Полный текст (1 155 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وإن كان الاستثناء منقطعا١: فإن لم يمكن تسليط العامل على المستثنى وجب النصب اتفاقا، نحو: "ما زاد هذا المال إلا ما نقص" إذ لا يقال زاد النقص، ومثله: "ما نفع زيد إلا ما ضر" إذ لا يقال نفع الضر.
وإن أمكن تسليطه فالحجازيون يوجبون النصب، وعليه قراءة السبعة: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ٢، وتميم ترجحه وتجيز الإتباع، كقوله٣: [الراجز]
الحواشي
(١) = هذه الحالة راجعا على إتباع المستثنى للمستثنى منه، فلم يعط المستثنى في هذه الحالة حكم المستثنى المتقدم على المستثنى منه نفسه، ولم يعطَ حكم المستثنى المتأخر على المستثنى منه، وهذا الرأي هو ما حكاه الأثبات -ومنهم ابن هشام- عن المازني، وهو ما اختاره المبرد أيضا فيما ذكره ابن مالك في شرح كافيته؛ وثانيهما: أن لا يترجح نصب المستثنى في هذه الحالة، ولا يترجح إتباعه للمستثنى منه؛ بل يستوي الأمران؛ وأصحاب هذا الرأي، نظروا إلى الأمرين معا؛ أن المستثنى منه متقدم على المستثنى، وأن صفة المستثنى منه متأخرة عن المستثنى، فأعطوا كل واحد من الأمرين لمحة من النظر؛ فلما وجدوا كل واحد من هذين الأمرين يقتضي حكما يخالف الحكم الذي يقتضيه الآخر، أعطوا هذه الصورة حكما متوسطا، قال ابن مالك: "وعندي أن النصب والبدل عند ذلك مستويان؛ لأن لكل واحد منهما مرجحا". شرح التصريح: ١/ ٣٥١-٣٥٢.
١ وهو ما فقد أحد ركني المتصل؛ نحو: قام القوم إلا حمارا لفاقد البعضية، وقوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ لفاقد المخالفة في الحكم لما قبله ويشترط في المنقطع أن يناسب المستثنى منه، فلا يجوز: "قام القوم إلا ثعبانا"، وألا يتقدم ما هو نص في خروجه؛ فلا يصح: "صهلت الخيل إلا الإبل"، بخلاف صوتت مثلا.
٢ "٤" سورة النساء، الآية: ١٥٧.
موطن الشاهد: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ .
وجه الاستشهاد: نصب "اتباع" على الاستثناء؛ وحكم نصبه على الاستثناء الوجوب على مذهب البصريين؛ لأنه لا يصح فيه الإبدال حقيقة من جهة إن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه؛ وأما التميميون؛ فيرجحون النصب على الاستثناء؛ ويجيزون الإتباع؛ فيقرأون: "إِلَّا اتِّبَاعُ" بالرفع على أنه بدل من العلم باعتبار الموضع، ولا يجوز أن يقرأ بالخفض على الإبدال منه باعتبار اللفظ؛ لما تقدم من أنه معرفة موجبة و"من" زائدة، لا تعمل فيها. شرح التصريح: ١/ ٣٥٣.
٣ القائل: عامر بن الحارث، المعروف بجران العود، وهو أحد بني كلفة -بضم الكاف وفتحها- أو كلدة النميري، شاعر جاهلي أدرك الإسلام، لقب بجران العود لبيت قاله وهو:
خذا حذرا يا ضرتي فإنني ... رأيت جران العود قد كان يصلح
وذلك أنه كان له زوجتان، فاتخذ سوطا يهددهما به.
الشعر والشعراء: ٢/ ٧١٨، والخزانة ٤١/ ١٩٧، والمقاصد: ١/ ٤٩٢.стр. 597
٢٦١- وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس١
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٣، والأشموني: "٤٤٥/ ١/ ٢٢٩" والشذور: "٢٥/ ٢٦٥" والهمع: ١/ ٢٢٥، والدرر: ١/ ١٩٢، والكتاب: ١/ ١٣٣، ٣٦٥، ومعاني الفراء: ١/ ٤٧٩، والمقتضب: ٢/ ٣١٩، ٣٤٧، ٤/ ٤١٤، والإنصاف: ٢٧١، وشرح المفصل: ٢/ ٨٠، ١١٧، ٧/ ٢١، ٨/ ٥٢، والخزانة: ٤/ ١٩٧، والعيني: ٣١/ ١٠٧، وديوان جران العود: ٥٣.
المفردات الغريبة: أنيس: مؤنس. اليعافير: جمع يعفور، وهو ولد البقرة الوحشية. العيس: هي الإبل التي يخالط بياضها شيء من الشقرة، واحدها: أعيس، والأنثى: عيساء.
المعنى: كثير من البلدان والأماكن الموحشة؛ التي لا مؤنس فيها ولا رفيق، وليس فيها إلا أولاد البقر الوحشي والإبل؛ زرتها ولم أخشَ شيئا.
الإعراب: وبلدة: الواو واو "رب". بلدة: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ. ليس: فعل ماضٍٍ ناقص. "بها" متعلق بمحذوف خبر ليس المتقدم على اسمه. أنيس: اسم "ليس" مؤخر مرفوع. إلا: حرف استثناء، لا محل له من الإعراب. اليعافير: بدل من "أنيس" مرفوع مثله. وإلا: الواو عاطفة. إلا حرف زائد يفيد التأكيد. العيس: اسم معطوف على "اليعافير" مرفوع مثله.
موطن الشاهد: "إلا اليعافير".
وجه الاستشهاد: رفع "اليعافير" على الإبدال -على لغة تميم- مع أنه استثناء منقطع تقدم فيه المستثنى منه، فكان ينبغي انتصابه على المشهور؛ وقد حملهم على ذلك أن المقصود هو المستثنى؛ فكأنه قال: ليس بها إلا اليعافير -وهذا رأي سيبويه- وأما المستثنى منه، فكأنه غير مذكور، فصار كالاستثناء المفرغ؛ أو أنه توسع في معنى المستثنى، حتى جعله نوعا من المستثنى منه، فقدر اليعافير والعيس نوعا من الأنيس، أو توسع في المستثنى، حتى جعله نوعا من المستثنى منه، فقدر اليعافير والعيس نوعا من الأنيس، أو توسع في المستثنى منه، فكأن الاستثناء في الحالتين متصل. وانظر: همع الهوامع: ١/ ٢٢٥، وكتاب سيبويه: ١/ ٢٦٢، وشرح التصريح: ١/ ٣٥٤.стр. 598
وحمل عليه الزمخشري١: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢.
[وجوب نصب المستثنى إذا تقدم على المستثنى منه] :
فصل: وإذا تقدم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه مطلقا٣، كقوله٤:
٢٦٢- وما لِيَ إلا آل أحمد شيعةٌ ... وما لِيَ إلا مذهبَ الحق مذهبُ٥
الحواشي
(١) ١ هو: أبو القاسم؛ محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي، جار الله، والزمخشري نسبة إلى زمخشر من أعمال خوارزم، إمام في اللغة والنحو والبيان، أخذ عن النيسابوري والأصبهاني، له مصنفات قيمة منها: الكشاف في التفسير، والمفصل في النحو، وأطواق الذهب، والأحاجي النحوية، وغيرها كثير. مات يوم عرفة سنة: ٥٣٨ هـ.
البلغة: ٢٥٦، إنباه الرواة: ٣/ ٢٦٥، بغية الوعاة: ٢/ ٢٧٩، معجم المؤلفين: ١٢/ ١٨٦.
٢ "٢٧" سورة النمل، الآية: ٦٥.
موطن الشاهد: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: جعل الزمخشري "من" الاسم الموصول في محل رفع فاعل لـ "يعلم" والغيب: مفعولا به ليعلم أيضا، ولفظ الجلالة بدلا من "من" الموصولة؛ وعلى هذا؛ فهو استثناء منقطع؛ لأن المستثنى -لفظ الجلالة- ليس من جنس المستثنى منه؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان. و"من في السموات" يدل على أن المقصودين مستقرون في السموات والأرض؛ غير أن ابن مالك، جعل الاستثناء متصلا، وقدر متعلق الظرف: من يذكر في السموات والأرض؛ لا استقر ونحوه؛ ورأى ابن هشام في المغني: أنه يجوز أن تعرب "من" مفعولا به لـ "يعلم" لا فاعلا، و"الغيب" بدل اشتمال منه، و"لفظ" الجلالة فاعل، ويكون الاستثناء مفرغا، وكأنه: لا يعلم الغيب إلا الله: وهذا الرأي أفضل مما قبله. انظر مغني اللبيب: ٥٧٦، وشرح التصريح: ١/ ٣٥٤.
٣ أي: سواء أكان متصلا أم منقطعا؛ ولا يجوز أن يعرب بدلا؛ لأنه يكون تابعًا، والتابع لا يتقدم على المتبوع؛ كما هو معلوم.
٤ القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، وقد مرت ترجمته.
٥ هذا بيت للكميت من قصيدة له هاشمية، يمدح فيها بني هاشم آل رسول الله ﷺ ومطلعها: =стр. 599
بعضهم يجيز غير النصب في المسبوق بنفي] :
وبعضهم يجيز غير النصب١ في المسبوق بالنفي، فيقول: "ما قام إلا زيد أحد" سمع يونس: "مالي إلا أبوك ناصر"، وقال٢: [الطويل]
الحواشي
(١) =
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب
ولم يلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٥، وابن عقيل: "١٦٧/ ٢/ ٢١٦"، والأشموني: "٤٤٩/ ١/ ٢٣٠" وهمع الهوامع: ١/ ٢٢٥، والدرر اللوامع: ١/ ١٩٢، ومجالس ثعلب: ٦٠، والأغاني: ٥/ ١١٩، والعيني: ٣/ ١١١، والمقتضب: ٤/ ٣٩٨، والإنصاف: ٢٧٥، والجمل: ٢٣٨، وشرح المفصل: ٢/ ٧٩، والخزانة: ٢/ ٢٠٧ عرضا، وشذور الذهب: "١٢٤/ ٣٤٥، ٣٥٦" وقطر الندى: "١٠٩/ ٣٣٥".
المفردات الغريبة: طربت: من الطرب، وهو خفة تعتري القلب من لهو أو حزن أو نحوهما. البيض: جمع بيضاء، وهي المرأة النقية اللون. بنان، البنان: الأصابع أو أطرافها، والمفرد بنانة. مخضب: مزين بالخضاب، وهو ما يختضب به كالحناء ونحوه. شيعة: أنصار وأعوان. مذهب الحق: طريقة وشرعة.
المعنى: ليس لي أعوان وأنصار -أعتمدهم في الملمات إلا آل النبي ﷺ ، وليس لي طريق ومذهب أسلكه وأهتدي به إلا طريق الحق.
الإعراب: ما: نافية. "لي": متعلق بمحذوف خبر مقدم. إلا: حرف استثناء، لا محل له من الإعراب. آل: مستثنى تقدم على المستثنى منه، منصوب، وهو مضاف. أحمد: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. شيعة: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وهو المستثنى منه. وما لي: الواو عاطفة، ما: نافية، "لي": متعلق بخبر مقدم محذوف. إلا: حرف استثناء. مذهب: مستثنى منصوب، تقدم على المستثنى منه، وهو مضاف. الحق: مضاف إليه. مذهب: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وهو المستثنى منه.
موطن الشاهد: "ما لي إلا آل أحمد، ما لي إلا مذهب الحق".
وجه الاستشهاد: تقدم المستثنى في الموضعين "آل، ومذهب" على المستثنى منه -كما بينا في الإعراب- ونصب المستثنى وجوبا؛ لأنه لو لم ينصب على الاستثناء؛ لأعرب بدلا؛ والبدل تابع، والتابع لا يجوز أن يتقدم على المتبوع، كما هو معلوم.
١ أي على الاستثناء، فيجيز النصب والرفع والجر على البدل للإتباع.
٢ القائل: هو حسان بن ثابت الأنصاري، وقد مرت ترجمته.стр. 600
٢٦٣- إذا لم يكن إلا النبيون شافع١
ووجهه أن العامل فُرِّغَ لما بعد "إلا" وأن المؤخر عام أريد به خاص؛ فَصَحَّ إبداله من المستثنى، لكنه بدل كُلٍّ، ونظيره في أن المتبوع أخر وصار تابعا "ما مررت بمثلك أحدٍ"٢.
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
لأنهم يرجون منه شفاعة
والبيت من قصيدة للشاعر مطلعها:
ألا يا لقومي هل لما حُمَّ دافعُ؟ ... وهل ما مضى من صالح العيش راجعُ؟
تذكرت عصرا قد مضى فتهافتتْ ... بنات الحشا وانهلَّ مني المدامعُ
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٥، والأشموني: "٤٤٨/ ١/ ٢٢٩"، وابن عقيل: "١٦٨/ ٢/ ٢١٧" والهمع: ١/ ٢٢٥، والدرر: ١/ ١٩٢، والعيني: ٣/ ١١٤، وديوان حسان بن ثابت: ٢٥٤.
المفردات الغريبة: يرجون: يأملون.
المعنى: إن أهل بدر أطاعوا رسول الله ﷺ ووفوا بعهدهم له؛ لأنهم يرجون أن يشفع لهم يوم القيامة، حين لا تنفع شفاعة أحد إلا الأنبياء.
