نجد حديثا واحدًا أو بلغة المؤرخين وثيقة واحدة لدى أربعين أو خمسين، أو أقل أو أكثر من المحدثين" اهـ (١) مثلًا سمع ابن حنبل الموطأ من بضعة عشر رجلًا من حفاظ أصحاب مالك ثم أعاده على الشافعي (٢) وبعبارة المؤرخين قد اجتمع لدى الإمام أحمد بضعة عشر وثيقة لأصل واحد.
الخطوة الثانية: النقد الخارجي له جانبان:
الجانب الأول:
يتضمن محاولة إعادة الوثائق إلى أصلها إن كان طرأ عليها تغيير بالزيادة والنقص، والتأكد من إصالتها إن لم يطرأ عليها تغيير (٣)، وهذا مستمد من منهج المحدثين حيث كانوا يقومون بمقابلة الروايات والنصوص لمعرفة صدق الراوي من كذبه، وحتى يتبين النص الأصلي، وفي إثبات صحة الأصول قد ينظر المؤرخ إلى نوع الحبر والورق والخط المستعمل في كتابة وثيقة ما، وهذا أيضًا كان معروفًا عند المحدثين، يقول زكريا بن يحي الحلواني: "رأيت أبا داؤد السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألت عنه، فقال رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول، فإذا هي مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها" اهـ (٤).
стр. 142
الجانب الثاني:
يتعلق بشخصية صاحب الوثيقة والتأكد من أنها تنسب إليه لا إلى غيره (١) وهذا قد وجد عند المحدثين بوجه أتم، "إذ لا يمكن اعتبار حديث ما أو كتاب ما، أو بلغة المؤرخين وثيقة ما قابلة للاعتناء بالبحث إذ لم تكن الوثيقة قد وصلت إلينا بالإسناد المتصل إلى مؤلف الأصل. ثم لا يمكن الاعتماد عليها إذا لم يكن جميع الأشخاص الوارد ذكرهم في سلسلة الإسناد من المعروفين بالصدق والعدالة، أما إذا وجدت الوثيقة أو الكتاب دون استيفاء هذه الشروط فلا يمكن اعتبارها وثيقة المحدثين وكانت نظرتهم في هذا المجال في غاية الدقة" اهـ (٢).
قال الحسن بن صالح (١٠٠ - ١٦٠ هـ) إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه حتى يقال لنا: أتريدون أن تزوجوه (٣).
الخطوة الثالثة: النقد الباطني وله جانبان أيضًا:
الجانب الأول:
"الجانب الإيجابي: يتضمن تفسير الوثيقة وفهم معانيها والتأكد مما إذا كان صاحب الوثيقة قد أراد هذه المعاني الظاهرة أم أراد معاني أخرى" اهـ (٤).
وهذا الجانب جزء بسيط مما قام به المحدثون من شرح الغريب، وشرح المتون وذكر شأن ورود الحديث، وتصنيف الحديث إلى الحديث بالمعنى وإلى الحديث باللفظ وغير ذلك من العلوم (٥).
стр. 143
الجانب الثاني:
"الجانب السلبي: ويقوم على دراسة الناحية الأخلاقية والعلمية لصاحب الوثيقة واستكشاف ما إذا كان يتصف بالعدالة وبالصفات الأخلاقية والعلمية التى تمنعه من الغش والكذب والتقصير في ضبط الرواية، أم أن فيه بعض النقائص الأخلاقية والعلمية التى تؤثر في كمال روايته" اهـ (١).
ومما لا شك فيه أن المحدثين قد فاقوا في هذا الجانب المؤرخين كثيرًا. حيث اشترطوا في الراوي أن يكون عدلًا وضابطًا وكانوا يزنون الرجال الوزن الدقيق وصنفوهم على طبقات (٢).
قال مطرف وهو من التابعين: "أشهد لسمعت مالكًا يقول: أدركت بهذه البلاد مشيخة من أهل الصلاح والعبادة يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثًا قط، قيل: فلم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون" اهـ (٣).
الخطوة الرابعة:
" تركيب الحوادث التاريخية بأن يُضم الحوادث بعضها إلى بعض وتصنيفها بعد سدِّ الثغرات بين أجزائها، وسد الثغرات قد يتطلب لتحقيقه وضع بعض الفروض وامتحانها فرضًا فرضًا على ضوء الحوادث التاريخية، وبعد أن يتم ذلك يضع لها صيغًا عامة يعرض الحوادث وقفًا لها، فإذا تم له ذلك استطاع الاهتداء إلى الصلات بين الحوادث وتوضيح ما خفي من أسرارها" اهـ (٤)، وهذا كله مأخوذ مما قام به الفقهاء من المحدثين الذين استنبطوا الأحكام بعد جمع الروايات وترتيبها وتصنيفها وبعد أن عرفوا الناسخ منها والمنسوخ.
стр. 144
وهذا مفهوم مستقيم للمنهج التاريخي وهو مأخوذ ومستمد من أسلافنا المحدثين إلا أن المحدثين قد نفذوه وطبقوه على بحوثهم ودراساتهم ونقدهم، بينما يكون كلام المؤرخين نظريًا خياليا، ولم يطبقوا إلا في أضيق الحدود في حوادث نادرة جدًا.
وأما المنهج التاريخي الذي طبقه المستشرقون على الدراسات الإسلامية فهو عبارة عن وصف وتسجيل ما مضى من وقائع تاريخية أو اجتماعية ووضع بعضها بجوار بعض وترتيبها ثم الإخبار عنها والتعريف بها باعتبارها الظاهرة الفكرية ذاتها تاركًا كلية أصول الظاهرة في الوحي أو في الشعور .... فإذا كان الموضوع علم التوحيد سردت الوقائع التاريخية كما يحلو للبعض أن يصفها، وكأن علم التوحيد جزء من التاريخ العام، فإذا ذكرت المعتزلة ذكرت حادثة واصل بن عطاء مع الحسن البصري ونشأة المعتزلة باعتزاله مجلسه، وإذا ذكر خلق القرآن ذكرت محنة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وعصور المأمون والمعتصم والمتوكل، وإذا ذكرت الشيعة ذكرت أسماء الأعلام والأئمة وتنسب المذاهب والأفكار إلى الأماكن، فهناك الحرورية والبصريون والبغداديون والكوفيون في حين أن الأفكار مستقلة عن الأماكن ولها وجودها الخاص في الشعور (١).
"وإذا كان الهدف من تطبيق المنهج التاريخي هو الحصول على أكبر قدر ممكن من المعارف والمعلومات عن الموضوع المراد دراسته، فإن مهمة الباحث هنا إرجاع الظاهرة الفكرية إلى أصولها الأولى، فنحن عندما ندرس الحضارة الإسلامية فإن الذي يعنينا ليس التطور التاريخي للحوادث والأخبار وجمعها وتحقيقها، فهذا السرد لا يؤدي بنا إلى نتائج جديدة لأنه عبارة عن ترداد ما حصل في الماضي، ولكن المهمة هي إرجاع الظواهر الفكرية الإسلامية إلى أصولها الأولى التي خرجت منها القرآن والسنة
стр. 145
مثلًا لمعرفة كيفية خروجها منها ومحاولة العثور على منهج أو مناهج دائمة، يمكن بواسطتها العثور على منهج إسلامي عام" اهـ (١).
ولكن غالب ما يكون هدف المستشرق من نسبة الفكر إلى القائل به عندما يستخدم المنهج التاريخي "هو إثبات جدب الحضارة وصمت الوحي، وأنه لولا الفيلسوف أو العالم لما ظهر الفكر، فالإنسان هو خالق الفكر وليس الوحي هو مصدر الفكر، فإذا كان هؤلاء المفكرون والعلماء معظمهم غير عرب وإن كانوا مسلمين، فإن المستشرق بذلك قد حقق هدفه من إثبات نظرته القومية على الحضارة الإسلامية وإرجاع الإبداع إلى الخصائص القومية للحضارة وحتى لا تكون هي الحضارة العربية (الإسلامية) " (٢).
