← Акыда

Акыда · id 118

أثر الاستشراق على المنهج العقدي بالهند

سعيد أحمد بن صغير هندي

Полный текст (713 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الهند. إلا أن السيد لم يتعمق في دراسة هذا المنهج ولم يهتم بدراسة الدين، وكان ميله إلى تعلم الرياضيات وعلم الهيئة والطب وشبَّ على ذلك (١). ويعتبر السيد من أولئك الرجال الذين تعلموا العلم بعد أن كبِروا بجهدهم الخاص من رياضة عقلية وتفكر دائب، وبعد أن اطلع على كتب بعض المحققين أمثال: الشاه ولي الله المحدث الدهلوي انطلق في خط المنهج السلفي، ولكن كثيرًا ما أوقفه عبارة قرأها عند الشاه ولي الله الدهلوي هي: " .... وأن الشريعة المصطفوية أشرقت في هذا الزمان على أن تبرز في قمص سابقة من البرهان" اهـ (٢). ومما لا شك فيه أن في العبارة إشارة إلى ضرورة إيجاد علم كلام جديد ومنهج جديد بمقابل المناهج الثابته القديمة عند المسلمين، إلا أن السيد اتخذ هذه الفكرة نقطة تحول الأولى إلى فكرة التحور العقلي الذي لا حدود له (٣). تحرير العقل والنفس من التقاليد الشخصية والتعصب الأعمى من واجبات المسلم، ولكن هناك مرحلة بعد التعصب هي مرحلة التمسك بالكتاب والسنة وفهم السلفى الصالح لهما، ولكن السيد قد تجاوز هذه المرحلة، وغض النظر عنها، فحرر نفسه عن قيد فهم السلف للكتاب والسنة بل عن نصوصهما، قد ساعده على ذلك البيئة التي عاش فيها من انبهاره بثقافة الغرب واشتغاله بنقل دراسات المستشرقين ومناهجهم ونظرياتهم إلى لغة أبناء الوطن.

стр. 177

ليته اكتفى بنقل الكتب في التاريخ والاقتصاد والعلوم الحديثة ولكنه قد ظن أن الثقافة التي نقلها إلى لغة المسلمين ستولّد مشاكل في فهم الدين وتطبيقه (١)، فأراد أن يغير منهجية النظر في الدين، فوضع أصولًا وقواعد يبين فيها منهجه الجديد، وأبدا آراءًا تخالف عقيدة الإسلام الصحيحة، وهذا كان نتيجة معايشته لكتب الغربيين عامة وكتابات المستشرقين خاصة عندما نقلها إلى الأردية. ولكن التحول الكبير الذي حصل له في منهجه العقدي بعد سفره إلى إنكلترا وهذا الفرق الواضح تجده عند تتبع كتبه قبل السفر وبعده. يقول ألطاف حسين حالي ﵀ "عندما كتب سيد أحمد خان كتابه في السيرة النبوية "الخطبات الأحمدية" لم يصل به تحقيقه إلى التحرر من ضوابط الشرع مثل ما يبدو ذلك في منهجه عندما ألف تفسيره "تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان" فلم نجد في الخطبات شيئا يعارض مع الأصول الثابتة المعروفة في الإسلام إلا في موضوع أو موضوعين (٢) قد خالف الجمهور، وهذا دأب عامة المحققين عندما اختلفوا في مئات من المسائل، فحمل السيد قصة المعراج على الرؤيا كما ذهب إليه بعض الصحابة (٣) وكذلك قصة شق الصدر ومركب البراق أدخلها في الرؤيا وسلك هذا المسلك في غيرها من المسائل (٤).

стр. 178

ويعتبر السيد من المفكرين الذين لعبت بهم مناهج المستشرقين وتأثيراتهم إلى حد كبير، فتأثروا تأثرًا كاملًا، بل هو أول من شق الطريق إلى المدرسة العقلانية الجديدة في الهند وكانت ضالة سيد أحمد خان هي محاولة التوفيق بين العلم الحديث والدين، وتفسير أحكام الدين تفسيرًا (في نظره) تقضيه مطالب العصر واحتياجات المجتمع في العصر الحديث وبهذا يعتبر سيد خان أول رائد من رواد نزعة التغريب في التاريخ الحديث للوجود الإسلامي في الهند (١). وإن المنهج العقدي الجديد المتأثر بالاستشراق عند سيد أحمد خان يسير على خطين أساسين: أولًا: تبني المنهج العقلي في فهم وتفسير المبادئ التي تتصل بالعقيدة. ثانيًا: التوسع في فهم التشريع الإسلامي بشكل تحرري. ورغم الصعوبات التي قابلته بالنسبة للخط الأول فإن حظه من التوفيق كان واضحًا بالنسبة للخط الثاني بشكل أثر على التفكر الإسلامي بشكل عام والتفكير الإسلامي الهندي بشكل خاص (٢). أكثر ما نجد في إحالات السيد أحمد خان أنه أشار إلى الشاه ولي الله، ولم يتكلم كثيرًا إلا عن الشاه نفسه، لكنه أخذ كثيرًا عن مصادر غير مأثورة عن السلف، وتعرض بنظريات المعتزلة وإخوان الصفا إلا أنه في بعض تصوراته يلمح إلى أثر انبثق عن إيمانه العميق بعقيدة التوحيد، ويعتقد أن الدين نظام يستهدف إلى إيجاد الخلق الحسن في الإنسان أو إلى البحث عن الحق الذي يميز به المنهج السليم من غيره، وأما

стр. 179

العقيدة فهي جزء من أجزاء تركيبية لهذا الجوهر، والصدق يدركه الإنسان بالنظر إلى الطبيعة وقوانينها، وهو يتمثل فيها، ومنها يتعين نظام حدوث ظواهر مادية وغير مادية، وقوانين الطبيعة تقررًا معيارًا للأخلاق يقوم على أساسه أخلاق المجتمع الإنساني ومنطق قوانين الطبيعة يلزمنا بالقول إن هناك سببًا أساسيًا ومحركًا أولًا وهو الله تعالى (١). وحاول السيد أن يربط بين المنهج العقلي والمنهج الطبيعي وهذا منهج عامة الفلاسفة في القرن الثامن عشر لأن الكشوفات العلمية الحديثة والمعارف الجديدة ألزمتهم أن لا يقبلوا شيئًا إلا إذا عقلوه وجربوه في ضوء قوانين الطبيعة، فالعقل والطبيعة قوتان متبادلتان فعالتان معًا عندهم، (٢) واستند السيد في منهجه الطبيعي إلى أساس إسلامي في قول الرسول ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة رضى الله عنه واقرؤا إن شئتم (٣) ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٤). ولكن السيد لم يتقيد في فهم كلمة الفطرة بفهم السلف: هو "بأن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا .... " اهـ (٥) بل استبدل معنى كلمة الفطرة وأراد بالفطرة هي الأسباب والنتائج الحَتْمية المتسلسلة أو تلك قوانين الطبيعة التي قام عليها نظام الحياة والكون والخلق، بل يتوسع أكثر عندما يعبر الفطرة ويفسرها ويجعلها مصدر كل علم، وهو متأثر في هذا المنهج بالمستشرق الإنكليزي "لوك" (Lock) الذي عاش في القرن الثامن

стр. 180

عشر، وأصرَّ على كون الطبيعة مصدر كل علم لأن الظروف التي عاشها "لوك" حددت له هذا المعنى (١). فمصطلح الطبيعة أو الفطرة عند السيد يطلق على المفهوم نفسه الذي كان عند علماء العلم الحديث في القرن التاسع عشر (٢): "هو نظام جامع منضبط بقوانين الطبيعة الحتمية غير المتغيرة لا استثناء فيها ويوضح هذا المفهوم "ب. أ. دار (B.A Dar) ويقول: "مشاهدة الطبيعة الإلهية الخالصة أو المشتركة قد وضع أساسها على غير الإلهيات التشريحية ولا يجوز قطعًا أن تتحول المشاهدة الميكانيكية إلى الغائية التي لها غاية وقصد (٣). انطلاقًا من المنهج الطبيعي والمنهج العقلاني نظر السيد في تفاسير القرآن وجدها مليئة بالروايات المأثورة والمسائل الثانوية التي لا فائدة فيها (في نظره) في هذا الزمن، ومن المسائل التي عدها ثانوية لا فائدة فيها: علاقة القرآن بعلم الكلام (العقيدة) وعلم الفقه وعلاقته بالإيجاز والإعجاز، فأراد إلغاء هذا التراث الطويل والاستبدال به التفسير الطبيعي العقلاني، الذي يقوم على أساس اللغة وتعبيراتها، والذي يبين التسلسل التاريخي للقرآن ويعطي حلولًا للمسائل المستجدة في الساحة ويزيل الشبهات من أذهان الجيل الجديد (٤). فوضع لتفسيره الطبيعي منهجًا يقوم على خمسة عشر أصلًا وخلاصتها (٥): "إن الله خالق الكون وهو أحد صمد لم يلد ولم يولد واجب الوجود حي لا يموت وهو علة العلل لجميع المخلوقات على ما كانت وعلى ما تكون وإن الله أرسل الرسل

