Полный текст (1 155 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
أو استفهام، كقوله١: [البسيط]
٢٧٢- يا صاح هل حم عيش باقيا فترى٢
الحواشي
(١) ١ القائل: رجل من طيء لم يسمه ابن مالك.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
لنفسك العذر في إبعادها الأملا؟
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٧، والأشموني: "٤٧٨/ ١/ ٢٤٧"، وابن عقيل: "١٨٥/ ٢/ ٢٦١"، والهمع: ١/ ٢٤٠، والدرر: ١/ ٢٠١، والعيني: ٣/ ١٥٣.
المفردات الغريبة: يا صاح: يا صاحبي، فرخم بحذف الباء، واكتفي بالكسرة للدلالة على ياء المتكلم. حم: قدر وقُضِي. عيش "المراد هنا": الحياة. باقيا: دائما لا يفنى ولا يزول.
المعنى: يخاطب الشاعر صاحبا له مستنكرا: أخبرني هل قدر للإنسان حياة دائمة في هذه الدنيا، فيكون لك العذر في تلك الآمال البعيدة، والتكالب على جمع حطام الدنيا الغادرة الفانية؟!
الإعراب: يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. صاح: منادى مرخم، وأصله: يا صاحب، فإن قدر منقطعا عن الإضافة؛ فهو مبني على ضم الحرف المحذوف؛ للترخيم، في محل نصب؛ وصاح: مرخم صاحب على غير قياس لأنه غير علم. هل: حرف استفهام، لا محل له من الإعراب؛ وهو -هنا- يفيد الإنكار. حم: فعل ماضٍٍ مبني للمجهول، مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. عيش: نائب فاعل مرفوع. باقيا: حال منصوب من "عيش" الواقع نائب فاعل، لفعل "حم" المسبوق بالاستفهام الإنكار. فترى: الفاء فاء السببية، لا محل لها من الإعراب، ترى: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المضمرة وجوبا بعد فاء السببية، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والفاعل: أنت. "لنفسك": متعلق بـ "ترى"، والكاف: مضاف إليه، وهو في موضع المفعول الثاني. العذر: مفعول به أول منصوب لـ "ترى". "في إبعادها": متعلق بـ "العذر"، و"ها": في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر إلى فاعله؛ فلهذا الضمير محلان من الإعراب؛ الجر بالإضافة، والرفع على الفاعلية. الأملا: مفعول به منصوب للمصدر، والألف: للإطلاق.
موطن الشاهد: "باقيا".
وجه الاستشهاد: وقوع "باقيا" حالا من "عيش" وهو نكرة، وسوغ ذلك وقوع النكرة بعد الاستفهام، وهو شبيه بالنفي، ومن المسوغات لمجيء الحال؛ أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو؛ لأن وجود الواو في صدر الجملة يمنع توهم كونها صفة؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ؛ ومن المسوغات أيضا؛ أن تشترك النكرة مع معرفة في الحال؛ نحو: هؤلاء صبية ومحمد مسافرين.
ضياء السالك: ٢/ ٢٠٣، وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٦.стр. 632
[قد يقع نكرة بغير مسوغ] :
وقد يقع١ نكرة بغير مسوغ، كقولهم: "عليه مائة بيضا"٢، وفي الحديث: "وصلى وراءه رجال قياما"٣.
[للحال مع صاحبها ثلاث حالات] :
فصل: وللحال مع صاحبها ثلاث حالات:
إحداها: وهي الأصل: أن يجوز فيها أن تتأخر عنه وأن تتقدم عليه، كـ: "جاء زيد ضاحكا"، و: "ضربت اللص مكتوفا" فلك في: "ضاحكا" و: "مكتوفا" أن تقدمها على المرفوع والمنصوب.
الحواشي
(١) ١ ذهب أبو حيان إلى أن مجيء الحال من النكرة كثير مقيس، ونقل ذلك عن سيبويه، والعلماء ينقلون القول بعدم جواز القياس على ذلك عن الخليل ويونس. همع الهوامع: ١/ ٢٤٠.
٢ "بيضا" جمع أبيض، حال من مائة، ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة لا يكون جمعا، وهذا المثال رواه سيبويه عن العرب، والمراد أن المائة دراهم لا دنانير ولا غيرها؛ لأن الدراهم من الفضة وهي بيضاء. الكتاب لسيبويه: ٢/ ١١٢/ ١٥٩.
٣ تخريج الحديث: الحديث رواه الإمام مالك بن أنس في الموطأ على النحو التالي: "صلى رسول الله ﷺ -قاعدا، وصلى وراءه رجال قياما"؛ وربما كان اللفظ المروي من كلام راوي الحديث، كما لم يحتجوا بالحديث عامة؛ لأن الرواة قد أجازوا الرواية بالمعنى؛ وفي رأيهم مغالاة؛ لأن رواة الحديث أوثق من رواة الشعر؛ فالأولى الاحتجاج بالحديث.
موطن الشاهد: "قياما".
وجه الاستشهاد: مجيء الحال "قياما" من النكرة "رجال" بلا مسوغ، وقد اختلف النحاة، في مجيء الحال من النكرة، بلا مسوغ، أمقيس؟ أو مقصور على السماع؟، فذهب سيبويه إلى الأول، وذهب إلى الثاني الخليل ويونس.стр. 633
الثانية: أن تتأخر عنه١ وجوبا، وذلك كأن تكون محصورة، نحو: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢، أو يكون صاحبها مجرورا٣: إما بحرف جر غير زائد، كـ: "مررت بهند جالسة"، وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن
الحواشي
(١) ١ من المواضع التي يجب فيها تأخير الحال عن صاحبها أن تكون الحال جملة مقترنة بالواو، نحو "جاء زيد والشمس طالعة"؛ فلا يجوز أن نقول في هذا المثال: جاء والشمس طالعة زيد؛ وذلك لأن الأصل في الواو أن تكون للعطف، ولا يجوز عندما تكون عاطفة تقديمها على المعطوف عليه، فراعوا في واو الحال ما راعوه في واو العطف.
حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٧٨.
٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مبشرين" و"منذرين" حالين من "المرسلين"، ولا يجوز تقديمها على "المرسلين"؛ لأنهما محصوران، ويجب تأخير المحصور؛ لأن تقديمه يؤدي إلى عكس المعنى البلاغي المراد من الحصر.
٣ للنحاة في جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي:
أ- ذهب ابن مالك، وأبو علي الفارسي، وابن برهان، وابن كيسان، وابن جني، وابن ملكون وبعض المغاربة إلى أن تقدم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي جائز مطلقا.
ب- وذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك لا يجوز مطلقا.
ج- وأجاز الكوفيون تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي في ثلاث مسائل:
الأولى: أن يكون المجرور ضميرا؛ نحو: مررت بك ضاحكة، فإنه يجوز لك القول. مررت ضاحكة بك.
الثانية: أن يكون المجرور أحد اسمين، عطف ثانيهما على المجرور؛ نحو قولك: "مررت بزيد وعمرو مسرعين"؛ فإنه يجوز القول: "مررت مسرعين بزيد وعمرو".
الثالثة: أن يكون الحال جملة فعلية؛ نحو: "مررت بهند تضحك"، فإنه يجوز القول: "مررت تضحك بهند"، ومنعوه فيما سوى ذلك.
وأما بالنسبة إلى المجرور بحرف جر زائد، فإن النحاة -جميعا- متفقون على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور به؛ نحو: "ما جاءني من أحد مبشرا" فإنه يجوز لك في هذا المثال أن تقول: ما جاءني مبشرا من أحد؛ وجاز ذلك؛ لأن المجرور بحرف الجر الزائد -عند التحقيق- فاعل أو مفعول. وانظر في تفصيل هذه المسألة: همع الهوامع: ١/ ٢٤١، وشرح التصريح: ١/ ٣٧٨-٣٧٩، وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٦-١٧٨.стр. 634
كيسان١؛ فأجازوا التقديم، قال الناظم: وهو الصحيح؛ لوروده كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٢، وقول الشاعر٣: [الطويل]
٢٧٣- تسليت طرا عنكم بعد بينكم٤
الحواشي
(١) ١ مرت ترجمة لكل منهم؛ وحجتهم: أن المجرور بالحرف مفعول به في المعنى، وتقديم حال المفعول به عليه غير ممنوع، وكذلك الحال هنا.
٢ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٣٨.
موطن الشاهد: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "كافة" بمعنى جميعا -حالا من المجرور "الناس"؛ وقد تقدم عليه؛ وحكم تقدمه -في هذه الحالة- الجواز، كما أسلفنا.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
بذكراكم حتى كأنكم عندي
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٩، والأشموني: "٤٧٩/ ١/ ٢٤٨"، والعيني: ٣/ ١٦٠.
المفردات الغريبة: تسليت: تصبرت وتكلفت السلوان. طرا: أي جميعا. بينكم: فراقكم وبعدكم.
المعنى: تسليت، وشغلت نفسي عنكم جيمعا -بعد بعدكم عني- بذكراكم الطيبة التي لا تنسى، وكنتم بذلك كأنكم ماثلون أمامي، ولم تفارقوني.
الإعراب: تسليت: فعل ماضٍ، والتاء فاعل. طرا: حال منصوب من الضمير المجرور بـ "عن"، وقد تقدم عليه؛ ولا تأتي "طرا" إلا حالا. "عنكم": متعلق بـ "تسليت". "بعد": متعلق بـ "تسليت" أيضا، هو مضاف. بينكم: مضاف إليه، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه، والميم: حرف عماد؛ أو و"كم": مضاف إليه. "بذكراكم": متعلق بـ "تسلى"، وذكرى: مضاف، و"كم" مضاف إليه. حتى: حرف ابتداء، لا محل له من الإعراب. كأنكم: حرف مشبه بالفعل، و"كم" ضمير متصل في محل نصب اسم "كأن". "عندي": متعلق بمحذوف خبر "كأن"، وعند مضاف، و"الياء": مضاف إليه.
موطن الشاهد: "طرًا".
وجه الاستشهاد: مجيء "طرا" حالا من كاف المخاطب في "عنكم" المجرور محلا =стр. 635
والحق أن البيت ضرورة، وأن ﴿كَافةً﴾ حال من الكاف١، والتاء للمبالغة، لا للتأنيث٢، ويلزمه تقديم الحال المحصورة، وتعدي "أرسل" باللام، والأول
الحواشي
(١) = بـ "عن"؛ وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور؛ وحكم تقدمه الجواز كما أسلفنا -على رأي الفارسي ومن تبعه- وأما الجمهور، فلا يجيزون ذلك، ورد عليه ابن مالك في ألفيته:
وسبق حال ما بحرف جر قد ... أبوا، ولا أمنعه؛ فقد ورد
وقد بينا القول في ذلك من قبل، وأثبت ابن مالك في شرح التسهيل التقديم، بقوله: "وجواز التقديم هو الصحيح؛ لِوروده في الفصيح؛ لِقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فـ "كافة" -على هذا- حال من "الناس"، المجرور باللام، وقد تقدم الحال على صاحبه "المجرور"؛ وأما الأمثلة الشعر العربي فكثيرة؛ منها قول عبد الرحمن بن حسان:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلًا عليه شديدُ
فـ "كهلا" حال من "الهاء" المجرور محلا بـ "على" في قوله: "عليه" وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور. بحرف جر أصلي.
ومنها قول عروة بن حزام، أو كثير، ونسب إلى المجنون:
لئن كان برد الماء هيمان صاديا ... إلي حبيبا إنها لحبيب
فـ "هيمان، وصاديا" حالان من "الياء" المجرور محلا بـ "إلى" في قوله: "إلي"؛ وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور بحرف جر أصلي، كما هو واضح.
وحملوا على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ فأعربوا "على قميصه": جارا ومجرورا متعلقا بمحذوف حال من دم" المجرور بالباء؛ وفي هذا تقدم للحال؛ كما هو واضح؛ وأما الزمخشري فأعرب "على قميصه" في محل نصب على الظرفية، وكأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم كذب، وأعرب هذا الإعراب فرارا من تقديم الحال على صاحبها المجرور، وخالفه العلماء في ذلك. حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٧٩ وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٧-١٧٨.
١ ذكر هذا التخريج الزجاج، ولم يرتضه ابن مالك، وعلل رده بأن مجيء التاء للمبالغة سماعي في أمثلة المبالغة مثل علامة، وإن جاءت في بعض أمثلة اسم الفاعل مثل راوية فهو شاذ لا يقاس عليه، والمعروف أنه لا يجوز حمل الفصيح على الشاذ خصوصا إذا وجد له محمل آخر لا شذوذ فيه. التصريح: ١/ ٣٧٩.
٢ جعل الزمخشري "كافة" صفة لموصوف محذوف، وتقدير الكلام: وما أرسلناك إلا إرسالة كافة، ورد هذا التخريج بوجهين، الأول: أن كلمة "كافة" لا تستعمل في الكلام العربي إلا حالا، فجعلها صفة ينافي ما ثبت لها من ذلك. والوجه الثاني: أن حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه إنما عهد في صفة اعتيد استعمالها مع هذا الموصوف، و"كافة مع إرسالة ليس من هذا الباب. مغني اللبيب: ٧٣٣، والتصريح: ١/ ٣٧٩.стр. 636
ممتنع، والثاني خلاف الأكثر١.