وقد صرح جولدتسيهر بهذا الهدف عندما تناول العقيدة الإسلامية في ضوء المنهج التاريخي فقال: "ومنهاج هذه الدراسة لا يدخل فيه بحث التفاصيل الخالصة المذهبية لهذا الدين والذي علينا هو أن نلقي ضوءًا على العوامل التي أسهمت في تكوينه التاريخي، ذلك بأن الإسلام كما يبدو عند اكتمال نموه، هو نتيجة تأثيرات مختلفة تكون بعضها باعتباره تصورًا وفهمًا وأخلاقيًا للعالم، وباعتباره نظامًا قانونيًا وعقديًا، حتى أخذ شكله السني النهائي وعلينا كذلك أن نتحدث عن التيارات التي أثرت في اتجاهات نهر الإسلام، لأن الإسلام ليس مذهبا واحدًا، بل حياته التاريخية تتأكد فيما نشأ فيه من اختلافات" اهـ (٣).
стр. 146
فالمنهج التاريخي إذن يقضي على وحدة الظاهرة واستقلالها ويرجعها إلى عناصر مادية وإلى عوامل تاريخية مع أن هذه العناصر المادية إن هي إلا عوامل الفكر وليست مصدرًا لموضوعاته، فالطبيعة لا تنتج فكرًا بل هي محررة للفكر" اهـ (١).
وقد يستخدم المستشرق المنهج التاريخي لنقد ظاهرة ما، فينقد الظاهرة بمعياره الخاص، ويسميه منهج النقد التاريخي، كما يقول المستشرق الألماني رودي بارت (Rudi Parret): " .... فنحن معشر المستشرقين عندما نقوم اليوم بدراسات في العلوم العربية وفي العلوم الإسلامية لا نقوم بها قط لكي نبرهن على ضعة العالم العربي الإسلامي بل على العكس، نحن نبرهن على تقديرنا الخاص للعالم الذي يمثله الإسلام ومظاهره المختلفة، والذي عبر عنه الأدب العربي كتابة، ونحن بطبيعة الحال لا نأخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه دون أن يعمل فيه النظر، بل نقيم وزنًا فحسب لما يثبت أمام النقد التاريخي أو يبدو كأنه يثبت أمامه، ونحن في هذا نطبق على الإسلام وتاريخه، وعلى المؤلفات العربية التي نستعمل المعيار النقدي نفسه الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن" اهـ (٢).
وفي النهاية "إن استخدام هذا المنهج يؤدي إلى إنكار نبوة محمد ﷺ وعدم صدقية الوحي الإلهي، لأنه يحيل كل شيء إلى ظواهر تاريخية، فالمستشرقون إذا ذكروا محمدًا ﷺ فإنهم يصنفونه مع أنبياء الفرس وحكمائهم وذلك عندما يعقدون المقابلات بينه وبين "زرداشت" و "ماني"، حول الإسراء والمعراج والاتصال بالملكوت الأعلى. وهكذا يصبح هذا المنهج أداة لمحو النبوة المحمدية وتفسيرها ضمن النبوءات الأخرى التاريخية، وهو بذلك يقوم على فكرة مسبقة وعلى تميز حضاري وتعصب ديني" اهـ (٣).
стр. 147
والحقيقة كما أشرنا إليها في بداية المبحث "إن المنهج التاريخي قد استخدم في أوربا لدراسة المسيحية لأنها نشئت في بيئة دينية، ودخلت المؤثرات الخارجية كالبابلية والآشورية والغنوصية على نصها الديني، وهذا المنهج يبيح للباحث الكشف عن العناصر الأساسية التي ساعدت على تكوين المسيحية الأولى، وعندما يطبق المستشرق هذا المنهج على الظواهر الفكرية الإسلامية -التي في حقيقتها مثالية وليست مادية، أي أنها موضوعات فكرية مستقلة وليست موضوعات تاريخية- فتكون النتائج العلمية ليست صحيحة عند تطبيق هذا المنهج على الدراسات الإسلامية" اهـ (١).
إن جل المستشرقين وقعوا في هذا الخطأ باعتبار أن مناهجهم تقوم على دراسة الظاهرة الفكرية كظاهرة مادية خالصة، وكتاريخ خالص مكون من شخصيات، وأنظمة اجتماعية وحوادث تاريخية محضة، يمكن فهمها بتحليلها إلي عوامل مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية تحدد نشأتها وطبيعتها، وهكذا تفقد الظاهرة طابعها المثالي، وتنقطع عن أصلها في الوحي وتصبح ظاهرة مادية خالصة (٢).
стр. 148
(٢) المنهج التحليلي
التحليل من "حلل العقدة يحللها و-- الشيء: رجّعه إلى عناصره يقال: حلل الدم، وحلل البول، ويقال حلل نفعسية فلان أدرك أسباب عللها" اهـ (١).
والمنهج التحليلي في ذاته منهج مثمر يحتاج إليه كل باحث للكشف عن البناء الكلي لظاهرة ما، ولإدراك أسباب علل ظهورها، ففي تراثنا القديم نماذج كثيرة لمثل هذه التحليلات القيمة، بل التراث معظمه قائم على نظرة التحليل، ومن أمثال ذلك، تحليل الوحي إلى مراحل، وتحليل العقائد إلى أصول، وتحليل أصول الفقه إلى أدلة، ففي علم أصول الفقه نفسه تحليل الشعور التاريخي، وتحليل مناهج الرواية، وتحليل الألفاظ، وتحليل الأحكام (٢).
إذن الظاهرة الفكرية كسائر الأشياء المحسوسة مركبة من عناصر تركيبًا صناعيًا يمكن تحليلها إلى عناصرها الأولية ثم إرجاعها إلى أماكنها الأصلية حتى يتم توضيحها وفهمها. وهذا التحليل هو التحليل التكويني الذي يكشف عن البناء العام أو التحليل الارتقائي الذي يبين مراحل التكوين.
وأما المنهج التحليلي الذي طبقه المستشرقون على العقيدة الإسلامية "فهو عبارة عن تفتيت الظاهرة الفكرية إلى مجموعة من العناصر يتم التأليف بينها في حزمة لا متجانسة من العوامل أو الوقائع التي أنشأها" اهـ (٣).
بعد أن فعل المنهج التاريخي فعلته من إرجاع الظاهرة الفكرية الإسلامية إلى أسباب مادية واستبدال واقعة مادية بالظاهرة الفكرية يأتي دور المنهج التحليلي فيسهل للمستشرق بواسطة هذا المنهج تفتيت الظاهرة وردها إلى عناصر مادية خالصة
стр. 149
كالظروف الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية كما فعله معظم المستشرقين العلمانيين والملحدين أو إلى عناصر دينية وغير دينة كما فعله معظم المستشرقين النصارى، ويصبح العنصر الديني مع أنه الدافع الحقيقي لتكوين الظاهرة عنصرًا ضعيفًا مساعدًا لبقية العناصر، ولا شك هذا من تأثر المستشرق بثقافته وبيئته ودينه الذي نشأ فيه.
"فالمسيحية (الديانة النصرانية) عندما يخضعها المستشرقون للمنهج التحليلي فإنها تبدو لهم منقسمة إلى عوامل دينية وأخرى غير دينية لأن الدين المسيحي (١) لا ينظم إلا الجانب الروحي ولا علاقة بالجانب الزمني (٢) أو المادي الذي يخضع بدوره إلى عوامل الاقتصاد والسياسة والاجتماع ولكن إذا طبق هذا المنهج على دراسة العقيدة الإسلامية وكيفية نشأتها فإنه يحكم عليها طبقًا للمعايير السياسة والاقتصادية باعتبارها نشأت لهذا السبب وحده دون غيره، غير أن الحقيقة خلاف ذلك لأن الدين الإسلامي لا يفرق بين العامل الديني وغيره من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى (٣).
ومن أخطاء المنهج التحليلي الاستشراقي أن المستشرق يفتت الظاهرة إلي عناصر ثم لا يأخذها جميعها عند التحليل إنما يختار بعضها ويترك البعض حسب أهوائه، والأمثلة كثيرة على ذلك "فعديد من الدراسات عن المسائل الجزئية في علم الكلام (٤) لا تعطي نظرة شاملة على أساس هذا العلم ولا تدرك جوهره فيمكن دراسة عدة جوانب من التوحيد كالتأليه أو التجسيم أو التشبهية أو التنزيه مع إعطاء مئات
стр. 150
من الآراء عن كل منها، ولكن ذلك كله لا يجعلنا ندرك ماهية التوحيد أو عملية التوحيد أو عمليات الشعور التي وراء النظريات الجزئية" اهـ (١).