стр. 181

لهداية البشر وإن محمدًا آخر الرسل، وإن القرآن كلام إلهي نزل على قلب محمد ﷺ أو أوحي إليه بملكة النبوة التي عبِّر عنها بالروح الأمين أو جبرئيل، وإن القرآن حق ليس فيه شيء على خلاف الواقع وإن الصفات الإلهية الثبوتية والسلبية الثابتة في القرآن حق، هي عين الذات لا حدود لها ولا قيود يفعل ما يشاء. وكان الله مختارًا فيما وعد وفيما قننَّ من قوانين الطبيعة التي بني عليها الكون المندرس والموجود والذي سيحدث، وهو لا يخلف الميعاد فيما وعد وفيما قنن، بل محال عليه الإخلاف ما دامت قوانين الطبيعة قائمة، وإذا حصل التخلف في الوفاء بالوعد وفي تنفيذ قوانين الطبيعة فهو نقص في كمال قدرته المطلقة عن القيود والحدود. وأما المعجزات فقد ثبت بالقرآن أنه ﵊ لم يدَّع بها إنما قال: إنما أنا بشر مثلكم، لأن المعجزات يتعارض وقوعها بقوانين الطبيعة الحتمية التي لا استثناء فيها. والقرآن مصون ومحفوظ بالتواتر وترتيب آياته توقيفي ولا نسخ فيه ولم ينزل القرآن دفعة واحدة إنما نزل منجمًا، وموجودات العالم ومصنوعات الكون، وما قيل فيها في القرآن يتطابق مع الواقع، وصنع الله وقوله يتطابقان، ويتوافقان لا محالة ولا يختلفان أبدًا (١). وبالنسبة لما ورد في القرآن من ذكر الملائكة والجن والشياطين اختار فيه المنهج التأويل البعيد في ضوء المعارف الحديثة وأنكر حقيقتها وعدَّها من القصص الخرافية التي آمن بها أصحاب الجاهلية واليهود والمجوس وقد بلغ به منهج التأويلات البعيدة إلى إنكار جميع القصص القرآنية والإنجيلية والتوراتية وعدَّها من المفروضات التاريخية (٢).

стр. 182

وقد اعتمد السيد في منهجه الجديد على نظرية التطور الدارويني، وربما هو أول مفكر مسلم يحاول التوفيق بين أفكار داروين في التطور وبين مبادئ الإسلام، خاصة فيما يتصل بقصة الخلق وارتقائه عند ربط نوع بآخر من الكائنات يذكر السيد أنه قد عبِّر عنه في القرآن بالمني، وهو كناية عن ركيزة الحياة وأشير إلى المني إلى مبدأ الخلق، وأما اللفظ الصريح الدال على خلق آدم وهبوطه من الجنة فهو للتقريب إلى أذهان الناس، وهذا أسلوب الكتب الإلهية ولفظة آدم كناية عن مظهر الإنسانية (١). واعتبر الدين مجرد وسيلة لبث الأخلاق الفاضلة في الإنسان واعتبر الوحي جزءًا بسيطًا من حواس الطبيعة الإنسانية وعلاقة الإنسان بالوحي مُعضلة لا تنحل إلا أن الإنسان اجتماعي الطبع من بين أكثر الحيوانات ونظام الاجتماع من أساسياته الفطرية ضابطة الأخلاق وبدونها لا يتصور المجتمع، والعقل والقانون الملهم وتطابقها من ضروريات الحياة الإنسانية، والإدراك الشعوري يؤدي إلى التجسس وراء العلم الحديث، ويعمل عمل الإلهام الطبيعي، وهذا الشعور يجعل الإنسان يتصور الإله، ويميز بين الخير والشر ويؤمن بالحشر والجزاء بعد الموت، وكلما يتقدم المجتمع تاريخيًا تُنقش هذه الجبلية الإلهية على ذهن الإنسان في صورة التماثيل (٢). وفي تصوره للنبوة سلك مسلك غالبية المستشرقين النصارى واليهود ويرى أن العقل وإلهاماته ليس على مستوى واحد عند كل إنسان وهناك أناس قد توجد هذه الملكة فيهم على مستوى راقٍ، وهؤلاء هداة الإنسانية في صورة الفلاسفة والساسة والمدبرين والفقهاء، والصوفيين المتميزين والحلقة الراقية الأخيرة لهذه السلسلة الأنبياء، وتمثلت فيهم هذه الملكة في أرقى صورها، وسميت المكاشفات المصادفة في الشرع بأسماء متعددة منها جبرئيل، والنبي قد يكون صادقًا وقد يكون كاذبًا، فالنبي الحق يهدي أتباعه إلى الخير والنبي الكاذب يسوق أتباعه إلى الكذب (٣).

стр. 183

واعتمد السيد في دراسته لمصادر العقيدة الإسلامية وبخاصة لدراسة الأحاديث النبوية على منهج الأثر التاريخي، ويرى أن امتداد الزمن قد أوجد أحاديث روايات موهومة لا حقيقة لها في الوجود، وهو لا يختلف كثيرا في استنباط النتيجة هذه عن جولدتسيهر (Goldziher) وشاخت (Schacht)، فيثير شبهات حول الكتب الستة وغيرها، ويرى أن من أسباب الوضع أن يفقد الارتكاز مع امتداد الزمن وقبول الوقائع الخارقة للعادة بحسن الاعتقاد. واعترض على منهج المحدثين القدامى بما فيهم البخاري ومسلم، فنظر إلى منهج المحدثين نظرة المستشرقين الذين جاؤوا بعده فيرى أن الأحاديث قبلت وصححت اعتمادا على السند فقط لم ينظر في تصحيحها إلى المتن ودرايته (١). ووضع لنفسه أصولا وشروطا لقبول السنة وخلاصتها كما يلي: ١ - أن يكون الحديث المروي قول الرسول ﷺ حقا أو أن توجد هناك شهادة على أن الألفاظ التي أتى بها الراوي هي الكلمات النبوية بعينها، وأن لا تكون للألفاظ الواردة في الحديث معان سوى ما ذكرها الراوي. ٢ - وأن لا يكون مخالفا لما ورد في القرآن من أقوال وأحكام وأحداث. ٣ - وأن لا يكون مخالفا لما ورد في التاريخ المحقق. ٤ - وأن لا يكون فيه شيء يدل على خارق العادة والطبيعة أو يخالف العقل. واتهم المحدثين عامة بأنهم قد ذكروا بعض هذه القواعد ولكنهم لم يطبقوها على كتب السنن، (٢) وأنكر في ضوء الضوابط التي اختارها لنفسه كثيرًا من الأحاديث الثابتة الصحيحة في الصحيحين وغيرها من كتب السنة وفرَّق بين أحاديث قالها الرسول بحيث إنه رسولًا وبين أحاديث تكلم بها بحيث إنه بشر (٣).

стр. 184

ومن أهم الإسهامات التي أسهم بها السيد في الطرق المنهجية منهج مقارنة الأديان، فقد ألف كتابه المشهور "تبيين الكلام في تفسير التوراة والإنجيل على ملة الإسلام" ١٨٦٢ م، ويرى الباحثون أنه قد بدأ الدراسة المقارنة بين الأديان سنة ١٨٥٧ م للاطلاع على عقيدة الحكام أولًا والرد على اتهامات المستشرقين والمنصرين ثانيًا، واختار لهذا الهدف طريق التفاهم والتعاطف، مع أنه حاول أن يتعلم اللغة العبرية ليفهم التوراة بلغتها الأصلية إلا أنه اعتمد كثيرًا على ترجمة فارسية للكتاب الذي يسمى المقدس (١). وفي أثناء دراسته للإنجيل وصل إلى نتيجة: أن الوحي هو رضى الله ومشيئته، قد ينكشف على بعض الناس، وقد يكون هذا الإلهام إلهام نبوي وغير نبوي، وإذا كان الثاني فيدخل فيه إلهامات الحواريين إلا أن إلهامهم غير كامل وقد يكون كاذبًا أيضًا (٢). ويرى أن الإنجيل فيه روايات غير إلهامية، قالها الحواريون، وأما القرآن فكله كلام الله الملهم المسند، فمن أراد دراسة الإنجيل فعليه أن يعرضه على كلام الله غير المتنازع (٣) وهو القرآن. وقسَّم تعليمات التوراة إلى ثلاثة أقسام: قسم مفقود وقسم قد حذفه النصارى أو اليهود وقسم إلهامي حقيقي. وقسَّم الإنجيل إلى قسمين: قسم إلهامي حقيقي وقسم حرفه الحواريون، قام بمنهج النقد التاريخي وقال بتأثير الامتداد الزمني بسبب كثرة مخطوطاتها وما فيها من الأخطاء ومسائل معضلة مرتبطة بالترجمات وهذه كلها تطرقت إلى التغيير في متن الإنجيل (٤).

