← Акыда

Акыда · id 118

أثر الاستشراق على المنهج العقدي بالهند

سعيد أحمد بن صغير هندي

Полный текст (713 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثم كتب كتبه المختصرة في الدعوة إلى الإسلام، كان لها أثر كبير في أوساط المسلمين، وقد عرّف بهذه الكتب الأوربيين بالإسلام ومحاسنه، إذا لم يكونوا يسمعون عن الإسلام إلا من مستشرقين، ولكن بأسلوب اعتذاري متأثر بالاستشراق، فقال المستشرق هاملتون جيب (Hamilton Gibb): " مؤلفات الهندي السيد أمير علي ولا سيما كتابه "روح الإسلام" يحتل حتى في مصر مكانًا بارزًا بين كتب التجديد، رغم أنه كُتب من قبلٍ شيعيٍ ونُشر باللغة الإنكليزية. وقد قدمت هذه المؤلفات المواد والحجج أكثر من المقالات والكراسات والمحاضرات، وأنه لكثير الاحتمال أن يكون أغلب الكتاب مولعين مباشرة على مؤلفاته وجاهلين جهلًا تامًا بأصول فرضياتهم. ولكن السيد أمير علي عمل أكثر من أي شخص آخر ليعطي للمفهوم الجديد المتحرر للإسلام مظهرًا ملموسًا وجوهريًا، وليس من شك في أن هذا المفهوم قد لاقى تأييدًا متحمسًا لدى المسلمين المتعلمين الذين ينفرون من كتابات المحافظين بنسب مختلفة، والذين تريهم الأهمية البالغة التي يعلقونها على الصيغة النهائية والإلزامية للنظم التقليدية في حيرة كبرى، وقد نجح في بلوغ غرضه، والأدهش من ذلك أنه دفع علماء الدين المحافظين على تقبل بعض موقفه وعلى تأييده" اهـ (١). (ب) منهجه: سبق أن ذكرنا أن سيد أمير علي قد نشأ نشأة اثنا عشرية وكان راسخًا في عقيدته ومتشددًا في تمسكها إلا أنه رزق بقلب رحب فلم يظلم بتاريخ أهل السنة بل مجّده وأبرز معاله، وأثنى على الخليفتين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ومدحهما

стр. 212

كثيرًا (١) بخلاف الروافض الهنود الذين يعادونهما ويسبونهما، إلا أنه يعتقد بأن الأمر في توصية علي ﵁ وتوليته للخلافة بعد الرسول ﷺ كان واضحًا جدًا من تعليمات الرسول ﷺ ، ويقسم الخلافة إلى قسمين: خلافة إمامية وخلافة رسولية وبعبارة أخرى رياسة روحية ورياسة تنفيذية، وقد يسمى الأولى الإمامة والثانية الخلافة وهما وظيفتان متلازمتان قد قامتا جنبًا بجنب وعملتا في خطين متضادين إلا أن الأولى كانت مشيرة للثانية، وبهذا الاعتقاد يصدق أمير علي نظرية أهل السنة بأن عليًا كان مشيرًا للخليفتين أبي بكر وعمر ﵄، ويرى أن عليًا قد تنازل عن حقه نظرًا لمصلحة المسلمين وتوحيد كلمتهم، وأصبح معاونًا لأبي بكر ﵁ ولما تولى الخلافة اجتمع في شخصيته جملة خصائص الإمامة والخلافة (٢). ويرى أن فكرة الرفض كانت نتيجة رد الفعل للعهد الأموي، وبعد أن رأى أن الخلافة الراشدة استمرت إلى الخلفاء الأربعة (٦٣٢ - ٦٦١)، وخلافتهم كانت نموذجًا للرياسة الإسلامية المثالية، اعتقد بأن لب الحضارة وعصارته كان كامنًا في خلق علي المستمدة من الإنسانية، وهذا الاعتقاد يربطه بالمنهج المعتزلي العقلي المادي ويمهد له طريقًا إلى رفض المنهج السني وسانده على ذلك كونه شيعيًا (٣). بعد أن ترك المناهج الثابتة القديمة اختار أمير علي لنفسه منهجًا جديدًا مستمدًا من مبادئ المنهج الاستشراقي الغربي مستهدفًا ليجعل الإسلام غربيًا أو مشابها لما في الغرب من الأديان فقال: "إننا إذ استثنينا عقيدة الأبوة الإلهية بعيسى ﵇، لم نجد خلافًا أساسيًا

стр. 213

بين المسيحية والإسلام فهما في جوهرهما دين واحد، وكلاهما وليد القوى الروحية المتشابهة في الإنسانية" اهـ (١). وناسبه المنهج العقلاني والمنهج الطبيعي لتفسير العقيدة الإسلامية، فأنكر جميع المغيبات من الملائكة والجن والجنة والنار، واعتبرها قوى طبيعية، وقال: إن السلف قد سموها بهذه الأسماء المعروفة، ونحن نسميها بأصول الطبيعة (٢). ونهج المنهج التاريخي في تفسير بعض الأحكام، فيرى أن التاريخ الزمني تسببب في إصدار أحكام معينة، فبانتهائه تنتهي الأحكام فهناك أحكام عارضة موقتة وأحكام دائمة عامة، فلا بد من التفرقة بينهما (٣). ومال إلى المنهج التطورى عندما رأى أن الشريعة المحمدية حلقة من حلقات التطور الديني وهي في ذاتها ترتقى وتتطور استجابة لدواعى التطور البشري ومطالب التقدم الزمني (٤)، ومن ثم قال بتطور الوحي المكي والمدني فالسور المكية تشتمل على الأوصاف الجميلة المادية في شأن الفردوس، ولكن بنمو الوعي الديني على مر السنين، وبارتقاء المسلمين في إدراك المعاني الروحية بالمدنية اصطبغت المعاني التي اتخذت مظهرًا ماديًا في البداية بصبغة روحية (٥). ومن أهم الإسهامات التي أسهم بها أمير علي في بيان المنهجية الجديدة منهج مقارنة الأديان، فيعقد المقارنات بين الديانتين النصرانية والإسلام، ويقارن بين شخصية محمد ﷺ وشخصية عيسى ﵇، فيرى أن عيسى لم يكسب ثقة من أتباعه حتى عشيرته لم يؤمنوا به، بينما محمد ﷺ قد كسب ثقة تامة عند معاصريه ولو بعد حين، ومن الأسباب التي ذكرها لضعف ثأثير عيسى ﵇ على أقربائه تضارب

