Полный текст (1 155 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وقوله١: [الطويل]
٣٤٦- فما شربوا بعدا على لذة خمرا٢
الحواشي
(١) = أغص": في محل نصب خبر "كان". "بالماء": متعلق بـ"أغص". الحميم: صفة للماء، وصفة المجرور مجرورة مثله، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة.
موطن الشاهد: "قبلا".
وجه الاستشهاد: مجيء "قبلا" مقطوعا عن الإضافة لفظا ومعنى؛ ولهذا، جاء معربا منونا -وهو منصوب على الظرفية كما أسلفنا- وهذا التنوين، يسمى تنوين التمكين الذي يلحق الأسماء المعربة، وقبلا -عند جمهور النحاة- نكرة؛ لأنه لما قال: "كنت قبلا" يريد مطلق التقدم؛ فهو لا ينوي تقدما على شيء بعينه؛ بخلاف الحال في أثناء الإضافة أو نيتها؛ حيث يكون التقدم على شيء معين.
١ القائل: هو رجل من بني عقيل لم يعين.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
ونحن قتلنا الأسد أسد شنوءة
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٠ وفيه " ... أسد خفية"، والأشموني: ٦٤٥/ ٢/ ٣٢٢، والشذور: ٤٨/ ١٤٨، والخزانة: ٣/ ١٣١، والعيني: ٤٣٦ "وفيه ... أسد خفية"، والهمع: ١/ ٢١٠، والدرر: ١/ ١٧٦، وفيه " ... أسد خفية".
المفردات الغريبة: أسد شنوءة، ويقال "أزد" حي من اليمن أبوهم الأزد بن الغوث؛ ويقال له: الأسد بن الغوث؛ وهم فرق؛ منهم: أزد شنوءة، وأزد السراة، وأزد عمان.
المعنى: أنا قتلنا أولئك القوم، ومزقناهم شر ممزق، وشتتنا شملهم، فما عرفوا بعد ذلك الهوان لذة للشراب. والمراد: أنهم بهزيمتهم حرموا ملاذ الحياة ونعيمها.
الإعراب: ونحن: الواو بحسب ما قبلها، نحن: ضمير رفع منفصل، في محل رفع مبتدأ. قتلنا: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، و"نا": فاعل؛ وجملة "قتلنا": في محل رفع خبر "نحن". الأسد: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، أسد: بدل من "الأسد منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. شنوءة: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. فما: الفاء عاطفة، ما: نافية، لا محل لها من الإعراب. شربوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو: فاعل، والألف: للتفريق. "بعدا": متعلق بـ"شربوا" منصوب. "على لذة": متعلق بـ"شربوا". خمرا: مفعول به منصوب. =стр. 807
وهما نكرتان في هذا الوجه؛ لعدم الإضافة لفظا وتقديرا؛ ولذلك نونا١، ومعرفتان في الوجهين قبله.
فإن نوي معنى المضاف إليه دون لفظه٢؛ بنيا على الضم٣؛ نحو: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٤، في قراءة الجماعة.
[أول ودون وأسماء الجهات] :
ومنها "أول"٥................................................
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: "بعدا".
وجه الاستشهاد: مجيء "بعدا" منونة منصوبة على الظرفية؛ لقطعها عن الإضافة لفظا وتقديرا؛ وهي -على هذا الحال- نكرة عند جمهور النحاة. وقال بعضهم: إن التنوين في هذا البيت والذي قبله؛ لضرورة الشعر، وجوز الرضي تنوين الظروف المقطوعة عن الإضافة في حالة البناء لذلك. انظر شرح التصريح: ٢/ ٥٠-٥١.
١ هذا على أن تنوينهما تنوين تمكين للتنكير، وقيل: إن التنوين فيهما للعوض، وهما معرفتان بنية المضاف إليه، واستحسن ذلك ابن مالك في الكافية.
٢ نية المعنى: أي أن يلاحظ المعنى من غير نظر إلى عبارة مخصوصة، أو لفظ معين يدل عليه، بل يقصد المسمى معبرا عنه بأي لفظ كان. أما نية اللفظ، فيلاحظ لفظ المضاف إليه المعروف من المقام.
٣ في محل نصب على الظرفية، أو في محل جر إن سبقا بمن. وإنما لم تقتض الإضافة بنية المعنى الإعراب؛ لضعفها بخلافها مع نية اللفظ؛ ففيها قوة. وهنالك حالة أخرى يبنيان فيها على الفتح جوازا؛ وهي: إذا أضيفا إلى مبني، وكذلك الشأن في جميع الأسماء المبهمة، وأسماء الزمان المبهمة.
همع الهوامع: ١/ ٢٠٩-٢١٠.
٤ ٣٠ سورة الروم، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "قبل" و"بعد" مبنيين على الضم؛ لانقطاعهما عن الإضافة مع نية معنى المضاف إليه من دون لفظه؛ وهما مبنيان على الضم في محل جر بحرف الجر.
٥ الصحيح أن أصله "أوأل" بدليل جمعه على أوائل، قلبت الهمة الثانية واوا وأدغمتا. ويستعمل اسما بمعنى مبدأ الشيء، ووصفا بمعنى سابق فيصرف، نحو: لقيته عاما أولا. ووصفا بمعنى أسبق فيمنع من الصرف للوصفية ووزن الفعل. وينصب على =стр. 808
............... و"دون"١ وأسماء الجهات كـ"يمين"، و"شمال" و"وراء"، و"أمام"، و"فوق"، و"تحت"٢؛ وهي على التفصيل المذكور في قبل وبعد؛ تقول: "جاء القوم وأخوك خلف" أو "أمام" ٣ تريد خلفهم أو أمامهم؛ قال٤: [الكامل]
٣٤٧- لعنا يشن عليه من قدام٥
الحواشي
(١) = الحال أو غيره، ومعناه "متقدم" كجئتك أول الناس، أو أولا، أي متقدمهم ومتقدما، وتليه "من"، تقول: هذا أول من هذين، وهل هو حينئذ أفعل تفضيل لا فعل له من لفظه، أو جاز ومجرور؟ خلاف. وظرفا نحو رأيت الهلال أول الناس، أي: قبلهم، وهذا هو الذي يبنى على الضم إذا قطع عن الإضافة.
حاشية يس على التصريح: ٢/ ٥١.
١ أصله: اسم المكان الأدنى، أي: الأقرب من مكان المضاف إليه، كجلست دون محمد؛ أي قريبا من مكانه، ثم توسع فيه فاستعمل في المكان المفضول، ثم في الرتبة المفضولة كعلي دون محمد فضلا، ثم في مطلق تجاوز شيء لشيء، كأكرمت محمدا دون علي.
٢ يمين وشمال، كثيرا التصرف، وفوق وتحت يتصرفان أحيانا إذا تجردا عن الظرفية، وباقي الظروف متوسطة التصرف: والظرف بنوعيه: المتصرف وغير المتصرف؛ حين يكون ظرفا معربا ينصب على الظرفية أو يجر بمن، وحين يكون مبنيا على الضم يكون في محل نصب أو في محل جر بمن، إن وجدت قبله. وإذا جرد من الظرفية لا ينصب على الظرفية، بل يعرب على حسب الجملة.
٣ أي: بالبناء على الضم؛ لحذف المضاف إليه ونية معناه.
٤ هو رجل من بني تميم لم يعين اسمه.
٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره:
لعن الإله تعلة بن مسافر
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥١، والأشموني: ٦٤١/ ٢/ ٣٢٢، والكامل للمبرد: ٣٧، والعيني: ٣/ ٤٣٧، والهمع: ٢١٠، والدرر: ١/ ١٧٧.
المفردات الغريبة: لعن؛ اللعن: الطرد والإبعاد. تعلة: اسم رجل. يشن: يصب، من شن الماء يشنه إذا صبه متفرقا. من قدام: من أمامه.
المعنى: يلعن الشاعر رجلا؛ اسمه تعلة بن مسافر سائلا الله تعالى أن يطرده من رحمته ويصب عليه البلاء صبا من أمامه؛ ليكون الطرد أبلغ والبلاء أفظع.
الإعراب: لعن: فعل ماض مبني على الفتح. الإله: فاعل مرفوع، وعلامة
رفعه =стр. 809
وقوله١: [الطويل]
٣٤٨- على أينا تعدو المنية أول٢
الحواشي
(١) = الضمة الظاهرة على آخره. تعلة: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. ابن: صفة لتعلة منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وهو مضاف. مسافر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. لعنا: مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. يشن: فعل مضارع مبني للمجهول، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ وجملة "يشن": في محل نصب صفة لـ"لعنا". "عليه": متعلق بـ"يشن". من: حرف جر. قدام: ظرف مكان، مبني على الضم في محل جر بـ"من"، و"من قدام": متعلق بـ"يشن".
موطن الشاهد: "من قدام".
وجه الاستشهاد: مجيء قدام مبنيا على الضم؛ لحذف المضاف إليه، ونية معناه وشبيه بهذا البيت قول الشاعر:
إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء
١ هو: معن بن أبوس بن نصر المزني، شاعر، مجيد، متين الكلام، حسن الديباجة، فخم المعاني، من مخضرمي الجاهلية والإسلام؛ له مدائح كثيرة في الصحابة الكرام. مات سنة ٦٤هـ.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل
وهو مطلع قصيدة مشهورة يستعطف بها الشاعر صديقا له، وقد أنشد أبو تمام في حماسته أكثرها، وأنشدها أبو علي القالي في أماليه، وبعد الشاهد قوله:
وإني أخوك الدائم العهد لم أحل ... إن ابزاك خصم أو نبا بك منزل
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٥١، والمقتضب: ٣/ ٣٤٦، والمصنف: ٣/ ٣٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٢٨، ٢/ ٢٦٣، وشرح المفصل: ٤/ ٨٧، ٦/ ٩٨، والخزانة: ٣/ ٥٠٥، والأشموني: ٦٤٠/ ٢/ ٣٢٢، والعيني: ٣/ ٤٣٩، والشذور: ٤٥/ ١٤٥، وديوان معن: ٥٧.
المفردات الغريبة: أوجل: من الوجل، وهو الخوف، وهذا يحتمل أن يكون وصفا، أو فعلا مضارعا مبدوءا بهمزة المتكلم. تعدو: تسطو، من عدا عليه، اجترأ وسطا. وروي: تغدو، أي تصبح. المنية: الموت.
المعنى: أقسم بحياتك لست أدري، ولا أعلم -وإني لخائف- على أينا ينقض الموت قبل صاحبه؛ فلا تقطع حبل المودة والصلة، فالموت آتٍ لا بد منه.
الإعراب: لعمرك: اللام للابتداء. عمر: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة =стр. 810
وحكى أبو علي١: "ابدأ بذا من أول" بالضم على نية معنى المضاف إليه٢؛ وبالخفض على نية لفظه؛ وبالفتح على نية تركها؛ ومنعه من الصرف للوزن والوصف٣.
[حسب واستعمالاتها] :
ومنها "حسب"؛ ولها استعمالان:
أحدهما: أن تكون بمعنى كافٍ٤؛ فتستعمل استعمال الصفات٥، فتكون
الحواشي
(١) = على آخره، وهو مضاف، وضمير المخاطب مبني على الفتح في محل جر بالإضافة وخبر المبتدأ محذوف وجوبا؛ والتقدير: لعمرك قسمي. ما أدري: ما: نافية لا عمل لها. أدري: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنا. وإني: الواو: حالية، إني: إن: حرف مشبه بالفعل، مبني على الفتح المقدر على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهوره اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء، والياء: ضمير متصل في محل نصب اسم إن. لأوجل: اللام لام المزحلقة، أوجل: خبر إن مرفوع؛ وجملة "إني لأوجل": في محل نصب على الحال. "على أينا": متعلق بـ"تعدو" و"نا" في محل جر بالإضافة. تعدو: فعل مضارع. المنية: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. أول: ظرف زمان متعلق بـ"تعدو" مبني على الضم في محل نصب.
موطن الشاهد: "أول".
وجه الاستشهاد: مجيء "أول" مبنيا على الضم؛ لحذف المضاف إليه ونية معناه؛ لأن المراد: أول الوقتين، لأن لكل وقتا يموت فيه؛ ويقدر أحدهما أسبق من الآخر.
١ هو أبو علي الفارسي، وقد مرت ترجمته.
٢ أي من أول الأمر.
٣ لأنه اسم تفضيل بمعنى الأسبق، أي المتقدم. ويستفاد من حكاية أبي علي الفارسي: أن "أول" له استعمالان؛ أحدهما: أن يكون اسما كقبل، والثاني: أن يكون صفة، كالأسبق، وقد تقدم ما فيه.
تنبيه: إذا قلت: سافر محمد منذ عام أول، جاز أن تعرب "عام" خبرا مرفوعا عن "منذ"، و"أول" بالرفع صفة لها، ويكون المعنى: سافر منذ عام سابق على عامنا الحالي. وجاز في "أول" النصب على أنه ظرف زمان بمعنى قبل، ويكون المعنى: منذ عام قبل العام الحالي.
٤ أي اسم فاعل، وهي حينئذ معربة مضافة لفظا، لا تتعرف بالإضافة نظرا للفظها.