стр. 185

وحاول إخضاع الإنجيل لأصوله الخاصة التي شرح بها القرآن الكريم وقال بتوافق قوانين الطبيعة مع الوحي الإلهي، واعتمد على نظرية وحدة الأديان وتقريب الديانتين الإسلام والنصرانية حيث يرى أن التثليث لا وجود له في الإنجيل الأصلي، والقرآن قد أكد على بشرية عيسى ﵇، ووضح عقيدة النصارى وجعلها موافقة لقوانين الطبيعة، وقارن كلمة الأب بكلمة الرب وفسِّره بالربوبية، وأخذ هذه الفكرة نفسها أبو الكلام آزاد وغلام أحمد برويز في تفاسيرهم فيما بعد (١). وبالجملة إن السيد أولًا: قد توغل بمنهجيته الجديدة إلى أمور عقدية دقيقة وطبق عليها المنهج العقلاني، وأعمل العقل في غير مجاله. ثانيًا: فتح باب الاجتهاد على مصراعيه بدون أي ضابط شرعي، ففي الأول يبدو عليه الآثار النفسية والأعذار التي يمكن التجنب منها بسهولة، والنتائج العقلية التي حصلت من منهجه الجديد أوجدت التنافر له في أوساط الملتزمين بالمنهج السليم، وأما الاجتهاد في المسائل فإن لم يبدو فيها الجانب الاعتذاري إلا قليلًا فهو ينادي إلى فقه جديد يبني على حل القضايا المستجدة، مجانبًا المدارس الفقهية الأربع معتمدًا على توضيحات وتشريحات قرآنية جدلية في ضوء التعبيرات اللغوية والأسس العقلية، ونقد الأحاديث على أساس التشكيك التاريخي. ثالثًا: رفض الإجماع الأصولي المعروف عند الفقهاء بأنه إجماع علماء الأمة فقط (٢). فهذه المنهجية الجديدة قد تركت آثارًا سيئة على عقيدة المسلمين عامة وعلى عقيدة السيد خاصة وصدرت منه أقاويل منحرفة عن الإسلام الصحيح، وسندرس هذه الآثار بالتفصيل في الفصول القادمة (إن شاء الله).

стр. 186

ثانيًا: منهجية جراغ علي (أ) حياته العلمية: مولوي جراغ علي (١٨٤٤ - ١٨٩٥ م) بن مولوي محمد بخش كان كشميري الأصل، توفي والده وهو ابن ١٢ سنة، لما أنه كان من أكبر الأولاد اضطر إلى البحث عن الوظيفة، فترك الدراسة وتعين كاتبًا في أحد المكاتب، ثم توظف وظيفة حكومية في حيدرآباد، وترقي فيها حتى صار سكريتيرا في خزانة الدولة، واشتاق إلى تعلم اللغات، واجتهد في ذلك حتى حصل له براعة كاملة في العربية والفارسية والإنكليزية وتعلم اللاتينية واليونانية والعبرية والسريانية. وكان هذا الزمن زمن المناظرات والجدل بين علماء المسلمين والقساوسة المنصرين، فتوجه إلى المناظرة والجدل ومقارنة الأديان فرد على المستشرقين والمنصرين، واشتهر كتابه "التعليقات" ردًّا على ما أورده المنصر عماد الدين من الاتهامات على الإسلام في كتابه "تاريخ محمدي" وكان هذا أول تأليف له في حياته العلمية، ثم ساعد في تأليف "براهين أحمدية" لميرزا غلام أحمد القادياني (١). ومن الآثار التي تركها جراغ علي باللغة الأردية: ١ - التعليقات. ٢ - إسلام كي دنيوي بركتين (بركات الإسلام الدنيوية). ٣ - قديم قومون كي تاريخ (تاريخ الشعوب القديمة). ٤ - بي. بي. هاجرة (السيدة هاجر). ٥ - مارية قبطية. ٦ - أيام الناس.

стр. 187

٧ - يورب أور قرآن (أوربا والقرآن). ٨ - غلامي (الاستعباد). ٩ - تعد ازدواج. ١٠ - ناسخ ومنسوخ. ١١ - رد شهادة قرآني بر كتب رباني (رد شهادة القرآن على الكتب السماوية) (١). وبالإنكليزية: ١ - Critical Exposition of the Popular Jihad ونقله إلى الأردية مولوي غلام الحسنيين باسم "تحقيق الجهاد" في ٣٩٦ صفحة وقد طبع عدة طبعات وأولها سنة ١٩١٣ م طبع في حيدرآباد دكن الهند. ٢ - Propossed Political, leagal and Social Reforms Under Muslim Rule. ونقله إلى الأردية مولوي عبد الحق بعنوان: "أعظم الكلام في ارتقاء الإسلام" في مجلدين، قد طبع المجلد الأول سنة ١٩١٠ م بمطبعة مفيد عام آكرة والمجلد الثاني سنة ١٩١١ م في مطبعة رفاه عام استيم بريس لاهور. (٢) ٣ - Adminisration Report for the Year ١٨٨٤ - ١٨٨٥ ٤ - Hyderabad under Sir Salar Jung ٥ - Jagirs and Jagirdars ٦ - Budget ٧ - Mohammed the prophet (٣) ومن أهم الموضوعات التي تناولها جراغ علي في كتبه ما يلي: ١ - الإسلام لم ينتشر بالسيف، وكانت الغزوات الإسلامية مدافعة ولم تكن مهاجمة ولم تستخدم كلمة الجهاد في القرآن إلا بمعنى السعي والجد.

стр. 188

٢ - الفقه الإسلامي والحديث النبوي ﷺ ليسا من المسلمات الواجبة. ٣ - الجن والشياطين قوم وحشي من الإنس سكنوا الجبال. ٤ - لم يأمر الإسلام باستعباد الإنسان. ٥ - الإسلام دين متطور ولا يزال يتطور وهو صالح لكل زمان ومكان (١). (ب) منهجه: لم تصرح المراجع عن مذهب جراغ علي في بداية أمره، هل كان سني النشأة أم كان شيعيًا، إلا أن كتاباته عامة تلمح إلى أنه انطلق من مبادئ سنية، وحيث تناول في دراسته مصادر أهل السنة الأربعة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولم يتعرض للمنهج الشيعي لا مدحًا ولا قدحًا، وبراعته في اللغات القديمة والحديثة قد مكنته من دراسة مقارنة بين الأديان الثلاثة: الإسلام والنصرانية واليهودية. وكان جراغ علي صديقًا مخلصًا لسيد أحمد خان وشريكًا له في عمله، متأثرا منه، ومؤثرًا فيه في بعض الموضوعات، فقد اتبع السيد نفسه جراغ علي في بعض أفكاره مثلا: قول السيد بأن الجن قوم قديم من الإنس سكنوا الجبال مأخوذ من جراغ علي. ويربط جراغ علي منهجه الجديد بالعلماء العصرانيين العرب من أمثال: رفاعة رافع الطهطاوي من مصر، وسيد آفندي من بيروت، والعالم العقلاني خير الدين من تونس، والصحافي الأديب الناقد أحمد فارس الشدياق، فيحيل إليهم في بعض أفكاره

стр. 189

الجديدة كأنه يعدُّ نفسه أحدًا من هؤلاء (١) إلا أن له منهجا خاصا مستقلا متأثرا بمناهج المستشرقين، بل هو من أولئك المفكرين الذين لعبت بهم مناهج المستشرقين فتأتروا بها تأثرًا كاملًا. ويرى أن في القرآن مناهج النقد للروايات الدينية، وفيه أصول وضوابط قيمة، وبها قد شُرح العلم اليوناني القديم، وعليها قامت الثقافة الأوربية الجديدة، ولكن هذه المنهجية القيمة قد ضاعت في حيل الفقهاء وتزمتهم الديني (٢). فيرى أن القانون الإسلامي لا بد من أن يقوم على أسس جديدة ولم يعتبر الإجماع والقياس من مصادر الإسلام، واستدل في رفضه للإجماع بأقوال العلماء أمثال: أحمد بن حنبل وابن حزم وابن حبان (٣) وغيرهم من العلماء الذين استصعبوا وقوع الإجماع بعد الصحابة (٤) وأما الاجتهاد والقياس فإنما يعتمدان على المنابع الثلاثة القرآن والسنة والإجماع، فالسنة والإجماع (في نظره) ليسا مصدرين متفق عليهما ومن ثم قال استنباطات الفقهاء ليست حجة (٥). ونظريته إلى الحديث لا تختلف كثيرًا عما وصل إليه جولدتسيهر فيما بعد من أن الرواية بالمعني وامتداد الزمن من أسباب حدوث التغيير في الحديث، وعلى هذا الأساس ردَّ على ما أورده المستشرقون: ميور (Muir) وأسبورن (Osbron) وهيوم (Hume) من اتهامات وشبهات حول الأحاديث وقال: إن الحديث أصلًا

стр. 190

وعقيدة ليس مما يجب على المسلم اتباعه ولم يعتمد على منهج المحدثين في تصحيح الروايات إنما استخدمه في تضعيف بعض الروايات ورفضها (١). بعد أن رفض المنابع الثلاثة: الحديث والإجماع والقياس وبعد أن رأى بضرورة تفسير جديد للقرآن بدأ يبحث عن أسس جديدة يقوم عليها القانون الإسلامي، وهذه الأسس تبني على الإنسانية والعقلانية والحرية، لأن الإنسان يولد حرًّا ومعصومًا عن الخطأ ثم يتلوث بالجرائم التي في البيئة والمجتمع، والإسلام فيه صلاحية التغيير والارتقاء حسب مقتضيات سياسية واجتماعية، والإيمان الذي دعا إليه القرآن هو نفسه يقبل الارتقاء والتغيير والتقدم حسب مقتضيات العقل والأحوال المستجدة، لأن الرسول ﷺ لم يترك (٢) لنا ضابطًا قانونيًا لا اجتماعيًا ولا دينيًا، ولم يأمر أحدًا من أتباعه بترتيب ذلك، بل خيَّر أمته ليرتبوا نظامًا من عندهم يتطابق مقتضيات سياسية واجتماعية حسب كل زمن (٣). ومن هنا يرى أن القانون الإسلامي الكلاسيكي أو الفقه الموروثي ليس شريعة إنما هو قانون كان مروجًا في ذاك الزمن، إذ أن فيه أجزاء وعناصر من القانون الجاهلي، وفيه أحاديث موضوعة على الرسول ﷺ ، وفيه أصول الإنسانية والعقلانية والأخلاقية وغيرها من الأمور (٤). وبنى منهجه العقدي الجديد على أساس يقول: إن في القرآن تلميحات وإشارات إلى الطبيعة وقوانينها، وهي تهدى الإنسان إلى الدين الفطري (٥). وحاول في كتاباته متأثرًا بسيد أحمد خان أن يبرز مطابقة الشريعة الإسلامية للمعارف الجديدة

