Полный текст (1 155 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
والثاني: المقدار، وهو إما مساحة، كـ: "شبر أرضا" أو كيل، كـ: "قفيز برا" أو وزن، كـ: "منوين عسلا" وهو تثنية مَنا، كعصا، ويقال فيه: من، بالتشديد، وتثنيته منان,
والثالث: ما يشبه المقدار، نحو: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ ١، و: "نحي سمنا" ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٢، وحمل على هذا: "إن لنا غيرها إبلا"٣.
والرابع: ما كان فرعًا للتمييز٤، نحو: "خاتم حديدا"، فإن الخاتم فرع الحديد، ومثله: "باب ساجا" و: "جبة خزا" وقيل: إنه حال٥.
الحواشي
(١) ١ "٩٩" سورة الزلزلة، الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "خيرا" تمييزا مبينا لـ "مثقال ذرة" الشبيه بما يوزن به، وهو ليس اسما لشيء يوزن به عرفا.
٢ "١٨" سورة الكهف، الآية: ١٠٩.
موطن الشاهد: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مددا" تمييزا مبينا لـ "مثله" الشبيه بالمساحة؛ وليس هو مساحة حقيقية، وإنما هو دال على المماثلة من غير ضبط بحد.
٣ "إبلا" منصوب على التمييز من غير؛ لِأنها اسم مبهم يدل على المغايرة، وهم يحملون المغايرة. على المماثلة.
٤ ضابطه: كل فرع أصبح له بسبب التفريع اسم خاص يليه أصله، بحيث يصح إطلاق الأصل عليه.
٥ ذهب المبرد وابن مالك والمؤلف إلى أن "حديدا" إذا نصبت، تكون تمييزا وذلك راجح على كونه حالا من قبل أن الاسم المنصوب جامد ملازم، والأصل في الحال أن يكون مشتقا، ومنتقلا على ما عرفت، ومن قبل أن الاسم المبين نكرة، فلو جعلته حالا؛ للزم مخالفة الأصل من ثلاثة أوجه؛
الأول: جعل الحال جامدا، والثاني: جعله لازما، والثالث: جعل صاحبه نكرة من غير مسوغ؛ ومذهب سيبويه: أن هذا الاسم المنصوب متعين للحالية لا يجوز جعله تمييزا؛ لأن الاسم الذي ينتصب تمييزا إنما يقع بعد مقدار أو ما يشبه المقدار، وليس هذا الاسم واحدا منها. حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٩٦.стр. 667
والنسبة المبهمة نوعان١: نسبة الفعل للفاعل، نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ٢ ونسبته للمفعول، نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ٣.
ولك في تمييز الاسم أن تجره بإضافة الاسم، كـ: "شبر أرض" و: "قفيز بر" و: "منوي عسل"، إلا إذا كان الاسم عددا٤، كـ: "عشرين درهما" أو مضافا٥، نحو: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٦، و: ﴿مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ٧.
الحواشي
(١) ١ تمييز النسبة ويسمى تمييز الجملة؛ وهو الذي يزيل الإبهام والغموض عن المعنى المنسوب فيها لشيء من الأشياء.
٢ "١٩" سورة مريم، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "شيبا" تمييز محولا عن الفاعل؛ والأصل: واشتعل شيب الرأس، فحوِّل الإسناد من المضاف، وهو شيب إلى المضاف إليه، وهو الرأس، فارتفع. ثم جيء بذلك المضاف الذي حول عنه الإسناد فضلة تمييزا. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٧.
٣ "٥٤" سورة القمر، الآية: ١٢.
موطن الشاهد: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "عيونا" تمييزا محوَّلا عن المفعول؛ لأن نسبة فجرنا إلى الأرض مبهمة. و"عيونا" مبين لذلك الإبهام. والأصل: فجرنا عيون الأرض؛ فحول المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
٤ إذا كان العدد من ثلاثة إلى عشرة، وجب جر تمييزه بإضافة العدد إليه، والغالب في هذا التمييز المجرور: أن يكون جمعا. والعدد من أحد عشر إلى تسع وتسعين يجب نصب تمييزه، وأن يكون مفردا. والمائة والمائتان والمئات والألف والألوف يجب أن يكون التمييز فيها مفردا مجرورا. همع الهوامع: ١/ ٢٥٣.
٥ أي: إذا أضيف العدد إلى غير التمييز ولو تقديرا وجب نصب تمييزه أيضا؛ لامتناع إضافته مرة أخرى.
٦ "١٨" سورة الكهف، الآية: ١٠٩.
موطن الشاهد: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مددا" تمييزا لـ "مثل" ولا يجوز جره بالإضافة؛ لأن "مثل" مضاف مرة؛ فيمتنع إضافته مرة أخرى.
٧ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٩.
موطن الشاهد: ﴿مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ذهبا" تمييزا لملء، ولا يجوز جره بالإضافة؛ لأن "ملء" مضاف مرة، فامتنع إضافته مرة أخرى -كما في الآية السابقة- وإلى ذلك أشار ابن مالك في الألفية:
والنصب بعدما أضيف وجبا ... إن كان مثل ملء الَارْض ذهبا
انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٧.стр. 668
فصل: من مميز النسبة الواقع بعد ما يفيد التعجب١، نحو: "أكرم به أبا"، و: "ما أشجعه رجلا"، و: "لله دره فارسا"، والواقع بعد اسم التفضيل، وشرط نصب هذا كونه فاعلا معنى، نحو: "زيد أكثر مالا" بخلاف: "مال زيد أكثر مال"٢، وإنما جاز: "هو أكرم الناس رجلا" لتعذر إضافة أفعل مرتين٣.
[جواز جر التمييز بـ "من" إلا من ثلاث مسائل] :
فصل: ويجوز جر التمييز بمن٤، كـ: "رطل من زيت" إلا في ثلاث مسائل:
إحداها: تمييز العدد، كـ: "عشرين درهما".
الثانية: التمييز المحوَّل عن المفعول٥، كـ: "غرست الأرض شجرا"، ومنه: "ما أحسن زيدا أدبا" بخلاف: "ما أحسنه رجلا"٦.
الثالثة: ما كان فاعلا في المعنى إن كان محوَّلا عن الفاعل صناعة، كـ: "طاب زيد نفسا"، أو عن مضاف غيره، نحو: "زيد أكثر مالا" إذ أصله: "مال زيد أكثر" بخلاف: "لله دره فارسا".
الحواشي
(١) ١ سواء كان التعجب بصيغتيه المعروفتين، أو بغيرهما من الصيغ السماعية. ويجب نصب التمييز الواقع بعده.
٢ ضابط هذا النوع: أن تمييز أفعل التفضيل إن كان من جنس ما قبله جر؛ نحو: محمد أفضل رجل، وإلا نصب نحو: أنت أرقى من علي فكرا.
٣ فإنه مضاف إلى الناس، فلو أضيف أيضا إلى رجل لزم ذلك، ونصب التمييز هنا واجب.
٤ أي ظاهرة، واختلف في معناها حينئذ، فقيل زائدة، وقيل للتبعيض والأظهر أنها لبيان الجنس.
٥ لأن التمييز فيه مفسر للنسبة لا للفظ المذكور، فما بعد "من" من مطلق التمييز مبين لما قبلها، فلا يصح حمله عليه، وكذلك الشأن في المحول عن الفاعل.
٦ فإنه وإن كان مفعولا في المعنى إلا أنه ليس محولا عن المفعول لأنه عين ما قبله. فلا يصح أن يقال: ما أحسن رجل زيد.стр. 669
٢٨٤- و١....... أبرحت جارا٢
الحواشي
(١) ١ قائل هذا البيت: هو الأعشى ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة يمدح فيها قيس بن معد يكرب الكندي وهو بتمامه:
أقول لها حين جد الرحيـ ... ـل أبرحت ربا وأبرحت جار
ويرى بعض النحاة أن رواية البيت هي:
تقول ابنتي حين جد الرحيـ ... ـل أبرحت ربا وأبرحت جارا
وهو بالرواية الأولى من الشواهد: التصريح: ١/ ٣٩٩، والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٩٩ والأشموني: "٥١٠/ ٢٦٥" وفيه بالرواية الثانية، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ٥٥، وديوان الأعشى: ٣٧.
المفردات الغريبة: أبرحت: خطاب للمؤنث: أي أعجبت، أو عظمت، ربا: المراد به الممدوح الذي يقصده الشاعر بشعره، إذا فسر "أبرحت" بعظمت: أي عظمت ملكا. والمراد بالرب: صاحب الناقة؛ وعلى هذا يكون "أبرحت" فعلا متعديا، و"ربا" مفعولا ثانيا. يتخيل الشاعر أن ناقته شكت إليه طول سفرها، وما احتملته من مشاق ومتاعب، فيقول لها: لا تستعظمي ما تلاقينه من الجهد والتعب؛ فإنك تذهبين إلى ملك عظيم، يجزل العطاء الذي ينسى معه كل جهد وعناء.
الإعراب: أقول: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. "لها": متعلق بـ "أقول". "حين": متعلق بـ "أقول". جد: فعل ماضٍٍ مبني على الفتح. الرحيل: فاعل مرفوع؛ وجملة "جد الرحيل": في محل جر بالإضافة. أبرحت: فعل ماضٍٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الكسر في محل رفع فاعل. ربا: تمييز منصوب على تفسير "أبرحت" بـ "عظمت" على رأي المؤلف؛ وأما إذا فسر "أبرحت" بـ "اخترت" فـ "ربا". مفعول به منصوب؛ وعلى كلا الإعرابين، فجملة "أبرحت ربا": مفعول القول في محل نصب. وأبرحت: الواو عاطفة، أبرحت: فعل ماضٍٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: فاعل. جارا: تمييز منصوب أو مفعول به منصوب كما في "ربا"؛ وجملة "أبرحت جارا" معطوفة على جملة "أبرحت ربا": في محل نصب.
موطن الشاهد: "ربا، جارا".
وجه الاستشهاد: مجيء "ربا" و"جارا" تمييزين، وإن كانا فاعلين في المعنى؛ إذ المعنى عظمت فارسا وعظمت جارا، غير أنهما غير محولين عن الفاعل صناعة؛ ولهذا، فيجوز دخول "من" عليهما؛ إذ يجوز القول: من فارس ومن جار؛ نحو قوله:
يا سيدا ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذراع
انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٩.стр. 670
فإنهما وإن كانا فاعلين معنى؛ إذ المعنى عظمت فارسا وعظمت جارا، إلا أنهما غير محولين، فيجوز دخول "من" عليهما، ومن ذلك "نعم رجلا زيد" يجوز "نعم من رجل" قال١: [الوافر]
٢٨٥- فنعم المرء من رجل تهام٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو: أبو بكر بن الأسود الليثي.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
تخيره فلم يعدل سواه
ويروى على شكل آخر:
تعمده ولم يعظم عليه
وهو في رثاء هشام بن المغيرة أحد أشراف مكة، ويروى قبله قوله:
فذرني أصطبح يا بكر إني ... رأيت الموت نقب عن هشامِ
وهو من شواهد التصريح: ١/ ٣٩٩، والإنصاف: ٢٢٥، وشرح المفصل: ٧/ ١٣٣ والمقرب: ٩، وشرح شواهد الألفية للبغدادي: ٤٦٤، والعيني: ٣/ ٢٢٧، ٤/ ١٤.
المفردات الغريبة: تَخَيَّره: اختاره واصطفاه. لم يعدل: لم يمل. تهامي: منسوب إلى تهامة، وتطلق على مكة، وعلى أرض معروفة ببلاد العرب.
المعنى: يبين الشاعر أن الموت اختار هشاما، ولم يعدل به سواه، ولم يمل إلى غيره من الناس، فهو نعم الرجل من تهامة.
الإعراب: تخيره: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود إلى الموت؛ و"الهاء": ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعولٍ به. فلم: الفاء: عاطفة، لم: نافية جازمة. يعدل: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" والفاعل: هو. سواه: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف، و"الهاء": ضمير متصل مبني على الضم، في محل جر مضاف إليه. فنعم: الفاء عاطفة، نعم: فعل ماضٍٍ دال على إنشاء المدح. المرء: فاعل مرفوع. من: حرف جر زائد. رجل: اسم مجرور لفظا، منصوب محلا على أنه تمييز لفاعل "نعم"؛ أو نقول: "رجل": تمييز لفاعل "نعم" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة، منع من ظهورها، اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. تهامي: صفة لـ "رجل" مجرورة، وعلامة جرها الكسرة المقدرة على الياء.
موطن الشاهد: "من رجل".