٥ أي المشتقة، وذلك من افتقارها إلى موصوف تجري عليه، وهذا الاستعمال بالنظر لمعناها.стр. 811
نعتا لنكرة؛ كـ"مررت برجل حسبك من رجل"؛ أي: كافٍ لك عن غيره؛ وحالا لمعرفة، كـ"هذا عبد الله حسبك من رجل"، واستعمال الأسماء؛ نحو: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ١ ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ٢ "بحسبك درهم"٣ وبهذا٤، يرد على من زعم أنها اسم فعل، فإن العوامل اللفظية، لا تدخل على أسماء الأفعال باتفاق.
والثاني: أن تكون بمنزلة "لا غير" في المعنى: فتستعمل مفردة٥؛ وهذه هي
الحواشي
(١) ١ ٥٨ سورة المجادلة، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿حَسْبُهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "حسب" موقع الاسم الجامد؛ وحسب: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، "وهم" مضاف إليه. و"جهنم": خبر مرفوع، ويجوز أن يكون "جهنم": مبتدأ مؤخرا؛ و"حسبهم" خبرا مقدما.
٢ ٨ سورة الأنفال، الآية: ٦٢.
موطن الشاهد: ﴿حَسْبَكَ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "حسب"، موقع الاسم الجامد؛ وهي في محل نصب اسم "إن"، والكاف: في محل جر بالإضافة، ولفظ الجلالة: في محل رفع خبر "إن".
٣ الباء من "بحسبك" حرف جر زائدة. وحسب: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وضمير المخاطب مضاف إليه، ودرهم: خبر المبتدأ، ولا يجوز العكس؛ لأن "درهم" نكرة لا مسوغ للابتداء بها إذ الخبر مفرد لا جملة ولا شبه جملة.
٤ المراد: أن دخول "إن" على حسبك، ودخول الباء الزائدة عليها في: "بحسبك درهم"، وتأثر "حسب" بـ"إن"؛ حتى نصبت، وبـ"الباء" حتى جرت؛ يدل دلالة واضحة على أنها ليست اسم فعل؛ لأن اسم الفعل ناب عن الفعل؛ والفعل لا تدخل عليه هذه العوامل؛ فيجب أن يكون نائبه مثله في عدم دخول هذه العوامل عليه؛ فدخول العوامل على حسب دليل على أنه ليس اسم فعل.
٥ أي مقطوعة عن الإضافة لفظا، وإن نوي معنى المضاف إليه المحذوف. وفي هذا الاستعمال تبنى "حسب" على الضم، وتقع صفة للنكرة، أو حالا من المعرفة، أو مبتدأ بشرط اقترانها بالفاء الزائدة لتزيين اللفظ. تقول: إن لكل قربة جمعية تعاونية حسب، فحسب صفة لجمعية مبني على الضم في محل نصب وتقول: انصرف المنافقون حسب، أي لا غير، فحسب حال مبني على الضم في محل نصب. وتقول قرأت ثلاثة أجزاء من القرآن فحسب، فالفاء زائدة وحسب: مبتدأ مبني على الضم في محل رفع، والخبر محذوف، أي: فحسب الثلاثة مقروء، ويجوز العكس في هذا؛ =стр. 812
حسب المتقدمة؛ ولكنها عند قطعها عن الإضافة، تجدد لها إشرابها هذا المعنى، وملازمتها للوصفية، أو الحالية، أو الابتدائية، وبناؤها على الضم١؛ تقول: "رايت رجلا حسب" و"رأيت زيدا حسب"٢.
قال الجوهري٣: كأنك قلت: "حسبي" أو "حسبك"، فأضمرت ذلك٤، ولم تنون، ا. هـ. وتقول: "قبضت عشرة فحسب" أي فحسبي ذلك.
واقتضى كلام ابن مالك، أنها تعرف نصبًا -إذا نكرت- كقبل وبعد.
قال أبو حيان٥: ولا وجه لنصبها؛ لأنها غير ظرف إلا أن نقل عنهم نصبها حالا إذا كانت نكرة، ا. هـ.
فإن أراد بكونها نكرة قطعها عن الإضافة اقتضى أن استعمالها حينئذ منصوبة شائع. وأنها كانت مع الإضافة معرفة، وكلاهما ممنوع٦، وإن أراد تنكيرها مع الإضافة فلا وجه لاشتراطه التنكير حينئذ؛ لأنها لم ترد إلا كذلك٧، وأيضا فلا وجه لتوقفه في تجويز انتصابها على الحال حينئذ؛ فإنه مشهور، حتى إنه مذكور في كتاب الصحاح٨؛ قال: تقول: "هذا رجل حسبك من رجل" وتقول في المعرفة: "هذا
الحواشي
(١) = بشرط حذف الفاء، فيكون المبتدأ هو المحذوف، تقول: المقروء حسب، أي كافيني مثلا.
١ لقطعها عن الإضافة لفظا، وقد كانت في الاستعمال الأول معربة بحسب العوامل.
٢ حسب: حال من زيد مبني على الضم في محل نصب، وفيما قبله وصف لرجل كذلك، وقد حذف المضاف إليه، ونوي معناه.
٣ مرت ترجمته.
٤ أي حذفت المضاف إليه منهما، وأضمرته في نفسك، ولم تنون؛ لأنك نويت معناه فبنيت على الضم، كقبل وبعد.
٥ مرت ترجمته.
٦ أما الأول، فلأنها إذا قطعت عن الإضافة، وجب بناؤها على الضم. وأما الثاني؛ فلأنها نكرة دائما أضيفت، أو لم تضف.
٧ أي إلا نكرة؛ لأن إضافتها لا تفيد التعريف، وإنما هي في تقدير الانفصال، كما يقول ابن مالك في شرح العمدة.
التصريح: ٢/ ٥٣.
٨ كتاب مشهور متداول للجوهري.стр. 813
عبد الله حسبك من رجل"، فتنصب حسبك على الحال١، ا. هـ. وأيضا، فلا وجه للاعتذار عن ابن مالك بذلك؛ لأن مراده التنكير الذي ذكره قبل وبعد، وهو: أن تقطع عن الإضافة لفظا وتقديرا٢.
["عل" موافقتها "فوق" ومخالفتها لها] :
وأما "عل" فإنها توافق "فوق" في معناها، وفي بنائها على الضم، إذا كانت معرفة، كقوله٣: [الكامل]
٣٤٩- وأتيت نحو بني كليب من عل٤
الحواشي
(١) ١ فحسبك من الأول: وقعت بعد نكرة مرفوعة، فرفعت على أنها نعت لها. وفي الثاني وقعت بعد معرفة، فنصبت على أنها حال منها، وهي في الموضعين نكرة؛ لأن إضافتها لا تفيد التعريف.
٢ أي: وتنصب على الظرفية، وليس المراد مطلق التنكير كما توهمه أبو حيان، وما ذكره الموضح دفاعا عن ابن مالك لا يمنع النقد، فالصواب أن يحمل قول الناظم:
وما من بعده قد ذكرا
على المجموع لا على كل فرد؛ حتى لا يرد عليه "حسب" و"عل".
التصريح: ١/ ٥٤.
٣ القائل: هو الفرزدق؛ همام بن غالب وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت يهجو فيه جريرا وعجزه قوله:
ولقد سددت عليك كل ثنية
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٤، وشذور الذهب "٤٩/ ١٥١"، وشرح المفصل: ٤/ ٨٩، والعيني: ٣/ ٤٤٧، وهمع الهوامع: ١/ ٢١٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٧٧، وديوان الفرزدق: ٧٢٣.
المفردات الغريبة: ثنية: هي العقبة، أو الجبل، أو الطريق إليهما، والجمع ثنايا. بني كليب: رهط جرير.
المعنى: لقد سددت عليك با جرير كل طريق ومنجى تسلكه؛ للمفاخرة وأتيتكم من أعلى، فألحقت بأصولكم عارا لا تستطيعون دفعه، والخلاص منه.
الإعراب: لقد: اللام موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق. سددت: فعل ماض، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في =стр. 814
أي: من فوقهم، وفي إعرابها إذا كانت نكرة؛ كقوله١: [الطويل]
٣٥٠- كجلمود صخر حطه السيل من عل٢
أي: من شيء عال.
الحواشي
(١) = محل رفع فاعل. "عليك": متعلق بـ"سد". كل: مفعول به "لسد" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. ثنية: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. وأتيت: الواو حرف عطف، أتى: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل. نحو: ظرف، بني: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف. كليب: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. من: حرف جر. عل: ظرف مبني على الضم في محل جر بـ"من".
موطن الشاهد: "من عل".
وجه الاستشهاد: مجيء "عل" مبنيا على الضم؛ لكونه معرفة، حيث حذف المضاف إليه مع نية معناه؛ والتقدير: من علهم، أي: من فوقهم.
١ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
مكر مفر مقبل مدبر معا
والبيت من معلقته المشهورة ومن أبيات يصف فيها فرسه، وقبله قوله:
وقد أغتدي والطير في وكناتها
...
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٤، والأشموني: ٦٤٦/ ٢/ ٣٢٣، وسيبويه: ٢/ ٣٠٩، والمحتسب: ٢/ ٣٤٢، وشرح المفصل: ٤/ ٨٩، والمقرب: ٤٦، والعيني: ٣/ ٤٤٩، والهمع: ١/ ٢١٠، والدرر: ١/ ١٧٧، وحاشية الدمنهوري: ٨١، والمغني: ٢٧٨/ ٢٠٥، والسيوطي: ١٥٥. وديوان امرئ القيس: ١٥٤.
المفردات الغريبة: مكر: عظيم الكر والهجوم، لا يسبقه غيره. مفر: سريع الفرار من الأعداء. كجلمود، الجلمود: الصخرة العظيمة الصلبة. حطه السيل: حدره وألقاه من أعلى إلى أسفل. من عل: من فوق. و"مكر" وما بعده صفة لمنجرد في البيت قبله.
المعنى: يصف الشاعر فرسه بسرعة كره على الأعداء، وشدته وسرعته بالفرار عند النجاة؛ فهو لسرعته كأنه يقبل ويدبر في وقت واحد، وهو في ذلك كصخر حدره السيل من مكان عالٍ فلا يقف في طريقه شيء.
الإعراب: مكر: صفة لـ"منجرد" في البيت السابق مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة. مفر: صفة ثانية لـ"منجرد" مجرورة. مقبل: صفة ثالثة لـ"منجرد" =стр. 815
وتخالفها في أمرين: أنها لا تستعمل إلا مجرورة بمن، وأنها لا تستعمل مضافة١؛ كذا قال جماعة؛ منهم ابن أبي الربيع٢؛ وهو الحق، وظاهر ذكر ابن مالك لها في عداد هذه الألفاظ: أنها يجوز إضافتها، وقد صرح الجوهري٣ بذلك؛ فقال: يقال "أتيته من علِ الدارِ" بكسر اللام، أي: من عالٍ، ومقتضى قوله٤:
وأعربوا نصبا إذا ما نكرا
...
قبلا وما من بعده قد ذكرا
أنها يجوز انتصابها على الظرفية، أو غيرها، وما أظن شيئا من الأمرين٥ موجودا.
الحواشي
(١) = مجرورة. مدبر: صفة رابعة لـ"منجرد" مجرورة. "معا" متعلق بـ"مقبل مدبر". "كجلمود": متعلق بمحذوف صفة لـ"منجرد"؛ أو متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير هو كجلمود، وجلمود مضاف. صخر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. حطه: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء: ضمير متصل مبني على لاضم في محل نصب مفعولا به. السيل: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. "من عل": متعلق بـ"حط".
موطن الشاهد: "من عل".
وجه الاستشهاد: مجيء "عل" مجرورا بـ"من"؛ لأن الشاعر قطعه عن الإضافة، ولم ينوِ لفظ المضاف إليه، ولا معناه، ولهذا أعربه، حيث لم يرد الشاعر أن الصخر ينحط من أعلى شيء خاص، وكان حقه التنوين؛ لأنه نكرة، ولكنه حذف للشعر.
١ أي لفظا، بل تستعمل مبنية على الضم لنية معنى المضاف إليه، أو منونة لقطعها عن الإضافة رأسا.
٢ أبو الحسن؛ عبيد الله بن أحمد بن أبي الربيع القرشي الأموي الإشبيلي، إمام أهل النحو في زمانه، قرأ على الدباج والشلوبين، وأذن له في التصدر للقراءة، ولما استولى الفرنجة على إشبيلية جاء إلى سبتة، وقرأ بها النحو، وصنف فيه الإفصاح في شرح مسائل الإيضاح، كما شرح كتاب سيبويه، وشرح الجمل شرحا وافقا في عشر مجلدات، لم يشذ عنه مسألة في العربية، توفي سنة: ٦٨٨هـ. بغية الوعاة: ١/ ٣١٩. غاية النهاية: ١/ ٤٨٤، الأعلام: ٤/ ١٩١.
٣ مرت ترجمته.
٤ هذا من كلام ابن مالك في الألفية.
٥ أي: جواز إضافتها، وجواز نصبها على الظرفية أو غيرها كالحالية، وأما قول الجوهري: يقال: "أتيته من على الدار" بالإضافة، فهو سهو كما في الشذور.
