Полный текст (1 155 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
معناه، نحو: "له علي ألف عرفا"١ أي: اعترافا، والثاني: الواقع بعد جملة تحتمل معناه وغيره، نحو: "زيد ابني حقا"٢ و: "هذا زيد الحقَّ لا الباطل" و: "لا أفعل كذا البتة"٣.
الخامسة: أن يكون فعلا علاجيا تشبيهيًّا، بعد جملة مشتملة عليه وعلى صاحبه، كـ: "مررت [بزيد] فإذا له صوتٌ صوتَ حمار، وبكاءٌ بكاءَ ذات داهية"٤.
[متى يجب الرفع] :
ويجب الرفع في نحو: "له ذكاءٌ ذكاءُ الحكماء" لأنه معنوي لا علاجي، وفي نحو: "صوتُه صوتُ حمار" لعدم تقدم جملة، وفي نحو: "فإذا في الدار صوتٌ صوتُ حمار" ونحو: "فإذا عليه نوحٌ نوحُ الحمام" لعدم تقدم صاحبه، وربما نصب نحو هذين، لكن على الحال.
تنبيه: مِثلُ: "له صوتٌ صوتَ حمار" قولُه٥: [البسيط]
الحواشي
(١) ١ جملة "له علي ألف" نص في الاعتراف لا تحتمل غيره، فمدلول الجملة هو مدلول المصدر، وسمي مؤكدا لنفسه؛ لأنه بمنزلة إعادة الجملة التي قبله.
٢ هذه الجملة تحتمل الحقيقة، وتحتمل المجاز على معنى: "أنت مثل ابني في الحنو والعطف"، وقد صارت نصا بالمصدر وهو "حقا" لأنه أزال الشك ورفع المجاز وأثبت الحقيقة، ولذلك سمي مؤكدا لغيره؛ لأنه جعل ما قبله نصا بعد أن كان محتملا، وأثر فيه فكأنه غيره؛ لأن المؤثِّر غير المؤثَّر. التصريح: ١/ ٣٣٣.
٣ جملة "لا أفعل كذا" تحتمل استمرار النفي وانقطاعه، وكلمة "ألبتة" رفعت احتمال الانقطاع، وحققت استمرار النفي.
٤ يجوز في هذين المثالين -مع استيفاء كل الشروط التي ذكرها المؤلف كغيره من النحاة- الرفع، على أن المصدر الثاني بدل من المصدر الأول، أو على أن الثاني نعت للأول؛ لأنه تخصص بإضافته إلى ما بعده.
٥ القائل هو: أبو كبير الهذلي؛ عامر بن الحليس، شاعر فحل من شعراء الحماسة، من هذيل، أدرك الإسلام، وأسلم، له خبر مع النبي ﷺ ، وله ديوان شعر مطبوع. الأعلام "ط: ٣": ٤/ ١٦، وسمط اللآلي: ٣٨٧.стр. 562
٢٥١- ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه وحرف السابق، طي المحمل١
لأن ما قبله بمنزلة "له طيء"٢، قاله سيبويه.
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا البيت في وصف أبي كبير الهذلي لتأبط شرا؛ ابن امرأته، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٤، والأشموني: "٤٢٦/ ١/ ٢١٤"، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٨٠، والمقتضب: ٣/ ٢٠٣، ٢٣٢، والخصائص: ٢/ ٣٠٩، والإنصاف: ١/ ٢٣٠، والعيني: ٣/ ٥٤، وديوان الهذليين: ٢/ ٩٣.
المفردات الغريبة: المنكب: مجمع عظم العضد والكتف. المحمل: علاقة السيف.
المعنى: يصف تأبط شرا بأنه ضامر مدمج الخلق كطي المحمل، إذا اضطجع، لا يصل بطنه إلى الأرض، وإنما يمس الأرض من منكبه، وحرف ساقه، وإن له تجافيا كتجافي حمالة السيف.
الإعراب: ما: نافية مهملة. "إن: زائدة لتأكيد النفي. يمس: فعل مضارع مرفوع. الأرض: مفعول به لـ "يمس" تقدم على الفاعل. إلا: أداة حصر. منكب: فاعل مرفوع. "منه": متعلق بمحذوف صفة لـ "منكب". وحرف: الواو عاطفة. حرف: معطوف على منكب، وحرف: مضاف، والساق: مضاف إليه. طي المحمل: مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف وجوبا، والمحمل: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "طي المحمل".
وجه الاستشهاد: نصب المصدر بفعل محذوف وجوبا، كما في قولهم: له صوت صوت حمار؛ وهو وإن لم تسبقه جملة مستكملة للشروط التي ذكرت، غير أن الكلام السابق على المصدر، يدل على ما تدل عليه الجملة، كما ذكر المؤلف؛ فكلام الشاعر، معناه: "إن هذا الغلام إذا نام على الأرض، تجافى جسمه كل عنها إلا منكبه وحرف ساقه" فكأنه قال: "له طي"؛ فهي جملة مشتملة على المصدر وعلى صاحبه. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٤.
٢ أي: وهذه جملة مشتملة على المصدر وصاحبه.
فائدتان:
أ- إذا أضيف المصدر مثل: ويلك، ويحك، بعدك، يكثر نصبه على المصدرية، ويجوز فهي على قلة الرفع على الابتداء. وإذا أفرد، جاز الأمران على السواء. وإذا كان معرفا بأل فرفعه أحسن من نصبه نحو: الويل له، ويرفع مبتدأ أو خبر ما يفيد الطلب نحو: صبر جميل، أي صبر جميل أجمل، أو أمري صبر جميل وخبر المكرر والمحصور، والمؤكد، وما يفيد الخبر؛ نحو: عجب لتلك قضية أي: أمري عجب. وقيل: عجب مبتدأ، ولتلك خبر. ضياء السالك: ٢/ ١٣١. =стр. 563
.........................................................................
الحواشي
(١) = ب- هنالك مصادر مسموعة بالنصب بصيغة التثنية مع الإضافة، مثل: لبيك وسعديك، وحنانيك ... ، ونصبها بفعل محذوف وجوبا، وهي نائبة عنه، والأصل: ألبى لبيك، وأسعد سعديك، وحن حنانيك. ومن المصادر ما هو مفرد منصوب ملازم للإضافة إلا في الضرورة. مثل: سبحان الله -أي براءة له من النقص، ومعاذ الله، أي عياذا واستعانة به. ضياء السالك: ٢/ ١٣١.стр. 564
[باب المفعول له] :
هذا باب المفعول له١:
ويسمى المفعول لأجله، ومن أجله، ومثاله: "جئت؛ رغبة فيك".
[شروط انتصاب المصدر على أنه مفعول لأجله] :
وجميع ما اشترطوا له خمسة أمور:
١- كونه مصدرا٢، فلا يجوز: "جئتك السمن والعسل" قاله الجمهور، وأجاز يونس: "أما العبيدَ فذو عبيد"٣ بمعنى مهما يذكر شخص لأجل العبيد فالمذكور ذو عبيد، وأنكره سيبويه.
٢- وكونه٤ قلبيا كالرغبة، فلا يجوز: "جئتك قراءة للعلم" ولا "قتلا للكافر" قاله ابن الخباز٥ وغيره، وأجاز الفارسي: "جئتك ضربَ
الحواشي
(١) ١ هو المصدر الذي يدل على سبب وعلة ما قبله، ويشارك عامله في وقته وفاعله.
٢ لأن المصدر يشعر بالعلية، أما الذوات فلا تكون في الغالب عللا للأفعال.
٣ أي ينصب "العبيد" على أنه مفعول لأجله مع أنه غير مصدر، وزعم أن هذا قول بعض العرب، "ويقولونه إذا وصف شخص آخر بعبيد وغيرهم، كالمنكرين عليه وصفه بغير العبيد. وقال البعض: إنه مفعول لأجله بتقدير مضاف، أي أما تملك العبيد فالمفعول هو المصدر المحذوف وهو تملك. التصريح: ١/ ٣٣٤.
٤ أي من أفعال النفس الباطنة. وقيل في سبب اشتراط ذلك: إن العلة هي السبب في إيجاز الفعل وسبب الشيء متقدم عليه، وأفعال الجوارح، كالقتل والضرب ... ، ليست كذلك، ولم يشترط بعضهم ذلك، وأجاز: جئتك إكراما لي، وجئتك اليوم إكراما لك.
٥ هو: شمس الدين أحمد بن الحسين بن أحمد بن أبي المعالي، النحوي الضرير؛ لم ير في زمانه أسرع منه حفظا، كان يحفظ المجمل لابن فارس، والإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي، والمفصل للزمخشري، وله مصنفات عديدة منها: النهاية في النحو: وشرح ألفية ابن معطي، مات بالموصل سنة ٦٣٧ هـ. البلغة: ١٩، إنباه الرواة: ١/ ٣٠٤، شذرات الذهب: ٥/ ٢٠٢، الأعلام: ١/ ١١٤.стр. 565
زيدا"١ أي: لتضرب زيدا.
٣- وكونه علة: عرضا كان كرغبة، أو غير عرض، كـ: "قعد عن الحرب جبنا".
٤- واتحاده بالمعلل به وقتا، فلا يجوز: "تأهبت السفر"٢، قاله الأعلم٣ والمتأخرون.
٥- واتحاده بالمعلل به فاعلا٤، فلا يجوز: "جئتك محبتك إياي"، قاله المتأخرون أيضا، وخالفهم ابن خروف٥.
[متى فقد المعلل شرطا وجب أن يجر بحرف التعليل] :
ومتى فقد المعلل شرطا منها وجب عند من اعتبر ذلك الشرط، أن يجر بحرف التعليل، ففاقد الأول، نحو: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَام﴾ ٦، والثاني نحو:
الحواشي
(١) ١ مع أن المصدر ليس قلبيا، وليس مشتركا مع العامل في الفاعل؛ لأن فاعل المجيء غير فاعل الضرب، فكأن الفارسي لا يشرتط هذين الشرطين. التصريح: ١/ ٣٣٥.
٢ بأن يتحد وقت الفعل المعلل والمصدر المعلل، وفي هذا المثال زمن التأهب غير زمن السفر.
٣ هو: يوسف الشنتمري، وقد مرت ترجمته.
٤ أي: بأن يكون فاعل الفعل وفاعل المصدر واحدا.
٥ فقال لا يشترط ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ إذ أن فاعل الإراءة هو الله، وفاعل الخوف والطمع العباد، وقد يقال: إن معنى يريكم: يجعلكم ترون، فيكون فاعل الرؤية والخوف واحدا. التصريح: ١/ ٣٣٥.
٦ "٥٥" سورة الرحمن: ١٠.
موطن الشاهد: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَام﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الأنام" علة الوضع، ولكنها ليست مصدرا، فجُرَّ باللام.стр. 566
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ ١ بخلاف: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ٢، والرابع٣ نحو٤: [الطويل]
٢٥٢- فجئت وقد نضَّت لنوم ثيابها٥
الحواشي
(١) ١ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
موطن الشاهد: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الإملاق" علة القتل؛ ولكنه ليس قلبيا فجر بـ "من" التعليلية؛ لافتقاده الشرط الثاني وهو القلبية.
٢ سورة الإسراء، الآية: ٣١.
موطن الشاهد: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: "مجيء "خشية" مصدرا قلبيا علة للقتل فنصب على أنه مفعول لأجله.
٣ لم يذكر المؤلف الشرط الثالث؛ وهو كونه علة؛ لإخراجه بقوله: ومتى فقد المعلل، فلما ليس بعلة نحو: قتلته صبرا، لا يجوز جره باللام؛ لأن الجر بحرف التعليل يفيد العلة، والفرض عدمها.
٤ القائل: هو: امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
لدى الستر إلا لبسة المتفضل
والبيت من معلقته المشهورة، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٦، والأشموني: ٤٢٨/ ١/ ٢١٦"، والهمع: ١/ ١٩٤، ٢٤٧، والدرر: ١/ ٦٦، والمقرب: ٣٣. والعيني: ٣/ ٦٦، ٢٢٥، وشذور الذهب "١٠٩/ ٣٠١"، وقطر الندى "١٠١/ ٣٠٦.
المفردات الغريبة: نضت: خلعت "بتشديد الضاد وتخفيفها"، لدى الستر: عند الستار: لبسة المتفضل: ما تلبسه وقت النوم من قميص ونحوه، والمتفضل: المتوشح بثوبه، أو لابس الثوب الواحد.
المعنى: أتيت إلى محبوبتي.. وقد خلعت ثيابها استعدادا للنوم -ولم يبق عليها إلا الثوب الذي تلبسه قبيل النوم لتنام فيه؛ كناية عن أنها مترفة ووليدة نعمة.
الإعراب: جئت: فعل ماضٍ وفاعل: وقد: الواو حالية. قد حرف تحقيق. نضت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي. "لنوم": متعلق بـ "نض". ثيابها: مفعول به منصوب، و"ها": مضاف إليه. وجملة "نضت لنوم ثيابها": في محل نصب على الحال. "لدى": متعلق بـ "نض" وهو ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف. الستر: مضاف إليه. إلا: حرف استثناء لا محل له من الإعراب. لبسة: منصوب على الاستثناء، وهو مضاف، المتفضل: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "لنوم".