وجه الاستشهاد: جر التمييز "رجل" بـ "من"؛ لأنه -وإن كان فاعلا في المعنى- غير أنه غير محول عن الفاعل الصناعي؛ وحكم جره بـ "من" الجواز.стр. 671
[حكم تقدم التمييز على عامله] :
فصل: لا يتقدم التمييز على عامله إذا كان اسما١، كـ: "رطل زيتا" أو فعلا جامدا٢، نحو: "ما أحسنه رجلا" وندر تقدمه على المتصرف كقوله٣: [المتقارب] :
٢٨٦- أنفسا تطيب بنيل المنى٤
الحواشي
(١) ١ يجوز أن يتقدم التمييز ويتوسط بين العامل ومعموله؛ نحو: "طاب نفسا محمد" والأصل: طاب محمد نفسا؛ وجواز التقدم والتوسط هذا باتفاق.
وأما بالنسبة إلى تقدم التمييز على العامل والمعمول معا؛ فذهب سيبويه والفراء، وأكثر البصريين والكوفيين إلى أنه لا يجوز تقدم التمييز على عامله، سواء أكان العامل اسما، كما في تمييز المفرد أم كان فعلا، كما في تمييز النسبة، وسواء أكان الفعل جامدا كفعل التعجب، في نحو: "ما أحسنه رجلا! " أم كان متصرفا، نحو: طاب محمد نفسا؛ وعلة امتناع تقدمه على العامل، إذا كان اسما أو فعلا جامدا فظاهرة؛ لأن معمول هذين، لا يتقدم عليهما في غير هذا الباب؛ فعدم جواز تقدمه هنا هو من طرد الحكم على وتيرة واحدة. وأما عدم تقدم التمييز على العامل إذا كان فعلا متصرفا؛ لأن أكثر ما ورد من تمييز النسبة محول عن فاعل؛ ومعلوم أن الفاعل لا يجوز تقدمه على فعله؛ وما كان أصله الفاعل خليق بأن يأخذ ما استقر له؛ غير أن المازني والكسائي والمبرد والجرمي، ذهبوا إلى جواز تقديم التمييز على عامله؛ إذا كان فعلا متصرفا، وارتضى هذا القول ابن مالك في بعض كتبه، واستدلوا على ذلك بالسماع وبالقياس.. أما السماع، فقوله: أنفسا تطيب ... الآتي؛ وأما القياس: فالتمييز -وهو منصوب- كالمفعول به وسائر الفضلات، وكلهن يجوز تقديمهن على العامل: إن كان متصرفا -ولم يعبؤوا بأصل، ولم يبالوا به. وانظر في هذه المسألة: همع الهوامع: ١/ ٢٥٢، وشرح التصريح: ١/ ٤٠٠، وحاشية الصبان: ٢/ ٢٠٠-٢٠١.
٢ وكذلك، إذا كان فعلا متصرفا، يؤدي معنى الجامد، نحو: "كفى بالله شهيدا" فـ "كفى" فعل متصرف، غير أنه بمعنى فعل التعجب، وهو غير متصرف؛ لأن معناه: ما أكفاه!
٣ القائل: هو رجل من طيء لم يسمه النحاة.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
وداعي المنون ينادي جهارا
=стр. 672
وقاس على ذلك المازني والمبرد والكسائي١.
الحواشي
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٤٠٠، والأشموني: "٥١٤/ ١/ ٢٦٦"، والعيني: ٣/ ٢٤١، ومغني اللبيب: "٨٣٨/ ٦٠٣"، وشرح شواهد المغني: ٢٩١.
المفردات الغريبة: تطيب: تطمئن. نيل المنى: إدراك المأمول، والمنى: جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان ويأمله. المنون: الموت.
المعنى: يعجب الشاعر كيف أن نفس الإنسان، تستلذ وتطمئن، بما تظفر به من الأماني والآمال، ورسول الموت يطلبها طلبا شديدا. لا شك فيه.
الإعراب: أنفسا: الهمزة للاستفهام التوبيخي، لا محل لها من الإعراب، نفسا: تمييز منصوب متقدم على عامله "تطيب". تطيب: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنت. "بنيل": متعلق بـ "تطيب"، ونيل: مضاف. المنى: مضاف إليه. وداعي: الواو حالية، داعي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء؛ منع من ظهورها الثقل، وداعي مضاف. المنون: مضاف إليه مجرور. ينادي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره؛ لِلثقل؛ والفاعل؛ هو، يعود إلى "داعي المنون"؛ وجملة "ينادي جهارا": في محل رفع خبر المبتدأ "داعي" وجملة "داعي المنون ينادي": في محل نصب على الحال. جهارا: مفعول مطلق لعامله: "ينادي"؛ والأصل فيه أنه صفة لمصدر محذوف؛ والتقدير: ينادي نداء جهارا؛ فلما حذف المصدر حل محله؛ وأعرب إعرابه؛ وهذا شائع وكثير في اللغة.
موطن الشاهد: "أنفسا تطيب".
وجه الاستشهاد: مجيء "نفسا" تمييزا منصوبا متقدما على العامل فيه؛ وهو "تطيب"؛ مع أنه فعل متصرف؛ وحكم تقدم التمييز في هذه الحال الجواز بندرة عند سيبويه والجمهور، وهو جائز بالقياس عند الكسائي والمبرد ومن معهما كما بيَّنَّا سابقا.
ومثل هذا الشاهد قول الآخر:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها ... وما كان نفسا بالفراق تطيب؟!
وقول الآخر:
ضيعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما اروعيت وشيبا رأسي اشتعلا
انظر حاشية الصبان: ٢/ ٢٠١.
١ مرت ترجمته لكل منهم.
فائدتان:
فائدة أ: العدد غير الصريح مثل "كم" يجوز جر تمييزه بمن، تقول: كم من كتاب عندك؟.
فائدة ب: يتفق الحال والتمييز في أن كلا منهما: اسم، نكرة، منصوب، فضلة رافع للإبهام. ويختلفان في الأمور الآتية: =стр. 673
..........................................................................
الحواشي
(١) = أ: التمييز لا يكون إلا اسما مفردا. أما الحال فيجيء جملة، وشبه جملة "ظرفا وجارا ومجرورا".
ب: التمييز يكون مبينا للذوات أو للنسبة، أو الحال، فلا يكون إلا مبينا للهيئات.
ج: التمييز لا يتعدد إلا بالعطف. أما الحال فتتعدد بعطف وبغير عطف.
د: التمييز في الغالب يكون جامدا. أما الحال فتكون مشتقة وجامدة، وقد يأتي التمييز مشتقا.
هـ: الراجح عدم تقديم التمييز على عامله إذا كان فعلا مشتقا أو وصفا يشبهه، أما الحال فيجوز فيه ذلك.
ح: التمييز لا يكون مؤكدا لعامله على الصحيح. أما الحال فقد تكون مؤكدة. وأما قول الشاعر:
تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا
فالصحيح أن "زاد" معمول لتزود، إما مفعولا مطلقا إن أريد به التزويد أو مفعولا به إن أريد الشيء الذي يتزود به من أفعال البر، وعليهما فـ "مثل" نعت له تقدم فصار حالا.
وأما قول الآخر:
نعم الفتاةُ فتاةً هندُ لو بذلت ... رد التحية نطقًا أو بإيماءِ
ففتاة حال مؤكدة. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٢٠٢-٢٠٣.стр. 674
فهرس أوضح المسالك الجزء الثاني:
الموضوع ... الصفحة
باب لا العاملة عمل إن ... ٣
باب ظن وأخواتها ... ٢٨
باب الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل ... ٧٢
باب الفاعل ... ٧٧
باب النائب عن الفاعل ... ١١٩
باب الاشتغال ... ١٣٩
باب اللازم والمتعدي ... ١٥٦
باب التنازع في العمل ... ١٦٧
باب المفعول المطلق ... ١٨١
باب المفعول له ... ١٩٧
باب المفعول فيه ... ٢٠٤
باب المفعول معه ... ٢١٢
باب المستثنى ... ٢٢٠
باب الحال
... ٢٤٩
باب التمييز ... ٢٩٥
стр. 675
المجلد الثالث
باب حروف الجر
...
[باب حروف الجر١] :
هذا باب حروف الجر.
[عدد حروف الجر] .
وهي عشرون حرفا٢؛ ثلاثة مضت في الاستثناء، وهي: خلا، وعدا، وحاشا، وثلاثة شاذة:
الحواشي
(١) ١ هذه تسمية البصريين، وعللوا ذلك بأنها تعمل الجر فيما بعدها ظاهرا أو مقدرا أو محليا كما قيل: حروف النصب، والجرم لذلك. أو لأنها تجر معاني الأفعال وشبهها وتوصلها إلى ما تجره، ومن أجل هذا سماها الكوفيون: حروف الإضافة؛ لأنها تضيف معاني الأفعال وتربطها بما بعدها. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٢.
٢ عشرون حرفا على المشهور، غير أنه في بعضها خلاف، وقد أشار الناظم إليها بقوله:
هاك حروف الجر وهي: من، إلى
حتى، خلا، حاشا، عدا، في، عن، على
مذ، منذ، رب، اللام، كي، واو، وتا
والكاف، والبا، ولعل، ومتى
وحروف الجر تقع كلها أصلية إلا "من، والباء، واللام، والكاف" فتستعمل زائدة أحيانا و"رب ولعل" حرفا جر شبيهان بالزائد؛ وترك المؤلف ذكر "لولا" حيث يعدها بعض النحاة من حروف الجر، في بعض استعمالاتها؛ فهي تدخل على الاسم الصريح، والمؤول، وعلى الضمير المنفصل، والمتصل؛ فتقول: لولاي، ولولاه، ولولاك؛ واختلف النحاة في هذا الاستعمال، ولهم في ذلك ثلاثة مذاهب:
الأول: أن الضمير المتصل "الياء، الكاف، الهاء" موضوع موضع الضمير المنفصل؛ ومحله من الإعراب الرفع، وليس له إلا هذا الإعراب؛ ليجري استعمالها في الأحوال كلها مجرى واحدا. وهذا مذهب الكوفيين، والأخفش من البصريين، ونسبة العيني إلى الخليل ويونس.
الثاني: أن "لولا" في هذه الحالة حرف زائد، لا يتعلق بشيء؛ والضمير الذي بعدها؛ له محلان من الإعراب؛ أحدهما: الجر، والثاني: الرفع بالابتداء، كالمجرور بـ"من" الزائدة، كما في قولهم: "ما في الدار من أحد"؛ فأحد: مجرور لفظا ومحله الرفع؛ لأنه مبتدأ؛ وهذا مذهب سيبويه، وجمهور البصريين. =стр. 676
[الأحرف الشاذة] :
أحدها: "متى" في لغة هذيل١؛ وهي بمعنى "من" الابتدائية٢، سمع من بعضهم: "أخرجها متى كمه"، وقال٣: [الطويل]
الحواشي
(١) = الثالث: أن هذا الاستعمال خطأ، لم يرد عن العرب، غير أن هذا المذهب زعم خلاف الحقيقة، حين ورد عمن يحتج بكلامهم هذا الاستعمال، كما في قول العرجي:
ولولاك في ذا العالم لم أحجج
وكقول عمرو بن العاص يخاطب معاوية بن أبي سفيان في شأن الحسن بن علي ﵄:
أتطمع فينا من أراق دماءنا ... ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن
وهذا المذهب المحجوج مذهب أبي العباس المبرد.
انظر حاشية يس على التصريح: ٢/ ٢، ورصف المباني: ٢٩٢، والجنى الداني: ٥٩٧ ومغني البيب: ٣٦١، والمقتضب للمبرد: ٣/ ٧٣، وابن عقيل: ٣/ ٧.
فائدة: حرف الجر الأصلي؛ ما له معنى خاص، وهو يحتاج إلى متعلق مذكور أو محذوف. وحرف الجر الزائد؛ ما ليس له معنى خاص، وإنما يؤتى به لمجرد التوكيد، وليس له متعلق مذكور أو محذوف في الكلام؛ نحو قولهم: ما زارني من أحد؛ وعملنا أن المجرور به له محلان من الإعراب، فأحد: مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل زارني. وأما حرف الجر الشبيه بالزائد؛ فله معنى خاص كالحرف الأصلي، غير أنه لا متعلق له كالزائد؛ ففيه شبه من الأصلي، وشبه من الزائد؛ ومثاله: "لولا، ورب، ولعل"؛ فـ"لولا" تدل على امتناع لوجود، و"رب" تدل على التقليل أو التكثير، و"لعل" تدل على الترجي؛ وهذه تجر كالحروف الأصلية، غير أنها لا تحتاج إلى متعلق، فأشبهت الحرف الزائد؛ ولذا سميت أحرف جر شبيهة بالزائدة.