ومن أخطائه أنه "قد يستعمل التحليل عمدًا للقضاء على الطابع الكلي الشامل، وهو أهم ما يميز الحضارة الإسلامية التي قامت أيضًا على وحي كلي شامل، فتفتيت الكل لا يُرى أحد الأجزاء المتناثرة، ومن ثم لا تختلف الحضارة الإسلامية عن الغربية في شيء. فكلاهما مجموعة متناثرة من الأجزاء، وقد يستعمل التحليل بطريق لا شعوري تعبيرًا عن رغبة دفينة في الهدم والقضاء على الموضوع، فالتحليل تفتيت وسحق، يحقق الباحث ما يريد من القضاء على الظاهرة إن أراد، وقد يستخدم التحليل حتى يمكن رد كل جزء إلى أجزاء شبيهة في حضارات معاصرة، ومن ثم يكون التحليل مقدمة لإثبات الأثر الخارجي وتفريغ الحضارة من مضمونها الأصيل" اهـ (٢).
فإن نظرة المستشرقين إلى هذا المنهج مفتاح الفكر الاستشراقي الغربي على أنه منهج عام وشامل، يمكن تطبيقه على أي دراسات إنسانية، كدراساتهم للإسلام، هذه النظرة أدت بهم إلى أخطاء جسيمة كإصدار أحكام عامة على الحضارة الإسلامية بالجدب وعلى الدين بالجمود وعلى الوحي بالاضطراب والاختلاط، وعلى التوحيد بالتجريد، وعلى عقيدة القضاء والقدر بالجبر وعلى الشعوب بالتخلف (٣).
стр. 151
(٣) المنهج الإسقاطي
المنهج الإسقاطي هو أخذ تصور ما من أصل أو من بيئة أو من ظاهرة ما ثم إيقاعه على فرع أو على بيئة أخرى أو على ظاهرة مقصودة دراستها، وفي هذه الحالة تكون الذاتية مصدرًا لحدس وأساسًا لرؤية تتجه نحو الموضوع وتنيره، وتشترط أن تكون الذاتية خالصة متجردة من أي هوى أو مصلحة، وأوضح مثال في تراثنا الإسلامي: علم أصول الفقه عند ما يقوم النص الذي يحتوي على الأصل بتوجيه الشعور نحو العلة المشتركة مع الفرع من أجل تعدية حكم الأصل إلى الفرع، فالقياس الشرعي يبدأ بتوجيه النص نحو الواقع من أجل رؤيته. والضامن هنا لموضوعية الذاتية هو أنها تعتمد على الوحي باعتباره حقيقة موضوعية مستقلة (١).
وأما المنهج الإسقاطي الذي طبقه المستشرقون على العقيدة الإسلامية، فهو استبدال ظاهرة مدروسة بظواهر أخرى هي أشكال أبنية النظرية الموجودة في ذهن المستشرق فإنه يحكم عليها بالنفي، والظاهرة التي لا وجود لها بالفعل، ولكنها توجد كصورة ذهنية عند المستشرق فإنه يحكم عليها بالوجود الفعلي، فالإسقاط الاستشراقي إذًا خطأ في الإدراك يجعل المستشرق في عزلة ذهنية ويضعه في موقف نرجسي خالص عندما لا يرى في العالم الخارجي من موضوعات إلا ما هو موجود في نفسه كصورة ذهنية (٢).
قد استخدم هذا المنهج كثير من المستشرقين "فيعينون لهم غاية يقررون في أنفسهم تحقيق تلك الغاية بكل طريق ثم يقومون لها بجمع معلومات من كل رطب ويابس ليس لها أي علاقة بالموضوع، سواء من كتب الديانة والتاريخ أو الأدب والشعر أو الرواية والقصص أو المُجون والفُكاهة، وإن كانت هذه المواد تافهة لا قيمة
стр. 152
لها، ويقدمونها بعد التمويه بكل جرأة ويبنون عليها نظرية لا يكون لها وجود إلا في نفوسهم وأذهانهم (١).
والمستشرق عندما يستخدم الإسقاط يصدر أحكامًا مغلوطة عن الإسلام تنافي في الحقيقة تمامًا. يقول المستشرق بوكاي: "إن الأحكام المغلوطة تمامًا التي تصدر في الغرب عن الإسلام ناتجة عن الجهل حينًا وعن التسفيه العامد حينًا آخر ولكن أخطر الأباطيل المنتشرة التي تخص الأمور الفعلية، وإذا كنا نستطيع أن نغفر الأخطاء خاصة بالتقرير فإننا لا نستطيع أن نغفر لتقديم الوقائع بشكل ينافي الحقيقة" اهـ (٢).
"وبتطبيق هذا المنهج على الدراسات الإسلامية فإن المستشرق يسقط تصوره للمسيحية على الإسلام فتصبح المسيحية المتصورة هي الإسلام في الواقع، والإسلام الحقيقي منفي فلا وجود له كأن يسمى الإسلام بالمحمدية كما تنسب المسيحية للمسيح والبوذية لبوذا، كثيرًا ما تحدث عن الكنيسة الإسلامية أو السلطة الدينية وعلاقتها بالدولة أو اتهام التوحيد الإسلامي بأنه تجريد خالص، والحكم علي التنزيه بأنه تجريد إسقاط من التجسيم والتشبيه الذي تعج بهما النصرانية واليهودية" اهـ (٣).
وقد استخدم المستشرق شاخت المنهج الإسقاطي عندما تناول موضوع الإجماع الأصولي الإسلامي، وبما أن الإحماع عند اليهود والنصارى رأي الغالبية لا غير، أصرَّ شاخت ألا يكون الإجماع عند المسلمين إلا حسب تصوره هو: رأي الغالبية فقط. ومن ثم اتهم الإسلام بالتأثر الأجنبي في هذا الصدد فقال: "نظرية الإجماع الشعبي العالم بالطبع لا يُثار حولها تساؤل التأثير الأجنبي ولكن الأشياء تختلف
стр. 153
كثيرًا في المفهوم المنظم من إجماع الفقهاء حيث اعتبر الرأي العبر عن الأكثرية والمعبر عن العرف الفعال، وهذا المفهوم يوافق الرأي المدبر في القانون الروماني" اهـ (١).
ومما لا شك فيه أن السبب الرئيسي لنشأة المنهج الإسقاطي عند المستشرقين هو: "خضوع الباحث لهواه، وعدم استطاعته التخلص من الانطباعات التي تركها لديه بيئته الثقافية المعينة مع أن التحرر من الأحكام المسبقة العقلية والانفعالية معًا هو الشرط الأول للبحث العلمي وذلك ناشئ عن إيمان المستشرق بثقافته، وأنها هي النموذج الوحيد لكل الثقافات، وأنه ينتسب إلى حضارة هي مركز العالم، ومحور التاريخ ومصدر الحقائق ومنبع المناهج، ومعهد العلوم، قد يرجع ذلك إلى تضخم في الذات الحضارية لدى المستشرق، ونعرة غربية تجعله ينظر إلى الظاهرة المدروسة من علٍ ولا يضعها على المستوى نفسه ما يسهل الإسقاط، فالإسقاط في نهاية الأمر هو وضع الآخر في قالب الذات، والحكم بالسواد على ما ليس بأبيض، وكان العقلية الغربية بإسقاطها في جوهرها (٢) عقلية عنصرية هي الأساس للثقافة والدين والفن والعلم والحضارة.
стр. 154
(٤) منهج الأثر والتأثر
المفهوم المستقيم لهذا المنهج هو: تبادل الآراء قديمًا وحديثًا، والتفاعل والتأثير والتأثر بين الناس وبين العلماء، هي سنة اجتماعية لا يمكن إنكارها، ومن طبيعة الفكر البشري أنه يؤثر ويتأثر وذلك لمحدودية المعرفة البشرية المحصورة في الحس والعقل وأما ما وراء الحس والعقل والذي جاء به الوحي الإلهي يؤثر ولا يتأثر باعتباره مصدرا إلهيا فهو معرفة فوق الزمان والمكان مؤثر غير متأثر (١).
وقد استخدم هذا المنهج علماؤنا الأقدمون أمثال ابن حزم والشهرستاني رحمهما الله لدراسة الفرق الضالة والديانات المحرفة لمعرفة منابع ظهور العقائد الضالة عندها (٢)، وبواسطة هذا المنهج قد أثبتوا حقائق منها قولهم: إن الصوفية الغالية مأخوذة من الرهبانية المعروفة عند الهندوس والنصارى، وإن فكرة الأقانيم الثلاثة في النصرانية مأخوذة من الديانة الهندوسية القديمة (٣).
