وما ثبت بالنقل ظني، والظني مصيره إما تأويل أو تفويض، ولا شك هذا المنهج العقلي لم يكن عند السلف، بل كان هذا سمة المعتزلة.
يقول أبو المظفر السمعاني ﵀: "اعلم أنه فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعا للمعقول، وأما أهل السنة فقالوا الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغني المخلوق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء ولو كان الدين بني على المعقول وجب أن لا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا" اهـ (١).
وأما أهل السنة فجعلوا للعقل مع الشرع ثلاث حالات:
الأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع، فيكون شاهدا ومؤيدا ومصدقا، فيحتجون حينئذ بدلالة العقل على من خالف الشرع، وفي القرآن من هذا النوع أي من الأدلة العقلية شيء كثير، فأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية.
الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفيا ولا إثباتا فحكم العقل إذن جواز ما جاء به الشرع.
الثالثة: أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضا له، فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة إن العقل الصريح لا يعارض النص الصحيح، وقالوا إن الرسل جاءوا بمجازات العقول لا بمحالات العقول، أي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل ولكن يخبرون ما يجيزه العقل ويَحارُ فيه، هذا تحديد موقف أهل
стр. 107
السنة من العقل مع الشرع، فإذا دل العقل على خلاف ما جاء به في الشرع الثابت الصحيح نتهم العقل ونخطئه ونتبع النقل الثابت الصحيح (١).
٥ - عدم الاحتجاج بأخبار الآحاد في أمور الاعتقاد:
بعد أن تقررت عند الأشعرية والماتريدية قاعدة تقديم العقل على النقل قالوا خبر الآحاد ظني الثبوت وظني الدلالة، والنص المتواتر وإن كان قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة، ولما أن العقل عندهم أحكامه قطعية، وأحكام النقل ظنية فاتهموا ناقلي خبر الآحاد بالافتراء والسهو والغلط.
فيقول الزَّبيدي (٢) ﵀: "كل لفظ يرد في الشرع ..... وهو مخالف للعقل إما أن يتواتر أو ينقل آحادا، والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه، وإن كان ظاهرا فظاهره غير مراد ... " اهـ (٣).
وأما الأشعرية فقد صرحوا بعدَم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة، قال الرازي ﵀: "إن أخبار الآحاد مظنونة فلم يجز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته" اهـ (٤).
ثم ساق خمسة أوجه على ظنية أخبار الآحاد وعدم الاحتجاج بها في الاعتقاد وهي كلها مجرد شبهات.
стр. 108
ومن المعروف أن حديث الآحاد عند المحدثين ما دون المتواتر يدخل فيه الغريب والعزيز والمشهور، فهو كل حديث لم يبلغ عدد الرواة -في كل طبقة من الطبقات- إلى مبلغ يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب، وقد يتفرد به واحد فيسمى غريبا، وقد يرويه اثنان فأكثر فيسمى عزيزا، وقد يستفيض أن يرويه جماعة فيكون مشهورا أو مستفيضا، وعلى هذا فلا يفيد وصفه بأنه حديث آحاد أنه مروي عن واحد دائما، وعلى هذا معظم أحاديث الصحيحين والسنن المشهورة آحاد ليست متواترة (١).
وقال ابن القيم ﵀: "فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك، والشافعي، وأصحاب أبي خنيفة، وداود بن علي وأصحابه، كأبي محمد ابن حزم، ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي (٢)، والحارث بن أسد المحاسبي (٣) " اهـ (٤).
وقال الشيخ الألباني ﵀: "وقد اختلف العلماء في إفادة حديث الآحاد الصحيح العلم واليقين، فبعضهم كالإمام النووي في "التقريب" ذهب إلى أنه يفيد الظن الراجح، وذهب آخرون إلى أن ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحهما من الأحاديث المسندة يفيد العلم والقطع، ورأى الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في الإحكام (٥) أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معا.
стр. 109
والحق الذي نراه ونعتقده أن كل حديث صحيح تلقته الأمة بالقبول من غير نكير منها عليه، أو طعن فيه، فإنه يفيد العلم واليقين، وسواء كان في أحد الصحيحين أو في غيرهما. وأما ما تنازعت الأمة فيه، فصححه بعض العلماء وضعفه آخرون فإنما يفيد عند من صححه الظن الغالب فحسب، والله تعالى أعلم" اهـ (١)
والسلف لم يفرقوا إذا صح الحدث بين الأخذ به في العقائد والأخذ به في الأحكام، يقول ابن القيم نقلا عن ابن تيمية رحمهما الله: "وهذا التفريق باطل بإحماع الأمة فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العمليات، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات ... لم تزل الصحابة والتابعون، وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه، وصفاته، فأين سلف المفرِّقين بين البابين؟ " اهـ (٢).
٦ - تأويل النصوص وتعطيل الصفات:
قد ضيقت الماتريدية والأشعرية دائرة الإثبات في الصفات فأثبتت الماتريدية ثماني صفات فقط وهي: الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام والتكوين (٣). والأشعرية قد أثبتت سبعا منها ما عدا صفة التكوين (٤).
стр. 110
وبعد هذا الاتفاق والتقارب في الإثبات وهم عطلوا الباقي من الصفات إما بالتأويل في النصوص أو تفويض معناها وكيفيتها إلى الله تعالى.
قال البزدوي (١) ﵀: "ليس الله على المكان لا على العرش ولا على غيره وهو ليس فوق العرش وليس له جهة من الجهات" اهـ (٢).
ثم يستدل على ذلك فيقول: "الدليل على أنه ليس لله تعالى مكان بل هو على الصفة التي كان عليها قبل خلق المكان: أنّا لو قلنا إنه صار بعد خلق العالم على المكان، وهو العرش حصل في ذاته التغير، وهو الانتقال منها إلى المكان، والقديم لا يتصور عليه التغير والانتقال لأنه واجب الوجود بجميع صفاته، ولأن الانتقال إلى المكان والاستقرار عليه من صفات الأجسام، وقد ذكرنا أنه ليس بجسم" اهـ (٣).
وبهذه التأويلات الكلامية والفلسفية عطلوا كثيرا من صفات الله تعالى الثابتة في الكتاب والسنة وأولوها إلى غير معانيها مثل صفات العلو والاستواء والنزول والوجه واليد والغضب والرضى ونحوها (٤).