١ من القبائل العربية القحطانية التي أسهمت في الوضع اللغوي، وعنها أخذ اللسان العربي، وكان فيها أكثر من سبعين شاعرا مشهورا، منهم أبو ذؤيب الهذلي.
٢ قال في الهمع: وتأتي اسما بمعنى "وسط" حكي: وضعها متى كمه، أي وسطه، وهي حينئذ مبنية لمشابهتها الحرفي. همع الهوامع: ٢/ ٣٤.
٣ القائل: هو أبو ذؤيب الهذلي؛ خويلد بن خالد بن محرك، أحد بني هذيل بن مدركه من مضر، شاعر فحل، مخضرم، أسلم وحسن وإسلامه، كان فصيحا كثير الغريب له العينية المشهورة، عاش إلى أيام عثمان بن عفان، واشترك في فتح إفريقيا. مات سنة ٢٧هـ.стр. 677
٢٨٧- متى لجج خضر لهن نئيج١
الحواشي
(١) تجريد الأغاني ٧٨٦، والشعر والشعراء: ٢/ ٦٥٣، الجمحي: ١/ ١٣١، والأعلام: ٢/ ٣٢٥، والخزانة: ١/ ٢٠٣.
تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
شربن بماء البحر ثم ترفعت
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢، وهمع الهوامع: ٢/ ٣٤، والدرر اللوامع: ٢/ ٣٤، وابن عقيل: ٣/ ٦، والأشموني: ٥٢٤/ ٢/ ٢٨٤، والخصائص: ٢/ ٨٥، والمحتسب: ٢/ ١١٤، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٧، والخزانة: ٣/ ١٩٣، والعيني: ٣/ ٢٤٩، ٢٧٢، ٤/ ٤٢٢، والمغني: ١٥٧/ ١٤٢، ١٧٥/ ١٥١، ٦٢٨/ ٤٤١، والسيوطي: ١٠٩، وديوان الهذليين: ١/ ٥١.
المفردات الغريبة: شربن: المراد حملن الماء، والضمير للسحاب. ترفعت: ارتفعت وتصعدت. لجج: جمع لجة وهي معظم الماء، ونئيج: مر سريع بصوت.
المعنى: هذا البيت يعبر عما كان العرب يعتقدون، من أن للسحب شبه خراطيم تدنو من البحر المالح في بعض الأماكن فتأخذ من مائه ما شاءت ثم تصعد إلى الجو سريعا ولها دوي؛ فيعذب هذا الماء ويتنقل ثم ينزل إلى حيث يشاء الله مطرا. ونستطيع أن نفسر هذا الاعتقاد الساذج بما يتفق مع ما قرره العلم اليوم، وهو أنه كناية عن تصعد ماء البحار بوساطة حرارة الشمس وتنقله من جهة إلى أخرى بالهواء، حتى يرتفع إلى حيث يشاء الله، ويكون سحبا تنزل بعد مطرا.
الإعراب: شربن: فعل ماض مبني على السكون، ونون النسوة في محل رفع فاعل. "بماء": متفلق بـ"شرب"، وماء: مضاف. البحر: مضاف إليه. ثم: حرف عطف. ترفعت: فعل ماض مبني عل الفتح، والتاء: حرف دال على التأنيث، لا محل له من الإعراب، والفاعل: هي، يعود إلى السحائب المذكورة في بيت سابق. متى: حرف جر -على لغة هذيل- بمعنى "من" الابتدائية. لجج: مجرورة بـ"متى" وعلامة جره الكسرة. و"متى لجج": متعلق بـ"شرب". خضر: صفة لـ"لجج" مجرورة. "لهن": متعلق بمحذوف خبر مقدم. نئيج: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "لهن نئيج": في محل جر صفة ثانية لـ"لجج"؛ ويمكن أن تكون في محل نصب حالا من لجج؛ لأنها وصفت؛ فتخصصت بالوصف.
موطن الشاهد: "متى لجج".
وجع الاستشهاد: استعمال "متى" حرف جر بمعنى "من" على لغة هذيل، وجره لـ "لجج".стр. 678
والثاني: "لعل" في لغة عقيل١، قال٢: [الوافر]
٢٨٨- لعل الله فضلكم علينا٣
الحواشي
(١) ١ بالتصفير؛ قبيلة عربية أبوها عقيل بن كعب بن ربيعة من قيس عيلان بن مضر.
٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
بشيء أن أمكم شريم
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢، والأشموني: ٥٢٣/ ٢/ ٢٨٤، والعيني: ٣/ ٢٤٧، والمقرب: ٤١، والخزانة: ٣٦٨.
المفردات الغريبة: لعل: حرف جر شبيه بالزائد ومعناه الترجي، وقيل: هو هنا بمعنى الإشفاق، ولا يتعلق بشيء. فضلكم: زادكم. شريم: هي المرأة المفضاة التي اختلط مسلكاها، ويقال فيها: شرماء وشروم.
المعنى: آمل أن يكون الله -سبحانة وتعالى- فضلكم علينا وأكرمكم؛ لأن أمكم -أو بكون أمكم- بهذه الحالة؛ قد اختلط قبلها بدبرها، وهذا الشاعر تهكم واستهزاء.
الإعراب: لعل: حرف جر شبيه بالزائد، يفيد معنى الترجي. الله: "لفظ الجلالة" مجرور لفظا مرفوع محلا، على أنه مبتدأ. فضلكم: فعل ماض، والفاعل: هو، و"كم": مفعول به؛ وجملة "فضلكم": في محل رفع خبر المبتدأ. "علينا": متعلق بـ"فضلكم"، أو بمحذوف حال من "شيء"؛ لأنه تقدم عليه. "بشيء": متعلق بـ"فضلكم". إن: حرف مشبة بالفعل. أمكم: اسم "إن" منصوب، وهو مضاف، و"كم": مضاف إليه. شريم: خبر مرفوع؛ وجملة "إن أمكم شريم": لا محل لها من الإعراب؛ لأنها تعليلية. ويجوز فتح همزة "إن"، ويكون المصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل جر بدل من "شيء".
موطن الشاهد: "لعل الله".
وجه الاستشهاد: استعمال "لعل" حرف جر -على لغة عقيل- فجر بها لفظ الجلالة؛ ومعلوم أن "لعل" ليس له متعلق كما سبق؛ لكونه حرفا شبيها بالزائد، ومثل هذا البيت قول كعب الغنوي:
فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب
انظر حاشية الصبان: ٢/ ٢٠٥.стр. 679
ولهم في لامها الأولى: الإثبات، والحذف١؛ وفي الثانية: الفتح والكسر. والثالث: "كي" وإنما تجر ثلاثة؛
أحدها: "ما" الاستفهامية٢، يقولون إذا سألوا عن علة الشيء: "كيمه"٣؛ والأكثر أن يقولوا: "لمه".
الحواشي
(١) ١ إثبات اللام الأولى وحذفها في لغات العرب عامة، وليس في "لعل" التي يجر الاسم بعدها خاصة كما ظن بعضهم، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فمثال إثبات اللام الأولى، قول خالد بن جعفر:
لعل الله يمكنني عليها ... جهارا من زهير أو أسيد
ومثال حذف لامها الأولى قول نافع بن سعد الطائي:
ولست بلوام على الأمر بعدما ... يفوت، ولكن عل أن أتقدما
وقول العجير السلولي:
لك الخير، عللنا بها، عل ساعة ... تمر، وسهواء من الليل يذهب
شرح التصريح: ٢/ ٣.
٢ أي التي يسأل بها عن سبب الشيء وعلته.
٣ أصل "كيمه": كيما؟ أي: لما؛ ومعلوم أن "ما" الاستفهامية، إذا جرت؛ تحذف ألفها، ويحل محلها "هاء السكت" في الوقف؛ حفظا للفتحة الدالة على الألف؛ وإعرابها كالآتي: كي: حرف جر أصلي، يفيد التعليل، وما: استفهامية في محل جر بـ"كي" وحذفت ألفها لما ذكرنا؛ وذهب الكوفيون في هذه العبارة مذهبا بعيدا، حيث عدوا "كي" -هنا- مصدرية ناصبة للفعل المضارع، وهذا الفعل المضارع المنصوب بها محذوف، وأن "مه" التي بعدها مؤلفة من "ما" اسم الاستفهام، ومن "هاء" السكت، وأن "ما" الاستفهامية في محل نصب مفعولا به؛ لذاك الفعل المحذوف؛ والتقدير -عندهم- كأن قائلا، قد قال لك: جئت، فقلت له: كي تفعل ماذا؟.
ونلحظ في مذهب الكوفيين -فضلا عن التكلف الغريب الظاهر- أربعة أمور، لا يجيزها جمهور النحاة وهي:
أ- في تأويلهم تخريجهم حذف صلة الحرف المصدري مع بقاء معمولها، فالحرف المصدري "كي"، وصلته: المضارع الذي التزموا تقديره، ومعمول الصلة: ما الاستفهامية؛ وهذا غير جائز.
في نصب اسم الاستفهام بعامل تقدم عليه؛ ومعلوم أن الأسماء الاستفهام لها الصدارة؛ فلا يتقدم عليه العامل فيه. =стр. 680
الثاني: "ما" المصدرية وصلتها١؛ كقوله٢: [الطويل]
٢٨٩- يراد الفتى كيما يضر وينفع٣
الحواشي
(١) = ج- في حذف ألف "ما" الاستفهامية، في غير الجر، وقد علم أن ألفها، لا تحذف إلا في حالة الجر.
د- في حذف المنصوب مع بقاء عامل النصب، وهذا لا نظير له في لغة العرب.
وانظر في هذه المسألة: الجنى الداني: ٢٦٢، وصف المباني: ٢١٥، والمقتضب: ٢/ ٦.
٣ أي المصدر المنسبك من "ما" وصلتها، فإن هذا هو المجرور محلا بالحرف.
٤ القائل هو: قيس بن الخطيم بن عدي الأوسي، أبو يزيد: شاعر الأوس، وأحد صناديدها في الجاهلية، وأشهر بعد تتبعه قاتلي أبيه وجه حتى قتلهما، له شعر جيد في ذلك، وفي وقعة البعاث بين الأوس والخزرج. أدرك الإسلام ولم يسلم مات سنة ٢ق. هـ.
تجريد الأغاني: ٣٠٧-٣٢١، والجمحي: ٢٢٨، الأعلام: ٥/ ٢٠٥، الأغاني: ٢/ ١٥٤.
١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما
وقد اختلف في نسبته، فقد نسبه بعضهم للنابغة الذبياني، ونسبه البعض إلى النابغة الجعدي. وهو من شواهد التصريح: ٢/ ٣، والأشموني: ٥٢١/ ٢/ ٢٨٣، والخزانة: ٣/ ٥٩١، والعيني: ٣/ ٣٤٥، ٤/ ٣٧٩، والمغني: ٣٣١/ ٢٤١، والسيوطي ١٣٣، وديون قيس بن الخطيم: ١٧٠.
المفردات الغريبة: يراد: يقصد.
المعنى: إذا لم يكن في مقدورك أن تنفع من يستحق النفع والعون، فضر من يستحق الضرر والإيذاء؛ فإن الإنسان لا يقصد من الحياة غير هذين العملين.
الإعراب: إذا: طرف لما يستقبل من الزمان، وخافض لشرطه منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. أنت: فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ مبني على الفتح، في محل رفع؛ والجملة "من الفعل المحذوف وفاعله": في محل جر بالإضافة. لم: حرف جزم ونفي وقلب. تنفع: فعل مضارع مجزوم، والفاعل: أنت؛ وجملة "لم تنفع": تفسيرية، لا محل لها. فضر: الفاء واقعة في جواب شرط غير جازم. ضر: فعل أمر مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وحرك بالفتح؛ للتخلص من التقاء الساكنين، وللتخفيف، والفاعل: أنت؛ وجملة "ضر": جواب شرط غير جازم، لا محل لها. فإنما: الفاء تعليلية. إنما: كافة ومكفوفة، تفيد الحصر، لا محل لها. يراد فعل مضارع مبني للمجهول، مرفوع وعلامة رفعه الضمة =стр. 681
أي: للضر والنفع؛ قاله الأخفش١؛ وقيل: "ما" كافة.