وأما العقيدة الإسلامية الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة فهي وحي إلهي مكتمل من قبل منزله ومهيمن على الأديان كله مؤثر غير متأثر، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٤).
وقد أخذ المستشرقون هذا المنهج من العلماء المسلمين، ولكنهم استخدموه في غير ما استخدم فيه المسلمون، وأصرُّوا على أن العقيدة الإسلامية الصحيحة كذلك
стр. 155
مأخوذة ومتأثرة من الديانات السابقة أو من البيئات المجاورة، ومن ثم ادعوا أن الوحي القرآني والسنة النبوية والتوحيد الإسلامي والفقه الإسلامي كل هذا مستمد من عوامل خارجية مارست عليها قواعد الأثر والتأثر فعلها، وكأن هذه الحضارة مجتمعة نابعة من تطبيق هذا المنهج الذي ينفي كل أصالة للدين الإسلامي، ويقضي على العقيدة الإسلامية قضاءً مبرمًا (١).
وبعد أن استخدم جولدتسهير منهج الأثر والتأثر لدراسة العقيدة الإسلامية وصل إلى نتيجة يقول فيها: "فتبشير النبي العربي ليس إلا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية، عرفها واستقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها التي تأثر بها تأثرًا عميقًا، والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفة دينية حقيقية عند بني وطنه، وهذه التعاليم التي أخذها عن تلك العناصر الأجنبية كانت في رأيه كذلك ضرورية لتثبيت ضرب من الحياة في الاتجاه الذي تريده الإرادة الإلهية، لقد تأثر بهذه الأفكار تأثرًا وصل إلى أعماق نفسه، وأدركها بإيحاء قوته التأتيرات الخارجية، فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه، كما صار يعتبر هذه التعاليم وحيًا إلهيًا -فأصبح- بإخلاص على يقين بأنه أداة لهذا الوحي" اهـ (٢).
ومن البواعث على استخدام المستشرقين هذا المنهج لدراسة العقيدة الإسلامية البيئة نفسها التي نشأ فيها المستشرق إذ أن البيئة الأوربية تخضع ثقافتها للأثر والتأثر، ومن المعروف أن الحضارة الأوربية نشأت بالبعث اليوناني في أوائل عصر النهضة، وإحياء التراث العقلي القديم لإنقاذها من قطعية اللاهوت وسلطان الكنيسة، فظن المستشرق بانطباعاته الثقافية وتكوينه الفكري أن اليونان هم مصدر كل حضارة، وكذلك لما توالدت المذاهب الفلسفية في الغرب بعضها من البعض الآخر، وتأثر
стр. 156
الفلاسفة بعضهم بالبعض ظن المستشرق أن كل حضارة إنما تنسج على المنوال الغربي (١).
إذن خطأ هذا المنهج عندما يستخدمه المستشرق هو تفريغ الثقافة المدروسة من مضمونها وإرجاع الداخل إلى الخارج، والقضاء على حدتها وإبداعها وهو خطأ ناتج عن تصور العلاقة بين الثقافات على أنها آحادية الطرف الأولى معطية مفتحة مبدعة وهي الأوربية. والثانية مستقبلة مجدبة فارغة خاوية وهي الثقافة غير الأوربية (٢).
ومن أخطاء هذا المنهج الاستشراقي أنه طبق على العقيدة الإسلامية بدون آي منطق سابق لمفهوم الأثر والتأثر، فكلما وجد اتصال بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات قيل أن اللاحقة تأثرت من السابقة، وكلما وجد تشابه بينهما وبين الأفكار الإنسانية الأخرى مهما كان هذا التشابه كاذبًا غير حقيقي لفظيًا غير معنوي.
قيل أن هناك أثر وتأثر، ومن ثم أصدروا أحكامًا تعسفية على العقيدة الإسلامية وحضارتها، فقالوا عن علم أصول الفقه أنه أثر من آثار المنطق اليوناني أو القانون الروماني وعن علم أصول الدين أنه مستمد من الفلسفة اليونانية وغيرها من الأحكام (٣).
والمنطق الصحيح لمنهج الأثر والتأثر:
أولًا: التشابه المجرد لا يجبرنا على القول: بأن اللاحق أخذ من السابق لأن التشابه قد يكون في اللفظ دون المعنى، والمثال في ذلك التوحيد لفظ مشترك بين الديانات السماوية ولكن شتان بين التوحيد الإسلامي الخالص وبين التوحيد التجسيمي عند اليهود والتوحيد التثليثي عند النصارى.
стр. 157
ثانيًا: التشابه الكامل في اللفظ والمعنى أيضًا لا يدل على القول بأن اللاحق أخذ من السابق حتى يثبت الاتصال المباشر أو غير مباشر بين الحضارتين، لأن التشابه قد يكون في اللغة دون المعنى، وفي هذه الحالة لا يكون أثرًا بل هو استعارة لأن الألفاظ مشاعة بين الناس يتداولونها. وإذا حدث التشابه في المضمون فذلك أيضًا لا يمكن تسميته أثرًا وتأثرًا دون تحديد معنى الأثر لأن إمكانية التأثر من اللاحق بالسابق موجودة أي أن الشيء نفسه موجود ضمنًا في الظاهرة، وما كانت الظاهرة السابقة إلا مثيرًا أو مقويًا ووجود الباعث والمثير لا يعني وجود الشيء نفسه (١).
إضافة إلى ما مضى من إمكانية وجود التشابه الذي هو ليس من نتيجة الأثر والتأثر. هناك حقيقة ثابتة تغيب عن أذهان كثير من المستشرقين وقد يتجاهلها بعض الكتاب المسلمين، وهي أن الدين منذ أن خلق الله آدم إلى أن جاء خاتم الأنبياء والرسل نبينا محمد ﷺ دين واحد، وهو الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) وقال أيضًا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (٣).
وقال النبي ﷺ "الأنبياء إخوة علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد" اهـ (٤).
لم يأت في الدنيا خير إلا بواسطة هؤلاء الأنبياء الكرام، ومهما اختلفت شرائعهم فدينهم واحد وهو الإسلام، فالخير أينما وجد فهو من الإسلام وليس الإسلام منه، ما من خير إلا هو أثر من آثار الإسلام، فالإسلام مؤثر وليس متأثر. وجاءت الشريعة المحمدية
стр. 158
خاتمة ومهيمنة على جميع الشرائع السابقة وناسخة لها ومستوعبة كل خيراتها، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢).
هذه هي أهم المناهج الرئيسة التي طبقها المستشرقون على دراسة العقيدة الإسلامية وحضارتها، وقد لاحظنا فيما سبق أن المناهج السابقة كانت قد وجدت مستقيمة مثمرة عند علمائنا الأقدمين ثم أخذها المستشرقون متأثرين بخلفياتهم وانطباعاتهم المسبقة، وحولوها لتكون صالحة للقضاء على الظاهرة الإسلامية قضاء مبرمًا.
فيقوم المنهج التاريخي بمهمة الفصم بين مصدر الظاهرة -وهو الكتاب والسنة- وبين الظاهرة نفسها مرجعًا إياها إلى مصدر تاريخي محض، ثم يقوم المنهج التحليلي بمهمة تفتيت الظاهرة الفكرية إلى عناصر وعوامل مادية لتكون بديلة عنها، ثم يقوم المنهج الإسقاطي بمهمة تفسير الظاهرة ابتداء من الصور الذهنية المماثلة أو المخالفة والتي ليس لها إلا وجود ذهني خالص في نفس المستشرق، ويقوم أخيرًا منهج الأثر والتأثر بالمهمة الباقية وهي القضاء التام على ما تبقى من الظاهرة مفرغًا إياها من مضمونها، ومرجعًا إياها إلى مصادر خارجية في بيئات أخرى، وهذا في زعمهم ولكن الله متم نور ولو كره الكافرون (٣).
هذا وهناك أمور تلاحظ في تطبيقات غالبية المستشرقين، وهي تشكل أحيانًا مناهج مستقلة، وإذا اعتبرنا المناهج السابقة مناهج رئيسية، فهذه الأمور الآتية مناهج فرعية داخلة فيما سبق من المناهج.
стр. 159
المطلب الثاني: المناهج الاستشراقية الفرعية
وفيه:
* منهج نظرية الاستعلاء العنصري.
* منهج الجدل اللاهوتي.
* منهج الشك المادي.
* المنهج العلمي العقلاني.