стр. 111
وسلكت الأشعرية مسلك الماتريدية في تعطيل الصفات وتأويل النصوص، فقالوا: الله ليس فوق العرش أو تحته أو يمينه أو شماله أو أمامه أو خلفه ولا خارج العالم ولا داخله (١)، وعللوا على ذلك بتعليلات كلامية وفلسفية فقالوا: إثبات علو الله تعالى واستوائه على عرشه إثبات المكان له، وكل ما كان له مكان فإما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه أو مساويا فيكون جسما، والمستوي على الشيء يكون محتاجا إليه (٢)، ورتبوا على هذا منع الإشارة إليه.
وأما الصفات التي أثبتوها لله عللوا على ذلك بقولهم: لا لكونها ثابتة في الكتاب والسنة، وإنما أثبتناها لأن الذات لا يتصور بدون هذه الصفات السبع أو الثماني، فيقول البزدوي ﵀: "فإنه لا يتصور ذات الله تعالى بدون العلم والقدرة ولا علم بلا قدرة ولا قدرة بلا حياة ولا علم بلا ذات .... (٣).
وبالجملة إن الماتريدية والأشعرية ليسوا على منهج أهل السنة في باب الأسماء والصفات، لأنهم إما يؤولون النصوص أو يفوضون الأمر إلى الله تعالى في المعنى والكيفية (٤).
стр. 112
٧ - تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أنواع: توحيد في الذات وتوحيد في الصفات وتوحيد في الأفعال، وعدم الاهتمام بتوحيد الألوهية:
قد اتفقت الماتريدية والأشعرية في هذا التقسيم وهو يشمل على ثلاثة أمور:
١ - أن الله واحد في ذاته لا قسيم له أي لا يتبعض ولا يتجزأ.
٢ - أنه واحد في صفاته لا شبيه له.
٣ - أنه واحد في أفعاله لا شريك له (١).
يقول البابرتي (٢) ﵀: "وعبر بعض أصحابنا عن التوحيد، فقال هي نفي الشريك والقسيم والشبيه، فالله تعالى واحد في أفعاله لا يشركه أحد في إيجاد المصنوعات، وواحد في ذاته لا قسيم له، ولا تركيب فيه، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها" اهـ (٣).
стр. 113
ويقول العيني (١) ﵀: "الواحد صفة سلبية يقال على ثلاثة أنواع:
الأول: الوحدة في الذات والمراد بها انتفاء النظير له تعالى بمعنى عدم قبولها الانقسام.
الثاني: الوحدة في الصفات والمراد بها انتفاء النظير له تعالى في كل صفة من صفاته.
الثالث: الوحدة في الأفعال والمراد بها انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات" اهـ (٢).
فالتوحيد عندهم توحيد الربوبية فقط، ويدخلون فيه نفي الصفات الخبرية التي تقتضي عندهم تجسيما، لأن هذا يخالف عندهم حقيقة التوحيد، وأما توحيد الألوهية فلا يشيرون إليه في كتبهم إلا نادرا جدا، ويعتبرون هذا النوع من التوحيد (أنه واحد في أفعاله لا شريك له) أشهر الأنواع وأقواها دلالة على التوحيد، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله"، فالألوهية عندهم هي القدرة على الاختراع والخلق، ومعنى "لا إله إلا الله" لا خالق إلا الله (٣).
ولقد فاتهم في هذا التقسيم أهم أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل، نزلت به الكتب هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربيوبية، هو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين من العرب كانوا يقرّون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ
стр. 114
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١)، وإنما جاء القرآن لدعوتهم إلى توحيد الألوهية، وجعل توحيد الربوبية المقرر عندهم دليلا على توحيد الألوهية (٢).
٨ - إخراج العمل عن مسمى الإيمان والقول بعدم زيادته ونقصانه:
قد خالفت الماتريدية والأشعرية منهج السلف في باب الإيمان في عدة أمور، ومالوا فيها إلى مذاهب المرجئة، ومن أهمها: قولهم بأن الإيمان هو التصديق أو المعرفة فقط، وأنه لا يزيد بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي، وأن العبادات لا تدخل في مسمى الإيمان. (٣)
قال البزدوي ﵀ وهو يدافع عن مذهبه في باب الإيمان: "أصحاب الحديث يجعلون العبادات من الإيمان، فيتصور الزيادة والنقصان عندهم، ونحن لا نجعل إلا تبعا، وبفوات التبع لا ينتقص ذات الشيء كفوات القرن من الشاة والثور والظبي، إنما ينتقص بفوت بعضه وهم أخطأوا فيما قالوا، فإنهم وافقونا إنها منه تبعا حتى صح الإيمان بدونها، وبفوات التبع لا ينتقص الشيء بل يزداد
стр. 115
بوجوده ... ونحن نقول إنه يزداد وصفا بالعبادات لا ذاتا، وكذلك يزداد بمعاني أخر لا ذاتا" اهـ (١).
قال أبو بكر الباقلاني: "فإن قالوا: فخبرونا ما الإيمان عندكم؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب، فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثة البي ﷺ هو التصديق، لا يعرفون في اللغة إيمانا غير ذلك، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٢) أي بمصدق لنا ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر أي لا يصدق بذلك، فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان في اللغة" اهـ (٣).
ولا شك إن التعريفات السابقة للإيمان لم تؤخذ من جميع النصوص إنما أخذت من بعض النصوص وهناك نصوص كثيرة تدل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناه: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" اهـ (٤)، فمن هذه الشعب ما هو إقرار باللسان وما هو تصديق بالجنان وما هو عمل بالأركان.
стр. 116
وللدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه هناك نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (١) ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٢) ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٣).
وإن دلت بعض النصوص على المعنى اللغوي فلا يمتنع أن تدل نصوص أخرى على المعنى الشرعي الشامل، فلا بد من الرجوع إلى المقصود به في الكتاب والسنة، مثل الصلاة، والزكاة، والحج، ومن المعروف أن لكل لفظ من هذه الألفاظ معنيين: معنى لغويا ومعنى شرعيا، بل إنما نشأ هذا النزاع في معنى الإيمان عند أهل الكلام لالتزامهم ببعض مقدمات سابقة مثل قولهم: إن الإيمان كل لا يتجزأ إذا زال جزء منه زال باقيه، وقولهم: إنه لا يجتمع عند الإنسان طاعة ومعصية، غير ذلك من المقدمات الكلامية، ولقد ناقشهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الباب في مؤلفاته العديدة، وأبطل جميع المقدمات (٤).