الثالث: "أن" المصدرية وصلتها؛ نحو: "جئت كي تكرمني" إذا قدرت "أن" بعدها؛ بدليل ظهورها في الضرورة، كقوله٢: [الطويل]
٢٩٠- لسانك كيما أن تغر وتخدعا٣
الحواشي
(١) = الظاهرة: الفتى: نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. كيما: "كي" حرف تعليل وجر، و"ما" حرف مصدري مبني على السكون، لا محل له. يضر: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو؛ والمصدر المؤول من "ما المصدرية وما دخلت عليه" في محل جر بـ"كي"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"يراد"؛ وتقدير الكلام: "يراد الفتى للضر والنفع"؛ وجملة "يضر": صلة الموصول الحرفي، لا محل لها. وينفع: الواو: عاطفة جملة على جملة، ينفع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو، يعود إلى الفتى؛ وجملة "ينفع": معطوفة على جملة "يضر": لا محل لها.
موطن الشاهد: "كيما".
وجه الاستشهاد: دخول "كي" على "ما" المصدرية، وجرها للمصدر المؤول كما بينا في الإعراب -على تأويل الأخفش- وهي عند غيره كافة لـ"كي" عن عمل النصب في الفعل المضارع؛ والفعل المضارع مؤول بالمصدر على القولين. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٢٠٤.
١ مرت ترجمته.
٢ القائل: هو جميل بن معمر العذري، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
وقالت: أكل الناس أصبحت مانحا
والبيت من قصيدة مطلعها قوله:
عرفت مصيف الحي والمتربعا ... كما خطت الكف الكتاب المرجعا
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٣، والأشموني: ٥٢٢/ ٢/ ٢٨٣، والعيني: ٣/ ٢٤٤، ٤/ ٣٧٩، وشرح المفصل: ٩/ ١٤، والخزانة: ٣/ ٨٥٤، والهمع: ٢/ ٥، والدرر: ٢/ ٥، والمغني: ٣٣٣/ ٢٤٢، والسيوطي: ١٧٣، والتصريح: ٢/ ٢٣٠، ٢٣١، ديوان جميل: ٢٥.
المفردات الغريبة: مانحا: اسم فاعل من المنح وهو الإعطاء، تغر: تخدع -يقال غره غرورا- خدعه. تخدعا: خدعه؛ ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم.
المعنى: أصبحت مانحا جميع الناس حلاوة لسانك وحسن كلامك، لتغرهم وتوقعهم في المكروه من حيث لا يشعرون؛ أن هذا عمل لا يليق بالكملة من الرجال. =стр. 682
والأولى أن تقدر "كي" مصدرية١ فتقدر اللام قبلها؛ بدليل كثرة ظهورها معها؛ نحو: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ ٢.
الحواشي
(١) = الإعراب: فقالت: الفاء عاطفة، قالت: فعل ماض؛ والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي. أكل: الهمزة حرف استفهام، كل: مفعول به ثان لـ"مانح" تقدم عليه وعلى المفعول الأول، وكل: مضاف، والناس: مضاف إليه مجرور. أصبحت: فعل ماض ناقص، والتاء: في محل رفع اسمه. مانحا: خبر "أصبح" منصوب؛ وفاعل اسم الفاعل "مانح" ضمير مستتر فيه؛ تقديره: أنت. لسانك: مفعول به أول، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه. كيما: "كي" حرف تعليل وجر، لا محل له من الإعراب، و"ما" حرف زائد. أن: حرف مصدري ونصب، لا محل له من الإعراب. تغر: فعل مضارع منصوب بـ"أن" المصدرية، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، الفاعل: أنت. وتخدع: الواو عاطفة، تخدع: فعل مضارع معطوف على فعل "تغر" منصوب مثله. والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل جر بـ"كي"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"مانح"؛ والتقدير: أصبحت مانحا لسانك كل الناس؛ للنفع والضر.
موطن الشاهد: "كيما أن تضر".
وجه الاستشهاد: ظهور "أن" المصدرية بعد "كي" وفي ظهورها دلالة على أن "كي" للتعليل، وليست حرفا مصدريا؛ وكذلك يستفاد -هنا- أن "كي" التعليلية، تقدر بعدها "أن" إذا لم تكن موجودة؛ لأن ظهور الشيء في بعض الأوقات دليل على أن هذا الموضع محل له؛ ومثل هذا الشاهد قول الآخر:
أردت كيما أن تطير بقربتي ... فتتركها شنا ببيداء بلقع
وكذا:
أردت لكيما أن ترى إلي عثرة ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل
١ ومتى قدرت مصدرية، كانت هي الناصبة للمضارع، وذلك إذا لم تذكر "أن" بعدها؛ فإذا ذكرت "أن" المصدرية بعدها، ولم تسبقها لام الجر؛ كانت حرف جر؛ شبيهة بلام التعليل من حيث المعنى والعمل؛ فإن ذكرت قبلها اللام؛ كانت حرفا مصدريا ناصبا بنفسه، كأن المصدرية؛ من حيث المعنى والعمل؛ وإن توسطت بينهما؛ فالأحسن اعتبارها جارة للمصدر المنسبك بعدها، مؤكدة للام الجر قبلها؛ ويجوز أن تكون مصدرية مؤكدة بـ"أن" بعدها، والمصدر المنسبك مجرور باللام قبلها. وإن لم توجد "لام الجر" قبلها، ولا "أن" بعدها؛ جاز اعتبارها مصدرية بتقدير اللام قبلها، أو حرف جر بتقدير "أن" بعدها.
فائدة: تختص "متى، ولعل، وكي" بالدخول على الاسم الظاهر، وهي لا تستعمل في الجر إلا قليلا.
٢ ٥٧ سورة الحديد، الآية: ٢٣. =стр. 683
...............................................................................
الحواشي
(١) = موطن الاستشهاد: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ .
وجه الاستشهاد: اقتران اللام بـ"كي" في الآية الكريمة، يرجع تقديرها عند عدم ظهورها في الكلام.
فائدة: ورد في الكلام الفصيح انتصاب الفعل المضارع بعد "كي" التي لم تسبق بلام التعليل، ولا المتبوعة بـ"أن" المصدرية من غير شذوذ ولا علة، في نحو فوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ ، وكقول النابغة الذبياني:
وقفت فيها طويلا كي أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد
وأما مذهب النحاة في الناصب للمضارع في مختلف الأحوال فهي:
أ- ذهب الأخفش إلى أن الناصب للمضارع في الأوجه كلها "أن" المصدرية ظاهرة أو مقدرة؛ لأن الأخفش يرى أن "كي" لا تكون إلا حرف جر دالا على التعليل؛ فإذا ذكرت اللام قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ﴾ ؛ فهو يرى أن "اللام" للتعليل، و"كي" بدل منها، وكانت "أن" مضمرة بعدهما.
وإذا ذكرت اللام بعد كي، كما في قول ابن قيس الرقيات: "كي لتقضيني رقية" كانت اللام بدلا من "كي" التعليلية، و"أن" مقدرة بعدها.
ب- وذهب الخليل إلى أن الناصب للمضارع في الوجوه كلها "أن" المصدرية ظاهرة أو مقدرة -كما رأى الأخفش- غير أنه ذهب هذا المذهب؛ لكونه لا يرى ناصبا للمضارع غير "أن" المصدرية مظهرة أو مضمرة.
ج- وذهب الكوفيون إلى أن الناصب في تلك الوجود كلها "كي" نفسها؛ وذلك؛ لكونهم يرون أن "كي" لا تكون إلا حرفا مصدريا ناصبا للمضارع؛ مذكورا أو مقدرا؛ فإن ذكرت "أن" بعد كي؛ كانت مصدرية أيضا وهي بدل من كي؛ وإن ذكرت اللام بعد؛ كانت اللام زائدة.
د- وذهب جمهور البصريين إلى أن "كي" -أحيانا- حرف جر دالا على التعليل، وتكون أحيانا أخرى حرفا مصدريا ناصبا؛ فهم يلتزمون الوجه "الثاني" كما التزمه الكوفيون، ولا يلتزمون الوجه الأول الذي التزمه الأخفش.
- وهم يرون أن "كي" تأتي حرفا مصدريا ناصبا للمضارع، ولا تحتمل وجها آخر في إلا حالة واحدة؛ وهي أن تذكر اللام قبلها، ولا تذكر "أن" بعدها، كقول عمر بن أبي ربيعة:
"لكي يعلموا أن الهوى حيث تنظر"
وهي -عندهم- حرف تعليل وجر ولا تحتمل غير ذلك في حالتين:
١- أن تذكر اللام بعدها، كقول ابن الرقيات: "كي لتقضيني رقية".
٢- أن تذكر "أن" بعدها، ولا تذكر قبلها اللام، كما في قول جميل: "كيما أن تغر وتخدعا". =стр. 684
والأربعة عشر الباقية قسمان:
[ما يجر الظاهر والمضمر] :
سبعة تجر الظاهر والمضمر؛ وهي: من، إلى، وعن، وعلى، وفي، والباء، واللام؛ نحو: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ ١، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ٢، ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ٣، ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ٤، ﴿﵃﴾ ٥، ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى
الحواشي
(١) = وهي -عندهم- محتملة للوجهين في حالتين: ١- أن تذكر -وحدها- من دون أن تتقدما اللام ولا تذكر بعدها "أن". ٢- أن تقع "كي" بين اللام وأن، في نحو: "لكيما أن تطير" فإذا عدت كي تعليلية كانت مؤكدة للام، وإن عدت "كي" مصدرية؛ كانت "أن" مؤكدة لها؛ والأول أفضل. انظر في هذه المسألة: مغني اللبيب: ٢٤١-٢٣٤، التصريح: ٢/ ٢٣٠-٢٣١.
١ ٣٣ سورة الأحزاب الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "من" للضمير في الموضع الأول، واللاسم الظاهر في الموضع الثاني.
٢ ٥ سورة المائدة، الآية: ٤٨.
موطن الشاهد: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "إلى" للاسم الظاهر؛ وهو اسم الجلالة.
٣ ١٠ سورة يونس، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "إلى" للضمير المتصل الهاء.
٤ ٨٤ سورة الانشقاق، الآية: ١٩.
موطن الشاهد: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "عن" للاسم الظاهر "طبق".
٥ ٩٨ سورة البينة، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿﵃﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "عن" للضمير المتصل "هم".стр. 685
الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ١، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ ٢؛ ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ ٣، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ ٤، ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ ٥، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٦، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٧.
[ما يختص بالظاهر] :
وسبعة تختص بالظاهر، وتنقسم أربعة أقسام٨:
الحواشي
(١) ١ ٢٣ سورة المؤمنون، الآية: ٢٢.
موطن الشاهد: ﴿عَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "على" في الموضع الأول للهاء، والاسم الظاهر "الفلك" في الموضع الثاني.
٢ ٥١ سورة الذاريات، الآية: ٢٠.
موطن الشاهد: ﴿فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "في" للاسم الظاهر "الأرض".
٣ ٤٣ سورة الزخرف، الآية: ٧١.
موطن الشاهد: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "في" للضمير الهاء.
٤ ٥٧ سورة الحديد، الآية: ٧.
موطن الشاهد: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "الباء" للاسم الظاهر "لفظ الجلالة".
٥ ٤٦ سورة الأحقاف، الآية: ٣١.
موطن الشاهد: ﴿آمَنُوا بِهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "الباء" للضمير المتصل "الهاء".
٦ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.
موطن الشاهد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "اللام" للاسم الظاهر "لفظ الجلالة"؛ وجر "في" للاسم الظاهر السموات.
٧ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
موطن الشاهد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "اللام" للضمير المتصل "الهاء"؛ وجر "في" للاسم الظاهر "السموات".
٨ هذا التقسيم بالنسبة لعملها في الظاهر.стр. 686
أ- ما لا يختص بظاهر بعينة؛ وهو: حتى، والكاف، والواو، وقد تدخل الكاف في الضرورة على الضمير؛ كقول العجاج١: [مشطور الرجز]
٢٩١- وأم أو عال كها أو أقربا٢
الحواشي
(١) ١ العجاج بن رؤية وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الزجز وقبله قوله:
خلى الذنابات شمالا كثبا
وفيه يصف العجاج حمارا وحشيا وأتنه.
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٣، والأشموني: ٥٢٨/ ٢/ ٢٨٦، وابن عقيل: ٢٠٣/ ٣/ ١٣، وشرح المفضل: ٨/ ٤٤، والعيني: ٣/ ٢٥٣، وديوان العجاج: ٧٤.
المفردات الغريبة: خلى: ترك الذنابات: موضع معين شمالا: أي ناحية الشمال. كثبا: قريبا، والكثب: القرب. أم أوعال: هضبة معروفة. كها: أي مثل الدنابات في البعد.