وجه الاستشهاد: مجيء "نوم" علة لخلع الثياب، غير أنه -أي زمن النوم- متأخر عن زمن خلع الثياب، فجرَّ بلام التعليل؛ لعدم اتحاد الوقت.стр. 567
والخامس نحو١: [الطويل]
٢٥٣- وإني لتعروني لذكراك هزة٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو: أبو صخر الهذلي؛ عبد الله بن سلم "سلمة" السهمي الهذلي، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، كان متعصبا لبني مروان، له في عبد الملك بن مروان وأخيه عبد العزيز مدائح كثيرة، وكان قد تحول عن عبد الله بن الزبير بعد أن حبسه، مات سنة ٣/ ٢٦١، وسمط اللآلي: ٣٩٩.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
كما انتفض العصفور بلله القطرُ
والبيت من قصيدته المشهورة والتي مطلعها:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرُ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٦، ٢/ ١١، والأشموني: "٤٢٩/ ١/ ٢١٦" والإنصاف: ١/ ٢٥٣، وشرح المفصل: ٢/ ٦٧، وأمالي القالي: ١/ ١٤٩، والهمع: ١/ ١٩٤، والدرر: ١/ ١٦٦، والأغاني: ٢١/ ٩٧، والمقرب: ٣٣، والعيني: ٣/ ٦٧، ٢٧٨، والخزانة: ١/ ٥٥٢، وشرح السكري: ٩٥٧، وشذور الذهب: "١٠٢/ ١٦٩".
المفردات الغريبة: تعروني: تنزل بي. لذاكراك: لتذكري إياك. هزة: رعدة وانتفاضة. انتفض العصفور: ارتعد وارتعش. القطر: المطر.
المعنى: إني لاضطرب وتنتابني -عندك تذكرك- رعدة ورعشة، كما يضطرب العصفور، ويرتعش وينتفض، إذا ما نزل عليه المطر وبلله.
الإعراب: إني: حرف مشبه بالفعل، والياء: اسمه. لتعروني: اللام لام المزحلقة، تعرو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل، والنون: للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. "لذكراك": متعلق بـ "تعرو"، والكاف: مضاف إليه. هزة: فاعل مرفوع؛ وجملة "تعروني لذكراك هزة": في محل رفع خبر "إن". كما: الكاف حرف جر، و"ما" حرف مصدري. انتفض: فعل ماضٍٍ مبني على الفتح. العصفور: فاعل مرفوع؛ و"ما، وما دخلت عليه": في تأويل مصدر مجرور بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لـ "هزة"؛ والتقدير: تعروني هزة كائنة كانتفاض العصفور ... بلله: فعل ماضٍ، والهاء: مفعول به؛ والضمير عائد إلى العصفور. القطر: فاعل مرفوع؛ وجملة "ببله القطر": في محل نصب على الحال من العصفور؛ أو في محل رفع صفة للعصفور؛ لأنه محلى بأل الجنسية.
موطن الشاهد: "لذكراك".
وجه الاستشهاد: مجيء "ذكرى" علة لعروِّ الهزة، غير أن فاعل "العرو" الهزة، وفاعل "الذكرى" هو المتكلم؛ فلما اختلف الفاعل؛ جر الاسم الدال على العلة.стр. 568
وقد انتفى الاتحادان في: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ١.
[جواز جر المستوفي للشروط بكثرة إن كان بأل] :
ويجوز جر المستوفي للشروط بكثرة إن كان بـ "أل"، وبقلة إن كان مجردا، وشاهد القليل فيهما قوله٢: [الرجز]
٢٥٤- لا أقعد الجبن عن الهيجاء٣
الحواشي
(١) ١ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٧٨.
موطن الشاهد: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ .
وجه الاستشهاد: التقى مانعان للنصب على المفعول له في الآية الكريمة؛ الأول: فاعل الإقامة "المخاطب" وفاعل الدلوك "وهو الميل عن وسط السماء" الشمس؛ وزمنهما مختلف؛ لأن زمن الإقامة متأخر عن زمن الدلوك. والثاني: "الدلوك" ليس مصدرا قلبيا؛ فجرَّ المصدر باللام؛ لانتفاء الاتحادين.
٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
ولو توالت زمر الأعداء
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٦، والأشموني: "٤٣١/ ١/ ٢١٧".
المفردات الغريبة: الجبن: الخوف والفزع. الهيجاء: الحرب -تقصر وتمد، توالت: تتابعت وتكاثرت. زمر: جماعات؛ جمع "زمرة" وهي الجماعة.
المعنى: لا أتكاسل ولا أتوانى عن اقتحام الحرب ومنازلة الأبطال خوفا وفزعا، ولو تكاثرت جماعات الأعداء علي، وأتى بعضها تلو بعض.
الإعراب: لا: نافية. أقعد: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. الجبن: مفعول به لـ "أقعد" "عن الهيجاء": متعلق بـ "أقعد". ولو: الواو عاطفة، والمعطوف عليه محذوف؛ والتقدير: لو لم تتوالَ زمر الأعداء. ولو توالت: لو: شرطية غير جازمة: أو حرف امتناع لامتناع. توالت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، وهو فعل الشرط. زمر: فاعل مرفوع، وهو مضاف. الأعداء: مضاف إليه؛ وجواب "لو" محذوف دل عليه ما قبله؛ لأن التقدير: ولو توالت علي زمر الأعداء فإني لا أقعد عن الهيجاء.
موطن الشاهد: "الجبن".
وجه الاستشهاد: مجيء "الجبن" مصدرا منصوبا على المفعول لأجله؛ وحكم نصبه في هذه الحالة قليل؛ لأنه مقرون بأل؛ والأكثر فيه أن يأتي مجرورا بحرفٍ دالٍّ على التعليل.стр. 569
وقوله١: [مشطور الرجز]
٢٥٥- من أمكم لرغبة فيكم جبر٢
الحواشي
(١) ١ لم ينسب إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من الرجز، وعجزه قوله:
ومن تكونوا ناصريه يَنْتَصِرْ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٦، والأشموني: "٤٣٠/ ١/ ٢١٧"، والعيني: ٣/ ١٧٠، وفيه "ظفر".
المفردات الغريبة: أمكم: قصدكم. لرغبة: رغب فيه: أراده وأحبه، ورغب عنه كرهه ولم يرده. جبر: اغتنى وظفر بما يريد. ناصريه: جمع ناصر وهو المعين.
المعنى: إن من يقصدكم يريد فضلكم ومعروفكم؛ يظفر بما يريد. والذي تتولون إعانته ونصره على أعدائه ينتصر لا محالة.
الإعراب: من: اسم شرط جازم، في محل رفع مبتدأ. أمكم: فعل ماضٍٍ، والفاعل: هو، و"كم": مفعول به؛ وجملة "أمكم" في محل جزم فعل الشرط. "لرغبة": متعلق بـ "أم". "فيكم": متعلق بـ "رغبة" أو بمحذوف صفة لـ "رغبة". جبر: فعل ماضٍٍ مبني للمجهول؛ وهو مبني على الفتح، وسكن لضرورة الوقف في محل جزم جواب الشرط. ومن: الواو عاطفة. من: اسم شرط جازم، في محل رفع مبتدأ. تكونوا: فعل مضارع ناقص، وهو فعل الشرط مجزوم بحذف النون، وواو الجماعة في محل رفع اسمه. ناصريه: خبر "تكونوا" منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، و"الهاء": في محل جر بالإضافة. ينتصر: فعل مضارع مجزوم؛ لأنه جواب الشرط؛ وجملتا الشرط والجزاء في العبارتين في محل رفع خبر المبتدأ "اسم الشرط الجازم".
موطن الشاهد: "لرغبة".
وجه الاستشهاد: مجيء "رغبة" مصدرا قلبيا واقعا مفعولا لأجله، غير أنه جر بحرف التعليل "اللام" مع كونه مجردا من "أل" ومن الإضافة؛ وحكم جره وهو على هذه الحال قليل والكثير فيه النصب.стр. 570
[استواء النصب والجر في المضاف] :
ويستويان في المضاف، نحو: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ١، ونحو: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ٢، قيل: ومثله: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ٣، أي: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم الرحلتين، والحرف في هذه الآية واجب عند من اشترط اتحاد الزمان.
الحواشي
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٦٥.
موطن الشاهد: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ابتغاء" مصدرا منصوبا على أنه مفعول لأجله وهو مضاف؛ وحكم نصبه في هذا الحال الجواز.
٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٧٤.
موطن الشاهد: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "خشية" مصدرا مفعولا له، غير أنه جر بمن التعليلية؛ لأن التقدير: لم يهبط لأجل خشية الله؛ وهو مضاف إلى لفظ الجلالة؛ وحكم جره في هذه الحالة الجواز.
٣ "١٠٦" سورة قريش، الآية: ١.
موطن الشاهد: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "إيلاف" مصدرا مفعولا له، وهو مضاف مجرور باللام المتعلقة بـ "يعبدوا" وقيل: متعلقة بـ "أعجبوا" مقدرا؛ وقيل غير ذلك؛ وحكم جره الجواز؛ لما ذكرنا في الآيتين السابقتين. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٧.
فائدة: يجوز حذف المفعول لأجله لدليل، تقول: اعبد الله شكرا وأطعه، أي شكرا. كما يجوز حذف عامله لقرينة تدل عليه، فتقول: طلبا للراحة. في جواب: لم سافرت بالأمس؟.стр. 571
[باب المفعول فيه] :
هذا باب المفعول فيه، وهو المسمى ظرفا١:
[تعريف الظرف وأنواع ما ينتصب على الظرفية] :
الظرف: ما ضُمِّنَ معنى "في" باطِّراد: من اسم وقت، أو اسم مكان، أو اسم عرضت دلالته على أحدهما، أو جار مجراه.
فالمكان والزمان، كـ: "امكث هنا أزمُنًا".
والذي عرضت دلالته على أحدهما أربعة: أسماء العدد المميزة بهما، كـ: "سرت عشرين يوما، ثلاثين فرسخا"، وما أفيد به كلية أحدهما أو جزئيته، كـ: "سرت جميع اليوم، جميع الفرسخ" أو: "كل اليوم كل الفرسخ"، أو: بعض اليوم، بعض الفرسخ"، أو: "نصف اليوم، نصف الفرسخ".
وما كان صفة لأحدهما، كـ: "جلست طويلا من الدهر شرقيَّ الدار".
وما كان محفوضا بإضافة أحدهما ثم أنيب عنه بعد حذفه.
والغالب في هذا النائب أن يكون مصدرا، وفي المنوب عنه أن يكون زمانا، ولا بد من كونه معينا لوقت أو لمقدار، نحو: "جئتك صلاة العصر" أو: "قدوم الحاج"، و: "أنتظرك حلب ناقة" أو: "نحر جزور".
وقد يكون النائب اسم عين، نحو: "لا أكلمه القارِظَيْن"٢، والأصل "مدة غيبة القارظين".
الحواشي
(١) ١ المفعول فيه. تسمية الكوفيين، أما الظرف فتسمية البصريين، ويعترض الكوفيون على تسمية البصريين، بأن الظرف في اللغة هو: الوعاء المتناهي الأقطار، وليس اسم الزمان والمكان كذلك. حاشية الصبان: ٢/ ١٢٥، وشرح التصريح: ١/ ٣٣٧.
٢ "القارظين" منصوب على الزمان؛ لنيابته عنه بعد حذفه وهو ليس بمصدر، "والقارظين" =стр. 572
وقد يكون المنوب عنه مكانا، نحو: "جلست قرب زيد" أي: مكان قربه.
[الجاري مجرى أحدهما] :
والجاري مجرى أحدهما: ألفاظ مسموعة توسعوا فيها، فنصبوها على تضمين معنى "في" كقولهم: "أحقا أنك ذاهب"١ والأصل أفي حق، وقد نطقوا بذلك، قال٢: [الطويل]
٢٥٦- أفي الحق أني مغرم بك هائم٣
الحواشي
(١) = مثنى قارظ، وهو جاني القرظ الذي يدبغ به، وهما رجلان من عنزة خرجا يجنيان القرظ، فطالت مدة غيابهما ولم يرجعا، فضرب برجوعهما المثل؛ للأمر الميئوس منه الذي لا يكون أبدا ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:
فتلك التي لا يبرح القلب حبها ... ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل
وحتى يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في القتلى كليب لوائل
وقد أورد الميداني هذا المثل، ونصبه: "حتى يؤوب القارظان" انظر أمثال الميداني "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢١١، برقم: ١١٢٥، وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٨.
١ أحقا: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. أنك ذاهب: في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر.
٢ القائل هو: فائد بن المنذر القشيري.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
وأنك لا خَلٌّ هواك ولا خمرُ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٩، والخزانة: ١/ ١٩٣ عرضا، والعيني: ٣/ ٨١، ومغني اللبيب: "٨١/ ٧٩" وشرح السيوطي: ٦٣.