هذه بعض الملامح التي تمتاز بها الماتريدية والأشعرية، والتي اتخذتها منهجا لتلقي العقيدة، ولا يخفى على القارئ أن فيها مخالفات للمنهج السني الذي كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإن علماء الأشاعرة والماتريدية في الهند مع ما فيهم من المخلفات في المنهج قد قاوموا الاستشراق، ودافعوا عن الإسلام، ولكن هذه المخالفات نفسها كانت مداخل للمستشرقين لبث
стр. 117
شبهاتهم ومناهجهم الغربية بين المسلمين، فتمكنوا من إحلال مناهج جديدة عما هو موجود لدى المسلمين في الهند كي تؤتي نتائجها المقصودة في إضعاف الإيمان عند المسلمين، فتغيرت الطرق المنهجية التي ينظر بها إلى العقيدة الإسلامية عند بعض المسلمين، وهذا ما سنبينه في الفصول القادمة إن شاء الله.
стр. 118
المبحث الثالث: المنهج الشيعي
فيه مطلبان:
* المطلب الأول: طبيعة المنهج الشيعي.
* المطلب الثاني: ملامح عامة للمنهج الشيعي.
стр. 119
المطلب الأول: طبيعة المنهج الشيعي .
سبق أن قلنا إنه قد وجد بالهند في القرن الثاني عشر الهجري مذهب الاثنى عشرية ومذهب الإسماعيلية، وبصرف النظر عن الجانب التاريخي للفرقتين فإنهما يتفقان كثيرا من ناحية المنهج (١) لأن الاختلاف إنما في تقرير عدد الأئمة وتعيينهم وفي الوقف على أحدهم وانتظاره أو المُضي إلى آخر والقول بإمامته، (٢) فالشيعة الإمامية (الاثنى عشرية) امتازت عن غيرها في إثبات الإمامة لاثني عشر رجلا من أهل بيت النبوة وهم يشاركون الإسماعيلية في الستة الأول ويخالفونها في السابع (٣).
وسنذكر هنا المنهج العقدي الذي اختارته فرقة الاثنى عشرية إذ أنها بمثابة النهر الذي انسكبت فيها كل الجداول والروافد الشيعية المختلفة، فقد استوعبت هذه الفرقة جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعة الأخرى بل أصبحت كلمة الشيعة إذا أطلقت يراد بها الآن الاثنى عشرية، وكأن الاثنى عشرية صارت مرادفة للشيعة (٤).
يقول سيد أمير علي: "المنازعات السياسية التي فرقت حتى الآن كلمة الشيعة آخذة في الزوال، وبقية الفرق تتلاشى الآن بسرعة في الاثنى عشرية، ومعظم الشيعة في فارس وبلاد العرب وغرب أفريقية والهند ينتمون إليهم، وعلى ذلك أصبحت الاثنى عشرية مرادفة للشيعة" اهـ (٥).
стр. 120
والاثنى عشرية نفسها من حيث المنهج افترقت إلى فرقتين هما: الأخبارية والأصولية.
فالأخباريون يأخذون ما ورد به الأخبار متشابهة كانت أو غير متشابهة، فيجرون المتشابهات على ظواهرها، ويقولون ما قال سلفهم، والأخبار عندهم ما جاء عن أئمتهم، ولا تحتاج رواياتهم إلى النظر والبحث والتحقيق والتفتيش لا عن السند لأنها من صاحب الإمام المعصوم (١)، ولا عن المتن لأنه من الإمام، وعقول الناس قاصرة عن إدراك كنه ما يقوله الإمام حعسب رواية المعصوم الخامس عند الشيعة محمد باقر، وإن الرجوع إلى دليل آخر من الأدلة العقلية ليس إلّا جهل وضلال، وإذا لم يوجد في المسألة شيء فعليه الإرجاء حتى يأتي فيه خبر عن إمام.
وأما الأصوليون أو المجتهدون فيرون أن هناك دليلا عقليا غير الكتاب والسنة والإجماع ويعتبرون البراءة الأصلية والاستصحاب من هذا الدليل العقلي، فهم يجتهدون، ولا يصدقون كل ما ورد في كتبهم من أخبار (٢).
ومع هذا الاختلاف الذي سبق ذكره هما فرقة واحدة لأنّ جلّ اعتمادهم على رواية الإمام المعصوم ولذلك إن جملة من شيوخ الشيعة تدعى أن الخلاف بين الأصوليين والأخباريين يقتصر على بعض الوجوه البسيطة ككل اختلاف يحدث بين أبناء الطائفة الواحدة تبعا لاختلاف الرأي والنظر (٣).
стр. 121
وقال الشيخ فرج العمان: "إني بحسب تتبعي وفحصي كتب الأصوليين والأخباريين لم أجد فرقا بين هاتين الطائفتين إلّا في بعض الأمور الجزئية التي لا توجب تشنيعا ولا قدحا فيما بينهم (١).
وقال سيد أمير علي: "ويسمى الآن الاثنى عشرية الشيعة أو الإمامية على المشهور، وهم منقسمون إلى طائفتين، الأصوليين والأخباريين، وليس بينهم خلاف على مسألة الخلافة أو سوقها إلى الإمام الأخير، ولكنهم يختلفون على حجية تفسير المجتهدين بأنهم نوّاب الإمام" اهـ (٢).
وفيما يلي محاولة لجمع بعض الملامح العامة للمنهج الشيعي أخذًا من كتبهم الأساسية:
المطلب الثاني: ملامح عامة للمنهج الشيعي
أولا: منهجهم في الاستدلال بالقرآن، وهو على عدة قواعد منها:
١ - قولهم إن القرآن ليس حجةً إلّا بقيّم (٣).
جاء في أصول الكافي: "إن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم .... وأن عليًا كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله ﷺ ، فإن ما قال في القرآن فهو حق" اهـ (٤).
стр. 122
ويروى عن علي ﵁ أنه قال: "هذا كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق" اهـ (١) وفي راية: "ذلك القرآن فاستنطقوه، فلن ينطق لكم، (فأنا) أخبركم عنه" اهـ (٢).