الإعراب: لأنهم: اللام حرف جر، يفيد التعليل. أن: حرف مشبه بالفعل، و"هم": في محل نصب اسمه. يرجون: فعل مضارع مرفوع، والواو: فاعل؛ وجملة "يرجون": في محل رفع خبر "أن"؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل جر باللام؛ و"الجار والمجرور": متعلق بفعل "بدَّلوا" في بيت سابق. "منه": متعلق بـ "يرجون". شفاعة: مفعول به لـ "يرجون". إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، في محل نصب على الظرفية الزمانية. لم: جازمة نافية. يكن: فعل مضارع تام مجزوم. إلا: أداة استثناء ملغاة. النبيون: فاعل "يكن" مرفوع، وعلامة رفعه الواو. شافع: بدل كل من كل من فاعل يكن.
موطن الشاهد: "إلا النبيون شافع".
وجه الاستشهاد: ارتفع المستثنى المتقدم المسبوق بالنفي -وهو النبيون- على مذهب الكوفيين؛ وخرج العلماء هذا الشاهد وأمثاله على أنه استثناء مفرغ؛ حيث عدو المستثنى معمولا لما قبل "إلا" فهو فاعل لـ "يكن" التامة، وما بعدها بدل منه؛ بدل كل من كل -كما بينا في الإعراب- وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٥.
٢ قول ورد عن العرب، أصله: مررت بأحد مثلك، مثلك: تابع في الأصل لأحد على أنه نعت له، فلما قدم النعت على المنعوت أعرب النعت بحسب العوامل، وأعرب "أحد" وهو المنعوت في الأصل بدلا. التصريح: ١/ ٣٥٥.стр. 601
[تتكرر "إلا" لتوكيد ولغير توكيد] :
[حكم تكررها لتوكيد] :
فصل: وإذا تكررت "إلا" فإن كان التكرار للتوكيد، وذلك إذا تلت عاطفا١، أو تلاها اسم مماثل لما قبلها٢، ألغيت؛ فالأول نحو: "ما جاء إلا زيد وإلا عمرو" فما بعد "إلا" الثانية معطوف بالواو على ما قبلها، و"إلا" زائدة للتوكيد٣، والثاني كقوله:
.................... لا ... تمرر بهم إلا الفتى إلا العَلَا٤
فـ: "الفتى" مستثنى من الضمير المجرور بالباء، والأرجح كونه تابعا له في جره٥، ويجوز كونه منصوبا على الاستثناء، و: "العلا" بدل من الفتى بدل كل من كل؛ لِأنهما لمُسَمّىً واحد، و: "إلا" الثانية مؤكدة.
وقد اجتمع العطف والبدل في قوله٦: [الرجز]
٢٦٤- ما لك من شيخك إلا عملُهْ ... إلا رسيمُهُ وإلا رَمَلُهْ٧
الحواشي
(١) ١ المقصود بالعاطف هنا الواو من دون غيرها من حروف العطف.
٢ المقصود: أنه متفق مع ما قبلها في معناه ومدلوله ومقصود بالحكم، بالرغم من اختلاف الألفاظ؛ كأن يكون بدل كل من كل، أو عطف بيان، وكذا الحال في بقية أنواع البدل، نحو: ما أعجبني إلا زيد إلا وجهه إلا علمه. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٦، وضياء السالك: ٢/ ١٧١.
٣ أي: التوكيد اللفظي، ولا أثر لها في الحكم الإعرابي مطلقا.
٤ هذا عجز بيت من كلام الناظم في الألفية، يبين فيه حكم "إلا" المكررة للتوكيد؛ وهو بتمامه:
"وألغ "إلا" ذات توكيد؛ كلا ... تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا"
٥ يترتب على هذا الأرجح حذف حرف الجر وبقاء الاسم الذي كان مجرورا به على جره في غير الموضع القياسي.
٦ لم ينسب إلى قائل معين.
٧ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٦، والأشموني =стр. 602
فـ: "رسيمه" بدل، و: "رمله" معطوف، و: "إلا" المقترنة بكل منهما مؤكدة.
[حكم تكرارها لغير توكيد] :
وإن كان التكرار لغير توكيد، وذلك في غير بابي العطف والبدل، فإن كان العامل الذي قبل "إلا" مفرغا تركته يؤثر في واحد من المستثنيات، ونصبت ما عدا ذلك الواحد، نحو: "ما قام إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا بكرًا" رفعت الأول بالفعل على أنه فاعل، ونصبت الباقي، ولا يتعين الأول لتأثير العامل، بل يترجح، وتقول: "ما
الحواشي
(١) = "٤٥١/ ١/ ٢٣٢"، وابن عقيل: "١٧٠/ ٢/ ٢٢١"، والهمع: ١/ ٢٢٧، والدرر: ١/ ١٩٣، والكتاب: ١/ ٣٧٤، والمقرب: ٣٥، والعيني: ٣/ ١١٧.
المفردات الغريبة: "شيخك": المشهور في هذه الكلمة أنها بالياء، وقيل هي "شنجك": الجمل؛ وأصلها التحريك وسكنت للضرورة. الرسم: ضرب من سير الإبل البطيء. الرمل: السير السريع، وفسر الأعلم "الرسيم": بالسعي بين الصفا والمروة، وفسر الرمل: بالطواف بالبيت.
المعنى: ليس لك من جملك مأرب إلا رسيمه ورمله؛ وكلاهما أنت في حاجة إليه؛ والرواية المشهورة "شيخك": والشيخ: الرجل المسن، وعلى هذه الرواية، يكون المراد: ليس لك مطمع في شيخك إلا الانتفاع منه بهذين العملين الجليلين؛ وهما السعي والهرولة بين الصفا والمروة. وفي الطواف.
الإعراب: ما: نافية. "لك": متعلق بخبر مقدم محذوف. "من شنجك": متعلق بما تعلق به الأول، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه. إلا: أداة استثناء ملغاة. عمله: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و"الهاء": مضاف إليه. إلا: حرف زائد يفيد التوكيد. رسيمه: بدل من "عمله" بدل بعض من كل، وهو مضاف، و"الهاء": مضاف إليه. وإلا: الواو عاطفة، إلا: حرف زائد يفيد التوكيد. رمله: معطوف على "رسيم" مرفوع مثله، وهو مضاف، و"الهاء" مضاف إليه.
موطن الشاهد: "إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله".
وجه الاستشهاد: تكرار "إلا" مرتين في قوله: "إلا رسيمه" و"إلا رمله"؛ وفي الموضع الأول؛ كان ما بعدها بدلا مما قبلها، وفي الموضع الثاني؛ كان ما بعدها معطوفا على ما قبلها، وهما الموضعان اللذان تزاد فيهما "إلا"؛ وهي في هذين الموضعين ملغاة لا تفيد غير التوكيد.стр. 603
رأيت إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا" فتنصب واحد منها بالفعل على أنه مفعول به، وتنصب البواقي بإلا على الاستثناء.
وإن كان العامل غير مفرغ، فإن تقدمت المستثنيات على المستثنى منه نصبت كلها١، نحو: "ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا أحدٌ" وإن تأخرت، فإن كان الكلام إيجابا نصبت أيضا كلها، نحو: "قاموا إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا".
وإن كان غير إيجاب أعطي واحد منها ما يعطاه لو انفرد، ونصب ما عداه، نحو: "ما قاموا إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا" لك في واحد منها الرفع راجحا والنصب مرجوحا ويتعين في الباقي النصب٢، ولا يتعين الأول لجواز الوجهين، بل يترجح.
هذا حكم المستثنيات المكررة بالنظر إلى اللفظ٣.
[حكم المستثنيات المتكررة بالنظر إلى المعنى] :
وأما بالنظر إلى المعنى فهو نوعان: ما لا يمكن استثناء بعضه من بعض، كـ: "زيد وعمرو وبكر"٤ وما يمكن، نحو: "له عندي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحدا".
ففي النوع الأول: إن كان المستثنى الأول داخلا، وذلك إذا كان مستثنى من غير موجب، فما بعده داخل٥، وإن كان خارجا، وذلك إن كان مستثنى من موجب، فما بعده خارج٦.
الحواشي
(١) ١ وجوبا سواء كان الكلام تاما موجبا، أم غير موجب، ولا يجوز الإبدال في شيء منها لأنه يكون تابعا، والتابع لا يتقدم على المتبوع.
٢ أجاز الأبدي في هذه الصورة رفع الجميع على الإبدال.
٣ أي: من حيث الإعراب اللفظي.
٤ فإن كل واحد منها، لا يدخل فيه غيره، فلا يستثنى منه شيء.
٥ أي: في الحكم الذي دخل فيه الأول؛ نحو: ما قام أحد إلا محمدا إلا عليا إلا محمودا. و"محمدا" هو المستثنى الأول، وهو داخل في إثبات القيام له؛ لأنه مستثنى من النفي، فيكون كل من "علي" و"محمود" داخلا أيضا.
٦ أي: أن حكم المستثنيات الأخيرة حكم الأول؛ دخولا وخروجا؛ وفي حكم المستثنيات المكررة المتأخرة، يقول ابن مالك: =стр. 604
وفي النوع الثاني١ اختلفوا، فقيل: الحكم كذلك، وإن الجميع مستثنى من أصل العدد٢، وقال البصريون والكسائي: كل من الأعداد مستثنى مما يليه٣، وهو الصحيح لأن الحمل على الأقرب متعين عند التردد، وقيل: المذهبان محتملان.
وعلى هذا فالمقر به في المثال ثلاثة على القول الأول، وسبعة على القول الثاني، ومحتمل لهما على الثالث، ولك في معرفة المتحصل على القول الثاني طريقتان، إحداهما: أن تسقط الأول وتجبر الباقي بالثاني وتسقط الثالث، وإن كان معك رابع فإنك تجبر به، وهكذا إلى الأخير٤. والثانية: أن تحط الآخر مما يليه، ثم باقيه مما يليه، وهكذا إلى الأول٥.
الحواشي
(١) =
وانصب لتأخير، وجئْ بواحدِ ... منها كما لو كان دون زائدِ
كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي ... وحكمها في القصد حكم الأولِ
والمعنى: انصب المستثنيات كلها في حالة التأخير، إن كان الكلام موجبا؛ فإن كان تاما غير موجب؛ عوامل واحد منها بما كان يستحقه لو لم تتكرر "لا" فيبدل مما قبله؛ وهو المختار، أو ينصب -على قلة- نحو المثال الذي ذكره؛ فيجوز في "علي" الرفع على البدلية من امرؤ، والنصب على الاستثناء؛ وما يتكرر من المستثنيات، حكمه في المعنى حكم الأول، فيثبت له ما يثبت للأول من الدخول إن كان الكلام منفيا والخروج؛ إن كان موجبا كما أوضح المؤلف. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٧، وضياء السالك: ٢/ ١٧٥.
١ هو ما يمكن استثناء بعضه من بعض.
٢ أي: من العدد الأول.
٣ أي: من الذي قبله، والذي قبله مستثنى من الذي قبله وهكذا ... إلى الأول.
٤ فالمستثنى الأول في المثال الأول: "٤" تسقط من "١٠"؛ فيكون الباقي: "٦"، ويجبر بالثاني، وهو: "٢" فتصير: "٨"، ثم يسقط منها الثالث، وهو: "١"؛ فيكون الباقي: "٧".
٥ وهناك طريقة ثالثة ذكرها صاحب "ضياء السالك" وهي: جمع الأعداد الفردية -ومنها المستثنى منه الأول- ثم الأعداد الزوجية، وتطرح الثانية من الأولى، فباقي الطرح هو المطلوب؛ ففي المثال المذكور: "١٠ + ٢" - "٤ + ١" = ٧.
انظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٩-٣٦٠، وضياء السالك: ١/ ١٧٦.стр. 605
["غير" أصلها - والاستثناء بها] :
فصل: وأصل١ "غير" أن يوصف بها إما نكرة، نحو: ﴿صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ٢، أو معرفة كالنكرة٣، نحو: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ٤، فإن موصوفها ﴿الَّذِينَ﴾ وهم جنس لا قوم بأعيانهم.
وقد تخرج عن الصفة وتضمن معنى: "إلا" فيستثنى بها اسم مجرور بإضافتها إليه، وتعرب هي بما يستحقه المستثنى بإلا في ذلك الكلام، فيجب نصبها٥ في نحو: "قاموا غير زيد" و: "ما نفع هذا المال غير الضرر" عند الجميع، وفي نحو: "ما
الحواشي
(١) ١ يوصف بها -على الرغم من جمودها- لما فيها من معنى اسم الفاعل؛ لأن معناها إفادة المغايرة، والدلالة على أن مجرورها مغاير ومخالف للموصوف في الحكم الذي ثبت له إيجابا أو نفيا؛ إما في ذاته؛ نحو: قابلت رجلا غير علي؛ أو في وصف طارئ على الذات؛ نحو: قابلني بوجه غير الذي عهدته منه، فوصف الوجه مختلف في الحالتين. وانظر مغني اللبيب: ٢٠٩، وشرح التصريح: ٣٦٠.
٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٥٣.
موطن الشاهد: ﴿صَالِحًا غَيْرَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "غير" صفة لـ "صالحا" على الرغم من إضافتها إلى الذي؛ لكونها لا تتعرف بالإضافة؛ لتوغلها في الإبهام.
٣ أي: المعرفة المراد منها الجنس.
٤ "١" سورة الفاتحة، الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "غير" صفة لـ "الذين" وهم جنس مبهم لا قوم بأعيانهم، كما ذكر المؤلف في المتن؛ ومعلوم أن المعرف الذي يراد به الجنس قريب من النكرة؛ وهي في الحالتين مؤولة بالمشتق -كما أسلفنا- بمعنى مغاير؛ لأن النعت لا يكون إلا مشتقا أو مؤولا به.