المفردات الغريبة: مغرم: مولع، من أغرم بالشيء، أولع به. هائم: متحير.
المعنى: ليس غرامي بك، وعشقي لك حقا؛ لأنك لا تستقرين على حال؛ وهواك غير ثابت، كماء العنب المتردد بين الخلية والخمرية؛ فلا هو خل صرف، ولا خمر خالص؛ ومن كان هواه بهذه المثابة، فكيف يكون غرام من أغرم بها حقا؟!.
الإعراب: "أفي الحق": الهمزة حرف استفهام يفيد الإنكار. "في الحق": متعلق بمحذوف خبر مقدم. أني: حرف مشبه بالفعل، والياء: اسمه. مغرم: خبره مرفوع؛ والمصدر المؤول من "أنَّ وما بعدها": في محل رفع مبتدأ مؤخر؛ ويجوز أن يكون =стр. 573
وهي جارية مجرى ظرف الزمان دون ظرف المكان، ولهذا تقع خبرا عن المصادر دون الجثث.
ومثله: "غير شك" أو: "جهد رأيي" أو: "ظنا مني أنك قائم"١.
[ما خرج عن الحد] :
وخرج عن الحد ثلاثة أمور:
الحواشي
(١) = في محل رفع فاعل بالظرف أو "بالجار والمجرور؛ لاعتماده على الاستفهام -على رأي من يجيزون ذلك. "بك": متعلق بـ "مغرم". هائم: خبر ثان لـ "أن". لا خل: لا عاملة عمل ليس و"خل": اسمها. هواك: خبرها، والكاف مضاف إليه؛ وجملة "لا خَلٌّّ هواك": في محل رفع خبر لـ "أن". ولا خمر: الواو عاطفة، لا: عاملة عمل ليس. خمر: معطوف على خل، وخبره محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه؛ والتقدير: ولا خمر هواك.
موطن الشاهد: "أفي الحق".
وجه الاستشهاد: "مجيء "الحق" مصرحا معه بالجار؛ وفي هذا دليل على أن "حقا" ظرف زمان؛ لتضمنه معنى "في" وليس منصوبا على المفعولية المطلقة باعتبار أصله، كما يقول بعضهم؛ حيث اتفق العلماء على أن أصل "حقا" مصدر، ثم اختلفوا: هل هو باقٍ على مصدريته أو لا؟. فذهب سيبويه والجمهور من النحاة في قولهم: "أحقا أنك ذاهب" إلى أن "حقا" منصوبة على الظرفية متعلقة بالاستقرار، على أنها خبر مقدم. و"أنك ذاهب": في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ ؛ والتقدير: ومن آياته رؤيتك. والأصل: أفي حق ذهابك؛ فحذفت "في" وانتصب "حقا" على الظرفية.
وذهب المبرد، وتبعه ابن مالك إلى أن "حقا" مصدر بدل من اللفظ بفعله و"أن وما بعدها": في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ والتقدير: أو لم يكفهم إنزالنا، ورده، أبو حيان.
انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٨-٣٣٩، ومغني اللبيب: ٧٩.
١ "غير شك"، و"جهد رأيي". و"ظنا مني"، كلمات منصوبة على الظرفية الزمانية توسعا بإسقاط حرف الجر "في"، والظرف فيها جميعا خبر مقدم، والمصدر المؤول بعدها من "أنك قائم" مبتدأ مؤخر.
التصريح: ١/ ٣٣٩.стр. 574
أحدهما: نحو: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ١ إذا قدر بفي؛ فإن النكاح ليس بواحد مما ذكرنا.
والثاني: نحو: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ ٢، ونحو: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٣، فإنهما ليسا على معنى: "في" فانتصابهما على المفعول به، وناصب "حيث" يعلم محذوفا؛ لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعا٤.
الحواشي
(١) ١ "٤" سورة النساء، الآية: ١٢٧.
موطن الشاهد: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ .
وحه الاستشهاد: عدم مجيء المصدر المؤول من "أن وما بعدها" ظرفا؛ وإن كان المصدر على تقدير في ويصدق عليه التعريف، غير أنه ليس بظرف؛ لأن المعنى: ترغبون في نكاحهن.
٢ "٧٦" سورة الإنسان، الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ .
وجه الاستشهاد: عدم مجيء "يوما" ظرفا -وإن كان من أسماء الزمان- لأنه ليس على معنى "في"؛ لأنه ليس المراد أن الخوف واقع في ذلك اليوم؛ وإنما المراد: أنهم يخافون نفس اليوم لا ما يقع فيه.
٣ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١٢٤.
موطن الشاهد: ﴿أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ﴾ .
وجه الاستشهاد: عدم مجيء "حيث" ظرفا -وإن كان من أسماء الزمان- لأنه ليس على تقدير "في"؛ لأنه ليس المراد أن العلم واقع في ذلك المكان؛ وإنما المراد: أن الله -تعالى- يعلم نفس المكان المستحق لوضع رسالته؛ وقال بعضهم: إن قولهم: "حيث": مفعول به لا ظرف فيه إخراج "حيث" عن طبيعتها؛ لأنها لا تتصرف، وجعلها مفعولا به نوع من التصرف، ولماذا لا يقال: إن المراد أن الله يعلم الفضل والطهارة والصلاحية التي في مكان الرسالة؛ فتبقى "حيث" ظرفا على أصلها. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٩.
٤ ذكر صاحب التصريح عن صاحب كتاب "البديع" قوله: "غلط من قال: إن اسم التفضيل لا يعمل في المفعول به؛ لورود السماع بذلك، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ ؛ لأن "سبيلا" ليس تمييزا؛ لكونه غير فاعل في المعنى، كما هو الحال في قولهم: "زيد أحسن وجها" وفي الارتشاف لأبي حيان، وقال محمد بن مسعود الغزني: أفعل التفضيل ينصب المفعول به، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٩.стр. 575
والثالث: نحو: "دخلت الدار"، و: "سكنت البيت" فانتصابهما إنما هو على التوسع بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فإنه لا يطرد تعدي الأفعال إلى الدار والبيت على معنى "في" لا تقول: "صليت الدار" ولا "نمت البيت"١.
[حكم الظرف النصب وناصبه اللفظ الدال على المعنى الواقع فيه] :
فصل: وحكمه النصب، وناصبه اللفظ الدال على المعنى الواقع فيه٢، ولهذا اللفظ ثلاث حالات:
[حالات اللفظ] :
إحداها: أن يكون مذكورا، كـ: "امكث هنا أزمنا"، وهذا هو الأصل.
والثانية: أن يكون محذوفا جوازا، وذلك كقولك: "فرسخين" أو "يوم الجمعة" جوابا لمن قال: "كم سرت"؟ أو "متى صمت"؟
والثالثة: أن يكون محذوفا وجوبا، وذلك في ست مسائل، وهي: أن يقع صفة كـ: "مررت بطائر فوق غصن" أو صلة كـ: "رأيت الذي عندك" أو حالا كـ: "رأيت الهلال بين السحاب" أو خبرا كـ: "زيد عندك" أو مشتغلا عنه كـ: "يوم الخميس صمت فيه" أو مسموعا بالحذف لا غير٣ كقولهم: "حينئذ الآن"٤، أي: كان ذلك حينئذ، واسمع الآن.
الحواشي
(١) ١ لأنهما من أسماء المكان المختصة؛ بها صورة وحدود محصورة، لا يقبل النصب على الظرفية من المكان إلا المبهم الصالح لكل بقعة، كمكان وناحية وجهة ... إلخ، أو الذي اتحدت مادته ومادة عاملة.
٢ سواء كان هذا اللفظ فعلا مطلقا تامًا أو ناقصا، متعديا، أو لازما، أم مصدرا أم اسم فعل، أم وصفًا.
٣ أنكر المؤلف في المغني قولهم: "لا غير" وأوجب أن يقال: ليس غير. مغني اللبيب: ٢٠٩.
٤ هذا مثل يقال لمن ذكر أمرا قد تقادم عهده؛ أي كان ما تقوله واقعا حين إذا كان كذا وكذا واسمع الآن ما أقول لك، جملتان: اقتطعت "حينئذ" من جملة واقتطعت "الآن" من أخرى، والمقصود نهي المتكلم عن ذكر ما يقوله؛ وأمره بسماع ما يقال له فـ "حين" منصوبة لفظا بفعل محذوف وهي مضافة إلى "إذ"؛ و"الآن" مبني على الفتح في محل نصب، وناصبه محذوف.стр. 576
[أسماء الزمان كلها صالحة للانتصاب على الظرفية] :
فصل: أسماء الزمان كلها صالحة للانتصاب على الظرفية، سواء في ذلك مبهمها كحين ومدة، ومختصها كيوم الخميس، ومعدودها كيومين وأسبوعين١.
والصالح لذلك من أسماء المكان نوعان:
[ما يصلح من أسماء المكان نوعان] :
أحدهما المبهم٢، وهو: ما افتقر إلى غيره في بيان صورة مسماه: كأسماء الجهات نحو أمام ووراء ويمين وشمال وفوق وتحت، وشبهها في الشياع كناحية واجبن٣ ومكان، وكأسماء المقادير كميل وفرسخ وبريد٤.
الحواشي
(١) ١ الظرف المبهم: ما دل على زمن غير مقدر، ولا يقع جوابا لمتى وكم نحو حين، ومدة، ووقت. والمختص: ما دل على مقدر ويقع جوابا لمتى نحو: يوم الخميس، جوابا لمن قال: متى جئت؟ والمعدود: ما يقع جوابا لكم نحو: يومين وأسبوع. ومن الظروف المبهمة ما له اختصاص من بعض الوجوه؛ كغداة، وعشية، وليلة، وصباح، ومساء. وبـ "في" مما ينتصب من اسم الزمان على الظرفية ما اشتق من المصدر كمجلس زيد ومقعده، بمعنى زمان جلوسه وزمان قعوده. التصريح: ١/ ٣٤١.
٢ يحصل الإبهام في المكان من وجهين؛ أحدهما: ألا يلزم مسماه؛ لأن "خلفك قدام لغيرك، وأنك بتحولك عن تلك الجهة، يصير ما كان خلفك قدام أو يمينك أو يسارك على حسب تحولك؛ لأن الجهات تختلف باختلاف الكائن فيها؛ فهي جهات له -وهو في وقع خاص- وليس لكل واحدة منها حقيقة منفردة بنفسها؛ وثانيهما: أن هذه الجهات ليس لها أمد معلوم تنتهي إليه؛ فخلفك: اسم لما وراء ظهرك إلى آخر الدنيا، وأمامك: اسم لما قدام وجهك إلى آخر الدنيا وهكذا". شرح التصريح: ١/ ٣٤١.
٣ استثنى بعضهم من المبهم: جانب وما في معناه، كـ: "جهة، ووجه وكنف، وخارج، وداخل وجوف، وظاهر، وباطن"، فلا ينصب منها شيء على الظرفية، بل يجب التصريح معها بالحرف. التصريح: ١/ ٣٤١.
٤ الميل: ألف باع، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد: أربعة فراسخ. وقيل إن هذه من المختص؛ لأنها معلومة المقدار، وقيل: هي شبيهة بالمبهم.стр. 577
والثاني: ما اتحدت مادته ومادة عامله، كـ: "ذهبت مذهب زيد"، و: "رميت مرمى عمرو"، وقوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ١.
وأما قولهم: "هو مني مقعد القابلة" و: "مزجر الكلب" و: "مناط الثريا" فشاذ؛ إذ التقدير: هو مني مستقر في مقعد القابلة، فعامله الاستقرار، ولو أعمل في المقعد قعد، وفي المزجر زجر، وفي المناط ناط؛ لم يكن شاذا٢.
[الظرف نوعان] :
فصل: الظرف نوعان:
متصرف، وهو: ما يفارق الظرفية إلى حالة لا تشبهها، كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه، كـ "اليوم"، تقول: "اليوم يوم مبارك" و: "أعجبني اليوم" و: "أحببت يوم قدومك" و: "سرت نصف اليوم".
وغير متصرف، وهو نوعان: ما لا يفارق الظرفية أصلا، كـ: "سقط وعوض"٣، تقول: "ما فعلته قَطُّ" و: "لا أفعله عَوْضُ"٤ وما لا يخرج عنها إلا
الحواشي
(١) ١ "٧٢" سورة الجن، الآية: ٩.
موطن الشاهد: ﴿نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ﴾ .
وجه الاستشهاد: انتصاب "مقاعد" على الظرفية؛ لاتحاد مادتها ومادة الفعل "نقعد"؛ ولو اختلفت مادتهما؛ لم يجز في القياس نصب "مقاعد" على الظرفية.
٢ لأن المدار على اتحاد الظرف والعامل في المادة. وإنما استأثرت أسماء الزمان بصلاحية المبهم منها والمختص للظرفية دون أسماء المكان؛ لأن أصل العوامل الفعل، ودلالته على الزمان أقوى من دلالته على المكان. ولم ينصب المختص من الأمكنة على الظرفية؛ لأنه يلتبس بالمفعول به كثيرا. التصريح: ١/ ٣٤٢.