٢ - قولهم إن الأئمة اختصوا بمعرفة القرآن، ولا يشاركهم أحد:
المطلع على روايات هؤلاء القوم يجد اضطرابًا شديدًا يدّعون مرة أن عليًا كان تفسيرا لكتاب الله، وأخرى يدعون بأن الأئمة هم القرآن نفسه. (٣)
وبالجملة إن القيم عندهم أحد الأئمة الاثني عشر لأن القرآن فسِّر لرجل واحد وهو علي ﵁، وقد انتقل علم القرآن من علي ﵁ إلى سائر الأئمة الاثنى عشر، كل إمام يعهد بهذا العلم إلى من بعده حتى انتهى إلى الإمام الثاني عشر وهو غائب: مفقود عند الاثنى عشرية منذ ما يزيد على أحد عشر قرنًا، ومعدوم عند بعض الفرق منهم، فما دام القيم مفقودًا، فالاحتجاج بالقرآن متوقف، والقرآن لا حجة فيه إنما الحجة في قول الإمام فقط (٤).
٣ - قولهم إن للقرآن ظهرًا وبطنًا:
يروى عن جابر الجعفي قال: "سألت أبًا جعفر عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت: جُعلت فداك كنتَ أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم. فقال لي: يا جابر: إن للقرآن بطنا، وللبطن
стр. 123
بطنًا وظهرًا، وللظهر ظهرًا يا جابر: وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية لتكون أولها في شيء، وآخرها في شيء، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه" اهـ (١).
وجاء في بعض الروايات عندهم: لكل آية من كلام الله ظهر وبطن بل لكل واحدة منها كما يظهر من الأخبار المستفيضة سبعة بطون وسبعون بطنا (٢).
٤ - قولهم إن قول الإمام ينسخ القرآن ويُقيِّد مطلقه وبخصص عامه:
جاء في أصل الشيعة: "إن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه -سلام الله عليه- أودعها عند أوصيائه، كل وصي يعهد بها إلي الآخر، لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة من عام مخصص أو مطلق أو مقيد أو مجمل مبين إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي ﷺ عامًا ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته، وقد لا يذكره أصلا بل يودعه عند وصيه إلى وقته" اهـ (٣).
ومعنى هذا أن الرسول ﷺ كتم بعضا من الوحي من الأمة ولم يقل أحد بهذا من الأمة سوى هذا الادعاء الذي بين أيديهم.
стр. 124
٥ - اعتقادهم بأن هناك قرآنا نزل فيهم وفي أعدائهم:
جاء في أصول الكافي: "نزل القرآن أثلاثًا: ثلث فينا وفي عدو نا وثلث سنن وأمثال وثلث فرائض وأحكام" اهـ (١). وفي رواية: "نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا وربع في عدونا وربع سنن وأمثال وربع في فرائض وأحكام" اهـ (٢).
ولكن الله أبى أن يأتي هؤلاء بكتاب يماثل القرآن في شيء ما، فاتجهوا إلى التأويلات البعيدة وحرفوا القرآن حتى يوافق أطماعهم.
٦ - تأويلهم وتحريفهم لكل آية من آيات القرآن:
يقول شيخهم الفيض الكاشاني: "وردت الأخبار جملة عن أهل البيت في تأويل كثير من الآيات بهم وبأوليائهم، وبأعدائهم حتى جماعة من أصحابنا صنفوا كتبًا في تأويل القرآن على هذا النحو، جمعوا فيها ما ورد عنهم في تأويل القرآن آية أية، إما بهم أو بشيعتهم أو بعدوهم على ترتيب القرآن، وقد رأيت منها كتابًا كاد يقرب من عشرين ألف بيت، وقد روي في الكافي، وفي تفسير العياشي وفي تفسير علي بن إبراهيم القمي، والتفسير المسموع من أبي محمد الزكي أخبار كثيرة من هذا القبيل" اهـ (٣).
وبهذه القواعد الأساسية لم يعرج القرآن عندهم مقام الاستدلال فحرفوه وهجروه واعتمدوا اعتمادًا على الروايات، وسنري فيما يلي حقيقة الروايات عندهم ومنهجهم في إثباتها والاستدلال بها.
стр. 125
ثانيا: منهجهم في الاستدلال بالسنة:
كلمة السنة أو الحديث عندما يطلقها الشيعة لا يريدون بها السنة المعروفة عند أهل السنة. والتي هى روايات عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا وتقريرًا. بل يعنون بالسنة الرواية عن أحد أئمتهم الاثني عشر، ويعتقدون أنه لا فرق بين ما يروونه عن النبي ﷺ أو عن أحد أئمتهم.
والكتب الرئيسية التى تعتبر مصادر الأخبار عند الاثنى عشرية هي ثمانية يسمونها الجوامع الثمانية. أول هذه المصادر وأصحها عند هم الكافي: لمحمد بن يعقوب الكُلينى (ت: ٣٢٩ هـ) ثم كتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن بابويه القُمِّي (ت: ٣٨١ هـ) ثم تهذيب الأحكام والاستبصار كلاهما لأبى جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت: ٣٦٠ هـ) ثم الوافي لمحمد بن مرتضى المعروف بملا محسن الفيض الكاشاني (ت: ١٠٩١ هـ)، وبحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار لمحمد باقر المجلسي (ت: ١١١٠ هـ)، ووسائل الشيعة إلى تحصيل الشريعة لمحمد الحسن الحرّ العاملي (ت: ١١٠٤ هـ)، ومستدرك الوسائل لحسين النوري الطبرسي (ت: ١٣٢٠ هـ) (١).
١ - كتب الحديث موضع التداول السري عندهم .
قد جاء في أصول الكافي ما يفيد أن كتب الحديث عند هم كانت موضع التداول السري بينهم ولهذا لم تكن متصلة السند لسبب ظروف التقية.
يقول صاحب الكافي: "إن مشايخنا رووا عن أبى جعفر وأبي عبد الله ﵉، وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم، ولم يرووا عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا ... (قال أحد الأئمة) حدّثوا بها فإنها حق" اهـ (٢).
стр. 126
٢ - علم الرجال كان مفقودًا عندهم حتى نهاية القرن العاشر .
قال شيخهم الحائري: "ومن المعلومات التى لا يشك فيها أحد أنه لم يصنف في دراية الحديث أحد من علمائنا قبل الشهيد الثاني (المقتول سنة ٩٦٥ هـ وإنما هو من علوم العامة (يعنى أهل السنة) " اهـ (١).
ويرى الشيخ عبد العزيز الدهلوي صاحب "التحفة الاثنى عشرية" ﵀ أن سبب تأليفهم في ذلك هو ما لاحظوه في رواياتهم من تناقض وتهافت وأنهم قد استعانوا في وضع هذه الأصول بما كتبه أهل السنة" اهـ (٢).