المعنى: أن هذا الحمار ترك الذنابات عن شماله قريبا منه، وترك أم أوعال مثل الذنابات أو أقرب منها إليه.
الإعراب: خلى: فعل ماض، وفاعله: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى حمار الوحش. الذنابات: مفعول به لفعل "خلى" منصوب، وعلامة نصبه الكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. شمالا: ظرف مكان متعلق بـ"خلى". كثبا: صفة لـ"شمالا" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة. وأم: الواو عاطفة، أم: اسم معطوف على الذنابات، وهو مضاف. أوعال: مضاف إليه مجرور. كها: "الكاف" حرف تشبيه وجر، و"ها" ضمير متل يعود إلى الذنابات، في محل جر بحرف الجر؛ و"كها": متعلق بحال محذوفة من أم أوعال؛ وعلى رواية رفع "أم أوعال" فـ"أم": مبتدأ مرفوع. و"كها": متعلق بالخبر المحذوف. أو: حرف عطف. أقربا: اسم معطوف علي الضمير المجرور محلا بالكاف -على رواية رفع أم أوعال- حيث يكون الجار والمجرور خبرا؛ وهو مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه لا ينصرف للوصفية ووزن الفعل؛ وهو معطوف على محل الجار والمجرور، إن رويت "أم أوعال" بالنصب، ويكون الجار والمجرور حالا؛ وهو منصوب -على هذه الرواية- وعلامة نصبة الفتحة الظاهرة.
موطن الشاهد: "كها".
وجه الاستشهاد: جر "الكاف" الضمير المتصل "ها" ومن حق "الكاف" أن تجر الاسم الظاهر، والضمير المنفصل -عند بعض النحاة- وجرها الضمير المتصل ضرورة من =стр. 687
وقول الآخر١: [الزجز]
٢٩٢- كه ولا كهن إلا حاظلا٢٢٩٢- كه ولا كهن إلا حاظلا٢
الحواشي
(١) = ضرورات الشعر؛ وقال الأعلم: إدخال الكاف -أي في الشاهد- على المضمير تشبيها لها بـ"مثل"؛ لأنها في معناها، واستعمل ذلك عند الضرورة؛ وسيبوية يرى ذلك قبيحا؛ والعلة له: أن الإضمار يرد الشيء إلى أصله؛ فالكاف بمعنى "مثل". ومثل الشاهد السابق قول أبي محمد اليزيدي اللغوي:
شكوتم إلينا مجانيكم ... ونشكو إليكم مجانيننا
فلولا المعافاة كناكهم ... ولولا البلاء لكانوا كنا
وقول الآخر:
لا تملني فإنني كك فيها ... إننا في الملام مشتركان
انظر همع الهوامع: ٢/ ٣٠-٣١.
١ القائل: هو رؤبة بن العجاج وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت في وصف حمار وحشي وأتن وحشيات وصدره قوله:
فلا ترى بعلا ولا حلائلا
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤، والأشموني: ٥٢٩/ ٢/ ٢٨٦، وابن عقيل: ٢٠٤/ ٣/ ١٤، وسيبويه ١/ ٣٩٢، والمقرب: ٤١، والعيني: ٣/ ٢٥٦، والهمع: ٢/ ٣٠، والدرر: ٢/ ٢٧، وديوان رؤبة بن العجاج: ١٢٨.
المفردات الغريبة: بعلا: زوجا، والجمع البعولة، ويقال للمرأة أيضا: بعل وبعلة؛ كزوج وزوجة. حلائل: جمع حليلة وهي الزوجة. حاظلا: مانعا من التزوج.
المعنى: لا ترى من الأزواج والزوجات مثل حمار الوحش وأتنه، كل يقصر نفسه على صاحبه، ولا يتطلع إلى غيره إلا من منع أنثاه قهرا عن التزوج، وذلك أن الحمار يمنع أتنه من حمار آخر يريدها. وكانت عادة العرب في الجاهلية إذا طلقوا امرأة، منعوها من التزوج إلا بإذنهم، فجعل الأتن كالحلائل، وجعل الحمار بعلهن.
الإعراب: لا: نافية، لا محل لها من الإعراب. ترى: فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر، والفاعل: أنت، بعلا: مفعول به منصوب. ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة للتأكيد النفي. حلائلا: معطوف على قوله: "بعلا" منصوب مثله؛ والألف: للإطلاق. كه: "الكاف" حرف تشبيه وجر، و"الهاء": ضمير متصل يعود إلى الحمار الوحشي في محل جر بحرف الجر، و"كه": متعلق بمحذوف صفة لـ"بعل". ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. "كهن": جار ومجرور معطوف على "كه" السابق. إلا: أداة حصر. حاظلا: حال من "بعلا" الموصوف بالجار والمجرور الأول "كه"؛ و"الجار والمجرور" الواقع صفة لـ"بعلا" سوغ مجيء =стр. 688
ب- وما يختص بالزمان؛ وهو: مذ، ومنذ؛ فأما قولهم: "ما رأيته مذ أن الله خلقه"؛ فتقديره: مذ زمن أن الله خلقه؛ أي مذ زمن١ خلق الله إياه.
وما يختص بالنكرات؛ وهو: رب، وقد تدخل في الكلام على ضمير غيبة ملازم للإفراد، والتذكير، والتفسير بتمييز بعده مطابق للمعنى٢؛ قال٣: [الخفيف]
٢٩٣- ربه فتية دعوت إلى ما٤
الحواشي
(١) = "حاظلا" حالا من "بعلا" الواقع نكرة؛ وإما إذا عدت "ترى" علمية فـ"حاظلا" مفعول به ثان؛ والأول -هنا- أرجع.
موطن الشاهد: "كه، كهن".
وجه الاستشهاد: جر "الكاف" الضمير المتصل؛ وحكم جرها له الجواز للضرورة الشعرية.
١ فمذ في الحقيقة إنما جرت زمانا محذوفا مضافا إلى المصدر. ويشترط في الزمان المجرور بهما: أن يكون معينا لا مبهما، كمنذ زمن. وماضيا أو حالا لا مستقبلا، كمنذ غد. ومتصرفا لا غيره، كمنذ سحر، تريد سحر يوم بعينه، فإن لم ترده من يوم بعينه فهو متصرف كقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ .
وشرط عاملهما أن يكون فعلا ماضيا: إما منفيا متكررا نحو: ما رأيته منذ يوم الجمعة. أو مثبتا متطاولا -فيه معنى الاستمرار- كسرت منذ يوم الخميس، ولا يجوز قتله مذ يوم الخميس.
٢ في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، وقد استغنى بمطابقة التمييز للمعنى عن مطابقة الضمير. والكوفيون يجيزون مطابقة الضمير لفظا تقول: ربها امرأة، وربهما رجلين ... وهكذا.
التصريح: ٢/ ٤، والأشموني: ١/ ٢٨٦، والدرر اللوامع: ٢/ ٢١.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجز قوله:
يورث المجد دائبا فأجابوا
وهو من الشواهد: التصريح: ٢/ ٤، والأشموني: ٢/ ٢٨٦ عرضا، والهمع: ٢/ ٢٧، والدرر: ٢/ ٢٠، والشذور: ١٨٠/ ٦٥، والعيني: ٣/ ٢٥٩، والمغني: ٨٧٧/ ٦٣٨، والسيوطي: ٢٩٦. =стр. 689
د- ما يختص بالله ورب مضافا للكعبة أو لياء المتكلم؛ وهو التاء؛ نحو: ﴿تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ ١، و"ترب الكعبة"، و"تربي لأفعلن"، وندر: "تالرحمن" "وتحياتك"٢.
الحواشي
(١) = المفردات الغريبة: فتية: جمع فتى. دعوت ناديت. يورث: يكسب المجد: الكرم والشرف. دائبا: مداوما مجتهدا فيه.
المعنى: كثير من الشباب دعوتهم إلى ما يكسبهم المجد والشرف والكرم، وثابرت على دعائهم فاستجابوا لما دعوتهم إليه، ولبوا ندائي.
الإعراب: ربه: "رب" حرف جر شبيه بالزائد، يفيد التقليل، و"الهاء" ضمير غيبة يعود إلى فتية المميز له؛ والمتاخر عنه، وهو مبني على الضم؛ وله محلان من الإعراب؛ الجر بـ"رب"؛ والرفع على الابتداء. فتية: تمييز لـ"ضمير الغيبة المجرور محلا بـ"رب".
دعوت: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: فاعل؛ وجملة "دعوت": في محل نصب صفة لـ"فتية". "إلى ما": متعلق بـ"دعوت". يورث: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، والفاعل: هو؛ يعود إلى الاسم الموصول. المجد: مفعول به منصوب؛ وجملة "يورث": صلة للموصول، لا محل لها. دائبا: حال من التاء في "دعوت" منصوب. فأجابوا: الفاء عاطفة، أجاب: فعل ماض مبني على الضم، لاتصاله بالواو؛ والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل؛
موطن الشاهد: "ربه فتيه".
وجه الاستشهاد: جر "رب" الشبيه بالزائد ضمير مفردا مذكورا، مع أنه مفسر بتمييز مجموع "فتية"؛ فدل ذلك، على أنه يجب إفراد الضمير وتذكيره مهما يكن مفسره؛ وذلك لأن هذا التمييز لازم، لا يجوز تركه؛ فتركوا بيان المراد من الضمير للتمييز؛ واختلف في الضمير المجرور بـ"رب" فقيل: معرفة، وقيل: نكرة؛ لأنه عائد على واجب التنكير. انظر شرح التصريح: ٢/ ٤.
١ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٥٧.
موطن الشاهد: "تالله لأكيدن".
وجه الاستشهاد: مجيء "التاء" حرف جر وقسم داخله على لفظ الجلالة؛ وهي تدخل على لفظ الجلالة كما في المتن، وعلى "رب" مضافا إلى الكعبة أو إلى ياء المتكلم، على رأي الأخفش؛ وندر دخولها على "الرحمن" و"حياتك"؛ فتقول: "تالرحمن، وتحياتك" على رأي سيبويه.
شرح التصريح: ٢/ ٤.
٢ معناه: وحياتك، فالتاء بدل من واو القسم.стр. 690
[معاني الحروف] .
فصل: في ذكر معاني الحروف١.
لـ"من" سبعة معان؛
أحدها: التبعيض؛ نحو: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ٢، ولهذا قرئ: "بعض ما تحبون".
والثاني: بيان الجنس٣................................................................
الحواشي
(١) ١ مذهب البصريين أن لكل حرف من حروف الجر معنى واحدا يؤديه على سبيل الحقيقة، فمعنى "في" الظرفية، و"على" الاستعلاء ... إلخ. فإذا أدى الحرف معنى آخر غير المعنى الخاض به كانت تأديته لهذا المعنى بطريق المجاز، أو بتضمين العامل الذي يتعلق به الحرف معنى عامل آخر يتعدى بهذا الحرف. ولا بد لصحة استعمال المجاز من علاقة بين المعنى المنقول منه والمعنى المنقول إليه، وقرينة تصرف الذهن عن المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي. ومذهب الكوفيين: أن قصر الحرف على معنى واحد تعسف لا مبرر له، وأنه إذا اشتهر استعمال الحرف في معنى، شاعت دلالته عليه؛ بحيث يفهمها السامع بلا لبس ولا غموض كان هذا المعنى حقيقيا بالنسبة للحرف، ولا مجاز ولا تضمين، وفي هذا المذهب تيسير، وقد رجحه كثير من المحققين، على أن الباحثين متفقون على أن المجاز إذا اشتهر وشاع أصبح حقيقة عرفية.
التصريح: التصريح: ٢/ ٤-٥.
٢ ٣ سورة آل عمران، الآية: ٩٢.
أوجه القراءات: ذكر صاحب التصريح أن قراءة "بعض ما تحبون" لعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. انظر شرح التصريح: ٢/ ٨.
موطن الشاهد: "مما تحبون".
وجه الاستشهاد: مجيء "من" بمعنى "بعض"؛ لأن المراد: حتى تنفقوا بعض ما تحبون؛ ولذا، كلما جاز حذف "من" ووضع بعض مكانها؛ كانت دالة على التبعيض، كما في المتن.