٣ ومثلهما: بين أو بينما، والظروف المركبة: كصباح مساء، وبين بين.
٤ قط وعوض، لا يستعملان إلا بعد نفي كما مثل، وقط لاستغراق الماضي من الزمان كما أن عوض لاستغراق المستقبل مثل أبدا، فالمعنى: ما فعلته فيما انقطع ومضى من عمري، ولا أفعله في المستقبل. و"قط" مشتقة من قططت الشيء إذا قطعته، و"عوض" مشتقة من العوض، سمي الزمان: "عوض" لأن كل جزء منه يخلف ما قبله، فكأنه عوض عنه، و"قط" مبنية على الضم، أما عوض فتبنى على الحركات الثلاث إذا لم تضف. التصريح: ١/ ٣٤٢، ومغني اللبيب: ٢٠٠، ٢٣٣.стр. 578
بدخول الجار عليه، نحو قبل وبعد ولدن وعند، فيحكم عليهن بعدم التصرف مع أن "من" تدخل عليهن؛ إذ لم يخرجن عن الظرفية إلا إلى حالة شبيهة بها؛ لأن الظرف والجار والمجرور أخوان.
стр. 579
[باب المفعول معه] :
هذا باب المفعول معه:
[تعريف المفعول معه وما يخرج بكل قيد] :
وهو: اسم، فضلة، تالٍ لواو بمعنى مع، تالية لجملة ذات فعل أو اسم فيه معناه وحروفه، كـ: "سرت والطريق" و: "أنا سائر والنيل".
فخرج باللفظ الأول نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" ونحو: "سرت والشمس طالعة" فإن الواو داخلة في الأول على فعل، وفي الثاني على جملة، وبالثاني نحو: "اشترك زيد وعمرو"، وبالثالث نحو: "جئت مع زيد"، وبالرابع نحو: "جاء زيد وعمرو قبله، أو بعده"، وبالخامس نحو: كل رجل وضيعته"١ فلا يجوز فيه النصب، خلافا للصيمري٢، وبالسادس نحو: "هذا لك وأباك" فلا يتكلم به، خلافا لأبي علي٣.
الحواشي
(١) ١ هذا: إذا قدر الخبر مثنى، كأنه قيل: كل رجل وضيعته مقترنان، أما إذا قدر الخبر مفردا، فيجوز النصب على المعية عطفا على ضمير الخبر، كأنه قيل أكل رجل موجود وضيعته.
٢ هو: أبو محمد؛ عبد الله بن علي بن إسحاق الصيمري النحوي، نسبة إلى الصيمرة وهي بلد بالبصرة، كان عالما فاضلا، قدم مصر، ونقل عنه أبو حيان كثيرا. له كتاب جليل في النحو يسمى: "التبصرة" يشتغل به أهل المغرب، وقد أحسن فيه التعليل لمذهب البصريين.
البلغة: ١١٢، بغية الوعاة: ٢/ ٤٩، إنباه الرواة: ٢/ ١٢٣، معجم المؤلفين: ٦/ ٨٧.
٣ هو أبو علي الفارسي، وقد مرت ترجمته. فقد أجاز مثل ذلك بناء على مذهبه من الاكتفاء بما فيه معنى الفعل، كالإشارة، والتنبيه، والظرف، ولهذا أجاز في قول الشاعر:
لا تحبسنك أثوابي فقد جمعت ... هذا ردائي مطويا وسربالا
أن ينصب "سربالا" على المعية. والجمهور على أنه منصوب بـ "مطويا" ليس غير.стр. 580
فإن قلت: فقد قالوا: "ما أنت وزيدا" و: "كيف أنت وزيدا"١.
قلت: أكثرهم يرفع بالعطف، والذين نصبوا قدروا الضمير فاعلا لمحذوف لا مبتدأ، والأصل: ما تكون؟ وكيف تصنع٢؟ فلما حذف الفعل وحده برز ضميره وانفصل.
الحواشي
(١) ١ أي ينصب "زيدا" فيها، بعد "ما" و"كيف" الاستفهاميتين؛ مع أنه لم يتقدم فعل، ولا اسم فيه معنى الفعل وحروفه.
٢ أي: لتعذر الاتصال. وقدر سيبويه الفعل المحذوف من لفظ الكون، وجعله ماضٍيا مع "ما" ومضارعا مع "كيف" فقال: إن الأصل: ما كنت وزيدا؟ وكيف تكون وزيدا؟.
وقيل: إن هذا غير مقصود من سيبويه، و"كان" في المثالين: إما ناقصة وأداة الاستفهام قبلها خبر مقدم، واسمها ضمير المخاطب الذي كان مستترا؛ فلما حذفت برز وانفصل -وهذا هو الأصح- وإما تامة وفاعلها الضمير المستتر، وما الاستفهامية مفعول مطلق متقدم، وكيف: حال مقدم؛ والتقدير: أي وجود توجد مع زيد -وهذا رأي ضعيف- وقد أشار الناظم إلى ذلك بقوله:
وبعد "ما" استفهام أو "كيف" نصب ... بفعل كون مضمر بعض العرب
أي: نصب بعض العرب المفعول معه بعد "ما" و"كيف" الاستفهاميتين، وجعل النحاة النصب بفعل مقدر من لفظ الكون كما بين المؤلف.
انظر في تفصيل هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ٣٤٣، والأشموني: ١/ ٢٢٥، والمفصل، للزمخشري: ٥٨.
فائدة: ورد في كلام العرب الاسم الواقع بعد الواو المسبوقة بـ "ما أنت" و"كيف أنت" مرفوعا ومنصوبا؛ والأكثر وروده مرفوعا كما في قول الشاعر:
وكنت هناك أنت كريم قيس ... فما القيسي بعدك والفخار
وكقول الآخر:
وكنت امرأ من أهل نجد وأهلنا ... تهام، فما النجدي والمتغورُ
وفي حالة الرفع؛ تكون الواو للعطف، ويكون الاسم المرفوع معطوفا على الضمير "أنت" وأما مجيئه منصوبا؛ فنحو قول أسامة بن حبيب الهذلي:
ما أنت والسير في متلفٍ ... يبرِّح بالذَّكَرِ الضَّابِطِ
ونحو الآخر:
أتوعدني بقومك يابن حجلِ ... أشابات يخالون العبادا
بما جمَّعت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والجيادا
والشاهد هنا قوله: "والجيادا"؛ لأن قوله: "وعمرو" فالواو فيها واو العطف. أوضح المسالك: ٢/ ٢٤٠، حا: ١.стр. 581
[الناصب للمفعول معه] :
والناصب للمفعول معه ما سبقه من فعل أو شبهه١، لا الواو، خلافا للجرجاني٢، ولا الخلاف، خلافا للكوفيين، ولا محذوف، والتقدير: سرت ولابست النيل، فيكون حينئذ مفعولا به، خلافا للزجاج٣.
[للاسم بعد الواو خمس حالات] :
فصل: للاسم بعد الواو خمس حالات:
١- وجوب العطف، كما في: "كل رجل وضيعته" ونحو: "اشترك زيد وعمرو" ونحو: "جاء زيد وعمرو قبله أو بعده" لما بينا٤.
الحواشي
(١) ١ أي: ما يشبهه في العمل من كل ما ينصب المفعول به من المشتقات؛ وذلك يشمل: اسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر، واسم الفعل، ولكن لا يشمل الصفة المشبهة، ولا أفعل التفضيل، ولا ما يعمل.
وأما قوله "ما سبقه من فعل أو شبهه" فهو تابع فيه لابن مالك في قوله:
بما من الفعل وشبهه سبق ... ذا النصب، لا بالواو في القول الأحق
وفي هذا إشارة إلى أنه لا يجوز تقديم المفعول معه على العامل فيه؛ فلا يقال: والنيل سرت، ولا يقال: والنيل أنا سائر؛ وهذا مما لا خلاف فيه، وكذلك لا يجوز أن يتوسط المفعول معه بين العامل ومصاحبه، فلا يقال: سار والنيل زيد. وخالف ابن جني هنا، وأجاز التوسط بين العامل ومصاحبه؛ أي: أن يتقدم المفعول معه مصاحبه، واستدل بقول الحماسي:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقيه والسوأة اللقبا
فأصل الكلام: ولا ألقبه اللقب والسوأة على مذهب ابن جني.
والصواب -فيما استدل به- أن تالي الواو في هذين البيتين ليس مفعولا معه، بل هو معطوف، تقدم على المعطوف عليه ضرورة، والضرورة تحفظ ولا يقاس عليها. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٤، وحاشية الصبان: ٢/ ١٣٧.
٢ مرت ترجمته.
٣ مرت ترجمته.
٤ أي من فقد شروط النصب، وهو عدم تقدم جملة في الأول، وعدم الفضلة في الثاني وعدم المصاحبة في الثالث.стр. 582
٢- ورجحانه١، كـ: "جاء زيد وعمرو" لأنه الأصل، وقد أمكن بلا ضعف.
٣- ووجوب المفعول معه، وذلك في نحو: "ما لك وزيدا"، و: "مات زيد وطلوع الشمس" لامتناع العطف في الأول من جهة الصناعة٢، وفي الثاني من جهة المعنى.
٤- ورجحانه، وذلك في نحو قوله٣: [الوافر]
٢٥٧- فكونوا أنتم وبني أبيكم٤
الحواشي
(١) ١ أي رجحان العطف، ويجوز النصب على ضعف.
٢ لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بعد إعادة الجار، قال تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ .
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
مكان الكليتين من الطحال
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٤٥، والأشموني: "٤٤١/ ١/ ٢٢٥" والهمع: ١/ ٢٢٠، ٢٢١، والدرر: ١/ ١٩٠، والعيني: ٣/ ١٠٢، وشرح المفصل: ٢/ ٤٨، ٥٠، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٥٠، وقطر الندى "١٠٣/ ٣١٥"، ومجالس ثعلب: ١٢٥.
المفردات الغريبة: الكليتان: معروفتان، والمفرد، كلية وكلوة، والجمع: كليات وكلى. الطحال: معروف أيضا وهو دم متجمد، وجمعه: طحل، ككتب.
المعنى: يأمر الشاعر مخاطبيه ويوصيهم بأن يكونوا مع أخوانهم على وفاق واتصال تام، كاتصال الكليتين بالطحال.
الإعراب: كونوا: فعل أمر ناقص مبني على حذف النون؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو في محل رفع اسم "كن" الناقصة. أنتم: ضمير منفصل مؤكد للضمير المتصل "واو الجماعة". وبني: الواو واو المعية، بني: مفعول معه منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف، أبيكم: "أبي" مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف و"كم": مضاف إليه. "مكان": متعلق بمحذوف خبر "كونوا" الناقصة، وهو مضاف. الكليتين: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى. "من الطحال": متعلق بـ "مكان"؛ لأن فيه رائحة الفعل.
موطن الشاهد: "وبني أبيكم".
وجه الاستشهاد: نصب "بني" على أنه مفعول معه، وحكم نصبه على أنه مفعول معه -هنا- الجواز مع الرجحان؛ لأنه يجوز أن يرفع عطفا على الضمير الواقع اسما في "كونوا"؛ لوجود التأكيد بالضمير المنفصل، غير أنه ضعيف من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي -حينئذ- أن يكون أبناء الأب مأمورين بذلك أيضا، وهو غير مراد؛ لأن المراد؛ توجيه الأمر للمخاطبين -وحدهم- بأن يكونوا مع بني أبيهم متحابين كالكليتين من الطحال؛ ولهذا، قلنا: حكم النصب هنا الجواز مع الترجيح. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٥.стр. 583
ونحو: "قمت وزيدا"؛ لضعف العطف في الأول من جهة المعنى، وفي الثاني من جهة الصناعية١.
٥- وامتناعهما، كقوله٢: [الكامل]
٢٥٨- علفتها تبنا وماء باردا٣
الحواشي
(١) ١ لأنه لا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل، إلا بعد توكيده بضمير منفصل أو بأي فاصل كان، ونحو: أكرمتك ومحمدا، يجوز كون "محمدا" معطوفا على الكاف، وأن يعرب مفعولا معه. التصريح ١/ ٣٤٥.
٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
حتى شتت همالة عيناها
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٤٦، والأشموني: "٤٤٢/ ١/ ٢٢٦"، وابن عقيل: "١٦٦/ ٢/ ٢٠٧"، والهمع: ٢/ ١٣٠، والدرر: ٢/ ١٦٩، والمقتضب: ٤/ ٢٢٣، والخصائص: ٢/ ٤٣١، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٢١، والإنصاف: ٦١٣، وشرح المفصل: ٢/ ٨، والخزانة: ١/ ٤٩٩، والعيني: ٣/ ١٠١، ٤/ ١٨١، والمغني: "١٠٧٠/ ٨٢٨"، وشرح السيوطي: ٣١٤، واللسان "قلد"، والشذور: "١١٥/ ٣١٦".