التصريح: ٢/ ٥٤.стр. 816
وإنما بسطت القول قليلا في شرح هاتين الكلمتين، لأني لم أر أحدا وفاهما حقهما من الشرح، وفيما ذكرته كفاية والحمد لله.
[جواز حذف ما علم من مضاف أو مضاف إليه] :
فصل: يجوز أن يحذف ما علم من مضاف ومضاف إليه.
[حكم ما إذا كان المضاف هو المحذوف] :
فإن كان المحذوف المضاف١؛ فالغالب أن يخلفه في إعرابه٢ المضاف إليه؛ نحو: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٣؛ أي: أمر ربك، ونحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤؛ أي: أهل القرية.
الحواشي
(١) ١ يشترط لجواز حذف المضاف شرطان، أحدهما أن يقوم دليل على المحذوف، لئلا يقع اللبس، فلو قلت: جلست زيدا. تريد جلست جلوس زيد، لم يصح ذلك؛ لأنه ليس في الكلام ما يدل على الجلوس المقدر، والكلام يحتمل ما زعمت أنك تريده، ويحتمل أن يكون التقدير: جلست إلى زيد، فحذف حرف الجر، فانتصب الاسم الذي كان مجرورا، والشرط الثاني: أن يكون المضاف إليه مفردا لا جملة؛ لأنه لو كان المضاف إليه جملة لم يستدل على المحذوف، ولم تصح إقامة المضاف إليه مقام المضاف المحذوف.
حاشية يس على التصريح: ٢/ ٥٥، والهمع: ٢/ ٥١.
٢ فيكون فاعلا في مكانه، ومفعولا، ومبتدأ وخبرا، وظرفا، وحالا ... إلخ، وكذلك في باقي أحكامه، كالتذكير والتأنيث والإفراد والتنكير ... إلخ.
٣ ٨٩ سورة الفجر، الآية: ٢٢.
موطن الشاهد: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء المضاف محذوفا؛ للعلم به، ونيابة المضاف إليه منابه في إعرابه؛ لأن التقدير: وجاء أمر ربك؛ فلما حذف المضاف؛ وهو فاعل، حل محله المضاف إليه، وأعرب إعرابه على الفاعلية؛ وحكم هذا الحذف جائز باتفاق.
٤ ١٢ سورة يوسف، الآية: ٨٢.
موطن الشاهد: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء المضاف محذوفا؛ للعلم به، ونيابة المضاف إليه منابه في إعرابه؛ لأن التقدير: واسأل أهل القرية؛ فلما حذف المضاف؛ وهو مفعول به؛ حل محله المضاف إليه، وأعرب إعرابه على المفعولية؛ وحكم هذا الحذف جائز باتفاق.стр. 817
وقد يبقى على جره؛ وشرط ذلك في الغالب: أن يكون المحذوف معطوفا، على مضاف بمعناه١؛ كقولهم: "ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك"٢ أي: ولا مثل أخيه؛ بدليل قولهم: "يقولان" بالتثنية٣؛ وقوله٤: [المتقارب]
٣٥١- أكل امرئ تحسبين امرأ
...
ونار توقد بالليل نارا٥
الحواشي
(١) ١ أي: يماثله لفظا ومعنى فقط، أو يقابله بأن يكون ضده أو نقيضه، ليكون المعطوف عليه دليلا على المحذوف. ويشترط كذلك أن يكون حرف العطف متصلا بالمضاف إليه، أو منفصلا منه "بلا" النافية.
٢ فـ"أخيه" مجرور بإضافة "مثل" المحذوفة إليه، وهي معطوفة على "مثل" المذكورة.
٣ أي: نظرا إلى المذكور والمحذوف، ولو كان "أخيه" معطوفا على "عبد الله" لكان العامل فيهما واحدا وهو "مثل"، وكان يجب أن يقال: يقول بالإفراد؛ لأنه خبر لاسم "ما" وهو مفرد.
٤ القائل: هو أبو دؤاد الإيادي؛ حارثة بن الحجاج. وقد مرت ترجمته.
٥ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٦، والأشموني: ٦٥١/ ٢/ ٣٢٥، وابن عقيل: ٢٣٨/ ٣/ ٧٧، وسيبويه: ٢/ ٣٣، والكامل: ١٦٣، ٤٩٨، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٩٦، والإنصاف: ٧٤٣، وشرح المفصل: ٣/ ٢٦، ٧٩، ٥/ ١٤٢، ٨/ ٥٢، ٩/ ١٠٥، والمقرب: ٥١، والخزانة: ٢/ ٢٥٣ عرضا، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٢/ ٦٥، والمغني: ٥٣٧/ ٣٨٢، والسيوطي: ٢٣٩. وديوان أبي دؤاد: ٣٥٣.
المفردات الغريبة: تحسبين: تظنين. توقد: تتوقد وتشتعل.
المعنى: أتظنين كل شخص جديرا بأن يسمى رجلا؟ وكل نار تشتعل تسمى نارا، إنما الخليق باسم الرجل هو من اكتملت فيه صفات الرجولة الكريمة، والنار الجديرة بهذا الاسم، هي النار التي توقد للخير والقرى.
الإعراب: أكل: الهمزة حرف استفهام، لا محل له من الإعراب، كل: مفعول به أول لفعل "تحسبين" الآتي تقدم عليه، وهو مضاف. امرئ: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. تحسبين: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل. امرأ: مفعول به ثان لـ"تحسبين" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ونار: الواو عاطفة، نار مجرور بإضافة اسم يقع معطوفا بالواو على المفعول الأول؛ وتقدير الكلام: وتحسبين كل نار. يوقد: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي؛ وجملة "توقد": في محل جر صفة لـ"نار". "بالليل": متعلق =стр. 818
أي: وكل نار؛ لئلا يلزم العطف على معمولي عاملين١.
ومن غير الغالب قراءة ابن جماز٢: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ٣؛ أي: عمل الآخرة، فإن المضاف ليس معطوفا؛ بل المعطوف جملة فيها المضاف٤.
الحواشي
(١) = بـ"توقد". نارا: اسم معطوف على "امرأ" المنصوب الواقع مفعولا ثانيا لـ"تحسبين"، والمعطوف على المنصوب منصوب مثله.
موطن الشاهد: "ونار".
وجه الاستشهاد: مجيء الواو عاطفة، و"نار" مجرورة على أنها مضاف إليه لـ"كل" محذوفة، معطوفة بالواو على كل المذكورة، وهذا هو الوجه الأقرب. ويمكن أن تكون مجرورة بإضافة مفعول أول محذوف لفعل محذوف؛ والتقدير: وتحسبين كل نار.
١ أي: إنما جعل المعطوف محذوفا، ولم يعطف "نار" الأولى على امرئ المعمول لكل، و"نار" الثانية على امرأ المعمول لتحسبين؛ لئلا يلزم عطف معمولين وهما "نار" المجرورة والمنصوبة على معمولين، وهما: امرئ وامرأ، لعاملين مختلفين وهما: "كل" و"تحسبين" بعاطف واحد وهو الواو، وذلك لا يجوز عند سيبويه والمبرد وابن السراد وهشام؛ لأن العاطف نائب عن العامل، والعامل الواحد لا يعمل جرا ونصبا، ولا يقوى أن ينوب عن عاملين. أما على حذف "كل" فيكون العطف على معمولي عامل واحد، وهو تحسبين، وذلك جائز.
هذا وقد خالفهم في ذلك: الأخفش والكسائي والفراء والزجاج، وذهبوا إلى جوازه. مغني اللبيب: ٦٣٢-٦٣٣، والتصريح: ٢٥٦.
٢ هو أبو الربيع، سليمان بن مسلم بن جماز الزهري المدني، كان مقرئا جليلا وضابطا محسنا من أفاضل رواة أبي جعفر أحد القراء العشرة المشهورين توفي سنة: ٧٠هـ.
٣ ٨ سورة الأنفال، الآية: ٦٧.
أوجه القراءات: قرأ ابن جماز الزهري: والله يريد "الآخرة" بجر الآخرة على تقدير حذف مضاف؛ أي: يريد عمل الآخرة؛ وعلى هذا؛ فعمل المحذوف، ليس معطوفا وحده؛ بل المعطوف جملة من مبتدأ وخبر فيها المضاف "وعمل" على جملة فعلية؛ فيها مضاف غير مماثل للمحذوف؛ والأصل -على هذه القراءة- تريدون عرض الدنيا والله يريد عمل الآخرة. التصريح: ٢/ ٥٦.
موطن الشاهد: ﴿يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ .
وجه الاستشهاد: بقاء المضاف إليه مجروروا على أصله بعد حذف المضاف "عمل"؛ وهذا قليل.
٤ هذا: وقد يحذف أكثر من مضاف، فيقوم الأخير مقام الأول، فمثال حذف مضافين =стр. 819
[حكم ما إذا كان المحذوف المضاف إليه] :
وإن كان المحذوف المضاف إليه؛ فهو على ثلاثة أقسام؛ لأنه تارة يزول من المضاف ما يستحقه من إعراب وتنوين ويبنى على الضم؛ نحو: "ليس غير"، ونحو: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ١، كما مر؛ وتارة يبقى إعرابه، ويرد إليه تنوينه؛ وهو الغالب؛ نحو: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ ٢، ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ ٣؛ وتارة يبقى إعرابه، ويترك
الحواشي
(١) = قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، فإن الأصل: وتجعلون، بدل "شكر رزقكم" تكذيبكم، فحذف: "بدل، وشكر"، وكلاهما مضاف، وقام "رزق" مقام الأول. ومثال حذف ثلاثة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ . أصله: فكان الرسول ﷺ من جبريل قدر مسافة قرب قاب قوسين. فحل المضاف إليه الأخير: وهو "قاب" محل الأول وهو "قدر".
وإذا حذف المضاف -بعد استيفاء شروط حذفه- جاز عدم الالتفات إليه عند عود الضمائر ونحوها، مما يقتضي المطابقة، كالتعريف والتنكير والإفراد وغير ذلك. وجاز مراعاته كأنه موجود. وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ، الأصل: وكم من أهل قرية، فرجع الضمير "ها" مؤنثا إلى القرية، ورجع الضمير "هم" مذكرا إلى "أهل" المحذوف. الأشموني: ٢/ ٣٢٤.
١ ٣٠ سورة الروم، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ .
وجه الاستشهاد: بناء كل من "قبل" و"بعد" على الضم؛ لانقطاعه عن الإضافة، بعد حذف المضاف إليه؛ وكلاهما في محل جر بمن، كما أسلفنا.
٢ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ٣٩.
موطن الشاهد: "كلا".
وجه الاستشهاد: انتصاب "كلا" وتنوينه؛ لأنه حذف المضاف إليه، ولم يُنْوَ لفظه، ولا معناه، ورد إليه التنوين؛ الذي حذف للإضافة؛ لأنه رجع إلى حالته الإعرابية قبلها.
٣ ١٧ سورة الإسراء الآية: ١١٠.
موطن الشاهد: ﴿أيًّا﴾ .
وجه الاستشهاد: انتصاب "أيا" -وهو من أسماء الشرط-؛ لانقطاعه عن الإضافة؛ ولم ينو لفظ المضاف إليه، ولا معناه، ورد إليه التنوين: الذي حذف للإضافة، كما في الآية السابقة.стр. 820
تنوينه١، كما كان في الإضافة، وشرط ذلك في الغالب أن يعطف عليه اسم عامل في مثل المحذوف؛ وهذا العامل إما مضاف؛ كقولهم: "خذ ربع ونصف ما حصل"٢، أو غيره؛ كقوله٣: [الرجز]
٣٥٢- بمثل أو أنفع من وبل الديم٤
الحواشي
(١) ١ وذلك إذا حذف المضاف إليه، ونوي ثبوت لفظه، فلا يتغير إعراب المضاف، ولا يرد إليه ما حذف للإضافة، كالتنوين والنون إن كان مثنى أو مجموعا.
٢ ذهب النحاة في تخريج هذا المثال مذهبين:
الأول: أن هذا المثال من باب حذف المضاف إليه، وإبقاء المضاف على حاله الذي كان يستحقه حين الإضافة؛ وأصل الكلام على هذا المذهب: خذ ربع ما حصل ونصف ما حصل؛ بإضافة ربع إلى اسم موصول، وإضافة نصف إلى اسم موصول مشبه للاسم الموصول الأول، فحذفوا الاسم الموصول الأول الذي أضيف إليه ربع وصلته؛ لدلالة الاسم الموصول الثاني وصلته عليه، وأبقوا المضاف على إعرابه وترك تنوينه؛ لأن المضاف إليه المحذوف منوي الثبوت، وهذا مذهب المبرد واختاره ابن مالك وابن هشام تبعا له.
الثاني: أن هذا المثال ونحوه من باب الفصل بين المضاف والمضاف إليه؛ وأصل الكلام على هذا خذ ربع ما حصل ونصفه، ثم أقحم ونصفه بين المضاف "ربع"؛ والمضاف إليه "ما حصل" فصار الكلام خذ ربع ونصفه ما حصل، ثم حذف الضمير فصار: خذ ربع ونصف ما حصل. وإنما حذفوا الضمير إصلاحا للفظ، وهذا مذهب سيبويه والجمهور، والمذهب الأول أقرب مأخذا من هذا، ومثل هذا المثال قولهم: قطع الله يد ورجل من قالها، وقول الفرزدق:
يا من رأى عارضا أسر به
...