وإما بإضافته٢، كـ: "أعجبني وجهها مسفرة".
وإنما تجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف بعضه كهذا المثال، وكقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ ٣، ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ ٤، أو كبعضه نحو: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٥، أو عاملا في الحال، نحو: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ ٦، و: "أعجبني انطلاقك منفردا" و: "هذا
الحواشي
(١) ١ هذا الادعاء غير مسلَّم به، فقد صرح البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري بجواز تقديم المفعول المحصور، ولا فرق بينه وبين الحال، وأما تعدي "أرسل" باللام، فقد ورد في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ . التصريح: ١/ ٣٧٩-٣٨٠.
٢ إذا كانت الإضافة محضة لزم تأخير الحال باتفاق. وإن كانت غير محضة، نحو: "هذا شارب السويق ملتوتا الآن أو غدا"، جاز التقديم عند الناظم، وأنكره ابنه. التصريح: ١/ ٣٨٠.
٣ "١٥" سورة الحجر، الآية: ٤٧.
موطن الشاهد: ﴿إِخْوَانًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "إخوانا" حالا من المضاف إليه "هم"؛ والصدور بعضه؛ وحكم مجيئه -على هذه الحالة- الجواز، كما أسلفنا.
٤ "٤٩" سورة الحجرات، الآية: ١٢.
موطن الشاهد: ﴿مَيْتًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ميتا" حالا من "الأخ" المضاف إليه "اللحم" واللحم بعض الأخ؛ فحكم مجيئه هنا الجواز أيضا، كما في الآية السابقة.
٥ "١٦" سورة النحل، الآية: ١٢٣.
موطن الشاهد: ﴿حَنِيفًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "حنيفا" حالا من "إبراهيم" المضاف إلى الملة؛ والملة كبعضه في صحة حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه.
٦ "١٠" سورة يونس، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿جَمِيعًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "جميعا" حالا من "كم" المضاف إليه، ومرجع: مصدر ميمي بمعنى الرجوع؛ وهو عامل النصب في الحال؛ ومثله: أعجبني انطلاقك منفردا.стр. 637
شارب السويق ملتوتا"١.
الثالثة: أن تتقدم عليه وجوبا، كما إذا كان صاحبها محصورا٢، نحو: "ما جاء راكبا إلا زيد".
الحواشي
(١) ١ موطن الشاهد: "ملتوتا".
وجه الاستشهاد: مجيء "ملتوتا" حالا من السويق المضاف إليه، وشارب: اسم فاعل، عامل النصب في الحال. والسويق: ما يتخذ من القمح والشعير، والملتوت: من لت السويق؛ سحقه وبله وبسه بالماء.
فائدة: لم يجز تقدم الحال على صاحبها المجرور بالإضافة؛ لأنها لو تقدمت على صاحبها؛ لوقعت إما بين المضاف والمضاف إليه؛ ومعلوم أن المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة؛ فلا يجوز الفصل بينهما؛ وإما أن تقع قبل المضاف، فيتقدم ما يتعلق بالمضاف إليه على المضاف؛ ومعلوم أن منزلة المضاف يتعرف بالمضاف إليه؛ فلما تشابهت منزلتاهما، أخذ المضاف والمضاف إليه حكم الصلة والموصول؛ وواضح أن حكم الصلة مع الموصول ألا يتقدم بعض معمولاتها على الموصول؛ فكذلك الحال هنا؛ فلا يتقدم ما يتعلق بالمضاف إليه على المضاف. شرح التصريح: ١/ ٣٨٠-٣٨١.
فائدة: اختلف النحاة في مجيء الحال من المضاف إليه في غير المسائل الثلاث السابقة؛ فذهب أبو علي الفارسي إلى الجواز -نقله عنه ابن الشجري في أماليه- وادعى ابن مالك الإجماع على أنه لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه في غير المسائل الثلاث المذكورة. انظر شرح الأشموني: ١/ ٢٥٠-٢٥١.
توجيه: ذكر بعض النحاة من المواضع التي يجب فيها تأخير الحال عن صاحبها: أن يكون الصاحب منصوبا بكأن أو ليت، أو لعل، أو بفعل تعجب، أو بصلة حرف مصدري نحو: سرني أن أكرمت الفقير محتاجا أو يكون ضميرا متصلا بصلة "أل" نحو: الود أنت المستحقه خالصا. أو يكون الحال جملة مقترنة بالواو نحو: جاء محمد والقوم مستعدون للرحيل.
همع الهوامع: ١/ ٢٤٠-٢٤١.
٢ وبعض النحاة يجيز تقديم المحصور بإلا كما سبق في الفاعل. ومن مواضع وجوب التقديم أيضا: أن يكون صاحبها مضافا إلى ضمير يعود على شيء وله صلة وعلاقة بالحال نحو: جاء زائرا فاطمة أبوها. همع الهوامع: ١/ ٢٤١.стр. 638
[للحال مع عاملها ثلاث حالات] :
فصل: وللحال مع عاملها ثلاث حالات أيضا١:
إحداها: وهي الأصل: أن يجوز فيها أن تتأخر عنه وأن تتقدم عليه، وإنما يكون ذلك إذا كان العامل: فعلا متصرفا٢، كـ: "جاء زيدٌ راكبا"، أو صفة تشبه الفعل المتصرف٣، كـ: "زيد منطلق مسرعا"، فلك في: "راكبا" و: "مسرعا" أن تقدمها على: "جاء" وعلى: "منطلق"، كما قال الله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ ٤، وقالت العرب: "شتى تؤوب الحلبة"٥، أي: متفرقين يرجع الحالبون، وقال الشاعر:
الحواشي
(١) ١ عامل النصب في الحال: إما لفظي كالمصدر، والفعل المشتق، والوصف العامل كاسم الفاعل ونحوه، وإما معنوي؛ كأسماء الإشارة، وألفاظ الاستفهام، وبعض الحروف والأدوات التي سيأتي ذكرها. وما ذكره المؤلف من جواز تقديم الحال على عاملها في الحالات التي ذكرها، وبالأدلة التي استشهد بها؛ هو مذهب البصريين. وذهب الجرمي إلى أنه لا يجوز تقديم الحال على عاملها مطلقا، وذهب الأخفش إلى أنه لا يجوز تقدم الحال على عاملها إذا فصل بين العامل والحال بفاصل نحو: زيد جاء راكبا، ويجوز عندهما أن نقول في هذا المثال: راكبا زيد جاء، ومن هنا يظهر السر في استدلال المؤلف بالآية الكريمة التي ترد على الأخفش، وأما المثل والبيت فيردان على الجرمي.
التصريح: ١/ ٣٨١، همع الهوامع: ٢٤١/ ٢٤٢.
٢ بأن يقع ماضيا ومستقبلا وحالا، شرط ألا يعرض له ما يمنع تقديم الحا لعليه: كاقترانه بلام الابتداء أو القسم؛ نحو: إن محمدا ليقوم طائعا ولأصبرن محتسبا. أو وقوعه صلة لحرف مصدري، أو لـ "أل" نحو: لك أن تنتقل متريضا، وأنت المصلي فذًّا.
٣ هي اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، ووجه الشبه تضمن معنى الفعل وحروفه، وقبول العلامات الدالة على الفرعية مطلقا؛ كالتثنية والجمع والتأنيث.
٤ "٥٤" سورة القمر، الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿خُشَّعًا﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "خشعا" حالا من الواو في "يخرجون"؛ وقد تقدم على عامله الفعل، كما هو واضح؛ ويجوز أن يكون "خشعا" صفة لمفعول محذوف لـ "يكون"؛ والتقدير: يدعو الداعي قوما خشعا أبصارهم.
٥ هذا مثل من أمثال العرب ذكره الميداني في مجمعه: ١/ ٣٥٨ "برقم: ١٩١٤"، =стр. 639
نجوت وهذا تحملين طليق١
فـ: "تحملين" في موضع نصب على الحال، وعاملها: "طليق" وهو صفة مشبهة.
الثانية: أن تتقدم عليه وجوبا، كما إذا كان لها صدر الكلام، نحو: "كيف جاء زيد"؟
الثالثة: أن تتأخر عنه وجوبا، وذلك في ست مسائل٢: وهي أن يكون العامل فعلا جامدا، نحو: "ما أحسنه مقبلا"٣، أو صفة تشبه الفعل الجامد، وهو اسم التفضيل، نحو: "هذا أفصح الناس خطيبا"٤، أو مصدرا مقدرا بالفعل وحرف مصدري، نحو: "أعجبني اعتكاف أخيك صائما"٥، أو اسم فعل، نحو: "نزال
الحواشي
(١) = يقولونه عندما يريدون أن يعبروا عن اختلاف الناس في الأخلاق مع أن أصلهم واحد. فشتى: جمع "شتيت"؛ أي: متفرق، تؤوب: ترجع، الحلبة: جمع حالب، وأصله: أن أصحاب الإبل والبقر وسائر النعم عندما يريدون أن يردوا الماء ليسقوا نعمهم، يردون مجتمعين وعندما يريدون أن يحلبوا ماشيتهم يحلبونها متفرقين، فيحلب كل واحد منهم ماشيته على حدة. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٨١.
موطن الشاهد: "شتى تؤوب الحلبة".
وجه الاستشهاد: وقوع "شتى" حالا من "الحلبة" وقد تقدمت على عاملها "تؤوب؛ وهو فعل متصرف؛ وحكم تقدم الحال -هنا- الجواز".
١ تقدم ذكر الشاهد والتعليق عليه.
موطن الشاهد: "تحملين".
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "تحملين" في محل نصب على الحال من فاعل "طليق" المستتر فيه؛ وعامل الحال: "طليق" وهو صفة مشبهة؛ وقد قدمت عليه؛ والتقدير: أي هذا طليق حال كونه محمولا لك؛ وحكم تقديم الحال هنا الجواز، كما أشار ابن مالك بقوله:
فجائزٌ تقديمُه كـ "مسرعا" ... ذا راحل، ومخلصا زيد دعا
٢ مر ذكر هذه المسائل الست، ووجه ذكرها هنا؛ أنها تجمع أمرين: التأخر عن صاحبها، والتأخر عن عاملها.
٣ "مقبلا": حال من الهاء في أحسنه. وهو واجب التأخير عن العامل لأنه غير متصرف في نفسه، فلا يتصرف في معموله بالتقدم عليه.
٤ "خطيبا" حال من فاعل "أفصح" المستتر فيه.
٥ "صائما" حال من أخيك، والفاعل فيه المصدر الذي يمكن تقديره بأن والفعل، ومعمول هذا المصدر لا يتقدم عليه كمعمول اسم الفعل. أما إذا كان العامل مصدرا نائبا عن فعله المحذوف وجوبا، فيجوز تقدم الحال، نحو: إكراما فاطمة مجدة.стр. 640
مسرعا"، أو لفظا مضمَّنا معنى الفعل دون حروفه، نحو: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ ١، وقوله٢: [الطويل]
٢٧٤- كأن قلوب الطير رطبا ويابسا٣
الحواشي
(١) ١ "٢٧" سورة النمل، الآية: ٥٢.
موطن الشاهد: ﴿خَاوِيَةً﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "خاوية" حالا من "بيوتهم"، والعامل فيه اسم الإشارة "تلك" وفيه معنى الفعل؛ شرح التصريح: ١/ ٣٨٢.
فائدة: ذهب السهيلي إلى أن الاسم الإشارة لا يعمل، وإنما العامل فعل محذوف تقديره: انظر إليها خاوية.
٢ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
لدى وكرها العناب والحشف البالي
وهذا البيت من قصيدته المشهورة والتي مطلعها:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٢، والمصون لأبي أحمد العسكري: ٦٦، والمنصف لابن جني: ٢/ ١١٧، ودلائل الإعجاز للجرجاني: ٦٦، ٣٣٩، وأسرار البلاغة: ٢٢٠، ٢٢٧، والعيني: ٣/ ٢١٦، ومعاهد التنصيص: ١/ ١٦١، والمغني: "٣٩٩/ ٢٨٨" "٧٣٠/ ٥١٣" "٨٠٧/ ٥٧٣" وشرح السيوطي: ٢٠٣، ٢٧٧، وديوان امرئ القيس: ٣٨.
المفردات الغريبة: وكرها: الوكر عش الطائر حيث كان، في شجر أو جبل. العناب: نوع من الفاكهة تشبه به أنامل الحسان المخضوبة بالحناء. الحشف: أراد التمر.
المعنى: يصف الشاعر تلك العقاب بأنها كثيرة الاصطياد للطير، ويرى عند عشها من قلوب الطير؛ بعضها لا يزال رطبا؛ فهو كالعناب، وبعضها قد جف؛ فأضحى كأردأ التمر.
الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. قلوب: اسم "كأن" منصوب، وهو مضاف. الطير: مضاف إليه مجرور. رطبا: حال من اسم "كأن" منصوب، ويابسا: الواو عاطفة. يابسا: اسم معطوف على اسم "كأن" منصوب مثله. "لدى": متعلق بمحذوف حال من "قلوب الطير"، وهو مضاف. وكرها: "وكر" مضاف إليه، و"ها" مضاف إليه ثانٍ. العناب: خبر "كأن" مرفوع. والحشف: الواو عاطفة، الحشف: اسم معطوف =стр. 641
وقولك: "ليت هندا مقيمة عندنا" أو عاملا آخر عرض له مانع، نحو: "لأصبر محتسبا" و: "لأعتكفن صائما" فإن ما في حيز لام الابتداء ولام القسم لا يتقدم عليهما١.
ويستثنى من أفعل التفضيل ما كان عاملا في حالين لاسمين متحدي المعنى أو مختلفين، وأحدهما مفضل على الآخر؛ فإنه يجب تقديم حال الفاضل، كـ: "هذا بسرا أطيب منه رطبا"، وقولك: "زيد مفردا أنفع من عمرو مُعَانًا"٢.
ويستثنى من المضمن معنى الفعل دون حروفه: أن يكون ظرفا أو مجرورا مخبرا بهما، فيجوز بقلة توسط الحال بين المخبر عنه والمخبر به، كقوله٣: [الطويل]
الحواشي
(١) = على "العناب": مرفوع مثله. البالي: صفة للحشف مرفوع بضمة مقدرة على الياء؛ منع من ظهورها الثقل.
موطن الشاهد: "رطبا ويابسا".
وجه الاستشهاد: وقوع "رطبا ويابسا" حالين من "قلوب الطير" والعامل في الحالين، وصاحبهما "كأن" ومعناه أشبه؛ فهو متضمن معنى الفعل من دون حروفه؛ ولا يجوز تقديم الحال على عاملها في مثل هذا.
فائدة: يجوز في الضمير العائد إلى جمع التكسير التذكير والتأنيث؛ ولهذا جاز مجيء "ربطا ويابسا" بالتذكير.
١ لأن لهما الصدارة؛ فلا يعمل ما بعدهما في شيء قبلهما، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. واللام في "لأصبر" للابتداء، وفي "لأعتكفن" للقسم.
٢ "مفردا" حال من الضمير المستتر في "أنفع" الراجح إلى زيد، ومُعانًا حال من "عمرو" والعامل في الحالين "أنفع"، وكان القياس في هذا وما قبله وجوب تأخر الحالين عن "أفعل" لكنهم اغتفروا تقدم الحال الفاضلة، فرقا بين المفضل والمفضل عليه إذ لو أخرا لحصل لبس. وصاحبا الحالين في المثال الأول متحدان في المعنى، وفي الثاني مختلفان. وهذا التقدير الذي ذكره المصنف، هو تقدير سيبويه وارتضاه المازني وأبو علي الفارسي في التذكرة وابن كيسان وابن جني. ويرى المبرد والزجاج والفارسي في الحلبيات، والسيرافي؛ أن الناصب لهذين الحالين "كان" محذوفة، وصاحب الحال هو الضمير المستتر في "كان". التصريح: ١/ ٣٨٣-٣٨٢، وهمع الهوامع: ١/ ٢٤٢-٢٤٣.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.стр. 642
٢٧٥- بنا عاذ عوف وهو بادي ذلة ... لديكم.....................١
وكقراءة بعضهم: "مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةً لِذُكُورِنَا"٢، وكقراءة
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا جزء من بيت، وهو بتمامه:
بنا عاذ عوف وهو بادي ذلة ... لديكم، فلم يعدم ولاء ولا نصرا
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٥، والأشموني: "٤٨٨/ ١/ ٢٥٢" والعيني: ٣/ ١٧٢.
المفردات الغريبة: عاذ: اعتصم والتجأ. عوف: اسم رجل. بادي ذلة: ظاهر المهانة. يعدم: يفقد. ولاء: موالاة ومناصرة. نصرا: إعانة.
المعنى: التجأ إلينا عوف، واستعان بنا، وقد ظهر عليه الهوان والمذلة وهو مقيم عندكم، فأقلنا عثرته، ونصرناه، وقدمنا له العون والمساعدة.
الإعراب: "بنا": متعلق بـ "عاذ". عاذ: فعل ماضٍ: فاعل مرفوع. وهو: الواو حالية، هو: ضمير منفصل، في محل رفع مبتدأ. بادي: حال من الضمير المستقر في خبر المبتدأ "لديكم" الآتي؛ وبادي: مضاف. ذلة: مضاف إليه مجرور. "لديكم" ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ "هو"، ولدى: منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المنقلبة ياء، منع من ظهورها التعذر، ولدى: مضاف، و"كم": مضاف إليه. فلم: الفاء عاطفة، لم: نافية جازمة. يعدم: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه السكون، والفاعل: هو، يعود إلى عوف. ولاء: مفعول به لِيعدم منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ولاء: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. نصرا: معطوف على قوله "ولاء" منصوب مثله.
موطن الشاهد: "بادي ذلة".
وجه الاستشهاد: مجيء "بادي" حالا من ضمير الظرف "لديكم" المنتقل إليه من متعلقه كما هو معلوم؛ وقد تقدم الحال على عامله "الظرف" مع توسطه بين المخبر عنه والخبر، ولو جعل "بادي" حالا من "هو" على رأي سيبويه الذي يجيز مجيء الحال من المبتدأ لم يكن في البيت الشاهد المطلوب؛ وما ذكره المؤلف والناظم تبعا فيه قول الأخفش والفراء، بينما يرى الجمهور -مجيئه- على هذه الحال - ضرورة من ضرورات الشعر. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٨٤، وحاشية الصبان: ٢/ ١٨٢.
٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١٣٩.
أوجه القراءات: قرأ "خالص" بالرفع عبد الله، وابن جبير، وأبو العالية، والضحاك، وابن أبي عبلة، والأعمش؛ وقرأ "خالصا" -بالنصب- ابن جبير. وقرأ "خالصة" -بالتأنيث والنصب- ابن عباس والأعرج، وقتادة. وقرأ "خالصة" -بالتأنيث والرفع =стр. 643
الحسن١: "وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ"٢، وهو قول الأخفش، وتبعه الناظم.
والحق أن البيت ضرورة، وأن: "خالصة"٣ و: "مطويات" معمولان لصلة: "ما"، ولـ: "قبضته"، وأن "السموات" عطف على ضمير مستتر في: "قبضته" لأنها
الحواشي
(١) = أبو رزين، وعكرمة، وابن يعمر، وأبو حيوة وغيرهم. انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٥٨، والقرطبي: ٧/ ٩٦، ومجمع البيان: ٢/ ٣٧٢، والبحر المحيط: ٤/ ٢٣١.
موطن الشاهد: "خالصةً".
وجه الاستشهاد: مجيء "خالصة" -على هذه القراءة- حالا من الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور؛ وهو "لذكورنا" وقد تقدمت على عاملها، وتوسطت بين المخبر عنه؛ وهو "ما" الموصولة، والخبر؛ وهو "لذكورنا" و"ما" واقعة على الأجنة؛ وحكم مجيء الحال هنا الجواز بقلة.
١ هو الإمام الجليل؛ أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، أحد علماء التابعين وكبرائهم، كان إمامًا في القراءة، وكان أكثر كلامه حكما وبلاغة، وقد جمع مع العلم العمل والعبادة. وقد روي عن الشافعي ﵁ أنه قال: لو أشاء أن أقول إن القرآن نزل بلغة الحسن لقلت؛ لفصاحته، وهو أحد الأربعة الذين لهم قراءات شاذة مع القراءات العشر، توفي بالبصرة سنة: ١١٦ هـ.
وفيات الأعيان: ٢/ ٦٩/ ٧٣، طبقات ابن سعد: ٧/ ١٥٦، تهذيب التهذيب: ٢/ ٢٦٣، حلية الأولياء: ٢/ ١٣١.
٢ "٣٩" سورة الزمر، الآية: ٦٧.
أوجه القراءات: هذه القراءة منسوبة إلى عيسى والجحدري، وقرأ الباقون برفع "مطويات" على أنها خبر للمبتدأ "السموات".
موطن الشاهد: "مطوياتٍ".
وجه الاستشهاد: مجيء "مطويات" حالا متوسطة بين المبتدأ "السموات" وعاملها الظرفي الواقع خبرا؛ وهو "بيمينه" وصاحب الحال الضمير المنتقل إلى الخبر "الجار والمجرور"؛ وهذه الحالة -جواز تقديم الحال على عاملها الظرف، والجار والمجرور- هي التي أشار إليها ابن مالك بقوله:
................ وندر ... نحو سعيد مستقرا في هجر
٣ فتكون "خالصة" معمولة للجار والمجرور على أنها حال من الضمير المستتر في "بطون" الواقعة صلة لـ "ما"؛ وهي العاملة في الحال؛ والتاء في "خالصة": للتأنيث باعتبار معنى "ما"؛ لأنها واقعة على الأجنة كما أوضحنا. وتكون "مطويات" معمولة لـ "قبضته" على أنها حال من السموات، و"بين ظرف لغو متعلق بـ "مطويات". وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٨٥.стр. 644
بمعنى مقبوضتِهِ، لا مبتدأ، و: "بيمينه" معمول الحال، لا عاملها١.
[جواز تعدد الحال لمفرد وغيره] :
فصل: ولشبه الحال بالخبر٢ والنعت٣ جاز أن تتعدد، لمفرد، وغيره٤، فالأول كقوله٥: [الطويل]
٢٧٦- عليَّ إذا ما جئت ليلى بخفيةٍ ... زيارة بيت الله رَجلانَ حافِيا٦
الحواشي
(١) ١ وعلى هذا تكون الحال غير متقدمة على عاملها الظرف والجار والمجرور في الآيتين؛ وذهب الجمهور من نحاة البصرة في إعراب الآية الكريمة كالآتي: الأرض: مبتدأ. وقبضته: خبر المبتدأ؛ وفي قبضته: ضمير مستتر على أنه نائب فاعل؛ لأن "قبضته" بمعنى مقبوضته؛ فهو اسم مفعول؛ واسم المفعول يرفع نائب فاعل. وقوله: ﴿وَالسَّمَوَاتُ﴾ معطوف على هذا الضمير المستتر، وساغ العطف على الضمير المرفوع من دون توكيد؛ لأنه قد فصل بين متحمل الضمير، والاسم المعطوف بقوله: ﴿يَومَ الْقِيَامَةِ﴾ ، وقوله تعالى: "مطويات" حال من السموات، و"بيمينه": متعلق بـ "مطويات"، وليس خبرا -كما زعم الفراء والأخفش. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٨٥.
٢ أي في كونه محكوما به في المعنى على صاحبه كما يحكم بالخبر على المبتدأ، وهذا من باب أنه إذا أشبه الشيء الشيء أخذ حكمه.
٣ أي في أنه يدل على الاتصاف بالصفة، وإن كان ذلك مقصودا في النعت وتبعيا في الحال.
٤ المراد بالجواز عدم الامتناع، وهذا يصدق بالواجب؛ فإنه يجب تكرير الحال وتعددها بعد "إما"؛ لوجوب تكرير "إما" فقول: اضرب اللص إما قائما، وإما مطروحا على الأرض، وكذلك بعد "لا" النافية؛ لتكريرها في الغالب، تقول: جاء علي لا فرحًا ولا أسوان.
٥ أنشد هذا البيت ابن الأعرابي، ولم ينسبه، وبعضهم نسبه إلى مجنون ليلى.
٦ تخريج الشاهد: ينشد بعد الشاهد قوله:
شَكُورًا لربي حين أبصرت وجهها ... ورؤيتها قد تسقني السم صافيا
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٥، والأشموني: "٤٨٩/ ١/ ٢٥٤" ومغني اللبيب: "٨٣٢/ ٦٠١"، وشرح السيوطي: ٢٩٠، واللسان "رجل"، وديوان المجنون: ٣٠١، ٣٠٦.
المفردات الغريبة: بخفية: أي في خفاء وستر وبعد عن الأنظار. رجلان: ماشيا. حافيا: غير منتعل. =стр. 645
وليس منه نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ١.
والثاني: إن اتَّحَد لفظه ومعناه ثني أو جمع٢، نحو: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ ٣، الأصل دائبة ودائبا، ونحو: "وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ
الحواشي
(١) = المعنى: ينذر الشاعر ويوجب على نفسه، إذا ما وصل إلى محبوبته ليلى، ولم يشعر به أحد من الناس، أن يزور بيت الله ماشيا غير منتعل.
الإعراب: "علي": متعلق بمحذوف خبر مقدم. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط، مبني على السكون، في محل نصب على الظرفية الزمانية. ما: زائدة: زرت: فعل ماضٍ، وفاعل. ليلى: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره؛ للتعذر. "بخفية": متعلق بـ "زرت"؛ وجواب إذا محذوف يدل عليه سياق الكلام؛ وجملة "إذا وشرطها وجوابها": اعتراضية، لا محل لها؛ اعترضت بين الخبر المقدم ومبتدئه المؤخر. زيارة: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. بيت: مضاف إليه، وهو مضاف. الله: "لفظ الجلالة" مضاف إليه. رجلان: حال من "ياء المتكلم" في قوله: "علي"، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. حافيا: حال ثانية من "ياء المتكلم" أيضا.
موطن الشاهد: "رجلان حافيا".