٣ أي بيان أن ما بعدها جنس يشمل ما قبلها، وأكثر ما تقع بعد "ما" و"مهما" لشدة إبهامهما، نحو ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ ، و ﴿مَا نَنسَخ من آيَةٍ﴾ وعلامتها: صحة الإخبار بما بعدها عما قبلها، وهنالك علامة أخرى وهي صحة حذف "من" ووضع اسم موصول مكانها؛ مع ضمير يعود على ما قبلها إن كان معرفة. فإن كان نكرة فالعلامة أن يخلفها الضمير وحده؛ فنحو: ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ تقول فيه: هي ذهب. و"من" البيانية =стр. 691
نحو: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ١.
والثالث: ابتداء الغاية٢ المكانية باتفاق؛ نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٣، والزمانية، خلاف لأكثر البصريين٤، ولنا قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ٥،
الحواشي
(١) = مع مجرورها ظرف في محل نصب على الحال إن كان ما قبلها معرفة, ونعت تابع لما قبلها إن كان نكرة.
مغني اللبيب: ٤٢٠، الجنى الداني: ٣٠٩-٣١٠، وصف المباني: ٣٢٣.
١ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٣١.
موطن الشاهد: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾
وجه الاستشهاد: مجيء "من" الثاينة دال على بيان الجنس، وأما "من" الأولى فزائدة؛ وأنكر بعض النحاة مجيء "من" لبيان الجنس، وقالوا: إن قوله تعالى ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ ، و ﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾ للتبعيض، وليست لبيان الجنس.
٢ المراد بالغاية هنا: المقدار والمسافة لا آخر الشيء، وعلامتها: أن يصلح في مكانها "إلى" أو ما يفيد فائدتها.
٣ ١٧ سورة الإسراء، الآية: ١.
موطن الشاهد: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "من" مفيدة ابتداء الغاية المكانية؛ وحكم مجيئها مفيد هذا المعنى الجواز باتفاق.
٤ يرى البصريون أن "من" لا تأتي لابتداء الغاية الزمانية، وأما الكوفيون، فيرون أنها تكون الغاية الزمانية، بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ؛ ومعلوم أن "أول يوم" من الزمان؛ بينما زعم البصريون أن "من" في الآية لابتداء الغاية في الأحداث، وأن التقدير: من تأسيس أول يوم؛ وابن هشام في "مغني اللبيب" مال إلى رأي البصريين؛ فرأيه -هناك- خلاف رأيه هنا. انظر مغني اللبيب: ٤١٩، وشرح التصريح: ٢/ ٨.
٥ ٩ سورة التوبة، الآية: ١٠٨.
موطن الشاهد: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: احتج الكوفيون بهذه الآية على مجيء "من" مفيدة ابتداء الغاية في الزمان -كما أسلفنا- بينما رأى البصريون أن "من" لابتداء الغاية في الأحداث -هنا- والتقدير: من تأسيس أول يوم.стр. 692
والحديث: "فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة"١، وقول الشاعل٢: [الطويل]
٢٩٤- تخيرن من أزمان يوم حليمة٣
الحواشي
(١) ١ حديث رواه البخاري في باب الاستسقاء: ٢/ ٥٠٨؛ وفيه: جاء إلى النبي ﷺ فقال: "هلكت المواشي، وتقطعت السبل"، فدعا -أي رسول الله صلى اله عليه وسلم- فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة. ومثله في الموطأ: ١/ ١٩١.
٢ هو: النابغة الذبياني، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت يمدح فيه الشاعر عمرو بن الحارث الأعرج، أحد ملوك الغسانيين وعجزه قوله:
إلى اليوم قد جربن كل التجارب
وقبل الشاهد البيت المشهور:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٨، والأشموني: ٥٣٣/ ٢/ ٢٨٧ وابن عقيل: ٢٠٥/ ٣/ ١٦ ومغني اللبيب: ٥٩٨/ ٤٢٠ والخزانة: ٣/ ٣٠٣، وشرح المفصل: ٥/ ١٢٨، والعيني: ٣/ ٢٧٠، وديوان النابغة: ٦.
المفردات الغريبة: تخيرن: وقع الاختيار عليهن، واصطفين، وضمير الإناث للسيوف في البيت الأول. يوم حليمة: يوم من أيام العرب المشهورة. وكان سنة ٦١ق. هـ وحليمة هي: بنت الحارث بن أبي شمر ملك غسان، وكان أبوها قد وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة بالعراق، فشجعت الجيش ومنحت أفراده جزءا من طيبها فانتصر وقتل المنذر. وقد ضرب بذلك المثل فقيل: "وما يوم حليمة بسر" وهو يضرب لكل أمر مشهور. جربن: اختبرن وامتحن. التجارب: جمع تجربة وهي اختبار الشيء، مرة بعد أخرى.
المعنى: أن هذه السيوف، جربت واختبرب مرات كثيرة من هذا الوقت، وأظهرت التجارب مضاءها وصفاء جوهرها، وجودة صقلها وشدة فتكها بالأعداء.
الإعراب: تخيرن: فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة؛ والنون: في محل رفع نائب فاعل. من: حرف جر دال على ابتداء الغاية الزمانية. أزمان: اسم مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف. ويوم: مضاف إليه وهو مضاف. حليمة: مضاف إليه؛ وقد صرفه الشاعر لاضطراره إلى تنوينه -لإقامة الوزن- ومن ثم، جره بالكسرة الظاهرة. "إلى اليوم": متعلق بـ"تخير". قد: حرف تحقيق، لا محل له من الإعراب. جربن: فعل ماض، مبني للمجهول، مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة؛ و"النون" في محل رفع نائب فاعل. كل: معفول مطلق منصوب، وهو مضاف. التجارب: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة. =стр. 693
والرابع: التنصيص على العموم١؛ أو تأكيد التنصيص عليه٢؛ وهي الزائدة٣؛ ولها ثلاثة شروط: ان يسبقها نفي، أو............................................................
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: "من أزمان".
وجه الاستشهاد: استشهد الكوفيون بهذا البيت على مجيء "من" دالة على ابتداء الغاية الزمانية، ورد عليهم البصريون بأن الكلام على تقدير مضاف؛ أي: من استمرار يوم حليمة؛ كما قدروا مضافا في الحديث الشريف السابق؛ لتكون "من" لابتداء الغاية في الأحداث؛ أي: من صلاة يوم الجمعة؛ وربما جاء الابتداء في غير الزمان والمكان، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ . ضياء السالك: ٢/ ٢٥٢.
١ أي: عموم المعنى وشمول كل فرد من أفراد الجنس، وهي الداخلة على نكرة ليست ملازمة للوقوع بعد النفي، ولا تدل على العموم بنفسها؛ نحو: ما جاءني من رجل؛ ذلك أن كلمة "رجل" من النكرات التي قد تقع بعد النفي أو لا تقع؛ فوقوعها بعد النفي لا يفيد العموم والشمول لكل فرد، بل يحتمل خروج بعض الأفراد من دائرة النفي؛ فإذا أريد النص في الشمول على سبيل اليقين جيء بالحرف الزائد "من"، ووضع قبل النكرة مباشرة، ومن ثم لا يصح أن يقال: ما غاب من رجل وإنما غاب رجلان أو أكثر منعا للتناقض.
مغني اللبيب: ٤٢٥، والتصريح: ٢/ ٨.
٢ هي الداخلة على نكرة لا تستعمل إلا بعد نفي أو شبهه، فتدل بنفسها على العموم مثل: أحد -عريب- ديار، تقول: ما جاءني من أحد، فيدل ذلك دلالة قاطعة على العموم والشمول، وإنما كانت الأولى للتنصيص، وهذه للتأكيد؛ لأن النكرة الملازمة للنفي تدل على العموم بنفسها، فزيادة "من" تأكيد لذلك العموم. أما الأولى فإن النكرة قبل دخول "من" تحتمل نفي الواحدة ونفي الجنس على سبيل العموم؛ فدخولها نص على الثاني.
ضياء المسالك: ٢/ ٢٥٣.
٣ المواضع التي تزاد فيها "من" على وجه التفصيل تسعة:
١- قبل الفاعل، كقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ ، فذكر: فاعل يأتي، وقبل "من" ما النافية.
٢- قبل النائب عن الفاعل، كقولك: ما اتهم من أحد بهذه التهمة، فأحد: نائب فاعل اتهم المبني للمجهول، وقبل "من" ما النافية.
٣- قبل المبتدأ، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ فخالق مبتدأ، وقبل "من" هل الاستفهامية.
٤- قبل اسم كان، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ فخرج: اسم كان، وقبل "من" ما النافية.стр. 694
.................................. نهي١، أو استفهام بهل٢، وأن يكون مجرورها نكرة، وأن
الحواشي
(١) = ٥- قبل المفعول به، كقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ فأحد: مفعول به لتحس، وقبل "من" هل الاستفهامية.
٦- قبل المفعول الأول من مفعولي ظن وأخواتها، نحو: ما ظننت من أحد يذهب إلى مثل ما ذهبت إليه.
٧- قبل المفعول الأول من مفعولات أعلم وأخواتها نحو: ما أعلمت من أحد أنك مسافر.
٨- قبل المفعول الأول من مفعولي أعطى، نحو: ما أعطيت من أحد مثل ما أعطيتك.
٩- قبل المفعول الثاني من مفعولي أعطى نحو: ما منحت أحدا من دينار.
وكل هذه المواضع يصدق عليها أنها فاعل أو مفعول أو مبتدأ.
وزيادتها يعني وقوعها في موضع يطلبه العامل بدونها فتكون مقحمة بين طالب ومطلوب، وإن كان سقوطها مخلا بالمعنى المراد.
الجنى الداني: ٣١٩، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ٩.
١ فلا تزاد في الإثبات إلا في تمييز "كم" الخبرية؛ إذا كان مفصولا منها بفعل متعد، نحو قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ .
فائدة: ذهب الكوفيون إلى أنه لا يشترط في مجرور "من" الزائدة إلا شرط واحد، وهو أن يكون مجرورها فاعلا، أو مفعولا، أو مبتدأ، ولا يشترط أن يتقدم عليها نفي، أو استفهام، أو نهي؛ واستدلوا على ذلك بورودها زائدة في الكلام الموجب الذي لم يتقدمه نفي أو نهي أو استفهام، كما في قولهم: "قد كان من مطر" وقولهم: "وقد كان من حديث فخل عني"؛ فكان -هنا- تامة محتاجة إلى فاعل، و"من" زائدة، و"مطر" و"حديث" فاعل؛ وكلاهما مجرور لفظا مرفوع محلا؛ وأول بعض العلماء هذين الشاهدين بأن الفاعل فيهما ضمير مستتر؛ تقديره: هو، يعود إلى اسم الفاعل كان؛ والتقدير: قد كان هو -أي الكائن- من مطر؛ وفي الثاني: قد كان هو -أي الكائن- من حديث؛ وقالوا: لو سلمنا بأن الاسم الذي دخلت عليه "من" هو الفاعل، فلا نسلم بأنه لم يتقدم عليه نفي أو استفهام بهل؛ بل ندعي أنه قد سبقه استفهام بـ"هل"، وندعي أن هذا الكلام واقع في جواب كلام، وأنه وارد على سبيل حكاية ما تكلم به المستفهم. وكأن قائلا يقول: هل كان من مطر؟، فقيل له: قد كان من مطر؛ وهل كان من حديث؟، فقيل له: قد كان من حديث؛ وهذا تكلف، لا نرى له مسوغا.
وذهب الأخفش والكسائي وهشام إلى أنه تجوز زيادة "من" بغير شرط؛ فتزاد بعد الإيجاب، وبعد النفي؛ ويجوز أن يكون مدخولها معرفة، وأن يكون نكرة؛ ويجوز أن يكون واقعا في أحد مواقع الإعراب المذكورة، أو في غيرها.
وانظر شرح التصريح: ٢/ ٩-١٠، ومغني اللبيب: ٤٢٨، والجنى الداني: ٣١٨.
٢ أو بالهمزة كذلك على الراجح، نحو: هل جاءك، أو أجاءك من بشير؟. هذا وقد زاد =стр. 695
يكون إما فاعلا؛ نحو: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ ١، أو مفعولا؛ نحو: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ ٢، أو مبتدأ؛ نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٣.
والخامس: معنى البدل٤، نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ ٥.
الحواشي
(١) = الفارسي، الشرط، واستشهد لذلك بقول زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئ من خلقية
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
مغني اللبيب: ٤٢٥-٤٢٦.
١ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٢.
موطن الشاهد: ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "من" حرف جر زائد في الآية الكريمة، بعد النفي ومجيء المجرور بها -لفظا- فاعلا لـ"تأتيهم" المنفي بـ"ما" وهو نكرة؛ وحكم مجيئها حرف جر زائد -في هذه الحال- الجواز باتفاق.