стр. 191

والكشوفات الحديثة معتمدًا فقط على دراسة القرآن رافضا كل مصدر آخر من السنة والإجماع والقياس. واختار منهج المستشرق نولدكه (Noldeke) في تقسيم السور إلى مكية ومدنية وبنى هذا التقسيم على نظرية التطور في الوحي وإن كان تقسيمه يختلف إلى حد ما عن تقسيم نولدكه، فقد بنى تقسيمه على مقتضيات التجدد (١). واعترف بالنسخ في القرآن بخلاف سيد أحمد خان إلا أنه سمى الناسخ والمنسوخ باسم جديد وهو "المطلق والمقيد"، ورأي أن هذا التوضيح يساعده في توجيهه آيات الجهاد إلى جهاد دفاعي (٢). وانطلق من منطلق أن القرآن من كلام محمد ﷺ كنظرة عامة المستشرقين، فينسب كلام الله إلى الرسول ﷺ فيقول: ..... لكن الرسول ﷺ لما رأى أن معصية تعدد الأزواج بدأت تنتشر بشكل رهيب في العرب، فآخر وسيلة استخدمها ليمنع الناس من هذه المعصية إعلانه في القرآن ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (٣) (٤). واتجه اتجاه المستشرق هاملتون جب (Hamilton Gibb) في قوله: إن الرسول ﷺ كان مصلحًا اجتماعيًا إلا أنه استطاع أن يوجه الإنسانية الجاهلية المنغرقة في الأوهام إلى التمسك بوحدانية الخالق، وربّى فيهم الخلق الفاضلة وعظَّم فيهم قدر المرأة، فقد حدد التعدد في الزواج وذم على استعباد الإنسان وقضى على عادة قتل الأولاد (٥).

стр. 192

وبالجملة إن جراغ علي بعد أن اعتقد بإيجاد أساس متحرك جديد للتشريع الإسلامي تناول كثيرًا من القضايا الفقهية وتكلم فيها ولم يتطرق إلى المسائل العقدية إلا قليلًا، وكانت معظم كتاباته ردًا على المستشرقين الغربيين أمثال: ميور (Muir)، واسمث (Smith)، وجورج سيل (George Sale) (١) واشبرنجر (Sprenger) (٢) فأبطل أدلتهم ونقدهم نقدًا شديدًا إلا أنه انجرح بأسلحته التي وجهها إلى المستشرقين، وتأثر بهم وسلك مناهجهم واتبع أفكارهم (٣).

стр. 193

ثالثًا: منهجية سيد مهدي علي: (أ) حياته العلمية: سيد مهدي علي (محسن الملك) (١٨٣٧ م-١٩٠٧ م) بن ميرزا علي ولد في أسرة شيعية معروفة بمدينة أتاوة من ولاية أترابرديش، بعد أن أكمل دراسته الابتدائية توجه إلى تعلم اللغات، فحصلت له براعة في الأردية، والفارسية والعربية وتعلم الإنكليزية، وشغف في علم الحديث والتفسير والأدب، جاهد فيها واجتهد حتى تبين له الحق، فترك مذهبه الشيعي الاثنا عشري وأصبح سنيًا. وبعد أن تعين كاتبًا في أحد المكاتب صار موظفًا حكوميًا في إمارة حيدرآباد بجنوب الهند، ثم ترقى في منصبه بجهده الخاص حتى وصل إلى أعلى المناصب في الحكومة، فقد أصبح مساعدا لمدير المحافظة (Depuity Collector) ولقب بمحسن الملك ومحسن الدولة (١). ولقي سيد أحمد خان سنة ١٨٦٢ م واقتنع بمنهجه، واختير عضوًا في الجمعية العلمية (yteicoS cifitneicS) التي أسسها سيد أحمد خان، وساعده في تأليف كتابه "الخطبات الأحمدية"، وبعد أن تقاعد عن الوظيفة الحكومية تعين سكرتيرا (Secretary) لجامعة عليكره، فكان خليفة للسيد بعد موته، وتحمل مسئولياته في ترويج الفكر الغربي بين أبناء المسلمين بالهند، وأبدى طاعته للحكومة الإنكليزية، وكان وسيطًا بين الحكام المستعمرين والمحكومين المسلمين، وتحسنت ارتباطاته بالمستشرقين عامة وبالمستشرق منطو (Manto) خاصة الذي كان مديرًا لجامعة عليكره (٢).

стр. 194

وخلّف مهدي على آثارًا عديدة منها: ١ - آيات بينات (الآيات البينات) كتبه في تأييد المذهب السني وردًّا على المذهب الشيعي الاثنا عشري، فأثبت فيه بطلان المذهب الاثنا عشري بأدلة قاطعة من الكتاب والسنة والعقل (١). ٢ - مضامين تهذيب الأخلاق وهو عبارة عن موضوعات كتبها لمجلة "تهذيب الأخلاق"، قد جمعها ورتبها الشيخ ملك فضل الدين (٢). ٣ - وكتاب "تقليد وعمل بالحديث": ألفه تأييدًا في التمسك بالمنهج السني في العمل بالحديث الصحيح الثابت بعد التثبت والتحقيق. ٤ - كتاب "المحبة والشوق" كتبها في بداية أمره. ٥ - كتاب "مسلمانون كي تهذيب" (ثقافة المسلمين) (٣). ومن أهم الموضوعات التي تكلم فيها مهدي علي: ١ - التعريف بالإسلام. ٢ - التفسير بالرأي. ٣ - والعمل بالحديث. ٤ - تطبيق المعقول بالمنقول. ٥ - تحريف ألفاظ المصطلحات العلمية. ٦ - حقيقة الإجماع. ٧ - المؤاكلة مع أهل الكتاب وطعامهم. ٨ - الدين والعلم الجديد- الطبيعة والفطرة والإسلام. ومن خلال هذه الكتب والموضوعات يمكن تحديد منهجه.

стр. 195

(ب) منهجه: نشأ سيد مهدي علي في بداية أمره نشأة اثنا عشرية، واستخدم ذكاءه واهتم بتعلم العلم المفيد من علم الحديث والتفسير واجتهد وجاهد وتفحص فتبين له الحق، وما إن وصل سن الرشد وهو سن الإدراك أعلن عن توبته من المذهب الاثنا عشري وتمسكه بالكتاب والسنة، وألف بعض التأليفات المفيدة التي سبق ذكرها في هذه الفترة. فآمن إيمانًا جازمًا بأن كل معتقد أو مفهوم لا ينبغي الإيمان به إلا بعد الوصول إلى حقيقته والإدراك بكنهه بعرضه على الكتاب والسنة، وإذا لم يصل المرء إلى هذا التثبت يكون مثله كمثل الأعمى الذي يحاج إلى من يأخذ يده فإذا كان القائد مصيبًا أصاب وإذا كان مضلًا ضلَّ (١). فهذا صحيح في الأعيان المدركات ولكن كيف يصل الإنسان إلى كنه الغيبيات، ولذلك نراه أخطأ في بعض الأحيان عندما اتبع السيد وأيده في منهجه. وكوّن مجلسًا كان من أهدافه حلّ المشاكل الدينية عند طلبة العلوم الطبيعية، فأصدر المجلس قرارًا بأن الطلبة ليسوا مقتنعين بعلم الدين الموروث فلا بد من إدخال موضوعات جديدة في المنهج، وهذه الإضافة توخذ مما كتبه علماء مصر والشام أمثال: محمد عبده ورشيد رضا وغيرهما من أصحاب مجلة "المنار" وبهذا يتحقق التوفيق والتطبيق بين الدين والعلم الحديث (٢). ومنهجية مهدي علي الجديدة اهتم بها العلماء لأسباب منها: أولًا: كان معتدلًا في منهجه إلى حد ما إذا قارناه بأصحابه: سيد أحمد خان وجراغ علي وغيرهما.