غير أن لهم مقاييس خاصة بهم لم تسلم من انحراف كعادتهم في كل ما انفردوا به عن أهل السنة، فيوثقون من ادّعى رؤية غائبهم المعدوم الذي لم يولد أصلًا، ويعتبرون ذلك على كونه فوق العدالة بينما لا تؤثر عند هم صحبة الرسول ﷺ في التزكية والتعديل (٣).
٣ - أن أئمتهم يتحقق لهم العلم عن طريق الإلهام والوحي:
جاء في بعض الروايات أن من وجوه علوم الأئمة النقر في الأسماع من قبل الملك، وفرّق صاحب الكافي بين هذا النقر والإلهام فقال: "وأما النكت في القلوب فإلهام وأما النقر في الأسماع فأمر الملك" اهـ (٤).
стр. 127
إذن هناك وسيلة أخرى غير الإلهام وهو نقر في الأسماع بتحديث الملك مثل الوحي إن الإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يري الشخص (١).
ثالثا: منهجهم في فهم الإجماع
إن الإجماع ليس حجة عندهم بدون وجود الإمام الذي يعتقدون عصمته، فمدار حجية الإجماع هو على قوله لا على نفس الإجماع، فهم في الحقيقة لم يقولوا بحجية الإجماع إنما قالوا بحجية قول المعصوم، ودعوا هم الاحتجاج بالإجماع تسمية لا مسمي لها، ولذلك أنكر الأصوليون من الشيعة دليل الإجماع كلية.
يقول صاحب تهذيب الوصول: "الإجماع هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع" اهـ (٢).
رابعا: منهجهم في إقامة توحيد الولاية مقام توحيد الله :
١ - الولاية أهم أركان الدين الخمسة على الإطلاق:
روى الكلينى بسنده عن أبى جعفر قال: "بنى الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه: يعنى الولاية" اهـ (٣).
стр. 128
٢ - توحيد العبادة عندهم التوحيد في الولاية:
اعتقدوا بأن نصوص القرآن الواردة في توحيد العبادة إنما الغاية منها تقرير ولاية علي ﵁ والأئمة، وعدم إشراك أحد معهم في الإمامة، فحولوا آيات التوحيد كلها إلى آيات الولاية وحرفوها، فنذكر هنا بعض النماذج منها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١).
قال الكليني عن أبى عبد الله قال: "يعنى إن أشركت في الولاية غيره" اهـ (٢).
وقال القمي: "لإن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك ليحبطن عملك" اهـ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤).
قال صاحب البرهان في تفسير هذه الآية: "وما بعث الله نبيًا قط إلا بولايتنا والبراءة من أعدائنا" اهـ (٥).
стр. 129
٣ - إثبات الربوبية لأئمتهم:
عن سماعة بن مهران قال: "كنت عند أبى عبد الله ﵇ فأرعدت السماء، وأبرقت. فقال أبو عبد الله ﵇، أَمَا إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البَرق فإنه من أمر صاحبكم، قلت من صاحبنا؟ فقال: أمير المؤمنين ﵇" اهـ (١).
٤ - زعمهم أن الجزء الإلهي حل في الأئمة، وهم يفعلون ما يشاؤون:
روي عن أبى عبد الله: "ثم مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا" اهـ (٢) وفي رواية "ولكن الله خلطنا بنفسه" اهـ (٣).
٥ - إن أصل قبول الأعمال هو الإيمان بإمامة الاثني عشر وولايتهم وليس توحيد الله .
جاء في أمالي الصدوق: "فإن من أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله ﷻ لم يقبل الله شيئا من أعماله" اهـ (٤).
وجاء في أصول الكافي: "إن الله نصب عليًا ﵇ علمًا بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنًا، ومن أنكره كان كافرًا ومن جهله كان ضالًا، ومن نصب معه شيئا كان مشركًا ومن جاء بولايته دخل الجنة" اهـ (٥).
стр. 130
خامسا: منهجهم في استخدام العقل وتعطيله:
قد وردت روايات كثيرة في الكافي في كتاب "العقل والجهل" فيها مدح العقل وذم الجهل، منها: ما روي عن الرضا يقول: "صديق كل امرء عقله وعدوه جهله" اهـ (١).
وأما من ناحية الاستخدام في تلقي الأحكام فالعقل معطل، يقول صاحب التحفة: "وأما (العقل) فهو باطل أيضًا لأن التمسك به إما في الشرعيات أو غيرها، فإن كان في الشرعيات فلا يصح التمسك به عند هذه الفرقة أصلًا، لأنهم منكرون أصل القياس ولا يقولون بحجيته، وأما في غير الشرعيات فيتوقف العقل على تجريده عن شوائب الوهم والإلف والعادة والاحتراز عن الخطأ في الترتيب والفكر في صورة الأشكال، وهذه الأمور لا تحصل إلا بإرشاد إمام، لأن كل فرقة من طوائف بنى آدم يثبتون بعقولهم أشياء وينكرون أشياء أخر، وهم متخالفون فيما بينهم بالأصول والفروع ولا يمكن الترجيح بالعقل فقط" اهـ (٢).
وفي تفسير العياشي ما يدل على أن الدين هو أبعد شيء من عقول الناس.
فيروى عن أبى جعفر قال: "إن للقرآن بطنًا وللبطن بطنًا وظهرًا، وللظهر ظهرًا يا جابر: وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن" اهـ (٣).
стр. 131
سادسا: منهجهم في تلقي الأحكام الشرعية:
بعد أن أبطلت الشيعة حجية القرآن بتأويلات بعيدة، وحجية السنة بالوضع والكذب على الأئمة، وحجية الإجماع بالخطأ في فهمه، وحجية العقل بالقول إن الدين بعيد عن عقول الناس، اعتقدوا بأن الأئمة هم خزنة علم الله وعندهم الوحي كله، وزعموا عدم كمال الدين، واتهموا الرسول بكتمان علم الله عن الأمة، وقالوا إن الأئمة لهم حق التشريع في التحليل والتحريم.
فمنهجهم في تلقي الأحكام الشرعية يقوم على عدة نقاط وهي كما يلي:
١ - اعتقادهم أن الأئمة عندهم خزنة العلم وإيداع الشريعة بل عندهم علم الله ووحيه:
قد عقد صاحب الكافي بابًا بعنوان: "أن الأئمة ﵈ ولاة أمر الله وخزنة علمه"، (١) وضمن هذا الباب ذكر ست روايات في هذا المعنى، ثم بوّب بابًا آخر بعنوان: "أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم" اهـ (٢) وبابًا ثالثًا بعنوان: "أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل ﵈" اهـ (٣).