* منهج مقارنة الأديان.
стр. 160
١ - منهج نظرية الاستعلاء العنصري
عنصر الاستعلاء والتفرقة العنصرية ظاهر في اتجاه غالبية المستشرقين، وتتصل هذه النظرية بالفكر الغربي منذ المرحلة اليونانية والرومانية التي دافع عنها فيلسوفان كبيران هما أرسطو وأفلاطون، وقد كان الإغريق القدامى يعتبرون كل ما عداهم برابرة، حيث قال أرسطو: "جماعات معينة تولد حرة بالطبيعة وأخرى تولد لكي تكون مستعبدة" اهـ (١) ثم تطورت هذه التفرقة العنصرية عند الغرب في العصر الحديث، حتى قال قائلهم: "الغرب غرب والشرق شرق لا يلتقيان أبدًا"، ومن ثم ادعوا أنهم أصحاب الحضارة المثالية، وآمنو إيمانا جازما بأن طبيعة الغرب وديانتهم الممثلة في اليهودية والنصرانية سببان للتقدم، وممن اتجه هذا الاتجاه العنصري "اللورد مكالي" (٢) الذي وضع أسسًا أمكن بها ترويج الفكر الغربي بين أبناء المسلمين بالهند (٣).
٢ - منهج الجدل اللاهوتي
إن التأثر بالخلفية الدينية للجدل اللاهوتي في العصور الوسطى مازال باقيًا مهما تغير أسلوب المستشرق، بل إن بعضهم كان صريحًا بهذا الجدل حيث طبق مقاييس الديانة النصرانية على الإسلام وأطلق مصطلحات مسيحية على النظريات الإسلامية مثل قولهم: "الدين المحمدي" قياسًا على الدين المسيحي، وبعضهم يجعل المسيح مقياسًا وهو لم يتزوج وهكذا أن يكون الرسول، ولكن محمد ﷺ قد تزوج، وعيسى ﵇ لم يمارس الحرب ومحمد ﷺ قد
стр. 161
حارب الكفار (١)، وبهذه القياسات الخاطئة يتهجم على الإسلام ورسول الإسلام ﷺ فيقول: إن محمدًا ﷺ لا يمكن أن يكون رسولًا (العياذ بالله)، ومما لا شك فيه إن هذه ركيزة من ركائز المنهج الإسقاطي، وله علاقة بمنهج مقارنة الأديان أيضًا، وممن اشتهر بهذا المنهج بالهند المستشرق "فاندر" (Pfunder) (٢) فقد جعل النصرانية المحرفة مقياسًا لدراسة الإسلام (٣).
٣ - منهج الشك المادي
من أخطر المذاهب التي اعتنقها المنهج الاستشراقي الغربي في البحث مذهب الشك على النحو الذي أقامه من خلال المفهوم المادي الخالص وهو التوقف عند الشاهد والمحسوس والإنكار لكل ما يتصل بعالم الغيب من الألوهية والنبوة والوحي ورسالة السماء المنزلة على الأنبياء والجزاء والبعث، ومذهب الشك ميراث قديم للفكر اليوناني، فقد جاء نتيجة لإعلاء شأن العقل وحده، مع أن العقل عاجز أن يقول الكلمة الأخيرة في كثير من الأمور ومن هنا ظهر طابع التردد (٤). وهذا الاتجاه واضح في غالبية دراسات المستشرقين ومنهم وليم ميور (٥) فقد أثار حول المصادر الإسلامية شكوكًا وحاول إرجاع الظاهرة الفكرية الإسلامية إلى مصادر مادية (٦).
стр. 162
٤ - المنهج العلمي العقلاني
من خلال التحول الذي خطا إليه الفكر الغربي بالانسحاب من النصرانية إلى دين البشرية، وإلى إعلاء شأن العلم والعقل وإلى الإيمان المطلق بالعقل البشري والعلم الحديث بإمكانية وصوله إلى كل حقيقة بنفسه دون الاعتماد على أي مصدر آخر، ظهر فيهم المنهج العلمي العقلاني بأشكال عديدة منها منهج التفسير المادي التاريخي عند الماركسية، ومنهج علم النفس عند الفُرويدية، ومنهج علم الاجتماع عند المدرسة الاجتماعية، ثم سيطرت هذه المناهج على الفكر الغربي وأخرجته من مفاهيمه الأخلاقية بعد أن أخرجته من الدين كله، فظهر عصر الأيدلوجيات المعتمدة على العقل والعلم، والتي واجهت الأديان واعتبرت بديلة لها (١).
٥ - منهج مقارنة الأديان
إن أخطر ما قدمه المنهج الاستشراقي علم مقارنة الأديان من خلال مناهج بحث مختلفة، تنظر إليها من خلال قاعدة أساسية تقول: بأن الأديان ظاهرة اجتماعية ظهرت في الجماعة البشرية. وأنها لم تنزل من السماء ومن ثم تنكر أول ما تنكر الوحي والنبوة وينظر إلي الأنبياء على أنهم أبطال ودعاة حرية وعباقرة وأناس ممتازون عرفوا أَزَمات أممهم وقاموا لإصلاحها، وقد استمد المنهج الغربي الاستشراقي في هذا المفهوم من طابعه المادي الخالص الذي ينكر عالم الغيب لكل ما يتصل به من قيم وحقائق (٢).
ولا شك هذا محاولة لإخضاع الدين تحت مجال التأثير الاجتماعي وعلى القول بأن الدين مرحلة في حياة الأمم قد تجاوزتها بفضل العلم ومعطيات العقل البشري.
ويعد هذان العاملان من الركائز الأساسية للفكر الغربي ومناهجه (٣).
стр. 163
وبالجملة إن مناهج المستشرقين قامت على ركائز معينة وهي: نظرية الاستعلاء العنصري، وفكرة التطور والارتقاء الدارويني، ونظرية الشك الماركسي والعقلانية المادية الخالصة، والاعتماد الكامل على الفكر البشري، والإيمان الواثق بالاكتشافات العلمية الحديثة، والقول بأن الدين بشرية النشأة، والوقوف بالحيرة عند الشاهد الملموس، والرفض الشديد لعالم الغيب، وبهذه الركائز القاصرة هاجمت المناهج الاستشراقية مفاهيم الإسلام حين جاءت بالمنهج العلمي الأصيل في المعرفة القائمة على البرهان والدليل والتحرز من الهوى وإنكار مواريث الآباء والأجداد والتماس الحقيقة من خلال الإيمان بالله القائم على عقيدة التوحيد الخالص (١).
ومن الحق أن منهج البحث الاستشراقي ليس له صلاحية أن يكون عامًا أو عالميًا لأسباب كثيرة منها: في أصوله ومقرراته الأساسية يختلف اختلافًا جزريًا عن منهج البحث الإسلامي، ولا يلتقي معه أبدًا، بينما يقرر المنهج العلمي الإسلامي اليقين لوجود عالمي الغيب والشهادة وتكاملهما، ويقبل مفاهيم الألوهية والنبوة والوحي ورسالة السماء المنزلة على الأنبياء والجزاء والبعث، ويشهد مفاهيمه في فهم الحياة وبناء المجتمع وتربية الإنسان، ويقف المنهج الاستشراقي قاصرًا عند حدود الملموس وكيانه ورسالته (٢).
"وبينما يتصف المنهج الإسلامي بالوجود في أزله وأبده، وبالحياة في إنشاء الله لها وإنهائها عند أجلها المسمى وإقامة النشأة الآخرة في حياة الخلود التي يتحقق فيها الجزاء والحساب، يقتصر المنهج الآخر على الظواهر التي لم يستطع العلم أن يتجاوزها ويقف بالإنسان عند حد الموت ولا يفهم شيئا وراء الموت" اهـ (٣) وغير ذلك من الفروق.
стр. 164
إن المنهج الاستشراقي الغربي مع ما فيه من النقائص وعدم الصلاحية جاء بصورة براقة، واستخدم جميع الوسائل المتاحة له، وفرض على النفسية والمزاج والروح الإسلامي، وقد جرى ذلك في النصف الأخير من القرن الماضي وفي النصف الأول من هذا القرن تحت تأثير النفوذ الاستعماري في محاولة لإخراج المسلمين من مواريثهم ومفاهيمهم وفرض أعراف جديدة عليهم مخالفة لجذورهم وأصولهم، فتأثر بعض المسلمين وأصبحوا فريسة للمنهج الوافد وتوصلوا إلى نتائج تعسفية عن عقيدة الإسلام ومصادرها، وفي الفصول القادمة محاولة لجمع مناهج أولئك المتأثرين وآثارها على عقائد المسلمين بالهند.
