Полный текст (1 155 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الخامس: أن فعله يوحد مع تثنيته وجمعه، كما يوجد مع إفراده، فكما تقول: "قام أخوك" كذلك تقول: "قام أخواك" و: "قام إخوتك" و: "قام نسوتك"، قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلان﴾ ١ ﴿وَقَالَ الظَّالِمُون﴾ ٢، ﴿وَقَالَ نِسْوَة﴾ ٣، وحكى البصريون على طيئ وبعضهم عن أزد شنوءة٤، نحو: "ضربوني قومك" و: "ضربتني نسوتك" و: "ضرباني أخواك"٥ قال٦: [السريع]
٢٠٦- ألفيتا عيناك عند القفا٧
الحواشي
(١) ١ "٥" سورة المائدة، الآية: ٢٣.
موطن الشاهد: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ .
وجه الاستشهاد: إفراد الفعل مع الفاعل المثنى، وحكم إفراد الفعل في هذه الحالة الوجوب.
٢ "٢٥" سورة الفرقان، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿قَالَ الظَّالِمُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: إفراد العمل مع الفاعل الجمع؛ وحكم إفراد الفعل هنا الوجوب.
٣ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٣٠.
موطن الشاهد: ﴿قَالَ نِسْوَةٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: إفراد الفعل مع الفاعل "نسوة"؛ وهو جمع؛ وحكم إفراده -كما في الآيتين السابقتين- الوجوب.
٤ بفتح الهمزة وسكون الزاي أو السين، قال في الصحاح: أزد: أبو حي من اليمن، وهو بالسين أفصح، يقال: أزد شنودة وأزد عمان وأزد السراة؛ واختلف في تسميته أزدا وأسدا، فقيل: لأنه كان كثير العطاء فقيل له ذلك؛ لكثرة من يقول: أسدى إلي كذا، أو أزدى إلي كذا؛ وقيل: لأنه كان كثير النكاح، والأزد والأسد النكاح، وشنوءة بفتح الشين المعجمة وضم النون وفتح الهمزة.
شرح التصريح: ١/ ٢٥٧.
٥ أي: بإلحاق علامة الجمع والتأنيث والتثنية بالفعل، ويعبر بعض النحويين عن هذه اللغة بلغة: أكلوني البراغيث؛ لأن البراغيث فاعل أكلوني.
٦ القائل هو: عمرو بن ملقط؛ شاعر جاهلي؛ ولم أعثر له على ترجمة وافية.
٧ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
أولى فأولى لك ذا واقية
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٧، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ٦٢، وأمالي ابن =стр. 457
وقال١: [المتقارب]
٢٠٧- يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل أهلي فكُلُّهُمُ ألْوَمُ٢
الحواشي
(١) = الشجري: "١/ ١٣٢، والخزانة: ٣/ ٦٣٣، والعيني: ٢/ ٤٥٨، ومغني اللبيب: "٦٩١/ ٤٨٥".
المفردات الغريبة: ألفيتا: وجدتا. أولى فأولى لك: كلمة تقال عند التهديد والوعيد؛ وهي. كما قال الأصمعي والمبرد -اسم فعل معناه: قاربك ما يهلكك. ذا: اسم بمعنى صاحب. واقية: مصدر بمعنى الوقاية، كالعافية.
المعنى: يصف الشاعر رجلا بالجبن والفرار من القتال، فيخاطبه قائلا: وجدت عيناك عند قفاك؛ من كثرة نظرك، والتفاتك الشديد إلى الخلف -وأنت فارٌّ- لتنظر الأعداء خشية أن يتبعوك، ثم يدعو عليه بنزول الكوارث، فيقول: حلت بك المصائب، وقاربك ما يهلكك.
الإعراب: ألفيتا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والألف: علامة التثنية. عيناك: نائب فاعل، ومضاف إليه. "عند": متعلق بـ "ألفيتا". القفا: مضاف إليه. أولى: مبتدأ: فأولى: معطوف عليه. "لك" خبر المبتدأ؛ ويجوك أن يكون "أولى": خبرا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: دعائي أولى. ذا: حال من الكاف في "عيناك". واقية: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ألفتيا عيناك".
وجه الاستشهاد: إلحاق ألف الاثنين بالفعل "ألفى" مع كونه مسندا إلى اسم ظاهر مثنى؛ وهو "عيناك"؛ وهذا الإلحاق على لغة جماعة من العرب بأعيانهم؛ واختلف العلماء في بيان أصحاب هذه اللغة، فبعضهم يذكر أنها لغة طيئ، وبعضهم يذكر أنها لغة أزد شنوءة، ومثل الشاهد السابق قول أحدهم:
نسيا حاتم وأوس لدن فا ... ضت عطاياك يابن عبد العزيز
فقد ألحق الشاعر ألف الاثنين بالفعل "نسي" المبني للمجهول. مع أن نائب الفاعل مذكور بعده، وفي هذا الشاهد والذي استشهد به المؤلف دلالة على أن شأن نائب الفاعل في هذه المسألة كشأن الفاعل. وانظر حاشية الصبان: ٢/ ٤٦-٤٧.
١ ينسب البيت إلى أمية بن أبي الصلت، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: صوب بعضهم إنشاد البيت هكذا:
يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل قومي فكلهم يَعدِلُ
وأنشدوا بعده:
وأهل الذي باع يلحونه ... كما لُحِيَ البائعُ الأوَّلُ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٦، والأشموني: "٣٥٩/ ١/ ١٧٠"، وابن عقيل =стр. 458
وقال١: [الطويل]
٢٠٨- نتج الربيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب٢
الحواشي
(١) = "١٤٣/ ٢/ ٨٢" وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٢، وشرح المفصل: ٣/ ٨٧، و٧/ ٧ والعيني: ٢/ ٤٦٠، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٣٣، والعيني: ٢/ ٤٦٠، ومغني اللبيب: "٦٧٩/ ٤٧٨"، وديوان أمية: ٤٨، وفيه برواية: فكلهم ألوم.
المفردات الغريبة: يلومونني: اللوم: العذل والتعنيف. يعذل: "العذل" اللوم. يلحونه: لحا يلحو مثل: دعا يدعو؛ فيقال: لحاه يلحوه؛ ولحاه يلحاه مثل: نهاه ينهاه؛ إذا لامه وعذله؛ فالمعاني السابقة متشابهة.
المعنى: يعتب علي أهلي، ويعنفونني لشراء النخيل، ولا حق لهم؛ فكلهم أكثر استحقاقا للوم.
الإعراب: يلومونني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ والواو: حرف دال على جماعة الذكور، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. "في اشتراء": متعلق بـ "يلوم". النخيل: مضاف إليه. أهلي: فاعل "يلوم". فكلهم: الفاء عاطفة. كلهم: مبتدأ، ومضاف إليه. يعذل: فعل مضارع، والفاعل: هو؛ وجملة "يعذل": في محل رفع خبر المبتدا.
موطن الشاهد: "يلومونني".
وجه الاستشهاد: اتصال واو الجماعة بالفعل، مع أن الفعل أسند إلى الاسم الظاهر المذكور؛ وهو "أهلي"؛ وهذا لغة طيئ، أو أزد شنوءة، كما أسلفنا؛ ومثل هذا الشاهد قول زيد بن معاوية:
يدورون بي في ظل كل كنيسة ... فينسونني قومي وأهوى الكنائسا
فوصل واو الجماعة بالفعل "ينسى" مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعده؛ وهو "قومي". وقول آخر:
نصروك قومي فاعتززت بنصرهم ... ولو أنهم خذلوك كنت ذليلا
فقد ألحق واو الجماعة بفعل "نصر" مع أن الفاعل مذكور بعده؛ وهو "قومي".
حاشية الصبان: ٢/ ٤٧.
١ القائل: هو أبو فراس الحمداني.
٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة للشاعر؛ ومعها قوله:
يا أيها الملك الذي ... أضحت له جمل المناقب
نتج الربيع محاسنا ... ألقحنها غير السحائب
راقت ورق نسيمها ... فحكت لنا صور الحبائب
=стр. 459
والصحيح أن الألف والواو والنون في ذلك أحرف دلوا بها على التثنية والجمع، كما دل الجميع١ بالتاء في نحو: "قامت" على التأنيث٢؛ لا أنها ضمائر الفاعلين وما بعدها مبتدأ على التقديم والتأخير أو تابع على الإبدال من الضمير، وأن هذه اللغة٣ لا تمتنع من المفردَيْن أو المفردات المتعاطفة، خلافا لزاعمي ذلك،
الحواشي
(١) = والبيت للتمثيل وليس للاستشهاد، وقد مثل به: التصريح: ١/ ٢٧٦، والعيني: ٢/ ٤٦٠، وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٢، وحاشية يس: ١/ ٢٧٦، والشذور: "٨٢/ ٢٣٣".
المفردات الغريبة: نتج: بالبناء للمعلوم، أو للمجهول، ويقال: نتجت الناقة، بالبناء للمجهول؛ إذا ولدت. الربيع: المراد هنا المطر الذي ينزل وقت الربيع. محاسنا: جمع لا واحد من لفظه مثل ملامح، وقيل جمع حسن على غير قياس. ألقحنها؛ الإلقاح: أصله الإيلاد، من أقلح الفحل الناقة إلقاحا: أحبلها، ثم استعير للشجر. غر: جمع غراء: أبي بيضاء. السحائب: جمع سحابة.
المعنى: أنبت المطر الذي ينزل في فصل الربيع نباتا حسنا، وكسا الأرض حلة ناضرة بوساطة تلك السحب الغراء، وما أنتجته من نبات حسن.
الإعراب: نتج: فعل ماضٍ. الربيع: فاعل؛ أو نائب فاعل، إذا عد "نتج" مبنيا للمجهول. محاسنا: مفعول به أول؛ أو ثان؛ لما أسلفنا. ألقحنها: فعل ماضٍ، والنون: علامة جمع النسوة، و"ها" مفعول به. غر: فاعل مرفوع. السحائب: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ألقحنها".
وجه الاستشهاد: وصل نون النسوة بالفعل "ألقح" مع أنه مسند إلى اسم ظاهر بعده، وهو "غر السحائب"؛ وإلى مثل هذا يشير الناظم بقوله:
"وقد يقال: سعدا وسعدوا ... والفعل للظاهر -بعد- مسندُ"
أي: جاء في بعض اللغات: "سعدا وسعدوا" بزيادة علامة التثنية والجمع على أنهما مجرد علامة، ليس أكثر، والفعل مسند إلى الفاعل الظهر بعده.
١ أي: جميع العرب.
٢ والجامع بينهما: الفرعية عن الغير، فالمثنى والجمع فرع الإفراد، والمؤنث فرع المذكر. والفرق بين الاثنين أن لحاق علامة التأنيث لغة جميع العرب، ويجب أحيانا. أما لحاق الثانية فلغة قوم، ولا يجب مطلقا.
شرح التصريح: ١/ ٢٧٦.
٣ هذا معطوف على قوله "والصحيح أن الألف والواو ... ". أي والصحيح أيضا أن هذه اللغة -وهي لحاق علامة التثنية والجمع- لا تمتنع مع المفردين -إلخ. وقوله "خلافا لزاعمي ذلك" أي في المسألتين، ورد على زاعمي الأول بقوله: "لقول الأئمة ... إلخ". وردَّ على زاعمي الثاني بقوله: "ولمجيء قوله -إلخ".стр. 460
لقول الأئمة: إن ذلك لغة لقوم معينين، وتقديم الخبر والإبدال لا يختصان بلغة قوم بأعيانهم، ولمجيء قوله١: [الطويل]
٢٠٩- وقد أسلماه مبعد وحميم٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك، من بني عامر بن لؤي، ولَقَبُ الرقيات أطلق عليه؛ لأنه كان يشبب بثلاث نسوة؛ كل واحدة منهن تسمى رقية، وهو شاعر مبدع، أكثر شعره في الغزل؛ وله مدائح جيدة في مصعب بن الزبير وأخيه عبد الله؛ وكان قد خرج معهما على بني أمية، ولما قتلا أمنه عبد الملك بن مروان، ومات سنة ٨٥هـ.
الشعر والشعراء: ١/ ٥٣٩، الجمحي: ٢/ ٦٤٧، الأغاني: ٤/ ١٥٤، واللآلي: ٢٩٤، والخزانة: ٣/ ٢٦٥.
تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
تولى قتال المارقين بنفسه
وهو من قصيدة يرثي فيها مصعب بن الزبير، وأولها قوله:
لقد أورث المصرين حزنا وذلة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٧، وابن عقيل: "١٤٢/ ٢/ ٨١" والأشموني: "٢٥٦/ ١/ ١٧٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤١، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٣٢، والعيني: ٢/ ٤٦١ والمغني: "٦٨١/ ٤٨١" "٦٩٢/ ٤٨٥" والشذور "٨١/ ٢٣٢" وديوان ابن الرقيات: ١٩٦.
المفردات الغريبة: المارقين: الخارجين عن الدين، أسلماه: خذلاه وأسلماه إلى أعدائه. مبعد: أجنبي بعيد الصلة. حميم: صديق أو قريب.