٢ ١٩ سورة مريم، الآية: ٩٨.
موطن الشاهد: "من أحد".
وجه الاستشهاد: مجيء "من" حرف جر زائد في الآية الكريمة؛ حيث جاءت بعد الاستفهام بـ"هل" وجاء المجرور بها -لفظا- مفعولا به لفعل "تحس" المسبوق بـ"هل"؛ وحكم مجيء "من" حرف جر زائد -في هذه الحال- الجواز باتفاق.
فائدة: قد تزاد "من" مع المفعول المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، وقوله ﷻ : ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، فجعل أبو البقاء "شيء" بمعنى تفريط في الآية الأولى، وبمعنى "ضرر" في الآية الثانية.
شرح التصريح: ٢/ ٩، ومغني اللبيب: ٤٢٦.
٣ ٣٥ سورة فاطر، الآية: ٣.
موطن الشاهد: "هل من خالق".
وجه الاستشهاد: مجيء "من" حرف جر زائد بعد الاستفهام، ومجيء المجرور به -لفظا- نكرة، وهو مبتدأ.
٤ أي: أن تكون بمعنى كلمة "بدل" بحيث يصح أن تحل هذه الكلمة محلها؛ وقد أنكر قوم مجيء "من" للبدل، فقالوا: التقدير في هذه الآية، أي بدلا من الآخرة، وعلى هذا يكون المفيد للبدل هو متعلق "من"، لا "من" نفسها و"من" هنا للابتداء. مغني اللبيب: ٤٢٣، التصريح: ٢/ ١٠.
٥ ٩ سورة التوبة، الآية: ٣٨.стр. 696
والسادس: الظرفية١، نحو: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٢، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ ٣.
والسابع٤: التعليل؛ كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ.............................................
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "من" في الآية الكريمة بمعنى "بدل" أي بدل الآخرة، وأنكر قوم مجيئها للبدل كما أوضحنا.
١ مكانية أو زمانية، وهذا هو قول الكوفيين، وقال البصريون: هي في الآيتين؛ لبيان الجنس كما في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ مغني اللبيب: ٤٢٠.
٢ ٣٥ سورة فاطر، الآية: ٤٠.
موطن الشاهد: "من الأرض".
وجه الاستشهاد: مجيء "من" بمعنى "في" تفيد الظرفية المكانية على مذهب الكوفيين، والبصريون رأوا أنها -هنا- لبيان الجنس، وليست للظرفية، كما بينا.
٣ ٦٢ سورة الجمعة، الآية: ٩.
موطن الشاهد: "من يوم".
وجه الاستشهاد: مجيء "من" بمعنى "في" أي: في يوم الجمعة؛ فهي في هذه الآية بمعنى الظرفية الزمانية -على مذهب الكوفيين- والبصريون يرون أنها لبيان الجنس.
٤ وقد ذكر في المغني إضافة إلى هذه المعاني:
ثامنا: المجاوزة كـ"عن" نحو قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي عن ذكر الله.
تاسعا: وهو الانتهاء، نحو قولك: قربت منه، أي إليه.
عاشرا: وهو الاستعلاء، نحو قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي عليهم وخرجها المانعون على التضمين؛ أي: منعناه بالنصر من القوم.
حادي عشر: وهو الفصل؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ونحو: لا تعرف زيدا من عمرو. فقد دخلت "من" على متضادين أو نحوهما.
ثاني عشر: بمعنى الباء، وهذا عند بعض البصريين، وبعض الكوفيين؛ نحو: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي بطرف.
ثالث عشر: موافقة "عند" كقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قاله أبو عبيدة.
رابع عشر: مرادفة "ربما" وذلك إذا اتصلت بما كقوله: إنا لمما نضرب الكبش ضربة.
خامس عشر: للغاية، تقول: رأيته من ذلك الموضع، فجعلته غاية لرؤيتك. وقد أسقط المصنف ذكر هذه المعاني لما في بعضها من الرد. =стр. 697
أُغْرِقُوا﴾ ١، وقال الفرزذق: [الطويل]
يغضي حياء ويغضَى من مهابته٣
[معاني اللام] :
وللام اثنا عشر معنى:
أحدها: الملك٣، نحو: ﴿لَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٤.
والثاني: شبه الملك، ويعبر عنه بالاختصاص٥؛ نحو: "السرج للدابة".
الحواشي
(١) = التصريح: ٢/ ١٠، ومغني اللبيب: ٤١٩ وما بعدها.
١ ٧١ سورة نوح، والآية: ٢٥.
موطن الشاهد: "مما خطيئاتهم".
وجه الاستشهاد: مجيء "من" مفيدة التعليل -على رأي جماعة من النحاة- لأن التقدير: أغرقوا لأجل خطاياهم؛ فقدمت العلة على المعلول للاختصاص. شرح التصريح: ٢/ ١٠.
٢ هذا صدر بيت، من كلمة يقولها الفرزدق في مدح زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم. وعجز هذا البيت قوله:
فما يكلم إلا حين يبتسم
وقد مر تخريج هذا الشاهد والتعليق عليه.
موطن الشاهد: "من مهابته".
موطن الاستشهاد: مجيء "من" مفيدة التعليل -على رأي بعض النحاة- لأن التقدير: يغضى منه لأجل مهابته؛ والإغضاء: إرخاء الجفون.
فائدة: إذا ولي "من" اسم مبدوء بـ"أل" فالأحسن فتح نونها؛ نحو: قدم المدينة؛ وإذا وليها ساكن آخر، فالأغلب كسر نونها؛ نحو: سررت من اجتهادك. ضياء السالك: ٢/ ٢٥٤.
٣ هي التي تقع بين ذاتين، الثانية منهما هي التي تملك حقيقة، وهذا المعنى أكثر استعمالاتها؛ نحو: القلم للتلميذ.
٤ ٣١ سورة لقمان، الآية: ٢٦.
موطن الشاهد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" مفيدة معنى الملك؛ لأن ما في السموات وما في الأرض ملك لله تعالى.
٥ وتقع بين ذاتين؛ ثانيتهما لا تملك حقيقة، وإنما تختص بالأولى دون تملك من أحداهما =стр. 698
والثالث: التعدية؛ نحو: "ما أضرب زيدا لعمرو"١.
والرابع: التعليل؛ كقوله: [الطويل]
وإني لتعروني لذكراك هزة٢
والخامس: التوكيد؛ وهي الزائدة٣؛ نحو قوله٤: [الكامل]
٢٩٥- ملكا أجار لمسلم ومعاهد٥
الحواشي
(١) = للأخرى، كمثال المصنف. أو أولاهما لا تملك؛ كأنت لي، وأنا لك، وقد تقع اللام قبل الذاتين، نحو: لأخي ابن ذكي. فإن وقعت بين معنى وذات، نحو الحمد لله، والويل للكافرين، كانت للاستحقاق، وقد يعبر عن الجميع بلام الاختصاص.
مغني اللبيب: ٢٧٥.
١ "ضرب" متعد في الأصل، فلما بني للتعجب؛ نقل إلى "فعل" فصار قاصرا فعدي بالهمزة إلى زيد وباللام إلى عمرو؛ هذا مذهب البصريين؛ وذهب الكوفيون إلى أن الفعل باقٍ على تعديته، ولم ينقل، واللام هنا لتقوية العامل لضعفه باستعماله في التعجب.
٢ تقدم تخريج هذا الشاهد والتعليق عليه في "باب إن وأخواتها".
موطن الشاهد: "لذكراك".
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" مفيدة التعليل؛ والتقدير: تعروني -لأجل تذكري إياك- هزة.
٣ وتقع بين الفعل ومعموله المؤخر عنه كمثال المؤلف، وبين المتضايفين نحو: يا بؤس للحرب. وفائدتها، تقوية المعنى دون العامل ولا تتعلق بشيء وهناك رأيان في ما بعدها، أهو مجرور بها، أم بالمضاف؟.
٤ القائل: هو الرماح بن أبرد المعروف بابن ميادة، وقد مرت ترجمته.
٥ تخريج الشاهد:
هذا عجز بيت، وصدره وقوله:
ومكلت ما بين العرق ويثرب
والبيت من كلمة للشاعر في مدح أمير المدينة؛ عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان ومطلع هذه القصيدة قوله:
من كان أخطأه الربيع فإنما ... نضر الحجاز بغيث عبد الواحد
إن المدينة أصبحت معمورة ... بموج حلو الشمائل ماجد
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١١، والأشموني: ٥٤٠/ ٢/ ٩٠ مغني اللبيب: =стр. 699
وأما ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ١؛ فالظاهر: أنه ضمن معنى اقترب؛ فهو مثل ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ ٢.
الحواشي
(١) = ٣٩٢/ ٢٨٥، والأغاني "بولاق": ٢/ ١١٥، والعيني: ٣/ ٢٧٨، والهمع: ٢/ ٣٣، ١٥٧، والسيوطي: ١٩٧.
المفردات الغريبة: يثرب: الاسم القديم للمدينة المنورة، سميت باسم رجل من العمالقة بناها، وتسمى كذلك "طيبة" سماها بذلك الرسول ﷺ . أجار: حفظ وحمى. معاهد: هو من يدخل بلاد الإسلام بعهد من الإمام.
المعنى: لقد امتد سلطانك وانبسط نفوذك، حتى شمل ما بين العراق والمدينة المنورة، وشملت الجميع بعدلك وحمايتك، سواء في ذلك المسلم والمعاهد.
الإعراب: ملكت: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: فاعل. ما: اسم موصول بمعنى الذي، مفعول به لـ"ملكت" مبني على السكون في محل نصب. "بين": متعلق بمحذوف صلة الموصول، وهو مضاف. العراق: مضاف إليه مجرور. ويثرب: الواو عاطفة، يثرب: اسم معطوف على العراق مجرور مثله؛ وصرف الشاعر "يثرب" اضطرارا لإقامة الوزن؛ فنونه، وجره بالكسرة. ملكا: مفعول مطلق منصوب. أجار: فعل ماض، والفاعل: هو؛ وجملة "أجار": في محل نصب صفة لـ"ملكا" لمسلم: اللام حرف جز زائد، لا محل له من الإعراب، مسلم: اسم مجرور لفظا منصوب محلا، على أنه مفعول به لـ"أجار". ومعاهد: الواو عاطفة، معاهد: اسم معطوف على مسلم -على لفظه- مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
موطن الشاهد: "لمسلم".
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" زائدة لمجرد التوكيد؛ لأن فعل "أجار" يتعدى بنفسه، وقد تقدم على معموله؛ فهو ليس بحاجة إلى اللام.
١ ٢٧ سورة النمل، الآية: ٧٢.
موطن الشاهد: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" في الآية الكريمة زائدة على رأي المبرد؛ بينما يرى ابن هشام أن فعل "ردف" ضمن معنى اقترب؛ وعليه فاللام صلة له، لا زائدة، وبه جزم في المغني، وهو الأرجح، والصواب. انظر شرح التصريح: ٢/ ١١، والمقتضب: ٢/ ٣٧، والمغني: ٢٨٥.
٢ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ١.
موطن الشاهد: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" صلة لفعل "اقترب" فهي ليست زائدة في الآية الكريمة.стр. 700
والسادس: تقوية العامل الذي ضعف: إما بكونه فرعا في العمل١؛ نحو: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ ٢، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٣، وإما بتأخره عن المعمول؛ نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ٤، وليست المقوية زائدة محضة٥، ولا معدية محضة٦؛ بل هي بينهما.
والسابع: انتهاء الغاية؛ نحو: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٧.
والثامن: القسم؛ نحو: "لله لا يؤخر الأجل"٨.
الحواشي
(١) ١ أي مأخوذا من غيره كالفروع، وذلك كالمصدر، ومثاله قوله: ساءني ضرب علي لخالد واسم الفاعل، ومنه الآية الأولى في أمثله المؤلف، واسم المفعول؛ نحو: زيد معطى للدراهم. وأمثلة المبالغة، ومن أمثلته الآية الثانية من أمثلة المؤلف.
٢ ٢ سورة البقرة، الآية ٩١.
موطن الشاهد: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" زائدة لتقوية العامل "مصدقا"؛ لأنه اسم فاعل؛ فهو فرع في العمل؛ فقوي باللام.
٣ ٨٥ سورة البروج، الآية: ١٦.
موطن الشاهد: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" زائدة لتقوية العامل "فعال"؛ لأنه صيغة مبالغة؛ فهو فرع في العمل؛ فقوي باللام.
٤ ١٢ سورة يوسف، الآية: ٤٣.