وجه الاستشهاد: تعدد الحال "رجلان" و"حافيا" وصاحبهما واحد؛ وهو "ياء المتكلم" المجرورة محلا بـ "على"؛ ويجوز أن يكون صاحبهما فاعل الزيارة المحذوف؛ والتقدير: زيارتي بيت الله.
١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ٣٩.
موطن الشاهد: ﴿مُصَدِّقًا ... وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ .
وجه الاستشهاد: استشهد بالآية على عدم تعدد الحال فيها؛ لأن الحالين الثاني والثالث، قد عطفا بالواو على الأول، ومن شرط اعتبار التعدد ألا يكون بطريق العطف.
٢ من باب الاختصار، وذلك أولى لا واجب كما يقول الرضي: "وأما الحالان من الفاعل والمفعول معا؛ فإن كان متفقين فالأولى الجمع بينهما؛ لِأنه أخصر، نحو لقيت زيدا راكبا راكبا". ا. هـ.
وهذا من غير نظر للعوامل: أهي متحدة في ألفاظها ومعانيها وعملها، أم غير متحدة في شيء من ذلك.
حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٨٦.
٣ "١٤" سورة إبراهيم، الآية: ٣٣.
موطن الشاهد: ﴿دَائِبَيْنِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "دائبين" مثنى؛ وهي حال مؤسسة من الشمس والقمر، ولا يضر الاختلاف في التذكير والتأنيث ما دام الحالان متفقين لفظا ومعنى.стр. 646
وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ"١، وإن اختلف فُرِّقَ بغير عطف٢، كـ: "لقيته مُصْعِدًا منحدرا"، ويقدر الأول للثاني وبالعكس، قال٣: [الوافر]
٢٧٧- عهدت سعاد ذات هوى معنى٤
الحواشي
(١) ١ "١٦" سورة النحل، الآية: ١٢.
موطن الشاهد: "مُسَخَّرَاتٍ".
وجه الاستشهاد: مجيء "مسخرات" حالا مؤكدة لعاملها لفظا ومعنى صرح بذلك ابن مالك في شرح العمدة وولده في شرح النظم؛ والأصل: مسخرا ومسخرا ومسخرة ومسخرا ومسخرة؛ فلما اتحدت لفظا ومعنى جمعت؛ ولا يضر الاختلاف في التذكير والتأنيث.
٢ قال الرضي: إن كان هناك قرينة يعرف بها صاحب كل منهما جاز وقوعهما كيفما كان؛ نحو: لقيت هندا مصعدا منحدرة"؛ والأولى: أن يجعل كل حال بجنب صاحبها، وقوله: "وقدمت حال المفعول إذ لا أقل من أن يكون ... " بيان لما تفعله إذا اخترت الصورة التي ليست أولى من غيرها، وهذا الترتيب واجب إذا لم يؤمن اللبس، وإذا أمن اللبس كان جائزا. انظر شرح التصريح مع حاشية الشيخ يس: ١/ ٣٨٦.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
فزِدْتُ وعاد سلوانا هواها
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٦، والعيني: ٣/ ١٨٠، ومغني اللبيب: "٩٦٧/ ٧٣٤" وشرح السيوطي: ٣٠٤.
المفردات الغريبة: عهدت: عرفت وعلمت. سعاد: اسم محبوبته. ذات هوى: صاحبة عشق وحب. معنَّى: اسم مفعول من عناه الأمر، شق عليه حتى أورثه العناء والجهد. سلوانا: سلوا ونسيانا.
المعنى: لقد كنت أنا وسعاد شديدي المحبة والهيام؛ فأما أنا فازددت حبا لها وشغفا بها؛ وأما هي فانقلب هواها وحبها هجرا وانصرافا عني.
الإعراب: عهدت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعله. سعاد: مفعول به منصوب. ذات: حال من "سعاد" منصوب، وهو مضاف. هوى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره =стр. 647
وقد تأتي على الترتيب إن أمن اللبس١، كقوله٢: [الطويل]
٢٧٨- خرجت بها أمشي تجر وراءنا٣
الحواشي
(١) = الكسرة المقدرة على الألف المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذر. معنى: حال من "تاء المتكلم" في قوله: "عهدت" السابق. فزدت: الفاء عاطفة، زدت: فعل ماضٍٍ وفاعل. وعاد: الواو عاطفة. عاد: فعل ماضٍٍ بمعنى "صار" مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. سلوانا: خبر "عاد" الذي بمعنى صار تقدم على اسمه؛ وهو منصوب. هواها: اسم "عاد" الذي بمعنى "صار" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر؛ وهوى: مضاف، وضمير الغائبة العائد إلى سعاد مضاف إليه؛ ويجوز أن نعرب عاد: فعل ماضٍٍ تام، وسلونا: حال تقدمت على الفاعل، وهواها: فاعل مرفوع مضاف إليه؛ وهو الأفضل.
موطن الشاهد: "ذات هوى معنَّى".
وجه الاستشهاد: مجيء الحالين "ذات" و"معنى" على عكس ترتيب صاحبيهما؛ فقد جعل أول الحالين -وهو ذات- لثاني الاسمين، وهو سعاد؛ ليتصل بصاحبه؛ وأما قول "معنى" فصاحبه تاء المتكلم في قوله: "عهدت"؛ وحكم مجيء الحالين على عكس ترتيب صاحبيهما هو الأكثر؛ بخلاف ما لو أتى بهما على ترتيب صاحبيها؛ فإنه يلزم عليه الفصل بين كل حال وصاحبها بأجنبي.
١ اتفق النحاة على أنه إذا تعدد الحال، وتعدد صاحبها، ولم تأت بكل حال منهما بجنب صاحبها، بل أخرت الحالين، فإنك تجعل أول الحالين لثاني الصاحبين، وثاني الحالين لأول الصاحبين، ولا تجعل أول الحالين لأول الصاحبين، وثانيهما لثانيهما إلا حين تقوم قرينة، ترشد السامع إلى رد كل حال إلى صاحبه.
ومعلوم أن النحاة يفضلون رد أول الحالين لثاني الصاحبين عند انعدام القرينة التي ترد كل حال إلى صاحبها؛ لأن هذا يقلل الفصل بين الحال وصاحبها بأجنبي؛ فإنه يترتب عليه أن يفصل بين حال واحد وصاحبه؛ فأما الوجه الآخر؛ فيترتب عليه الفصل بين حالين وصاحبيهما؛ ولا شك في أن فصلا واحدا أخف من فصلين.
وعلمنا -سابقا- أنه إذا قامت قرينة تعين على رد كل حال إلى صاحبها، فأنت بالخيار بين أن تجعل الحالين على ترتيب الصاحبين أو على عكس ترتيبهما.
حاشية الشيخ يس: ١/ ٣٨٦.
٢ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
على أثرينا ذيل مرط مرحل
=стр. 648
ومنع الفارسي وجماعة١ النوع الأول، فقدروا نحو قوله: "حافيا" صفة أو حالا من ضمير "رجلان" وسلموا الجواز إذا كان العامل اسم التفضيل٢، نحو: "هذا بسرا أطيب منه رطبا"٣.
الحواشي
(١) = وهو من معلقة امرئ القيس المشهورة والتي كثر الاستشهاد بأبياتها، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٨، والهمع: ١/ ٢٤٤، والدرر: ١/ ٢٠١، والمغني: "٩٦٦/ ٧٣٤" وشرح شواهد الشافية للبغدادي: ٢٨٦.
المفردات الغريبة: مرط: كساء من صوف أو خز. مرحل: معلم فيه خطوط.
المعنى: خرجت بمحبوبتي من خدرها ماشيا -وهي تجر على أثر أقدامنا- ذيل كسائها؛ لتخفي أثرينا عن الناس، فلا يعلم بنا أحد.
الإعراب: خرجت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل. "بها": متعلق بـ "خرج". أمشي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره للثقل، والفاعل: أنا؛ وجملة "تمشي": في محل نصب على الحال من الفاعل؛ الذي هو تاء المتكلم. تجر: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، والفاعل: هي؛ وجملة "تجر": في محل نصب على الحال من ضمير الغائبة في قوله "بها". "على أثرينا": متعلق بـ "تجر"؛ وأَثَرَيْ: مجرور وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، و"نا": ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ذيل: مفعول به منصوب، وهو مضاف. مرط: مضاف إليه مجرور. مرحل: صفة لـ "مرط" مجرورة.
موطن الشاهد: "أمشي تجر".
وجه الاستشهاد: وقوع الجملتين "أمشي" و"تجر" في محل نصب على الحال، غير أن صاحب كل واحد غير الآخر؛ فجاء الحالان على ترتيب الصاحبين؛ الأول للأول، والثاني للثاني؛ لأمن اللبس؛ لأن "أمشي" مذكر، و"تجر" مؤنث؛ ومعلوم أن الحال يطابق صاحبه في التذكير والتأنيث.
١ وهو تعدد الحال المفرد، وحجتهم: أن صاحب الحال إذا كان واحدا، فلا يقتضي العامل إلا حالا واحدة، قياسا على الظرف، وهو قياس مع الفارق الواضح؛ لأن الشيء الواحد يمتنع وقوعه في زمانين أو مكانين، لكن لا يمتنع تقييده بقيدين ولا بأكثر، ذكر هذا ابن الناظم مبررا مخالفته لرأي الفارسي وابن عصفور وكثير من المحققين كما ذكر أبو حيان. همع الهوامع: ١/ ٢٤٤.
٢ لأن صاحب الحال، وإن كان واحد في المعنى، فهو متعدد في اللفظ.
هذا: ويؤخذ من المثال الذي ذكره المصنف، أنه ينبغي أن يكون اسم التفضيل متوسطا بين الحالين؛ لِيخرج نحو: محمد أحسن من زملائه متكلما فصيحا.
٣ لم يتطرق المؤلف إلى مبحث تعدد الحال. وقد ذكره السيوطي فقال: "ويجب للحال =стр. 649
[الحال مؤسسة ومؤكدة] :
فصل: الحال ضربان:
مؤسِّسَة، وهي: التي لا يستفاد معناها بدونها، كـ "جاء زيد راكبا" وقد مضت.
ومؤكدة١: إما لعاملها لفظا ومعنى، نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ ٢، وقوله٣: [البسيط]
٢٧٩- أصخ مصيخا لمن أبدى نصيحته٤
الحواشي
(١) = إذا وقعت بعد "إما" أن تردف بأخرى معادا معها "إما" أو "أو" كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وقول الشاعر:
وقد شفني ألا يزال يروعني ... خيالك إما طارقا أو مغاديا
وإفرادها بعد إما ممنوع في النثر والنظم وبعد "لا" نادر، تقول: لا راغبا ولا راهبا فتكرر، وقد تفرد كقوله:
قهرت العدى لا مستعينا بعصبة ... ولكنْ بأنواع الخدائع والمكرِ
همع الهوامع: ١/ ٢٤٥.
١ تقسيم الحال إلى مؤسسة ومؤكدة هو مذهب الجمهور، وذهب الفراء والمبرد والسهيلي إلى أن الحال لا تكون إلا مؤسسة، وأنكروا ما ظنه الجمهور مؤكدة لعاملها، وتأولوا الأمثلة حتى جعلوها من أمثلة المؤسسة، ولم يتعرضوا لإنكار المؤكدة لصاحبها؛ لأن المتقدمين من النحاة لم يعرفوها، فلهذا لم يتعرضوا لها.
همع الهوامع: ١/ ٢٤٥، والتصريح: ١/ ٣٨٧، مغني اللبيب: ٦٠٦.
٢ "٤" سورة النساء، الآية: ٧٩.
موطن الشاهد: ﴿أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "رسولا" حالا من "الكاف" الواقعة في محل نصب مفعول به، وهي مؤكدة لـ "أرسلناك"، وموافقة لها لفظا ومعنى.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
والزم توقِّيَ خلطِ الجدِّ باللعبِ
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٧، والأشموني: "٤٩١/ ١/ ٢٥٥"، والعيني: ٣/ ١٨٥. =стр. 650
أو معنى فقط نحو: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ ١، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ ٢.
الحواشي
(١) = المفردات الغريبة: أصخ: استمع، وهو أمر من الإصاخة، بمعنى الاستماع. أبدى: أظهر وأعلن نصيحته. النصيحة: الإرشاد إلى الخير. توقي: مصدر توقى الأمر، إذا تحفظ من الوقوع فيه وتحرز عن إتيانه.
المعنى: استمع وأحسن الاستماع والإنصات لمن ينصحك بإخلاص، ولا تهمل النصيحة، والتزم وقاية نفسك وحفظها من خلط الجد والاجتهاد، باللهو والعبث.
الإعراب: أصخ: فعل أمر، والفاعل: أنت. مصيخا: حال من الضمير المستتر في "أصخ". "لمن": متعلق بـ "أصخ"؛ و"من": اسم موصول في محل جر بحرف الجر. أبدى: فعل ماضٍٍ مبني على الفتح المقدر على الألف، منع من ظهوره التعذر، وفاعله: هو. نصيحته: مفعول به لـ "أبدى" منصوب، وهو مضاف، و"الهاء": في محل جر بالإضافة؛ وجملة "أبدى نصيحته": صلة للموصول، لا محل لها. والزم: الواو عاطفة، الزم: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل: أنت. توقي: مفعول به لـ "الزم"، وهو مضاف. خلط: مضاف إليه مجرور؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله، وخلط مضاف. الجد: مضاف إليه؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله كسابقه. "باللعب": متعلق بـ "خلط".