المعنى: لقد تولى مصعب بنفسه قتال الخارجين بالعراق على أخيه عبد الله بن الزبير، ولم يركن إلى غيره في ذلك، وقد تجشم المصاعب، وخذله البعيد والقريب؛ وأسلماه إلى عدوه.
الإعراب: تولى: فعل ماضٍ، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره هو؛ يعود إلى مصعب. قتال: مفعول به منصوب. المارقين: مضاف إليه. "بنفسه": متعلق بـ "تولى"؛ أو توكيد للفاعل، على زيادة الباء. وقد: الواو حالية، قد: حرف تحقيق. أسلماه: فعل ماضٍ، والألف: علامة التثنية، والهاء: مفعول به. مبعد: فاعل مرفوع. وحميم: الواو عاطفة، حميم: اسم معطوف على مبعد. وجملة "أسلماه مبعد وحميم": في محل نصب على الحال.
موطن الشاهد: "أسلماه مبعد وحميم".
وجه الاستشهاد: وصل الفعل بألف التثنية مع أن الفعل ظاهر، ومعطوف عليه؛ والقياس أن يقول: وقد أسلمه مبعد وحميم.стр. 461
وقوله١: [الوافر]
٢١٠- وإن كانا له نسب وخير٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو عروة بن الورد العبسي، المشهور بعروة الصعاليك؛ لعطفه عليهم، واحتضانهم، وقوله فيهم شعرا كثيرا، وأشهره: الأصمعية العاشرة من الأصمعيات، وعروة جاهلي جواد فارس. الشعر والشعراء: ٢/ ٢٧٥، الأغاني: ٢/ ١٨٤، الخزانة: ٤/ ١٩٤.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
وأحقرهم وأهونهم عليهم
وقبل البيت الشاهد قوله:
ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٧، والعيني: ٢/ ٤٦٣، والبيان والتبيين: ١/ ٢٣٤، وليس في ديوان عروة بن الورد.
المفردات الغريبة: ذريني: دعيني واتركيني. خِير "بكسر الخاء" كرم أو شرف، أو هيئة، أو أصل.
المعنى: يقول للائمته: ارتكيني أسعى وأجد في تحصيل الغنى والمال؛ فإنني رأيت الفقير شر الناس وأذلهم، وأحقرهم شأنا، وأهونهم عليهم؛ لأجل فقره، وإن كان شريف الأصل، حسن الأخلاق، كريم السجايا.
الإعراب: وأحقرهم: الواو عاطفة. أحقر: معطوف على شر، في البيت السابق، وهو مضاف، و"هم" مضاف إليه. وأهونهم: معطوف على "شر" أيضا، و"هم" مضاف إليه. "عليهم": متعلق بـ "أهون". وإن: الواو عاطفة، والمعطوف عليه محذوف؛ والتقدير: إن لم يكن له نسب وخير وإن كانا له نسب وخير؛ والمعنى: أنه كذلك على كل حال. إن: شرطية جازمة. كانا: فعل ماضٍ ناقص؛ وهو فعل الشرط في محل جزم؛ والألف: حرف دال على التثنية. "له": متعلق بمحذوف خبر كان المتقدم على اسمه. نسب: اسم كان مؤخر مرفوع. وخير: معطوف على نسب؛ وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة سابق الكلام عليه.
موطن الشاهد: "كانا له نسب وخير".
وجه الاستشهاد: إلحاق علامة التثنية "الألف" بالفعل الناقص "كان" مع أنه مسند إلى اثنين عطف أحدهما على الآخر؛ وفي هذا دلالة على أن من يلحق بالفعل علامة التثنية وعلامة الجمع، لا يفرق بين أن يكون الفاعل مثنى كالزيدين والعمرين، أو أن يكون في معنى المثنى بأن يكون اسمين مفردين، عطف أحدهما على الآخر.стр. 462
السادس: أنه إن كان مؤنثا أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي١، وبتاء المضارعة في أول المضارع.
[إذا كان الفاعل مؤنثا أنث فعله] :
ويجب ذلك في مسألتين:
إحداهما: أن يكون ضمير متصلا٢، كـ: "هند قامت" أو: تقوم"، و: "الشمس طلعت" أو: "تطلع" بخلاف المنفصل نحو: "ما قام، أو يقوم، إلا هي" ويجوز تركها في الشعر إن كان التأنيث مجازيا، كقوله٣: [المتقارب]
٢١١- ولا أرضَ أبقلَ إبقالَها٤
الحواشي
(١) ١ سواء أكان جامدا أم منصرفا تاما أم ناقصا، وسواء في ذلك التأنيث الحقيقي أو المجازي.
٢ أي مستترا، عائدا على مؤنث حقيقي التأنيث أو مجازيه. وقد مثل لهما المصنف. وإنما وجب التأنيث في هذا؛ لئلا يتوهم أن هنالك فاعلا مذكرا منتظرا، كأن يقال: هند قام أبوها والشمس طلع قرنها.
٣ القائل: هو عامر بن جوين بن عبد رضاء بن قمران الطائي، أحد بني جرم من طيئ، كان سيدا شاعرا فارسا شريفا، قيل: هو من معمري العرب وأنه عاش مائتي سنة. خزانة الأدب: ١/ ٥٣، والمعمرين: ٤١.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
فلا مزنة ودقت ودقها
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٨، وابن عقيل: "١٤٦/ ٢/ ٩٢"؛ والأشموني: "٣٦٩/ ١/ ١٧٤" والكتاب: ١/ ٢٤٠، والخصائص: ٢/ ٤١١، والمحتسب: ٢/ ١١٢، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٥٨، ١/ ١٦١، وشرح المفصل: ٥/ ٩٤، والمقرب: ٦٦، والخزانة: ٢١، ٣/ ٣٣٠، والعيني: ٢/ ٢٦٤ والهمع: ٢/ ١٧١، والدرر: ٢/ ٢٢٤، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ٣٢، ومغني اللبيب: "١١٥/ ٨٦٠" "١١٣٠/ ٨٧٩". =стр. 463
وقوله١: [المتقارب]
٢١٢- فإن الحوادث أودى بها٢
الحواشي
(١) = المفردات الغريبة: مزنة: هي السحابة البيضاء المثقلة بالماء، ودقت: أمطرت. الودق: المطر. أبقل: أنبت البقل، والبقل: ما نبت في بذرة لا في أرومة ثابتة.
المعنى: ليس هنالك سحابة أمطرت مطرا غزيرا نافعا كهذه السحابة، وليست هنالك أرض أنبتت بقلا عظيما كهذه الأرض.
الإعراب: لا: نافية تعمل عمل ليس. مزنة: اسمها مرفوع. ودقت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. والفاعل: هي. ودقها: مفعول مطلق لـ "ودقت"؛ والجملة: خبر "لا"؛ ويجوز عد "لا" مهملة، ومزنة: مبتدأ، والجملة: خبره. ولا: الواو عاطفة، لا: نافية عاملة عمل "إن". أرض: اسمها: وجملة "أبقل إبقالها": في محل رفع خبر "إن".
موطن الشاهد: "ولا أرض أبقل".
وجه الاستشهاد: حذف تاء التأنيث من الفعل "أبقل" المسند إلى فاعله المضمر العائد إلى اسم مجازي وروي البيت على وجه آخر: ولا أرض أبقلت أبقالها؛ بكسر التاء للتخلص من الساكنين، ووصل همزة القطع من إبقالها، وهو تخلص من ضرورة، للوقوع في أخرى، كما بين المؤلف.
ومن العلماء من خرج البيت تخريجا آخر، وهو أن الشاعر أتى بالضمير العائد إلى الأرض مذكرا؛ لأنه أراد بالضمير المكان؛ فهو من الحمل على المعنى؛ ولهذا نظائرُ كثيرةٌ في الشعر، نحو قول عروة بن حزام:
وعفراء أرجى الناس عندي مؤدة ... وعفراء عني المعرض المتداني
ففي قوله: "عفراء المعرض المتداني"؛ ذكر الخبر، مع أن المبتدأ مؤنث؛ لأنه أراد شخص عفراء. وذهب ابن كيسان إلى جواز التذكير والتأنيث في الفعل المسند إلى ضمير مؤنث مجازي التأنيث؛ فكما يجوز في الفعل المسند الاسم الظاهر المجازي التأنيث تذكير الفعل وتأنيثه، فإنه يجوز مع المضمر، لأنه لا فرق بين المضمر والمظهر. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٥٣-٥٤. والدرر اللوامع: ٢/ ٢٢٤-٢٢٥.
١ القائل: هو الأعشى ميمون بن قيس؛ وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
فإما تريني ولي لمة
وهو من قصيدة يمدح فيها رهط قيس بن معديكرب الكندي ويزيد بن عبد الدار الحارثي. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٨، والأشموني: "٣٦٨/ ١/ ١٧٤" والكتاب: ١/ ٢٣٩، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٤٥، والإنصاف: ١/ ٤٦٤، وشرح =стр. 464
والثانية: أن يكون متصلا حقيقي التأنيث نحو: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ ١ وشذ قول بعضهم٢: "قال فلانة" وهو رديء لا ينقاس.
الحواشي
(١) = المفصل: ٥/ ٩٥، ٩/ ٦، ٩/ ٤١، والخزانة: ٤/ ٥٧٨، والعيني: ٢/ ٤٦٦، ٤/ ٣٢٧، وديوان الأعشى برواية: ألوى بها.
المفردات الغريبة: لمة: هي شعر الرأس الذي يجاوز شحمة الأذن؛ فإذا زاد عن ذلك، وبلغ المنكبين فهو جمة. الحوادث: النوازل والكوارث، جمع حادثة. أودى بها: ذهب بها، وأهلكها، وأبادها.
المعنى: يخاطب محبوبته قائلا: إذا كانت ترين فيما مضى من شبابي لمة تنزل إلى أذني؛ فلا تعجبي اليوم من منظري؛ لأن حوادث الدهر وكوارثه؛ ذهبت بها وأزالتها؛ ولعله يريد: أنه أصبح أصلع الرأس؛ وذلك من دلالات التقدم في السن، والضعف بعد القوة.
الإعراب: إما: إن الشرطية مدغمة في "ما" الزائدة. تريني: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون: للوقاية، والياء: فاعل، والياء الثانية: مفعول به، ورأى -هنا- بصرية تتعدى إلى واحد. ولي: الواو حالية، "لي": متعلق بخبر مقدم. لمة: مبتدأ مؤخر. فإن: الفاء واقعة في جواب الشرط، إن: حرف مشبه بالفعل. الحوادث: اسمه. أودى: فعل ماضٍ وفاعله: ضمير مستتر يعود إلى الحوادث، وجملة "أودى بها": في محل رفع خبر "إن"؛ وجملة "إن الحوادث أودى بها": في محل جزم جواب الشرط.
موطن الشاهد: "الحوادث أودى بها".
وجه الاستشهاد: تجريد فعل أودى" من علامة التأنيث؛ وحكم هذا التجريد الضرورة الشعرية؛ لأنه مسند إلى ضمير مستتر عائد إلى مؤنث مجازي، وهو "الحوادث"؛ والذي سوغ ذلك كون "الحوادث مجازي التأنيث.
ولا يقال في هذا البيت: إنه لا ضرورة فيه؛ لأنه لو قال: أودت بها؛ لاستقام الوزن؛ لأن القافية مؤسسة، والألف في أودى ملتزمة في أبيات القصيدة، وتسمى عند العروضيين: "حرف الردف" وتركها في بعض الأبيات عيب غير مقبول. انظر شرح العيني في ذيل حاشية الصبان: ٢/ ٥٣.
١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ٣٥.
موطن الشاهد: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ﴾ .
وجه الاستشهاد: اتصال علامة التأنيث بالفعل "قال"؛ لأن فاعله مؤنث حقيقي التأنيث ولم يفصل بينهما فاصل؛ وحكم تأنيث الفعل في هذه الحالة الوجوب.
٢ هو قول بعض العرب حكاه سيبويه، وفلانة: ليس دالا على مؤنث، كفاطمة وزينب ... إلخ ولكنه يدل على لفظ مؤنث.стр. 465
وإنما جاز في الفصيح نحو: "نعم المرأة" و: "بئس المرأة" لأن المراد الجنس، وسيأتي أن الجنس يجوز فيه ذلك.
[جواز التأنيث والتذكير] :
ويجوز الوجهان في مسألتين: إحداهما: المنفصل١، كقوله٢: [الوافر]
٢١٣- لقد ولد الأخيطلَ أمُّ سُوءٍ٣
الحواشي
(١) ١ أي المؤنث الحقيقي الظاهر، المنفصل من فعله بفاصل.
٢ هو: جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
على باب استها صُلُبٌ وشَامُ
وهو في هجاء الأخطل التغلبي النصراني.
وهو من شواهد: التصريح: "١/ ٢٧٩، والأشموني: "٣٦٤/ ١/ ١٧٣"، والمقتضب: ٢/ ١٤٨، ٣/ ٣٤٩ والخصائص: ٢/ ٤١٤، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٥٥، والإنصاف: ١/ ١٧٥، وشرح المفصل: ٥/ ٩٢، والعيني: ٢/ ٤٦٨، وديوان جرير: ٥١٥.