٥ خلاصة القول: أنه يجب نصب "غير" بالإجماع في صورتين: إذا كان الكلام تاما موجبا نحو: قام القوم غير زيد، أو كان الاستثناء منقطعا ولا يمكن تسليط العامل على المستثنى؛ نحو: ما نفع هذا المال غير الضرر. ويجب النصب عند الحجازيين إذا كان الاستثناء منقطعا وأمكن تسليط العامل على المستثنى؛ نحو: ما في الدار أحد غير حمار، وبنو تميم يجيزون الإتباع في ذلك، وإذا تقدم المستثنى على المستثنى منه، نحو: ما في الدار غير زيد أحد، وجب النصب عند الأكثرين.
شرح التصريح: ١/ ٣٦٠، ٣٦١.стр. 606
فيها أحد غير حمار" عند الحجازيين، وعند الأكثر في نحو: "ما فيها غير زيد أحد"، ويترجح عند قوم في نحو هذا المثال، وعند تميم في نحو: "ما فيها أحد غير حمار"، ويضعف في نحو: "ما قاموا غير زيد" ويمتنع في نحو: "ما قام غير زيد".
[الاستثناء بـ "سوى"] :
فصل: والمستثنى١ بـ: "سوى" كالمستثنى بـ: "غير" في وجوب الخفض.
الحواشي
(١) ١ للنحاة في "سوى" ثلاثة آراء:
الأول: أن "سوى" ظرف مكان، وأنها لا تخرج عن الظرفية، فإن جاء من كلام العرب شيء، استعملت فيه اسما غير ظرف؛ فهو مؤول أو ضرورة من ضرورات الشعر؛ وهذا رأي الخليل، وسيبويه، وجمهرة البصريين.
الثاني: أن "سوى" تستعمل ظرفا منصوبا على الظرفية، وتستعمل اسما غير ظرف؛ إلا أن استعمالها ظرفا أكثر من استعمالها غير ظرف؛ وارتضى المؤلف هذا الرأي، فهو يقول: "وإلى مذهبهما أميل" ويعني بهما: الرماني، والعكبري.
الثالث: أن "سوى" تستعمل ظرفا، وتستعمل اسما غير ظرف، وأن الاستعمالين سواء، ليس أحدهما أكثر من الثاني، وليس أحدهما ضرورة ولا خاصا بالشعر؛ وهذا رأي الكوفيين، وتبعهما ابن مالك، واستدلوا بالآتي:
أ- أجمع أهل اللغة على أن قول القائل: "قاموا سواك" وقوله: "قاموا غيرك" بمعنى واحد.
ب- لم يقل واحد من أهل اللغة: إن "سوى" عبارة عن مكان أو زمان؛ حتى تكون ظرفا؛ وإنما تأولها البصريون بمعنى بَدَلَك، ثم جعلوا "بدلك" بمعنى "مكانك"، فحكموا بمقتضى ذلك التأويل بأنها ظرف.
ج- وقوع العدد الكثير من الشواهد الشعرية والنثرية التي تخالف ملازمتها للنصب على الظرفية؛ حيث جاءت مجرورة بحرف الجر، كما في قوله ﵊: "ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود"، وكما في قول المرار العقيلي:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منا ولا من سوائنا
وجاءت مجرورة بالإضافة، كما في قول الشاعر:
فإنني والذي يحج له النـ ... ـاس بجدوى سواك لم أَثِقٍ
وجاءت مرفوعة بالابتداء كما في قول الشاعر:
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
=стр. 607
ثم قال الزجاجي١ وابن مالك. سوى كغير معنى وإعرابا، ويؤيدهما حكاية الفراء: "أتاني سواك". وقال سيبويه والجمهور: هي ظرف، بدليل وصل الموصول بها، كـ: "جاء الذي سواك" قالوا: ولا تخرج عن النصب على الظرفية إلا في الشعر، كقوله٢: [الهزج]
٢٦٥- ولم يبقَ سوى العدوا ... ن دِنَّاهُمْ كما دانوا٣
الحواشي
(١) = وجاءت مرفوعة على الفاعلية، كما في قول الآخر:
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
وجاءت اسما لـ "إن" في قول أحدهم:
لديك كفيل بالمنى لمؤمِّلِ ... وإن سواك من يؤمِّلُهُ يشقَى
وبعد هذا كله، يتضح لنا بطلان قولهم بعد تصرفها، ولزومها للظرفية وبناءً عليه يكون ما ذهب إليه الكوفيون، وارتضاه ابن مالك في هذه المسألة هو القول الأصوب لما بينا. وانظر في هذه المسألة:
ابن عقيل: ٢/ ٢٢٦، وحاشية الصبان: ٢/ ١٥٨-١٥٩-١٦٠-١٦١، وحاشية، يس على التصريح: ١/ ٣٦٢، وهمع الهوامع: ١/ ٢٠١-٢٠٢.
١ الزجاجي: هو أبو القاسم؛ عبد الرحمن بن إسحاق، أصله من نهاوند، انتقل إلى بغداد ولزم أبا إسحاق: إبراهيم الزجاج، فنسب إليه، وأخذ أيضا عن الطبري، وابن كيسان وابن السراج والأخفش وابن الأنباري، له كتب قيمة منها: الجمل في النحو، والإيضاح في علل النحو، والكافي، وشرح خطبة أدب الكتاب، وشرح أسماء الله الحسنى وكتاب الأماني ... وغيرها مات بطبرية سنة ٣٤٠ هـ.
البلغة: ١٢١، بغية الوعاة ٢/ ٧٧، وفيات الأعيان: ١/ ٢٨٨، إنباه الرواة: ٢/ ١٦١، الأعلام: ٤/ ٦٩.
٢ القائل: هو الفند الزِمَّاني -بكسر الزاي وتشديد الميم المفتوحة- واسمه شهل بن شيبان، أحد شعراء الحماسة وأحد فرسان ربيعة المشهورين المعدودين، شهد حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة سنة، فأبلى فيها بلاء حسنا، ولقب بالفند؛ لأن بكرا بعثوا إلى بني حنيفة يستنصرونهم، فأمدوهم به وكتبوا إليهم: قد بعثنا إليكم بثلاثمائة فارس، فلما أتى بكرا وهو مسن قالوا: وما يغني هذا العشبة؟ قال: أوما ترضون أن أكون لكم فندا تأوون إليه.
الخزانة: ٣/ ٤٣٤-٤٣٥.
٣ تخريج الشاهد: من قصيدة قالها الشاعر في حرب البسوس، رواها أبو تمام في حماسته ومطلعها قوله: =стр. 608
وقال الرماني١ والعكبري٢: تستعمل ظرفا غالبا، وكغير قليلا، وإلى هذا أذهب.
الحواشي
(١) =
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعـ ... ـن قوما كالذي كانوا
فلما صرح الشر ... وأمسى وهو عريان
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٦٢، وابن عقيل: "١٧٣/ ٢/ ٢٢٨" والهمع: ١/ ٢٠٢، والدرر: ١/ ١٧٠، وأمالي القالي: ١/ ٢٦٠، والخزانة: ٢/ ٥٧، والعيني: ٣/ ١٢٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٣٥.
المفردات الغريبة: العدوان: الظلم الصريح. دناهم: جازيناهم وفعلنا بهم مثل ما فعلوا بنا.
المعنى: لما ظهر الشر، وانكشف كل شيء كان مستورا، ولم يبقَ من بني ذهل إلا العدوان الظاهر؛ جازيناهم، وفعلنا بهم مثلما فعلوا بنا، وكما تدين تدان.
الإعراب: لم: حرف جزم ونفي وقلب. يبق: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة. سوى: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف، وهو مضاف. العدوان: مضاف إليه. دنَّاهم: فعل ماضٍ، مبني على السكون؛ لاتصاله بـ "نا" الدالة على الفاعلين، و"نا": فاعل، و"هم": مفعول به. كما: الكاف حرف جر، و"ما" حرف مصدري. دانوا: فعل ماضٍ، والواو: فاعل؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لمصدر، يقع مفعولا مطلقا؛ عامله "دناهم"؛ والتقدير: دنَّاهم دينًا مماثلا لدينهم إيانا؛ وجملة "دانوا": صلة للمصولو الحرفي، لا محل لها؛ وجملة "دناهم": جواب "لما" في بيت سابق، لا محل لها.
موطن الشاهد: "ولم يبق سوى العدوان".
وجه الاستشهاد: وقوع "سوى" فاعلا لـ "يبق"؛ وحكم مجيئها فاعلا الجواز لضرورة الشعر عند البصريين؛ وأما عند الكوفيين فجائز في سعة الكلام، ولم يخصوه بالشعر فقط كالبصريين؛ ومذهبهم في هذه المسألة أرجح؛ لورود الشواهد الكثيرة من الشعر والنثر معا عمن يحتج بكلامهم. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٦٢.
١ مرت ترجمته.
٢ هو: أبو البقاء عبد الله بن الحسين، محب الدين العكبري البغدادي النحوي الضرير، قرأ على ابن الخشاب وغيره، له مصنفات كثيرة منها: إعراب القرآن، تفسير القرآن، إعراب الشواذ من القرآن، شرح الإيضاح، شرح اللمع، شرح المقامات، شرح الكتاب ... وغيرها ولد سنة ٥٣٨، ومات سنة ٦١٦ هـ.
البلغة: ١٠٨، إنباه الرواة: ٢/ ١١٦، بغية الوعاة: ٢/ ٣٨، معجم المؤلفين: ٦/ ٤٦، الأعلام ٤/ ٢٠٨.стр. 609
[الاستثناء بـ "ليس" و"لا يكون"] :
فصل: والمستثنى بـ: "ليس"، و: لا يكون" واجب النصب؛ لِأنه خبرهما، وفي الحديث: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السنَّ والظفرَ" ١ وتقول: "أتوني لا يكون زيدا".
واسمهما٢ ضمير مستتر عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، أو
الحواشي
(١) ١ هذا حديث شريف في حكم الذبائح.
وأخرجه بلفظ: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكلوا ليس السنَّ والظفرَ".
المعجم الكبير للطبراني "ط. العراق": ٤/ ٣٢٠، وإتحاف السادة المتقين للزبيدي "تصوير بيروت": ٦/ ٧٦ وكنز العمال "مطبعة التراث الإسلامي": ١٧٦٧. وأخرجه بلفظ: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السنَّ والظفرَ" مسلم، الأضاحي "مطبعة عيسى الحلبي": برقم: ٤٠، وسنن النسائي "تصوير بيروت": ٧/ ٢٢٨، ومسند الإمام أحمد "مطبعة الميمنية": ٤/ ١٤٢، ومعجم الطبراني: ٤/ ٣٢١. وشرح السنة للبغوي "مطبعة المكتب الإسلامي": ١١/ ٢١٤، وفتح الباري "دار الفكر": ٩/ ٦٢٣، ٦٣١.
٢ للنحاة في مرجع الضمير المستتر وجوبا في "ليس" و"لا يكون" ثلاثة أقوال؛ هي:
الأول: أن هذا الضمير عائد إلى اسم فاعل الفعل العامل في المستثنى منه؛ أو إلى اسم المفعول -وهذا الرأي لسيبويه- وبيانه: أننا إذا قلنا: "جاء القوم ليس زيدا" يكون تقدير الكلام: جاء القوم ليس هو -أي الجائي- زيدا؛ واعترض على هذا القول باعتراضات؛ أوضحها: أنه قد لا يكون في الكلام السابق على المستثنى فعل، كما لو قلت: "القوم إخوتك ليس زيدًا" فمن أين لنا أن نشتق اسم الفاعل الذي يعود الضمير إليه؟
وأجاب بعض من ينتصر لسيبويه: بأننا نتصيد من معنى الكلام السابق فعل، ونجعل اسم فاعل هذا الفعل المتصيد مرجع الضمير؛ ففي المثال المذكور نقدر أن الكلام: القوم يتصفون بأخوتك ليس زيدا، ونقدر مرع الضمير: ليس هو -أي المتصف بهذه الأخوة- زيدا.
والثاني: أن هذا الضمير عائد على البعض المدلول عليه بكله السابق -وهذا رأي البصريين ففي قولنا: "جاء القوم ليس زيدا"؛ التقدير: ليس هو -أي بعض القوم- زيدا؛ ومعنى هذا، أن نكون نفينا أن يكون بعض القوم زيدا؛ أي بعض القوم من =стр. 610
البعض المدلول عليه بكله السابق، فتقدير: "قاموا ليس زيدا": ليس القائم، أو ليس بعضهم، وعلى الثاني فهو نظير: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ١ بعد تقدم ذكر الأولاد٢.
وجملتا الاستثناء٣ في موضع نصب على الحال٤، أو مستأنفتان فلا موضع لهما٥.
[المستثنى بـ "خلا" و"عدا" وحكمه] :
فصل: وفي المستثنى بـ "خلا" و"عدا" وجهان:
الحواشي
(١) = عدا زيدا، وبالتالي: نكون قد أطلقنا لفظ البعض على الجميع إلا واحدا، وليس من المعهود هذا الإطلاق.
الثالث: أن الضمير يعود إلى مصدر الفعل السابق، بعد أن نقدر أن المستثنى، كان مضافا إلى مصدر مثله -وهذا رأي الكوفيين- ففي قولنا: "جاء القوم ليس زيدا"؛ التقدير: ليس المجيء مجيء زيد؛ واعترض على هذا الرأي باعتراضين؛ أولهما: أنه قد لا يكون في الكلام السابق فعل، ومر جوابه في الكلام على قول سيبويه، وثانيهما: أن فيه هذا التقدير مضافا محذوفا، لم يلفظ به في كلام قط. وانظر في هذا المسألة: شرح التصريح: ١/ ٣٦٢-٣٦٣، والجني الداني: ٤٩٥.
١ "٤" سورة النساء، الآية: ١١.
موطن الشاهد: ﴿كُنَّ نِسَاءً﴾ .