بين ذراعي وجبهة الأسد
انظر التصريح: ٢/ ٥٦-٥٧، الأشموني: ٢/ ٣٢٦، سيبويه: ١/ ٩٢.
٣ لم ينسب إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من الرجز وصدره قوله:
علقت آمالي فعمت النعم
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٧، والعيني: ٣/ ٤٥١.
المفردات الغريبة: علقت: وصلت. آمالي: جمع أمل، وهو ما يطمع فيه المرء =стр. 821
ومن غير الغالب؛ قولهم: "ابدأ بذا من أول"، بالخفض من غير تنوين١، وقراءة بعضهم: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ٢؛ أي: فلا خوف شيء عليهم٣.
الحواشي
(١) = ويرجوه. وبل، الوبل: المطر الغزير كالوابل. الديم: جمع ديمة، وهي المطر الدائم لا رعد فيه ولا برق.
المعنى: وصلت آمالي وما أرجوه في الحياة، ووضعتها بين يدي رجل أسبغ علي نعمه وعمني بفضله، فكان مثل الغيث العميم، أو أكثر منه نفعا.
الإعراب: علقت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. آمالي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم؛ والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. فعمت: الفاء عاطفة، عم: فعل ماض، والتاء: للتأنيث. النعم: فاعل مرفوع، وسكن لضرورة الشعر. "بمثل": متعلق بـ"علق"، و"مثل" مضاف إلى محذوف يدل عليه المذكور بعده، والتقدير: بمثل وابل الديم. أو: حرف عطف. أنفع: اسم معطوف على مثل، مجرور وعلامة جره الفتحة بدل الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف. "من وابل": متعلق بـ"أنفع"، ووابل مضاف. الديم: مضاف إليه مجرور، وسكن لضرورة الشعر.
موطن الشاهد: "بمثل".
وجه الاستشهاد: حذف المضاف إليه بعد مثل؛ لدلالة "وابل الديم" عليه؛ والتقدير: بمثل وابل الديم، أو أنفع من وابل الديم.
١ أي: على نية لفظ المضاف إليه، والتقدير: من أول الأمر. حكى ذلك أبو علي الفارسي.
٢ ٥ سورة المائدة، الآية: ٦٩.
أوجه القراءات: قرأ ابن محيصن: "فلا خوف" بالرفع من غير تنوين، وقرأ ابن يعقوب: "فلا خوف" بالفتح من غير تنوين على الإعمال؛ وقرأ الجمهور: "فلا خوف عليهم" بالرفع والتنوين.
أوجه القراءات: قراءة الرفع -من غير تنوين- على أن "لا" مهملة، أو عاملة عمل ليس؛ وقراءة الفتح: على أن "لا" عاملة عمل "إن".
موطن الشاهد: ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف المضاف إليه -على هذه القراءة- مع نية لفظ المضاف إليه؛ والتقدير: فلا خوف شيء عليهم؛ وذلك على تقدير الفتحة إعرابا، وأما إن قدرت بناء فلا شاهد في الآية على هذه القراءة.
٣ "خوف" بالضم بلا تنوين على أن "لا" مهملة، أو عاملة عمل ليس، وبالفتح على أن =стр. 822
.................................................
الحواشي
(١) = "لا" عاملة عمل "إن"، فإن قدرت الفتحة إعرابا ففيه الشاهد، وإن قدرت بناء فلا. وقد يحذف المضاف إليه ويبقى المضاف على حاله؛ إذا كان معطوفا على مضاف إلى مثل المحذوف، عكس الصورة المذكورة. ومنه الحديث: عن أبي برزة الأسلمي ﵁: غزونا مع رسول الله ﷺ -سبع غزوات، أو ثمانيَ- بفتح الياء بلا تنوين، أي ثماني غزوات. ويقتصر في هذا على السماع. الأشموني: ٢/ ٣٢٦.
فائدة: اعلم أن حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه قد يكون قياسيا، وقد يكون سماعيا، فأما السماعي فضابطه أن يكون المضاف إليه الباقي صالحا لأن ينسب إليه ما كان منسوبا للمضاف المحذوف قبل الحذف كما في قول عمر بن أبي ربيعة:
لا تلمني عتيق حسبي الذي بي
...
إن بي يا عتيق ما قد كفاني
فأراد عمر أن يقول: لا تلمني يابن أبي عتيق غير أن وزن الشعر لم يمكنه من أن يقول ذلك, وعتيق الذي كان مضافا إليه قبل الحذف صالح لأن ينادى، وينهى عن ترك اللوم.
وأما القياسي، فضابطه العام أن يكون المضاف إليه الباقي غير صالح في نفسه لأن يُنسب إليه العامل الذي كان منسوبا قبل الحذف إلى المضاف، وهذا الجنس يقع في كثير من مواقع الإعراب منها:
أ- أن يكون المضاف قبل الحذف فاعلا كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ، والتقدير: وجاء أمر ربك؛ لأن نسبة المجيء إلى الله تعالى لما تقتضيه من المكانية والانتقال مستحيلا.
ب- أن يكون المضاف قبل حذفه مبتدأ في الحال، أو في الأصل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ ، والتقدير: ولكن أهل البر من آمن. وكقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ، والتقدير: زمن الحج أشهر.
ح- أن يكون المضاف قبل حذفه خبر مبتدأ، كقول الشاعر:
وشر المنايا ميت وسط أهله
والتقدير: وشر المنايا منية ميت وسط أهله، وقد تحتمل الآيتان في الموضع الثاني هذا الوجه فيكون تقدير الأولى: ولكن البر بر من آمن. ويكون تقدير الثانية: الحج حج أشهر معلومات.
د- أن يكون المضاف مفعولا به قبل الحذف، كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ، والتقدير: وأشربوا في قلوبهم حب العجل.
هـ- أن يكون المضاف قبل حذفه مفعولا مطلقا، كقول الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
...
وبت كما بات السليم مسهدا
=стр. 823
[الفصل بين المتضايفين] :
فصل: زعم كثير من النحويين: أنه لا يفصل بين المتضايفين إلا في الشعر١؛ والحق أن مسائل الفصل سبع؛ منها ثلاث جائزة في السعة٢:
الحواشي
(١) = والتقدير: ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمدا.
و أن يكون المضاف قبل حذفه مفعولا فيه، كقولهم: "جاءنا طلوع الشمس" والتقدير: جاءنا وقت طلوع الشمس. وكقولهم: "حدث هذا إمارة الحجاج" والتقدير: حدث هذا زمن إمارة الحجاج.
ز- أن يكون المضاف قبل حذفه مفعولا معه، كقولك: "جاء زيد والشمس" والتقدير: جاء زيد وطلوع الشمس.
ح- أن يكون المضاف قبل حذفه حالا، كما في المثل: "تفرقوا أيدي سبأ" والتقدير: تفرقوا مثل أيدي سبأ.
ط- أن يكون المصاف قبل حذفه مجرورا بحرف جر، كقوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ، والتقدير: تدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه.
ي- أن يكون المضاف قبل الحذف مجرورا بإضافة شيء إليه، كقول النابغة: ولا يحول عطاء اليوم دون غد.
ك- أن يكون المضاف قبل حذفه مفعولا لأجله، كقولك: "زرنا الشيخ فضله" والمراد: زرنا الشيخ ابتغاء فضله وهذا الموضع ذكره ابن الخباز.
انظر المغني: ٨١١، أوضح المسالك: ٣/ ١٧٤-١٧٦.
١ ذلك لأن المضاف إليه بمنزلة الجزء من المضاف، فكما لا يفصل بين أجزاء الاسم، لا يفصل بينه وبين ما نزل منزلة الجزء منه؛ وهذا رأي البصريين، وهو رأي حسن؛ لأن الفصل بين المتضايفين يُبعد المعنى عن الذهن، ويحتاج إلى تفكير لفهمه، ولا بد من قرينة تدل على ذلك، ومما جاء من الفصل بين المتضايفين في الشعر قول عمرو بن قميئة:
لما رأت ساتيذما استعبرت
...
لله در اليوم من لامها
فـ"در" -في البيت- مضاف إلى "من لامها"، وقد فصل بينهما بالظرف اليوم و"ساتيذما" اسم جبل، استعبرت: بكت.
انظر التصريح: ٢/ ٥٧، سيبويه: ١/ ٩٠.
٢ وضابطها أن يكون المضاف؛ إما اسما يشبه الفعل والفاصل بينهما معمول للمضاف منصوب، أو اسما لا يشبه الفعل والفاصل القسم.стр. 824
[المسائل التي يجوز الفصل فيها في سعة الكلام] :
إحداها: أن يكون المضاف مصدرا والمضاف إليه فاعله، والفاصل إما مفعوله؛ كقراءة ابن عامر١: "قتلُ أولادَهم شركائِهم"٢، وقول الشاعر٣: [الطويل]
٣٥٣- فسقناهم سوق البغاث الأجادل٤
الحواشي
(١) ١ مرت ترجمته.
٢ ٦ سورة الأنعام، الآية: ١٣٧.
أوجه القراءات: قرأ ابن عامر: "زُين لكثيٍر قتلُ أولادَهم شركائهم"، وقرأ الجمهور: ﴿زَيَّنَ﴾ بفتح الزاي والياء؛ وروي -أيضا- عن ابن عامر أنه قرأ: "زُين" بضم الزاي، ورفع "قتل"، وخفض "الأولاد"؛ فيصير الشركاء اسما للأولاد؛ لمشاركتهم الآباء في النسب والميراث والدين. انظر البحر المحيط: ٤/ ٢٢٩، وإعراب القرآن، للنحاس، وتفسير القرطبي: ٧/ ٩١-٩٢.
أوجه القراءات: من قرأ "زُين" بالبناء للمجهول، ورفع "قتل" على أنه نائب فاعل، ورفع "شركاء" حملا على المعنى، كأنه قيل: من زينه لهم؟ قيل: شركاؤهم؛ وأضيفت "الشركاء" إليهم؛ لأنهم هم استخرقوها وجعلوها شركاء الله؛ تعالى الله عن ذلك؛ فباستخراقهم لها أضيفت إليهم.
ومن قرأ هذه القراءة، ونصب "الأولاد" وخفض الشركاء بإضافة القتل إليهم؛ فهي قراءة بعيدة لما سيأتي.
موطن الشاهد: "قتلُ أولادَهم شركائِهم".
وجه الاستشهاد: رفع "قتلُ" على أنه نائب فاعل، لـ"زُين" وجر "شركائهم" على إضافة "قتل" إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، باعتبار أمرهم به، ونصب "أولادهم" على أنه مفعول به؛ وقد فصل بين المتضايفين؛ وقال بعضهم: والفصل في هذا حسن. التصريح: ٢/ ٥٧.
٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
عتوا إذ أجبناهم إلى السلم رأفة.
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٧، والأشموني: ٦٥٥/ ٢/ ٣٢٧، والعيني: ٣/ ٤٦٥.
المفردات الغريبة: عتوا: من العتو، وهو مجاوزة الحد. السلم "بكسر السين =стр. 825
وإما ظرفه؛ كقول بعضهم: "ترك يوما نفسك وهواها"١.
الحواشي
(١) = وفتحها": الصلح: البغاث "بفتح الباء بزنة السحاب وبكسرها بزنة الكتاب وبضمها بزنة الغراب": طائر ضعيف يصاد ولا يصيد ولا نفع له. الأجادل: جمع أجدل، وهو الصقر.
المعنى: أن أعداءنا تكبروا، وطغوا، وأفسدوا، لما رحمناهم وسالمناهم وصالحناهم رأفة بهم، ولما بدر منهم ذلك لم نر بدا من أن نطاردهم ونأخذهم بالقسوة والشدة، فسقناهم أمامنا كما تسوق كواسر الطير -الأجادل- الطيور الضعيفة كالبغاث منها.
الإعراب: عتوا: عتا: فعل ماض، مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. "إذ": متعلق بـ"عتوا"، ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب. أجبناهم: فعل ماضٍ مبني على السكون، و"نا" ضمير متصل في محل رفع فاعل، و"هم": ضمير متصل في محل نصب مفعول به؛ وجملة "أجبناهم": في محل جر بالإضافة: "إلى السلم": متعلق بـ"أجاب". رأفة: مفعول لأجله منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. فسقناهم: الفاء عاطفة، ساقه: فعل ماض، و"نا" فاعله، و"هم" مفعوله. سوق: مفعول مطلق، مبين للنوع منصوب بـ"ساق"، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. الأجادل: مضاف إليه مجرور من إضافة المصدر إلى فاعله. البغاث: مفعول به للمصدر سوق؛ وقد فصل بهذا المفعول بين المصدر "سوق"، وفاعله "الأجادل".
موطن الشاهد: "سوق البغاث الأجادل".
وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "سوق"، والمضاف إليه "الأجادل" فاعل المصدر بالمفعول "البغاث" لأن التقدير: سوق الأجادل البغاث، ومثل هذا البيت قول الشاعر:
"ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها"
فقوله: "زد" مصدر أضيف على فاعله "أبي مزاده"، وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بمفعول المصدر "القلوص".