стр. 196

ثانيًا: قد ربط منهجه الجديد بالمناهج الثابتة القديمة عندما صاحب سيد أحمد خان ودرس الغزالي شق الطريق من التقليد إلى الاجتهاد، واعتقد بأن الدين الموروث الجامد قد يذهب بمسلمي الهند إلى الديانة الهندوكية، فحارب القديم وخرج يبحث عن جديد محاولًا للربط والتوفيق بينهما (١). بعد أن آمن بحتمية قوانين الطبيعة نقد صاحبه سيد أحمد بأنه لم يدرك معني الطبيعة، فوسّع في معني الطبيعة أو الفطرة وجمع الكلمتين في كلمة واحدة إنكليزية " Nature"، وذهب في تعريفها مذهب العالم الإنكليزي جون استوارت حيث قال "نيجر" (Nature) هي: "عبارة عن مجموعة قوي وخواص الأشياء ومظاهرها مع عللها التي خلقت منها، ويدخل فيها جميع الأشياء التي وقعت بالفعل والتي وقعت بالقوة" اهـ (٢). واعترف بعض الاستثناءات من حتمية قوانين الفطرة اعتمادًا على المنهج التجريبي الاستشراقي، وهكذا ربط مهدي علي بين مناهج ثلاثة: المنهج الفطري والنهج العلمي والمنهج التجريبي (٣). ونهج المنهج التطوري عندما رأى أن العقيدة كانت تقليدية قديمًا، وأما اليوم فهي اجتهادية وعقلانية، فقال: على كل من اعتقد اعتقادًا أن يعرض معتقده على وسيلة صادقة أو يختبره بآلة مفيدة، ويحلل عناصره بتحليل جيد حتى يتبين له الصدق من الكذب ويصل إلى علم اليقين، ويتجنب الأوهام والتخيلات الباطلة (٤). ومن يتتبع كتابات مهدي علي يجده كان محقا في هذه الجزئية من المنهج، لأن قوله: "العقيدة قديما" يقصد به زمن التأثر اليوناني، ويقصد بـ "اليوم" زمن الكشوفات

стр. 197

الحديثة، وأما استخدامه المنهج التطوري فكان في أسلوب دراسة العقيدة، ولا يقصد به التطور في العقيدة نفسها، ثم إنه استثنى من حتمية قوانين الطبيعة بعض الغيبيات اللازمة الإيمان بها، فكان معتدلا إلى حد ما. واستدل على استثنائه من حتمية قوانين الطبيعة بوقوع المعجزات وحقيقة الملائكة والشياطين، ويرى أن هذا التوجيه أحسن بكثير من توجيه التأويلات العقلانية البعيدة التي فيها محاولة إدخال جميع الأشياء تحت حتمية قوانين الطبيعة بدون استثناء كما فعل ذلك سيد أحمد خان وجراغ علي ومن ذهب مذهبهما (١). وانطلق مهدي علي من المنهج التحليلي السليم ليعود بالعقيدة إلى حقيقتها. فيرى أن كل شيء له حقيقة وطبيعة، وإذا أدركنا حقيقة الشيء ثم وجدنا الطبيعة منقلبة فلا بد أن يكون هناك سبب قد اختلط بالعنصر الخارجي ودخل في طبيعة الشيء، وبعرضه على التحليل يمكن الوصول إلى السبب الأصلي (٢). فيرى أن الأشياء التي تسمى اليوم بالإسلام هي ليست من الإسلام إنما هي مجموعة من عناصر كثيرة داخلية وخارجية، وإذا عرضنا هذه الكثافة من العناصر على الكتاب والسنة معتمدين عليها اعتمادًا كاملًا، فبإمكاننا أن نميز بين الإسلام الصحيح وغيره إذ أن كل دين في بداية أمره كان خالصًا (٣). ثم دخلت فيه توضيحات أخرى مستعارة من العناصر الخارجية، وكذلك في الإسلام بدأت الإضافات والإلحاقات منذ زمن التابعين، وازدادت مع مرور الزمن حتى تغيرت هيئة الإسلام، وصعبت معرفة الإسلام الصحيح من غيره. ومن هذه الإضافات نسبة بعض العقائد والأعمال إلى الرسول ﷺ كذبًا وزورًا للحصول على منفعة دنيوية، ومنها شروحات باطنية باطلة للإسلام الصحيح، ومنها الاهتمام الزائد بالإجماع الأصولي، ومنها الأخطاء الفكرية

стр. 198

لمؤسسي المذاهب الفقهية المشهورة التي استعيرت من الأديان الأخرى واعتبرت تطورا صحيحا للإسلام وغيرها من الإضافات، فلا بد من تجريد الإسلام من هذه الإضافات بمنهج تحليلي صحيح (١). واستنكر المناهج الخاطئة التي طبقت على القرآن، وأدت إلى ظهور التفاسير القائمة على التأويل البعيد، وهي غير صحيحة لأن فيها استشهاد بأحاديث غير مستندة وبقصص وروايات إسرائيلية، فهذا كله أدى إلى صعوبة في فهم الوحي وحقيقته، وهو من عيوب المناهج القديمة. وأما المنهج الصحيح (في نظره) لدراسة القرآن فهو أن يدرس القرآن في ضوء العلم الحديث مراعيًا فيه القواعد العربية من النحو والأدب القرآني الإلهي، وهذا المنهج يصل بالمرء إلى تفسير سليم يتطابق مع العلم الحديث وحقائقه المتيقنة، وعلى هذا فالآيات المتشابهات هي من إعجاز القرآن وكانت سرًّا من الأسرار حين أنزلت على الرسول ﷺ في عصره، وقد جاء شرحها وتفسيرها في الأزمنة المتأخرة مع تطور علم الإنسان في ضوء العلم الحديث فأصبح تفسيره معقولًا ومفهومًا (٢). بعد أن اعترف بأن الحديث منبع من منابيع التشريع الإسلامي قال إن الحديث لا يقبل إلا بكل حيطة، وإن كان قول الرسول ﷺ معقولًا، ولكنه نقل إلينا بطريق الروايات اللسانية وهي من أضعف وسيلة، لأن المحدث عندما يتحدث بحديث قد يحذف أو ينسى فقرة ترجيحية أو وصفيه، ولأن الأحاديث منها دينية ومنها اجتماعية ومنها اتفاقية ومنها ما ليس لها أهمية، وإضافة إلى ذلك أن هناك قانون النسخ يعمل عمله في الحديث كما عمل في القرآن، فلا بد من النظر إلى

стр. 199

مخترعات العلم الحديث في ترتيب الأحاديث التاريخي عند استخدامنا قانون النسخ في الحديث (١). وانطلق بمنطلق أن الفقه في العهد العباسي ابتعد كثيرًا عن الحديث النبوي، ومال إلى المنطق والعلوم العقلية اليونانية، فيرى أنه لا يمكن أن يأخذ الحديث مكانه في الفقه إلا إذا وضع معيارٌ جديدٌ لتوثيقه، ولكن مهدي علي لم يرتب هذا المعيار بل اتفق مع نظرية السيد أحمد خان إلى الحديث النبوي، وأعطى لكل شخص حرية الرد لأحاديث الرسول ﷺ (٢). وأما الإجماع فلم ينكره من حيث كونه دليلًا شرعيًا إلا أنه استخف به وقلل من أهميته، فيرى أن حكم الإجماع ليس حكمًا حتميًا، ولا قطعيا ولا معصوما عن الخطأ، لأنه ليس حكم الرسول أصالة، إنما هو قياس تحليلي أو أقوال جماعة من العلماء أو عملهم، ويضاف إلى هذا أن الإجماع الذي يأتي بعده ينسخ الإجماع السابق، وهناك فرق بين نسخ الوحي بالوحي، ونسخ الإجماع بالإجماع إذ أن الإجماع متعرض دائمًا للنسخ والتغيير بخلاف الوحي. وفي العصر الحاضر لا بد من عرض الاجماع على التحقيقات الجديدة في علوم الطبيعة وعلى المعيار الجديد للأخلاق الإنسانية (٣). وأما نظرته إلى الاجتهاد فيرى أنه يفتح آفاقًا جديدة في الإسلام، فإن الأمور الدنيوية لها ارتباط بالدين ويشترط أن يكون أسلوب الحياة مطابقًا بعقيدة، والحياة الدنيوية تتغير ومسائلها تتجدد، وإن لم نفتح باب الاجتهاد ضاقت حياتنا، فللسباق مع غيرنا ولتقنين قوانين جديدة لحياتنا حسب ما يقتضي كل زمن نجتهد، ونحن في

стр. 200

منهجنا وفلسفتنا هذه نتبع سنة خلفائنا الراشدين عامة وبعمر بن الخطاب ﵁ خاصة (١). وبالجملة إن سيد مهدي علي في منهجيته الجديدة هذه كان معتدلا إلى حد ما إلّا أنه أخطأ حينما التمسى أعذارا لآراء سيد أحمد خان المنحرفة، وقدم لها توجيهات وتأويلات، وحاول التوفيق بينها وبين أقوال أصحاب المناهج السابقة على الاستشراق، وادعى بأنه ما من مسألة من مسائل سيد احمد خان إلا وقد سبق من قال بها من أصحاب الفرق المختلفة (٢)، مع أنه لم يتفق هو نفسه مع السيد في كثير من المسائل بل خالفه في أكثرها، فسنذكر بعض الآراء التي أيد فيها سيده أستاذه وذهب مذهبه في الفصول القادمة مع الرد والمناقشة.