وجه الاستشهاد: عودة الضمير في "كن" على البعض المدلول عليه بالكل بعد تقدم ذكر الأولاد في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فإن الأولاد تشمل الذكور والإناث؛ فعادت النون في "كن" على الإناث اللاتي هن البعض المفهوم من الأولاد؛ ومعلوم أن "النون": اسم "كن" و"نساء": خبرها.
٢ أي في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فإن قيل: لا فائدة من قول القائل: فإن كن الإناث نساء. فالجواب: أن الفائدة تمت بما ذكره بعده من الظرف وهو قوله ﷻ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ شرح التصريح: ١/ ٣٦٣.
٣ أي: جملة "ليس زيدا"، "ولا يكون زيدا".
٤ ولا تحتاج لوجود "قد" المشروطة في الجملة الماضوية الواقعة حالا؛ لأن هذا في غير الجمل التي أفعالها جامدة كما هنا.
٥ أي: لا علاقة لهما بما قبلهما من جهة الإعراب. أما من الناحية المعنوية فبينهما ارتباط كما أسلفنا، وهذا رأي جمهور البصريين. شرح التصريح: ١/ ٣٦٣.стр. 611
أحدهما: الجر على أنهما حرفا جر، وهو قليل، ولم يحفظه سيبويه في "عدا"، ومن شواهده قوله١: [الوافر]
٢٦٦- أَبَحْنَا حيَّهُم قتلًا وأسرًا ... عدا الشمطاء والطفل الصغير٢
وموضعهما نصب، فقيل: هو نصب عن تمام الكلام٣، وقيل: لأنهما متعلقان بالفعل المذكور٤.
الحواشي
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: ويروى قبل الشاهد -وهو دليل على أن القوافي مجرورة- قوله:
تركنا في الحضيض بنات عوج ... عواكف قد خضعن إلى النسور
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٢، والدر: ١/ ١٩٧، والعيني: ٣/ ١٢٣.
المفردات الغريبة: أبحنا، أحللنا، من أباح الشيء إذا أحله، والمراد: استأصلنا حيهم، الحي: القبيلة. الشمطاء: العجوز التي خالط البياض سواد شعرها، والرجل أشمط.
المعنى: استبحنا القتل والأسر، واستأصلنا تلك القبيلة، ولم نترك إلا العجائز من النساء، والصغار من الأطفال.
الإعراب: أبحنا: فعل ماضٍٍ مبني على السكون؛ لِاتصاله بـ "نا"؛ و"نا" في محل رفع فاعل. حيهم: مفعول به، وهو مضاف. و"هم": مضاف إليه. قتلا: تمييز منصوب؛ ويجوز أن يكون "حيهم" مفعولا به على نزع الخافض؛ أي في حيهم، وقتلا: مفعولا به. وأسرا: الواو عاطفة؛ أسرا: معطوف على "قتلا" منصوب مثله. عدا: حرف جر دالٍّ على الاستثناء، لا محل له من الإعراب. الشمطاء: مجرور بـ "عدا" وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والطفل: الواو عاطفة، الطفل: اسم معطوف على الشمطاء، والمعطوف على المجرور مجرور مثله. الصغير: صفة للطفل مجرورة.
موطن الشاهد: "عدا الشمطاء".
وجه الاستشهاد: مجيء "عدا" في الشاهد حرف جر و"الشمطاء" مجرورا به.
٣ أي: تمام الجملة قبلهما، فتكون هي الناصبة لمحلهما على الاستثناء؛ كما قيل في تمييز النسبة: إن العامل فيه النصب، هو الجملة قبله، ولا يحتاجان إلى متعلق على اعتبارهما من أحرف الجر الشبيهة بالزائد. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٦٣، وحاشية الصبان: ٢/ ١٦٣.
٤ أي: قبلهما، فيكونان -حينئذ- في موضع نصب على المفعول به، والأول: أرجح.стр. 612
والثاني: النصب على أنهما فعلان جامدان لوقوعهما موقع١ "إلا" وفاعلهما ضمير مستتر"، وفي مفسره وفي موضع الجملة البحث السابق.
وتدخل علهيما "ما" المصدرية٢ فيتعين النصب؛ لِتعين الفعلية حينئذ، كقوله٣: [الطويل]
٢٦٧- ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل٤
الحواشي
(١) ١ فعلان لتقدم ما المصدرية عليهما، التي لا توصل إلا بالأفعال، والفعل إذا وقع موقع الحرف يصير جامدا، كما أن الاسم إذا وقع موقعه يصير مبنيا، ونصب ما بعدهما على أنه مفعول واضح بالنسبة لعدا؛ متعدٍّ قبل الاستثناء، أما "خلا" فقد ضمنت عند الاستثناء معنى "جاوز"؛ فصارت متعدية. التصريح: ١/ ٣٦٤.
٢ أي: استثناء؛ لِأنها لا تدخل على فعل جامد. وقيل: لأنهما في الأصل متصرفان. والمنع إنما هو في الجامد أصالة.
٣ القائل: هو لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
وكل نعيم لا محالة زائلُ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٦٤، والهمع: ١/ ٣، ٢٦٦، ٣٣٣، والدرر: ١/ ٢، ٩٣، ١٩٧، وشرح المفصل: ٢/ ٧٨، والعيني: ١/ ١٥، ٣/ ١٣٤، وحاشية يس: ١/ ٣٥٥، ومغني اللبيب: "٢١٩/ ١٧٩" "٣٥٢/ ٢٥٩" وشرح السيوطي: ١٣٤، ١٨٠، والشذور: "١٢٢/ ٣٤١" وديوان لبيد: ٢٥٦.
المفردات الغريبة: ما خلا الله: ما عداه سبحانه؛ باطل، المراد: فانٍ وهالك. زائل: ذاهب.
المعنى: كل شيء في هذه الحياة صائر إلى زوال، ولا يبقى إلا الواحد الديان، وكل نعيم في هذه الدنيا سيغدو أثرا بعد عين، فليعتبر بهذا الغافلون والمنحرفون.
الإعراب: ألا: أداة استفتاح وتنبيه: كل: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. شيء: مضاف إليه مجرور. ما: مصدرية، لا محل لها. خلا: فعل ماضٍٍ مبني على الفتح المقدر، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا، تقديره هو: يعود إلى البعض المفهوم من الكل السابق. الله: "لفظ الجلالة" منصوب على التعظيم. باطل: خبر المبتدأ "كل" مرفوع. وكل: الواو عاطفة، كل: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. نعيم: مضاف إليه مجرور. لا محالة: لا نافية للجنس، لا محل لها من الإعراب. محالة: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب؛ وخبر "لا" محذوف؛ والتقدير: لا محالة موجودة؛ وجملة "لا محالة موجودة": اعتراضية، لا محل لها. زائل: خبر "كل" مرفوع.
موطن الشاهد: "ما خلا الله".
وجه الاستشهاد: استعمال "خلا" فعلا؛ لسبقها بـ "ما" المصدرية، ونصب لفظ الجلالة بعدها؛ والذي يدلنا على استعمالها فعلا سبقها بما المصدرية؛ لأن "ما" المصدرية، لا تدخل على الأفعال، ولا تدخل على الحروف.стр. 613
وقوله١: [الطويل]
٢٦٨- تملُّ الندامى ما عداني فإنني٢
ولهذا دخلت نون الوقاية، وموضع الموصول وصلته نصب: إما على الظرفية على حذف مضاف، أو على الحالية على التأويل باسم الفاعل٣، فمعنى: "قاموا ما
الحواشي
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
بكل الذي يهوَى نديمي مولعُ
وقد مر تخريج الشاهد والتعليق عليه.
موطن الشاهد: "ما عداني".
وجه الاستشهاد: استعمال "عدا" فعلا؛ لأنها سبقت بما المصدرية؛ ومعلوم أن "عدا" عندما تسبق بما المصدرية، تتمحَّض للفعلية -كما سبق- وما يؤكد استعمال الشاعر لـ "عدا" فعلية؛ إلحاقه بها نون الوقاية لما وصل بها ياء المتكلم، ونحن نعلم أن نون الوقاية تلزم الأفعال من دون الحروف.
٣ عندما تأتي "عدا وخلا" مقرونتين بـ "ما" فلمحلهما ثلاثة أوجه من الإعراب:
الأول: أن "ما" المصدرية ومدخولها في تأويل مصدر منصوب على الظرفية الزمانية؛ وأصله: مضاف إليه للفظ "وقت" فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ ففي قولهم: "قام القوم عدا زيدا"، يكون التقدير: قام القوم وقت مجاوزتهم زيدا.
الثاني: أن "ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر، يراد به اسم الفاعل، وهو حال من المستثنى منه؛ ويكون تقدير المثال السابق: قام القوم مجاوزتهم زيدا، أي: مجاوزين زيدا؛ وهذا، كما قدر المصدر الصريح -حين وقع حالا- باسم الفاعل؛ نحو قولك: جاء زيد ركضا؛ أي: راكضا.
الثالث: أن "ما عدا زيدا" منصوب على الاستثناء، مثل انتصاب "غير" في قولهم: قام القوم غير زيد؛ والتقدير الثاني للسيرافي، والثالث لابن خروف، والرأي الأرجح، هو الأول؛ لأن "ما عدا" في تأويل المصدر عند الجميع، والمصدر ينوب مناب ظرف الزمان بكثرة، كما في قولهم: أزورك طلوع الشمس، وأحبك مجيء الحاج؛ فأما مجيء الحال مصدرا، فيحتاج إلى التأويل -على أن بعض النحاة ذكر أن مجيء المصدر حالا؛ إنما يكون في المصدر الصريح لا المؤول؛ وأما النصب على الاستثناء، ففيه من التكلف ما لا يخفى. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٦٥، والمغني: ١٧٨-١٧٩.стр. 614
عدا زيدا" قاموا وقت مجاوزتهم زيدا، أو مجاوزين زيدا، وقد يجران على تقدير "ما" زائدة١.
[المستثنى بـ "حاشا"] :
فصل: والمستثنى بـ: "حاشا" عند سيبويه مجرور لا غير، وسمع غيره النصب٢، كقوله: "اللهم اغفر لي ولمن يسمع، حاشا الشيطانَ وأبا الأصبغ"٣.
والكلام في موضعها جارة وناصبة وفي فاعلها كالكلام في أختيها.
ولا يجوز دخول "ما" عليها، خلافا لبعضهم٤، ولا دخول "إلا" خلافا
الحواشي
(١) ١ وإلى هذا ذهب الجرمي والربعي والكسائي والفارسي وابن جني، ولم يرتضه ابن هشام في المغني لأن "ما" تزاد بعد حرف الجر، نحو: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ ، و: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ، أما هنا فلا، وإن كان سمع ذلك فهو شذوذ لا يقاس عليه. التصريح: ١/ ٣٦٥، مغني اللبيب: ١٧٩، همع الهوامع: ١/ ٢٣٣.
٢ الذين رووا النصب بعد "حاشا" هم أبو زيد والفراء، والأخفش، والشيباني، وابن خروف، وأجازه الجرمي والمازني والمبرد والزجاج وابن مالك. مغني اللبيب: ١٦٥، والجنى الداني: ٥٥٨، والتصريح: ١/ ٣٦٥.
٣ هذا كلام منثور، وليس بنظم، وأبو الأصبغ: اسم رجل رمي بالخسة والدناءة وجعل قرينا للشيطان لالتحاقه في قبح الأفعال.
"الشيطان" منصوب بحاشا على أنها فعل ماضٍ، و"أبا" معطوف عليه. "الأصبغ" مضاف إليه. وجيء بحاشا هنا للتهكم؛ لأنها إنما يستثنى بها في مقام تنزيه المستثنى عن نقص ما، والمغفرة أمر حسن لا يتنزه أحد عنه، ولكنه بالغ في تقبيح فعل الشيطان وأبي الأصبغ وخستهما ودمهما حتى كأن المغفرة تنقص بهما، فيجب أن تتنزه عنهما وألا تتعلق بأمثالهما.
٤ فقد أجاز دخول "ما" عليها مستدلا بقوله ﵊: "أسامة أَحَبُّ الناسِ إلي ما حاشا فاطمة". ورد بأن جملة "ما حاشا فاطمة" مدرجة من كلام الراوي وليست من الحديث، أي أنه ﵊، لم يستثنِ فاطمة، فتكون "ما" نافية لا مصدرية، و"حاشا" فعل متعدٍّ متصرف بمعنى أستثني. وكذلك استدل بقول الأخطل:
رأيت الناس ما حاشا قريشًا ... فإنا نحن أفضلهم فعالاстр. 615
للكسائي١.
الحواشي
(١) ١ فقد أجاز دخول "إلا" عليهما إذا جرت، ومنعه إذا نصبت، تقول: قام القوم إلا حاشا محمد -بالجر. التصريح: ١/ ٣٦٥.
تنبيه: الصحيح أن ناصب المستثنى هو "إلا" لا ما قبلها، ولا كلمة أستثني مضمرا؛ لأنها مختصة بالأسماء غير منزلة منها منزلة الجزء، يجب أن تعمل ما لم تتوسط بين عامل مفرغ ومعموله فتلغى؛ لأن العامل أقوى منها.
تكملة: تأتي "حاشا" على ثلاثة أحوال:
أ- استثنائية: وهي فعل جامد، وقد تأتي حرفا وقد سبق الكلام عليها.
ب- تنزيهية: تدل على التنزيه الخالص وتبرئة ما بعدها من سوء. والصحيح أنها اسم مرادف لكلمة "تنزيه" التي هي مصدر "نزه" بدليل إضافتها وتنوينها في قوله تعالى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ فقد قرأ ابن مسعود: "حاش الله"، بالإضافة على زيادة اللام؛ كسبحان الله، ومعاذ الله. وقرأ أبو السمال: حاشا لله. بالتنوين والإضافة، والتنوين من خواص الأسماء، وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبا من معناها؛ لِأنها مصدر قائم قام الفعل. وقال بعض النحاة: إنها اسم فعل ماضٍٍ بمعنى: تنزه أو برئ، واللام بعدها زائدة، و"الله" مجرور باللام الزائدة في محل رفع فاعل باسم الفعل. وقال الكوفيون والمبرد: إنها فعل.