стр. 132
٢ - زعمهم بأن الرسول كتم الدين عن الأئمة وترك الدين غير كامل:
قال صاحب مصابيح الأصول: "كان الكتاب العزيز مكتفلًا بالقواعد العامة دون الدخول في تفصيلاتها احتاجوا (١) إلى سنة النبي ﷺ .... والسنة لم يكتمل بها التشريع! ! لأن كثيرًا من الحوادث المستجدة لم تكن على عهده ﵊ احتاجوا أن يدخر علمها عند أوصيائه ليؤدوها عند أوقاتها" اهـ (٢).
وقال آيتهم شهاب الدين النجفي: "إن النبي ﷺ ضاقت عليه الفرصة ولم يسعه المجال لتعليم جميع أحكام الدين .... وقد قدم الاستغلال بالحروب على التمحص ببيان تفاصيل الأحكام .... لا سيما مع عدم كتابة استعداد الناس في زمنه لتلقي جميع ما يحتاج إليه طوال قرون" اهـ (٣).
٣ - إن للأئمة حق التشريع والتحليل والتحريم:
يروى عن أبى جعفر أنه قال: "من أحللنا له شيئًا أصابه من أعمال الظالمين فهو حلال، لأن الأئمة منا مفوض إليهم فما أحلّوا فهو حلال، وما حرموا فهو حرام" اهـ (٤).
هذه بعض ملامح المنهج الشيعي والتي نراها معا لم رئيسة لما قامت عليه مذاهب الشيعة عامة ومذهب الاثنى عشري خاصة، إلا أن المتتبع لكتابات الشيعة يجد صعوبة
стр. 133
بالغة في الوصول إلى منهجهم المتبع الدقيق، لأن الروايات التى قام عليها المذهب الشيعي والتي نسبت إلى أئمتهم كذبًا وزورًا بدون آي ضابط يربطها جاءت مختلفة متضادة.
وقد تألم شيخهم محمد بن الحسن الطوسي لما آلت إليه أحاديثهم من الاختلاف والتباين والمنافات والمتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، وقد اعترف بأن هذا الاختلاف قد فاق ما عند أصحاب المذاهب الأخرى وأن هذا أعظم الطعون على مذهبهم (١).
ومما لا شك فيه إن هذا الاختلاف الشديد دليل واضح على أن الدين الشيعي ليس من عند الله، ولو كان من عند الله لما كان هذا الاختلاف الكثير، وكما نلاحظ أن منهجهم بعيد كل البعد عن المنهج السني الصحيح، بل هو أشبه بالنصرانية واليهودية المحرفتين أكثر مما يشبه بالإسلام.
وقد اعترف بذلك سيد أمير علي فقال: "ويختلف الباطنية والإسماعيلية وجميع الفرق المشابهة لهم عن جماعة المسلمين في أنهم يجعلون الإيمان حجر الأساس لاعتقادهم، وهم يشبهون في هذا معظم مذاهب الإصلاح الديني في المسيحية، فهم يقولون كما يقول: "لوثر" (٢) بالمبدأ والتبرير بالإيمان، وكان لوثر يؤكد بقوة أن الإيمان بالمسيح ينقذ جميع العصاة، وكذلك الباطنية والإسماعيلية وفروعها، جعلوا الإيمان والثقة المطلقة بالإمام المقدس ركنا جوهريا في مذهبهم، فما دام باطن الإنسان عامرا بالإيمان جميع أعماله الظاهرة فلا أهمية لها" اهـ (٣).
стр. 134
فقد تبين مما تقدم أن الشيعة من أجهل الناس بالإسلام الصحيح، ومن أبعدهم عن المنهج السني السليم، فكانوا سببا ومدخلا لبث الشبهات بين أبناء المسلمين من قبل أعداء الإسلام.
قال ابن تيمية ﵀: "إن الشيعة من أجهل الطوائف، وأضعفها عقلًا وعلمًا، وأبعدها عن دين الإسلام علمًا وعملًا، ولذا دخلت الزنادقة على الإسلام من باب المتشيعة قديمًا وحديثًا، كما دخل الكفار المحاربون مدائن الإسلام ببغداد بمعاونة الشيعة" اهـ (١).
وهذا الانحراف في المنهج جعل كثيرًا منهم انبهروا بالمنهج الوافد الغربي عندما دخل الاستعمار والاستشراق بالهند، ولذلك سيرى القارىء في الفصول القادمة أن أكثر من تأثر بالمنهج الاستشراقي بالهند كانوا من الشيعة على مختلف المذاهب، إذ أن الخلل في المنهج كان من أهم مداخل المستشرقين لبث شبهاتهم، وتغيير الطرق المنهجية عند بعض المسلمين بالهند.
стр. 135
الفصل الثاني: السمات الجديدة للمنهج بعد الاستشراق
فيه مبحثان:
* المبحث الأول: مناهج المستشرقين.
* المبحث الثاني: مناهج المتأثرين بالاستشراق.
تمهيد
مرت البيئة الأوربية بظروف خاصة قد حددتها طبيعة مصدرها وتطور حضارتها، وذلك منذ عصر النهضة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهما العصران اللذان ظهرت فيهما العلوم الحديثة، وبظهور هذه الاكتشفات الحديثة تطورت الحضارة، ونشأت عندها فكرة الرفض للقديم بعد أن عانت منه تاريخيا وفكريا وإنسانيا وعقليا اجتماعيا زمنا طويلا، فرفضت كل مصدر سابق للمعرفة، وكل مصدر سابق باسم الوحي أو الدين أو الحدس أو المثال نظرا لخيبة الأمل التي حصلت من كشف الأخطاء الموروثة.
واستبدل بذلك كله الإيمان المطلق بالعقل البشري، وقدرته وبالثقة التي لا حدود لها، وبالفكر الإنساني وإمكانية وصوله إلى الحقيقة بالجهد البشري، وإمكانية وصوله بنفسه دون الاعتماد على أي مصدر مسبق. فبدأ أكثرهم يظنون أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الإيمان بالله، وهكذا أصبح "الإله" في نظرهم فكرة غير ضرورية، وكل فكرة غير ضرورية لا يقوم على أساس، ولعله لا يغيب عنا مقالة نيتشه (Nietzsche): (١) " لقد مات الإله الآن" اهـ (٢).