стр. 201

رابعًا: منهجية شبلي النعماني (أ) حياته العلمية: ولد شبلي النعماني ابن حبيب الله ١٨٥٨ م -١٩١٦ م (١٢٧٤ هـ - ١٣٣٢ هـ) في قرية بندول من ولاية يو. بي (الشمالية)، أخذ العربية والمنطق والحكمة من مولانا فاروق الجرياكوتي، وكان متصلبًا في مذهبه الحنفي في ذلك الزمان، صرف برهة من الدهر في المباحثة مع أهل الحديث في بعض المسائل الفقهية، وصنف في ذلك "إسكات المقتدي" ورسالة في قراءة الفاتحة خلف الإمام، ثم ولى التدريس بمدرسة العلوم في عليكره -والتي أصبحت جامعة عليكره فيما بعد- وهناك صحب الأساتذة المستشرقين الغربيين، وأدار معهم كؤوس المذاكرة وتعلم الفرنسية من المستشرق السير توماس آرنولد (Sir Thomos Arnold) وعلمه العربية، وسافر إلى الروم والشام ومصر ولقبته الحكومة الإنكليزية "شمس العلماء" وأقبل إلى ندوة العلماء بـ لكهنؤ فولوه على دار العلوم، واشتهر باعتزاله في الأصول وكان شديد النكير على الأشاعرة وله كتب ورسائل في ذلك (١). وكان شاعرًا فله قصائد شعرية بالأردية والفارسية ولما سافر إلى اصطنبول سنة ١٨٩٣ م قابل السلطان عبد المجيد، وتأثر به وقال فيه قصيدة، فمنحه السلطان وسامًا. وتعرف في دمشق بواسطة خالد الكردي على الصوفية النقشبندية الذين كانوا يربطون أنفسهم بأشهر الصوفية الهنود: غلام علي، وميرزا مظهر جانجانا، ولقي الشيخ محمد عبده في القاهرة. وقد شجعه السير سيد أحمد خان على الانشغال بالتاريخ الإسلامي فكتب التاريخ مستهدفًا إلى إحياء الإسلام بالروايات القديمة على منهجية مشتملة على

стр. 202

الروايات والوقائع مع النقد والترجيح بمعايير العقل، واهتم في كتاباته التاريخية بسير الشخصيات المعروفة في الإسلام، واختار شخصيات فذة لهم صيت في التاريخ (١). ومن الأسباب التي دفعته إلى هذا الاختيار أنه أراد الرد على المستشرقين فيما أوردوا من شبهات واتهامات على الشخصيات الإسلامية المشهورة بدءًا من رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين إلى السلاطين المشهورين في التاريخ، وممن اشتهر في زمنه بإثارة هذه الشبهات إشبرنكر (Springer) مدير الجمعية الآسوية في بنغال، والسير وليم ميور (William Muir) حاكم الولاية الشمالية (U.P)، هذان المستشرقان من داخل الهند، وأما من اشتغل في إثارة هذه الفتنة خارج الهند فهم كثير أمثال رينان (Renan) (٢) نولدكة (Noldeke) ولهوسن (J.Welhausen) (٣) جولدتسيهر (Goldziher) (٤) . قد تصدى لهم شبلي وكشف الستار عن تدليساتهم وتلبيساتهم وتحريفاتهم في التاريخ الإسلامي، وقال فيهم "إنهم يبنون نظرياتهم على روايات غير معتبرة ويفرضون بواعث مصطنعة للقصص والحوادث التاريخية ثم يصلون إلى نتائج خاطئة وأخطاء جسيمة" اهـ (٥).

стр. 203

وصنف المستشرقين إلى ثلاث فئات وحذر المسلمين من مكايدهم: الأولى: فئة لا يعرفون العربية بل يعتمدون على مصادر ثانوية ويتكلمون في السيرة بكل حرية مثل: غبن (Gibbon). الثانية: يعرفون العربية ولكن لم يطلعوا على مصادر السيرة المعتبرة عند المسلمين. الثالثة: يعرفون اللغة وعندهم اطلاع واسع على مصادر السيرة إلا أنهم متأثرون بالجدل والمناظرة بديانتهم النصرانية أو اليهودية فيعاندون الإسلام ورسوله (١). آثاره: وقد ترك شبلي النعماني: آثارًا كثيرة من البحث والتحقيق قد طبعت معظمها ونشرتها دار المصنفين شبلي أكيدمي بمدينة أعظم كره في الهند (٢). من أهمها: سيرة النبي: على صاحبها الصلاة والتسليم، هي عبارة عن موسوعة في سبعة مجلدات (٣).

стр. 204

ومن تأليفاته "الفاروق" و "المأمون" و "الإمام أبو حنيفة النعمان" و "جلال الدين الرومي" و "الغزالي". وقد انتخب شبلي هذه الشخصيات من التاريخ الإسلامي أبطالًا يقتدى بهم في أمور الدين والدنيا، وإذا كانت السيرة الطيبة عنده المصدر الأساسي لتلقى العقيدة وأصول العمران وأسس الخلق الحسن، كانت شخصية عمر بن الخطاب نبراسًا يقتدى به في إقامة أنظمة المدنية والاقتصاد والتعامل مع غير المسلمين، وهكذا بقية السير. ومن تأليفاته "شعر العجم" في تاريخ الشعر الفارسي وتحليله ونقده وتراجم شعراء إيران، ومنها "الجزية في الإسلام وحقوق الذميين" ومنها "مكتبة الإسكندرية" و "نظرة إلى أورنك زيب عالمكير" (١). قد اهتم الشبلي في تأليفاته العلمية دحض الافتراءات المتداولة لدى الخاصة والعامة المثارة من قبل المستشرقين في زمن قد أصبح الأقطار الإسلامية بسب الاحتلال الأوربي مدخلًا واسعًا للشبهات حول الإسلام وحضارته ونظام حكمه ومعاملته لمن كانت تحت حكمهم، وفي زمن قد تعين العناية بعرض التاريخ الصحيح (٢). وهناك موضوعات عديدة قد نشرت له في بعض المجلات والكتب، قد جمعها ورتبها الشيخ عبد الرحمن برواز الإصلاحي في المجلد الربع من كتاب "إسلام أور مستشرقين" (الإسلام والمستشرقون) (٣) وهي موضوعات كلها في معرض الرد علي إيرا

стр. 205

دات المستشرقين على الإسلام وتاريخ الإسلام، وتفصيل الموضوعات كما يلي: ١ - الخليفة العباسي هارون الرشيد واتهام المستشرق "بالمر" (Palmer) والرد عليه. ٢ - موقف المسلمين من ترجمة علوم غير المسلمين وفنونهم. ٣ - المستشرقون الأوربيون ومكتبة الإسكندرية. ٤ - الجزية. ٥ - علم الحركات والمسلمون. ٦ - الإسلام وحقوق الذميين. ٧ - الإيرادات على عمر بن الخطاب في حقوق الذميين والرد عليها. ٨ - الرد على جرجي زيدان على ما أورده من اتهام على مدنية الإسلام. ٩ - تقريظ على كتاب "المعركة بين الدين والعلم الحديث" للمستشرق دريبر (Dreper). ١٠ - هل الفقه الحنفي مأخوذ من القانون الروماني؟ ١١ - هل تأثر القانون الإسلامي من القانون الروماني؟ ١٢ - نظرة إجمالية على فتوحات عمر بن الخطاب ﵁. ١٣ - دعوى عدم صحة القرآن وأوربا. ١٤ - كيفية تدوين القرآن الكريم. ١٥ - المستشرقون والسيرة النبوية (١).

стр. 206

(ب) منهجه: قد سبق أن ذكرنا أن شبليًّا كان على منهج المعتزلة في باب العقيدة، واعتبر علم الكلام من مصادر المعلومات الصحيحة، وعده وسيلة إلى تطوير العلوم القديمة (١)، واعتبر الغزالي قمة في علم الكلام واتبع آراءه وأفكاره، ورفض كل تصور إسلامي لم يبن على أساس العقل السليم وإن ثبت بالنقل الصحيح، هذا في ظنه، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، فلا تعارض بين العقل والنقل، كما أثبتناه عند ذكر المنهج السني (٢)، ورأى مثل الغزالي امتزاج الشريعة والطريقة، وأيقن إيقانًا جازمًا بأن كل من قال "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وآمن بها فهو مسلم، ولا يخرجه من الملة انحرافه في جزئيات العقيدة مهما كان هذا الانحراف شديدًا (٣). يقول تلميذه الوفي الشيخ سليمان الندوي "وإذا نظرنا إلى مؤلفاته الكلامية القديمة وجدناه يعتقد في الحشر والنشر والبعث بعد الموت وفي الجنة والنار أنها روحانية فقط وأما اعتقاده في الملائكة فكان يؤمن بوجودها، إلا أنه كان يقول: إن لفظة الملائكة قد تطلق على الملكات النبوية والملكات البشرية أيضًا (٤). مع إنكاره الشديد على المستشرقين الغرب لوجود التيار المخالف في كتاباتهم كان شبلي أول مؤرخ هندي استحسن جهودهم واعترف بفضلهم في تحقيق المخطوطات الإسلامية وجمعها وترتيبها وتطبيقها على العلوم الجديدة، فتأثر بمناهجهم في منهجيته الجديدة، وأيد خطتهم لإخراج دائرة المعارف الإسلامية، وكان معجبا بمؤتمراتهم العالمية، وحاول الحضور في مؤتمر المستشرقين العالمية المنعقدة في روما سنة ١٨٩٩ م ولكنه لم يتمكن من ذلك (٥).