ج- أن تكون فعلا متعديا متصرفا بمعنى أستثني. تقول: حاشيت مال اليتيم. أن تمتد إليه يدي، أي أستثنيه، وتكتب ألفها الأخيرة ياء في هذه الحالة ومنه الحديث السابق: "أسامة أحب الناس إلي ما حاشي فاطمة". وقول الشاعر:
ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد
ويجوز في نحو: قام الناس حاشاك وحاشاه. كون الضمير منصوبا، وكونه مجرورا.
فإذا قلت: حاشاي -تعين الجر، وإن قلت: حاشاني- تعين النصب، وكذا الشأن في: خلا، وعدا، ضياء السالك: ٢/ ١٨٦.
فائدة: تأتي "لما" للاستثناء بمعنى إلا، نحو: ناشدتك الله لما فعلت كذا -عمرك الله لما تركت كذا. وهذا مقصور على السماع على الصحيح. التصريح: ١/ ٣٦٥، مغني اللبيب: ١٦٤-١٦٥٤، ومشكل إعراب القرآن: ١/ ٤٢٨، همع اللوامع: ١/ ٢٣٢-٢٣٣، الجنى الداني: ٥٦١.стр. 616
[باب الحال] :
هذا باب الحال١:
[الحال نوعان] :
الحال نوعان: موكد٢، وستأتي.
تعريف الحال المؤسسة:
ومؤسسة٣، وهي: وصف٤، فضلة٥، مذكور لبيان الهيئة، كـ: "جئت
الحواشي
(١) ١ يطلق الحال لغة: على الوقت الذي فيه الإنسان، وعلى ما هو عليه من خير أو شر.
واصطلاحا: ما ذكره المصنف. ولفظ الحال -من غير تاء- صالح للتذكير والتأنيث، نقول: الحال حسن، أو حسنة. والكثير والأفصح في لفظه التذكير، وفي وصفه وفي ضميره التأنيث ومن شواهد تذكير لفظ الحال قول الشاعر:
إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ ... فدعه وواكل أمره واللياليا
ومن شواهد تأنيث لفظها قول الفرزدق:
على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده ضنت به نفس حاتم
٢ وهي التي لا تفيد معنى جديدا، ويفهم معناها بدون ذكرها، ويدل عليها عاملها كقولك: تعث في الأرض مفسدا. أو يدل عليها صاحبها كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أو تدل على معناها جملة سابقة نحو قولك: "زيد أبوك عطوفا".
٣ وهي التي تفيد معنى لا يستفاد إلا بذكرها، وتسمى كذلك المبينة. لأنها تبين وتوضح هيئة صاحبها، وهذا القسم هو الغالب في الحال، حتى قال المبرد والفراء: إن الحال لا تكون مؤكدة. التصريح: ١/ ٣٦٥، همع الهوامع: ١/ ٢٣٧.
٤ صريح أو مؤول؛ لتدخل الحال الجامدة، والجملة وشبهها الظرف والجار والمجرور -لتأول كل بالوصف المشتق. والمراد بالوصف: الاسم المشتق الذي يدل على معنى وذات متصفة به وهو اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأمثلة المبالغة، وأفعال التفضيل.
٥ المراد بالفضلة هنا: ما ليس ركنا في الإسناد، وإن كان لازمة لصحة المعنى، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ ، فإنه لا يكون معنى إذا حذفت كلمة "كسالى"، أو يجب ذكرها لعارض كونها سادة مسد العمدة، كالحال التي تسد مسد الخبر في نحو: ضربي العبد مسيئا.стр. 617
راكبا" و: "ضربته مكتوفا" و: "لقيته راكبين"١.
وخرج بذكر الوصف نحو: "القهقرى" في: "رجعت القهقرى"٢.
وبذكر الفضلة الخبر في نحو: "زيد ضاحك" وبالباقي التمييز في نحو: "لله دره فارسا" والنعت في نحو: "جاءني رجل راكب" فإن ذكر التمييز لبيان جنس المتعجب منه، وذكر النعت لتخصيص المنعوت، وإنما وقع بيان الهيئة بهما ضمنا لا قصدا.
وقال الناظم:
الحال وصف فضلة منتصب ... مُفهَمُ في حال كذا ...
فالوصف: جنس يشمل الخبر والنعت والحال، وفضلة: مخرج للخبر، ومنتصب. مخرج لنعتي المرفوع والمخفوض، كـ: "جاءني رجل راكب" و: "مررت برجل راكب" ومفهم في حال كذا: مخرج لنعت المنصوب كـ: "رأيت رجلا راكبا" فإنه إنما سيق لتقييد المنعوت؛ فهو لا يفهم في حال كذا بطريق القصد، وإنما أفهمه بطريق اللزوم.
وفي هذا الحد نظر؛ لأن النصب حكم، والحكم فرع التصور، والتصور متوقف على الحد، فجاء الدور.
[أوصاف الحال] :
فصل: للحال٣ أربعة أوصاف:
الحواشي
(١) ١ راكبا: حال مبنية لهيئة الفاعل، ومكتوفا: حال مبنية لهيئة المفعول، وراكبين: حال مبنية لهما. قيل: ومجيء الحال من غير ذلك، كالمجرور بالحرف والمضاف إليه، والمبتدأ والخبر، واسم الناسخ ينبغي أن يؤول بالفاعل أو المفعول.
وقيل: يجوز ذلك بدون تأويل، ولوروده في الفصيح من كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ ببناء "نتخذ" للمجهول، فإن أولياء حال، وهي مجرور بمن الزائدة، والتقدير: أن نتخذ من دونك.
٢ فإنه وإن كان مبنيا لهيئة الفاعل، إلا أنه اسم للرجوع إلى الخلف لا وصف وتثنى على القهقرين بحذف الألف، والقياس قلبها ياء.
٣ أي من حيث هي، بقطع النظر عن كونها مؤكدة أو مؤسسة.стр. 618
أحدهما: أن تكون منتقلة١ لا ثابتة، وذلك غالب، لا لازم، كـ: "جاء زيد ضاحكا".
وتقع وصفا ثابتا٢ في ثلاث مسائل:
إحداها: أن تكون مؤكدة٣، نحو: "زيد أبوك عطوفا" و: ﴿يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ٤.
الثانية: أن يدل عاملها على تجدد صاحبها٥، نحو: خلق الله الزرافة يديها
الحواشي
(١) ١ هذا الوصف باعتبار ثبات معناها ودوامه، أو عدم ذلك، والمراد بالمنتقلة: التي ليست ملازمة للمتصف بها، بل تبين هيئة صاحبها مدة مؤقتة. وبالثابتة: الملازمة لصاحبها لا تفارقه.
٢ المراد بالثبات اللزوم وعدم المفارقة، بدليل مقابلتها بالمنتقلة وتفسيرهم الانتقال بكونها تفارق صاحبها، ثم إن اللزوم يكون بسبب وجود علاقة بين الحال وبين صاحبها أو عاملها، عقلا. أو عادة. أو طبعا. وإن لم تكن في نفسها دائمة.
٣ أي لمضمون الجملة التي قبلها، بحيث يتفق معنى الحال ومضمون الجملة، فتلازم صاحبها تبعا لذلك. ويشترط في هذه الجملة: أن تكون اسمية، وأن يكون طرفاها -وهما المبتدأ والخبر- معرفتين جامدتين، ولا بد أن يتأخر الحال عنهما وعن العامل. كالمثال الأول فإن "عطوفا" حال من الأب والعطف ملازم للأبوة؛ لأن الأبوة من شأنها العطف وقد تكون مؤكدة لعاملها، إما في اللفظ والمعنى، نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ أو في المعنى فقط كمثال المصنف، فإن "حيا" حال من ضمير أبعث، والبعث هو الحياة بعد الموت. وهذه مؤكدة لمعنى العامل، وهو "أبعث" لأن البعث من لازمه الحياة، وهو مستفاد بدون ذكر الحال.
وبقي عليه نوع ثالث، وهي الحال المؤكدة لمعنى صاحبها؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ فجميعا حال مؤكدة معنى صاحبها، وهو "من"، ومعنى الجمعية هو معنى العموم المستفاد من "من" بدون ذكر الحال. التصريح: ١/ ٣٦٧.
٤ "١٩" سورة مريم، الآية: ٣٣.
موطن الشاهد: ﴿أُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "حيا" حالا مؤكدة لعاملها في المعنى فقط؛ لأن البعث هو الحياة بعد الموت، فأكدت معنى "أبعث"؛ لأن البعث من لازمه الحياة، وهو مستفاد من دون ذكر الحال.
٥ الدال على التجدد في هذا المثال هو قولهم "خلق" فإنه يدل على تجدد المخلوق =стр. 619
أطول من رجليها" فـ: "يديها": بدل بعض، و: "أطول": حال ملازمة.
الثالثة: نحو: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْط﴾ ١، ونحو: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ ٢، ولا ضابط لذلك، بل هو موقوف على السماع، ووهم ابن الناظم فمثل بمفصلا في الآية للحال التي تجدد صاحبها.
الثاني: أن تكون مشتقة لا جامدة٣، وذلك أيضا غالب، لا لازم.
وتقع جامدة مؤولة بالمشتق في ثلاث مسائل:
إحداها: أن تدل على تشبيه، نحو: "كر زيد أسدا" و: "بدت الجارية قمرا، وتثنت غصنا" أي: شجاعا ومضيئة ومعتدلة٤، وقالوا: "وقع المصطرعان عِدْلَي
الحواشي
(١) = وحدوثه. وخلق هو العامل في الحال وفي صاحبها، وجعل ابن الناظم من هذا النوع، ما كان الدال على التجدد هو العامل أيضا، لكن المتجدد والمحدث وصف من أوصاف صاحبها، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ وذلك بأنه أراد بالكتاب اللفظ المقروء، لا الصفة النفسية، ولا مانع من القول بتجدده؛ بدليل وصفه بالإنزال، ولا يتجه الوهم إلا إذا أريد أن الإنزال يدل على تجدد المنزل وحدوثه وقت الإنزال والمصنف لم يعتبره هنا منه؛ وحجته: أن "الكتاب" الذي هو صاحب الحال قديم فلا يمكن أن يكون متجددا حادثا. التصريح: ١/ ٣٦٨، ومعنى اللبيب: ٦٠٥.
١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٨.
موطن الشاهد: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "قائما" وصفا ثابتا"؛ لأن صفات الله تعالى مطلقة؛ ومجيء الحال هنا مرجعه إلى السماع.
٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١١٤.
موطن الشاهد: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مفصلا" منصوبا على الحال، ولا ضابط له، بل هو موقوف على السماع -كما بَيَّنَ المؤلف- فلا يقاس عليه؛ ومعنى مفصلا: مبينا فيه الحق والباطل بحيث ينفي التخليط والإلباس.
٣ لأنها صفة لصاحبها في المعنى والصفة لا تكون إلا مشتقة. ويؤخذ من ذلك أنه لا بد من مطابقتها لصاحب الحال تذكيرا وتأنيثا وإفرادا وتثنية وجمعا؛ لأن اشتقاقها يقتضي تحملها ضميره.
٤ على هذا يكون كل من الأسد والقمر والغصن مستعملا في غير حقيقته، والمعنى فيها على التشبيه. وقيل إنها مستعملة في حقيقتها والكلام على حذف مضاف، أي مثل أسد وقمر وغصن، وذلك أصرح في الدلالة على التشبيه. ومثل ذلك قول المتنبي:
بدت قمرا، ومالت غصن بان ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالاстр. 620
عير"١ أي: مصطحبين اصطحاب عدلي حمار حين سقوطهما.
الثانية: أن تدل على مفاعلة٢، نحو: "بعته يدا بيد"٣ أي: متقابضين، و: "كلمته فاه إلى في" أي: متشافهين٤.
الثالثة: أن تدل على ترتيب، كـ: "ادخلوا رجلا رجلا" أي: مترتبين٥.
الحواشي
(١) ١ هذا مثل قالته العرب، للأمر يتساوى فيه الخصمان، ومعناه: وقعا معا ولم يصرع أحدهما الآخر، والمصطرعان تثنية مصطرع. عدلي، تثنية عدل، وهو نصف الحمل يكون على جنبي الدابة: العير الحمار، ويغلب على الوحشي.
عدلي: حال جامدة من "المصطرعان" وهي مؤولة بالمشتق كما بين المصنف. وقيل إن "عدلي" مفعول مطلق، أي وقوعا مثل وقوع عدلي عير؛ لأن النيابة تكون بين متضايفين أو موصوف وصفته. لم أجده في أمثال الميداني.
٢ سواء كان ذلك بلفظها أو بمعناها، والمفاعلة: هي صيغة تقتضي المشاركة من جانبين.
٣ يجوز في قولك: "يدا بيد" رفع يد الأولى ونصبها، فأما إذا قلتها بالرفع فهي مبتدأ والجار والمجرور بعدها متعلق بمحذوف خبر، ولكل من يد المرفوع ويد المجرور بالباء وصف محذوف، أي: يد منه مصاحبة ليد مني، وهذه الصفة المقدرة، هي التي سوغت الابتداء بالنكرة، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال، وإذا قلت "يدا" بالنصب فهي حال، واختلفت عبارة النحاة في الجار والمجرور بعده فقد نقل صاحب التصريح عن ابن هشام أن سيبويه يجعله للبيان، يعني أنه متعلق بمحذوف مقصود به البيان، وفيه معنى المفاعلة، ويذكر الصبان أنه متعلق بمحذوف صفة للحال، أي يدا مع يد. التصريح: ١/ ٣٧٠، حاشية الصبان على شرح الأشموني.