المفردات الغريبة: الأخيطل: تصغير الأخطل الشاعر واسمه: غياث بن غوث. استها: دبرها: صلب: جمع صليب وهو للنصارى. شام: جمع شامة، وهو الخال والعلامة.
المعنى: إن من وَلَدَ الأخطلَ امرأةٌ سيئة، لم تتحصن بالعفة؛ فهو سليل الفجور.
الإعراب: لقد: اللام موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق. ولد: فعل ماضٍ، الأخيطل: مفعول به تقدم على الفاعل. أم: فاعل مرفوع. سوء: مضاف إليه. "على باب": متعلق بخبر مقدم محذوف. استها: مضاف إليه، و"ها": مضاف إليه. صلب: مبتدأ مؤخر. وشام: معطوف عليه مرفوع.
موطن الشاهد: "ولد الأخيطل أم".
وجه الاستشهاد: تجرد فعل "ولد" من علامة التأنيث، على الرغم من أن فاعله مؤنث حقيقي التأنيث؛ لأنه فصل بينهما بالمفعول به المتقدم على الفاعل "أم"؛ وحكم هذا التجرد الجواز؛ لأنه لما فصل بين الفعل وفاعله، بَعُدَ الفعل بالفصل عن فاعله، وضعفت عنايته به؛ غير أن الاقتران في هذه الحالة أفضل من التجرد؛ ومثل هذا الشاهد؛ قول الشاعر:
إنَّ امرأً غره منكنَّ واحدةٌ ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
غير أن الفصل -هنا- بالجار والمجرور؛ وإن كان الحكم واحدا.стр. 466
وقولهم: "حضر القاضي اليوم امرأة" والتأنيث أكثر، إلا إن كان الفاصل "إلا" فالتأنيث خاص بالشعر١، نص عليه الأخفش، وأنشد على التأنيث٢: [الرجز]
٢١٤- ما برئت من ريبة وذم ... في حربنا إلا بنات العم٣
وجوزه ابن مالك في النثر، وقرئ: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ"٤، "فَأَصْبَحُوا لا
الحواشي
(١) ١ التخصيص بالشعر مذهب الجمهور. ومثل "إلا" في الفصل: غير أو سوى، وإن كان مذكرا لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، ويلاحظ أن لفظ "غير" أو "سوى" هو الذي يعرب فاعلا.
٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٩، والأشموني: "٣١٦/ ١/ ١٧٤"، والعيني: ٢/ ٤٧١، والهمع: ٢/ ٢٧١، والدرر: ٢/ ٢٢٦، والشذور: "٨٠/ ٢٣١".
المفردات الغريبة: برئت: تخلصت وسلمت. ريبة: هي التهمة والشك. ذم: عيب.
المعنى: لم تسلم امرأة من التهمة والشك والعيب في حربنا إلا بنات الأعمام.
الإعراب: ما: نافية. برئت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. "من ريبة": متعلق بـ "برئت". وذم: معطوف على ريبة. "في حربنا": متعلق بـ "برئت". إلا: أداة حصر؛ أو حرف استثناء ملغى. بنات: فاعل مرفوع، وهو مضاف. العم: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ما برئت إلا بنات العم".
وجه الاستشهاد: لحقت تاء التأنيث فعل "برئ"؛ لأن الفاعل حقيقي التأنيث، مع وجود الفصل بـ "إلا"؛ وحكم حذف التاء واجب في هذه الحالة؛ لأن الفاعل في الحقيقة، ليس الاسم المؤنث المذكور بعد "إلا"، وإنما هو مذكر محذوف؛ والتقدير: ما برئ أحد إلا بنات العم؛ وهذا رأي الأخفش ومن تبعه؛ وحكم لحوق التاء -على رأيهم- الجواز للضرورة الشعرية؛ وجوَّز ابن مالك تأنيث الفعل مع الفصل بـ "إلا" على قلة؛ حيث قال: "والصحيح جوازه في النثر أيضا" وأشار إلى هذا، بقوله:
والحذف معْ فصلٍ بـ "إلا" أفضلا ... كما زكا إلا فتاةُ ابنِ العَلا
فلفظه "أفضلا" تفيد جواز عدم الحذف، غير أن الحذف أرجح.
وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٩-٢٨٠، وحاشية الصبان: ٢/ ٥٣.
٤ "٣٦" سورة يس، الآية: ٢٩.
أوجه القراءات: قرأ أبو جعفر وشيبة ومعاذ بن الحارث والأعرج "صيحة" بالرفع. وقرأ الباقون بالنصب.
توجيه قراءة الرفع: في قراءة الرفع تقدير ضمير في "كانت"؛ والتقدير: إن كانت عقوبتهم أو بليتهم إلا صيحة، أو نحو ذلك، الإتحاف: ٢٦٤، البحر المحيط: ٧/ ٣٣٢، ومعاني القرآن: ٢/ ٣٧٥.
موطن الشاهد: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ".
وجه الاستشهاد: مجيء "صيحة" مرفوعة بـ "كان"؛ وفي هذه القراءة دليل على جواز تأنيث الفعل إذا فعل بينه وبين فاعله أو ما يقوم مقام الفاعل بـ "إلا".стр. 467
تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ"١.
الثانية: المجازي التأنيث، نحو: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ٢، ومنه٣ اسم الجنس، واسم الجمع، والجمع٤؛ لأنهن في معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، فلذلك جاز التأنيث، نحو: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ٥، و: ﴿قَالَتِ
الحواشي
(١) ١ "٤٦" سورة الأحقاف، الآية: ٢٥.
أوجه القراءات:
أوجه القراءات: قرأ مالك بن دينار والحسن وأبو رجاء وعاصم والأعمش وجماعة من التابعين: "لا تُرَى إلا مساكنهم"؛ وقرأ أهل الحرمين، وأبو عمر، والكسائي، وابن كثير، ونافع، وأبو جعفر، ومجاهد، وعلي: "لا تَرَى إلا مساكنهم"؛ وقرأ الأعمش وحمزة، وابن مسعود: ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ .
موطن الشاهد: "لا تُرَى إلا مساكنهم" وإعراب القرآن للنحاس: ٣/ ١٥٧، ومعاني القرآن: ٢/ ٥٥ وقرأ الأزرق وورش: "لا تَرَى إلا مسكنهم". اتحاف الفضلاء: ٣٩٢.
وجه الاستشهاد: مجيء "ترى" مبنيا للمجهول؛ على هذه القراءة، ومساكنهم نائب فاعل؛ والحكم كما في الآية السابقة؛ وقراءة هذه الآية وقراءة الآية السابقة المستشهد بهما، ليستا سببيتين.
٢ "٧٥" سورة القيامة: ٩.
موطن الشاهد: ﴿جُمِعَ الْشَمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ .
وجه الاستشهاد: تذكير الفعل مع المؤنث المجازي، وذلك جائز؛ وفي غير القرآن، يجوز: "وجمعت الشمس".
٣ أي: من مجازي التأنيث.
٤ المراد جمع التكسير؛ لأن جمع المذكر السالم، يجب تذكير فعله، كما أن جمع المؤنث السالم المستوفي للشروط؛ يجب تأنيث فعله على الصحيح.
٥ "٢٦" سورة الشعراء، الآية: ١٠٥,
موطن الشاهد: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: أنت الفعل "كذب" لأن فاعله أتى اسم جمع مذكر؛ فهو يلحق بمجازي التأنيث وحكم التأنيث هنا الجواز.стр. 468
الْأَعْرَابُ﴾ ١، و: "أورقت الشجر"، والتذكير نحو: "أورق الشجر" ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُك﴾ ٢، ﴿وَقَالَ نِسْوَة﴾ ٣، و: "قام الرجال"، و: "جاء الهنود" إلا أن سلامة نظم الواحد في جمعي التصحيح أوجبت التذكير في نحو: "قام الزيدون" والتأنيث في نحو: "قامت الهندات"، خلافا للكوفيين فيهما، وللفارسي في المؤنث، واحتجوا بنحو: ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ٤، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ ٥، وقوله٦: [الكامل]
الحواشي
(١) ١ "٤٩" سورة الحجرات، الآية: ١٤.
موطن الشاهد: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ .
وجه الاستشهاد: أنت الفعل مع "الأعراب" وهو جمع تكسير؛ وحكم التأنيث؛ -هنا- الجواز.
٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ٦٦.
موطن الشاهد: ﴿كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ .
وجه الاستشهاد: تذكير الفعل مع "قوم" وهو اسم جمع مذكر؛ وحكم تذكيره الجواز.
٣ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٣٠.
موطن الشاهد: ﴿قَالَ نِسْوَةُ﴾ .
وجه الاستشهاد: تذكير الفعل مع اسم الجمع المؤنث؛ وحكم هذا التذكير الجواز.
٤ "٨" سورة يونس، الآية: ٩٠.
وجه الاستشهاد: موطن الشاهد: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائيلَ﴾ .
وجه الاستشهاد: "تأنيث الفعل مع جمع تصحيح المذكر؛ وأجاب المؤلف بأن هذا الجمع لم يسلم فيه لفظ الواحد، بل تغير شكله؛ لأن الأصل "بنو" فحذفت لامه؛ وزيد عليه واو ونون في التذكير وألف وتاء في التأنيث.
٥ "٦٠" سورة الممتحنة، الآية: ١٢.
موطن الشاهد: ﴿جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ .
وجه الاستشهاد: تذكير الفعل مع الفاعل المؤنث؛ وأجيب بأن التذكير هنا للفصل، أو لأن الأصل: النساء المؤمنات، أو لأن "إلا" مقدرة باللاتي وهي اسم جمع، كما في المتن.
٦ القائل: هو عبدة بن الطيبب، أحد بني عبد شمس بن كعب بن سعد من تميم، شاعر مخضرم أدرك الإسلام وأسلم، وشهد مع المثنى بن حارثة قتال هرمز؛ وله في ذلك مواقف مشهورة. له شعر حسن، منه وصيته لبنيه حين أَسَنَّ ورابه بصره، وهي من أغلى الوصايا وأعلاها ذكرها صاحب المفضليات برقم "٢٧".
الشعر والشعراء: ٢/ ٧٢٧، واللآلي: ٦٩، والأغاني: ١٨/ ١٦٣، والإصابة: ٥١/ ١٠١.стр. 469
٢١٥- فبكى بناتي شجوَهُنَّ وزوجتي١
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
والظاعنون إليَّ ثم تصدَّعوا
وهو من قصيدة رواها المفضل الضبي، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٠، وفيه برواية: والطامعون إليَّ. والأشموني: "٢٧٠/ ١/ ١٧٥"، والعيني:٤/ ٤٧٢، والمفضليات: ١٤٨، والخصائص: ٣/ ٢٩٥، ومجالس العلماء للزجاجي: ١٩٥.
المفردات الغريبة: شجوهن، الشجو: الحزن والهم -من شجاه الأمر يشجوه- إذا أحزنه. زوجتي؛ الأفصح أن يقال: زوج للرجل والأنثى، وجمعه أزواج، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ . تصدعوا: تفرقوا وانشعب شملهم.
المعنى: إن بناتي بكين علي من الحزن، وكذلك زوجي، والذين وفدوا علينا؛ ليشاركونا أحزاننا وهمومنا من المحبين، ثم انصرفوا بعد ذلك، وتفرقوا إلى شئونهم.
الإعراب: بكى: فعل ماضٍٍ. بناتي: فاعل ومضاف إليه. شجوهن: مفعول لأجله، ومضاف إليه. وزوجتي: معطوف على بناتي، ومضاف إليه. والظاعنون: معطوف على بناتي. "إلي": متعلق بـ "الظاعنون". ثم: حرف عطف. تصدعوا: فعل ماضٍٍ، والواو: فاعل؛ وجملة "تصدعوا": معطوفة على جملة "بكى بناتي": لا محل لها.
موطن الشاهد: "بكى بناتي".
وجه الاستشهاد: مجيء فعل بكى مجردا من التاء الدالة على التأنيث مع أن المسند إليه -الفاعل- بناتي أتى جمع مؤنث سالما؛ وبهذا وأمثاله احتج الكوفيون وأبو علي الفارسي على جواز تذكير الفعل مع جمع المؤنث؛ وخالفهم البصريون، وردوا عليهم بأن "بنات" وإن كان جمع مؤنث سالما؛ فقد أشبه جمع التكسير في عدم سلامة لفظ مفرده -كما أسلفنا- فلما أشبه جمع التكسير؛ في هذا، أخذ حكمه، كما أن "بني" لما لم يسلم فيه لفظ مفرده، أشبه جمع التكسير؛ فلما أشبهه في هذا، أخذ حكمه، وساغ دخول تاء التأنيث في فعله في الآية الكريمة: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ .
هذا وفي البيت شاهد آخر على مجيء "شجوهن" مفعولا لأجله؛ وهو معرفة؛ لأنه مصدر أضيف إلى الضمير خلافا للجرمي الذي زعم أن المفعول لأجله لا يكون إلا نكرة. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٠.стр. 470
وأجيب بأن البنين والبنات لم يسلم فيهما لفظ الواحد١، وبأن التذكير في ﴿جَاءَكَ﴾ للفصل، أو لأن الأصل النساء المؤمنات، أو لأن "أل" مقدرة باللاتي، وهي اسم جمع.