١ نصيحة نثرية، وهي بتمامها:
"ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها"
ترك: مصدر مبتدأ. يوما: ظرف منصوب به، وقد فصله من المضاف إليه، وهو نفسك الواقع فاعلا للمصدر، ومفعوله محذوف. وهواها: مفعول معه، أي: ترك نفسك شأنها يوما مع هواها. سعي: خبر المبتدأ. ويجوز أن يكون المصدر مضافا إلى مفعوله والفاعل محذوف، أي: تركك نفسك.стр. 826
الثانية: أن يكون المضاف وصفا١، والمضاف إليه إما مفعوله٢ الأول، والفاصل مفعوله الثاني؛ كقراءة بعضهم: "فلا تحسبن الله مخلف وعدَه رسلِه"٣، وقول الشاعر٤: [الكامل]
٣٥٤- وسواك مانع فضله المحتاج٥
الحواشي
(١) ١ اسم فاعل بمعنى الحال، أو الاستقبال.
٢ لم يأت المصنف لـ"إما" هذه بمقابل، والصواب تأخيرها بعد كلمة "الفاصل"؛ لأن التنويع فيه، وأن يقول: والفاصل إما مفعوله الثاني؛ لأنه قد عادل ذلك؛ بقوله: أو ظرفه.
٣ ١٤ سورة إبراهيم، الآية: ٤٧.
موطن الشاهد: "مخلف وعدَه رسلِه".
وجه الاستشهاد: وقوع "مخلف" اسم فاعل متعدٍّ لاثنين، وهو مضاف، و"رسله" مضاف إليه، من إضافة الوصف إلى مفعوله الأول، و"وعده" مفعوله الثاني؛ وفصل به بين المضاف والمضاف إليه؛ والأصل: فلا تحسبن الله مخلف رسله وعده.
انظر التصريح: ٢/ ٥٨.
٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
ما زال يوقن من يؤمك بالغنى
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٨، والأشموني: ٦٥٨/ ٢/ ٣٢٧، والعيني: ٣/ ٤٦٩.
المفردات الغريبة: يوقن: يعلم علما لا شك فيه. يؤمك: يقصدك. المحتاج: الذي به حاجة إلى غيره.
المعنى: أن من يقصدك طالبا معروفك ونداك يعلم علما لا يخالطه شك أنك ستغنيه وتجيب سؤله، وأما غيرك فيمنع المحتاجين فضله ووفرة ماله.
الإعراب: ما زال: ما: نافية، زال: فعل ماضٍ ناقص. يوقن: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو يعود إلى اسم زال المتأخر، وجملة "يوقن": في محل نصب خبر "زال" تقدم على اسمه. من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع اسم "زال" تأخر عن الخبر. يؤمك: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو، والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب مفعولا به، وجملة "يؤمك": صلة للموصول لا محل لها من الإعراب. بالغنى: متعلق بـ"يوقن". وسواك: الواو عاطفة، سوى: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة =стр. 827
أو ظرفه؛ كقوله ﵊: "هل أنتم تاركو لي صاحبي" ١، وقول الشاعر٢: [الطويل]
٣٥٥- كناحت يوما صخرة بعسيل٣
الحواشي
(١) = المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف، والكاف في محل جر مضاف إليه. مانع: خبر مرفوع، وهو مضاف. المحتاج: مضاف إليه. فضله: مفعول به لمانع، وهو مضاف، والهاء: في محل جر مضاف إليه.
موطن الشاهد: "مانع فضله المحتاج".
وجه الاستشهاد: مجيء مانع اسم فاعل من فعل "منع" الذي يتعدى إلى مفعولين، وقد اضاف الشاعر هذا العامل إلى مفعوله الأول "المحتاج"؛ وفصل بينهما بالمفعول الثاني "فضله"؛ لأن الأصل: وسواك مانع المحتاج فضله.
١ هذا جزء من حديث شريف رواه أبو الدرداء، قاله الرسول ﷺ حين وقع خلاف بين أبي بكر وبعض الصحابة؛ فغضب النبي ﷺ وقال: "فهل أنتم تاركو لي صاحبي".
والحديث أخرجه البخاري: ٧/ ١٨، وجامع الأصول: ٨/ ٥٩٢ برواية "تاركون".
موطن الشاهد: "تاركو لي صاحبي".
وجه الاستشهاد: وقوع "تاركو" -جمع تارك- اسم فاعل من "ترك"، وهو مضاف إلى مفعوله "صاحبي"؛ بدليل حذف النون من "تاركو"، و"لي": جار ومجرور متعلق بـ"تاركو"، وقد فصل به بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن الأصل: هل أنتم تاركون صاحبي لي.
انظر التصريح: ٢/ ٥٨.
٢ لو يُنسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
فرشني بخير لا أكونن ومدحتي
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٨، والأشموني: ٦٥٩/ ٢/ ٣٢٨، والعيني: ٣/ ٤٨١، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٢/ ٦٦، واللسان "عسل".
المفردات الغريبة: رشني: فعل أمر: من راش السهم، ألزق عليه الريش لتقويته، والمراد: قوني وأصلح شأني. بعسيل، العسيل: مكنسة العطار التي يجمع بها العطر.
المعنى: يخاطب الشاعر من يستجديه، ويطلب عونه قائلا: قوني وأصلح لي شأني، ولا تبخل علي وتخيب آمالي فيك، حتى لا أكون في مدحي لك، وثنائي عليك كمن ينحت الصخر بمكنسة العطار؛ والمراد أن جودة شعره في مدحه لم تؤثر فيه.
الإعراب: فرشني: الفاء استئنافية، رش: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير =стр. 828
الثالثة: أن يكون الفاصل قسما؛ كقولك: "هذا غلام والله زيد"١.
[المسائل التي تختص بالشعر] :
والأربع الباقية تختص بالشعر:
إحداها: الفصل بالأجنبي، ونعني به معمول غيره المضاف؛ فاعلا كان؛ كقوله٢: [المنسرح]
الحواشي
(١) = مستتر وجوبا تقديره: أنت، والنون للوقاية، والياء: مفعول به. "بخير": متعلق بـ"رش". لا أكونن: لا: نافية، أكونن: فعل مضارع ناقص، مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والنون: لا محل لها من الإعراب، واسم أكون ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره "أنا". ومدحتي: الواو واو المعية، مدحة: مفعول معه منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، و"مدحة" مضاف و"ياء المتكلم" مضاف إليه.
"كناحت": متعلق بمحذوف خبر أكون، و"ناحت" مضاف، و"صخرة" مضاف إليه مجرور من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. "يوما" متعلق بـ"ناحت"، وقد فصل بالظرف بين المضاف "ناحت" والمضاف إليه "صخرة". "بعسيل": متعلق بـ"ناحت".
موطن الشاهد: "كناحت يوما صخرة".
وجه الاستشهاد: مجيء "ناحت" اسم فاعل مضاف إلى مفعوله "صخرة"، وقد فصل بينما بالظرف "يوما" كما بينا في الإعراب.
١ بجر "زيد" بإضافة "غلام" إليه. وقد ذكر الكسائي عن العرب أنهم يقولون ذلك. وحكى أبو عبيده عن العرب قولهم: إن الشاة لتجتر فتسمع صوت والله ربها.
ومن مواضع الفصل اختيارا، وزاده ابن مالك في الكفاية؛ الفصل بـ"إما" كقول تأبط شرا:
هما خطتا إما إسار ومنة ... وإما دم والقتل بالحر أجدر
أي: هما خطتا إسار. وقد حذفت نون المثنى المضاف وفصل بينهما بإما. والخطة: الحالة والطريقة. وإسار: أي: أسر ووقوع في يد العدو. ومنة: أي: امتنان وعفو بإطلاق السراح. أي: أن الخطتين المعلومتين من السياق، هما: خطتا أسر وامتنان إن رأيتم العفو، أو قتل وهو أولى بالحر، وهذا تهكم واستهزاء.
وقد حكى ابن الأنباري: هذا غلام إن شاء الله أخيك، ففصل بإن شاء الله. هذا: ويشترط في الفصل مطلقا: ألا يكون المضاف إليه ضميرا؛ لأنه لا يفصل من عامله. الأشموني: ٢/ ٣٢٨-٣٢٩، والتصريح: ٢/ ٥٨، والإنصاف.
٢ القائل: هو الأعشى ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته.стр. 829
٣٥٦- أنجب أيام والده به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا١
أو مفعولا؛ كقوله١: [البسيط]
٣٥٧- تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها٢
أي: تسقي ندى ريقتها المسواك.
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة في مدح سلامة ذا فائش الحميري، هو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٨، والأشموني: ٦٦١/ ٢/ ٣٢٨، والمحتسب: ١/ ١٥٢، وأسرار البلاغة: ٣٨٠، ومعاهد التنصيص: ١/ ٢٥٣، وديوان الأعشى: ١٥٧.
المفردات الغريبة: أنجب: من أنجب الرجل -ولد ولدا نجيبا. نجلاه: ولداه.
المعنى: أن والدي هذا المولود أتيا بولد نجيب حين ولداه، فنعم المولود الذي أنجباه.
الإعراب: أنجب: فعل ماضٍ مبني على الفتح. "أيام": متعلق بـ"أنجب" منصوب. والداه: فاعل مرفوع، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه. "به": متعلق بـ"أنجب". إذ: ظرف زمان مضاف إليه لأيام؛ من إضافة العام إلى الخاص وقد فصل بينهما بأجنبي من المضاف، وهو "والداه" الواقع فاعلا لأنجب. نجلاه: فعل ماضٍ مبني على الفتح، وألف الاثنين في محل رفع فاعل والهاء في محل نصب مفعولا به، وجملة "نجلاه" في محل جر بالإضافة بعد "إذ". فنعم: نعم: فعل ماضٍ لإنشاء المدح، ما: اسم موصول في محل رفع فاعل نعم. نجلا: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والألف في محل رفع فاعل، وجملة "نجلا": صلة للموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد إلى الاسم الموصول ضمير منصور بـ"نجلا" محذوف، وتقدير الكلام: فنعم الذي نجلا؛ وهذا هو الوجه الأرجح.
موطن الشاهد: "أنجب أيام والداه به إذ نجلا".
وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "أيام"، والمضاف إليه "إذ نجلا"؛ حيث إن "إذ" ظرف زمان أضيف إلى أيام، والفاصل بينهما أجنبي ليس معمولا للمضاف، وهذا الفاصل "والداه" فاعل أنجب، ولا علاقة له بالمضاف؛ لأن أصل البيت أنجب والده به أيام إذ نجلاه فنعم ما نجلا؛ وفي البيت أيضا فصل بالجار والمجرور "به"؛ وهذا يدل على جواز الفصل بأكثر من معمول أجنبي للضرورة.
١ القائل هو: جرير بن عطية، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
كما تضمن ماء المزنة الرصف
=стр. 830
أو ظرفا؛ كقوله١: [الوافر]
الحواشي
(١) = والبيت من قصيدة يمدح فيها يزيد بن عبد الملك بن مروان ويذم آل المهلب، وقبله قوله:
ما ستوصف الناس عن شيء يروقهم ... إلا أرى أم عمرو فوق ما وصفوا
كأنهم مزنة غراء واضحة ... أو درة لا يواري ضوءها الصدف
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٨، والأشموني: ٦٦٢/ ٢/ ٣٢٨، والعيني: ٣/ ٣٧٤، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٢/ ٦٦، وديوان جرير: ٣٨٦.
المفردات الغريبة: امتياحا: مصدر امتاح، أي غرف الماء، والمراد هنا الاستياك. الندى: البلل. المسواك: العود الذي يستاك به. ريقتها؛ الريقة: الرضاب، وهو ماء الفم. المزنة: السحابة البيضاء. الرصف: الحجارة المرصوفة، والمفرد رصفة.
المعنى: أن أم عمرو تسقي من رضاب فمها المسواك الذي تستاك به فيشتمل على ريقها العذب الصافي كما تشتمل الحجارة المرصوفة على ماء المطر الصافي، ذلك أن الماء المتراكم فوق هذه الحجارة أصفى وأنقى ما يعرف العرب من الماء.
الإعراب: تسقي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء؛ للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي يعود إلى أم عمرو. امتياحا: مصدر نائب عن ظرف الزمان؛ أي: وقت امتياحها، أو حال مؤولة بمشتق؛ أي: ممتاحة، والتقدير: حال كونها ممتاحة: أي: مستاكة. ندى: مفعول به ثان لـ"تستقي" تقدم على المفعول الأول منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف. ريقتها: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف، و"ها" في محل جر بالإضافة. المسواك: مفعول به أول لـ"تسقي"، وقد فصل به بين المضاف "ندى"، والمضاف إليه "ريقتها"؛ لأن أصل الكلام تسقي أم عمرو المسواك ندى ريقها. كما: الكاف حرف جر، ما: مصدرية. تضمن: فعل ماضٍ مبني على الفتح. ماء: مفعول به منصوب وهو مضاف. المزنة: مضاف إليه مجرور. الرصف: فاعل مرفوع؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بحرف الجر؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا لـ"تسقي"، وتقدير الكلام تسقي أم عمرو المسواك ندى ريقتها سقيا مشابها لتضمن الرصف ماء المزنة.