موطن الشاهد: "مصيخا".
وجه الاستشهاد: مجيء "مصيخا" حالا مؤكدة من ضمير "أصخ"؛ وهي موافقة لهذا العامل لفظا ومعنى؛ مع كون مادة الحال وعامله واحدة؛ ومعلوم أن الفراء والمبرد والسهيلي ينكرون مجيء الحال مؤكدة لعاملها ويزعمون أنها لا تكون إلا مؤسِّسة؛ أي دالة على معنى لم يستفد من عاملها، ويؤولون كل ما ظنه الجمهور مؤكدة، ويردونه إلى المؤسسة، وقد أولوا -هنا- أصخ بمعنى استمع، ومصيخا بمعنى مستمعا في انتباه وحرص، وفي قولهم تكلف ظاهر، والصواب ما ذهب إليه الجمهور.
١ "٢٧" سورة النمل، الآية: ١٩.
موطن الشاهد: ﴿ضَاحِكًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ضاحكا" حالا من فاعل "تبسم" مؤكدا للعامل في المعنى؛ لأن التبسم نوع من الضحك.
٢ "٢٧" سورة النمل، الآية: ١٠.
موطن الشاهد: ﴿مُدْبِرًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مدبرا" حالا من فاعل "ولى" مؤكدا للعامل في المعنى؛ لأن الإدبار نوع من التولي.стр. 651
وإما لصاحبها١، نحو: ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ٢.
وإما لمضمون٣ جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدتين، كـ: "زيد أبوك عطوفا" وهذه الحال واجبة التأخير عن الجملة المذكورة، وهي معمولة لمحذوف وجوبا تقديره أحقه٤ ونحوه.
الحواشي
(١) ١ هذا القسم من زيادات المصنف ولم يذكره الناظم، ولم يشمله إنكار الفراء والمبرد والسهيلي.
٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ٩٩.
موطن الشاهد: ﴿جَمِيعًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "جميعا" حالا من فاعل "آمن" وهو "من" الموصولة؛ وهي مؤكدة لها؛ لأن كلا منهما تدل على الإحاطة والشمول؛ وهذا القسم لم يذكره ابن مالك، وإنما زاده ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى.
٣ فسر الصبان مضمون الجملة في هذا الموضع بأنه "مصدر الخبر مضافا إلى المبتدأ إذا كان الخبر مشتقا، والكون العام مضافا إلى المبتدأ ومخبرا عنه بالخبر إذا كان الخبر في الجملة جامدا.
وقد سبقه الزمخشري في "مفصله" بقوله: "والحال المؤكدة هي التي تجيء على أثر جملة عقدها من اسمين، لا عمل لهما "يريد أنهما جامدان" لتوكيد خبرها وتقرير مؤاده، ونفي الشك عنه، وذلك قولك: زيد أبوك عطوفا، وهو زيد معروفا، وهو الحق بينا، ألا ترى كيف حققت بالعطوف الأبوة، وبالمعروف، والبين أن الرجل زيد، وأن الأمر حق، وفي التنزيل: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ، وكذلك: أنا عبد الله آكلا كما يأكل العبيد؛ وفيه تقرير للعبودية، وتحقيق لها، وتقول: أنا فلان بطلا شجاعا وكريما جوادا؛ فتحقق ما أنت متسم به، وما هو ثابت في نفسك". ولمزيد من الإيضاح، انظر المفصل، للزمخشري: ٦٣-٦٤.
وحاشية الصبان: ٢/ ١٨٥.
وشرح التصريح: ١/ ٣٨٧-٣٨٨.
٤ من شواهد هذا النوع قول سالم بن دارة:
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عارِ
وقد مثل بهذا البيت الزمخشري، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ كما حمل غيره عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ . انظر حاشية الصبان: ٢/ ١٨٥.стр. 652
[وقوع الحال مفردا وشبه جملة] :
فصل: تقع الحال اسما مفردا كما مضى.
وظرفا كـ: "رأيت الهلال بين السحاب" وجارا ومجرورا نحو: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ١، ويتعلقان بمستقر أو استقر محذوفين وجوبا٢. وجملة بثلاثة شروط:
[وقوع الحال جملة بثلاثة شروط] :
أحدها: كونها خبرية، وغلط من قال في قوله٣: [السريع]
٢٨٠- اطلبْ ولا تَضْجَرَ مِنْ مَطْلَبِ٤
الحواشي
(١) ١ "٢٨" سورة القصص، الآية: ٧٩.
موطن الشاهد: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "الجار والمجرور" في موضع الحال من فاعل خرج المستتر؛ العائد إلى "قارون"؛ وحكم مجيء الجار والمجرور في موضع الحال الجواز.
٢ لكونهما "كونا" مطلقا، ويشترط في كل من الظرف والجار والمجرور: أن يكون تاما، أي مفيدا، وإفادته تكون بالإضافة، أو بالنعت، أو بالعدد، أو بغير ذلك من أنواع الإفادة.
٣ نسبه صاحب التصريح إلى أحد المولدين ولم يعيِّنْهُ.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
فآفة الطالب أن يضجرا
ويروى بعده قوله:
أما ترى الحبل، بتكراره ... في الصخرة الصماء قد أثرا
والبيت لم يؤتَ به كشاهد، وإنما لبيان خطأ الذين أعربوه. انظر: التصريح: ١/ ٣٨٩، والأشموني: "٤٩٣/ ١/ ٢٥٦"، والعيني: ٣/ ٢١٧، والهمع: ١/ ٢٤٦، ٢٠٢، والمغني: "٧٤/ ٥٢٩" "٩٩٩/ ٧٦٣".
المفردات الغريبة: لا تضجر: لا تسأم ولا تقلق. آفة: عاهة، وهي عرض يفسد ما يصيبه.
المعنى: ثابر، وداوم على طلب معالي الأمور، ولا تسأم إذا لم تظفر بما تطلب؛ فإن السأم والملل علة كل طالب، ومن يصبر، ينل ما يريد.
الإعراب: اطلب: فعل أمر، والفاعل: أنت. ولا: الواو واو المعية، لا: نافية. =стр. 653
إن "لا" ناهية والواو للحال، والصواب أنها عاطفة مثل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ١.
الحواشي
(١) = تضجر: فعل مضارع منصوب بأن المصدرية المضمرة بعد واو المعية، وعلامة نصبه الفتحة الظهرة. "من مطلب": متعلق بـ "لا تضجر". فآفة: الفاء تفريعية، آفة: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. الطالب: مضاف إليه. أن: حرف مصدري ونصب. يضجرا: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المصدرية، والفاعل: هو، والألف للإطلاق؛ والمصدر المؤول من "أن المصدرية وما دخلت عليه": في محل رفع خبر المبتدأ "آفة"؛ والتقدير: فآفة الطالب الضجر.
موطن الشاهد: "ولا تضجرا".
وجه الاستشهاد: بيان خطأ من أعرب الواو في قوله: "ولا تضجرا" حالية؛ لأنه يشترط في جملة الحال أن تكون خبرية، وهذه إنشائية؛ والذي ذهب إلى أنها حالية الأمين المحلي -كما ذكره ابن هشام في المغني؛ حيث عد "لا": ناهية، والواو التي قبلها للحال، وتضجرا: فعل مضارع مجزوم بـ "لا" الناهية؛ وأصله ولا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة، فحذفت نون التوكيد الخفيفة، وبقيت الفتحة قبلها؛ لتدل عليها؛ وعلى هذا تكون الجملة في محل نصب على الحال؛ غير أن الصواب ما ذهبنا إليه في الإعراب.
انظر في هذه المسألة، وفي أوجه إعراب الشاهد: مغني اللبيب: ٧٦٣، وشرح التصريح: ١/ ٣٨٩، وهمع الهوامع: ١/ ٢٤٥.
فائدة: الجملة الشرطية في قولهم: "لأمدحن المخلص إن أصاب أو أخطأ" واقعة في محل نصب على الحال -مع أنها إنشائية، مشتملة على علامة استقبال؛ حرف الشرط "إن" فالمسوغ -عند النحاة- أنها شرطية لفظا لا معنى؛ لأن التقدير: لأمدحنه على أي حال.
فائدة: على تقدير الواو عاطفة -على رأي ابن هشام- في الشاهد السابق؛ فلها تخريجان: الأول: أن تكون عاطفة مصدرا يسبك من أن والفعل على مصدر متوهم من الأمر السابق؛ أي: ليكن منك طلب وعدم ضجر. الثاني: أن تكون عاطفة جملة على جملة؛ وعلى الوجه الأول: فالفتحة في "تضجر" فتحة إعراب، ولا: نافية وعلى الثاني: فالفتحة فتحة بناء للتركيب؛ والأصل: ولا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة؛ فحذفت للضرورة، ولا: ناهية.
١ "٤" سورة النساء، الآية: ٣٦.
موطن الشاهد: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الواو عاطفة في الآية الكريمة؛ والواو عطفت جملة على جملة، كما هو واضح.стр. 654
الثاني: أن تكون غير مصدرة بدليل استقبال، وغلط من أعرب ﴿سَيَهْدِينِ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ١ حالا.
الثالث: أن تكون مرتبطة، إما بالواو والضمير، نحو: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ ٢، أو بالضمير فقط، نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ٣، أي: متعادين، أو بالواو فقط، نحو: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ٤.
[وجوب الواو قبل "قد" داخلة على المضارع] :
وتجب الواو قبل "قد"٥ داخلة على المضارع، نحو: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد
الحواشي
(١) ١ "٣٧" سورة الصافات، الآية: ٩٩.
موطن الشاهد: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ .
وجه الاستشهاد: استشهد بها؛ ليدل على كونها غير حالية بسبب اقترانها بالسين ومتى اقترنت بالسين صارت مستقبلة بالنسبة إلى عاملها؛ وهناك تنافٍ بين الحال والاستقبال من حيث اللفظ.
٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٤٣.
موطن الشاهد: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "وهم ألوف" حالا من الواو في خرجوا؛ وهي مرتبطة بالواو والضمير.
٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٣٦.
موطن الشاهد: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "بعضكم لبعض عدو" حالا من الواو في "اهبطوا" والرابط الضمير في "بعضكم"؛ والخطاب لسيدنا آدم وحواء عليهما السلا م.
٤ "١٢" سورة يوسف، الآية: ١٤.
موطن الشاهد: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "نحن عصبة" حالا من "الذئب" أو من ضمير يوسف ﵇؛ والرابط الواو فقط، ولا علاقة للضمير نحن؛ لأنه لم يرجع إلى صاحب الحال.
٥ هذا أحد موضعين، يجب في كل منهما ربط الجملة الواقعة حالا بالواو؛ والمقصود بالمضارع هنا أن يكون مثبتا؛ فمتى كان مثبتا ومقرونا بقد، وجب أن يكون الرابط =стр. 655
تَعْلَمُونَ﴾ ١.
[امتناع الواو في سبع صور] :
وتمتنع في سبع صور:
إحداها: الواقعة بعد عاطف٢، نحو: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ٣.
الحواشي
(١) = لها بصاحب الحال، هو الواو، كما في الآية الكريمة ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ ولكن لا يشترط في الجملة المضارعية أن تقترن بقد وأن تسبقها الواو، فقد وردت الجملة المضارعية المثبتة حالا من غير "قد" و"الواو" معا في أفصح الكلام؛ حيث قال جل شأنه: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ ؛ وهنا لا بد من ربطها بصاحب الحال بضمير يرجع منها إليه.
وأما الموضع الثاني الذي يجب فيه "الواو" جملة الحال التي ليس فيها ضمير يعود منها على صاحب الحال؛ نحو: "أقبل الأمير والشمس طالعة"، وكقوله ﵎: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ .
وأما بالنسبة إلى الفعل الماضي المثبت الواقعة جملته حالا، فقد اختلف النحاة في حكم اقترانه بـ "قد"؛ فذهب الكوفيون والأخفش من البصريين إلى الجواز؛ متى كان معه ضمير يعود على صاحب الحال -سواء أكان مع الضمير واو أم لم يكن- فإن لم يكن معه ضمير، يعود إلى صاحب الحال -بأن كان الرابط هو الواو وحدها- وجب اقترانه بقد وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز مجيء الماضي المثبت حالا إلا إذا اقترن بـ "قد" سواء أكان الرابط، هو الضمير وحده، أم كان الرابط هو الواو وحدها، أم كان الرابط هو الواو والضمير معا؛ فإن وجدت "قد" في اللفظ، فالأمر ظاهر، وإن لم توجد وجب تقديرها واختار ابن مالك وأبو حيان مذهب الكوفيين في هذه المسألة، وهو الأرجح. وانظر في هذه المسألة: همع الهوامع: ١/ ٢٤٦، والمغني: ٢٢٩-٨٣٣، ورصف المباني: ٤١٧-٤١٨، والتصريح: ١/ ٣٩١.
١ "٦١" سورة الصف، الآية: ٥.
موطن الشاهد: ﴿وقد تعلمون﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "تعلمون" حالا من الواو في "تؤذونني" والرابط الواو؛ وحكم وجود الرابط -هنا- الوجب.