стр. 165
المبحث الثاني: مناهج المتأثرين بالاستشراق
وفيه:
* منهجية سيد أحمد خان
* منهجية جراغ علي
* منهجية سيد مهدي علي:
* منهجية شبلي النعماني
* منهجية سيد أمير علي
* منهجية محمد إقبال الشاعر الفيلسوف
стр. 166
أولا: منهجية سيد أحمد خان
(ألف) حياته العلمية:
سيد أحمد خان (١٢٣٢ هـ -١٣١٥ هـ / ١٨١٧ م-١٨٩٨ م): هو أحمد ابن المتقي بن الهادي من مواليد دهلي من أسرة صوفية نقشبندية، فقد كان أبواه مبايعين الشاه غلام علي صاحب المقبرة المشهورة اليوم في دهلي، بعد أن أكمل قراءة القرآن الكريم نظرا، تعلم الفارسية فقرأ الكتابين: كلستان وبوستان لسعدي علي الشيرازي على المولوي حميد الدين، ثم توجه إلي اللغة العربية ودرس فيها شرح ملا، وشرح التهذيب، والميبُذي، ومختصر والمطول المعاني وغيرها من الكتب، فدرسها دراسة غير مهتم بها، واشتاق إلي علم الرياضيات وعلم الهيئة فدرسهما علي يد خاله النواب زين العابدين خان، وتعلم الطب ومارسه عند الحكيم غلام حيدر خان، وترك دراسته وعمره تسع عشرة سنة (١).
بعد أن تُوفي والده سنة ١٨٣٨ م رغب السيد في أن يتوظف وظيفة حكومية، فتعلم إجراءات المحكمة والقانون الإنكليزي حتي تعين كاتبا في مكتب العدل عند المستشرق "روبرت هاملتون" (Robert Hamiton) الذي كان قاضيا في آكره، فكان هذا أول ارتباط بالمستشرقين، ثم ترقى السيد إلي أن أصبح قاضيا سنة ١٨٤١ م.
وألف السيد "آثار الصناديد" (٢)، وكان هذا الكتاب كشافا للمستشرقين لتوضيح المخططات الرامية إلي استعمار البلاد، فتلقته الجمعية الآسوية الملكية في لندن بقبول، وكتب إليه سكرتير الجمعية خطابا سنة ١٨٦٤ م وقال فيه: "قد نال كتابكم
стр. 167
آثار الصناديد إعجابا كبيرا في أوربا، واتفق أعضاء اللجنة علي منحكم عضوية شرف للجمعية على هذا الجهد" اهـ (١).
ومن الكتب التي أفاد به السيد المستشرقين والمستعمرين كتاب "آئين أكبري" للملك أكبر المغول (٢) يقول المستشرق "ايج بلاك" (H.Blake) الذي نقله إلي الإنكليزية سنة ١٨٧٣ م "هذا الكتاب لا نظير له في الكتب التي كتبت عن تاريخ المسلمين في الهند وهو في الواقع يعطينا تقريرا عن المملكة التي قامت في عهد أكبر، فصار لنا مرجعا في إدارة الحكم (Administration) ومخططات ذلك العهد (٣).
وأبدى طاعته وإخلاصه للحكومة الإنكليزية أيام الثورة وكتب ثلاثة كتب في هذا الموضوع: تاريخ بجنور (١٨٥٨) وأسباب بغاوت هند (أسباب ثورة الهند) (١٨٥٨) وهندوستان كي وفادار مسلمان (المسلمون الهند الأوفياء) (٤) وبهذه الكتب الثلاثة اشتهر أمره بأنه يريد الإصلاح بين المسلمين الهنود والمستعمرين الإنكليز، ومنذ سنة ١٨٦٨ م بدأ يعيش علي الطراز الغربي، ونادي في كتاباته بأن الثقافة الغربية هي الملجأ الذي يجب علي مسلمي الهند الالتجاء إليه إذا أرادوا حقا حفظ كيانهم، وليس في الأخذ بالثقافة الغربية أي ضرر، وليس في ذلك كفر أو مهانة، وليس في مخالطة الأوربيين معصية، وليس في ارتداء ملابسهم أي حط من قدر القيم والتقاليد الإسلامية (٥).
стр. 168
وكان يستهدف بذلك كله إلى إيجاد التقارب بين الحاكم والمحكوم وتخفيف وطأة الحكام على المحكومين المسلمين، وتخفيف تهيج المسلمين على الحكام المستعمرين.
وبعد انتهاء الثورة سنة ١٨٥٩ م أصدرت الملكة مرسوما تعلن فيه العفو العام للمسلمين في الهند، فاجتمع ١٥ ألف مسلم في ميدان عند مقبرة الشاه بلاقي خارج مدينة مراد آباد في ٢٨ يوليو سنة ١٨٥٩ م ليشكروا الملكة على قرار العفو، وكان السيد زعيم الحشد، فخاطبهم، وعرض نفسه قائدًا لقوم قد قاوموا الجديد بالقديم فانهزموا، وليس أمامهم طريق إلا أن يخضعوا للمستعمرين ويقبلوا طاعتهم ويقلدوهم في كل صغير وكبير لأنهم أصحاب حضارة فعالة وهم أئمة عدل وإنصاف، ودعا الله أن يديم حكومتهم على مسلمي الهند (١).
بعد أن آمن إيمانًا جازمًا بأن الرقيّ لا يمكن إلا بتقليد الغرب وأن النجاح لا يمكن حصوله إلا برفض القديم والإقبال على الجديد أصبح داعيًا إلى ما يعتقده بكل حماس، وبدأ خطته بإنشاء جمعية أدبية علمية في عليكره (٢) حيث كان قاضيًا سنة ١٨٦١ م، وكان الغرض منها نشر الآراء الحديثة في التاريخ والاقتصاد والعلوم، وترجمة أهم الكتب الإنجليزية في هذه الموضوعات إلى اللغة الأردية، وقد كان يرى أن تعلم هذه العلوم باللغة الإنجليزية لا يكفي .... إنما الذي يفيد فائدة كبرى نقل هذه العلوم إلى لغة البلاد حتى يشترك في فهمها والاستفادة منها أكبر عدد ممكن (٣).
ثم ازداد إعجابه وتأثره عندما قام برحلة إلى إنكلترا سنة ١٨٦٩ م -١٨٧٠ م وكان معه ابناه سيد حامد وسيد محمود، ومن الأسباب التي دفعته إلى هذه الرحلة.
أنه أراد أن يطلع على تطور الحضارة الغربية بأم عينيه وإفادة أبناء وطنه بنتائج سفره،
стр. 169
فكتب أثناء إقامته في إنكلترا سلسلة مقالات يصف فيه أحوال سفره باسم "سفرنامه لندن" فأبدى فيه فرحًا بما رأى من تطور حياتهم وحزن حزنًا شديدًا على تخلف المجتمع الهندي، وأقام في العاصمة وزار المراكز الثقافية والمجامع العلمية، واطلع على المشاريع التعليمية والفنية ولقي أعيان الحكومة وقابل الملكة "فكتوريا" (Queen Victoria)، واعتنت به الدوائر الرسمية ورحبت به إلى الحفلات الرسمية والاستقبالات الملكية (١).
ومن المجالس العلمية التي شارك فيها السيد مجالس "الجمعية الآسوية الملكية" إذ كان عضو شرف فيها، كما كان شرف في نادى "إيتهيم" أيضًا، وكان يعتز كثيرًا بهذا الشرف لأنه من الأمور النادر الحصول عليها، وقابل عددًا من المستشرقين، وكان المستشرق الفرنسي غارسون دتاسي حريصًا ومشتاقًا إلى المراسلة معه وإلى اللقاء به، وهناك اطلع على المعارف والعلوم الحديثة، وصنف كتابه المشهور "الخطبات الأحمدية" في الرد ما أورده المستشرق "سير وليم ميور" على السيرة النبوية من الاتهامات، وقرأ المخطوطات الموجودة في مكتبة المكتب الهندي ومكتبة المتحف البريطاني واطلع على التصانيف العربية في السيرة النبوية، وجمع التفاسير النادرة باللغة اللاتينية (٢).