السابع: أن الأصل فيه أن يتصل بفعله ثم يجيء المفعول، وقد يعكس، وقد يتقدمهما المفعول، وكل من ذلك جائز وواجب.
[الأصل تقدم الفاعل على المفعول] :
فأما جواز الأصل فنحو: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ ٢.
[وجوب تقدم الفاعل على المفعول] :
وأما وجوبه ففي مسألتين:
إحداهما: أن يخشى اللبس٣، كـ: "ضرب موسى عيسى" قاله أبو
الحواشي
(١) ١ أي: بل تغير شكله؛ إذ الأصل "بنو" فحذفت لامه وزيد عليه واو ونون في التذكير، وألف وتاء في التأنيث. والكلام في الجمعين إذا لم يحدث فيهما تغيير. أما ما تغير منهما كبنين وبنات فيجوز فيهما الوجهان اتفاقا.
هذا: ولم يذكر المصنف ولا الناظم حكم إسناد الفعل إلى المثنى، وحكمه حكم المفرد؛ فإن كان لمذكر وجب تذكير الفعل، نحو: قال المحمدان، وإن كان لمؤنث وجب التأنيث، تقول: قامت الهندان.
شرح التصريح: ١/ ٢٨٠، ٢٨١.
٢ "٢٧" سورة النمل، الآية: ١٦.
موطن الشاهد: ﴿وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الفاعل متصلا بالفعل ثم وليه المفعول به؛ وحكم هذا التقدم الجواز على الأصل.
٣ فلا يمكن تمييز الفاعل من المفعول، وذلك كأن يكون كل منهما اسما مقصورا كما مثل المصنف، أو مضافا إلى ياء المتكلم، نحو: أكرَمَ صديقي أخي، وكذلك المبنيات وأسماء الإشارة، وليست هنالك قرينة تعين المراد، وتميز الفاعل من المفعول، فإن وجدت قرينة لفظية أو معنوية لم يكن الترتيب واجبا، فاللفظية مثل: أكرمت يحيى ليلى، والمعنوية مثل: أزعجت ليلى الحمى.стр. 471
بكر١ والمتأخرون كالجزولي٢ وابن عصفور وابن مالك٣، وخالفهم٤ ابن الحاج٥ محتجا بأن العرب تجيز تصغير عمر وعمرو، وبأن الإجمال من مقاصده العقلاء، وبأنه يجوز: "ضرب أحدهما الآخر" وبأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز عقلا باتفاق وشرعا على الأصح، وبأن الزجاج نقل أنه لا خلاف في أنه يجوز في نحو: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ ٦، كون "تلك" اسمها، و: "دعواهم" الخبر، والعكس٧.
الحواشي
(١) ١ هو: محمد بن السري، المعروف بابن السراج، وقد مرت ترجمته.
٢ هو: أبو موسى، عيسى بن عبد العزيز الجزولي -جزولة بطن من البربر- كان إماما في العربية مع جودة التفهم وحسن العبارة، لزم ابن بري بمصر لما حج وعاد، وتصدر للإقراء بالمرية "بلد بالأندلس" وغيرها، أخذ عنه العربية جماعة منهم الشلوبين وابن معطٍ، له حواشٍ على الجمل للزجاجي، وكتاب القانون في النحو، مات سنة ٦٠٧، وقيل ٦٦٧ هـ.
البلغة: ١٧٩، بغية الوعاة: ٢/ ٢٣٦، إنباه الرواة: ٢/ ٣٧٨، وفيات الأعيان: ١/ ٣٩٤.
٣ مرت ترجمة لكل منهما.
٤ وذلك في نقده على المقرب لابن عصفور، فقال: لا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية. شرح التصريح: ١/ ٢٨١.
٥ هو أبو العباس: أحمد بن محمد بن أحمد الأزدي الإشبيلي، كان عالما بالعربية حافظا للغات قيل إنه برع في لسان العرب حتى لم يكن في زمنه من يفوقه أو يدانيه، قرأ على الشلوبين وغيره، له مصنفات كثيرة منها: مختصر خصائص ابن جني، ومختصر المستصفى، وله نقود على الصحاح، وإيرادات على المقرب لابن عصفور، وأمالي على كتابه سيبويه، مات سنة: ٦٤٧ هـ.
البلغة: ٣١، بغية الوعاة: ١/ ٣٥٩، أعيان الشيعة: ٩/ ٢٧٥، معجم المؤلفين: ٢/ ٦٤.
٦ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ١٥.
موطن الشاهد: ﴿مَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: جوز الزجاج كون "تلك" الاسم، و"دعواهم" الخبر؛ أو العكس، كما في المتن؛ وهنا، لم يبالوا بالتباس الاسم بالخبر.
٧ قال المرادي تعليقا على كلام ابن الحاج الذي استدل بقول الزجاج بجواز اعتبار تلك الاسم ودعواهم الخبر؛ أو العكس: بأنه يجوز قياسا على الآية الحكم على الفاعل والمفعول من حيث التقديم والتأخير: "ولا يلزم من إجازة الزجاج الوجهين في الآية جواز مثل ذلك في ضرب موسى عيسى؛ لأن التباس الفاعل بالمفعول، ليس كالتباس اسم "زال" بخبرها وذلك واضح.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٢. وحاشية الصبان: ٢/ ٥٦. وابن عقيل: ١/ ٣٨١.стр. 472
الثانية: أن يحصر المفعول بإنما، نحو: "إنما ضرب زيد عمرا"١ وكذا الحصر بإلا عند الجزولي وجماعة وأجاز البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري٢ تقديمه على الفاعل٣، كقوله٤: [الطويل]
٢١٦- ولما أبى إلا جماحا فؤاده٥
الحواشي
(١) ١ فيجب تقديم الفاعل على المفعول في هذه الصورة؛ لأنه لو أخر انقلب المعنى.
٢ هو الإمام: أبو بكر؛ محمد بن القاسم الأنباري، النحوي اللغوي، ولد سنة ٢٧١ هـ، كان أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظا، قيل إنه حفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدا في القرآن وكان يملي من حفظه لا من كتاب، وكان مع هذا ثقة دينا ورعا، أخذ عن ثعلب، وروى عنه الدارقطني وجماعة، له تصانيف مفيدة منها: كتاب الزاهر في اللغة، وكتاب هاءات القرآن وكتاب الأمالي، وكتاب غريب الحديث، والإنصاف وغيرها كثير. مات ببغداد وله ٦٧ سنة وذلك سنة ٣٢٨ هـ البلغة: ٢٤٥، بغية الوعاة: ١/ ٢١٢، إنباه الرواة: ٣/ ٢٠١، وفيات الأعيان: ١/ ٥٠٢، الأعلام: ٧/ ٢٢٦.
٣ أي تقديم المفعول المحصور بإلا على الفاعل بشرط أن يتقدم معه "إلا".
٤ القائل هو دعبل الخزاعي: أبو علي ابن علي بن رزين، وقيل اسمه الحسن ولقبه دعبل؛ شاعر إسلامي جيد الشعر، عاصر خلفاء بني العباس؛ ومنهم المعتصم الذي هجاه؛ فطلبه لكن دعبلا هرب واستتر، وكان دعبل يجالس أبا نواس وأبا الشيص.
الشعر والشعراء: ٢/ ٤٨٩، الأغاني: ١٨/ ٢٩، ابن خلكان: ١/ ١٧٨، تاريخ بغداد: ٨/ ٣٨٢.
٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
ولم يسلُ عن ليلى بمال ولا أهل
وذكر العيني بعده قوله:
تسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي
=стр. 473
وقوله١: [الطويل]
٢١٧- فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها٢
الحواشي
(١) = والبيت للتمثيل؛ لأن دعبلا ممن لا يحتج بقولهم على قواعد النحو والتصريف؛ والبيت من شواهد:
التصريح: ١/ ٢٨٢، والأشموني: "٣٧٤/ ١٧٧"، وهمع الهوامع: ١/ ١٦١، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٣، والعيني: ٢/ ٤٨٠، والمصون لأبي أحمد العسكري: ٢٤٩، وديوان دعبل: ١٨٣.
المفردات الغريبة: أبى: امتنع. جماحا: مصدر جمح الفرس -إذا أسرف إسراعا لا يرده شيء. والجموح من الرجال: الذي يركب هواه ولا يمكن ردعه. لم يسلُ: مضارع سلا: بمعنى صبر وتعزى.
المعنى: إن هذا المبحب حين تعلق بليلى، وهام بها، ولم يصرفه عن التمادي في هواه زينة الدنيا من المال، والأهل -أراد أن يتسلى بغيرها، فلم يغنه ذلك، بل زادته الأخرى إغراء بليلى وتعلقا بها.
الإعراب: أبى: فعل ماضٍٍ. إلا: أداة حصر. جماحا: مفعول به لـ "أبى". فؤاده: فاعل مرفوع، ومضاف إليه. ولم يسلُ: الواو عاطفة، لم: جازمة نافية. يسل: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل هو: "عن ليلى": متعلق بـ "يسل". "بمال": متعلق بـ "يسل" أيضا. ولا أهل: معطوف على مال.
موطن الشاهد: "أبى إلا جماحا فؤاده".
وجه الاستشهاد: تقديم المفعول المحصور بـ "إلا" وهو "جماحا" على الفاعل "فؤاده"؛ وهذا التقديم جائز؛ وقد استدل بهذا الشاهد جمهور البصريين، والفراء، وابن الأنباري، والكسائي، فقالوا: يجوز أن يتقدم المفعول المحصور بـ "إلا" على الفاعل؛ لأن المفعول -وإن تقدم- فهو في منزلة التأخير؛ وأكثر هؤلاء، لا يجيزون تقديم الفاعل المحصور بـ "إلا"؛ لانتفاء العلة التي أجازوا من أجلها تقديم المفعول المحصور بها؛ وهؤلاء فرقوا بين الحصر بـ "إلا" والحصر بـ "إنما"؛ فأجازوا تقديم المفعول المحصور بـ "إلا" لانتفاء اللبس، ولم يجيزوا تقديم المحصور بـ "إنما"؛ لأنه لم يَقُمْ دليل على أن المحصور هو تاليها؛ هذا، وقد أوجب الجزولي وعدد من المتأخرين تأخير المفعول المحصور بـ "إلا" والصواب ما ذكرناه.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٢. وابن عقيل: ١/ ٣٨٢.
١ هو: مجنون بن عامر قيس بن الملوح، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
تزودت من ليلى بتكليم ساعة
=стр. 474
وقوله١: [الطويل]
٢١٨- وتغرس إلا في منابتها النخل٢
الحواشي
(١) = وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢٨٢، والأشموني: "٣٧٣/ ١/ ١٧٧"، وابن عقيل: "١٤٨/ ٢/ ١٠٣"، والهمع: "١/ ١٦١، ٢٣٠، والدرر: ١/ ١٤٣، ١٩٥، والعيني: ٢/ ٤٨١، ونحوه لذي الرمة في ديوانه: ٦٣٧.
المفردات الغريبة: تزودت: اتخذت زادا، والزاد: طعام يُتَّخَذُ للسفر.
المعنى: اتخذت من تكليم ليلى ساعة زادا أتبلغ به وأطفئ جذوة حبي لها؛ فلم يفدني ذلك، ولم يشف غلتي، بل زاد كلامها ما بي من وجد ولوعة.
الإعراب: تزودت: فعل ماضٍ، وفاعل. "من ليلى": متعلق بـ "تزود". "بتكليم": متعلق بـ "تزود". ساعة: مضاف إليه. فما: الفاء عاطفة، ما: نافية. زاد: فعل ماضٍٍ. إلا: أداة حصر. ضعف: مفعول به مقدم. ما: اسم موصول، مضاف إليه، "بي": متعلق بمحذوف الصلة؛ والتقدير: ما ثبت بي، ونحو ذلك. كلامها: فاعل مؤخر و"ها": مضاف إليه.
موطن الشاهد: "فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها".
وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به "ضعف" المحصور بـ "إلا" على الفاعل "كلامها"؛ وهذا جائز عند الكسائي؛ والأصل: فما زاد كلامها إلا ضعف ما بي.
١ القائل هو: زهير بن أبي سلمى المزني، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه
والبيت في مدح هرم بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المريين بالكرم وشرف العنصر وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٢، والعيني: ٢/ ٤٨٢، وديوان زهير بن أبي سلمى: ١١٥.
وقبل البيت الشاهد قوله:
فما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل
المفردات الغريبة: الخطي: الرمح المنسوب إلى الخط، والخط: جزيرة ترفأ إليها سفن الرماح بالبحرين. وشيجه: جمع وشيجة، وهي العروق الملتفة من شجر الرماح.
المعنى: إن الرماح المشهورة بالجودة والصلابة، لا تتخذ إلا من شجرها الأصيل، ولا ينبت النخل إلا في المواطن الصالحة لإنمائه؛ والمراد: أن الكريم لا يأتي إلا من عنصر كريم. =стр. 475
[توسط المفعول جوازا] :
وأما توسط المفعول جوازا فنحو: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ١، وقولك: "خاف ربه عمر" وقال٢: [البسيط]
٢١٩- كما أتى رَبَّهُ موسى على قدر٣
الحواشي
(١) = الإعراب: هل: حرف استفهام يفيد الإنكار، جاء بمعنى النفي. ينبت: فعل مضارع مرفوع. الخطي: مفعول به مقدم منصوب. إلا: أداة حصر. وشيجه: فاعل مرفوع، والهاء: مضاف إليه. وتغرس: الواو عاطفة، تغرس: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع. إلا: أداة حصر. "في منابتها": متعلق بـ "تغرس". النخل: نائب فاعل مرفوع.