٢ أي يعطفها على حال قبلها.
٣ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿هم قائلون﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "هم قائلون" حالا معطوفة على "بياتا" وهو مصدر في محل نصب على الحال؛ والرابط الضمير، ولا يقال: "أو" "وهم" كراهة اجتماع حرفي عطف صورة.стр. 656
الثانية: المؤكدة لمضمون الجملة، نحو: "هو الحق لا شك فيه" و: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ١.
الثالثة: الماضي التالي إلا، نحو: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٢.
الرابعة: الماضي المتلوُّ بأو٣، نحو: "لأضْرِبَنَّهُ ذَهَبَ أو مَكَثَ"٤.
الخامسة: المضارع المنفي بلا، نحو: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ٥.
الحواشي
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢.
موطن الشاهد: "لا شك فيه"، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء كل من الجملتين حالا مؤكدة لمضمون الجملة قبلها؛ وتمتنع الواو -هنا- لأن المؤكد عين المؤكد؛ فلو قرن بالواو، كان في صورة عطف الشيء على نفسه؛ وأما المؤكدة لعاملها فقد تقترن؛ نحو: "ثم توليتم وأنتم تعلمون".
٢ "١٥" سورة الحجر، الآية: ١١.
موطن الشاهد: ﴿كانوا به يستهزئون﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "كانوا به يستهزئون" حالا من "الهاء" في "يأيتهم" وامتنعت الواو هنا؛ لأن ما بعد "إلا" مفرد حكما، ويرى بعض النحاة جواز اقترانه بالواو في هذه الحالة، تمسكا بقول زهير:
نعم امرأ هرمٌ لم تعرُ نائبَةً ... إلا وكان لمرتاعٍ بها وزرا
وذلك قياسا على الجملة الاسمية الواقعة بعد "إلا" نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٢.
٣ أي الجملة الماضوية الحالية المعطوفة عليها جملة أخرى بأو.
٤ جملة "ذهب" في محل نصب حال من الهاء وبعدها "أو" وتمتنع الواو؛ لأنها في تقدير فعل الشرط؛ إذ المعنى: إن ذهب وإن مكث، وفعل الشرط لا يقترن بالواو، فكذلك المقدر به. والحق أن العلة عدم وجود الواو في مثل هذا الأسلوب من الكلام العربي.
٥ "٥" سورة المائدة، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "نؤمن بالله" حالا من الضمير المجرور باللازم، ولم تقترن بالواو؛ لأن المضارع المنفي بـ "لا" أو "بما" بمنزلة اسم الفاعل المجرور بإضافة "غير" المنصوبة على الحال، وهو لا تدخل عليه الواو؛ والتقدير: "وما لنا غير مؤمنين"؛ واختص المنفي بـ "لا" و"ما" من دون المنفي بـ "لم" و"لما"؛ لأن مضي المنفي بهما في المعنى، قربه من الماضي الجائز الاقتران بالواو، وأبعده من الشبه باسم الفاعل، وذهب محمد ابن صاحب الألفية إلى جواز اقتران المضارع المنفي بـ "لا" بالواو، وإن كان عدم الاقتران أكثر، واستشهد بقول أحدهم: "وكنت لا ينهنهني الوعيد". شرح التصريح: ١/ ٣٩٢.стр. 657
السادسة: المضارع المنفي بما، كقوله١: [الطويل]
٢٨١- عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة٢
الحواشي
(١) = تقترن بالواو؛ لأن المضارع المنفي بـ "لا" أو "بما" بمنزلة اسم الفاعل المجرور بإضافة "غير" المنصوبة على الحال، وهو لا تدخل عليه الواو؛ والتقدير: "وما لنا غير مؤمنين"؛ واختص المنفي بـ "لا" و"ما" من دون المنفي بـ "لم" و"لما"؛ لأن مضي المنفي بهما في المعنى، قربه من الماضي الجائز الاقتران بالواو، وأبعده من الشبه باسم الفاعل، وذهب محمد ابن صاحب الألفية إلى جواز اقتران المضارع المنفي بـ "لا" بالواو، وإن كان عدم الاقتران أكثر، واستشهد بقول أحدهم: "وكنت لا ينهنهني الوعيد". شرح التصريح: ١/ ٣٩٢.
١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه وقوله:
فلما لك بعد الشيب صبا متيما
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٩٢، والأشموني: "٥٠٠/ ١/ ٢٥٧" والهمع: ١/ ٢٤٦، والدرر: ١/ ٢٠٣.
المفردات الغريبة: عهدتك: عرفتك. تصبو: تميل إلى اللهو والعبث، من الصبوة، وهي الميل إلى الجهل والفتوة. شبيبة: شباب وفتوة ونشاط جسماني. صبا: عاشقا، من الصبابة، وهي العشق ورقة الهوى. متيما: مذللا مستعبدا بالحب.
المعنى: عرفتك وأنت شابٌّ موفور القوة جم النشاط -مستقيما بعيدا عن اللهو والميل للنساء، فما لك بعد الشيخوخة والكبر والضعف، صرت عاشقا متيما؟.
الإعراب: عهدتك: فعل ماضٍ، وفاعل، ومفعول به. ما: نافية، لا محل لها من الإعراب. تصبو: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو، منع من ظهورها الثقل، والفاعل: أنت؛ وجملة "تصبو" في محل نصب على الحال، وصاحبه كاف الخطاب الواقعة مفعولا به في "عهدتك". وفيك: الواو حالية، و"فيك": متعلق بخبر مقدم محذوف. شبيبة: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل نصب على الحال؛ وصاحب الحال الضمير المستتر في "تصبو". فما: الفاء عاطفة، "ما": اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. "لك": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ والتقدير: أي شيء ثابت لك؛ أو حاصل لك. "بعد": متعلق بقوله: "صبا" الآتي، وهو مضاف. الشيب: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة. صبا: حال منصوب، وصاحبه ضمير المخاطب المجرور باللام في قوله: "لك" السابق. متيما: صفة لقوله "صبا" منصوبة مثله.
موطن الشاهد: "ما تصبو".
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "تصبو" منفية بـ "ما" وقد وقعت في محل نصب على الحال؛ ولم تقترن بالواو اكتفاء بالربط بالضمير؛ وهو الفاعل المستتر؛ لما بيناه في المنفية بـ "لا" ومثل المنفي بـ "ما" المنفي بـ "إن" النافية. ضياء السالك: ٢/ ٢٢٢.стр. 658
السابعة: المضارع المثبت١، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ٢.
وأما نحو قوله٣: [الكامل]
٢٨٢- علقتها عرضا وأقتل قومها٤
الحواشي
(١) ١ أي المجرد من "قد"، فإن اقترن بقد لزمته الواو.
٢ "٧٤" سورة المدثر، الآية: ٦.
موطن الشاهد: "تستكثر".
وجه الاستشهاد: مجيء جملة "تستكثر" حالا من فاعل "تمنن" المستتر فيه؛ وقد امتنعت الواو هنا؛ لشبهه باسم الفاعل في الزنة والمعنى، والواو لا تدخل على اسم الفاعل، فكذلك ما أشبهه.
٣ القائل: عنترة بن شداد العبسي، وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
زعما لعمر أبيك ليس بمزعمِ
والبيت من معلقته المشهورة؛ التي مطلعها قوله:
هل غادر الشعراء من متردم؟ ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٩٢، والأشموني: "٤٩٥/ ١/ ٢٥٦"، والعيني: ٣/ ١٨٨.
المفردات الغريبة: علقتها: تعلقت بها وأحببتها. عرضا: من غير قصد: زعما: طمعا، وهو مصدر زعم، بمعنى طمع.
المعنى: أحببتها، وشغفت بها بمجرد النظر إليها من غير قصد، وأنا أحارب قومها وأقتلهم، فكيف هذا التناقض؟!، ثم قال مخاطبا نفسه: إن هذا طمع لا موضع له، وفعل لا يليق بمثلى.
الإعراب: علقتها: فعل ماضٍٍ مبني للمجهول، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع نائب فاعل؛ و"ها" مفعول به ثانٍ. عرضا: مفعول مطلق منصوب؛ وهو الأفضل. وأقتل: الواو عاطفة، أقتل فعل مضارع -بمعنى الماضي- مرفوع، والفاعل: أنا. قومها: مفعول به =стр. 659
فقيل: ضرورة وقيل: الواو عاطفة والمضارع مؤول بالماضي١، وقيل: واو الحال والمضارع خبر لمبتدأ محذوف، أي: وأنا أقتل٢.
[حذف عامل الحال جوازا أو وجوبا] :
[حذف العامل جوازا] :
فصل: وقد يحذف عامل الحال: جوازا٣؛ لِدليل حالي، كقولك لقاصد
الحواشي
(١) = منصوب، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه؛ وجملة "أقتل قومها": لا محل لها؛ لكونها معطوفة على جملة "علقتها" الاستئنافية؛ والتقدير: علقتها تعلقا عارضا وقتلت قومها؛ ويجوز -وهو الأفضل- أن تكون الواو حالية، وجملة "أقتل قومها": في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: وأنا أقتل قومها؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل نصب على الحال؛ وصاحبه تاء المتكلم في قوله: "علقتها" السابق. زعما: على رواية النصب؛ مفعول مطلق لفعل محذوف؛ والتقدير: زعم زعما، وعلى رواية الرفع؛ يكون إما خبرا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هذا زعم؛ أو يكون مبتدأ؛ وخبره جملة ليس بمزعم"؛ والأول أفضل. لَعَمْر: اللام لام الابتداء، لا محل لها من الإعراب. عَمْرُ: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. أبيك: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه؛ وخبر المبتدأ محذوف وجوبا؛ والتقدير: لعمر أبيك قسمي، أو ما أقسم به؛ وجملة "المبتدأ والخبر": لا محل لها؛ لأنها اعتراضية، اعترضت بين الصفة والموصوف؛ أو بين المبتدأ والخبر على رواية رفع "زعم" كما بينا. ليس: فعل ماضٍٍ ناقص؛ واسمه "هو" يعود إلى الزعم. بمزعم: الباء حرف جر زائد، مزعم: خبر "ليس" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ والجملة في محل نصب أو رفع صلة لـ "زعم".
موطن الشاهد: "وأقتل قومها".
وجه الاستشهاد: مجيء جملة: "أقتل قومها" حالية مضارعية مثبتة، وقد اقترنت بالواو مع امتناع الواو في ذلك، وقد خرجه المؤلف في المتن.
١ والتقدير: وقتلت قومها؛ وذلك ليتناسب المتعاطفان، فذلك أولى من عدم التناسب.
٢ خلاصة البحث: إن اقتران جملة الحال بالواو على ثلاثة أنواع: واجب، وذلك في موضعين. وممتنع، وذلك في سبعة مواضع، وجائز، وذلك فيما عدا ذلك.
٣ الأصل في عامل الحال وغيرها، أن يكون مذكورا؛ ليحقق الغرض منه، وهو إفادة معنى جديد، أو تقوية المعنى الموجود، وقد يحذف جوازا أو وجوبا لدواع تقتضي الحذف، ويستثنى من الحذف جوازا: ما إذا كان العامل معنويًّا، كالظرف والجار والمجرور، واسم الإشارة، وحرف التمني والتنبيه إلخ، فلا يجوز حذف العامل فيها؛ لضعفه سواء فهم أم لم يفهم.стр. 660
السفر: "راشدا" وللقادم من الحج: "مأجورا" أو مقالي١، ﴿بَلَى قَادِرِين﴾ ٢ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ٣ بإضمار: تسافر، ورجعت، ونجمعها، وصلوا.
[حذف العامل وجوبا] :
ووجوبا قياسا في أربع صور: نحو: "ضربي زيدا قائما"٤، ونحو: "زيد أبوك عطوفا"٥ وقد مضتا، والتي يبين بها ازدياد أو نقص بتدريج، كـ: "تصدق بدينار فصاعدا"، و: "اشتره بدينار فسافلا"٦، وما ذكر لتوبيخ، نحو: "أقائما وقد قعد
الحواشي
(١) ١ الدليل المقالي: هو ما يعتمد على كلام مذكور صريح، وهو في مثال المصنف جواب نفي وشرط، وقد يكون جوابا لاستفهام نحو: راكبا، لمن قال: كيف جئت؟ أو منهيا عنه نحو: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ ، أو مقصودا لحصر فيه، نحو: ما جاءني محمد إلا راكبا ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ . أما الدليل الحالي فتدل عليه المناسبات المحيطة بالمتكلم، من غير استعانة بكلام أو قول.
التصريح: ١/ ٣٩٣.
٢ "٧٥" سورة القيامة، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿بَلَى قَادِرِين﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "قادرين" حالا بعامل محذوف جوازا؛ والتقدير: نجمعها قادرين؛ فأضمر العامل "نجمعها" في جواب النفي؛ وحكم الإضمار -هنا- الجواز؛ غير أن القراءة سنة متبعة، لا تجوز مخالفتها.
٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٣٩.
موطن الشاهد: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "رجالا وركبانا" حالين؛ والعامل فيهما محذوف، وتقديره: صلوا؛ وحكم الحذف هنا الجواز، غير أن القراءة سنة مؤكدة، فلا تجوز مخالفتها.