موطن الشاهد: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: الأصل -والله أعلم- إن كنتم تعبرون الرؤيا؛ فلما أخر الفعل، وقدم معموله عليه؛ ضعف عمله فقوي باللام.
٥ لأنها تفيد التقوية وتتعلق بالعامل الذي قوته؛ بخلاف الزائدة المحضة؛ فإنها لا تتعلق بشيء.
٦ وذلك لاطراد صحة إسقاطها.
٧ ٣٥ سورة فاطر، الآية: ١٣.
موطن الشاهد: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" مفيدة لانتهاء الغاية؛ لأن المعنى: كل يجري إلى أجل مسمى المعنى.
٨ القسم والتعجب معا، ويشترط أن تكون جملة القسم محذوفة، وأن يكون المقسم به لفظ =стр. 701
والتاسع: التعجب؛ نحو: "لله درك! "١.
والعاشر: الصيرورة٢؛ نحو: [الوافر]
٢٩٦- لدوا للموت وابنوا للخراب٣
الحواشي
(١) = الجلالة؛ لأنها خلف عن التاء، والتاء أكثر ما تستعمل مع لفظ الجلالة، كقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ . مغني اللبيب: ٢٨٢.
١ أي: المجرد عن القسم، بشرط القرينة، ويغلب أن يكون بعد النداء؛ نحو: يا للغروب وما فيه من روعة، وكون اللام للتعجب -هنا- يخالف ما قاله النحاة من أن الصيغة كلها للتعجب، ويجاب بالتزام ما قالوه في باب التعجب، وإن ما قيل -هنا- من باب نسبة ما للكل إلى ما للجزء؛ فهو مجاز مرسل علاقته الكلية والجزئية. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١١-١٢.
٢ أي: لبيان ما يصير إليه الأمر، وتسمى كذلك "لام العاقبة"؛ لأنها توضح عاقبة الشيء وما يؤول إليه.
همع الهوامع: ٢/ ٣٢، ومغني اللبيب: ٢٨٢.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
فكلكم يصير إلى الذهاب
وهو من شواهد التصريح: ٢/ ١٢، والهمع: ٢/ ٣٢، والدرر: ٢/ ٣١.
المفردات الغريبة: لدوا: فعل أمر من الولادة.
المعنى: لدوا وتكاثروا وابنوا وشيدوا كما تشاءون ليكون المآل والمصير والعاقبة إلى ما ذكر؛ فكل إنسان مصيره الموت والفناء.
الإعراب: لدوا: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: فاعل، والألف: للتفريق. للموت: متعلق بـ"لدوا". وابنوا: الواو عاطفة، ابنوا: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: في محل رفع فاعل، والألف: للتفريق؛ وجملة "ابنوا": معطوفة على جملة "لدوا" لا محل لها. "للخراب": متعلق بـ"ابنوا". فكلكم: الفاء تعليلية، لا محل لها من الإعراب، كل: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و"كم": مضاف إليه. يصير: فعل مضارع ناقص مرفوع، وفاعله: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى "كل". "إلى زوال": متعلق بخبر "يصير" المحذوف؛ وجملة "يصير إلى زوال": في محل رفع خبر "كل"؛ وجملة "كلكم يصير إلى زوال": تعليلية، لا محل لها.
موطن الشاهد: "للموت، للخراب".
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" في الموضعين للصيرورة، وليست للتعليل؛ لأن =стр. 702
والحادي عشر: البعدية، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ١، أي: بعده.
والثاني عشر: الاستعلاء٢، نحو: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ ٣؛ أي: عليها٤.
الحواشي
(١) = الموت، ليس علة للولد، ولأن الخراب ليس علة للبناء؛ فالموت والخراب أمران يصير المآل إليهما، من غير أن يكون أحدهما باعثا أو حافزا؛ ومثل هذا، قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ فالباعث الذي بعث فرعون على التقاط موسى وتربيته؛ ليكون لهم قرة عين، وأن يتخذ ولدا، لكن صادف أن كانت عاقبته ومآله أن كان لهم عدوا. وقد منع البصريون أن تجيء اللام للصيرورة، وزعم الزمخشري أنها لا تنفك عن التعليل؛ وهؤلاء يجعلون اللام في البيت وفي الآية الكريمة داخلة على محذوف؛ هو العلة الباعثة. انظر مغني اللبيب: ٢٨٣.
١ ١٧ سورة الإسراء: الآية: ٧٨.
موطن الشاهد: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" بمعنى "بعد"؛ لأن المراد: بعد دلوك الشمس، وهذه الآية، ذكرت في "باب المفعول له" وذكر المؤلف -هناك- أن اللام للتعليل، وفسر الدلوك بميل الشمس عن وسط السماء.
٢ أي: الدلالة على أن شيئا حسيا أو معنويا وقع فوق الاسم الذي بعدها؛ فتكون بمعنى "على".
٣ ١٧ سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.
موطن الشاهد: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" مفيدة معنى الاستعلاء حقيقة؛ لأن المعنى: يخرون عليها؛ وتأتي بمعنى الاستعلاء المعنوي؛ ومثاله، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: عليها؛ ومن شواهد مجيء اللام بمعنى "على" قول النبي ﵊ لعائشة، حين اشترت بريرة: "اشترطي لهم الولاء" أي: عليهم، وعليه خرج قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ، وتله: كبه وصرعه.
٤ وتأتي "اللام" في النسب؛ نحو: لزيد عم هو لعمرو خال.
وللتبليغ؛ نحو؛ ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ﴾ ، وللتبيين؛ نحو: سقيا لك. وللظرفية نحو ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: فيه. وبمعنى "عند"، كقراءة الجحدري ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ -بكسر اللام وتخفيف الميم- أي: عند مجيئه إياهم. وبمعنى "من"؛ نحو قول جرير: "ونحن لكم يوم القيامة أفضل" أي: نحن أفضل منكم يوم القيامة وبمعنى "عن" إذا استعملت مع القول؛ نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: عن الذين آمنوا. وللتمليك وشبهه؛ نحو: وهبت لزيد دينارا، ونحو ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ . مغني اللبيب: ٢٨٠، والهمع: ٢/ ٣٢، والتصريح: ٢/ ١٢.стр. 703
[معاني الباء] :
وللباء اثنا عشر معنى أيضا:
أحدها: الاستعانة؛ نحو: "كتبت بالقالم"١.
والثاني: التعدية٢؛ نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ٣؛ أي: أذهبه.
والثالث: التعويض؛ كـ"بعتك هذا بهذا"٤.
الحواشي
(١) ١ "الباء" دالة على آلة الفعل وأداته التي يحصل بها معناه، فهي الواسطة بين الفاعل ومفعوله المعنوي؛ ولذلك تسمى "باء الآلة"؛ ومثلها؛ نجرت بالقدوم. وذكر الزمخشري قولين في باء البسملة؛ أحدهما: أن الباء فيها للآلة مجازا؛ لأن الفعل لا يتأتى على أتم وجه وأكمله إلا بالاستعانة بالله. والثاني: أن الباء فيها للمصاحبة، وذلك تحاشيا من سوء الأدب مع الله أن يجعل آلة ولو مجازا.
التصريح: ٢/ ١٢.
٢ أي: يستعان بها غالبا في تعدية الفعل إلى مفعوله كما تعديه همزة النقل؛ ولذلك تسمى "باء النقل"، وأكثر ما تعدي الفعل القاصر، كمثال المصنف، ومن ورودها مع الفعل المتعدي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ والأصل: دفع بعض الناس بعضا.
٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٧.
أوجه القراءات: قرئت: أذهب الله نورهم.
موطن الشاهد: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى التعدية.
رد العلماء بهذه الآية على المبرد والسهيلي اللذين زعما أن بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء فرقا، شرح التصريح: ٢/ ١٢.
٤ هي الداخلة على الأعواض والأثمان، حسا أو معنى، والعوض: دفع شيء في مقابلة شيء آخر؛ ولذلك تسمى باء المقابلة، ومثل المؤلف للعوض الحسي، أما المعنوي؛ فنحو: قابلت إحسانه بالشكر والدعاء، وجعل من هذا النوع قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ خلاف للمعتزلة؛ لأن دخول الجنة، قد يكون بالعوض، وقد يكون فضلا من الله وإحسانا. وحملت الباء في قوله ﷺ : "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" على أنها للسببية؛ ليدل على أن العمل ليس سببا موجبا لدخول الجنة. وهذا ينفي التعارض بين الحديث والآية.
مغني اللبيب: ١٤١، والتصريح: ٢/ ١٢.стр. 704
والرابع الإلصاق١؛ نحو: "أمسكت بزيد"٢.
والخامس: التبعيض٣؛ نحو: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ٤؛ أي: منها.
والسادس: المصاحبة٥؛ نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ ٦؛ أي: معه.
والسابع: المجاوزة٧؛ نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ٨؛ أي: عنه.
الحواشي
(١) ١ الإلصاق هو: مطلق التعليق، وهذا المعنى أصل معانيها لا يفارقها، يؤيد هذا قول سيبويه: "وإنما هي للإلصاق والاختلاط ... وما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله".
وهو إما حقيقي، كمثال المصنف، أو مجازي؛ نحو: مررت بمحمد، أي: جعلت مروري بمكان يقرب من مكانه.
المغني: ١٣٧-١٣٨.
٢ معناه: قبضت على شيء من جسمه، أو مما يتصل به من ثوب أو نحوه، وهذا أبلغ من أمسكت زيدا؛ لأنه يفيد منعه من الانصراف بأي وجه كان.
٣ أثبت مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، والقتبي، وابن مالك والكوفيون، واستدلوا بالآية التي تلاها المؤلف، وبقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وعلى هذا بنى الشافعي مذهبه في أن الواجب في الوضوء مسح بعض الرأس. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٣.
٤ ٧٦ سورة الإنسان، الآية: ٦.
موطن الشاهد: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى التبعيض في الآية الكريمة؛ لأن المعنى: يشرب منها، كما بين المؤلف في المتن.
٥ المصاحبة: انضمام شيء إلى آخر انضماما يقتضي تلازمهما فيما يقع عليهما أو منهما، وعلامتها: أن يصلح في موضعها "مع"، ويغني عنها وعن مصحوبها الحال.
٦ ٥ سورة المائدة، الآية: ٦١.
موطن الشاهد: ﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى المصاحبة؛ لأن معنى وقد دخلوا بالكفر؛ أي: معه؛ أو كافرين المعنى.
٧ أي: التي يصلح في مكانها "من". قيل: ويختص هذا المعنى بالسؤال، كما مثل المصنف، وبدليل ﴿يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ وقيل: لا يختص بذلك بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ ، أي: عنه شرح التصريح: ٢/ ١٣.
٨ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ٥٩. =стр. 705
والثامن: الظرفية١؛ نحو: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ ٢؛ أي: فيه، ونحو: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ ٣.
والتاسع: البدل؛ كقول بعضهم٤: "ما يسرني أني شهدت بدرا بالعقبة"؛ أي: بدلها.
والعاشر: الاستعلاء؛ نحو: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ ٥؛ أي: على قنطار.
والحادي عشر: السببية؛ نحو: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ ٦.
الحواشي
(١) = موطن الشاهد ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى المجاوزة؛ لأن المعنى: فاسأل عنه خبيرا.
١ هي التي يصلح في مكانها "في"، والظرفية مكانية وزمانية.
٢ ٢٨ سورة القصص، الآية: ٤٤.
موطن الشاهد: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى الظرفية المكانية؛ والتقدير: وما كنت فيه، كما في المتن.
٣ ٥٤ سورة القمر، الآية: ٣٤.
موطن الشاهد: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى الظرفية الزمانية؛ والتقدير: نجيناهم فيه.
٤ القول للصحابي الجليل، رافع بن خديج، وفي الحديث: "ما يسرني بها حمر النعم" أي: بدلها.
٥ ٣ سورة آل عمران، الآية: ٧٥.
موطن الشاهد: ﴿تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى الاستعلاء؛ لأن المعنى -كما جاء في المتن: على قنطار. ومن أدلة أنه يحسن في موضعها "على" قوله تعالى: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ شرح التصريح: ٢/ ١٣.
٦ ٥ سورة المائدة، الآية: ١٣.
موطن الشاهد: ﴿بِمَا نَقْضِهِمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء"مفيدة معنى السببية؛ لأن المعنى: لعناهم بسبب نقضهم ميثاقهم؛ وهي غير الداخلة على آلة الفعل "باء الاستعانة" خلافا لابن مالك الذي أدرجهما في بعضهما.следующие страницы →