موطن الشاهد: "تغرس إلا في منابتها النخل".
وجه الاستشهاد: تقدم الجار والمجرور "في منابتها" على نائب الفاعل "النخل"؛ على الرغم من أن "الجار والمجرور" أتى محصورا بـ "إلا"؛ ولما كان الجار والمجرور بمنزلة المفعول، وكان نائب الفاعل بمنزلة الفاعل، جاز الاستدلال بهذا الشاهد على جواز تقديم المفعول المحصور بـ "إلا" على الفاعل، كما أسلفنا من قبل.
١ "٥٤" سورة القمر، الآية: ٤١.
موطن الشاهد: ﴿جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ .
وجه الاستشهاد: توسط المفعول به "آل" بين الفعل والفاعل؛ وحكم هذا التوسط الجواز؛ لامتناع اللبس.
٢ هو: جرير بن عطية، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
جاء الخلافة أو كانت له قدرا
والبيت من كلمة لجرير يمدح فيها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز.
وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢٨٣، والأشموني: "٣٧٥/ ١/ ١٧٨"، وابن عقيل: "٢٩٦/ ٣/ ٢٣٣"، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣١٧، والعيني: ٢/ ٤٨٥، ٤/ ١٤٥، والهمع: ٢/ ١٣٤، والدرر: ٢/ ١٨١، ومغني اللبيب: "٩٥/ ٨٩" وشرح السيوطي: ٧٠.
المفردات الغريبة: قدرا: أي مقدرة في الأزل. على قدر أي على تقدير من الله.
المعنى: تولي عمر منصب الخلافة كان بتقدير الله تعالى؛ فانتشل المسلمين من الظلم، وأقام بينهم صرح العدل؛ كما أن موسى ﵇ -أتى ربه وكلمه بقضائه =стр. 476
[وجوب توسط المفعول بين الفعل والفاعل] :
وأما وجوبه ففي مسألتين:
إحداهما: أن يتصل بالفاعل ضمير المفعول نحو: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ ١
الحواشي
(١) = وقدره؛ فأبان للخلق طريق الحق؛ ولعله يشير إلى الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوْسَى﴾ .
الإعراب: جاء: فعل ماضٍ، والفاعل: هو؛ يعود إلى عمر بن عبد العزيز ﵁. الخلافة: مفعول به. أو: حرف عطف بمعنى الواو؛ ويروى مكانها "إذ". كانت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث، واسمه: هي، يعود إلى الخلافة. "له": متعلق بـ "قدرا". قدرا: خبر كانت منصوب. كما: الكاف حرف جر، "ما": مصدرية. أتى: فعل ماضٍ. ربه: مفعول به مقدم لـ "أتى" ومضاف إليه؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف؛ واقع مفعولا مطلقا لـ "جاء"؛ والتقدير: جاء الخلافة إتيانا مثل إتيان موسى. موسى: فاعل مؤخر لـ "أتى". "على قدر": متعلق بـ "أتى".
موطن الشاهد: "أتى ربَّهُ مُوسى".
وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به "ربه" على الفاعل "موسى" وقد أعاد الضمير المتصل بالمفعول المتقدم على الفاعل المتأخر لفظا؛ وهذا شائع في كلام العرب؛ لأن الضمير عاد على متأخر لفظا، ولكنه متقدم رتبة، ويسمى هذا بالمتقدم حُكْمًا وإلى هذا أشار الناظم:
وشاع نحو "خاف ربَّه عُمَرْ ... وشذ نحو "زان نورُه الشَّجَرْ
أي: شاع في الأساليب العربية عود الضمير من المفعول المتقدم على فاعله المتأخر، نحو: خاف ربَّه عمر؛ وشذ عود الضمير من الفاعل المتقدم على مفعوله المتأخر، نحو: زان نوره الشجر؛ لأنه يكون عائدا على متأخر لفظا ورتبة، وهذا ممتنع، لا يقاس عليه. خلافا للأخفش وابن جني وغيرهما، كما في المتن.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٣.
١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٢٤.
موطن الشاهد: ﴿ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: "تقدم المفعول به على الفاعل؛ لِاتصال ضمير يعود إلى المفعول بالفاعل؛ وحكم تقدم المفعول في هذه الحالة الوجوب؛ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة.стр. 477
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ ١، ولا يجوز أكثر النحويين نحو: "زان نوره الشجر" لا في نثر ولا في شعر، وأجازه فيهما الأخفش وابن جني٢ والطوال٣ وابن مالك، احتجاجا بنحو قوله٤: [الطويل]
٢٢٠- جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتِمِ٥
والصحيح جوازه في الشعر فقط.
الحواشي
(١) ١ "٤٠" سورة غافر، الآية: ٥٢.
موطن الشاهد: ﴿لَا يَنْفَع ُالظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: تقدم المفعول "الظالمين" على الفاعل معذرتهم؛ لِاتصال ضمير يعود إلى المفعول بالفاعل، كما في الآية السابقة؛ والحكم نفسه أيضا.
٢ مرت ترجمة كل منهما.
٣ هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الطوال النحوي، من أهل الكوفة، وأحد أصحاب الكسائي والفراء، حدث عن الأصمعي، وقدم بغداد وقرأ فيها، وكان حاذقا بارعا في إلقاء المسائل العربية، ولم يشتهر له تصانيف. مات سنة: ٣٤٣ هـ. الأعلام: ٧/ ٩٣، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٣١، في البلغة: محمد بن عبد الله بن قادم؛ البلغة: ٢٢٧، بغية الوعاة: ١/ ١٤٠، إنباه الرواة: ٣/ ١٥٦ وله هنا كتاب: الملوك، وكتاب غريب الحديث، وترجم له باسم: محمد بن قادم ص٢٤٤.
٤ القائل هو: أبو الأسود الدؤلي: ظالم بن عمرو بن سفيان الديلي "يقال الدؤلي" قبيلة من كنانة بصري، وأحد سادات التابعين، صحب علي بن أبي طالب ﵁، وشهد معه صفين يشهد له بسداد عقله وحسن رأيه، وهو أول من وضع علم النحو، وكان ورعا ديِّنًا يغزو عاما، ويحج عاما، وهو يعد من الشعراء والتابعين والمحدثين والنحاة، مات سنة ٩٩ هـ وله ٨٥ عاما. الشعر والشعراء: ٢/ ٧٢٩، وفيات الأعيان: ٢/ ٥٣٥، تهذيب ابن عساكر: ٧/ ١٠٤، الخزانة: ١/ ١٣٤.
٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
جزاء الكلاب العاويات، وقد فَعَلْ
وهو في هجاء عدي بن حاتم الطائي.
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٣، والأشموني: "٣٨٠/ ١/ ١٧٨"، وابن عقيل: "١٥٢/ ٢/ ١٠٨"، والأغاني: ١١/ ١١١، والخصائص: ١/ ٢٩٤، والعيني: ٢/ ٤٨٣، والهمع: ١/ ٦٦، والدرر: ١/ ٤٤، والعمدة: ١/ ٩٤، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٠٢، وشرح المفصل: ١/ ٧٦، والخزانة: ١/ ١٣٤، وجمل الزجاجي: ١٣١، وشذور=стр. 478
.........................................................................
الحواشي
(١) = الذهب "٦٦/ ١٨٦"، وديوان النابغة "مفردا": ٧٩، وملحقات ديوان أبي الأسود: ١٢٤.
المفردات الغريبة: العاويات: الصائحات، من عوى الكلب إذا صاح. وقد فعل: أي أنه استجاب دعاءه، وجزاء الكلاب العاويات -ويروى العاديات- هو: الضرب والرمي بالحجارة، وقيل إنه دعاء عليه بالأبنة؛ لأن الكلاب تتعاوى عند طلب السفاد؛ هذا وإن عده العلماء من الكنايات الجميلة من الهجاء؛ إلا أن عدي بن حاتم صحابي جليل لا يقال فيه مثل ذلك الهجاء، وإن صح فلعله كان في زمن الجاهلية قبل أن يسلم.
المعنى:
الإعراب: جزى: فعل ماضٍ. ربه: فاعل مرفوع، ومضاف إليه. "عني": متعلق بـ "جزى". عدي: مفعول به لـ "جزى". ابن: صفة لـ "عدي"، وهو مضاف. حاتم: مضاف إليه. جزاء: مفعول مطلق من "جزى"، وهو مضاف. الكلاب: مضاف إليه. العاويات: صفة لـ "الكلاب". وقد الواو حالية. قد حرف تحقيق. فعل: فعل ماضٍ، وسكن للروي؛ والفاعل: هو؛ وجملة "فعل": في محل نصب على الحال.
موطن الشاهد: "جزى ربُّه عديَّ".
وجه الاستشهاد: اشتمال الفاعل المتقدم "ربه" على ضمير يعود إلى المفعول المتأخر لفظا ورتبة؛ وحكم تقدم الفاعل في هذه الحالة الشذوذ عند الجمهور، ولهذا أشار الناظم:
وشذ نحو "وزان نوره الشجر"
كما أسفلنا.
غير أن بعض النحاة يجيزون ذلك في الشعر من دون النثر، وهذا ما أخذ به ابن هشام الأنصاري؛ وبعضهم أجاز ذلك في الشعر والنثر، وقد ذكر المؤلف في المتن عددا منهم؛ والصواب ما ذهب إليه ابن هشام، وهو جواز تقدم الفاعل على المفعول في هذه الحالة في الشعر فقط؛ لكثرة الشواهد الواردة عمن يُحتَجُّ بكلامهم، ومنها؛ قول حسان بن ثابت ﵁:
ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجدُهُ الدهر مطعما
وقوله الآخر:
وما نفعت أعماله المرء راجيا ... عليها ثوابا من سوى من له الأمر
وقول سليط بن سعد:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فِعْلٍ؛ كما يُجزَى سِنِمَّارُ
وقول آخر:
كساحلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ... ورقى نداه ذا الندى في ذرى المجد
والأمثلة على هذا كثيرة؛ ومعلوم أن ما جاء منه في الشعر، يكون ضرورة، فلها يقاس عليه.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٣.
وحاشية الصبان: ٢/ ٥٩.
وابن عقيل: ١/ ٢٨٦-٣٩٠.стр. 479
والثانية: أن يحصر الفاعل بإنما، نحو: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١ وكذا الحصر بإلا عند غير الكسائي٢، واحتج بقوله٣: [البسيط]
٢٢١- ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم ... ولا جفا قط إلا جبا بطلا٤
الحواشي
(١) ١ "٣٥" سورة فاطر، الآية: ٢٨.
موطن الشاهد: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ .
وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به الواقع لفظ جلالة في الآية الكريمة على الفاعل "العلماء" وحكم تقدمه الوجوب؛ لانحصار الفاعل بـ "إنما"؛ لأن المعنى: ما يخشى الله من عباده إلا العلماء.
٢ مرت ترجمته.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: البيت من شواهد التصريح: ١/ ٢٨٤، والأشموني: "٣٧٢/ ١/ ١٧٧"، والهمع: ١/ ١٦١، والدرر: ١/ ١٤٣، والعيني: ٢/ ٤٨٧.
المفردات الغريبة: عاب: من العيب، وهو أن تذكر المتكلم فيه بالذم والثلب. لئيم: المراد به الشحيح البخيل؛ بدليل مقابلته بذي الكرم. جفا: من الجفاء. وهو البعد وعدم الصلة. جبأ: جبان. بطلا: شجاعا.
المعنى: لا يعيب عمل الكرام إلا الأشحاء اللئام، ولا يبتعد عن الأبطال الشجعان إلا الجبناء؛ لأنه لا تآلف بين أصحاب الصفات المتنافرة.
الإعراب: ما: نافية. عاب: فعل ماضٍ. إلا: أداة حصر. لئيم: فاعل مرفوع. فعل: مفعول به. ذي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. كرم: مضاف إليه. ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. جفا: فعل ماضٍ. "قط": متعلق بـ "جفا"؛ ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب. إلا: أداة حصر. جبا: فاعل "جفا" مرفوع. بطلا: مفعول به لـ "جفا" منصوب.
موطن الشاهد: "ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم، ولا جفا إلا جبأ بطلا".