٤ أي مما فيه الحال سادة مسد الخبر، وقد سبق إيضاحها، فلا يجوز ذكر الخبر لئلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض.
٥ أي: من الحال المؤكدة لمضمون جملة قبلها، والعلة في وجوب حذف العامل: أن الجملة قبله بمنزلة البدل من اللفظ.
٦ "صاعدا" و"سافلا" حالان عاملهما محذوف وجوبا؛ والتقدير: فذهب المتصدق به صاعدا، وانحط المشتري به سافلا؛ ولا بد في هذه الحالة من اقتران الحال بالفاء العاطفة، أو "ثم" العاطفة؛ وهي تعطف جملة خبرية على جملة إنشائية، ويجب حذف العامل والصاحب معا في هذه الحال. شرح التصريح: ١/ ٣٩٣.стр. 661
الناس"، و: "أتميميا مرة وقيسيا أخرى"١ أي: أتوجد، وأتتحول٢.
وسماعا في غير ذلك، نحو: "هنيئا لك" أي: ثبت لك الخير هنيئا، أو أَهْنَأَكَ هنيئا.
الحواشي
(١) ١ "قائما" و"تميميا" و"قيسيا" أحوال منصوبة بفعل محذوف وجوبا؛ لأنها بدل من اللفظ بالفعل، ولا يجمع بين البدل والمبدل منه.
٢ "أتوجد" راجع إلى المثال الأول، و"أتتحول" راجع إلى الثاني، وليس المراد أن يتحول في حالة كونه تميميا ... بل إنه يتخلق تارة بأخلاق التميمي وأخرى بأخلاق القيسي؛ والأولى: تقدير عامل الحال "توجد" كسابقه، وقيل "تميميا وقيسيا": مفعول مطلق على حذف مضاف: أي أتتخلق تخلق تميمي مرة؟ ... وما ذكره المؤلف محظور ذكر العامل فيه رأي ممنوع ذكره -وهناك عوامل تحذف سماعا؛ نحو: هنيئا لك. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٣.
فائدة أولى: عندما تتعدد الحال لواحد، تسمى "مترادفة" أي متوالية، تتلو الواحدة الأخرى؛ ويمكن أن تعرب الحال الثانية حالا من الضمير المستتر في الحال التي قبلها، وتسمى الثانية "متداخلة".
فائدة ثانية: هنالك ألفاظ مسموعة، وقعت أحوالا مع أنها معرفة بالإضافة؛ نحو: تفرق القوم أيدي سبأ، وقد أولت على معنى: متبددين؛ أو مثل أيدي سبأ؛ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ومنها قولهم: فعلت هذا الأمر جهدي أو طاقتي، وأول بمعنى: جاهدا أو مطيقا.
فائدة ثالثة: تنقسم الحال باعتبار الزمان إلى مقارنة لعاملها، وهو الغالب فيها، ومقدرة وهي المستقبلة؛ نحو: مررت برجل معه سيف مقاتلا به غدا؛ أي: مقدرا ذلك. انظر حاشية الصبان: ٢/ ١٩٣، وضياء السالك: ٢/ ٢٢٦.стр. 662
[باب التمييز] :
هذا باب التمييز١:
[تعريف التمييز وبيان محترزات القيود] :
التمييز: اسم٢ نكرة، بمعنى من٣، مبين لإبهام اسم أو نسبة.
فخرج بالفصل الأول٤ نحوه٥: "زيد حسن وجهه".
وقد مضى أن قوله:
صددتَ وطبتَ النفس يا قيسُ عن عمرو٦
الحواشي
(١) ١ هو في الأصل: مصدر ميَّز الشيءَ؛ إذ خلصه من شيء آخر، فمعناه لغة: تخليص شيء من شيء، ثم أطلق على الاسم المميز مجازا، ويسمى أحيانا: التفسير أو التبيين، أو المفسر، أو المميز. ومعناه اصطلاحا: ما ذكره المؤلف.
٢ أي صريح؛ لأن التمييز، لا يكون جملة ولا ظرفا، ولا جارا ومجرورا. بخلاف الحال في هذه الثلاثة.
٣ أي أن يفيد معنى "من" البيانية، أي التي تبين جنس ما قبلها أو نوعه؛ وذلك لأن الاسم المميز جيء به لبيان الجنس، كما يجاء بمن مميزة له، وليس المراد أنه يمكن تقدير "من" قبله، فقد لا يصلح الكلام أحيانا لتقدير "من". انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٣-٣٩٥.
٤ أي: قوله نكرة.
٥ أي: من كل ما هو مشبه بالمفعول به.
٦ مر تخريجه.
موطن الشاهد: "النفس".
وجه الاستشهاد: تقدم هذا البيت في "باب المعرف" بالأداة. وقد ذكر هنالك أن اللام في النفس زائدة للضرورة، فهو نكرة، وقد احتج الكوفيون بهذا البيت على مجيء التمييز معرفا، كما أسلفنا.стр. 663
محمول على زيادة: "أل".
وبالثاني الحال فإنه بمعنى في حال كذا، لا بمعنى من.
وبالثالث نحو١: "لا رجل" ونحو٢: [البسيط]
٢٨٣- أستغفر الله ذنبا لست محصيه٣
الحواشي
(١) ١ وهو قوله: "مبين لإبهام اسم أو نسبة" يخرج اسم "لا" التي للتبرئة.
٢ لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
رب العباد إليه الوجه والعمل
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٩٤، والهمع: ٢/ ٨٢، والدرر: ٢/ ١٠٦، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٧، والمقتضب: ٢/ ٣٢١، ٤٣١، والخصائص: ٣/ ٢٤٧، وشرح المفصل: ٧/ ٦٣، ٨/ ٥١، والخزانة: ١/ ٤٨٦، والعيني: ٣/ ٢٢٦، وشذور الذهب: "١٩٠/ ٤٨٩".
المفردات الغريبة: أستغفر: أطلب المغفرة. محصيه: ضابطا عدده. الوجه: القصد والتوجيه.
المعنى: أطلب المغفرة والعفو من الله على ذنوبي الكثيرة، التي لا أحصيها، فهو رب الخلق جميعا، وإليه الالتجاء في كل شيء، وله يكون العمل والسعي.
الإعراب: أستغفر: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. الله: "لفظ الجلالة" اسم منصوب على التعظيم. ذنبا: مفعول ثانٍ لـ "أستغفر". لست: فعل ماضٍٍ ناقص، والتاء: اسمه. محصيه: خبر "ليس" منصوب، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه. رب: بدل من لفظ الجلالة، منصوب مثله، وهو مضاف. العباد: مضاف إليه. "إليه": متعلق بمحذوف خبر مقدم. الوجه: مبتدأ مؤخر مرفوع. والعمل: الواو عاطفة، العمل: اسم معطوف على "الوجه" مرفوع مثله.
موطن الشاهد: "أستغفر الله ذنبا".
وجه الاستشهاد: ذكر المؤلف وجماعة من النحاة، أن قوله "ذنبا" منصوب على نزع الخافض، الذي هو "من" ومع أن انتصابه على معنى "من" فإنه ليس تمييزا؛ لأنه غير مبين لإبهام اسم مجمل قبله، ولا هو مبين لنسبة في جملة مذكورة قبله أيضا؛ ولذا فهو ليس تمييزا.
وإذا عددنا "ذنبا" منصوبا على نزع الخافض؛ فإنما هو على تضمين قوله "أستغفر" معنى "أستتيب"؛ على نحو: "اخترت الرجال محمدا"؛ أي: اخترت من الرجال هذا الرجل؛ ومثله، قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ . غير أن الذي رجحه كثير من العلماء، "أستغفر" يتعدى بنفسه إلى مفعولين، فيكون انتصاب قوله: "ذنبا" على أنه مفعول به حقيقة، لا على نزع الخافض. انظر مغني اللبيب: ٦٧٩.стр. 664
فإنهما وإن كانا على معنى "من" لكنها ليست للبيان، بل هي في الأول للاستغراق، وفي الثاني للابتداء١.
[حكم التمييز وبيان العامل فيه] :
وحكم التمييز النصب، والناصب لمبين الاسم هو ذلك الاسم المبهم٢،
الحواشي
(١) ١ كأنه أراد استغفارا يبتدئ من أول الذنوب إلى ما لا نهاية. وقيل: "من" هنا للتعليل، وهو أظهر.
٢ اتفق النحاة في أن ناصب التمييز المبين لإبهام اسم غير جملة، هو ذلك الاسم المبين الذي فسره التمييز؛ غير أنهم اختلفوا في توجيه كون هذا الاسم الجامد قد عمل النصب، فذهب جمهورهم إلى أن هذا الاسم الجامد في نحو قولك: "اشتريت رطلا زيتا" قد أشبه اسم الفاعل المفرد في نحو: "زيد ضارب عمرا" وفي نحو قولك: "اشتريت عشرين ثوبا" أشبه اسم الفاعل المجموع، في نحو: "هؤلاء الضاربون عمرا". شرح التصريح: ١/ ٣٩٥.
فائدة أولى: أشبه الاسم الجامد اسم الفاعل المذكور في أمرين هما:
أ- كون كل واحد منهما اسما مشتملا على ما به تمام الاسم، وهو التنوين إذا كان مفردا، أو النون التي تشبه التنوين، وهي نون التثنية والجمع.
ب- كون كل واحد من الاسم الجامد واسم الفاعل طالبا لما بعده، ومعلوم أن الشيء إذا أشبه الشيء جاز أن يأخذ بعض أحكامه. المصدر نفسه.
فائدة ثانية: رتب الشيخ خالد العوامل في التصريح -حسب قوتها- فجاءت كالآتي:
أ- الفعل؛ لأنه يعمل أصالة؛ وهو لا يعمل إلا معتمدا وغير معتمد.
ب- اسم الفاعل؛ لأنه يعمل بالحمل على الفعل؛ وهو لا يعمل إلا معتمدا على نفي أو شبهه؛ وهو يعمل في السببي نحو: زيد ضارب ابنه، وفي غير السببي؛ نحو: زيد ضارب عمرا.
ج- الصفة المشبهة؛ لأنها لا تعمل إلا في السببي؛ نحو: زيد حسن وجهه وهي ترفع الظاهر، نحو: زيد حسن وجهه، وترفع الضمير؛ نحو: زيد حسن وجهه وهي ترفع الظاهر، التفضيل؛ لأنه يرفع الضمير باطراد، ولا يرفع الظاهر إلا في مسألة الكحل.
هـ- الاسم الجامد؛ لِأنه لا يعمل إلا في التمييز؛ لكونه لا يتحمل ضميرا مستترا، في حين أن "أفعل التفضيل" يتحمله. شرح التصريح: ١/ ٣٩٥.стр. 665
كـ: "عشرين درهما" والناصب لمبين النسبة المسند من فعل أو شبهه١، كـ: "طاب نفسا"، و: "هو طيب أُبُوَّةً"، وعلم بذلك بطلان عموم قوله٢:
ينصب تمييزا بما قد فسره٣
[أنواع الاسم المبهم] :
فصل: والاسم المبهم أربعة أنواع:
أحدها: العدد٤، كـ: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ ٥.
الحواشي
(١) ١ ذهب سيبويه والمزاني والمبرد إلى أن الناصب لتمييز النسبة، هو المسند في الجملة سواء أكان هذا المسند فعلا، كما في قولك: "طاب محمد نفسا" أم كان وصفا -أي مشتقا- نحو: زيد كريم خلقا. وذهب بعضهم إلى أن الناصب له هو الجملة التي تنصب التمييز، التي يوضح التمييز النسبة فيها؛ وليس الفعل وما أشبهه؛ لأنه قد لا يكون في الجملة فعل أو وصف، نحو: هذا أخوك إخلاصا، أو أبوك عطفا. فالقول بأن ناصبه الجملة مطرد، وهو ما اختاره ابن عصفور. المصدر السابق: ١/ ٣٩٥.
٢ أي ابن مالك.
٣ يرى ابن مالك في هذا البيت والذي تمامه:
"اسم بمعنى "من" مبين نكره ... ينصب تمييزا بما قد فسره
أن ناصب تمييز النسبة، هو الجملة "بما قد فسره" وعليه، فيكون يرى أن ناصب تمييز المفرد، هو الاسم الجامد المميز، وهو في هذا موافق لابن عصفور، غير أنه يفهم من كلامه في الألفية أن عباراته في النظم، تدل على أنه يرى في هذه المسألة رأي سيبويه وأصحابه، وأن الناصب لتمييز النسبة، هو الفعل أو الوصف "والفاعل المعني انصبن بأفعلا"؛ فواضح من كلامه أن الناصب للتمييز في نحو: "أنت أعلى منزلا" هو أفعل التفضيل الذي اشتملت عليه الجملة.
ورأى الأشموني أن كلا من الجملة والفعل، يوصف بالإبهام من حيث نسبته، فيصح كون التمييز مفسرا لهما باعتبار نسبتهما؛ فيصدق أنه نصب بمفسره؛ وعلى هذا يكون قول الناظم على عمومه. وقيل: إن ذلك خاص بتمييز المفرد، وخصه بالذكر؛ لأنه جامد غالبا؛ فربما توهم أنه لا يعمل. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٥، وهمع الهوامع: ١/ ٢٥١، وشرح الأشموني: ٢/ ١٩٥، وضياء السالك: ٢/ ٢٣١.