وبعد أن أسقط عصر النهضة كل الأنماط النظرية القديمة للواقع، وأصبح الواقع عاريا من كل أساس نظري اضطر المفكرون إلى البحث عن نظريات يفهم الواقع على أساسها، فنشأت المذاهب الفلسفية والتيارات الفكرية كي تسد هذا النقص النظري،
стр. 138
ونسبت الأفكار إلى الذين صاغوها ومن ثم ظن المستشرق أن كل حضارة لا بد وقد نشأت بالضرورة على نمط الحضارة الغربية (١).
وقد تأثر المستشرقون أو معظمهم لهذه النعرة العلمية (٢) أو الموجة المادية الإلحادية التي سادت أوربا، ونجحت في إرجاع الظاهرة الدينية المتمثلة في اليهودية والنصرانية المحرفتين إلى أسباب مادية، وإثباتها بأنها بشرية وأنها لا تصمد أمام الاكتشافات العلمية الحديثة، فظنوا أن كل فكرة دينية لا بد وأن نشأت بالضرورة على هذا المنوال ولا بد لها من أن تزول أمام المعارف العلمية الحديثة.
وبهذه الانطباعات والخلفيات والتصورات المسبقة توجه المستشرقون إلى العقيدة الإسلامية لدراستها ولإرجاعها إلى أسباب مادية وإثباتها بأنها بشرية لا تصمد أمام التيار العلمي الحديث، وذلك بهدف القضاء عليها قضاء مبرما، ولهذا الهدف وضعوا مناهج عديدة يمكن تلخيصها في أربعة مناهج رئيسة، يستخدمونها إما مجتمعة أو على حدة. وهي إما شعورية يعيها المستشرقون، أو لا شعورية كامنة وراء عمل المستشرق وتحددها اتجاهاته أمام الظاهرة.
وهذه المناهج هي: منهج النقد التاريخي، والمنهج التحليلي، والمنهج الإسقاطي، ومنهج الأثر والتأثر (٣) وهناك مناهج أخرى فرعية سلكها المستشرقون لدراسة العقيدة الإسلامية، وفيما يلي تفصيل ذلك:
(١) المنهج التاريخي
هو وصف وتسجيل ما مضى من الوقائع التاريخية ثم نقدها نقدا علميا بهدف الحصول على أكبر قدر ممكن من المعارف والعلوم الثابتة في الماضي. ويعرفه الدكتور قنديل محمد قنديل فيقول:
"يوصف هذا المنهج بالاستردادي لأنه يبحث عن الوقائع التاريخية التي وقعت في الماضي وانتهت، والتي لا يمكن للإنسان إعادتها بأشخاصها ودراستها في الحاضر، بل يحاول المرء بالمنهج التاريخي أن يكون لها صورة عقلية قريبة من صورتها الحقيقة التى وقعت عليها وأن تستعيدها في هذه الصورة.
وفي المجال التاريخي في القديم كان يعتمد في اعتماد الأحداث التاريخية على مجرد الرواية دون أن يكون هناك منهج علمي محدد وتنتقد على أساسه الروايات" اهـ (١).
واستمر الحال على ذلك إلى أن وضعت خطوات وأسس في العصر الحديث لنقد الروايات التاريخية، مستمدة من منهج النقد للروايات الحديثية عند علماء الإسلام، ومن تلك الخطوات:
الخطوة الأولى:
جمع الوثائق المتعلقة بالحدث الذي يراد معرفته وتشتمل الوثائق التى تدل على الحدث التاريخي والتي يمكن التوصل إليها كالآثار والمخطوطات والروايات والنقوش وغير ذلك" اهـ (٢).
وربما تكون هذه الخطوة نظرية لدى المؤرخين أو على الأقل في ٩٩% من القضايا التاريخية، بينما قام المحدثون فعلًا بهذه الخطوة وحتى الآن بعد مرور الزمن
стр. 141
نجد حديثا واحدًا أو بلغة المؤرخين وثيقة واحدة لدى أربعين أو خمسين، أو أقل أو أكثر من المحدثين" اهـ (١) مثلًا سمع ابن حنبل الموطأ من بضعة عشر رجلًا من حفاظ أصحاب مالك ثم أعاده على الشافعي (٢) وبعبارة المؤرخين قد اجتمع لدى الإمام أحمد بضعة عشر وثيقة لأصل واحد.
الخطوة الثانية: النقد الخارجي له جانبان:
الجانب الأول:
يتضمن محاولة إعادة الوثائق إلى أصلها إن كان طرأ عليها تغيير بالزيادة والنقص، والتأكد من إصالتها إن لم يطرأ عليها تغيير (٣)، وهذا مستمد من منهج المحدثين حيث كانوا يقومون بمقابلة الروايات والنصوص لمعرفة صدق الراوي من كذبه، وحتى يتبين النص الأصلي، وفي إثبات صحة الأصول قد ينظر المؤرخ إلى نوع الحبر والورق والخط المستعمل في كتابة وثيقة ما، وهذا أيضًا كان معروفًا عند المحدثين، يقول زكريا بن يحي الحلواني: "رأيت أبا داؤد السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألت عنه، فقال رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول، فإذا هي مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها" اهـ (٤).
стр. 142
الجانب الثاني:
يتعلق بشخصية صاحب الوثيقة والتأكد من أنها تنسب إليه لا إلى غيره (١) وهذا قد وجد عند المحدثين بوجه أتم، "إذ لا يمكن اعتبار حديث ما أو كتاب ما، أو بلغة المؤرخين وثيقة ما قابلة للاعتناء بالبحث إذ لم تكن الوثيقة قد وصلت إلينا بالإسناد المتصل إلى مؤلف الأصل. ثم لا يمكن الاعتماد عليها إذا لم يكن جميع الأشخاص الوارد ذكرهم في سلسلة الإسناد من المعروفين بالصدق والعدالة، أما إذا وجدت الوثيقة أو الكتاب دون استيفاء هذه الشروط فلا يمكن اعتبارها وثيقة المحدثين وكانت نظرتهم في هذا المجال في غاية الدقة" اهـ (٢).
قال الحسن بن صالح (١٠٠ - ١٦٠ هـ) إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه حتى يقال لنا: أتريدون أن تزوجوه (٣).
الخطوة الثالثة: النقد الباطني وله جانبان أيضًا:
الجانب الأول:
"الجانب الإيجابي: يتضمن تفسير الوثيقة وفهم معانيها والتأكد مما إذا كان صاحب الوثيقة قد أراد هذه المعاني الظاهرة أم أراد معاني أخرى" اهـ (٤).