ومما لا شك فيه أن السيد كان صادقا في قصده ومتحمسًا لدينه ومبصرًا في طلبه إلى حد كبير، فقد ميز بين منصف من المستشرقين للإسلام وغير منصف له، واستفاد من المنصفين المعتدلين ورد على المغالين وحزن حزنًا شديدًا عندما اطلع على اتهاماتهم على الإسلام، ومما يدل على حماسه الشديد للدين الحنيف قوله عندما اطلع على كتاب المستشرق وليم ميور " The Life of Mohammed" (حياة محمد) يقول فيه "قد تمزق قلبي حينما رأيت كتاب وليم ميور حياة محمد " ﷺ
стр. 170
ومازلت أقرأ ويحترق قلبي، ولما رأيت تعصبه واتهامه على الإسلام أصبت بأسى وحزن شديدين، وعزمت على الرد على ما أورده من الاتهامات بتأليف كتاب في حياة النبي ﷺ ، ولا أبالي ما يكلفني هذا العمل من مصاريف السفر وتكاليف النشر، وإن صرت فقيرًا وصعلوكًا افتخر واعتز بأن يُدعى هذا المسكين الفقير أحمد يوم القيامة بالفقير الذي قد أفلس في سبيل الرد في الدفاع والذب عن جده (١) محمد ﷺ (٢). فسافر إلى إنكلترا وكتب كتابه المشهور "الخطبات الأحمدية" (٣).
ومن المستشرقين الذين عدّهم السيد من المستشرقين المتعصبين الغالين دانيال (Daniel) ولوتر (Luther) وملائك ثن (Melancthon) وسيبال هيم (Spanheim) ودي هربلوت (De Herblot) ولم يعثر السيد على مؤلفات هؤلاء المستشرقين فقد درسهم عند من نقل أقوالهم، فلم يجد في كلامهم إلا الشتم والسب والتحامل على الإسلام (٤).
ومن المستشرقين الذين عدهم السيد من المصنفين المعتدلين واعترف بفضلهم واستفاد منهم وتأثر بهم واستدل بكلامهم للرد على اتهامات المستشرقين الآخرين: جون ديون بورت (John Daven Port) (٥) وجوتة (Goethe) وأنامارى (Anna Marie) ونولدكه (Noldeke) ودوزى (Dozy) (٦) وهغينز (Godfrey) (٧) .
стр. 171
Higgins وإدورد غبّن (Edward Gibbon) (١) والسير توماس كارليل Thomas Carlyle)) (٢) .
عاد سيد أحمد خان من إنكلترا، وهو عاقد العزم على إصلاح المسلمين في الهند عقلًا ودينًا ولغة وخلقًا على طراز الغرب .... فجعل من أول خططه لهذا الغرض أن ينشئ في الهند جامعة تكون للمسلمين كأكسفورد وكامبرج في إنكلترا وحدد لها أهدافًا ثلاثة:
١ - أن يتعلم المسلمون الثقافة الغربية والشرقية في غير تعصب ولا جمود.
٢ - أن يُعني فيها بحياة الطلبة الاجتماعية فيجدوا فيها سكنًا يقيهم شرور المدن ومفاسدها، فيطمئن الآباء حين يرسلون أبنائهم إليها ......
٣ - أن يُعنى بنظام الكلية بتنمية العقل وتربية البدن وتهذيب الخلق معًا وبعبارة يكون الغرض منها "التربية" لا التعليم فقط.
لقد تم بناء مباني الكلية واستقبلت طلبتها لتعلمهم على المنهج الذي خططه السيد فنجح بإنشاء جيل من المسلمين جديدًا (٣).
ومن أهم خِططه التي نفذها السيد في ترويج الفكر الغربي بين أبناء المسلمين وتغيير الطرق المنهجية التي يدرس بها الدين أن أصدر مجلة باسم "تهذيب الأخلاق" على طراز الجرائد الغربية التي كانت تصدر في القرن الثامن عشر في إنكلترا أمثال مجلة "سبكتيتر" (Spectator) التي أصدرها إيديسون (Edison) ومجلة "تاتلير" (Tatler) التي أصدرها استيل (Steil) وقد نشر فيها الموضوعات نفسها التي نشرتها المجلتان المذكورتان بعد أن ترجمها إلى اللغة الأردية، فكان فيها نظريات قامت على نظريات
стр. 172
العقلانية والطبيعية، والتي كانت عند أمثال: لوك (Locke) وهيوم (Hume) ومل Mill)) (١) .
هذا وقد ترك سيد أحمد خان آثارًا كثيرة في الدين والتاريخ واللغة والسياسة، فنذكر هنا الكتب التي ألفها في العقيدة الإسلامية والتي لها ارتباط بالدين لكي نستنبط منها المنهج العقدي الجديد.
ويمكن تقسيم كتبه إلى قسمين قسم كتبه قبل التأثر بالاستشراق وآخر كتبه وهو قد تأثر بالاستشراق:
الكتب التي ألفها قبل التأثر بالاستشراق:
١ - جلاء القلوب بذكر المحبوب ١٣٥٨ هـ - ١٨٤٢ م (٢).
٢ - تحفه حسن (الهدية الجميلة) ١٨٤٣ م (٣).
٣ - كلمة الحق ١٨٤٩ م (٤).
٤ - راه سنت ودر رد بدعت (طريق السنة في رد البدعة) (٥).
стр. 173
الرسالتان الأخيرتان ألفهما حينما كان متأثرًا بدعوة الشيخ الشاه إسماعيل الشهيد وجهاده القائم على التوحيد الخالص والتمسك بالسنة الثابتة الصحيحة، وترك التقاليد الشخصية العمياء فتحرر من قيود الدين الموروث من الآباء والأجداد إلا أنه لم يستمر على التمسك بالكتاب والسنة، فسرعان ما تحول إلى المنهج الكلامي الأشعري الماتريدي والطريقة الصوفية النقشبندية، فصدر له كتابان:
(٥) نميقة في بيان مسئلة تصور الشيخ (رسالة في بيان مسألة تصور الشيخ) (١).
(٦) ديباجة كيماء سعادت (مقدمة في كيماء السعادة) (٢).
الكتب التي ألفها بعد أن تأثر بالاستشراق:
(٧) رسالة أحكام طعام أهل كتاب (رسالة في حكم طعام أهل الكتاب ومؤاكلتهم) ١٨٦٨ م (٣).
(٨) تبيين الكلام في تفسير التوراة والإنجيل على ملة الإسلام ١٨٦٢ م (٤).
стр. 174
(٩) الخطبات الأحمدية في العرب والسيرة المحمدية ٦٩ - ١٨٧ (١):
(١٠) تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان ١٨٨٠ م: (٢)
وهناك كتب أخرى ألفها السيد وهو يرتب تفسيره للقرآن ومن هذه الكتب المتأخرة:
١١ - داكتر هنتر كي إلزامات كي ترديد (الرد على إيرادات الدكتور هنتر) Dr. Hunter)) (٣) .
стр. 175
١٢ - النظر في بعض مسائل الإمام الهمام أبي حامد محمد الغزالي ١٨٨٩ م: (١).
١٣ - تفسير الجن والجان على ما في القرآن ١٨٩١ م (٢).
١٤ - والدعاء والاستجابة ١٨٩٢ م: (٣).
١٥ - أزواج مطهرات ١٨٩٨ م: (٤).
فهذه من أهم الكتب التي نبين من خلالها منهجيته الجديدة لدراسة العقيدة الإسلامية.
(ب) منهجه:
سبق أن ذكرنا أن السيد كان نقشبنديًا في النشأة وكان يقبل الهدايا والنذور عند مقبرة شيخ أبيه ميرزا يوم مولده، وينظم هو وإخوانه مجالس اللهو والسرور على قبر جده من أمه الخواجه فريد وكان هذا منهج غالبية الأشاعرة الماتريدية في بلاد
стр. 176
الهند. إلا أن السيد لم يتعمق في دراسة هذا المنهج ولم يهتم بدراسة الدين، وكان ميله إلى تعلم الرياضيات وعلم الهيئة والطب وشبَّ على ذلك (١).
ويعتبر السيد من أولئك الرجال الذين تعلموا العلم بعد أن كبِروا بجهدهم الخاص من رياضة عقلية وتفكر دائب، وبعد أن اطلع على كتب بعض المحققين أمثال: الشاه ولي الله المحدث الدهلوي انطلق في خط المنهج السلفي، ولكن كثيرًا ما أوقفه عبارة قرأها عند الشاه ولي الله الدهلوي هي: " .... وأن الشريعة المصطفوية أشرقت في هذا الزمان على أن تبرز في قمص سابقة من البرهان" اهـ (٢).