٤ يقال في إعرابه ما قيل في سابقه. ولا يقاس على هذا المثال لخروجه عن القياس بالتعريف والجمود؛ خلافا لهشام فإنه أجاز: جاورته منزله إلى منزلي، وناضلته قوسه عن قوسي، قياسا عليه. التصريح: ١/ ٣٧٠، وهمع الهوامع: ١/ ٢٣٧.
٥ ومثله: رجلين رجلين، أو رجالا رجالا.
وضابطه: أن يذكر المجموع ثم يفصل ببعضه مكررا، وكلاهما منصوب بالعامل. والمجموع حال وهو المختار. وقيل الثاني صفة للأول بتقدير مضاف: أي ذا رجل، أو مفارق رجل، بمعنى متميزا عنه، أو معطوف عليه بتقدير الفاء. التصريح: ١/ ٣٧٠، الهمع: ١/ ٢٣٨.стр. 621
وتقع جامدة غير مؤولة بالمشتق في سبع مسائل، وهي:
أن تكون موصوفة١، نحو: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٢، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ٣، وتسمى حالا موطئة٤.
أو دالة على سعر، نحو: "بعته مُدًّا بكذا"٥.
أو عدد، نحو: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ٦.
أو طور واقع فيه تفضيل، نحو: "هذا بسرا أطيب منه رطبا"٧.
الحواشي
(١) ١ أي بمشتق أو شبهه، فالأول كمثال المصنف والثاني نحو: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ .
٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٢.
موطن الشاهد: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "قرآنا" منصوبا على الحال من "القرآن" في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ؛ والذي جوز وقوع "قرآنا" حالا اعتمادها على الصفة "عربيا".
٣ "١٩" سورة مريم، الآية: ١٧.
موطن الشاهد: ﴿تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "بشرا" حالا من فاعل تمثل "الملك"؛ والذي جوز مجيء "بشرا" حالا اعتمادها على الصفة "سويا".
٤ أي: ممهدة لما بعدها؛ لأنه هو المقصود. أما هي فغير مقصودة بذاتها، وإنما تمد الذهن وتهيئه لما يجيء بعدها من الصفة، فهي مجرد وسيلة إلى النعت.
٥ يقال فيها ما قيل في بعته يدا بيد، والضمير في بعته عائد على الشيء المبيع.
٦ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٤٢.
موطن الشاهد: ﴿أَرْبَعِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: "مجيء "أربعين" حالا من "ميقات" وليلة تمييز؛ وهي -هنا- وقعت جامدة غير مؤولة بمشتق، وحكم مجيئها على هذا النحو -الجواز.
٧ أي أن تدل الحال على أن صاحبها في طور وحال من أحواله -مفضل وزائد على نفسه أو غيره- في حالة أخرى، فبسرا حال من فاعل أطيب المستتر فيه، ورطبا: حال من الهاء في منه، والمراد أن للبلح أطوارا مختلفة، وهو في طور البسر مفضل على نفسه في طور الرطب. انظر شرح التصريح.стр. 622
أو تكون نوعا لصاحبها، نحو: "هذا مالك ذهبا".
أو فرعا، نحو: "هذا حديدك خاتما" و: ﴿تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ ١.
أو أصلا له، نحو: "هذا خاتمك حديدا"، و: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ ٢.
تنبيه: أكثر هذه الأنواع وقوعا مسألة التسعير، والمسائل الثلاث الأول، وإلى ذلك يشير قوله٣:
ويكثر الجمود في سعر، وفي ... مُبدِي تأوُّلٍ بلا تكلف
ويفهم منه أنها تقع جامدة في مواضع أخر بقلة، وأنها لا تؤول بالمشتق كما لا تؤول الواقعة في التسعر، وقد بينتها كلها.
وزعم ابنه أن الجميع مؤول بالمشتق٤، وهو تكلف، وإنما قلنا به في الثلاث الأول؛ لأن اللفظ فيها مراد به غير معناه الحقيقي؛ فالتأويل فيها واجب.
الثالث: أن تكون نكرة لا معرفة٥، وذلك لازم٦؛ فإن وردت بلفظ المعرفة
الحواشي
(١) ١ "٧" سورة الإعراف، الآية: ٧٤.
موطن الشاهد: ﴿تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "بيوتا" حالا من الجبال؛ وهي فرع منها؛ وحكم مجيئها -في هذه الحالة.
٢ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٦١.
موطن الشاهد: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "طينا" حالا من منصوب "خلقت" المحذوف؛ والتقدير: أأسجد لمن خلقته طينا، أو على نزع الخافض -أي: من طين- والطين: أصل للمخلوق. ومعنى قوله: أو أصلا له: أي كون الحال النوع والأصل، وصاحبها هو الفرع كما سبق.
٣ أي قول ابن مالك في الألفية.
٤ تأويلها في السبع الباقية على معنى: متصفا بصفات البشر؛ من استواء الخلقة ونحوها، ومسعرا، ومعدودا، ومطورا بطور البسر أو الرطب، ومنوعا، ومصوغا، ومتأصلا أو مصنوعا.
٥ هذا الوصف من ناحية التنكير والتعريف.
٦ لأن الغالب فيها أن تكون مشتقة، وأن يكون صاحبها معرفة، فلو عرفت وهي مشتقة، بالتوهم أنها نعت عند انتصاب صاحبها، وحمل غيره عليه. التصريح: ١/ ٣٧٢-٣٧٣.стр. 623
ولت بنكرة، قالوا: "جاء وحده"١ أي: منفردا و: "رجع عوده على بدئه"٢، أي:
الحواشي
(١) ١ "وحده" حال من فاعل جاء المستتر، وهي معرفة بسبب إضافتها إلى الضمير الواقع مفعولا؛ لأنها مصدر "وحد" وجامدة بمشتق، كما ذكر المؤلف. وكلمة "وحد" اسم يدل على التوحد والانفراد، وأغلب استعمالاته منصوبا؛ إما لفظا؛ نحو: جاء وحده، واجتهد وحدك، وكما في قوله عز شأنه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة غافر، الآية: ٨٤] . وإما منصوبا تقديرا، وذلك إذا أضيف إلى ياء المتكلم، كما في قول الشاعر:
والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
وجاءت هذه الكلمة مجرورة بالإضاة في خمس كلمات؛ وقعت في معرض المدح أو الذم؛ ففي معرض المدح، قالوا: "فلان نسيج وحده" و"فلان قريع وحده".
وقالوا في الدلالة على الإعجاب بالنفس: "فلان رجيل وحده"؛ ومن الأول قول عائشة ﵂ واصفة عمر بن الخطاب: "كان والله أحوذيا نسيج وحده".
وقالوا عند إرادة الذم "فلان عيير وحده" و"فلان جحيش وحده"؛ والعيير: تصغير "عير"؛ وهو الحمار؛ والجحيش: تصغير "جحش"؛ وهو لد الحمار.
وأما بالنسبة إلى إعرابه: فقال سيبويه والخليل بن أحمد: هو اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع المشتق؛ فهو منصوب على الحال؛ وكأنك، حين تقول: "جاء زيد وحده" قد قلت: جاء زيدا إيحادا؛ أي انفرادا؛ وأنت تريد: جاء زيد متوحدا؛ أي منفردا.
وذهب يونس بن حبيب وهشام والكوفيون: إلى أنه منصوب على الظرفية، والتقدير في قولك: "جاء محمد وحده": جاء محمد لا مع غيره؛ وهؤلاء قاسوا "وحده" على مقابله؛ وهو قولهم: "قد جاء محمد وعلي معا".
واختلفوا أيضا في صاحب الحال لـ "وحده" ففي قولهم: "رأيت زيدا وحده" يرى سيبويه أن صاحب الحال هو الفاعل؛ وقال ابن طلحة: هو حال من المفعول، وأجاز المبرد كلا الوجهين؛ والأرجح أن صاحب الحال في المثال المذكور المفعول؛ لأنه لو أراد نفسه؛ لقال: رأيت زيدا وحدي. انظر في هذه المسألة: شرح ابن عقيل: ٢/ ٢٤٩-٢٥٢، وهمع الهوامع: ١/ ٢٣٩-٢٤٠، وشرح الأشموني: ١/ ٢٤٤.
٢ عوده: حال من الفاعل المستتر في رجع، وهو معرفة بإضافته إلى الضمير، ومؤول بالمشتق ومعناه: رجع عائدا في الحال، أو رجع على الطريق نفسه. ويروى برفع "عوده" على أنه مبتدأ والجار والمجرور بعده خبر، والجملة حال من الضمير في جاء. ويقال هذا: "الإنسان" عهد منه عدم الاستقرار على ما ينقل إليه، بل يرجع إلى ما كان عليه واختلف في رواية النصب اختلافا كثيرا. التصريح: ١/ ٣٧٣، الكتاب لسيبويه: ١/ ٣٩١.стр. 624
عائدا، و: "ادخلوا الأول فالأول"١، أي: مترتبين، و: "جاؤوا الجماء الغفير"٢، أي: جميعا، و: "أرسلها العراك"٣، أي: معتركة.
الحواشي
(١) ١ "الأول" حال من الواو في "ادخلوا" و"الأول" الثاني معطوف بالفاء على سابقه، وهما معرفتان بـ "أل". الكتاب، لسيبويه: ١/ ٣٩٨.
٢ "الجماء" حال من الواو في جاءوا. والجماء: مؤنث الأجم بمعنى الكثير، وأنث باعتبار الموصوف المحذوف؛ أي: الجماعة الجماء؛ والغفير: من الغفر وهو الستر؛ أي الذي يستر ويغطي وجه الأرض؛ لكثرته؛ وهو صفة للجماء ولم يطابق -وإن كان بمعنى الفاعل حملا على فعيل بمعنى المفعول- أو باعتبار معنى الجمع. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٧٣.
٣ أرسلها العراك: أي مزدحمة؛ وقد جاءت هذه الجملة في بيت للبيد العامري، يصف حمارا وحشيا أورد أتنه الماء لتشرب، وتمام البيت:
فأوردها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نغص الدخال
والضمير في أوردها عائد إلى حمار الوحش، و"ها" عائد إلى أتنه؛ وأصل العراك: مصدر بمعنى ازدحام الإبل أو غيرها حين ورود الماء. لم يذدها: لم يمنعها ولم يطردها والنغص: -بفتح النون والغين- مصدر نغص الرجل: إذا لم يتم مراده؛ ونغص البعير؛ إذا لم يتم شربه؛ وموطن الشاهد هنا "العراك" فإنه جاء معرفا، وقد خرجه النحاة كما يلي:
أ- إن هذا المصدر حال -مع مخالفة لفظه للأصل في الحال، من وجهين؛ كونه مصدرا؛ وكونه معرفة -وهو في التأويل وصف منكر- لأن المعنى: أرسلها معاركة. وهذا مذهب سيبويه.
ب- إن "العراك" مفعول ثانٍ لـ "أرسل" بعد أن ضمن أرسل معنى "أورد"؛ وفعل أورد يتعدى إلى مفعولين؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ فكأنه يريد: أوردها العراك: أي الازدحام، وأراد مكانه؛ وفي هذا التخريج تكلف ظاهر، وهو مذهب الكوفيين.
ج- إن العراك "مصدر باق" على مصدريته، وهو مفعول مطلق مؤكد لعامله ومبين لنوعه معا؛ وذلك العامل يقدر وصفا منكرا، واقعا حالا من الضمير البارز المتصل العائد إلى الأتن، وكأنه قال: فأرسلها معتركة العراك، أي مزدحمة الازدحام المعهود. وانظر تفصيل هذه المسألة في حاشية الشيخ يس على التصريح: ١/ ٣٧٣-٣٧٤، وكتاب سيبويه: ١/ ٣٧٢.стр. 625
الرابع: أن تكون نفس صاحبها في المعنى١، فلذلك جاز: "جاء زيد ضاحكا" وامتنع: "جاء زيد ضحكا"٢.
وقد جاءت مصادر أحوالا، بقلة في المعارف، كـ: "جاء وحده"، و: "أرسلها العراك"٣.
وبكثرة في النكرات٤، كـ: "طلع بغتة"، و: "جاء ركضا"، و: "قتلته صبرا"، وذلك على التأويل بالوصف٥، أي: مباغتا، وراكضا، ومصبورا، أي: محبوسا.
الحواشي
(١) ١ هذا الوصف معناه: أن تكون الحال وصفا لصاحبها؛ وخبرا عنه؛ والوصف نفس الموصوف، والخبر نفس المخبر عنه؛ ولهذا، جاز القول: جاء زيدا ضاحكا؛ لأن الضاحك هو زيد في المعنى.
٢ لأن الضحك مصدر، وزيد ذات؛ والمصدر مباين للذات.
٣ لكونه تنطوي على شذوذين؛ المصدرية والتعريف.
٤ بغتة وركضا: حال من الفاعل؛ وصبرا: حال من المفعول؛ وهي مصادر؛ ونكرات في الوقت نفسه؛ ومعنى بغتة: فجأة، وركضا: عدوا، وقتل صبرا: أن يحبسه حيا، ثم يرمى حتى يقتل؛ وصبرا حال من مفعول قتلته.
٥ وهذا على مذهب سيبويه والجمهور من النحاة؛ وحجتهم في ذلك: أن الحال كالخبر والصفة، وقد وقع كل منهما مصدرا منكرا كثيرا؛ فكذلك الحال.