المفردات الغريبة: علفتها: قدمت لها العلف، وهو ما يقدم للدواب من الأكل وجمعه علاف. كجبل وجبال. شتت: بدت. همالة: صيغة مبالغة من هملت العين إذا فاض دمعها وكثر نزوله منها.
المعنى: علفت هذه الدابة تبنا، وأشبعتها، وسقيتها ماء باردا حتى فاضت عيناها بالدموع من الشبع.
الإعراب: علفتها: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل، و"ها": مفعول به أول. تبنا: مفعول به ثانٍ. وماء: الواو حرف عطف، ماء: مفعول به لفعل محذوف؛ والتقدير: وسقيتها =стр. 584
وقوله: [الوافر]
٢٥٩- وزججن الحواجب والعيونا١
الحواشي
(١) = ماء. باردا: صفة لـ "ماء" منصوبة؛ ونلحظ هنا -أن "الواو" عطفت جملة على جملة.
موطن الشاهد: "وماء".
وجه الاستشهاد: استشهد بهذا البيت على عدم صحة مجيء "ماء" مفعولا معه -كما زعم ابن عقيل- لانتفاء المصاحبة؛ حيث إن الماء لا يصاحب التبن في العلف، أو إن الدابة لا تشرب الماء في أثناء تناولها العلف، فلا يتحد الزمان، وبالتالي فلا ينتصب على المفعولية "المفعول معه"؛ لأن من شرط انتصاب الاسم على أنه مفعول معه أن يكون مشاركا لما قبله في زمان تسلط العامل عليه؛ لاشتراطهم أن تكون الواو السابقة عليه دالة على المصاحبة.
وذهب بعضهم كالجرمي والمازني والمبرد وأبي عبيدة والأصمعي واليزيدي وغيرهم من العلماء إلى أن "ماء" معطوف على قوله "تبنا" بعد التأويل في العامل؛ أي: لا يبقى معنى علفتها: "أطعمتها" وقدمت لها ما تأكله -كما هو معناه الوضعي- بل يضمن معنى أعم منه؛ كأن يراد به: "قدمت لها" أو: "أنلتها" أو: أعطيتها ونحو ذلك؛ والأفضل من هذا، وذاك ما ذهبنا إليه في الإعراب، وهو تخريج أبي علي الفارسي، والمبرد، والزوني. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٦، وحاشية الصبان: ٢/ ١٤٠-١٤١، وابن عقيل: ٤٦٨١.
١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
إذا ما الغانيات برزن يوما
وينشد قبل الشاهد قوله:
وأظعان طلبت بذات لوث ... يزيد رسيمها سرعا ولينا
وينشد بعد الشاهد قوله:
أَنَخْنَ جِمالهن بذات غسل ... سراة اليوم بمهدن الكدونا
والشاهد من شواهد التصريح: ١/ ٣٤٦، والأشموني: "٤٤٣/ ١/ ٢٦٦"، والخصائص: ٢/ ٤٣٢، والإنصاف: ٦١٠، والعيني: ٣/ ٩١، ٤/ ١٩٣، والهمع: ١/ ١٢٢، ٢/ ١٣٠، والدرر: ١/ ١٩١، ٢/ ١٦٩، وحاشية يس: ١/ ٤٣٢، وتأويل مشكل القرآن: ١٦٥، ومغني اللبيب: "٦٦٢/ ٤٦٦" وشرح السيوطي: ٢٦٣، والخزانة: ٢/ ٧٣، وشذور الذهب: "١١٦/ ٣١٧.
المفردات الغريبة: الغانيات: جمع غانية، وهي المرأة التي استغنت بجمالها عن الحلي والزينة. برزن: ظهرن. زججن الحواجب: دققنها ورققنها في طول. =стр. 585
أما امتناع العطف؛ فلانتفاء المشاركة، وأما امتناع المفعول معه؛ فلانتفاء المعية في الأول وانتفاء فائدة الإعلام بها في الثاني.
ويجب في ذلك إضمار فعل ناصب للاسم على أنه مفعول به، أي: وسقيتها ماء، وكحلن العيونا، هذا قول الفارسي والفراء١ ومن تبعهما.
وذهب الجرمي والمازني والمبرد وأبو عبيدة٣ والأصمعي٣
الحواشي
(١) = المعنى: إذا ما برزت تلك النساء الجميلات من خدورهن متزينات -وقد رققن حواجبهن، وكحلن عيونهن- أنخن جمالهن التي يركبنها -بهذا الموضع- وسط النهار؛ ليصلحن خدورهن، أو هوادجهن.
الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، ما: زائدة. الغانيات: فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ وجملة "الفعل المحذوف وفاعله": في محل جر بالإضافة. برزن: فعل ماضٍٍ مبني على السكون، ونون النسوة: فاعل؛ وجملة "برزن": تفسيرية، لا محل لها. "يوما": متعلق بـ "برز". وزججن: الواو عاطفة، زجج: فعل ماضٍٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة، والنون: فاعل. الحواجب: مفعول به منصوب. والعيونا: الواو عاطفة، العيونا: مفعول به لفعل محذوف، وتقدير الكلام: وزججن الحواجب وكحلن العيون؛ وجملة "كحلن العيون": معطوفة على جملة "زججن الحواجب"؛ وهذا الوجه هو الأفضل.
موطن الشاهد: "زججن الحواجب والعيونا".
وجه الاستشهاد: لا تصح المعية في قوله: "والعيونا"؛ لانتفاء فائدة الإعلام بها؛ أي: بمصاحبة العيون للحواجب؛ إذ من المعلوم أن العيون مصاحبة للحواجب. كما لا يجوز أن نعطف "العيون" على "الحواجب" عطف مفرد على مفرد؛ لأن فعل زجج، لا يصح أن يتعدى إلى ما قبل الواو وما بعدها مع بقائه على معناه الحقيقي؛ لأن العيون لا تزجج؛ ولذا فلا بد من أن يضمَّن فعل زجج معنى أعم وأشمل من معناه الأصلي؛ حتى يصح أن يتناول ما بعد الواو وما قبلها؛ نحو ما ذهب إليه المؤلف في المتن، من تأويل: "زججن" بـ "حسن"؛ ويجوز -في هذه الحال- أن تكون الواو عاطفة مفردا على مفرد؛ والأفضل ما ذهبنا إليه في الإعراب، وهو أن "الواو" عاطفة جملة على جملة.
١ مرت ترجمة كل منهما في محلها.
٢ مرت ترجمة كل منهم.
٣ الأصمعي: هو أبو سعيد؛ عبد الملك بن قريب؛ البصري، والأصمعي نسبة إلى جده أصمع، وهو أحد أئمة اللغة والنحو والغريب والملح والنوادر. روى عن أبي عمرو بن العلاء، وكان يتمتع بحافظة جيدة. حتى أنه كان يحفظ ١٦ ألف أرجوزة غير دواوين العرب، قال عنه الشافعي: ما عَبَّرَ أحد من العرب بمثل عبارة الأصمعي له كتب قيمة منها: كتاب الأصول، والنوادر، والقلب والإبدال، وغريب القرآن وخلق الإنسان، واللغات ... وغيرها ولد سنة ١٢٥ ومات سنة ٢١٠ هـ. البلغة ١٢٩، إنباه الرواة: ٢/ ١٩٧، بغية الوعاة: ٢/ ١١٢، طبقات القراء: ١/ ٤٧٠، والأعلام: ٤/ ٣٠٧.стр. 586
واليزيدي١ إلى أنه لا حذف، وأن ما بعد الواو معطوف، وذلك على تأويل العامل المذكور بعامل يصح انصبابه عليهما؛ فيؤول زججن بحسنَّ٢ وعلفتها بأنلتها٣.
الحواشي
(١) ١ اليزيدي: هو أبو محمد، يحيى بن المبارك -مولى بني عدي، أخذ العربية عن أبي عمرو بن العلاء، واللغة والعروض عن الخليل، وكان أحد أكابر القراء، وكان ثقة صدوقا، وجعله الرشيد مؤدبا للمأمون، له: مختصر في النحو، المقصور والممدود، النقط والشكل ... وغيرها وله الكثير من الشعر، مات بخراسان سنة ٢٠٢ هـ. البلغة: ٢٨٤، بغية الوعاة: ٢/ ٣٤٠، طبقات القراء: ٢/ ٣٧٥، وفيات الأعيان: ٢/ ٣٠٤، الأعلام: ٩/ ٢٠٥.
توجيه: الفرق بين العطف والمعية: أن العطف يقتضي المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه في معنى الفعل، سواء حصلت المشاركة في الزمن أو لا؛ فإذا قلت: قابلت محمدا وعليا في الحج، فيجب أن تتناولهما المقابلة، وليس بلازم أن تكون شملتهما مع المتكلم في وقت واحد. أما المعية فبالعكس؛ أي: إنه تتحتم المشاركة الزمنية. أما المشاركة المعنوية؛ فقد تكون أو لا تكون؛ فإذا قلت: سار محمد والنيل -تعينت المشاركة الزمنية. أما المعنوية؛ فلا يمكن؛ لأن النيل لا يشارك في السير. ضياء السالك: ٢/ ١٦٠.
فائدة: قال الصبان: قال الفارضي: إذا اجتمعت المفاعيل؛ قدم المفعول المطلق. ثم المفعول به الذي تعدى إليه الفاعل بنفسه، ثم الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، ثم المفعول فيه الزماني، ثم المكاني، ثم المفعول له، ثم المفعول معه؛ نحو: ضربت ضربا محمدا بسوط نهارا هنا تأديبا وطلوع الشمس؛ والظاهر أن هذا الترتيب أولى؛ لا واجب، ومن الخير أن يراعى تقديم -الأهم والمقصود- مهما كان. حاشية الصبان: على شرح الأشموني: ٢/ ١٤١.
٢ لأن "حَسَّنَّ" يصح تسلطه على كل من العيون والحواجب.
٣ لأن "أنلتها" يصح تسلطه على التبن والماء؛ والتوسع في معنى الأفعال من باب التضمين؛ وهو سائغ ووارد في لغة العرب.стр. 587
[باب المستثنى] :
هذا باب المستثنى:
[أدوات الاستثناء] :
للاستثناء١ أدوات ثمانٍ:
حرفان وهما: "إلا" عند الجميع، و: "حاشا"٢ عند سيبويه، ويقال فيها: حاش وحشا.
الحواشي
(١) ١ الاستثناء: اسم يذكر بعد إلا، أو إحدى أخواتها، يخالف ما قبلها في الحكم نفيا أو إثباتا، ويقول صاحب التسهيل في تعريفه: "هو المخرج تحقيقا أو تقديرا من مذكور، أو متروك بإلا أو ما في معناها" فالمخرج: جنس يشمل المخرج بالبدل، وبالصفة، وبالشرط، وبالاستثناء، وغير ذلك؛ وقوله: "تحقيقا أو تقديرا": إشارة إلى قسمي الاستثناء، المتصل والمنقطع. وقوله: "من مذكور أو متروك": إشارة إلى قسمي الاستثناء، التام والمفرَّغ؛ وقوله: "بإلا أو ما في معناها": يشمل أدوات الاستثناء جميعا. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٦-٣٤٧، وحاشية الصبان: ٢/ ١٤١-١٤٢.
٢ للنحاة في "حاشا" ثلاثة مذاهب:
الأول: ما ذهب إليه سيبويه وجماعة من البصريين، وحاصله: أن "حاشا" حرف جر دائما، ولا تأتي فعلا؛ لأنهم لم يحفظوا إلا الجر بها، والجر: لا يكون إلا بالحرف؛ واختلف أصحاب هذا الرأي حول قضية التعليق؛ ألها تعلق كبقية حروف الجر أو إنها كالحروف الزائدة، فلا متعلق لها؟ فذهب بعضهم إلى أن لها متعلقا كسائر حروف الجر؛ ومتعلقها ما يكون قبلها من فعل أو شبهه؛ وعلى هذا، يكون محلها مع المجرور نصبا. وذهب آخرون -ومنهم ابن هشام- إلى أنها لا تتعلق بشيء كالحروف الزائدة؛ لِأنها ليست على نمط حروف الجر الأصلية، التي توصل معاني الأفعال التي قبلها إلى الاسم المجرور بها؛ وهي -أي حاشا- لا توصل المعنى إلى ما بعدها؛ بل تزيل معنى الفعل، ولما اختلف حال هذا الحرف "حاشا" عن حال بقية حروف الجر الأصلية، لم يجعل منها؛ وفي هذا الكلام نظر. =стр. 588
وفعلان وهما: "ليس"١، و: "لا يكون".
ومترددان بين الفعلية والحرفية٢، وهما: "خلا" عند الجميع، و: "عدا" عند غير سيبويه.
واسمان وهما: "غير" و: "سوى" بلغاتها، فإنه يقال: سِوىً كـ "رِضىً"، وسُوىً كـ "هُدىً"، وسَواء كـ "سماء"، وسِواء كـ "بناء"، وهي أغربها٣.