وجه الاستشهاد: "تقدم الفاعل المحصور بـ "إلا" في الموضعين؛ وهذا التقدم ممنوع عند الجمهور؛ فهم لا يجوزون تقديم المحصور بـ "إلا" إلا إذا كان مفعول، كما بينا سابقا؛ ويعربون فعل "لئيم" و"بطلا" في هذا الشاهد: مفعولا به لمحذوف يدل عليه المذكور؛ غير أن الكسائي أجاز تقدم الفاعل المحصور واحتج بهذا الشاهد وأمثاله.стр. 480
وقوله١: [البسيط]
٢٢٢- وهل يعذِّبُ إِلَّا اللهُ بالنارِ٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو يزيد بن الطثرية القشيري؛ والطثرية أُمُّهُ، واسم أبيه سلمة بن سمرة بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويزيد شاعر أموي مقدم عندهم، يعرف بأنه كامل الأدب، وافر المروءة لا يعاب ولا يطعن عليه؛ كان سخيا شجاعا؛ له محل في قومه، مع فصاحة وتعقل. الشعر والشعراء: ١/ ٤٢٧، والأغاني: ٧/ ١٠٤، وابن خلكان: ٢/ ٣٩٥، واللآلى: ١٠٣.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
نبئتهم عذبوا بالنار جارتهم
وروى أبو الفرج الأصبهاني قبله:
يا سخنة العين للجرمي إذ جمعت ... بيني وبين نوار وحشة الدار
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٤، والعيني: ٢/ ٤٩٢.
المفردات الغريبة: نبئت: أخبرت. جارهم: الجار: من يجاورك في المسكن، أو من أجرته واستجار بك من ظلم.
المعنى: أخبرت وأعلمت أن هؤلاء الناس يعذبون جيرانهم؛ أو من استجار بهم بالنار، وذلك بدل من أن يغيثوه ويكرموه؛ وهذا عمل شائن؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا الله تعالى.
الإعراب: نبئتهم: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل؛ وهي المفعول الأول. و"هم": ضمير متصل في محل نصب مفعول به ثانيا. عذبوا: فعل ماضٍ وفاعل. "بالنار": متعلق بـ "عذبوا". جارهم: مفعول به، ومضاف إليه؛ وجملة "عذبوا": في محل نصب مفعول به ثالثا لـ "نبأ". وهل: الواو عاطفة، هل: حرف استفهام يفيد الإنكار بمعنى "ما". يعذب: فعل مضارع. إلا: أداة حصر. الله: فاعل مرفوع. "بالنار": متعلق بـ "يعذب.
موطن الشاهد: "هل يعذب إلا الله بالنار".
وجه الاستشهاد: "تقدم الفاعل المحصور بـ "إلا"؛ وهو لفظ الجلالة على الجار والمجرور "بالنار" ومعلوم أن الجار والمجرور بمنزلة المفعول؛ وهذا، كما في الشاهد السابق حجة للكسائي، وممنوع لدى الجمهور؛ فهم يقولون: إن قوله "بالنار" متعلق بفعل محذوف، يدل عليه المذكور -كما سبق- والتقدير: لا يعذب إلا الله يعذب بالنار؛ وظاهر أن هذا تكلف لا داعي له؛ والأفضل ما ذهب إليه الكسائي.стр. 481
وقوله١: [الطويل]
٢٢٣- فلمْ يَدْرِ إلا الله ما هَيَّجَتْ لَنَا٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو: غيلان بن عقبة، المعروف بذي الرمة وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
عشيةَ آناءُ الديارِ وشامُهَا
وهو من قصيدة طويلة لذي الرمة وأولها قوله:
مررنا على دار لمية مرة ... وجاراتها قد كاد يعفو مقامها
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٤، والأشموني: "٣٧١/ ١/ ١٧٧"، وابن عقيل: "١٤٧/ ٢/ ١٠١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٦١، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٣، والمقرب: ٥، والعيني: ٢/ ٤٩٣، وديوان ذي الرمة: ٦٣٦ وفيه برواية:
أهلَّةَ آناء الديار وشامها
المفردات الغريبة: هيجت: أثارت، آناء، ويروى أناء: جمع نؤي، وهو الحفيرة التي تحفر حول الخباء لتمنع عنه المطر. شامها؛ الشام: جمع شامة وهي العلامة.
المعنى: لا يعلم إلا الله تعالى ما أثارته في نفوسنا آثار ديار المحبوبة ورسومها من الشوق واللوعة والحنين إليها.
الإعراب: لم: جازمة نافية. يدر: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة. إلا: أداة حصر. الله "لفظ الجلالة": فاعل مرفوع. ما: اسم موصول، مفعول به صلة للموصول، لا محل لها؛ والعائد إلى الاسم الموصول محذوف؛ والتقدير: ما هجيته لنا. "عشية": متعلق بـ "هيج"؛ وعشية، منون حذف تنوينه للضرورة. آناء: فاعل مرفوع؛ وقد وصل فيه همزة القطع، وآناء: مضاف. والديار: مضاف إليه. وشامها: الواو عاطفة، شامها: معطوف على آناء، و"ها": مضاف إليه.
موطن الشاهد: "لم يدر إلا الله ما هيجت".
وجه الاستشهاد: تقدم الفاعل المحصور بـ "إلا" على المفعول؛ وهذا الشاهد كسابقيه حجة للكسائي، ومنعه الجمهور، وأعربوا "ما" اسما موصولا واقعا مفعولا به لمحذوف دل عليه المذكور، والتقدير: فلم يدر إلا الله درى ما هيجت لنا؛ وفي هذا التقدير تكلف لا داعي إليه، كما أسلفنا.стр. 482
[جواز تقدم المفعولين على الفعل والفاعل معا] :
وأما تقدم المفعول جوازا فنحو: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ١.
[تقدم المفعول على الفعل والفاعل وجوبا] :
وأما وجوبا ففي مسألتين:
إحداهما: أن يكون مما له الصدر٢، نحو: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ ٣، ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ ٤.
الثانية: أن يقع عامله بعد الفاء٥، وليس له منصوب غيره مقدم عليها، نحو:
الحواشي
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٨٧.
موطن الشاهد: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به "فريقا" في الموضعين على الفعلين وفاعليهما معا؛ وحكم هذا التقدم الجواز.
٢ أي اسما له الصدر في جملته؛ كأن يكون اسم استفهام، أو اسم شرط، وكذلك إذا كان مضافا لاسم له الصدارة، نحو: صديق من قابلت؟ وصاحب أي صديق تكرم أكرم.
٣ "٤٠" سورة غافر، الآية: ٨١.
موطن الشاهد: "أي آيات الله تنكرون".
وجه الاستشهاد: "تقدم المفعول به الواقع اسم استفهام على الفعل والفاعل معا؛ وحكم هذا التقدم الوجوب؛ لأن أسماء الاستفهام لها الصدارة في الكلام.
٤ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ١١٠.
موطن الشاهد: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ .
وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به الواقع اسم شرط جازم، وهو "أيا" على الفعل والفاعل معا؛ وحكم هذا التقدم الوجوب؛ لأن أسماء الشرط، لها الصدارة في الكلام.
٥ أي فاء الجزاء، وذلك في جواب "أما" الظاهرة أو المقدرة؛ ويشترط ألا يفصل بين أما والفاء بشيء آخر.стр. 483
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ١، ونحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ٢ بخلاف: "أما اليوم فاضرب زيدا"٣.
تنبيه: إذا كان الفاعل والمفعول ضميرين ولا حصر في أحدهما وجب تقديم الفاعل كضربته، وإذا كان المضمر أحدهما: فإن كان مفعولا وجب وصله وتأخير الفاعل كضربني زيد، وإن كان فاعلا وجب وصله وتأخير المفعول أو تقديمه على الفعل كضربت زيدا، وزيدا ضربت، وكلام الناظم يوهم امتناع التقديم؛ لأنه سوى بين هذه المسألة ومسألة: "ضرب موسى عيسى" والصواب ما ذكرنا٤.
الحواشي
(١) ١ "٧٤" سورة المدثر، الآية: ٣.
موطن الشاهد: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ .
وجه الاستشهاد: "تقدم المفعول به على عامله "كبر"؛ لوقوع العامل بعد الفاء، وحكم تقدم المفعول هنا الوجوب؛ ولا بد من تقدير "أما" في الآية؛ لأن المعنى: وأما ربك فكبر.
٢ "٩٣" سورة الضحى، الآية: ٩.
موطن الشاهد: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تقهر﴾ .
وجه الاستشهاد: تقدم المفعول "اليتيم" على فعل تقهر؛ وحكم هذا التقدم الوجوب؛ لِيكون فاصلا بين أما والفعل؛ لأن الفعل -وخاصة المقرون بفاء الجزاء- لا يلي "أما" ولا يقال: إن ما بعد فاء الجزاء، لا يعمل فيما قبلها، فكيف عملت هنا؟ فالجواب: ذلك ممنوع، إذا كانت الفاء في موضعها الأصلي، وهي هنا مؤخرة من تقديم. فكان من حقها أن تدخل على المفعول المتقدم.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٥.
٣ لا يجب تقديم المفعول هنا؛ لأن العامل؛ وهو فعل الأمر، له منصوبان، وهما الظرف والمفعول به؛ فتقدم الظرف، وحصل الفصل به بين الفعل و"أمَّا" فاستغنى عن تقديم المفعول. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٥.
٤ أي: من جواز نحو: زيدا ضربت؛ لعدم اللبس، وامتناع نحو: عيسى ضرب موسى؛ لئلا يتوهم أن "عيسى" مبتدأ و"ضرب" وضميره خبر، وموسى مفعول. هذا ويمتنع تقديم المفعول على عامله: إذا كان مفعولا "لأفعل" في التعجب نحو: ما أجمل الصدق. أو مفعولا لفعل مؤكد بالنون، نحو: خالفنَّ هواك. أو كان عامله مسبوقا بقد أو سوف، نحو: "قد يدرك المتأني بعض حاجته" سوف أعمل الخير ما استطعت =стр. 484
.........................................................................
الحواشي
(١) = أو بلفظ "لقما" أو "ربما" وغير ذلك من المواضع. والخلاصة فيما تقدم:
١- يجب تقديم الفاعل على المفعول في ثلاث مسائل:
أ- أن يخشى اللبس بينهما.
ب- أن يكون المفعول محصورا فيه.
ج- أن يكون كل من الفاعل والمفعول ضميرين متصلين.
٢- ويجب توسط المفعول في ثلاث مسائل أيضا:
أ- أن يكون الفاعل ملتبسا بضمير المفعول.
ب- وأن يكون الفاعل محصورا فيه.
ج- أو أن يكون المفعول ضميرا متصلا والفاعل اسما ظاهرا.
٣- ويجب تقديم المفعول على عامله في مسألتين:
أ- أن يكون له صدر الكلام.
ب- وأن يكون معمولا لما بعد الفاء بشرطه المتقدم.
٤- ويجب تأخير الفاعل: إذا كان المفعول ضميرا متصلا، والفاعل اسما ظاهرا.
ويلاحظ: أن المواضع التي يتقدم فيها الفاعل وجوبا هي عينها المواضع التي يتأخر فيها المفعول وجوبا.
والمواضع التي يجب فيها تقديم المفعول على عامله هي المواضع التي يتأخر فيها الفاعل وجوبا ويمتنع تقديمه عليه. ولا يجوز تقديم الفاعل على عامله مطلقا.
خاتمة:
لا يجيز الجمهور عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة. وخالفهم الأخفش وابن مالك وغيرهما في ذلك. وهنالك مواضع يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لحكمة بلاغية لا ينكرها الجميع، وهي:
١- الضمير المرفوع بنعم وبئس، نحو: نعم رجلا محمد. وبئس رجلا أبو جهل؛ بناء على أن المخصوص مبتدأ لخبر محذوف. أما على أنه مبتدأ وخبره الجملة قبله -فهو مما عاد فيه الضمير على متقدم رتبة.
٢- الضمير المرفوع بأول المتنازعين المعتمل ثانيهما، نحو: جفوني ولم أجفُ الأخلاء. وسيأتي القول في ذلك، وخلاف البصريين والكوفيين فيه.
٣- ضمير الشأن والقصة، كما تقدم في باب المبتدأ والخبر، نحو: قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
٤- الضمير المجرور برب، نحو: ربه رجلا. ويجب أن يكون بعده نكرة تميزه وتفسره، وأن يكون هو مفردا مذكرا فيقال: ربه امرأة -لا ربها.
٥- الضمير الواقع مبتدأ، والمخبر عنه باسم ظاهر يفسره -غير ضمير الشأن- نحو: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ،=стр. 485
.........................................................................
الحواشي
(١) = والضمير فيه راجع إلى الموصوف، وهو الحياة بقطع النظر عن الصفة.
٦- الضمير المبدل منه الظاهر المفسر له، نحو أكرمته محمدا.
انظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٨-٢٨٦، وحاشية الصبان: ٢/ ٦٠-٦١، وضياء السالك: ٢/ ٣٦.
فائدة: هنالك أفعال لا تحتاج إلى فاعل مطلقا، منها: "كان" الزائدة مثل: الفقر -كان- مذلة. والفعل المؤكد لفعل قبله توكيدا لفظيا، نحو: ظهر الحق. والأفعال التي تتصل بها "ما" الكافة مثل: طالما، قلما، كثرما. وقد أشرنا سابقا إلى أن "ما". كافة عن العمل.
وبعض المحققين يعرب "ما" مصدرية، والمصدر منها ومن صلتها في محل رفع فاعل؛ وذلك التزاما للأصل الذي يقضي بأن يكون لكل فعل أصلي فاعل.