وهذا الجانب جزء بسيط مما قام به المحدثون من شرح الغريب، وشرح المتون وذكر شأن ورود الحديث، وتصنيف الحديث إلى الحديث بالمعنى وإلى الحديث باللفظ وغير ذلك من العلوم (٥).
стр. 143
الجانب الثاني:
"الجانب السلبي: ويقوم على دراسة الناحية الأخلاقية والعلمية لصاحب الوثيقة واستكشاف ما إذا كان يتصف بالعدالة وبالصفات الأخلاقية والعلمية التى تمنعه من الغش والكذب والتقصير في ضبط الرواية، أم أن فيه بعض النقائص الأخلاقية والعلمية التى تؤثر في كمال روايته" اهـ (١).
ومما لا شك فيه أن المحدثين قد فاقوا في هذا الجانب المؤرخين كثيرًا. حيث اشترطوا في الراوي أن يكون عدلًا وضابطًا وكانوا يزنون الرجال الوزن الدقيق وصنفوهم على طبقات (٢).
قال مطرف وهو من التابعين: "أشهد لسمعت مالكًا يقول: أدركت بهذه البلاد مشيخة من أهل الصلاح والعبادة يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثًا قط، قيل: فلم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون" اهـ (٣).
الخطوة الرابعة:
" تركيب الحوادث التاريخية بأن يُضم الحوادث بعضها إلى بعض وتصنيفها بعد سدِّ الثغرات بين أجزائها، وسد الثغرات قد يتطلب لتحقيقه وضع بعض الفروض وامتحانها فرضًا فرضًا على ضوء الحوادث التاريخية، وبعد أن يتم ذلك يضع لها صيغًا عامة يعرض الحوادث وقفًا لها، فإذا تم له ذلك استطاع الاهتداء إلى الصلات بين الحوادث وتوضيح ما خفي من أسرارها" اهـ (٤)، وهذا كله مأخوذ مما قام به الفقهاء من المحدثين الذين استنبطوا الأحكام بعد جمع الروايات وترتيبها وتصنيفها وبعد أن عرفوا الناسخ منها والمنسوخ.
стр. 144
وهذا مفهوم مستقيم للمنهج التاريخي وهو مأخوذ ومستمد من أسلافنا المحدثين إلا أن المحدثين قد نفذوه وطبقوه على بحوثهم ودراساتهم ونقدهم، بينما يكون كلام المؤرخين نظريًا خياليا، ولم يطبقوا إلا في أضيق الحدود في حوادث نادرة جدًا.
وأما المنهج التاريخي الذي طبقه المستشرقون على الدراسات الإسلامية فهو عبارة عن وصف وتسجيل ما مضى من وقائع تاريخية أو اجتماعية ووضع بعضها بجوار بعض وترتيبها ثم الإخبار عنها والتعريف بها باعتبارها الظاهرة الفكرية ذاتها تاركًا كلية أصول الظاهرة في الوحي أو في الشعور .... فإذا كان الموضوع علم التوحيد سردت الوقائع التاريخية كما يحلو للبعض أن يصفها، وكأن علم التوحيد جزء من التاريخ العام، فإذا ذكرت المعتزلة ذكرت حادثة واصل بن عطاء مع الحسن البصري ونشأة المعتزلة باعتزاله مجلسه، وإذا ذكر خلق القرآن ذكرت محنة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وعصور المأمون والمعتصم والمتوكل، وإذا ذكرت الشيعة ذكرت أسماء الأعلام والأئمة وتنسب المذاهب والأفكار إلى الأماكن، فهناك الحرورية والبصريون والبغداديون والكوفيون في حين أن الأفكار مستقلة عن الأماكن ولها وجودها الخاص في الشعور (١).
"وإذا كان الهدف من تطبيق المنهج التاريخي هو الحصول على أكبر قدر ممكن من المعارف والمعلومات عن الموضوع المراد دراسته، فإن مهمة الباحث هنا إرجاع الظاهرة الفكرية إلى أصولها الأولى، فنحن عندما ندرس الحضارة الإسلامية فإن الذي يعنينا ليس التطور التاريخي للحوادث والأخبار وجمعها وتحقيقها، فهذا السرد لا يؤدي بنا إلى نتائج جديدة لأنه عبارة عن ترداد ما حصل في الماضي، ولكن المهمة هي إرجاع الظواهر الفكرية الإسلامية إلى أصولها الأولى التي خرجت منها القرآن والسنة
стр. 145
مثلًا لمعرفة كيفية خروجها منها ومحاولة العثور على منهج أو مناهج دائمة، يمكن بواسطتها العثور على منهج إسلامي عام" اهـ (١).
ولكن غالب ما يكون هدف المستشرق من نسبة الفكر إلى القائل به عندما يستخدم المنهج التاريخي "هو إثبات جدب الحضارة وصمت الوحي، وأنه لولا الفيلسوف أو العالم لما ظهر الفكر، فالإنسان هو خالق الفكر وليس الوحي هو مصدر الفكر، فإذا كان هؤلاء المفكرون والعلماء معظمهم غير عرب وإن كانوا مسلمين، فإن المستشرق بذلك قد حقق هدفه من إثبات نظرته القومية على الحضارة الإسلامية وإرجاع الإبداع إلى الخصائص القومية للحضارة وحتى لا تكون هي الحضارة العربية (الإسلامية) " (٢).
وقد صرح جولدتسيهر بهذا الهدف عندما تناول العقيدة الإسلامية في ضوء المنهج التاريخي فقال: "ومنهاج هذه الدراسة لا يدخل فيه بحث التفاصيل الخالصة المذهبية لهذا الدين والذي علينا هو أن نلقي ضوءًا على العوامل التي أسهمت في تكوينه التاريخي، ذلك بأن الإسلام كما يبدو عند اكتمال نموه، هو نتيجة تأثيرات مختلفة تكون بعضها باعتباره تصورًا وفهمًا وأخلاقيًا للعالم، وباعتباره نظامًا قانونيًا وعقديًا، حتى أخذ شكله السني النهائي وعلينا كذلك أن نتحدث عن التيارات التي أثرت في اتجاهات نهر الإسلام، لأن الإسلام ليس مذهبا واحدًا، بل حياته التاريخية تتأكد فيما نشأ فيه من اختلافات" اهـ (٣).