الحواشي
(١) = الثاني: ما ذهب إليه المازني والجرمي، والمبرد، والزجاج، والأخفش، وأبو زيد، والفراء، وأبو عمرو الشيباني، وكثير من المتأخرين، وهو عدها حرف جر -كثيرا- وما بعدها يكون مجرورا بها، واستعمالها -قليلا- فعلا متعديا جامدا فتنصب ما بعدها؛ فإذا استعملت حرفا، قيل: حاشاي من دون نون الوقاية، وإذا استعملت فعلا، قيل: حاشاني، ويعد هذا الفعل جامدا؛ لتضمنه معنى إلا؛ ولما جاء عمن يحتج بكلامهم نصب ما بعدها؛ وجره؛ ذهب أصحاب هذا المذهب إلى أنها حين تجر ما بعدها تكون حرف جر، وحين تنصب ما بعدها تكون فعلا.
الثالث: ما ذهب إليه الكوفيون، وهو أنها فعل دائما، تنصب ما بعدها، ولا تكون حرفا جارا، وحجتهم على ما ذهبوا إليه وكونها تتصرف، فتأتي حاشى وأحيانا: حاش؛ ومعلوم أن الحروف لا تتصرف؛ وإذا جاء بعدها اسم مجرور؛ فهو مجرور بحرف جر حذف، وبقي عمله؛ وفي كلامهم نظر؛ والأرجح، والأصح: ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني؛ لعدم التأويل والتقدير: وانظر في تفصيل هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ٣٤٦، والمغني: ١٦٤-١٦٦، والجني الداني، ٥٥٨-٥٦٨، وحاشية الصبان: ٢/ ١٦٥-١٦٧، وابن عقيل: ١/ ٤٩١-٤٩٣.
١ هذا مذهب الجمهور، وذهب أبو علي الفارسي، وتبعه في ذلك أبو بكر بن شقير، إلى أن ليس حرفا دائما، وظهر بطلان هذا الرأي باقترانها بتاء التأنيث الساكنة في نحو "ليست هذه بمفلحة"، وتاء الفاعل في نحو "لست، ولستما، ولستم، ولستن" وهذا من علامات الأفعال. و"ليس" في الاستثناء حرف ناصب للمثنى بمنزلة إلا، وهي في غير الاستثناء فعل. مغني اللبيب: ٣٨٦-٣٩٠، والتصريح: ١/ ٣٤٧، والجنى الداني: ٤٩٣-٥٠٠.
٢ أي ما لم تتقدم عليهما "ما" المصدرية، وإلا تعينتا للفعلية ويلزمان المضي.
٣ قلَّ من ذكرها، وممن نص عليها الفارسي في كتابه الحجة، وتبعه ابن الخباز في كتابه النهاية.
وقال في المغني: إنها تمد مع الفتح وتقصر مع الضم ويجوز الوجهان مع الكسر. التصريح: ١/ ٣٤٧، ومغني اللبيب: ١٨٧.стр. 589
[أحوال الاسم الواقع بعد إلا وحكمه] :
فإذا استثنى بـ "إلا" وكان الكلام غير تام، وهو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه، فلا عمل لـ "إلا"، بل يكون الحكم عند وجودها مثله عند فقدها، ويسمى استثناء مفرغا، وشرطه: كون الكلام غير إيجاب١، وهو: النفي نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ٢، والنهي نحو: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٣، ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٤، والاستفهام الإنكاري نحو: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ
الحواشي
(١) ١ لأن التفريغ في الإيجاب، يدعو إلى الاستبعاد والوهم؛ فنحو: قام إلا زاهر، يفهم منه قيام جميع الناس إلا زاهرا -وهذا بعيدا ومحال- وليس هناك قرينة تدل على أن المراد جماعة مخصوصة.
وجوَّز ابن الحاجب التفريغ في الموجب، شرط أن يكون فضلة، وحصلت فائدة؛ نحو: قرأت إلا يوم الخميس؛ فإنه يجوز أن تقرأ في الأيام جميعها إلا يوم الخميس.
وأجيب بأن هذا قليل فيمنع طردا للباب، كما اتفق على الجواز في المنفي، وإن لم يستقم المعنى أحيانا؛ نحو: ما مات إلا زاهر؛ لِهذا السبب.
وخلاصة القول: أن الاستثناء المفرغ يقتضي أن يكون الكلام غير تام، وغير موجب معًا. انظر ضياء السالك: ٢/ ١٦٣، حا: ٤، وشرح التصريح: ١/ ٣٤٨.
٢ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.
موطن الشاهد: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: تقدم على الاستثناء ما يخرجه عن الإيجاب وهو "ما" النافية، فيعرب "محمد" مبتدأ، و"رسول" خبرا؛ لكون الاستثناء مفرغا، حيث جاء الكلام غير إيجاب.
٣ "٤" سورة النساء، الآية: ١٧١.
موطن الشاهد: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الاستثناء مفرَّغا؛ لِكون الكلام غير إيجاب؛ لِسبقه بلا الناهية؛ و"تقولوا" يطلب مفعولا صريحا، فنصب ما بعد إلا على المفعولية؛ وتقدير المستثنى منه: ولا تقولوا على الله شيئا إلا الحق.
٤ "٢٩" سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.
موطن الشاهد: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الاستثناء مفرغا؛ لكون الكلام غير إيجاب؛ لِسبقه بلا الناهية. وما قبل "إلا" وهو "تجادلوا" يطلب مجرورا بالباء؛ فجر بها ما بعد إلا وهو "التي"؛ وتقدير المستثنى منه: ولا تجادلوا أهل الكتاب بشيء إلا بالتي هي أحسن.стр. 590
الْفَاسِقُونَ﴾ ١، فأما قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ٢، فحمل "يأبى" على "لا يريد" لأنهما بمعنى.
وإن كان الكلام تاما: فإن كان موجبا٣ وجب نصب المستثنى٤، نحو:
الحواشي
(١) ١ "٤٦" سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.
موطن الشاهد: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الاستثناء مفرغا؛ حيث جاء الكلام غير إيجاب؛ لأن الاستفهام الإنكاري يحمل معنى النفي؛ وما قبل إلا؛ وهو "يهلك" يتطلب نائب فاعل مرفوع ما بعد "إلا" وهو "القوم" وتقدير المستثنى منه: فهل يهلك أحد إلا القوم الفاسقون.
٢ "٩" سورة التوبة، الآية: ٣٢.
موطن الشاهد: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: حمل "يأبى" في إفادة النفي على "لا يريد"؛ لأنهما بمعنى واحد؛ والمعنى: لا يريد الله إلا أن يتم نوره "إتمام نوره" فلا فرق في النفي بين أن يكون في اللفظ أو في المعنى؛ ولذا عد من باب الاستثناء المفرغ.
٣ الموجب هو: الجملة التي ليس فيها نفي أو شبهه؛ وهو النهي، والاستفهام المتضمن معنى النفي، كالإنكاري والتوبيخي.
٤ يجب نصب المستثنى سواء أكان متأخرا عن المستثنى منه، أم متقدما عليه؛ ومتصلا كان الاستثناء أم منقطعا. ويقال في الإعراب: "إلا": حرف استثناء، والمستثنى: منصوب على الاستثناء.
فائدة: اختلف النحاة في العامل في الاسم المنصوب بعد إلا؛ ولهم في هذه المسألة ثمانية أقوال:
أ- إن الناصب لهذا الاسم هو "إلا" نفسها -وحدها" وإلى هذا ذهب ابن مالك، ونسبه إلى سيبويه والمبرد.
ب- إن الناصب هو تمام الكلام، ومثل هذا انتصاب التمييز، نحو قولك: أعطيته عشرين درهما.
ج- إن الناصب هو الفعل المتقدم على "إلا" لكن بوساطة "إلا" وينسب هذا القول إلى السيرافي، والفارسي، وابن الباذش، وضعف العلماء هذا الرأي؛ لأنه قد لا يكون في الكلام فعل أصلا؛ كما في قولك: "القوم إخوتك إلا زيدا".
د- إن الناصب هو الفعل السابق بغير وساطة "إلا" وإلى هذا، ذهب ابن خروف، وضعفوه بمثل ما ضعفوا رأي الفارسي ومن معه. =стр. 591
﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ ١، وأما قوله٢: [البسيط]
٢٦٠- عافٍ تَغَيَّرَ إلا النؤْيُ والوَتَدُ٣
فحمل "تغير" على "لم يبق على حاله" لأنهما بمعنى.
الحواشي
(١) = هـ- إن الناصب فعل محذوف يقدر من معنى "إلا" مثل "أستثني"، وإلى هذا، ذهب الزجاج.
و إن الناصب هو مخالفة ما بعد إلا لما قبلها، ويحكى هذا عن الكسائي.
ز- إن الاسم المنصوب يقع اسما لـ "أن" -بتشديد النون- مؤكدة محذوفة وخبرها محذوف أيضا؛ وتقدير الكلام في "قام القوم إلا زيدا": قام القوم إلا أن زيدا لم يقم، وقد حكي هذا القول عن الكسائي؛ وهو تكلف ظاهر.
ح- إن "إلا" مركبة من "إن" المؤكدة ولا العاطفة، ثم خففت "إن" بحذف أحد نونيها، ثم أدغمت في "لا" فإذا انتصب ما بعدها، فذلك من أجل تغليب حكم "إن"، وإذا لم ينتصب فمن أجل تغليب حكم "لا" العاطفة؛ ونسب هذا القول إلى الفراء؛ وهو أشد تكلفا من سابقه. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٩.
١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٤٩.
موطن الشاهد: ﴿شَرِبُوا مِنْهُ إِِلَّا قَلِيلًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء ما قبل "إلا" وهو شربوا كلاما تاما موجبا؛ لأن المستثنى منه موجود؛ وهو "الواو" في شربوا؛ ولم يتقدم عليه نفي ولا شبهه؛ فجاء ما بعد إلا "قليلا" منصوبا على الاستثناء؛ وحكم نصبه على الاستثناء -في هذه الحال- الوجوب؛ لتوفر الشروط اللازمة.
٢ القائل: هو: الأخطل؛ غياث بن غوث التغلبي النصراني، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد:
هذا عجز بيت وصدره قوله:
وبالصريمة منهم منزل خَلَقٌ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٤٩، والأشموني: "٤٤٤/ ١/ ٢٢٨"، والعيني: ٣/ ١٠٣ ومغني اللبيب: "٤٩٦/ ٣٦٣"، وديوان الأخطل: ١٦٨.
المفردات الغريبة: الصريمة: اسم موضع، وأصله: المنقطع من الرمل. خلق: بالٍ. عافٍ: دارس مندثر. النؤي: جدول صغير يحفر حول الخباء لمنع السيل عنه.
المعنى: إن بهذا الموضع منزلا باليا خلفه القوم، تغيرت حاله، ودرست معالمه، ولم يبق منه إلا الحفرة التي كانت حوله، والوتد الذي يربط به الخباء أو الدواب.
الإعراب: "بالصريمة": متعلق بمحذوف خبر مقدم. "منهم": متعلق بمحذوف حال =стр. 592
وإن كان الكلام غير موجب: فإن كان الاستثناء متصلا١ فالأرجح إتْباع المستثنى للمستثنى منه٢: بَدَلَ بعضٍ عند البصريين، وعَطْفَ نَسَقٍ عند الكوفيين٣
الحواشي
(١) = من "منزل" الآتي؛ لأن الصفة إذا تقدمت على الموصوف؛ تنصب على الحال؛ ويجوز تقدم الحال على صاحبه؛ أو "منهم": متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في "بالصريمة"؛ وهذا الضمير عائد على منزل -وهذا متعين على مذهب الجمهور الذين لا يجوزون مجيء الحال من المبتدأ. منزل: مبتدأ مؤخر. خلق صفة لـ "منزل" مرفوع. عافٍ: صفة ثانية مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين. تغير: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود إلى المنزل؛ وجملة "تغير": في محل رفع صفة ثالثة لـ "منزل" إلا: حرف استثناء النؤي: بدل من الضمير المستتر في تغير؛ وبدل المرفوع مرفوع مثله. والوتد: الواو عاطفة، الوتد: اسم معطوف على النؤي مرفوع مثله.
موطن الشاهد: "إلا النؤي والوتد".
وجه الاستشهاد: ارتفاع "النؤي" على البدلية؛ لأن الكلام ليس تاما موجبا كما خرجه النحاة؛ بل هو منفي في المعنى؛ لكون "تغير"؛ وهو العامل في ضمير المستثنى منه؛ وهو المنزل في معنى عامل منفي؛ تقديره: "لم يبق حاله" كما بعدها مبتدأ محذوف الخبر؛ ومثله حديث النبي ﷺ : "كل أمتي معافىً إلا المجاهرون"؛ والتقدير: ولكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون؛ وذهب العلماء إلى أن جملة "المبتدأ والخبر" الواقعة بعد "إلا" في محل نصب على الاستثناء؛ وقال ابن هشام: قد فات العلماء عد هذه الجملة في الجمل التي لها محل من الإعراب. انظر في هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ٣٤٩، وضياء السالك: ٢/ ١٦٥.