موطن الشاهد: "ندى المسواك ريقتها".
وجه الاستشهاد: فصل الشاعر بين المضاف "ندى"، والمضاف إليه "ريقتها" بـ"المسواك"، وهو مفعول "تسقي"، ومعلوم أنه أجنبي غير معمول للمضاف.
١ القائل: هو أبو حية النميري، واسمه: الهيثم بن الربيع بن زرارة: شاعر مجيد وراجز =стр. 831
٣٥٨- كما خط الكتاب بكف يوما ... يهودي يقارب أو يزيل١
الثانية: الفصل بفاعل المضاف؛ كقوله٢: [الرجز]
٣٥٩- ولا عدمنا فهر وجد صب٣
الحواشي
(١) = فصيح من أهل البصرة، ومن مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، كان أهوج جبانا كذابا، توفي سنة: ١٨٣هـ.
تجريد الأغاني: ٤/ ١٧٥٨، الشعر والشعراء: ٢/ ٧٧٤، والأغاني: ١٥/ ٦١، والخزانة: ٤/ ٢٨٣.
١ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٩، والأشموني: ٦٦٣/ ٢/ ٣٢٨، وابن عقيل: ٢٤/ ٣/ ٨٣، وسيبويه: ١/ ٩١، والمقتضب: ١/ ٢٣٧، ٤/ ٣٧٧، والإنصاف: ١/ ٤٣٢، وشرح المفصل: ١/ ١٠٣، ٢/ ٢٥٠. والعيني: ٣/ ٤٧٠، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٢/ ٦٦.
المفردات الغريبة: يقارب: يجعل بعض الكتابة قريبا من بعض. يزيل: يفرق ويباعد بينها.
المعنى: أن رسم هذه الدار محكم منسق على حسب المواقع، كخط الكتاب الذي يكتبه يهودي ماهر، فيدني بعض الكتابة من بعضها أحيانا، ويباعد بينها أحيانا أخرى تبعا لما يتطلبه الرونق والجمال؛ وخص اليهودي؛ لأنه من أهل الكتاب فيما يعرف العرب.
الإعراب: كما: الكاف حرف تشبيه وجر، وما: مصدرية لا محل لها من الإعراب. خط: فعل ماضٍ مبني للمجهول. الكتاب: نائب فاعل مرفوع. "بكف": متعلق بـ"خط". "يوما": متعلق بـ"خط"؛ وكف مضاف. يهودي: مضاف إليه مجرور. يقارب: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. وجملة "يقارب": في محل جر صفة لـ"يهودي"، أو: حرف عطف مبني على السكون، لا محل له من الإعراب. يزيل: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ وجملة "يزيل": معطوفة على جملة "يقارب": في محل جر.
موطن الشاهد: "بكف يوما يهودي".
وجه الاستشهاد: الفصل بالظرف يوما بين المضاف "بكف"، والمضاف إليه "يهودي"؛ ومعلوم أن هذا الظرف أجنبي من المضاف؛ لأنه لم يتعلق به، وهو ظرف لقوله "خط"؛ وأصل الكلام: كما خط الكتاب يوما بكف يهودي.
٢ لم ينسب هذا الرجز إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
ما إن رأينا للهوى من طب
=стр. 832
ويحتمل أن يكون منه أو من الفصل بالمفعول قوله١: [الوافر]
الحواشي
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٩، والأشموني: ٦٦٨/ ٢/ ٣٢٩، والعيني: ٣/ ٤٨٢، والهمع: ٢/ ٥٣، والدرر: ٢/ ٦٧.
المفردات الغريبة: الهوى: العشق، أو محبة الإنسان الزائدة للشيء. طب: علاج الجسم والنفس. عدمنا: فقدنا. قهر: غلبة. وجد: شدة الشوق والحب. صب: من الصبابة؛ وهي رقة الشوق وجراءته.
المعنى: لم يجد من برح به العشق علاجا ينفع ويشفي؛ إذ كثيرا ما يغلب الحب والشوق على لعاشق، فيملك عليه نفسه وقلبه، ويقوده إلى حتفه.
الإعراب: ما إن: ما نافية مهملة، إن: حرف زائد، لا محل له من الإعراب. راينا: فعل ماضٍ مبني على السكون، و"نا": ضمير متصل في محل رفع فاعل. "للهوى": متعلق بمحذوف واقع مفعولا ثانيا لـ"رأى"، تقدم على مفعوله الأول، والتقدير: ما رأينا علاجا نافعا للهوى. من: حرف جر زائد. طب: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به أول لـ"رأى". ولا: الواو: عاطفة، لا: حرف زائد لتأكيد النفي. عدمنا: فعل ماضي مبني على السكون، و"نا": ضمير متصل في محل رفع فاعل. قهر: مفعول به منصوب، وهو مضاف. صب: مضاف إليه مجرور؛ من إضافة المصدر لمفعوله؛ وقوله: "وجد": فاعل لـ"قهر"؛ وقد فصل به بين المضاف، والمضاف إليه كما سنرى في وجه الاستشهاد.
موطن الشاهد: "قهر وجد صب".
وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "قهر"، والمضاف إليه "صب" بفاعل المضاف "وجد"؛ لأنه فاعل المصدر "قهر".
فائدة: يلاحظ في المسألة الأولى من مسائل الجواز في السعة جواز الفصل بين المصدر المضاف، وفاعله بالمفعول، كما في قوله تعالى: "قتل أولادهم شركائهم"، ونلحظ -هنا- امتناع إضافة المصدر إلى مفعوله، والفصل بالفاعل في السعة فما الفرق مع أنه معلوم جواز إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله على حد سواء؟ ولعل السبب في ذلك هو أن إضافة المصدر إلى المفعول مع ذكر الفاعل فيه خلاف بين النحاة، حتى منعه بعضهم، على أن المعول عليه هو السماع.
١ هو: الأحوص؛ محمد بن عبد بن عاصم بن ثابت الأوسي، وعاصم من الأنصار وهو حمي الدبر، والأحوص شاعر هجاء، وصاحب نسب من طبقة جميل بن معمر، سمي الأحوص؛ لضيق في مؤخر عينه، توفي سنة ١٠٥هـ.
الشعر والشعراء: ١/ ٥١٨، والجمحي: ١/ ١٣٧، والأغاني: ٤/ ٤٠، والخزانة: ١/ ٢٣١.стр. 833
٣٦٠- فإن نكاحها مطر حرام١
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
فإن يكن النكاح أحل شيء
والبيت: من قصيدة للشاعر. وكان قد هوي امرأة وشبب بها، ثم زوجها أهلها رجلا اسمه مطرن وبعد الشاهد قوله:
فلا غفر الإله لمنكحيها ... ذنوبهم وإن صلوا وصاموا
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٩، والأشموني: ٦٦٩/ ٢/ ٣٢٩، والعيني: ٣/ ٤٦٦، والمغني: ١١٣٢/ ٨٨١، والسيوطي: ٣٢٢.
المفردات الغريبة: النكاح: الزواج. مطر: اسم رجل من أقبح الرجال، وزوجته من أجمل النساء، وكانت تريد فراقه وهو يأبى ذلك. وقيل: إن الأحوص كان يهواها ولكن أهلها زوجوها مطرا هذا.
المعنى: والله لئن كان الزواج أحل شيء؛ فإن زواج مطر من تلك المرأة، يعد حراما؛ لأنه غير كفء لها؛ لقباحته مع جمالها.
الإعراب: إن: حرف شرط جازم. يكن: فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر؛ لالتقاء الساكنين، وهو فعل مضارع ناقص. النكاح: اسم "يكن" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. أحل: خبر "يكن" منصوب، وهو مضاف. شيء: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة. فإن: الفاء واقعة في جواب الشرط، إن حرف مشبه بالفعل. نكاحها: اسم "إن" منصوب، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه؛ من إضافة المصدر إلى معموله؛ فإن رويت مطر بالرفع كان من إضافته المصدر إلى مفعوله؛ وإن رويت مطر بالنصب كانت من إضافة المصدر إلى فاعله؛ وأما إن رويت مطر بالجر، فإن "نكاح" لا يكون مضافا إلى الضمير، بل يكون مضافا إلى مطر، وتحتمل إضافته إلى مطر حينئذ الوجهين؛ فيحتمل أن يكون الضمير فاعل المصدر، إن اعتبرت "مطر" المجرور مفعول المصدر، ويحتمل أن تكون إضافته من إضافة المصدر إلى مفعوله، إذا عددت "مطر" المجرور فاعلا للمصدر: حرام: خبر إن مرفوع؛ وجملة "إن واسمها وخبرها": في محل جزم جواب الشرط.
موطن الشاهد: "نكاحها مطر".
وجه الاستشهاد: رُوي البيت برفع "مطر"، ونصبه وجره؛ فرواية الرفع على أن نكاحها مصدر أضيف إلى مفعوله ومطر فاعله؛ والتقدير: فإن نكاح مطر إياها. ورواية النصب على أن نكاحها مصدر مضاف إلى فاعله ومطر مفعوله؛ وأما رواية الجر -المرادة هنا- فعلى أن نكاح مصدر مضاف إلى مطر.стр. 834
بدليل أنه يروى بنصب مطر وبرفعه؛ فالتقدير فإن نكاح مطر إياها أو هي.
والثالثة: الفصل بنعت المضاف؛ كقوله١: [الطويل]
٣٦١- من ابن أبي شيخ الأباطح طالب٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو معاية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية، وأحد دهاة العرب المشهورين فصيح اللسان عظيم الجسم حتى سماه عمر بن الخطاب كسرى العرب، أسلم يوم الفتح، وكان أحد كتاب النبي ﷺ كانت بينه وبين علي بن أبي طالب معارك وخلاف. مات سنة ٦٠هـ وقد بلغ الثمانين.
الأعلام: ٧/ ٢٦١، ابن الأثير: ٤/ ٢، الطبري: ٢/ ١٨٠.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
نجوت وقد بل المرادي سيفه
البيت قاله معاوية بعد أن نجا من ضربة الخارجي الذي أراد قتله، وكان قد قتل عبد الرحمن بن ملجم -لعنه الله- عليا بن أبي طالب، وقتل نائب عمرو بن العاص الذي شاء الله أن لا يخرج للصلاة تلك الليلة، والقصة مشهورة.
والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٩، والأشموني: ٦٦٤/ ٢/ ٣٢٨، وابن عقيل: ٢٤١/ ٣/ ٨٤، والعيني: ٣/ ٤٧٨، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٦٧.
المفردات الغريبة: المرادي: نسبة إلى قبيلة مراد باليمن، والمراد ابن ملجم. الأباطح: جمع أبطح، وهو المكان الواسع ومسيل الماء فيه دقاق الحصى، والمراد مكة. وأراد بشيخها: أبا طالب؛ لأنه كان عظيما فيها.
المعنى: تخلصت من القتل، وقد لطخ ابن ملجم -لعنه الله- سيفه بدم علي بن أبي طالب شيخ مكة وعظيمها.
الإعراب: نجوت: فعل ماض، والتاء فاعله. وقد: الواو: حالية، قد: حرف تحقيق. بل: فعل ماضٍ مبني على الفتح. المرادي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. سيفه: مفعول به منصوب، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه. من: حرف جر مبني على السكون وحرك بالفتح؛ لالتقاء الساكنين. ابن: اسم مجرور، و"من ابن": متعلق بـ"بل"، وابن مضاف، وأبي: مصاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وأبي: مضاف. طالب: مضاف إليه مجرور. شيخ الأباطح: شيخ: صفة لأبي طالب، وهو مضاف. والأباطح: مضاف إليه؛ ويمكن أن نعد "شيخ الأباطح" مركبا إضافيا، واقعا صفة لأبي طالب وتقدير الكلام؛ من ابن أبي طالب شيخ الأباطح. =стр. 835
الرابعة: الفصل بالنداء١؛ كقوله٢: [الرجز]
٣٦٢- كأن برذون أبا عصام ... زيد حمار دق باللجام٣
أي: كأن برذون زيد يا أبا عصام.
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: "أبي شيخ الأباطح طالب".
وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "أبي"، والمضاف إليه "طالب" بصفة المضاف "شيخ الأباطح"؛ لأن أصل الكلام: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح كما أسلفنا.
١ من هذا القبيل قول بجير بن زهير بن أبي سلمى المزني لأخيه كعب:
وفاق كعب بجير منقذ لك من ... تعجيل تهلكة والخلد في سفر
فإن قوله: "وفاق" مضاف إلى "بجير"، وقد فصل بينهما بالمنادى، وأصل نظم الكلام: وفاق بجير يا كعب منقذ لك من تعجيل تهلكة.
هذا: والنداء مما يكثر دوره في الكلام كالقسم، وقد فصلوا به بين الموصول وصلته كما في قول الفرزدق:
تعش فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
فقد فصل بين الموصول "من"، وصلته "يصطحبان" بالنداء "يا ذئب".