٤ سواء كان صريحا كمثال المصنف ونحوه، أو كناية، ككم الاستفهامية نحو: كم رطلا اشتريت؟.
٥ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "كوكبا" تمييزا مبينا إبهام العدد "أحد عشرا"، وهو اسم صريح، كما هو معلوم.стр. 666
والثاني: المقدار، وهو إما مساحة، كـ: "شبر أرضا" أو كيل، كـ: "قفيز برا" أو وزن، كـ: "منوين عسلا" وهو تثنية مَنا، كعصا، ويقال فيه: من، بالتشديد، وتثنيته منان,
والثالث: ما يشبه المقدار، نحو: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ ١، و: "نحي سمنا" ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٢، وحمل على هذا: "إن لنا غيرها إبلا"٣.
والرابع: ما كان فرعًا للتمييز٤، نحو: "خاتم حديدا"، فإن الخاتم فرع الحديد، ومثله: "باب ساجا" و: "جبة خزا" وقيل: إنه حال٥.
الحواشي
(١) ١ "٩٩" سورة الزلزلة، الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "خيرا" تمييزا مبينا لـ "مثقال ذرة" الشبيه بما يوزن به، وهو ليس اسما لشيء يوزن به عرفا.
٢ "١٨" سورة الكهف، الآية: ١٠٩.
موطن الشاهد: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مددا" تمييزا مبينا لـ "مثله" الشبيه بالمساحة؛ وليس هو مساحة حقيقية، وإنما هو دال على المماثلة من غير ضبط بحد.
٣ "إبلا" منصوب على التمييز من غير؛ لِأنها اسم مبهم يدل على المغايرة، وهم يحملون المغايرة. على المماثلة.
٤ ضابطه: كل فرع أصبح له بسبب التفريع اسم خاص يليه أصله، بحيث يصح إطلاق الأصل عليه.
٥ ذهب المبرد وابن مالك والمؤلف إلى أن "حديدا" إذا نصبت، تكون تمييزا وذلك راجح على كونه حالا من قبل أن الاسم المنصوب جامد ملازم، والأصل في الحال أن يكون مشتقا، ومنتقلا على ما عرفت، ومن قبل أن الاسم المبين نكرة، فلو جعلته حالا؛ للزم مخالفة الأصل من ثلاثة أوجه؛
الأول: جعل الحال جامدا، والثاني: جعله لازما، والثالث: جعل صاحبه نكرة من غير مسوغ؛ ومذهب سيبويه: أن هذا الاسم المنصوب متعين للحالية لا يجوز جعله تمييزا؛ لأن الاسم الذي ينتصب تمييزا إنما يقع بعد مقدار أو ما يشبه المقدار، وليس هذا الاسم واحدا منها. حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٩٦.стр. 667
والنسبة المبهمة نوعان١: نسبة الفعل للفاعل، نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ٢ ونسبته للمفعول، نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ٣.
ولك في تمييز الاسم أن تجره بإضافة الاسم، كـ: "شبر أرض" و: "قفيز بر" و: "منوي عسل"، إلا إذا كان الاسم عددا٤، كـ: "عشرين درهما" أو مضافا٥، نحو: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٦، و: ﴿مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ٧.
الحواشي
(١) ١ تمييز النسبة ويسمى تمييز الجملة؛ وهو الذي يزيل الإبهام والغموض عن المعنى المنسوب فيها لشيء من الأشياء.
٢ "١٩" سورة مريم، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "شيبا" تمييز محولا عن الفاعل؛ والأصل: واشتعل شيب الرأس، فحوِّل الإسناد من المضاف، وهو شيب إلى المضاف إليه، وهو الرأس، فارتفع. ثم جيء بذلك المضاف الذي حول عنه الإسناد فضلة تمييزا. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٧.
٣ "٥٤" سورة القمر، الآية: ١٢.
موطن الشاهد: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "عيونا" تمييزا محوَّلا عن المفعول؛ لأن نسبة فجرنا إلى الأرض مبهمة. و"عيونا" مبين لذلك الإبهام. والأصل: فجرنا عيون الأرض؛ فحول المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
٤ إذا كان العدد من ثلاثة إلى عشرة، وجب جر تمييزه بإضافة العدد إليه، والغالب في هذا التمييز المجرور: أن يكون جمعا. والعدد من أحد عشر إلى تسع وتسعين يجب نصب تمييزه، وأن يكون مفردا. والمائة والمائتان والمئات والألف والألوف يجب أن يكون التمييز فيها مفردا مجرورا. همع الهوامع: ١/ ٢٥٣.
٥ أي: إذا أضيف العدد إلى غير التمييز ولو تقديرا وجب نصب تمييزه أيضا؛ لامتناع إضافته مرة أخرى.
٦ "١٨" سورة الكهف، الآية: ١٠٩.
موطن الشاهد: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مددا" تمييزا لـ "مثل" ولا يجوز جره بالإضافة؛ لأن "مثل" مضاف مرة؛ فيمتنع إضافته مرة أخرى.
٧ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٩.
موطن الشاهد: ﴿مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ذهبا" تمييزا لملء، ولا يجوز جره بالإضافة؛ لأن "ملء" مضاف مرة، فامتنع إضافته مرة أخرى -كما في الآية السابقة- وإلى ذلك أشار ابن مالك في الألفية:
والنصب بعدما أضيف وجبا ... إن كان مثل ملء الَارْض ذهبا
انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٧.стр. 668
فصل: من مميز النسبة الواقع بعد ما يفيد التعجب١، نحو: "أكرم به أبا"، و: "ما أشجعه رجلا"، و: "لله دره فارسا"، والواقع بعد اسم التفضيل، وشرط نصب هذا كونه فاعلا معنى، نحو: "زيد أكثر مالا" بخلاف: "مال زيد أكثر مال"٢، وإنما جاز: "هو أكرم الناس رجلا" لتعذر إضافة أفعل مرتين٣.
[جواز جر التمييز بـ "من" إلا من ثلاث مسائل] :
فصل: ويجوز جر التمييز بمن٤، كـ: "رطل من زيت" إلا في ثلاث مسائل:
إحداها: تمييز العدد، كـ: "عشرين درهما".
الثانية: التمييز المحوَّل عن المفعول٥، كـ: "غرست الأرض شجرا"، ومنه: "ما أحسن زيدا أدبا" بخلاف: "ما أحسنه رجلا"٦.
الثالثة: ما كان فاعلا في المعنى إن كان محوَّلا عن الفاعل صناعة، كـ: "طاب زيد نفسا"، أو عن مضاف غيره، نحو: "زيد أكثر مالا" إذ أصله: "مال زيد أكثر" بخلاف: "لله دره فارسا".
الحواشي
(١) ١ سواء كان التعجب بصيغتيه المعروفتين، أو بغيرهما من الصيغ السماعية. ويجب نصب التمييز الواقع بعده.
٢ ضابط هذا النوع: أن تمييز أفعل التفضيل إن كان من جنس ما قبله جر؛ نحو: محمد أفضل رجل، وإلا نصب نحو: أنت أرقى من علي فكرا.
٣ فإنه مضاف إلى الناس، فلو أضيف أيضا إلى رجل لزم ذلك، ونصب التمييز هنا واجب.
٤ أي ظاهرة، واختلف في معناها حينئذ، فقيل زائدة، وقيل للتبعيض والأظهر أنها لبيان الجنس.
٥ لأن التمييز فيه مفسر للنسبة لا للفظ المذكور، فما بعد "من" من مطلق التمييز مبين لما قبلها، فلا يصح حمله عليه، وكذلك الشأن في المحول عن الفاعل.
٦ فإنه وإن كان مفعولا في المعنى إلا أنه ليس محولا عن المفعول لأنه عين ما قبله. فلا يصح أن يقال: ما أحسن رجل زيد.стр. 669
٢٨٤- و١....... أبرحت جارا٢
الحواشي
(١) ١ قائل هذا البيت: هو الأعشى ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة يمدح فيها قيس بن معد يكرب الكندي وهو بتمامه:
أقول لها حين جد الرحيـ ... ـل أبرحت ربا وأبرحت جار
ويرى بعض النحاة أن رواية البيت هي:
تقول ابنتي حين جد الرحيـ ... ـل أبرحت ربا وأبرحت جارا
وهو بالرواية الأولى من الشواهد: التصريح: ١/ ٣٩٩، والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٩٩ والأشموني: "٥١٠/ ٢٦٥" وفيه بالرواية الثانية، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ٥٥، وديوان الأعشى: ٣٧.
المفردات الغريبة: أبرحت: خطاب للمؤنث: أي أعجبت، أو عظمت، ربا: المراد به الممدوح الذي يقصده الشاعر بشعره، إذا فسر "أبرحت" بعظمت: أي عظمت ملكا. والمراد بالرب: صاحب الناقة؛ وعلى هذا يكون "أبرحت" فعلا متعديا، و"ربا" مفعولا ثانيا. يتخيل الشاعر أن ناقته شكت إليه طول سفرها، وما احتملته من مشاق ومتاعب، فيقول لها: لا تستعظمي ما تلاقينه من الجهد والتعب؛ فإنك تذهبين إلى ملك عظيم، يجزل العطاء الذي ينسى معه كل جهد وعناء.
الإعراب: أقول: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. "لها": متعلق بـ "أقول". "حين": متعلق بـ "أقول". جد: فعل ماضٍٍ مبني على الفتح. الرحيل: فاعل مرفوع؛ وجملة "جد الرحيل": في محل جر بالإضافة. أبرحت: فعل ماضٍٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الكسر في محل رفع فاعل. ربا: تمييز منصوب على تفسير "أبرحت" بـ "عظمت" على رأي المؤلف؛ وأما إذا فسر "أبرحت" بـ "اخترت" فـ "ربا". مفعول به منصوب؛ وعلى كلا الإعرابين، فجملة "أبرحت ربا": مفعول القول في محل نصب. وأبرحت: الواو عاطفة، أبرحت: فعل ماضٍٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: فاعل. جارا: تمييز منصوب أو مفعول به منصوب كما في "ربا"؛ وجملة "أبرحت جارا" معطوفة على جملة "أبرحت ربا": في محل نصب.
موطن الشاهد: "ربا، جارا".
وجه الاستشهاد: مجيء "ربا" و"جارا" تمييزين، وإن كانا فاعلين في المعنى؛ إذ المعنى عظمت فارسا وعظمت جارا، غير أنهما غير محولين عن الفاعل صناعة؛ ولهذا، فيجوز دخول "من" عليهما؛ إذ يجوز القول: من فارس ومن جار؛ نحو قوله:
يا سيدا ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذراع
انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٩.стр. 670
فإنهما وإن كانا فاعلين معنى؛ إذ المعنى عظمت فارسا وعظمت جارا، إلا أنهما غير محولين، فيجوز دخول "من" عليهما، ومن ذلك "نعم رجلا زيد" يجوز "نعم من رجل" قال١: [الوافر]
٢٨٥- فنعم المرء من رجل تهام٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو: أبو بكر بن الأسود الليثي.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
تخيره فلم يعدل سواه
ويروى على شكل آخر:
تعمده ولم يعظم عليه
وهو في رثاء هشام بن المغيرة أحد أشراف مكة، ويروى قبله قوله:
فذرني أصطبح يا بكر إني ... رأيت الموت نقب عن هشامِ
وهو من شواهد التصريح: ١/ ٣٩٩، والإنصاف: ٢٢٥، وشرح المفصل: ٧/ ١٣٣ والمقرب: ٩، وشرح شواهد الألفية للبغدادي: ٤٦٤، والعيني: ٣/ ٢٢٧، ٤/ ١٤.
المفردات الغريبة: تَخَيَّره: اختاره واصطفاه. لم يعدل: لم يمل. تهامي: منسوب إلى تهامة، وتطلق على مكة، وعلى أرض معروفة ببلاد العرب.
المعنى: يبين الشاعر أن الموت اختار هشاما، ولم يعدل به سواه، ولم يمل إلى غيره من الناس، فهو نعم الرجل من تهامة.
الإعراب: تخيره: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود إلى الموت؛ و"الهاء": ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعولٍ به. فلم: الفاء: عاطفة، لم: نافية جازمة. يعدل: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" والفاعل: هو. سواه: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف، و"الهاء": ضمير متصل مبني على الضم، في محل جر مضاف إليه. فنعم: الفاء عاطفة، نعم: فعل ماضٍٍ دال على إنشاء المدح. المرء: فاعل مرفوع. من: حرف جر زائد. رجل: اسم مجرور لفظا، منصوب محلا على أنه تمييز لفاعل "نعم"؛ أو نقول: "رجل": تمييز لفاعل "نعم" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة، منع من ظهورها، اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. تهامي: صفة لـ "رجل" مجرورة، وعلامة جرها الكسرة المقدرة على الياء.
موطن الشاهد: "من رجل".
وجه الاستشهاد: جر التمييز "رجل" بـ "من"؛ لأنه -وإن كان فاعلا في المعنى- غير أنه غير محول عن الفاعل الصناعي؛ وحكم جره بـ "من" الجواز.следующие страницы →