ففي مثل: طالما أديت الواجب، يكون التقدير: طال أداؤك الواجب وهكذا ... إلخ. ضياء السالك: ٢/ ٣٦.стр. 486
[باب النائب عن الفاعل] :
هذا باب النائب عن الفاعل:
[أسباب حذف الفاعل:]
قد يحذف الفاعل؛ لِلجهل به١ كـ: "سرق المتاع" أو لغرض لفظي كتصحيح النظم في قوله٢: [البسيط]
٢٢٤- علقتها عرضا، وعلقت رجلا ... غيري، وعلق أخرى ذلك الرجل٣
الحواشي
(١) ١ أو بنية الإيجاز في العبارة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أو للماثلة بين حركات الحروف الأخيرة في السجع، نحو: "من طابت سريرته حمدت سيرته".
أو للمحافظة على وزن الشعر في الكلام المنظوم نحو بيت الأعشى المستشهد به.
٢ المراد الأعشى، ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: البيت من لامية الأعشى والتي تعد من المعلقات عند من يزيدها على السبع، ومطلعها قوله:
ودِّعْ هريرةَ؛ إن الركب مرتحلُ ... وهل تطيق وداعا أيها الرَّجُلُ؟
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٦، والعيني: ٢/ ٥٠٤، وديوان الأعشى: ٤٣.
المفردات الغريبة: علقتها: أحببتها وتعلقت بها. عرضا: أي من غير قصد وتعمد، وقال ابن السكيت في قوله: علقتها عرضا: أي كانت عرضا من الأعراض اعترضني من غير أن أطلبه.
المعنى: حبب الله إلي هريرة، وعلقت بها حين اعترضني من غير قصد ولا تعمد مني لرؤيتها، وحببها في رجل غيري، وحبب إلي ذلك الرجل امرأة أخرى؛ فكل تعلق قلبه بشخص لم يعبأ به، ولم يلتفت إليه.
الإعراب: علقتها: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل وهو المفعول الأول، و"ها": مفعول به ثانٍ. عرضا: مفعول مطلق؛ لبيان نوع العامل. وعلقت: الواو عاطفة. علقت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء للتأنيث؛ ونائب الفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي، يعود إلى هريرة؛ وهو المفعول الأول. رجلا: =стр. 487
أو معنوي كأن لا يتعلق بذكره غرض، نحو: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ ١، ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ ٢، ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾ ٣.
[ما ينوب عن الفاعل أحد أربعة أشياء] :
فينوب عنه في رفعه، وعمديته، ووجوب التأخير عن فعله، واستحقاق للاتصال به، وتأنيث الفعل لتأنيثه، واحد من أربعة٤:
الحواشي
(١) = مفعول به ثان. غيري: صفة لـ "رجلا" ومضاف إليه. وعلق: الواو عاطفة، علق: فعل ماضٍ مبني للمجهول، أخرى: مفعول به مقدم. ذلك: "ذا" اسم إشارة في محل رفع نائب فاعل؛ وهو المفعول الأول، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب. الرجل: بدل من اسم الإشارة.
موطن الشاهد: "علقتها، علقت، علق".
وجه الاستشهاد: بنى الشاعر الأفعال الثلاثة للمجهول، بعد أن حذف الفاعل للعلم به؛ وهو الله تعالى؛ وذلك لقصد تصحيح النظم؛ لأنه لو قال: علقني الله إياها، وعلقها رجلا غيري؛ وعلق الله أخرى ذلك الرجل، لطال الكلام، ولما استقام الوزن.
١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٦٦.
موطن الشاهد: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: بني الفعل "أحصر" للمجهول، وحذف الفاعل لغرض معنوي؛ لأنه لا يتعلق بذكره غرض أو قصد؛ وليس الغاية من هذا الفعل إسناده إلى فاعل مخصوص؛ بل إلى أي فاعل كان.
٢ "٤" سورة النساء، الآية: ٨٦.
موطن الشاهد: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف الفاعل لغرض معنوي كما في الآية السابقة.
٣ "٥٨" سورة المجادلة، الآية: ١١.
موطن الشاهد: ﴿قِيلَ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف الفاعل لغرض معنوي كما في الآيتين السابقتين.
٤ يفهم من هذه العبارة أنه لا يجوز أن ينوب عن الفاعل اثنان أو أكثر؛ وذلك لأنه كما لا يكون للفعل إلا فاعل واحد، لا يكون للفعل المبني إلا نائب فاعل واحد.
ومعلوم أن إسناد الفعل المبني للمجهول إلى نائب الفاعل؛ له صورتان:
إحداهما: إسناده إلى المفعول الذي تحول إلى نائب فاعل، وهذه حقيقة عقلية كإسناد الفعل المبني للمعلوم إلى الفاعل.
الثانية: إسناده إلى غير المفعول به كالظرف الزماني أو المكاني، والمصدر، والجار والمجرور فمجاز؛ لأنهم يعرفون الحقيقة الفعلية بأنها: "إسناد الفعل أو ما هو بمعناه إلى ما بني له"؛ ومعلوم أن الفعل المبني للمجهول إنما بني للمفعول كما أن الفعل المبني للمعلوم بني للفاعل، ولم يبن واحد منهما للزمان، أو للمكان، أو المصدر؛ لهذا كان إسناد المبني للمعلوم وإسناد المبني للمجهول إلى الزمان أو المكان أو المصدر مجازا عقليا. انظر حاشية الشيخ يس: ١/ ٢٨٧.стр. 488
الأول: المفعول به، نحو: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ ١.
الثاني: المجرور، نحو: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ ٢، وقولك: "سِيرَ بِزيدٍ".
وقال ابن درستويه٣ والسهيلي٤ وتلميذه الرندي٥: النائب ضمير المصدر لا المجرور؛ لأنه لا يتبع على المحل بالرفع، ولأنه يقدم، نحو: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٦، ولأنه إذا تقدم لم يكن مبتدأ، وكل شيء ينوب عن الفاعل فإنه إذا تقدم
الحواشي
(١) ١ "١١" سورة هود، الآية: ٤٤.
موطن الشاهد: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف الفاعل وأنيب عنه المفعول به في الموضعين؛ لِلعلم به، والأصل: أغاض الله الماء، وقضى الله الأمر؛ فصار المفعول به مرفوعا عمدة واجب التأخير عن الفعل.
٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٤٩.
موطن الشاهد: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: استشهد الجمهور بالآية الكريمة على مجيء الجار والمجرور نائب فاعل؛ لأن المجرور بالحرف مفعول به معنى؛ ولذا تصح نيابته عن الفاعل خلافا لمن ذكرهم المؤلف في المتن.
٣ مرت ترجمته.
٤ مرت ترجمته.
٥ هو: أبو علي عمر بن عبد المجيد الرندي -نسبة إلى رندة، حصن أو قرية في الأندلس- كان أستاذا في النحو، من تلاميذ السهيلي، قرأ عليه القراءات. له شرح على جمل الزجاجي، اسمه الفاخر ورَدَّ على ابن خروف منتصرا لشيخه السهيلي، وهو هو مقرئي كتاب سيبويه، مات سنة ٦١٠ هـ.
البلغة: ١٧٢، بغية الوعاة: ٢/ ٢٢٠، طبقات القراء: ١/ ٥٩٤، معجم المؤلفين: ٧/ ٢٩٥.
٦ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٣٦.
موطن الشاهد: ﴿عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ .
وجه الاستشهاد: استشهد المخالفون للجمهور بهذه الآية على عدم مجيء "الجار والمجرور" نائب فاعل؛ لأنه لو كان "عنه" نائب فاعل؛ لما تقدم على عامله "مسؤولا"؛ ومعلوم أن الفاعل لا يتقدم على عامله، فنائبه كذلك؛ لأنه لا يتقدم الفرع إلا حيث يتقدم الأصل.стр. 489
كان مبتدأ، ولأن الفعل لا يؤنث له في نحو: "مُرَّ بِهِنْدٍ".
ولنا قولهم: "سير بزيد سيرا" وأنه إنما يراعى محل يظهر في الفصيح، نحو: "لست بقائمٍ ولا قاعدًا" بخلاف نحو: "مررت بزيد الفاضلَ" بالنصب، أو: "مُرَّ بزيد الفاضلُ" بالرفع، فلا يجوزان؛ لأنه لا يجوز: "مررت زيدًا" ولا: "مُرَّ زيدٌ" والنائب في الآية ضمير راجع إلى ما رجع إليه اسم كان، وهو المكلف، وامتناع الابتداء؛ لعدم التجرد، وقد أجازوا النيابة في: "لم يضرب من أحد" مع امتناع: "من أحد لم يضرب" وقالوا في: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ١: إن المجرور فاعل مع امتناع: "كَفَتْ بِهند"٢.
الحواشي
(١) ١ "٤" سورة النساء، الآية: ٧٩.
موطن الشاهد: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الفاعل "لفظ الجلالة" مجرورا بالباء الزائدة؛ لأن الأصل: كفى اللهُ شهيدًا.
٢ هذا رد للشبهة الرابعة، وهي أن الفعل لا يؤنث للجار والمجرور كما في "مر بهند"، فقد امتنع أن يقال: "كفت بهند" بالتأنيث مع أن الفاعل في الآية مجرور بحرف جر زائد؛ فمن باب أولى إذا جر بحرف جر أصلي. ضياء السالك: ٢/ ٤٢، وشرح التصريح: ١/ ٢٨٧-٢٨٨.
فائدة: احتج المانعون نيابة "الجار والمجرور" عن الفاعل بأربعة أدلة هي:
أ- لو جاز للجار والمجرور أن يكون نائب فاعل؛ لجاز أن يجيء التابع للمجرور صفة، أو عطف بيان مرفوعا.
ب- إن "الجار والمجرور" يتقدم على العامل الذي يتطلب نائب فاعل، كما في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ، ولو كان نائبا عن الفاعل، لما جاز له أن يتقدم على العامل فيه؛ كما أن الفاعل، لا يجوز أن يتقدم على الفعل والعامل فيه.
ج- إن "الجار والمجرور" إذا تقدم على العامل، لا يصح جعله مبتدأ؛ فلما لم يصح جعله مبتدأ إذا تقدم، فلا يجوز أن يجعل نائبا عن الفاعل.
د- إن الفعل لا يؤنث إذا كان المجرور مؤنثا نحو "مُرَّ بهند"، ولو كان الجار والمجرور ينوب عن الفاعل؛ لوجب تأنيث الفعل؛ لأن نائب الفاعل يأخذ حكم الفاعل في تذكير الفعل وتأنيثه.стр. 490
الثالث: مصدر مختص١، نحو: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٢، ويمتنع نحو: "سِيرَ سَيرٌ" لعدم الفائدة٣، فامتناع سير٤ على إضمار السير أحق٥، خلافا لمن أجازه، وأما قوله٦: [الطويل]
٢٢٥- وقالت متى يُبْخَلْ عليك ويُعتَلَلْ٧
الحواشي
(١) ١ أي مفيد معنى زائدا على معناه المبهم؛ وهو الحدث المجرد؛ ليكون في الإسناد إليه فائدة، ويكون ذلك بتقييده بوصف أو إضافة أو عدد؛ وكالمصدر اسمه.
ويشترط كذلك: أن يكون كل منهما متصرفا؛ أي لا يلازم النصب على المصدرية، كمعاذ وسبحان؛ لأن وقوع أحدهما نائب فاعل يخرجه عن النصب الواجب له.
التصريح: ١/ ٢٨٩.
٢ "٦٩" سورة الحاقة: ١٣.
موطن الشاهد: ﴿نَفْخَةٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: "وقوع "نفخة" نائب فاعل، وهو مصدر متصرف مختص؛ فهو متصرف؛ لكونه مرفوعا، ومختصا؛ لكونه موصوفا بـ "واحدة"؛ وحكم مجيئه نائب فاعل في هذه الحال الجواز.
٣ لأن معناه المبهم مستفاد من الفعل، فكأنه جاء لتأكيد معنى فعله، وذلك غير مقصود من الإسناد.
٤ أي بالبناء للمجهول؛ على أن يكون نائب فاعله ضمير المصدر المستفاد من الفعل.
والتقدير: سير هو -أي السير.
٥ أي: أولى بالمنع؛ لأن ضمير المصدر أكثر إبهاما من الظاهر. أما على إضمار يعود على سير مخصوص مفهوم من غير العامل فجائز.
٦ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٧ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
يسؤْكَ، وإن يكشف غرامَك تَدْرَبِ
والبيت من القصيدة التي بارى فيها الشاعر علقمة الفحل، وتحاكما إلى أم جندب، فحكمت لعلقمة. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٩، والأشموني: "٣٨٥ ج١/ ١٨٢" ومغني اللبيب: "٩٠٥/ ٦٧٠" والعيني: ٤/ ٥٠٦، وديوان امرئ القيس: ٤٢. =стр. 491
فالمعنى: ويعتلل الاعتلال المعهود، أو اعتلال، ثم خصصه بعليك أخرى محذوفة للدليل، كما تحذف الصفات المخصصة١، وبذلك يوجه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢.
الحواشي
(١) = المفردات الغريبة: يبخل عليك، المراد: أنهم لا ينيلونه ما يريد. يعتلل: يعتذر، والاعتلال: الاعتذار. يسؤك: يحزنك ويغضبك. غرامك، الغرام: شدة الحب. تدرب: تعتد، من الدرية وهي الاعتياد.
