣/ ٢٦٥.
تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
تولى قتال المارقين بنفسه
وهو من قصيدة يرثي فيها مصعب بن الزبير، وأولها قوله:
لقد أورث المصرين حزنا وذلة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٧، وابن عقيل: "١٤٢/ ٢/ ٨١" والأشموني: "٢٥٦/ ١/ ١٧٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤١، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٣٢، والعيني: ٢/ ٤٦١ والمغني: "٦٨١/ ٤٨١" "٦٩٢/ ٤٨٥" والشذور "٨١/ ٢٣٢" وديوان ابن الرقيات: ١٩٦.
المفردات الغريبة: المارقين: الخارجين عن الدين، أسلماه: خذلاه وأسلماه إلى أعدائه. مبعد: أجنبي بعيد الصلة. حميم: صديق أو قريب.
المعنى: لقد تولى مصعب بنفسه قتال الخارجين بالعراق على أخيه عبد الله بن الزبير، ولم يركن إلى غيره في ذلك، وقد تجشم المصاعب، وخذله البعيد والقريب؛ وأسلماه إلى عدوه.
الإعراب: تولى: فعل ماضٍ، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره هو؛ يعود إلى مصعب. قتال: مفعول به منصوب. المارقين: مضاف إليه. "بنفسه": متعلق بـ "تولى"؛ أو توكيد للفاعل، على زيادة الباء. وقد: الواو حالية، قد: حرف تحقيق. أسلماه: فعل ماضٍ، والألف: علامة التثنية، والهاء: مفعول به. مبعد: فاعل مرفوع. وحميم: الواو عاطفة، حميم: اسم معطوف على مبعد. وجملة "أسلماه مبعد وحميم": في محل نصب على الحال.
موطن الشاهد: "أسلماه مبعد وحميم".
وجه الاستشهاد: وصل الفعل بألف التثنية مع أن الفعل ظاهر، ومعطوف عليه؛ والقياس أن يقول: وقد أسلمه مبعد وحميم.следующие страницы →