وذهب الأخفش والمبرد إلى أن مثل هذه المصادر منصوبة على المصدرية، والعامل فيها محذوف؛ أي: يبغت بغتة؛ ويركض ركضا؛ ويصبر صبرا؛ فالجملة من الفعل المحذوف مع المصدر الظاهر؛ هي الحال؛ لا المصدر؛ وكذلك الحال عند الكوفيين؛ غير أن الناصب له -عندهم- الفعل المذكور مؤولا من لفظ المصدر؛ أي بغت بغتة، وركض ركضا، وصبرا صبرا.
وذهب بعضهم إلى أنها مصادر على حذف مضاف غير مصدر -هو الحال في الأصل- فلما حذف المضاف؛ ناب عنه المضاف إليه في الحالية؛ أي ذا بغتة؛ وذا ركض؛ وذا صبر.
وقال بعضهم: هي مصادر على حذف مصادر؛ والتقدير: طلوع بغتة؛ ومجيء ركض، وقتل صبر. =стр. 626
ومع كثرة ذلك فقال الجمهور: لا ينقاس مطلقا، وقاسه المبرد فيما كان نوعا من العامل١، فأجاز: "جاء زيد سرعة" ومنع: "جاء زيد ضحكا"، وقاسه الناظم وابنه بعد "أما" نحو٢: "أما علما فعالم" أي: مهما يذكر شخص في حال علم فالمذكور عالم٣، وبعد خبر شبه به مبتدؤه، كـ: "زيد زهير شعرا" أو قرن هو بأل الدال على الكمال، نحو: "أنت الرجل علما".
[أصل صاحب الحال أن يكون معرفة ويأتي نكرة بمسوغ] :
فصل: وأصل صاحب الحال التعريف ويقع نكرة بمسوغ٤، كأن يتقدم
الحواشي
(١) = وما ذهب إليه سيبويه والجمهور أفضل من ذلك كله؛ وإلى هذا أشار الناظم:
ومصدر منكَّر حالا يقعْ ... بكثرة كبغتةً زيدٌ طلعْ
والمعنى يقع المصدر النكرة حالا بكثرة؛ وذلك على خلاف الأصل؛ لأن الحال وصف، يدل على معنى صاحبه؛ والمصدر لا دلالة له على صاحب المعنى؛ وذلك مثل: زيد طلع بغتة؛ فبغتة مصدر نكرة؛ وهو منصوب على الحال، على النحو الذي فصل؛ وأما الذي سهل هذه المخالفة، فحمله على الإخبارية في مثل محمد عدل، والصفة في مثل: هذا ماء غور، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا وانظر في هذه المسألة:
همع الهوامع: ١/ ٢٣٨، والأشموني: ١/ ٢٤٥-٢٤٦، وشرح التصريح: ١/ ٣٧٤-٣٧٥.
١ أي: مما يدل عليه عامله؛ فالسرعة في المثال نوع من المجيء.
٢ أي: من كل تركيب وقع الحال فيه بعد "أما" الشرطية، في مقام قصد فيه الرد على من وصف شخصا بوصفين؛ وأنت تعتقد اتصافه بأحدهما دون الآخر.
٣ ناصب الحال في هذا: فعل الشرط المحذوف؛ وهو "يذكر" وصاحبها" نائب الفاعل المرفوع، ويجوز أن يكون ناصبها ما بعد الفاء، وصاحبها الضمير المستكن فيه، وهي على هذا مؤكدة؛ والتقدير: مهما يكن من شيء فالمذكور عالم في حال علم؛ ويتعين الوجه الأول؛ إن كان ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها. ضياء السالك: ٢/ ١٩٩-٢٠٠.
٤ من المسوغات: أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو؛ وذلك لأن وجود الواو في صدر جملة الحال يمنع توهم كون الجملة صفة؛ لأن النعت لا يفصل بينه وبين منعوته بالواو، نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ وقيل: إن مجيء الحال من النكرة غير الموصوفة موقوف على السماع، ولا يجاوزه لا فيما ذكر من المسوغات ولا في غيره.стр. 627
عليه الحال١، نحو: "في الدار جالسا رجل"، وقوله٢: [مجزوء الوافر]
٢٦٩- لِمَيَّة موحِشًا طَلَلُ٣
الحواشي
(١) ١ أي وتتأخر النكرة، وذلك قياسا على المبتدأ إذا تأخر.
٢ القائل: هو كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
يلوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ
وقد روي البيت برواية أخرى هي:
لمية موحشا طلل قديم ... عفاه كل أسحم مستديم
وهو بالرواية الأولى من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٥، ٢/ ١٢٠، والأشموني: "٤٧٣/ ١/ ٢٤٧" والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٧٦، ومجالس العلماء للزجاجي: ١٧٤، والخصائص: ٢/ ٤٩٢، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٦، وشرح المفصل: ٢/ ٥٠، والخزانة: ١/ ٥٣٣ عرضا، والعيني: ٣/ ١٦٣، والمغني: "١٣٢/ ١١٨" "٨٠٢/ ٥٧١" "١١٩/ ٥٦٨" وشرح السيوطي ٨٥، ٨٨، والشذور: "٧/ ٤٣".
المفردات الغريبة: مية: اسم محبوبة الشاعر. موحشا: اسم فاعل من أوحش المنزل إذا خلا من أهله، والمراد: القفر الذي لا أنيس فيه. طلل: هو ما بقي شاخصا من آثار الديار. يلوح: يظهر ويلمع. خلل: جمع خلة: وهي بطانة منقوشة بالمعادن تغشى بها أجفان السيوف.
المعنى: لقد أقفرت دار مية من أهلها، ودرست معالمها، ولم يبق منها إلا آثار بسيطة، تظهر للرأي وكأنه نقوش في البطائن التي تغشى بها أجفان السيوف.
الإعراب: "لمية": متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ ومية: اسم ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. موحشا: حال متقدم من "طلل" الواقع مبتدأ مؤخرا. "على مذهب سيبويه؛ الذي يجيز مجيء الحال من المبتدأ" والجمهور يرون أن صاحب الحال، هو الضمير المستكن في "الجار والمجرور" الواقع خبرا. طلل: مبتدأ مؤخر مرفوع، والفاعل: هو؛ وجملة "يلوح": في محل رفع صفة لـ "طلل". كأنه: حرف مشبه بالفعل، و"الهاء": في محل نصب اسمه. خلل: خبر، كأن، مرفوع، وجملة "كأنه خلل": في محل نصب من الضمير المستتر في "يلوح"؛ أي من الفاعل.
موطن الشاهد: "موحشا".
وجه الاستشهاد: وقوع "موحشا" حالا من "طلل" وهو نكرة، وسوغ ذلك تقدم الحال عليها؛ وهذا على رأي سيبويه -كما أسلفنا- وأما الجمهور: فيرون أن "موحشا" حال من الضمير المستكن في الخبر؛ وهذا الضمير معرفة -وإن كان مرجعه- المبتدأ؛ وهو نكرة، وعلى هذا، فلا شاهد فيه.
ويرى بعضهم: أن النكرة "طلل" موصوفة بجملة "يلوح" فيكون المسوغ هنا وصف النكرة، لا تقدم الحال عليها. انظر شرح التصريح، وحاشية الشيخ يس: ١/ ٣٧٥-٣٧٦، وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٤-١٧٥.стр. 628
أو يكون مخصوصا إما بوصف، كقراءة بعضهم: "وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقًا"١، وقول الشاعر٢: [البسيط]
٢٧٠- نَجَّيت يا رب نوحا واستجبت له ... في فُلُكٍ ماخِرٍ في اليم مشحونا٣
الحواشي
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٠١.
أوجه القراءات: القراءة المذكورة قراءة إبراهيم بن أبي عبلة.
موطن الشاهد: "مصدقا".
وجه الاستشهاد: مجيء "مصدقا" حالا من "كتاب"؛ لتخصصه بالوصف "الجار والمجرور" بعده؛ وفي هذا دلالة على جواز كون "مصدقا" حالا من الضمير المستكن في الجار والمجرور الذي انتقل إليه بعد حذف الاستقرار على ما صححه في باب المبتدأ. شرح التصريح: ١/ ٣٧٦.
٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: يروى بعد الشاهد قوله:
وعاش يدعو بآيات مبينة ... في قومه ألف عام غير خمسينا
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٦، والأشموني: "٤٧٥/ ١/ ٢٤٧" وابن عقيل: "١٨٣/ ٢/ ٢٥٩"، والعيني: ٣/ ١٤٩.
المفردات الغريبة: نجيت: أنقذت وخلصت من الغرق. نوحا: هو أبو البشر الثاني بعد آدم. فلك: السفينة، للمفرد والجمع. ماخر: شاق عباب الماء، وهو اسم فاعل من مخرت السفينة، إذا شقت الماء فسمع لها صوت. اليم: البحر. مشحونا: مملوءا.
الإعراب: يا رب: "يا" حرف نداء، رب: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا، اكتفاء بالكسرة؛ والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ وجملة "النداء": معترضة بين فعل نجيت وبين المفعول نوحا. "في فلك": متعلق بمحذوف حال من "نوح"؛ أو بـ "نجى". ماخر: صفة لـ "فلك". "في اليم": متعلق بـ "ماخر". مشحونا: حال من "فلك" منصوب.
موطن الشاهد: "مشحونا".
وجه الاستشهاد: مجيء "مشحونا" حالا من النكرة "فلك" والذي سوغ مجيئها من النكرة؛ أنها -أي النكرة- وصفت قبل مجيء الحال منها بـ "ماخر" كما أوضحنا في الإعراب؛ وحكم مجيء الحال -على هذا النحو- جائز باتفاق؛ لأن النكرة متى وصفت تخصصت ولم تعد مبهمة أو مجهولة كما كانت عليه قبل الوصف.стр. 629
وليس منه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ ١، خلافا للناظم وابنه، أو بإضافة، نحو: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ ٢، أو بمعمول، نحو: "عجبت من ضرب أخوك شديد"٣ أو مسبوقا بنفي، نحو: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ ٤، أو نهي نحو:
الحواشي
(١) ١ "٤٤" سورة الدخان، الآية: ٤.
موطن الشاهد: "أمرا".
وجه الاستشهاد: أعرب ابن مالك وابنه "أمرا" حالا من "أمر" الأول؛ لوصفه بـ "حكيم" مع أنه مضاف إليه؛ وهما يقولان بعدم جواز مجيء الحال من المضاف إليه، إلا بشروط لم تتوافر هنا؛ كأن يكون المضاف بعض المضاف إليه، أو كبعضه؛ أو عاملا في الحال. وفي إعراب "أمرا" أقوال أخرى؛ منها:
أ- أنه منصوب على الاختصاص بـ "أخص" محذوفا.
ب- أنه مفعول لأجله.
ج- أنه حال من كل؛ أو من فاعل "أنزلنا"؛ أو مفعوله؛ أي: آمرين به -أو مأمورا به. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٧٦-٣٧٧.
٢ "٤١" سورة فصلت، الآية: ١٠.
موطن الشاهد: "سواء".
وجه الاستشهاد: مجيء "سواء" حالا من أربعة؛ وهي نكرة؛ غير أنها مختصة بإضافتها إلى "أيام".
٣ "شديدا" حال من "ضرب" النكرة؛ لاختصاصه بالعمل في الفاعل، وهو "أخوك".
٤ "١٥" سورة الحجر، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "لها كتاب معلوم" حالا من "قرية" النكرة؛ لأنها مسبوقة بالنفي؛ وفيها مسوغ آخر؛ وهو اقتران الجملة الحالية بالواو -وإن خص بعضهم ذلك بالإيجاب- ومسوغ ثالث؛ وهو: وقوع "إلا" الاستثنائية قبلها؛ لأن الاستثناء المفرغ، لا يقع في النعوت.стр. 630
لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا١
وقوله١: [الكامل]
٢٧١- لا يركنَنْ أحد إلى الإحجامِ ... يوم الوغى متخوفا لحمام٢
الحواشي
(١) ١ هذا من كلام ابن مالك في الألفية؛ و"مستسهلا" حال من "امرؤ" الأول؛ مسبوق بنهي.
٢ القائل: هو: أبو نعامة، قطري بن الفجاءة المازني الخارجي، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا أول أبيات أربعة رواها أبو علي القالي، ورواها أبو تمام، حبيب بن أوس، وهي:
فلقد أراني للرماح دريئة ... من عن يمين مرة وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكتاف سرجي أو عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أُصَبْ ... جَذَعَ البصيرة قارع الإقدام
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٧، والأشموني: "٤٧٧/ ١/ ٢٤٧"، وابن عقيل: "١٨٦/ ٢/ ٢٦٢"، وهمع الهوامع: ١/ ٢٤٠، والدرر اللوامع: ١/ ٢٠٠، والعيني: ٣/ ١٥٠، وأمالي القالي: ٢/ ١٩٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٣٦.
المفردات الغريبة: الركون: الميل. الإحجام: النكوص والتأخر، وهو مصدر أحجم عن الشيء، إذا نكص عنه ولم يقدم عليه. الوغى: الحرب، وأصله الجلبة والصياح، وأطلق على الحرب لما فيها من ذلك. الحمام: الموت.
المعنى: لا يسوغ لأحد أن يفكر في التأخر والتخلف وعدم الإقدام وقت الحرب خوفا من الموت؛ فإن ذلك عار، لا يليق بالرجال، ومعلوم أنه لكل أجل كتاب.
الإعراب: لا: ناهية جازمة. يركنن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، في محل جزم بـ "لا" الناهية، ونون التوكيد الخفيفة: حرف مبني على السكون: لا محل له من الإعراب. أحد: فاعل مرفوع. "إلى الإحجام": متعلق بـ "يركن". "يوم": متعلق بـ "يركن" أيضا، وهو مضاف. الوغى: مضاف إليه. متخوفا: حال منصوب من قوله "أحد"؛ أي من الفاعل. "لحمام": متعلق بـ "متخوفا" الواقع حالا.