١ هو ما يكون فيه المستثنى بعض المستثنى منه، ويحكم على أحدهما بضد ما يحكم به على الآخر، سواء كان المستثنى منه متعدد الأفراد، والمستثنى أحد تلك الأفراد؛ نحو: زرت الزملاء إلا محمدا؛ أو كان المستثنى منه فردا ذا أجزاء، والمستثنى جزءًا؛ نحو: زرت الزملاء إلا محمدا؛ أو كان المستثنى منه فردا ذا أجزاء، والمستثنى جزءا من تلك الأجزاء نحو: نظفت الحجرة إلا نافذة؛ وفي الحالتين يكون ما بعد إلا مخالفا في الحكم لما قبلها.
٢ أي: في إعرابه، فيكون مثله: مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا.
٣ ذلك لأن "إلا" عندهم من حروف العطف في باب الاستثناء خاصة، وهي بمنزلة "لا" العاطفة؛ من حيث كون ما بعدها يخالف ما قبلها؛ واعترض أبو العباس، أحمد بن يحيى ثعلب وهو من شيوخ نحاة الكوفة -على مذهب البصريين، في هذه المسألة، وقال: كيف يكون ما بعد "إلا" بدلا؛ وهو موجب ومتبوعه منفي؛ فكأنه ينكر أن يخالف البدل المبدل منه في الإيجاب والنفي؛ ورد عليه أبو سعيد السيرافي: بأنا إنما جعلناه بدلا مما قبله في عمل العامل فيه، وتخالف البدل من المبدل منه في النفي والإيجاب، لا يمنع البدلية؛ لأن سبيل البدل، أن يجعل المبدل منه، كأنه لم يذكر، ويجعل البدل في موضعه؛ لأنه هو المقصود بالحكم، ثم إنا رأينا التوابع تختلف مع متبوعها في النفي، والإثبات، كما في: "رأيت رجلا كريما لا بخيلا" فما يمنع أن يكون البدل مثل الصفة والعطف؟!. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٩-٣٥٠.стр. 593
نحو: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُم﴾ ١، ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ ٢،
الحواشي
(١) ١ "٤" سورة النساء، الآية: ٦٦.
أوجه القراءات: قرأ برفع "قليل" السبعة غير ابن عامر؛ وقرأ بنصب "قليلا" ابن عامر، وعيسى بن عمرو، وإسحاق، وأبي، وأنس. انظر الإتحاف: ١٩٢، وإعراب القرآن، للنحاس: ١/ ٤٣١، وحجة القراءات، لأبي زرعة: ٢٠٦.
توجيه القراءات: على قراءة الرفع، يكون "قليل" بدلا من الضمير المتصل بالفعل "فعلوه" ومحل الواو الرفع؛ لأنه فاعل؛ وعلى قراءة النصب، يكون "قليلا" منصوبا على الاستثناء؛ لأن التقدير: أستثني قليلا منهم.
موطن الشاهد: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء ما قبل "إلا" مسبوقا بـ "ما" النافية "ما فعلوه" فيعرب ما بعد "إلا" بدلا من الضمير المتصل بالفعل؛ بدل بعض من كل -عند البصريين- وذكر الشيخ خالد الأزهي أنه على نية تكرار العامل؛ إذ التقدير: ما فعلوه إلا فعله قليل منهم؛ وهو عطف نسق عند الكوفيين كما أسلفنا. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٠.
٢ "١١" سورة هود، الآية: ٨١.
أوجه القراءات: قرأ بالرفع ابن كثير، وأبو عمرو، وابن محيصن، واليزيدي، والحسن؛ وقرأ الباقون بالنصب. الإتحاف: ٢٥٩، وإعراب القرآن: ٢/ ٥، والبحر المحيط: ٥/ ٢٤٨.
توجيه القراءات: على قراءة الرفع في "امرأتك" على أنها بدل بعض من كل في قوله "أحد"؛ وعلى قراءة النصب على تقدير: أستثني امرأتك؛ فيكون "امرأتك" منصوبا على الاستثناء.
موطن الشاهد: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء ما قبل إلا مسبوقا بالنهي؛ وهو شبيه النفي، ولذا يعرب ما بعد إلا بدلا من "أحد" الواقعة فاعلا والكوفيون يعربون "امرأتك" هنا عطف نسق كما أوضحنا.стр. 594
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ١، والنصب عربي جيد، وقد قرئ به في السبع في: ﴿قَلِيلٌ﴾ و: ﴿امْرَأَتَكَ﴾ .
وإذا تعذر البدل على اللفظ أبدل على الموضع٢، نحو: "لا إله إلا الله"،
الحواشي
(١) ١ "١٥" سورة الحجر، الآية: ٥٦.
موطن الشاهد: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ.... إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: سبق ما قبل "إلا" بالاستفهام الإنكاري؛ وهو شبيه بالنفي، ولذا يعرب الاسم بعد "إلا" بدلا من الضمير المستتر في "يقنط" بدل بعض من كل؛ ولم يصرح معه بضمير؛ لأن قوة تعلق المستثنى بالمستثنى منه يغني عن الضمير غالبا، وكذا الحال في الآية السابقة.
٢ ذكر المؤلف مما يتعذر إبداله على لفظ المبدل منه لسبب صناعي ثلاثة أمثلة؛ هي: "لا إله إلا الله"، و: "ما فيها أحد إلا زيد" و"ليس زيد بشيء إلا شيئا لا يعبأ به" وفي المثالين؛ الأول والثاني، ارتفع ما بعد "إلا"، وفي الثالث: نصب ما بعد إلا، وتوجيه ذلك:
أ- "لا إله إلا الله".
جاءت "لا" في أول الجملة نافية للجنس و"إله" اسمها، وخبرها محذوف؛ والتقدير: لا إله موجود، أو كائن، أو لنا؛ ومعلوم أن اسم لا وخبرها المقدر نكرتان على ما هو ضروري في إعمال "لا" عمل "إن"؛ ومعلوم أن ما بعد إلا الاستثنائية، يكون حكمه -من جهة النفي والإثبات- ضد حكم ما قبلها، فإذا كان ما قبلها منفيا، كان ما بعدها مثبتا، والعكس صحيح؛ وعلى هذا فلو أبدلنا لفظ الجلالة "الله" من اسم "لا" وهو إله -على اللفظ- أي: نصبنا لفظ الجلالة، كنا قد أعملنا "لا" في معرفة؛ بل في أعرف المعارف، وفي هذه مخالفة لشرط إعماله؛ لأنه يجب أن يكون اسمها نكرة باتفاق، وكذلك، فإن ما بعد "إلا" هنا مثبت؛ ومعلوم أن "لا" لا تعمل في مثبت؛ فإتباعنا ما بعد إلا على لفظ المتبوع الذي هو أثر عمل "لا" يجرنا إلى مخالفة هذا الأصل فضلا عن المخالفة الأولى؛ ومن أجل هذا وذاك؛ منعنا من أن نبدل لفظ الجلالة على لفظ المبدل منه؛ وهو اسم لا، وجوزنا أن نبدل على الموضع؛ لأنه ليس أثرا من آثار "لا"؛ وذلك لأن اسم "لا" أصله مبتدأ والمبتدأ مرفوع بالابتداء؛ فلو أبدلنا لفظ الجلالة بالرفع، لم نكن جعلنا لـ "لا" فيه عملا؛ وسبق أن عرفنا أن سيبويه يعد "لا" واسمها جميعا في قوة المبتدأ؛ فالموضع ههنا رفع بالابتداء؛ على أحد الوجهين، وليس لـ "لا" أثر فيه؛ فأبدل بالرفع على الموضع وأنكر بعض النحاة الإبدال بالرفع -على اعتبار الابتداء على كلا الاحتمالين، وجعلوا المبدل منه؛ هو =стр. 595
ونحو: "ما فيها من أحد إلا زيد" برفعهما، و: "ليس زيد بشيء إلا شيئا لا يعبأ به" بالنصب؛ لأن "لا" الجنسية لا تعمل في معرفة، ولا في موجب، ومن والباء الزائدتين كذلك، فإن قلت: "لا إله إلا الله واحد" فارفع أيضا؛ لِأنها لا تعمل في موجب.
ولا يترجح النصب على الإتباع لتأخر صفة المستثنى منه على المستثنى، نحو: "ما فيها رجل إلا أخوك صالح" خلافا للمازني١:
الحواشي
(١) = الضمير المستتر في خبر "لا"؛ والتقدير: لا إله لنا إلا الله؛ أو لا إله موجود إلا الله، ونحو ذلك؛ ويكون المعنى: "أن "لا" واسمها وخبرها" نفت جنس الآلهة، وأثبت "البدل" الله وحده؛ فظل الكلام دالا على التوحيد.
ب- "ما فيها أحد إلا زيد".
جاء المستثنى منه في هذا المثال "أحد" وهو نكرة منفية مجرورة بمن الزائدة لفظا؛ غير أنها مرفوعة المحل؛ لكونها مبتدأ خبره الجار والمجرور المتقدم عليها؛ فلو أننا أبدلنا "زيد" المعرفة بالعلمية، من أحد على لفظه -وهو الجر بمن- لكنا جعلنا زيدا "المعرفة" معمولا لـ "من" الزائدة العاملة في "أحد" "المبدل منه"؛ ومعلوم أن "من" الزائدة، لا تدخل إلا على النكرة، وكذلك جاء ما بعد إلا مثبتا؛ لأن ما قبلها منفي؛ ومعلوم أن "من" الزائدة لا تدخل إلا على المنفي؛ ولهذا، وذاك؛ امتنع الإتباع على اللفظ -لفظ المبدل منه- الذي هو أثر لـ "من" الزائدة، وجاز الإتباع على الموضع؛ وهو الرفع على الابتداء؛ لأن الابتداء، ليس أثرا لـ "من" الزائدة.
ج- "ليس زيد بشيء إلا شيئا لا بعبأ به".
جاء المستثنى منه "شيء" مجرورا بـ "من" الزائدة؛ لوقوعه خبرا لـ "ليس" فوقع نكرة منفية، و"شيئا" الذي نريد أن نبدله نكرة مثبتة؛ ولوقوعه بعد إلا المسبوقة بالنفي؛ فلو أبدلنا هنا على اللفظ؛ لجعلنا البدل معمولا للباء الزائدة؛ وهي لا تدخل إلا على النكرة المنفية؛ ولذا وجب البدل على الموضع -وهو النصب- الذي هو أثر ليس. شرح التصريح: ١/ ٣٥١.
١ حيث اختار المازني النصب في هذه الحالة؛ ففي قولهم: "ما فيها رجل إلا أخاك صالح"؛ فرجل: مبتدأ، و"الجار والمجرور": خبر تقدم عليه؛ وصالح: صفة لـ "رجل"، وأخاك: منصوب على الاستثناء مقدم على صفة المستثنى منه؛ وهذا الرأي، يجعل حكم تقديم المستثنى على وصف المستثنى منه، كتقديم المستثنى على نفس المستثنى منه؛ وهذا الرأي نسبه ابن الخباز إلى المازني، غير أن المحققين أنكروا تلك النسبة؛ وفي هذه المسألة رأيان آخران؛ أحدهما: أن يكون نصب المستثنى في =стр. 596
وإن كان الاستثناء منقطعا١: فإن لم يمكن تسليط العامل على المستثنى وجب النصب اتفاقا، نحو: "ما زاد هذا المال إلا ما نقص" إذ لا يقال زاد النقص، ومثله: "ما نفع زيد إلا ما ضر" إذ لا يقال نفع الضر.
وإن أمكن تسليطه فالحجازيون يوجبون النصب، وعليه قراءة السبعة: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ٢، وتميم ترجحه وتجيز الإتباع، كقوله٣: [الراجز]
الحواشي
(١) = هذه الحالة راجعا على إتباع المستثنى للمستثنى منه، فلم يعط المستثنى في هذه الحالة حكم المستثنى المتقدم على المستثنى منه نفسه، ولم يعطَ حكم المستثنى المتأخر على المستثنى منه، وهذا الرأي هو ما حكاه الأثبات -ومنهم ابن هشام- عن المازني، وهو ما اختاره المبرد أيضا فيما ذكره ابن مالك في شرح كافيته؛ وثانيهما: أن لا يترجح نصب المستثنى في هذه الحالة، ولا يترجح إتباعه للمستثنى منه؛ بل يستوي الأمران؛ وأصحاب هذا الرأي، نظروا إلى الأمرين معا؛ أن المستثنى منه متقدم على المستثنى، وأن صفة المستثنى منه متأخرة عن المستثنى، فأعطوا كل واحد من الأمرين لمحة من النظر؛ فلما وجدوا كل واحد من هذين الأمرين يقتضي حكما يخالف الحكم الذي يقتضيه الآخر، أعطوا هذه الصورة حكما متوسطا، قال ابن مالك: "وعندي أن النصب والبدل عند ذلك مستويان؛ لأن لكل واحد منهما مرجحا". شرح التصريح: ١/ ٣٥١-٣٥٢.