ومما لا شك فيه أن في العبارة إشارة إلى ضرورة إيجاد علم كلام جديد ومنهج جديد بمقابل المناهج الثابته القديمة عند المسلمين، إلا أن السيد اتخذ هذه الفكرة نقطة تحول الأولى إلى فكرة التحور العقلي الذي لا حدود له (٣). تحرير العقل والنفس من التقاليد الشخصية والتعصب الأعمى من واجبات المسلم، ولكن هناك مرحلة بعد التعصب هي مرحلة التمسك بالكتاب والسنة وفهم السلفى الصالح لهما، ولكن السيد قد تجاوز هذه المرحلة، وغض النظر عنها، فحرر نفسه عن قيد فهم السلف للكتاب والسنة بل عن نصوصهما، قد ساعده على ذلك البيئة التي عاش فيها من انبهاره بثقافة الغرب واشتغاله بنقل دراسات المستشرقين ومناهجهم ونظرياتهم إلى لغة أبناء الوطن.
стр. 177
ليته اكتفى بنقل الكتب في التاريخ والاقتصاد والعلوم الحديثة ولكنه قد ظن أن الثقافة التي نقلها إلى لغة المسلمين ستولّد مشاكل في فهم الدين وتطبيقه (١)، فأراد أن يغير منهجية النظر في الدين، فوضع أصولًا وقواعد يبين فيها منهجه الجديد، وأبدا آراءًا تخالف عقيدة الإسلام الصحيحة، وهذا كان نتيجة معايشته لكتب الغربيين عامة وكتابات المستشرقين خاصة عندما نقلها إلى الأردية.
ولكن التحول الكبير الذي حصل له في منهجه العقدي بعد سفره إلى إنكلترا وهذا الفرق الواضح تجده عند تتبع كتبه قبل السفر وبعده.
يقول ألطاف حسين حالي ﵀ "عندما كتب سيد أحمد خان كتابه في السيرة النبوية "الخطبات الأحمدية" لم يصل به تحقيقه إلى التحرر من ضوابط الشرع مثل ما يبدو ذلك في منهجه عندما ألف تفسيره "تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان" فلم نجد في الخطبات شيئا يعارض مع الأصول الثابتة المعروفة في الإسلام إلا في موضوع أو موضوعين (٢) قد خالف الجمهور، وهذا دأب عامة المحققين عندما اختلفوا في مئات من المسائل، فحمل السيد قصة المعراج على الرؤيا كما ذهب إليه بعض الصحابة (٣) وكذلك قصة شق الصدر ومركب البراق أدخلها في الرؤيا وسلك هذا المسلك في غيرها من المسائل (٤).
стр. 178
ويعتبر السيد من المفكرين الذين لعبت بهم مناهج المستشرقين وتأثيراتهم إلى حد كبير، فتأثروا تأثرًا كاملًا، بل هو أول من شق الطريق إلى المدرسة العقلانية الجديدة في الهند وكانت ضالة سيد أحمد خان هي محاولة التوفيق بين العلم الحديث والدين، وتفسير أحكام الدين تفسيرًا (في نظره) تقضيه مطالب العصر واحتياجات المجتمع في العصر الحديث وبهذا يعتبر سيد خان أول رائد من رواد نزعة التغريب في التاريخ الحديث للوجود الإسلامي في الهند (١).
وإن المنهج العقدي الجديد المتأثر بالاستشراق عند سيد أحمد خان يسير على خطين أساسين:
أولًا: تبني المنهج العقلي في فهم وتفسير المبادئ التي تتصل بالعقيدة.
ثانيًا: التوسع في فهم التشريع الإسلامي بشكل تحرري.
ورغم الصعوبات التي قابلته بالنسبة للخط الأول فإن حظه من التوفيق كان واضحًا بالنسبة للخط الثاني بشكل أثر على التفكر الإسلامي بشكل عام والتفكير الإسلامي الهندي بشكل خاص (٢).
أكثر ما نجد في إحالات السيد أحمد خان أنه أشار إلى الشاه ولي الله، ولم يتكلم كثيرًا إلا عن الشاه نفسه، لكنه أخذ كثيرًا عن مصادر غير مأثورة عن السلف، وتعرض بنظريات المعتزلة وإخوان الصفا إلا أنه في بعض تصوراته يلمح إلى أثر انبثق عن إيمانه العميق بعقيدة التوحيد، ويعتقد أن الدين نظام يستهدف إلى إيجاد الخلق الحسن في الإنسان أو إلى البحث عن الحق الذي يميز به المنهج السليم من غيره، وأما
стр. 179
العقيدة فهي جزء من أجزاء تركيبية لهذا الجوهر، والصدق يدركه الإنسان بالنظر إلى الطبيعة وقوانينها، وهو يتمثل فيها، ومنها يتعين نظام حدوث ظواهر مادية وغير مادية، وقوانين الطبيعة تقررًا معيارًا للأخلاق يقوم على أساسه أخلاق المجتمع الإنساني ومنطق قوانين الطبيعة يلزمنا بالقول إن هناك سببًا أساسيًا ومحركًا أولًا وهو الله تعالى (١).
وحاول السيد أن يربط بين المنهج العقلي والمنهج الطبيعي وهذا منهج عامة الفلاسفة في القرن الثامن عشر لأن الكشوفات العلمية الحديثة والمعارف الجديدة ألزمتهم أن لا يقبلوا شيئًا إلا إذا عقلوه وجربوه في ضوء قوانين الطبيعة، فالعقل والطبيعة قوتان متبادلتان فعالتان معًا عندهم، (٢) واستند السيد في منهجه الطبيعي إلى أساس إسلامي في قول الرسول ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة رضى الله عنه واقرؤا إن شئتم (٣) ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٤).
ولكن السيد لم يتقيد في فهم كلمة الفطرة بفهم السلف: هو "بأن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا .... " اهـ (٥) بل استبدل معنى كلمة الفطرة وأراد بالفطرة هي الأسباب والنتائج الحَتْمية المتسلسلة أو تلك قوانين الطبيعة التي قام عليها نظام الحياة والكون والخلق، بل يتوسع أكثر عندما يعبر الفطرة ويفسرها ويجعلها مصدر كل علم، وهو متأثر في هذا المنهج بالمستشرق الإنكليزي "لوك" (Lock) الذي عاش في القرن الثامن
стр. 180
عشر، وأصرَّ على كون الطبيعة مصدر كل علم لأن الظروف التي عاشها "لوك" حددت له هذا المعنى (١).
فمصطلح الطبيعة أو الفطرة عند السيد يطلق على المفهوم نفسه الذي كان عند علماء العلم الحديث في القرن التاسع عشر (٢): "هو نظام جامع منضبط بقوانين الطبيعة الحتمية غير المتغيرة لا استثناء فيها ويوضح هذا المفهوم "ب. أ. دار (B.A Dar) ويقول: "مشاهدة الطبيعة الإلهية الخالصة أو المشتركة قد وضع أساسها على غير الإلهيات التشريحية ولا يجوز قطعًا أن تتحول المشاهدة الميكانيكية إلى الغائية التي لها غاية وقصد (٣).
انطلاقًا من المنهج الطبيعي والمنهج العقلاني نظر السيد في تفاسير القرآن وجدها مليئة بالروايات المأثورة والمسائل الثانوية التي لا فائدة فيها (في نظره) في هذا الزمن، ومن المسائل التي عدها ثانوية لا فائدة فيها: علاقة القرآن بعلم الكلام (العقيدة) وعلم الفقه وعلاقته بالإيجاز والإعجاز، فأراد إلغاء هذا التراث الطويل والاستبدال به التفسير الطبيعي العقلاني، الذي يقوم على أساس اللغة وتعبيراتها، والذي يبين التسلسل التاريخي للقرآن ويعطي حلولًا للمسائل المستجدة في الساحة ويزيل الشبهات من أذهان الجيل الجديد (٤).
فوضع لتفسيره الطبيعي منهجًا يقوم على خمسة عشر أصلًا وخلاصتها (٥): "إن الله خالق الكون وهو أحد صمد لم يلد ولم يولد واجب الوجود حي لا يموت وهو علة العلل لجميع المخلوقات على ما كانت وعلى ما تكون وإن الله أرسل الرسل