المعنى: يتحدث الشاعر عن تلك المحبوبة التي قالت: إذا ضننت عليك بالوصل، وهجرتك، واعتذرت عن مقابلتك؛ أحزنك ذلك وأغضبك، وأن وصلتك؛ اعتدت ذلك وأكثرت منه؛ ولم تستطع الصبر، وربما علم الناس بذلك، فيفتضح أمرنا؛ فهي لا تقطع وصله لئلا ييأس، ولا تصله كثيرا؛ لئلا يعتاد الوصال، ويطلبه في كل حين.
الإعراب: قالت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث؛ والفاعل: هي. متى: اسم شرط جازم. يبخل: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم؛ لأنه فعل الشرط. "عليك": متعلق بـ "يبخل" في محل رفع نائب فاعل. ويعتلل: الواو عاطفة، يعتلل: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم: لأنه معطوف على فعل "يبخل" المجزوم؛ نائب الفاعل: ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ أو أن يكون نائب الفاعل مصدرا مشتقا من الفعل محلّىً بـ "أل" العهدية؛ كأن يقال: ويعتلل الاعتلال المعهود، يسؤك: فعل مضارع مجزوم؛ لأنه جواب الشرط، والفاعل: هو، و"الكاف": مفعول به. وإن: الواو عاطفة. إن: حرف شرط جازم. يكشف: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم؛ لأنه فعل الشرط. غرامك: نائب فاعل، و"الكاف": مضاف إليه. تدرب: فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للشرط، والفاعل أنت.
موطن الشاهد: "يعتلل".
وجه الاستشهاد: مجيء نائب فاعل هذا الفاعل المبني للمجهول ضمير مصدر مختص بـ "أل" العهدية؛ أو بوصف محذوف مدلول عليه بالجار والمجرور -عليك- المذكور مع الفعل السابق -كما بين المؤلف في المتن- وليس الضمير عائدا على مصدر مبهم من الفعل؛ أي يعتلل اعتلال، كما يقول به جماعة من النحاة؛ لأن نيابة المصدر المبهم ممنوعة عند الجمهور.
١ أي للموصوفات إذا دل عليها دليل، نحو قوله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ -أي نافعا- بدليل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ .
التصريح: ١/ ٢٨٩.
٢ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٥٤.
موطن الشاهد: ﴿حِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء نائب الفاعل ضميرا يعود إلى المصدر المقترن بـ "أل" العهدية؛ والتقدير: حيل هو؛ أي: الحول المعهود أو حول بينهم؛ وليس النائب الظرف؛ لأنه غير متصرف عند جمهور البصريين، وروي عن الأخفش أنه أجاز أن يكون الظرف في موضع رفع نائب فاعل، وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٠.стр. 492
وقوله١: [الطويل]
٢٢٦- فيا لك من ذي حاجة حيل دونها٢
الحواشي
(١) ١ هو: طرفة بن العبد البكري، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٩٠، والأشموني: "٣٨٦/ ١/ ١٨٣"، والعيني: ٢/ ٥١٠، وديوان طرفة: ٤١.
المفردات الغريبة: حيل: حجز ومنع، من الحيلولة. يهوى: يريد ويحب. نائله: مدركه وواصل إليه -من نال إذا أصاب.
الإعراب: فيالك: الفاء عاطفة، يا: حرف تنبيه؛ أو حرف نداء، والمنادى محذوف، واللام للاستغاثة، والضمير في محل جر باللام، أو في محل نصب على النداء؛ ويأتي هذا الأسلوب مفيدا معنى التعجب أحيانا. "من ذي": متعلق بمحذوف؛ والتقدير: أستغيث بك من أجل ذي حاجة. حاجة: مضاف إليه. حيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل: ضمير يعود إلى المصدر المعهود، أو الموصوف؛ والتقدير: حيل هو -أي الحول المعهود- أو حول موصوف بقوله: دونها. "دونها": متعلق بـ "حيل"، أو بمحذوف صفة للمصدر، أو حال من ضمير "حيل"، و"ها": مضاف إليه. وما: نافية. كل: اسم "ما" مرفوع. "ما" "الثانية": اسم موصول في محل جر بالإضافة. يهوى: فعل مضارع. امرؤ: فاعل مرفوع وجملة "يهوى امرؤ": صلة للموصول، لا محل لها؛ والعائد محذوف؛ والتقدير: يهواه. هو مبتدأ. نائله: خبر مرفوع، ومضاف إليه؛ وجملة "هو نائله": في محل نصب خبر "ما الحجازية".
موطن الشاهد: "حيل دونها".
وجه الاستشهاد: مجيء نائب الفاعل ضميرا عائدا إلى المصدر المقترن بأل العهدية؛ أو بموصوف بـ "دونها" وليس "دونها" نائب فاعل؛ لأن "دون" ظرف غير متصرف، لا يفارق النصب على الظرفية؛ وكذلك لا يجوز أن يكون ضميرا عائدا إلى مصدر مبهم من الفعل -أي حيل حول- خلافا لابن درستويه ومن تبعه؛ لأنه غير مختص.стр. 493
وقوله١: [الطويل]
٢٢٧- يغضي حياء ويغضى من مهابته٢
ولا يقال النائب المجرور؛ لِكونه مفعولا له.
الحواشي
(١) ١ هو: الفرزدق؛ همام بن غالب وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
فما يُكَلَّمُ إلا حين يَبْتسِمُ
وهو من قصيدة يقولها الشاعر في زين العابدين؛ علي بن الحسين ابن سيدنا علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، ومطلع هذه القصيدة:
هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأته ... والبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلهمُ ... هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٩٠، ٢/ ١٠، والأشموني: "٣٨٧/ ١/ ١٨٣" والأغاني: ١٤/ ٧٥، والمؤتلف: ٨٩، والحيوان: ٣/ ١٣٣، وشرح المفصل: ٢/ ٣٥٣، والعيني: ٢/ ٥٤٣، ٣/ ٢٧٣، والمغني: "٦٠٠/ ٤٢١"، والسيوطي: ٢٤٩، وليس في ديوان الفرزدق ونسبه بعضهم إلى الحزين الكناني.
المفردات الغريبة: يغضي: من الإغضاء، وهو تقارب بين جفني العين حتى يقربا من الانطباق. مهابته: هيبته وجلاله. يبتسم، الابتسامة: أول الضحك.
المعنى: يصف الفرزدقُ زينَ العابدين بأنه رجل وقور شديد الحياء، يكاد يطبق جفنيه أمام محدِّثِهِ من الحياء، ويغمض الناس جفونهم أمامه من هيبته وجلاله، فلا يكلمه أحد إلا حين يبتسم.
الإعراب: يغضي: فعل مضارع، والفاعل: هو؛ يعود إلى زيد العابدين. حياء: مفعول لأجله منصوب. ويغضى: الواو عاطفة. يغضى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى المصدر المعهود المفهوم من الفعل؛ أو الموصوف. فما الفاء تفريعية، وما: نافية. يُكَلَّم: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل: هو. إلا: حرف استثناء ملغى؛ أو أداة حصر. "حين": متعلق بـ "يكلم". يبتسم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو؛ وجملة "يبتسم": في محل جر بالإضافة.
موطن الشاهد: "يُغضَى من مهابته".
وجه الاستشهاد: مجيء نائب الفاعل ضميرا مستترا، يعود إلى المصدر المعهود، أو الموصوف بوصف محذوف؛ والتقدير: يغضي الإغضاء المعهود؛ أو إغضاء حادث من مهابته؛ وليس قوله: "من مهابته" نائب الفاعل -كما يقول الأخفش- لأن "من" الجارة -هنا- تفيد التعليل؛ ويشترط في صحة نيابة الجار أن لا يكون للتعليل كما نعلم؛ وكذلك لا تجوز نيابة المفعول لأجله، ولا الحال، ولا التمييز؛ لأن كل واحد منها بمنزلة جواب عن سؤال مقدر؛ فكأنه من جملة أخرى غير الفاعل والفاعل؛ ومن هنا نعلم السبب الذي من أجله منعت نيابة الجار الذي يدل على التعليل؛ لأن مجروره مبني على سؤال مقدر وهذا تعليل النحاة؛ والعلة الحقيقية محاكاة العرب في كلامهم وأساليبهم.стр. 494
الرابع: ظرف متصرف مختص١، نحو: "صيم رمضان" و: "جلس أمام الأمير" ويمتنع نيابة نحو عندك ومعك وثم؛ لِامتناع رفعهن، ونحو مكانا وزمانا إذا لم يقيدا٢.
[حكم إنابة غير المفعول مع وجوده] :
ولا ينوب غير المفعول به مع وجوده٣، وأجازه الكوفيون مطلقا٤؛ لِقراءة
الحواشي
(١) ١ الظرف الكامل التصرف هو: ما يفارق النصب على الظرفية، وشبهها وهو الجر بمن، ويتنقَّل بين حالات الإعراب المختلفة؛ من رفع إلى نصب وجر على حسب حالة الجملة؛ كيوم، وزمان، وقدام، وخلف ... إلخ، أما غير المتصرف مطلقا وهو: ما يخرج عن النصب على الظرفية وحدها مثل: قط، وعوض، وناقص التصرف، وهو ما يخرج عن النصب على الظرفية إلى الجر بمن، كـ "عند، ومع، وثم"، فلا يصلح كل منهما للنيابة عن الفعل؛ لأنه لا يفيد الفائدة المطلوبة من الإسناد، ولا يصلح إخراجه عن وضعه العربي. والمختص من الظرف: ما خصص بما يزيل عن معناه الإيهام؛ كأن يكون مضافا أو موصوفا، أو معرفا بالعلمية، نحو: اليوم جميل، أو غير ذلك مما يزيد معناه ويخرجه من الإيهام.
التصريح: ١/ ٢٩٠.
٢ وذلك لعدم الفائدة، فإن قيدا بوصف يخصصهما، نحو: جُلس مكان حسن، وصيم زمان طويل جازت نيابتهما.
٣ لأنه الأصل وغيره فرع عنه، فإذا وجد مع المفعول به مصدر، أو ظرف، أو جار ومجرور تعين المفعول به للنيابة؛ ما عدا المفعول المنصوب على نزع الخافض على الصحيح، فلا تجوز نيابته مع وجود المنصوب بنفس الفعل.
٤ أي أن ينوب غير المفعول به مع وجوده، سواء تقدم النائب عن المفعول به أم تأخر عنه.стр. 495
أبي جعفر١: ﴿لِيُجْزَى قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢، والأخفش بشرط تقدم النائب٣، كقوله٤: [مشطور الرجز]
٢٢٨- ما دام معنيا بذكرٍ قلبَهُ٥
الحواشي
(١) ١ هو: أبو جعفر؛ يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، أحد أصحاب القراءات العشر كان تابعيا جليلا ثقة، وكان إمام أهل المدينة في القراءة، حتى سمي بالقارئ وإليه انتهت رياسة الإقراء بها، ولم يكن أحد أقرأ للسنة منه، توفي سنة: ١٣٠ هـ الأعلام "ط. الخامسة، دار الملايين": ٨/ ١٨٦، وفيات الأعيان: ٢/ ٢٧٨، غاية النهاية: ٢/ ٣٨٢.
٢ "٤٥" سورة الجاثية، الآية: ١٤.
أوجه القراءات: قرأ أبو جعفر وعاصم وشيبة "ليجزى قوما"، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والأعمش "لنجزي قوما" وقرأ خلف ويحيى بن وثاب "ليجزي قوما". ورجح أبو عبيد قراءة "ليجزي"؛ لِيعود الضمير على الله ؛ وقراءة "ليُجزَى" بمعنى ليُجزَى الجزاء قوما؛ فأضمر الجزاء؛ ولو أظهره لم يجُزْ؛ فكيف وقد أضمره؟. انظر: إتحاف فضلاء، البشر: ٣٩٠٠، وإعراب القرآن للنحاس: "٣/ ١٢٨، والنشر: ٢/ ٣٧٢".
موطن الشاهد: "ليُجزَى قوما".
وجه الاستشهاد: استدل الكوفيون بهذه الآية الكريمة على نيابة غيره؛ المفعول به عن الفاعل مع وجود المفعول به على قراءة أبي جعفر، وأما على القراءات الأخرى؛ فلا شاهد في الآية.
٣ نحو "ضُرِب في داره محمدا"، فإن تقدم المفعول به تعين للنيابة.
٤ لم ينسب هذا الرجز إلى قائل معين.
٥ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز المشطور وصدره قوله:
وإنما يُرضي المنيبُ رَبَّهُ
وقبل الشاهد قوله:
ليس مُنِيبًا امرؤ مُنَبَّهُ ... للصالحات، مُتَنَاسٍ ذَنْبَهُ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٩١، والأشموني: "٣٧٩/ ١/ ١٨٤" والعيني: ٢/ ٥١٩، وقطر الندى: "٧٧/ ٢٥٥".
المفردات الغريبة: المنيب: اسم فاعل، من أناب، إذا رجع؛ "والإنابة": الرجوع إلى الله تعالى بفعل الطاعات وترك المعاصي. معنيا: مهتما ومولعا، وهو اسم مفعول من عني، بالبناء للمجهول لزوما. =следующие страницы →