وقد أجاز جماعة من النحاة الفصل بين إذن الناصبة، والفعل المضارع بالنداء، فكان من حق الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالنداء أن يكون جائزا في سعة الكلام كالفصل بالقسم؛ لأنهما بمنزلة واحدة، ولكن النحاة جعلوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالقسم جائزا في السعة، والفصل بالنداء مقصورا على ضرورة الشعر، وذلك لأنهم وجدوا في كلام العرب المنثور الفصل بالقسم كعبارة الكسائي، وعبارة أبي عبيدة، ولم يجدوا مثل هذا في الفصل بالنداء، فوقفوا عند السماع؛ لأنه هو الأساس في كل ما أصلوه من قواعد. حاشية الصبان على شرح الأشموني: ٣/ ٢٧٩.
٢ لم يُنسب إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز أو بيتان من مشطوره، وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٠، والأشموني: ٦٦٥/ ٢/ ٣٢٩، وابن عقيل: ٢٤٤/ ٣/ ٨٦، والخصائص: ٢/ ٤٠٤، والعيني: ٣/ ٥٨٠، والهمع: ٢/ ٥٣، والدرر: ٢/ ٦٧.
المفردات الغريبة: برذون: البرذون من الخيل: ما ليس بعربي. أبا عصام: كنية رجل. دق: من الدقة، ضد غلظ.
المعنى: أن برذون زيد -يا أبا عصام- غير أصيل، وهو هزيل مثل حمار ضعف وهزل بسبب اللجام.
الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. برذون: اسم كأن منصوب. أبا: منادى مضاف =стр. 836
[أحكام المضاف إلى ياء المتكلم] :
فصل: في أحكام المضاف للياء.
يجب كسر آخره١ كغلامي، ويجوز فتح الياء وإسكانها٢.
[ما يستثنى من كسر الآخر] :
ويستثنى من هذين الحكمين أربع مسائل؛ وهي: المقصور كفتى وقذى، والمنقوص كرامٍ وقاضٍ، والمثنى كابنين وغلامين، وجمع المذكر السالم كزيدِينَ ومسلمِينَ٣.
فهذه الأربعة: آخرها واجب السكون؛ والياء معها واجبة الفتح٤، وندر
الحواشي
(١) = بحرف نداء محذوف منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، وأبا مضاف. عصام: مضاف إليه مجرور. برذون: مضاف، وزيد: مضاف إليه. حمار: خبر كأن مرفوع. دق: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. "باللجام": متعلق بـ"دق"؛ وجملة "دق": في محل رفع صفة لـ"حمار".
موطن الشاهد: "برذون أبا عصام زيد".
وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "برذون"، والمضاف إليه "زيد" بالنداء "أبا عصام"؛ ويجوز أن يكون "أبا عصام" هو زيد، وعلى هذا يكون برذون مضافا إلى "أبا عصام" على لغة القصر، ويكون زيد بالجر بدلا منه، ولا شاهد في البيت حينئذ.
١ أي آخر المضاف، وذلك لمناسبة الياء؛ سواء كان صحيحا كما مثل المصنف أو شبيها به وهو: ما آخره واو أو ياء قبلها ساكن، كدلوي وظبي.
٢ والإسكان هو الأصل، وتكون مبنية على السكون أو الفتح في محل جر، وقد تحذف الياء اكتفاء بالكسرة قبلها، وقد تقلب الياء مع فتح ما قبلها كغلاما، وقد تحذف الألف اكتفاء بالفتحة، وتختص هذه الأوجه بالإضافة المحضة لا بالنداء كما في التسهيل، أما في غريها فلا حذف ولا قلب. كمكرمي؛ لأنها في نية الانفصال فليست الياء كجزء من الكلمة.
التصريح: ٢/ ٦٠.
٣ لأن آخر المقصور والمثنى المرفوع ألف، وآخر المنقوص والمثنى المجرور والمنصوب، وجمع المذكر مطلقا ياء مدغمة في ياء المتكلم، والألف والحرف المدغم لا يقبلان التحريك.
٤ وذلك للتخلص من التقاء الساكنين.стр. 837
إسكانها بعد الألف في قراءة نافع١: "ومحيايْ"٢، وكسرها بعدها في قراءة الأعمش٣ والحسن٤: "هي عصايِ"٥؛ وهو مطرد في لغة بني يربوع٦ في الياء المضاف إليها جمع المذكر السالم؛ وعليه قراءة حمزة٧ "بمصرخيِّ إني"٨.
الحواشي
(١) ١ مرت ترجمته.
٢ ٦ سورة الأنعام، الآية: ١٦٢.
أوجه القراءات قرأ نافع وورش وقالون وأبو جعفر: "محيايْ" بإسكان الياء؛ وقرأ عيسى بن عمر والجحدري: محييَّ"؛ وقرأ الجمهور: "محيايَ" بالفتح بعد الألف. البحر المحيط: ٤/ ٢٦٢، والحجة: ٢٧٩.
موطن الشاهد: "محيايْ".
وجه الاستشهاد: وقوع "الياء" ساكنة -على هذه القراءة- وذلك نادر؛ لأنه يلزم -عليها- التقاء ساكنين على غير حده الجائز.
٣ هو: أبو محمد؛ سليمان بن مهران بن الأعمش، الأسدي الكوفي، أحد أصحاب القراءات الشاذة بعد العشرة، أخذ القراءة عن عاصم ومجاهد وغيرهما، وكان حافظا ثبتا واسع العلم بالقراءة، ورعا ناسكا يتجنب الاتصال بأصحاب السلطان، وكان يسمى "المصحف" لشدة إتقانه وضبطه. قال عنه هشام: ما رأيت بالكوفة أحدا أقرأ منه لكتاب الله، وكان مع هذا صاحب نوادر وملح، توفي سنة ١٤٨هـ.
طبقات القراء: ١/ ٣١٥، تذكرة الحفاظ: ١/ ١٥٤، وفيات الأعيان: ٢/ ٤٠٠.
٤ هو الحسن البصري، وقد مرت ترجمته.
٥ ٢٠ سورة طه، الآية: ١٨.
أوجه القراءات: قرأ الأعمش والحسن البصري: "هي عصايِ" بكسر الياء بعد الألف على أصل التقاء الساكنين، وقرأ الجمهور: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ بفتح الياء.
موطن الشاهد: "عصايِ".
وجه الاستشهاد: كسر الياء بعد الألف؛ وحكم هذا الكسر نادر.
٦ حي من تميم، رأسه يربوع بن حنظلة بن مالك، وشاعرهم الأغلب العجلي، ومنهم متمم بن نويرة الصحابي.
٧ مرت ترجمته في الجزء الأول.
٨ ١٤ سورة إبراهيم، الآية: ٢٢.
أوجه القراءات: قرأ حمزة والأعمش ويحيى بن وثاب: "ما أنتم بمصرخيِّ إني" بكسر الياء في الوصل؛ ولذا، أعقبه بـ"إني"؛ وقرأ الجمهور: ﴿مَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بفتح الياء في الوصل. =стр. 838
وتدغم ياء المنقوص، والمثنى، والمجموع في ياء الإضافة؛ كقاضيَّ١، ورأيت ابنيَّ، وزيديَّ٢، وتقلب واو الجمع ياء، ثم تدغم٣، كقوله٤: [الكامل]
٣٦٣- أودى بني وأعقبوني حسرة٥
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: "بمصرخيِّ".
وجه الاستشهاد: كسر الياء المضافة إلى جمع المذكر السالم في الوصل؛ وهذه اللغة حكاها الفراء وقطرب، وأجازها أبو عمرو بن العلاء؛ وبذلك يسقط كلام المعري في رسالته: "أجمع أصحاب العربية على كراهة قراءة حمزة "وما أنتم بمصرخيِّ" بالكسر. انظر شرح التصريح: ٢/ ٦٠.
١ رفعا ونصبا وجرا، ويعرب بحركات مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها سكون الإدغام.
٢ أصلهما: ابنين لي وزيدين لي، حذفت النون واللام للإضافة، ثم أدغمت الياء الساكنة في الياء الثانية التي هي المضاف إليه، وفتحت ياء المتكلم.
٣ أي تطبيقا للقاعدة الصرفية وهي: أنه إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسر ما قبلها إن لم يكن هنالك مانع، تقول: أنتم معاوني ضد العدو. وأصله معاونون لي. حذفت النون واللام للإضافة كما سبق. فصار معاونوي قلبت الواو ياء على القاعدة، وأدغمتا وكسر ما قبلهما للمناسبة، فهو مرفوع بالواو المنقلبة ياء.
التصريح: ٢/ ٦٠-٦١.
٤ القائل هو: أبو ذؤيب الهذلي؛ خويلد بن خالد بن محرث، وقد مرت ترجمته.
٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
عند الرقاد وعبرة لا تقلع
والبيت من قصيدة يرثي فيها أبناء له خمسة هلكوا جميعا في عام واحد، وتعد هذه المرثية في الذروة من شعر الرثاء ومطلع هذه القصيدة:
أمن المنون وريبه نتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٦١، والأشموني: ٦٧٣/ ٢/ ٣٣١، والعيني: ٣/ ٤٩٨، والمفضليات للضبي: ٤٢١، وديوان الهذليين: ١/ ٢.
المفردات الغريبة: أودي: هلك. أعقبوني: أورثوني وخلفوا لي. حسرة: حزنا مع ألم. عبرة: دمعا. الرقاد: النوم. لا تقلع: لا تذهب ولا تنقضي. =стр. 839
وإن كان قبلها ضمة؛ قلبت كسرة، كما في بنيَّ ومسلميَّ، أو فتحة؛ أبقيت كمصطفى، وتسلم ألف التثنية؛ كمسلماي، وأجازت هذيل١ في ألف المقصور قلبها ياء٢؛ كقوله٣: [الكامل]
٣٦٤- سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم٤
الحواشي
(١) = المعنى: هلك بني وتركوا لي حزنا مضنيا، وألما ممضا، ودموعا لا تنقطع؛ وخص الرقاد؛ لأنه مثار الهموم والأشجان.
الإعراب: أودى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف. بني: فاعل مرفوع، وعلامة رفع الواو المنقلبة ياء المدغمة في يا المتكلم نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. وأعقبوني: الواو حرف عطف، أعقب فعل ماضٍ مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو في محل رفع فاعل، والنون للوقاية، والياء في محل نصب مفعول به أول. حسرة: مفعول به ثانٍ. "عند": متعلق بـ"أعقب"، وهو مضاف. الرقاد: مضاف إليه مجرور. وعبرة: الواو: حرف عطف، عبرة: اسم معطوف على حسرة منصوب مثله. لا تقلع: لا: نافية، تقلع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي؛ يعود إلى عبرة، وجملة "لا تقلع": في محل نصب صفة لـ"عبرة".
موطن الشاهد: "بنيَّ".
وجه الاستشهاد: قلب واو الجمع ياء عند إضافته إلى ياء المتكلم وإدغامهما. وحكم هذا الإدغام جائز.
١ هذيل: بالتصغير؛ حي من مضر، وهو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر أخو خزيمة بن مدركة؛ أمهما هند بنت وبرة أخت كلب بن وبرة.
٢ أي: لتكون عوضا عن الكسرة قبل الياء ثم يدغمونها في ياء المتكلم فيقولون: في هدى: هدي. وتكون في هذه الحالة معربة بالياء التي أصلها الألف بدلا من الحركات المقدرة على الألف، فهو مما ناب فيه حرف عن حركة.
التصريح: ٢/ ٦١.
٣ القائل: هو أبو ذؤيب الهذلي أيضا وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
فتخرموا ولكل جنب مصرع
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦١، والأشموني: ٦٧٤/ ٢/ ٣٣١، والعيني: ٣/ ٤٩٣، والمحتسب: ١/ ٧٦، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٨١، وشرح المفصل: =стр. 840
واتفق الجميع على ذلك١ في علي ولدي٢، ولا يختص بياء المتكلم، بل
الحواشي
(١) = ٣/ ٣٣، والمقرب: ٤٦، والهمع: ٢/ ٥٣، والدرر: ٢/ ٦٨، والمفضليات للضبي: ٤٢١، وديوان الهذليين: ١/ ٢.
المفردات الغريبة: هوي: ما أهواه وأشتهيه. أعنقوا: أسرعوا؛ من العنق وهو السير السريع، والمراد: تبع بعضهم بعضا. فتخرموا: اخترمهم الموت واستأصلهم. مصرع: مكان يصرع ويطرح فيه.
المعنى: مات أبنائي وسبقوني إلى ما كنت أحب وأشتهي، واستأصلهم الموت واحدا بعد واحد، ولكل إنسان أجله، ومكانه الي يوارى فيه جثمانه.
الإعراب: سبقوا: فعل ماض، والواو في محل رفع فاعل. هوي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لإدغامها في ياء المتكلم -على لغة هذيل- منع من ظهورها التعذر، وياء المتكلم: في محل جر بالإضافة. وأعنقوا: الواو: حرف عطف، أعنق: فعل ماض، والواو فاعله، "لهواهم": متعلق بـ"أعنق"، و"هم": في محل جر بالإضافة فتخرموا: الفاء: عاطفة، تخرموا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والواو: في محل رفع نائب فاعل. ولكل: الواو: حالية "لكل": متعلق بخبر مقدم محذوف، و"كل" مضاف. جنب: مضاف إليه مجرور. مصرع: مبتدأ مؤخر مرفوع، وجملة "لكل جنب مصرع": في محل نصب إلى الحال.