١ وهو ما فقد أحد ركني المتصل؛ نحو: قام القوم إلا حمارا لفاقد البعضية، وقوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ لفاقد المخالفة في الحكم لما قبله ويشترط في المنقطع أن يناسب المستثنى منه، فلا يجوز: "قام القوم إلا ثعبانا"، وألا يتقدم ما هو نص في خروجه؛ فلا يصح: "صهلت الخيل إلا الإبل"، بخلاف صوتت مثلا.
٢ "٤" سورة النساء، الآية: ١٥٧.
موطن الشاهد: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ .
وجه الاستشهاد: نصب "اتباع" على الاستثناء؛ وحكم نصبه على الاستثناء الوجوب على مذهب البصريين؛ لأنه لا يصح فيه الإبدال حقيقة من جهة إن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه؛ وأما التميميون؛ فيرجحون النصب على الاستثناء؛ ويجيزون الإتباع؛ فيقرأون: "إِلَّا اتِّبَاعُ" بالرفع على أنه بدل من العلم باعتبار الموضع، ولا يجوز أن يقرأ بالخفض على الإبدال منه باعتبار اللفظ؛ لما تقدم من أنه معرفة موجبة و"من" زائدة، لا تعمل فيها. شرح التصريح: ١/ ٣٥٣.
٣ القائل: عامر بن الحارث، المعروف بجران العود، وهو أحد بني كلفة -بضم الكاف وفتحها- أو كلدة النميري، شاعر جاهلي أدرك الإسلام، لقب بجران العود لبيت قاله وهو:
خذا حذرا يا ضرتي فإنني ... رأيت جران العود قد كان يصلح
وذلك أنه كان له زوجتان، فاتخذ سوطا يهددهما به.
الشعر والشعراء: ٢/ ٧١٨، والخزانة ٤١/ ١٩٧، والمقاصد: ١/ ٤٩٢.стр. 597
٢٦١- وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس١
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٣، والأشموني: "٤٤٥/ ١/ ٢٢٩" والشذور: "٢٥/ ٢٦٥" والهمع: ١/ ٢٢٥، والدرر: ١/ ١٩٢، والكتاب: ١/ ١٣٣، ٣٦٥، ومعاني الفراء: ١/ ٤٧٩، والمقتضب: ٢/ ٣١٩، ٣٤٧، ٤/ ٤١٤، والإنصاف: ٢٧١، وشرح المفصل: ٢/ ٨٠، ١١٧، ٧/ ٢١، ٨/ ٥٢، والخزانة: ٤/ ١٩٧، والعيني: ٣١/ ١٠٧، وديوان جران العود: ٥٣.
المفردات الغريبة: أنيس: مؤنس. اليعافير: جمع يعفور، وهو ولد البقرة الوحشية. العيس: هي الإبل التي يخالط بياضها شيء من الشقرة، واحدها: أعيس، والأنثى: عيساء.
المعنى: كثير من البلدان والأماكن الموحشة؛ التي لا مؤنس فيها ولا رفيق، وليس فيها إلا أولاد البقر الوحشي والإبل؛ زرتها ولم أخشَ شيئا.
الإعراب: وبلدة: الواو واو "رب". بلدة: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ. ليس: فعل ماضٍٍ ناقص. "بها" متعلق بمحذوف خبر ليس المتقدم على اسمه. أنيس: اسم "ليس" مؤخر مرفوع. إلا: حرف استثناء، لا محل له من الإعراب. اليعافير: بدل من "أنيس" مرفوع مثله. وإلا: الواو عاطفة. إلا حرف زائد يفيد التأكيد. العيس: اسم معطوف على "اليعافير" مرفوع مثله.
موطن الشاهد: "إلا اليعافير".
وجه الاستشهاد: رفع "اليعافير" على الإبدال -على لغة تميم- مع أنه استثناء منقطع تقدم فيه المستثنى منه، فكان ينبغي انتصابه على المشهور؛ وقد حملهم على ذلك أن المقصود هو المستثنى؛ فكأنه قال: ليس بها إلا اليعافير -وهذا رأي سيبويه- وأما المستثنى منه، فكأنه غير مذكور، فصار كالاستثناء المفرغ؛ أو أنه توسع في معنى المستثنى، حتى جعله نوعا من المستثنى منه، فقدر اليعافير والعيس نوعا من الأنيس، أو توسع في المستثنى، حتى جعله نوعا من المستثنى منه، فقدر اليعافير والعيس نوعا من الأنيس، أو توسع في المستثنى منه، فكأن الاستثناء في الحالتين متصل. وانظر: همع الهوامع: ١/ ٢٢٥، وكتاب سيبويه: ١/ ٢٦٢، وشرح التصريح: ١/ ٣٥٤.стр. 598
وحمل عليه الزمخشري١: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢.
[وجوب نصب المستثنى إذا تقدم على المستثنى منه] :
فصل: وإذا تقدم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه مطلقا٣، كقوله٤:
٢٦٢- وما لِيَ إلا آل أحمد شيعةٌ ... وما لِيَ إلا مذهبَ الحق مذهبُ٥
الحواشي
(١) ١ هو: أبو القاسم؛ محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي، جار الله، والزمخشري نسبة إلى زمخشر من أعمال خوارزم، إمام في اللغة والنحو والبيان، أخذ عن النيسابوري والأصبهاني، له مصنفات قيمة منها: الكشاف في التفسير، والمفصل في النحو، وأطواق الذهب، والأحاجي النحوية، وغيرها كثير. مات يوم عرفة سنة: ٥٣٨ هـ.
البلغة: ٢٥٦، إنباه الرواة: ٣/ ٢٦٥، بغية الوعاة: ٢/ ٢٧٩، معجم المؤلفين: ١٢/ ١٨٦.
٢ "٢٧" سورة النمل، الآية: ٦٥.
موطن الشاهد: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: جعل الزمخشري "من" الاسم الموصول في محل رفع فاعل لـ "يعلم" والغيب: مفعولا به ليعلم أيضا، ولفظ الجلالة بدلا من "من" الموصولة؛ وعلى هذا؛ فهو استثناء منقطع؛ لأن المستثنى -لفظ الجلالة- ليس من جنس المستثنى منه؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان. و"من في السموات" يدل على أن المقصودين مستقرون في السموات والأرض؛ غير أن ابن مالك، جعل الاستثناء متصلا، وقدر متعلق الظرف: من يذكر في السموات والأرض؛ لا استقر ونحوه؛ ورأى ابن هشام في المغني: أنه يجوز أن تعرب "من" مفعولا به لـ "يعلم" لا فاعلا، و"الغيب" بدل اشتمال منه، و"لفظ" الجلالة فاعل، ويكون الاستثناء مفرغا، وكأنه: لا يعلم الغيب إلا الله: وهذا الرأي أفضل مما قبله. انظر مغني اللبيب: ٥٧٦، وشرح التصريح: ١/ ٣٥٤.
٣ أي: سواء أكان متصلا أم منقطعا؛ ولا يجوز أن يعرب بدلا؛ لأنه يكون تابعًا، والتابع لا يتقدم على المتبوع؛ كما هو معلوم.
٤ القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، وقد مرت ترجمته.
٥ هذا بيت للكميت من قصيدة له هاشمية، يمدح فيها بني هاشم آل رسول الله ﷺ ومطلعها: =стр. 599
بعضهم يجيز غير النصب في المسبوق بنفي] :
وبعضهم يجيز غير النصب١ في المسبوق بالنفي، فيقول: "ما قام إلا زيد أحد" سمع يونس: "مالي إلا أبوك ناصر"، وقال٢: [الطويل]
الحواشي
(١) =
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب
ولم يلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٥، وابن عقيل: "١٦٧/ ٢/ ٢١٦"، والأشموني: "٤٤٩/ ١/ ٢٣٠" وهمع الهوامع: ١/ ٢٢٥، والدرر اللوامع: ١/ ١٩٢، ومجالس ثعلب: ٦٠، والأغاني: ٥/ ١١٩، والعيني: ٣/ ١١١، والمقتضب: ٤/ ٣٩٨، والإنصاف: ٢٧٥، والجمل: ٢٣٨، وشرح المفصل: ٢/ ٧٩، والخزانة: ٢/ ٢٠٧ عرضا، وشذور الذهب: "١٢٤/ ٣٤٥، ٣٥٦" وقطر الندى: "١٠٩/ ٣٣٥".
المفردات الغريبة: طربت: من الطرب، وهو خفة تعتري القلب من لهو أو حزن أو نحوهما. البيض: جمع بيضاء، وهي المرأة النقية اللون. بنان، البنان: الأصابع أو أطرافها، والمفرد بنانة. مخضب: مزين بالخضاب، وهو ما يختضب به كالحناء ونحوه. شيعة: أنصار وأعوان. مذهب الحق: طريقة وشرعة.
المعنى: ليس لي أعوان وأنصار -أعتمدهم في الملمات إلا آل النبي ﷺ ، وليس لي طريق ومذهب أسلكه وأهتدي به إلا طريق الحق.
الإعراب: ما: نافية. "لي": متعلق بمحذوف خبر مقدم. إلا: حرف استثناء، لا محل له من الإعراب. آل: مستثنى تقدم على المستثنى منه، منصوب، وهو مضاف. أحمد: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. شيعة: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وهو المستثنى منه. وما لي: الواو عاطفة، ما: نافية، "لي": متعلق بخبر مقدم محذوف. إلا: حرف استثناء. مذهب: مستثنى منصوب، تقدم على المستثنى منه، وهو مضاف. الحق: مضاف إليه. مذهب: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وهو المستثنى منه.
موطن الشاهد: "ما لي إلا آل أحمد، ما لي إلا مذهب الحق".
وجه الاستشهاد: تقدم المستثنى في الموضعين "آل، ومذهب" على المستثنى منه -كما بينا في الإعراب- ونصب المستثنى وجوبا؛ لأنه لو لم ينصب على الاستثناء؛ لأعرب بدلا؛ والبدل تابع، والتابع لا يجوز أن يتقدم على المتبوع، كما هو معلوم.
١ أي على الاستثناء، فيجيز النصب والرفع والجر على البدل للإتباع.
٢ القائل: هو حسان بن ثابت الأنصاري، وقد مرت ترجمته.стр. 600
٢٦٣- إذا لم يكن إلا النبيون شافع١
ووجهه أن العامل فُرِّغَ لما بعد "إلا" وأن المؤخر عام أريد به خاص؛ فَصَحَّ إبداله من المستثنى، لكنه بدل كُلٍّ، ونظيره في أن المتبوع أخر وصار تابعا "ما مررت بمثلك أحدٍ"٢.
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
لأنهم يرجون منه شفاعة
والبيت من قصيدة للشاعر مطلعها:
ألا يا لقومي هل لما حُمَّ دافعُ؟ ... وهل ما مضى من صالح العيش راجعُ؟
تذكرت عصرا قد مضى فتهافتتْ ... بنات الحشا وانهلَّ مني المدامعُ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٥، والأشموني: "٤٤٨/ ١/ ٢٢٩"، وابن عقيل: "١٦٨/ ٢/ ٢١٧" والهمع: ١/ ٢٢٥، والدرر: ١/ ١٩٢، والعيني: ٣/ ١١٤، وديوان حسان بن ثابت: ٢٥٤.
المفردات الغريبة: يرجون: يأملون.
المعنى: إن أهل بدر أطاعوا رسول الله ﷺ ووفوا بعهدهم له؛ لأنهم يرجون أن يشفع لهم يوم القيامة، حين لا تنفع شفاعة أحد إلا الأنبياء.
الإعراب: لأنهم: اللام حرف جر، يفيد التعليل. أن: حرف مشبه بالفعل، و"هم": في محل نصب اسمه. يرجون: فعل مضارع مرفوع، والواو: فاعل؛ وجملة "يرجون": في محل رفع خبر "أن"؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل جر باللام؛ و"الجار والمجرور": متعلق بفعل "بدَّلوا" في بيت سابق. "منه": متعلق بـ "يرجون". شفاعة: مفعول به لـ "يرجون". إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، في محل نصب على الظرفية الزمانية. لم: جازمة نافية. يكن: فعل مضارع تام مجزوم. إلا: أداة استثناء ملغاة. النبيون: فاعل "يكن" مرفوع، وعلامة رفعه الواو. شافع: بدل كل من كل من فاعل يكن.
موطن الشاهد: "إلا النبيون شافع".
وجه الاستشهاد: ارتفع المستثنى المتقدم المسبوق بالنفي -وهو النبيون- على مذهب الكوفيين؛ وخرج العلماء هذا الشاهد وأمثاله على أنه استثناء مفرغ؛ حيث عدو المستثنى معمولا لما قبل "إلا" فهو فاعل لـ "يكن" التامة، وما بعدها بدل منه؛ بدل كل من كل -كما بينا في الإعراب- وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٥.
٢ قول ورد عن العرب، أصله: مررت بأحد مثلك، مثلك: تابع في الأصل لأحد على أنه نعت له، فلما قدم النعت على المنعوت أعرب النعت بحسب العوامل، وأعرب "أحد" وهو المنعوت في الأصل بدلا. التصريح: ١/ ٣٥٥.следующие страницы →