стр. 207

لم يكن شبلي في منهجيته الجديدة مثل صاحبه السير سيد أحمد خان معتزليًا جديدًا ورافضا للمناهج القديمة. بل جمع بين المنهج اليوناني الكلامي القديم والمنهج الاستشراقي الجديد. واعتبر علم الكلام القديم والعقلية الجديدة شيئين مترادفين، رغم كونه يقبل نتائج الفلسفة الغريبة الحديثة المعتمدة على العلوم الجديدة، اعتقد بأن ذلك الجزء من علم الكلام الذي كان ساريًا في القرن العاشر الهجري إلى الثالث عشر الهجري فلا بد من تأثيره إلى هذا اليوم وأصرَّ على استخدامه في دراسة العقيدة، إذ أن امتداد الزمن على منهج ما لا يحدث التغيير في عمليته، إلا أنه لا بد من تجديد تصورات علم الكلام الكلاسيكية بمصطلحات تفهم في هذا الزمن. وقسّم علم الكلام إلى قسمين: قسم وجد نتيجة مقاومة الفلسفة اليونانية، وآخر وجد نتيجة مناظرات بين الفرق الإسلامية المختلفة، فاهتم بالقسم الأول ليفيد به في مقاومة التيار الاستشراقي (١). واتبع المنهج الطبيعي المتأثر بالاستشراق في إنكار المعجزات بحجة أنها لا ترغب في الإيمان بالوحي الإلهي إنما تكره المرء على الإيمان بهذا الدين، ورأى أن الروح يعمل عمل الوحي ويميز بين الخير والشر وترتقي وتتطور بالأخلاق الحسنة ويشير في ذلك كله إلى أنه يقلد جلال الدين الرومي (٢). ولعل شبليًا أول عالم إسلامي حاول أن يجعل فلسفة الرومي التطوري بمقابل المنهج التطوري الدارويني، واكتشف أن هناك عناصر مشتركة بين فلسفة الرومي والعلوم الجديدة وهي كما بينها: المادة، القوة، العقل، وقانون الثقل والموت في جسم الخلايا الحيوانية وأفعال الاستبدال في الاتحاد (٣).

стр. 208

وبالجملة يعتبر شبلي من أولئك المفكرين الذين جمعوا بين القديم والحديث، وعرضوا الأمور العقدية الجديدة في القالب القديم والتتزموا بالمصطلحات القديمة لترويج المعاني الجديدة المتأثرة بالفكر الاستشراقي الغربي. يقول الشيخ أبو الخير محمد إسماعيل السلفي ما معناه "شبلي والسير سيد أحمد خان من أولئك العقلانيين المتأثرين بالاستشراق الغربي الذين أنكروا كل شيء لم تدركه عقولهم، واختاروا طريق التأويل البعيد وأسموا هذه العملية بالمنهج الطبيعي أو الفطري أما شبلي فسماها دراية، فقد راج المصطلح الأول في أوساط المثقفين بثقافة غريبة ولكن وجد النفور عند علماء الدين، وأما المصطلح الثاني الذي اختاره شبلي والذي كان مقبولًا في القديم فقد تلقى في هذا العصر قبولًا عند الجميع. والدراية عنده ليست كما فهمها السلف (١) إنما الدراية عنده النظر العميق في كل حادث يروى حتى يحصل منه العلم اليقين، مثلا: أن هذا الحادث هل تتوافق مع طبيعة الحال، وخصائص الزمن وما نسبته مع صاحب الحادث، هل لديه قرائن عقلية تؤيد وقوعه وغير ذلك من الضوابط اخترعها لنفسه" اهـ (٢). واختار لنقد الروايات الحديثة القواعد المتأثرة بالمنهج الاستشراقي الغربي والتي قد وضعها السير سيد أحمد خان، فرجح درايته على الرواية وفتوى عقلية لعالم من العلماء على الحديث الثابت الصحيح، واهتم بمتن الحديث في النقد أكتر من نقده للرواة وعددهم، ورفض على هذا الأساس بعض الأحاديث الثابتة سندًا: منها ما رأى مخالفًا للعقل أو مخالفًا لدرايته الطبيعية أو مخالفًا لمشاهدته الجغرافية أو مخالفًا لنص القرآن في الظاهر أو مخالفًا للإجماع المزعوم عند الفقهاء أو مخالفا لما تعاهد عليه الناس من الطب والعلاج أو ما رأى مخالفًا لعصمة النبي ﷺ في زعمه (٣).

стр. 209

خامسًا: منهجية سيد أمير علي (أ) حياته العلمية: سيد أمير علي (ت ١٩٢٧) ولد في أسرة اثنا عشرية عريقة في تشيعها بمدينة كلكتا في ولاية بنغال (١)، تعلم العربية والفارسية ثم اتصل في شبابه بالأدباء الإنجليز المستشرقين في الهند فدرس الآداب الإنكليزية دراسة عميقة، لقد قرأ بإمعان أكثر روايات شكسبير (Shakespeare)، والفردوس الفقود لملتن (Milton) وحفظ شيلى (Shelly)، وقرأ الكيتس (Keats)، وبيرون (Byron)، وكل روايات لـ والتر ترسكوت (Walter scot) وكتاب غبن (Gibbon) في أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى غير ذلك من الروايات (٢). ودرس دراسة جامعية في القانون بالهند ثم ذهب إلى إنكلترا في بعثة تعليمية، والتقى بالمستشرقين هناك وأكّد صلته بهم، وتعرّف على حياتهم الاجتماعية أدق معرفة، فثقافته الواسعة، واستعداده الأدبى ودراسته الآداب الإنكليزية في سعة وعمق مما مكّن له من السيطرة على أسلوب إنكليزى أدبي ممتاز واستخدم هذا الأسلوب في تأليف كتبه الإسلامية (٣). وبعد أن عاد إلى الهند قد أبدى طاعته للحكومة المستعمرة البريطانية، فعين فيها في أعلى المناصب، فعين أولًا قاضيًا في المحكمة العليا ثم ترقى إلى أن انتخب عضوًا من أعضاء مجلس العدل الأعلى في لندن، ثم أصبح عضوا خاصًا من أركان سلطة الاستعمار البريطاني، ومن جانب آخر قد اشتهر مناظرًا إسلاميًا في الصف

стр. 210

الأول، واتبع السير سيد أحمد خان في تشكيل منهج جديد وأسلوب اعتذارى لمقاومة الهجمة الشرسة من قبل المستشرقين والمنصرين الغربيين (١). وأسس الجمعية الوطنية الإسلامية سنة ١٨٧٨ م للدفاع عن حقوق المسلمين، وتحديد الوضع السياسي لهم، وعالج الشؤون السياسية للمسلمين في الهند، ووضع خطة لها إزاء خطة الهنادكة (٢). في أواخر سني دراسته في إنكلترا أصدر كتابًا عن محمد ﷺ وتعاليمه، فكان له صدى بعيد في الأوساط الأوربية والهندية، وقد قال عنه المستشرق أسبورن (Osborn) " إن هذا الكتاب يستحق الإعجاب حقًا، وقد كُتب بأسلوب يدل على ملك كاتبه لناصية اللغة الإنكليزية، وأسلوب قل من يستطيع أن يجاريه من الإنكليز المثقفين، وأسلوب خلا من العيوب التى وقع فيها مثقفو الهنود" اهـ (٣). من تأليفاته الشهيرة: ١ - Sprit of Islam (روح الإسلام): كتبه بالإنكليزية وطبع في بريطانيا تسع طبعات ما بين سنوات ١٩٢٢ - ١٩٦١ (٤). ٣ - Short history of Saracens (مختصر تاريخ العرب) كتبه بالإنكليزية وطبع هذا الكتاب ثلاث عشرة طبعة ما بين ١٨٨٩ م -١٩٦١ م فلخص فيه تاريخ المسلمين (٥).

стр. 211

ثم كتب كتبه المختصرة في الدعوة إلى الإسلام، كان لها أثر كبير في أوساط المسلمين، وقد عرّف بهذه الكتب الأوربيين بالإسلام ومحاسنه، إذا لم يكونوا يسمعون عن الإسلام إلا من مستشرقين، ولكن بأسلوب اعتذاري متأثر بالاستشراق، فقال المستشرق هاملتون جيب (Hamilton Gibb): " مؤلفات الهندي السيد أمير علي ولا سيما كتابه "روح الإسلام" يحتل حتى في مصر مكانًا بارزًا بين كتب التجديد، رغم أنه كُتب من قبلٍ شيعيٍ ونُشر باللغة الإنكليزية. وقد قدمت هذه المؤلفات المواد والحجج أكثر من المقالات والكراسات والمحاضرات، وأنه لكثير الاحتمال أن يكون أغلب الكتاب مولعين مباشرة على مؤلفاته وجاهلين جهلًا تامًا بأصول فرضياتهم. ولكن السيد أمير علي عمل أكثر من أي شخص آخر ليعطي للمفهوم الجديد المتحرر للإسلام مظهرًا ملموسًا وجوهريًا، وليس من شك في أن هذا المفهوم قد لاقى تأييدًا متحمسًا لدى المسلمين المتعلمين الذين ينفرون من كتابات المحافظين بنسب مختلفة، والذين تريهم الأهمية البالغة التي يعلقونها على الصيغة النهائية والإلزامية للنظم التقليدية في حيرة كبرى، وقد نجح في بلوغ غرضه، والأدهش من ذلك أنه دفع علماء الدين المحافظين على تقبل بعض موقفه وعلى تأييده" اهـ (١). (ب) منهجه: سبق أن ذكرنا أن سيد أمير علي قد نشأ نشأة اثنا عشرية وكان راسخًا في عقيدته ومتشددًا في تمسكها إلا أنه رزق بقلب رحب فلم يظلم بتاريخ أهل السنة بل مجّده وأبرز معاله، وأثنى على الخليفتين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ومدحهما