موطن الشاهد: "متخوفا".
وجه الاستشهاد: مجيء "متخوفا" حالا من قوله "أحد"؛ وهو نكرة؛ والذي سوغ مجيء الحال من النكرة، وقوع هذه النكرة بعد النهي، الذي هو شبيه بالنفي، وحكم وقوع الحال -هنا- الجواز باتفاق.стр. 631
أو استفهام، كقوله١: [البسيط]
٢٧٢- يا صاح هل حم عيش باقيا فترى٢
الحواشي
(١) ١ القائل: رجل من طيء لم يسمه ابن مالك.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
لنفسك العذر في إبعادها الأملا؟
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٧، والأشموني: "٤٧٨/ ١/ ٢٤٧"، وابن عقيل: "١٨٥/ ٢/ ٢٦١"، والهمع: ١/ ٢٤٠، والدرر: ١/ ٢٠١، والعيني: ٣/ ١٥٣.
المفردات الغريبة: يا صاح: يا صاحبي، فرخم بحذف الباء، واكتفي بالكسرة للدلالة على ياء المتكلم. حم: قدر وقُضِي. عيش "المراد هنا": الحياة. باقيا: دائما لا يفنى ولا يزول.
المعنى: يخاطب الشاعر صاحبا له مستنكرا: أخبرني هل قدر للإنسان حياة دائمة في هذه الدنيا، فيكون لك العذر في تلك الآمال البعيدة، والتكالب على جمع حطام الدنيا الغادرة الفانية؟!
الإعراب: يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. صاح: منادى مرخم، وأصله: يا صاحب، فإن قدر منقطعا عن الإضافة؛ فهو مبني على ضم الحرف المحذوف؛ للترخيم، في محل نصب؛ وصاح: مرخم صاحب على غير قياس لأنه غير علم. هل: حرف استفهام، لا محل له من الإعراب؛ وهو -هنا- يفيد الإنكار. حم: فعل ماضٍٍ مبني للمجهول، مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. عيش: نائب فاعل مرفوع. باقيا: حال منصوب من "عيش" الواقع نائب فاعل، لفعل "حم" المسبوق بالاستفهام الإنكار. فترى: الفاء فاء السببية، لا محل لها من الإعراب، ترى: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المضمرة وجوبا بعد فاء السببية، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والفاعل: أنت. "لنفسك": متعلق بـ "ترى"، والكاف: مضاف إليه، وهو في موضع المفعول الثاني. العذر: مفعول به أول منصوب لـ "ترى". "في إبعادها": متعلق بـ "العذر"، و"ها": في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر إلى فاعله؛ فلهذا الضمير محلان من الإعراب؛ الجر بالإضافة، والرفع على الفاعلية. الأملا: مفعول به منصوب للمصدر، والألف: للإطلاق.
موطن الشاهد: "باقيا".
وجه الاستشهاد: وقوع "باقيا" حالا من "عيش" وهو نكرة، وسوغ ذلك وقوع النكرة بعد الاستفهام، وهو شبيه بالنفي، ومن المسوغات لمجيء الحال؛ أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو؛ لأن وجود الواو في صدر الجملة يمنع توهم كونها صفة؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ؛ ومن المسوغات أيضا؛ أن تشترك النكرة مع معرفة في الحال؛ نحو: هؤلاء صبية ومحمد مسافرين.
ضياء السالك: ٢/ ٢٠٣، وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٦.стр. 632
[قد يقع نكرة بغير مسوغ] :
وقد يقع١ نكرة بغير مسوغ، كقولهم: "عليه مائة بيضا"٢، وفي الحديث: "وصلى وراءه رجال قياما"٣.
[للحال مع صاحبها ثلاث حالات] :
فصل: وللحال مع صاحبها ثلاث حالات:
إحداها: وهي الأصل: أن يجوز فيها أن تتأخر عنه وأن تتقدم عليه، كـ: "جاء زيد ضاحكا"، و: "ضربت اللص مكتوفا" فلك في: "ضاحكا" و: "مكتوفا" أن تقدمها على المرفوع والمنصوب.
الحواشي
(١) ١ ذهب أبو حيان إلى أن مجيء الحال من النكرة كثير مقيس، ونقل ذلك عن سيبويه، والعلماء ينقلون القول بعدم جواز القياس على ذلك عن الخليل ويونس. همع الهوامع: ١/ ٢٤٠.
٢ "بيضا" جمع أبيض، حال من مائة، ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة لا يكون جمعا، وهذا المثال رواه سيبويه عن العرب، والمراد أن المائة دراهم لا دنانير ولا غيرها؛ لأن الدراهم من الفضة وهي بيضاء. الكتاب لسيبويه: ٢/ ١١٢/ ١٥٩.
٣ تخريج الحديث: الحديث رواه الإمام مالك بن أنس في الموطأ على النحو التالي: "صلى رسول الله ﷺ -قاعدا، وصلى وراءه رجال قياما"؛ وربما كان اللفظ المروي من كلام راوي الحديث، كما لم يحتجوا بالحديث عامة؛ لأن الرواة قد أجازوا الرواية بالمعنى؛ وفي رأيهم مغالاة؛ لأن رواة الحديث أوثق من رواة الشعر؛ فالأولى الاحتجاج بالحديث.
موطن الشاهد: "قياما".
وجه الاستشهاد: مجيء الحال "قياما" من النكرة "رجال" بلا مسوغ، وقد اختلف النحاة، في مجيء الحال من النكرة، بلا مسوغ، أمقيس؟ أو مقصور على السماع؟، فذهب سيبويه إلى الأول، وذهب إلى الثاني الخليل ويونس.стр. 633
الثانية: أن تتأخر عنه١ وجوبا، وذلك كأن تكون محصورة، نحو: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢، أو يكون صاحبها مجرورا٣: إما بحرف جر غير زائد، كـ: "مررت بهند جالسة"، وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن
الحواشي
(١) ١ من المواضع التي يجب فيها تأخير الحال عن صاحبها أن تكون الحال جملة مقترنة بالواو، نحو "جاء زيد والشمس طالعة"؛ فلا يجوز أن نقول في هذا المثال: جاء والشمس طالعة زيد؛ وذلك لأن الأصل في الواو أن تكون للعطف، ولا يجوز عندما تكون عاطفة تقديمها على المعطوف عليه، فراعوا في واو الحال ما راعوه في واو العطف.
حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٧٨.
٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مبشرين" و"منذرين" حالين من "المرسلين"، ولا يجوز تقديمها على "المرسلين"؛ لأنهما محصوران، ويجب تأخير المحصور؛ لأن تقديمه يؤدي إلى عكس المعنى البلاغي المراد من الحصر.
٣ للنحاة في جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي:
أ- ذهب ابن مالك، وأبو علي الفارسي، وابن برهان، وابن كيسان، وابن جني، وابن ملكون وبعض المغاربة إلى أن تقدم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي جائز مطلقا.
ب- وذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك لا يجوز مطلقا.
ج- وأجاز الكوفيون تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي في ثلاث مسائل:
الأولى: أن يكون المجرور ضميرا؛ نحو: مررت بك ضاحكة، فإنه يجوز لك القول. مررت ضاحكة بك.
الثانية: أن يكون المجرور أحد اسمين، عطف ثانيهما على المجرور؛ نحو قولك: "مررت بزيد وعمرو مسرعين"؛ فإنه يجوز القول: "مررت مسرعين بزيد وعمرو".
الثالثة: أن يكون الحال جملة فعلية؛ نحو: "مررت بهند تضحك"، فإنه يجوز القول: "مررت تضحك بهند"، ومنعوه فيما سوى ذلك.
وأما بالنسبة إلى المجرور بحرف جر زائد، فإن النحاة -جميعا- متفقون على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور به؛ نحو: "ما جاءني من أحد مبشرا" فإنه يجوز لك في هذا المثال أن تقول: ما جاءني مبشرا من أحد؛ وجاز ذلك؛ لأن المجرور بحرف الجر الزائد -عند التحقيق- فاعل أو مفعول. وانظر في تفصيل هذه المسألة: همع الهوامع: ١/ ٢٤١، وشرح التصريح: ١/ ٣٧٨-٣٧٩، وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٦-١٧٨.стр. 634
كيسان١؛ فأجازوا التقديم، قال الناظم: وهو الصحيح؛ لوروده كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٢، وقول الشاعر٣: [الطويل]
٢٧٣- تسليت طرا عنكم بعد بينكم٤
الحواشي
(١) ١ مرت ترجمة لكل منهم؛ وحجتهم: أن المجرور بالحرف مفعول به في المعنى، وتقديم حال المفعول به عليه غير ممنوع، وكذلك الحال هنا.
٢ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٣٨.
موطن الشاهد: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "كافة" بمعنى جميعا -حالا من المجرور "الناس"؛ وقد تقدم عليه؛ وحكم تقدمه -في هذه الحالة- الجواز، كما أسلفنا.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
بذكراكم حتى كأنكم عندي
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٩، والأشموني: "٤٧٩/ ١/ ٢٤٨"، والعيني: ٣/ ١٦٠.
المفردات الغريبة: تسليت: تصبرت وتكلفت السلوان. طرا: أي جميعا. بينكم: فراقكم وبعدكم.
المعنى: تسليت، وشغلت نفسي عنكم جيمعا -بعد بعدكم عني- بذكراكم الطيبة التي لا تنسى، وكنتم بذلك كأنكم ماثلون أمامي، ولم تفارقوني.
الإعراب: تسليت: فعل ماضٍ، والتاء فاعل. طرا: حال منصوب من الضمير المجرور بـ "عن"، وقد تقدم عليه؛ ولا تأتي "طرا" إلا حالا. "عنكم": متعلق بـ "تسليت". "بعد": متعلق بـ "تسليت" أيضا، هو مضاف. بينكم: مضاف إليه، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه، والميم: حرف عماد؛ أو و"كم": مضاف إليه. "بذكراكم": متعلق بـ "تسلى"، وذكرى: مضاف، و"كم" مضاف إليه. حتى: حرف ابتداء، لا محل له من الإعراب. كأنكم: حرف مشبه بالفعل، و"كم" ضمير متصل في محل نصب اسم "كأن". "عندي": متعلق بمحذوف خبر "كأن"، وعند مضاف، و"الياء": مضاف إليه.
موطن الشاهد: "طرًا".
وجه الاستشهاد: مجيء "طرا" حالا من كاف المخاطب في "عنكم" المجرور محلا =стр. 635
والحق أن البيت ضرورة، وأن ﴿كَافةً﴾ حال من الكاف١، والتاء للمبالغة، لا للتأنيث٢، ويلزمه تقديم الحال المحصورة، وتعدي "أرسل" باللام، والأول
الحواشي
(١) = بـ "عن"؛ وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور؛ وحكم تقدمه الجواز كما أسلفنا -على رأي الفارسي ومن تبعه- وأما الجمهور، فلا يجيزون ذلك، ورد عليه ابن مالك في ألفيته:
وسبق حال ما بحرف جر قد ... أبوا، ولا أمنعه؛ فقد ورد
وقد بينا القول في ذلك من قبل، وأثبت ابن مالك في شرح التسهيل التقديم، بقوله: "وجواز التقديم هو الصحيح؛ لِوروده في الفصيح؛ لِقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فـ "كافة" -على هذا- حال من "الناس"، المجرور باللام، وقد تقدم الحال على صاحبه "المجرور"؛ وأما الأمثلة الشعر العربي فكثيرة؛ منها قول عبد الرحمن بن حسان:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلًا عليه شديدُ
فـ "كهلا" حال من "الهاء" المجرور محلا بـ "على" في قوله: "عليه" وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور. بحرف جر أصلي.
ومنها قول عروة بن حزام، أو كثير، ونسب إلى المجنون:
لئن كان برد الماء هيمان صاديا ... إلي حبيبا إنها لحبيب
فـ "هيمان، وصاديا" حالان من "الياء" المجرور محلا بـ "إلى" في قوله: "إلي"؛ وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور بحرف جر أصلي، كما هو واضح.
وحملوا على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ فأعربوا "على قميصه": جارا ومجرورا متعلقا بمحذوف حال من دم" المجرور بالباء؛ وفي هذا تقدم للحال؛ كما هو واضح؛ وأما الزمخشري فأعرب "على قميصه" في محل نصب على الظرفية، وكأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم كذب، وأعرب هذا الإعراب فرارا من تقديم الحال على صاحبها المجرور، وخالفه العلماء في ذلك. حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٧٩ وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٧-١٧٨.
١ ذكر هذا التخريج الزجاج، ولم يرتضه ابن مالك، وعلل رده بأن مجيء التاء للمبالغة سماعي في أمثلة المبالغة مثل علامة، وإن جاءت في بعض أمثلة اسم الفاعل مثل راوية فهو شاذ لا يقاس عليه، والمعروف أنه لا يجوز حمل الفصيح على الشاذ خصوصا إذا وجد له محمل آخر لا شذوذ فيه. التصريح: ١/ ٣٧٩.
٢ جعل الزمخشري "كافة" صفة لموصوف محذوف، وتقدير الكلام: وما أرسلناك إلا إرسالة كافة، ورد هذا التخريج بوجهين، الأول: أن كلمة "كافة" لا تستعمل في الكلام العربي إلا حالا، فجعلها صفة ينافي ما ثبت لها من ذلك. والوجه الثاني: أن حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه إنما عهد في صفة اعتيد استعمالها مع هذا الموصوف، و"كافة مع إرسالة ليس من هذا الباب. مغني اللبيب: ٧٣٣، والتصريح: ١/ ٣٧٩.следующие страницы →