موطن الشاهد: "هوي".
وجه الاستشهاد: قلب ألف المقصور في "هوى" ياء، على لغة هذيل، وإدغامها في ياء المتكلم؛ والأصل: هواي، ومعلوم أن العرب كافة يبقون ألف المقصور على حالها عند إضافته إلى الياء كما في قول الشاعر:
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق
غير أن هذيلا -كما أسلفنا- يقلبون الألف ياء، ويدغمونها في ياء المتكلم فيقولون في "فتاي"، و"عصاي": فتيَّ وعصيَّ، كما في رواية البيت، وحكى قوم هذه اللغة عن طيئ، وحكاها آخرون عن قريش، وبها قرأ الجحدري قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ ، وهذا القلب جائز عند من ذكر.
انظر شرح التصريح؛ ٢/ ٦١.
١ أي: على قلب الألف ياء مع ياء المتكلم.
٢ المراد "علا" الظرف، وهو لغة في "عل" بمعنى فوق، وكذلك "لدى" الظرف بمعنى عند. أما الحرفية لا تضاف. تنبيه: إذا أضيف "ابنم" لياء المتكلم جاز إبقاء ميمه الزائدة، وحذفها مع إسكان الياء وكسر ما قبلها في الحالتين تقول: ابنمي أو ابني. هذا: ويجوز زيادة هاء السكت الساكنة غالبا عند الوقوف على ياء المتكلم مع بناء الياء على الفتح كقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ، وقول السيدة عائشة: "أَبِيَهْ وما أَبِيَهْ".стр. 841
هو عام في كل ضمير؛ نحو: عليه ولديه، وعلينا ولدينا، وكذا الحكم في إليَّ.
_________
стр. 842
[باب إعمال المصدر واسم المصدر]
هذا باب إعمال المصدر، واسمه:
[تعريف المصدر واسم المصدر] :
الاسم الدال على مجرد الحدث إن كان علما، كـ"فجار" و"حماد" للفجرة والمحمدة، أو مبدوءا بميم زائدة لغير المفاعلة؛ كـ"مضرب" و"مقتل"، أو متجاوزا فعله الثلاثة؛ وهو بزنة اسم حدث الثلاثي؛ كـ"غسل" و"وضوء" في قولك: "اغتسل غسلا"، "توضأ وضوءا" فإنهما بزنة القرب والدخول في "قرب قربا" و"دخل دخولا"؛ فهو اسم مصدر، وإلا فالمصدر١.
[عمل المصدر عمل فعله وشروطه] :
ويعمل المصدر عمل فعله٢؛ إن كان يحل محله فعل؛ إما مع "أن"،
الحواشي
(١) ١ المصدر: هو الاسم الذي يدل -غالبا- على الحدث المجرد من غير ارتباط بزمان، أو مكان، أو بذات، أو بعلمية. ومدلوله الحقيقي: أمر معنوي محض، يدل عليه اللفظ المعروف، وتسميته مصدرا مجاز. ولا بد من ناحيته اللفظية أن يشتمل على جميع الحروف الأصلية والزائدة في فعله لفظا؛ أو تقديرا، وقد يزيد عنها كأكرمه إكراما، ولا يمكن أن ينقص. أما اسم المصدر فهو كالمصدر في معناه؛ من حيث دلالته على الحدث المجرد، ويكون علم جنس كما ذكر الموضح ويخالفه في لفظه بنقص حروفه عن حروف فعله. وما ذكره المصنف من اعتباره المبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة -اسم مصدر- مجانب لما عليه جمهور النحاة: من أن هذا يسمى مصدرا ميميا لا اسم مصدر.
التصريح: ٢/ ٦٢.
٢ سواء كان متعديا أو لازما. ويخالف المصدر فعله في أمور؛ أهمها: أن المصدر لا يعمل إلا بشروط سنمر عليها، وأن فاعله يكثر حذفه جوازا، وعند حذفه لا يتحمل المصدر ضميره إلا إذا كان مصدرا نائبا عن فعله؛ وفي رفعه نائب الفاعل خلاف، =стр. 843
كـ"عجبت من ضربك زيدا أمس" و"يعجبني ضربك زيدا غدا"؛ أي: أن ضربته وأن تضربه، وإما مع "ما" كـ"يعجبني ضربك زيدا الآن"؛ أي: ما تضربه، ولا يجوز في نحو: "ضربت ضربا زيدا" كون "زيدا" منصوبا بالمصدر؛ لانتفاء هذا الشرط١.
الحواشي
(١) = والمختار جوازه عند أمن اللبس بخلاف الفعل فإنه يعمل وجوبا بلا شرط، ويحتمل ضمير مرفوعه المحذوف فاعلا كان أو نائب فاعل.
فائدة: أولى: إذا أردت بالمصدر الدلالة على ثبوت ما يدل عليه من الحدث؛ فإنه حينئذ لا يصلح لأن حيل محله فعل، لا مع "ما" ولا مع "أن"؛ لأن طبيعة الفعل دالة على الحدوث وأنت لا ترده، وإن أردت بالمصدر الدلالة على حدوث ما يدل عليه من الحدث في الزمن الحاضر، كان عليك أن تقدره بـ"ما" المصدرية، وتقدر معها الفعل المضارع، أما تقديره: بـ"ما" المصدرية -حينئذ- فلأن "أن" المصدرية لا تصلح لهذا الموضع؛ لأنها مع الفعل الماضي تبقيه على حاله وهو الدلالة على حدوث الحدث في الزمن الماضي، ومع الفعل المضارع تخلصه للدلالة على الاستقبال، فلما لم يمكنك أن تقدر المصدر بـ"أن" في هذه الحالة لزمك أن تقدره بـ"ما"؛ لأنها صالحة للاستعمال في الأحوال كلها.
وإن أردت بالمصدر الدلالة على حدوث الحدث في الزمن الماضي، أو في الزمن المستقبل فإنه يلزمك أن تقدره: بـ"أن" المصدرية، وتقدر مع "أن" حين تريد الزمن الماضي الفعل الماضي؛ لأنه هو الذي يدل على هذا الزمن، وعندما تريد الزمن المستقبل تقدر معها الفعل المضارع.
فائدة ثانية: أن اشتراط صلاحية المصدر بأن يحل محله الفعل مع "أن"، أو مع "ما" المصدرية هو شرط في عمله في غير الظرف، أو الجار والمجرور، أما عمله فيهما فلا يشترط فيه شيء؛ لأنهما يكتفيان برائحة الفعل.
فائدة ثالثة: اعلم أن المصدر المؤكد لفعله كما في قولك: "ضربت ضربا" لا يعمل؛ لأنه لا يحل محله فعل لا مع "ما" ولا مع "أن"؛ وقد اختلفوا في المصدر النائب عن فعله، فذهب ابن مالك في "التسهيل" إلى أنه يعمل، وذكر ابن هشام في "قطر الندى" أنه لا يعمل، فقولك: "ضربا زيدا"، "زيدا" منصوب بالمصدر عند ابن مالك، ومنصوب بالفعل المقدر عند ابن هشام.
انظر التصريح: ٢/ ٦٢.
١ لأنه لا يصلح أن يحل محله فعل مع "أن" أو "ما"؛ وإنما نصب زيد بـ"ضربت"؛ لأن المصدر المؤكد لعامله المذكور لا يعمل كما سلف، وما ذكره المؤلف لعمل المصدر شرط الإيجاب لا بد من وجوده، وهناك شروط سلبية منها: =стр. 844
[عمل المصدر المضاف] :
وعمل المصدر مصافا أكثر؛ نحو: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ ١، ومنونا أقيس؛ نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ ٢، وبأل..........
الحواشي
(١) = أ- ألا يكون المصدر مصغرا؛ لأن التصغير من خصائص الأسماء، وتصغير المصدر يبعده عن مشابهة الفعل، فلا يجوز أن تقول: "أميرك مطاع"، تريد أمرك.
ب- ألا يكون المصدر مضمرا خلافا للكوفيين، حيث زعموا أن ضمير المصدر كالمصدر فلا يجوز أن تقول: "حبي والدي عظيم وهو أمي أعظم"، فلا يجوز أن تنصب "أمي" بـ"هو" وإن كان هذا الضمير عائدا على "حبي".
ح- أن لا يكون المصدر مختوما بالتاء الدالة على الوحدة أي: المرة، فلا يجوز "سررت بضربتك الفائزة"، وأما إذا كانت التاء من بنية الكلمة فلا تمنع، فتقول: "رحمتك الفقراء دليل على حسن خلقلك".
د- أن يكون مفردا لا مثنى ولا مجموعا، وشذ إعمال غير المفرد في قول الشاعر:
قد جربوه فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلا المجد والفنعا
حيث نصب بـ"تجاربهم" -جمع تجربة؛ وهي مصدر جرب الرباعي- أبا غير أن بعض العلماء أجاز عمل المصدر المجموع؛ وهو رأي لا بأس في الأخذ به.
هـ- ألا يكون المصدر مفصولا عن معموله بأجنبي، لا بتابع، فلا يجوز القول: "إني أسرع إلى إجابة صارخا المستجير".
و ألا يكون المصدر موصوفا قبل العمل، فلا يصح القول: "ساءني عتابك الأليم خالدا".
ز- ألا يكون المصدر مؤخرا عن معموله، فلا يجوز القول: "أعجبني زيدا ضربك".
ج- ألا يكون المصدر محذوفا، ومعنى هذا أنك إذا احتجت إلى تقدير عامل لا يجوز لك أن تقدره مصدرا؛ ولهذا أنكر المحققون على من زعم أن الباء في البسملة متعلقة بمحذوف تقديره: ابتدائي.
انظر شرح قطر الندى "عمل اسم المصدر"، والتصريح: ٢/ ٦٢-٦٣. والمغني: ٧٠٠.
١ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٥٢.
موطن الشاهد: ﴿دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع المصدر "دفع" مضافا إلى لفظ الجلالة، وقد عمل عمل فعله؛ فنصب مفعولا به؛ هو "الناس"؛ وحكم إعماله في هذه الحالة كثير شائع.
٢ ٩٠ سورة البلد، الآية: ١٤.
موطن الشاهد: ﴿إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ . =стр. 845
فليل١ ضعيف؛ كقوله: [المتقارب]
٣٦٥- ضعيفُ النكايةِ أعداءَه٢
الحواشي
(١) = وجه الاستشهاد: وقوع "إطعام" مصدرا فاعله محذوف، وقد نصب مفعولا به، هو: "يتيما"؛ والتقدير: إطعامه يتيما. وذي مسغبة: أي: ذي مجاعة؛ وحكم إعمال المصدر المنون أوفق بالقياس على الفعل من المضاف؛ لأنه يشبه الفعل بالتنكير، وهو يلي المصدر المضاف في الكثرة والفصاحة.
١ أي: قليل في السماع، ضعيف في القياس؛ لبعده عن مشابهة الفعل بدخول "أل" عليه.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
يخال الفرار يراخي الأجل
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٣، والأشموني: ٦٧٩/ ٢/ ٣٣٧، والشذور: ١/؟؟؟ / ٥٠٦"، وابن عقيل: ٢٤٧/ ٣/ ٩٥، وسيبويه: ١/ ٩٩، وهو من الخمسين التي لا يعرف لها قائل. والمصنف: ٣/ ٧١، والمقرب: ٢٥، والخزانة: ٣/ ٤٣٩، والهمع: ٢/ ٩٣، والدرر: ٢/ ١٢٤.
المفردات الغريبة: النكاية: الإضرار والأذى -من نكيت العدو- أثرت فيه ونلت منه. يخال: يظن. يراخي: يباعد ويؤخر.
المعنى: أن هذا الرجل ضعيف لا يستطيع أن يؤثر في أعدائه، أو يقهرهم، أو ينازلهم القتال. يظن أن الهرب والفرار من الحرب يبعد عنه الموت، ويفسح له في العمر.
الإعراب: ضعيف: خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو ضعيف، وضعيف: مضاف. النكاية مضاف إليه. أعدائه: مفعول به للنكاية، والهاء مضاف إليه. يخال: فعل مضارع مرفوع، والفاعل هو. الفرار: مفعول به أول "يخال" منصوب. يراخي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. الأجل: مفعول به لـ"يراخي" منصوب، وسكن لضرورة الشعر؛ وجملة "يراخي الأجل": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ"يخال".
موطن الشاهد: "النكاية أعداءه".
وجه الاستشهاد: إعمال المصدر المقترن بأل "النكاية"، ونصبه المفعول "أعداءه".
فائدة: ذهب سيبويه والخليل إلى أن ناصب المفعول هو المصدر المقترن بأل كما بينا؛ وذهب أبو العباس المبرد إلى أن ناصب المفعول في هذه الحالة مصدر آخر محذوف يدل عليه المصدر المذكور، وهذا المصدر المحذوف منكر؛ فالتقدير عنده: ضعيف النكاية نكاية أعداءه، وذهب أبو سعيد السيرافي إلى أن أعداءه في هذه الحالة =следующие страницы →