стр. 212

كثيرًا (١) بخلاف الروافض الهنود الذين يعادونهما ويسبونهما، إلا أنه يعتقد بأن الأمر في توصية علي ﵁ وتوليته للخلافة بعد الرسول ﷺ كان واضحًا جدًا من تعليمات الرسول ﷺ ، ويقسم الخلافة إلى قسمين: خلافة إمامية وخلافة رسولية وبعبارة أخرى رياسة روحية ورياسة تنفيذية، وقد يسمى الأولى الإمامة والثانية الخلافة وهما وظيفتان متلازمتان قد قامتا جنبًا بجنب وعملتا في خطين متضادين إلا أن الأولى كانت مشيرة للثانية، وبهذا الاعتقاد يصدق أمير علي نظرية أهل السنة بأن عليًا كان مشيرًا للخليفتين أبي بكر وعمر ﵄، ويرى أن عليًا قد تنازل عن حقه نظرًا لمصلحة المسلمين وتوحيد كلمتهم، وأصبح معاونًا لأبي بكر ﵁ ولما تولى الخلافة اجتمع في شخصيته جملة خصائص الإمامة والخلافة (٢). ويرى أن فكرة الرفض كانت نتيجة رد الفعل للعهد الأموي، وبعد أن رأى أن الخلافة الراشدة استمرت إلى الخلفاء الأربعة (٦٣٢ - ٦٦١)، وخلافتهم كانت نموذجًا للرياسة الإسلامية المثالية، اعتقد بأن لب الحضارة وعصارته كان كامنًا في خلق علي المستمدة من الإنسانية، وهذا الاعتقاد يربطه بالمنهج المعتزلي العقلي المادي ويمهد له طريقًا إلى رفض المنهج السني وسانده على ذلك كونه شيعيًا (٣). بعد أن ترك المناهج الثابتة القديمة اختار أمير علي لنفسه منهجًا جديدًا مستمدًا من مبادئ المنهج الاستشراقي الغربي مستهدفًا ليجعل الإسلام غربيًا أو مشابها لما في الغرب من الأديان فقال: "إننا إذ استثنينا عقيدة الأبوة الإلهية بعيسى ﵇، لم نجد خلافًا أساسيًا

стр. 213

بين المسيحية والإسلام فهما في جوهرهما دين واحد، وكلاهما وليد القوى الروحية المتشابهة في الإنسانية" اهـ (١). وناسبه المنهج العقلاني والمنهج الطبيعي لتفسير العقيدة الإسلامية، فأنكر جميع المغيبات من الملائكة والجن والجنة والنار، واعتبرها قوى طبيعية، وقال: إن السلف قد سموها بهذه الأسماء المعروفة، ونحن نسميها بأصول الطبيعة (٢). ونهج المنهج التاريخي في تفسير بعض الأحكام، فيرى أن التاريخ الزمني تسببب في إصدار أحكام معينة، فبانتهائه تنتهي الأحكام فهناك أحكام عارضة موقتة وأحكام دائمة عامة، فلا بد من التفرقة بينهما (٣). ومال إلى المنهج التطورى عندما رأى أن الشريعة المحمدية حلقة من حلقات التطور الديني وهي في ذاتها ترتقى وتتطور استجابة لدواعى التطور البشري ومطالب التقدم الزمني (٤)، ومن ثم قال بتطور الوحي المكي والمدني فالسور المكية تشتمل على الأوصاف الجميلة المادية في شأن الفردوس، ولكن بنمو الوعي الديني على مر السنين، وبارتقاء المسلمين في إدراك المعاني الروحية بالمدنية اصطبغت المعاني التي اتخذت مظهرًا ماديًا في البداية بصبغة روحية (٥). ومن أهم الإسهامات التي أسهم بها أمير علي في بيان المنهجية الجديدة منهج مقارنة الأديان، فيعقد المقارنات بين الديانتين النصرانية والإسلام، ويقارن بين شخصية محمد ﷺ وشخصية عيسى ﵇، فيرى أن عيسى لم يكسب ثقة من أتباعه حتى عشيرته لم يؤمنوا به، بينما محمد ﷺ قد كسب ثقة تامة عند معاصريه ولو بعد حين، ومن الأسباب التي ذكرها لضعف ثأثير عيسى ﵇ على أقربائه تضارب

стр. 214

التعاليم العيسوية نفسها، فلم يكن أتباعه راسخين في العقيدة بل كانوا متذبذبين، وعلى عكس ذلك فإن أصحاب محمد ﷺ كانوا على استقامة ثابتة وعلى عقيدة غير متزلزلة، وهذا أسمى شهادة لمحمد ﷺ بصدقه وإخلاصه، ونجاحه في رسالته (١). ودلل على كون رسالة عيسى ﵇ ناقصة غير كاملة بالإشارة إلى المؤتمرات المنعقدة والمجامع المسكونية لتقرير أصول الدين وعقائده الجديدة، ثم لا تصمد هذه الأصول أمام تعقل بسيط أو تحرر يسير، ومن هنا يتأكد الأمر بأن حياة عيسى ﵇ القصيرة لم تكتمل فيها الرسالة، وهي بحاجة إلى رسالة جديدة ومعلم جديد، ألا وهو محمد ﷺ ، فرسالته متممة ومكملة لرسالة عيسى ﵇ وهي تتم مكارم الأخلاق (٢). ونهج أمير علي المنهج المادي الخالص عندما نسب بعض الأحكام إلى أسباب مادية، مصطنعة، وتجاهل عن أسبالب حقيقة معنوية، فيقول في ذكر سبب اتجاه المسلمين إلى الكعبة: "أراد النبي ﷺ أن تظل ذكرى المكان الذي شهد مولد الإسلام حية في أذهان العالم الإسلامي، فأمر المسلمين أن يولوا وجوههم في الصلوة شطر مكة باعتبار كونها المركز المجيد الذي أشرقت منه شمس الدين الجديد، ورأى بنور النبوة ما ينشأ عن التضامن بين المسلمين إذا اتخذت نقطة مركزية تلتف حولها قلوب أمته في كل زمان، ولذلك أمر ﷺ أن يتجه المسلمون في جميع أنحاء الأرض إلى مكة" اهـ (٣). وكما يبدو من العبارة السابقة أن أمير علي انطلق من منطلق أن القرآن من عند محمد ﷺ ، فقد نسب الأمر إلى ذات النبي ﷺ وعلقه بنور النبوة وفراسة النبي ﷺ ، وليس من عند الله، وسيأتي الرد على مثل هذه الافتراءات في الفصول القادمة إن شاء الله.

стр. 215

ومنهج الأثر والتأثر ظاهرة في كتاباته عندما يرى أن عقيدة القضاء والقدر من عقائد جاهلية أخذها النبي ﷺ وأضاف إليها بعض الإصلاحات (١)، والطهارة قبل الشروع في العبادة كانت عادة قديمة قد مارسها المصريون واليهود وكهنة الديانات الوثنية في الشرق والغرب فأقرها النبي ﷺ بسنته القولية والفعلية لأنها كانت مفيدة (٢). وبعد أن أقرّ بأن الاشتغال بالعلوم الطبيعية دليل على حرية الفكر عند الأمة (٣) نهج المنهج الطبيعي فيقول فيه: "إن المراد بمعنى كلمة القدر في كتير من هذه الآيات هو القانون الطبيعي فالنجوم والكواكب لها مسار معلوم، وهكذا كل شيء في الخليقة، فحركات الأجرام السماوية وظواهر الطبيعة والموت والحياة، كل يخضع لقانون (طبيعي) معلوم" اهـ (٤). وبالجملة إن سيد أمير علي كغيره من المتأثرين بالاستشراق، استخدم في منهجيته الجديدة معظم مسالك الغرب ليجعل الإسلام مقبولًا عند الغرب، ومنهجيته هذه أوقعته في أخطاء جسيمة من رفض السنة الثابتة إلى حد كبير، وتقسيم أحكام القرآن إلى وقتية ودائمية، فالأحكام التي يعتبرها مؤقتة يقبلها ويعدّها من التاريخ والأحكام التي فيها جزء خفيف من روح العقيدة وجوهرها فينتخبها ويعتبر دائمية (٥). ويعترف بالإجماع ويعدّه من منابع الفقه الإسلامي الصحيحة، إلا أنه لم يفهم الإجماع كمفهوم عام وهو إجماع المجتهدين في عصر من العصور، إنما الإجماع عنده إجماع العامة، ويرى أن هذا الإجماع يعطى الحكام دستورًا أصوليًا وضابطًا قانونيًا لاحيدة عنه (٦). وسوف نتناول بعض آثار منهجه الجديد نقدًا وتفنيدا في الفصول القادمة (إن شاء الله).
следующие страницы →