стр. 214

التعاليم العيسوية نفسها، فلم يكن أتباعه راسخين في العقيدة بل كانوا متذبذبين، وعلى عكس ذلك فإن أصحاب محمد ﷺ كانوا على استقامة ثابتة وعلى عقيدة غير متزلزلة، وهذا أسمى شهادة لمحمد ﷺ بصدقه وإخلاصه، ونجاحه في رسالته (١). ودلل على كون رسالة عيسى ﵇ ناقصة غير كاملة بالإشارة إلى المؤتمرات المنعقدة والمجامع المسكونية لتقرير أصول الدين وعقائده الجديدة، ثم لا تصمد هذه الأصول أمام تعقل بسيط أو تحرر يسير، ومن هنا يتأكد الأمر بأن حياة عيسى ﵇ القصيرة لم تكتمل فيها الرسالة، وهي بحاجة إلى رسالة جديدة ومعلم جديد، ألا وهو محمد ﷺ ، فرسالته متممة ومكملة لرسالة عيسى ﵇ وهي تتم مكارم الأخلاق (٢). ونهج أمير علي المنهج المادي الخالص عندما نسب بعض الأحكام إلى أسباب مادية، مصطنعة، وتجاهل عن أسبالب حقيقة معنوية، فيقول في ذكر سبب اتجاه المسلمين إلى الكعبة: "أراد النبي ﷺ أن تظل ذكرى المكان الذي شهد مولد الإسلام حية في أذهان العالم الإسلامي، فأمر المسلمين أن يولوا وجوههم في الصلوة شطر مكة باعتبار كونها المركز المجيد الذي أشرقت منه شمس الدين الجديد، ورأى بنور النبوة ما ينشأ عن التضامن بين المسلمين إذا اتخذت نقطة مركزية تلتف حولها قلوب أمته في كل زمان، ولذلك أمر ﷺ أن يتجه المسلمون في جميع أنحاء الأرض إلى مكة" اهـ (٣). وكما يبدو من العبارة السابقة أن أمير علي انطلق من منطلق أن القرآن من عند محمد ﷺ ، فقد نسب الأمر إلى ذات النبي ﷺ وعلقه بنور النبوة وفراسة النبي ﷺ ، وليس من عند الله، وسيأتي الرد على مثل هذه الافتراءات في الفصول القادمة إن شاء الله.

стр. 215

ومنهج الأثر والتأثر ظاهرة في كتاباته عندما يرى أن عقيدة القضاء والقدر من عقائد جاهلية أخذها النبي ﷺ وأضاف إليها بعض الإصلاحات (١)، والطهارة قبل الشروع في العبادة كانت عادة قديمة قد مارسها المصريون واليهود وكهنة الديانات الوثنية في الشرق والغرب فأقرها النبي ﷺ بسنته القولية والفعلية لأنها كانت مفيدة (٢). وبعد أن أقرّ بأن الاشتغال بالعلوم الطبيعية دليل على حرية الفكر عند الأمة (٣) نهج المنهج الطبيعي فيقول فيه: "إن المراد بمعنى كلمة القدر في كتير من هذه الآيات هو القانون الطبيعي فالنجوم والكواكب لها مسار معلوم، وهكذا كل شيء في الخليقة، فحركات الأجرام السماوية وظواهر الطبيعة والموت والحياة، كل يخضع لقانون (طبيعي) معلوم" اهـ (٤). وبالجملة إن سيد أمير علي كغيره من المتأثرين بالاستشراق، استخدم في منهجيته الجديدة معظم مسالك الغرب ليجعل الإسلام مقبولًا عند الغرب، ومنهجيته هذه أوقعته في أخطاء جسيمة من رفض السنة الثابتة إلى حد كبير، وتقسيم أحكام القرآن إلى وقتية ودائمية، فالأحكام التي يعتبرها مؤقتة يقبلها ويعدّها من التاريخ والأحكام التي فيها جزء خفيف من روح العقيدة وجوهرها فينتخبها ويعتبر دائمية (٥). ويعترف بالإجماع ويعدّه من منابع الفقه الإسلامي الصحيحة، إلا أنه لم يفهم الإجماع كمفهوم عام وهو إجماع المجتهدين في عصر من العصور، إنما الإجماع عنده إجماع العامة، ويرى أن هذا الإجماع يعطى الحكام دستورًا أصوليًا وضابطًا قانونيًا لاحيدة عنه (٦). وسوف نتناول بعض آثار منهجه الجديد نقدًا وتفنيدا في الفصول القادمة (إن شاء الله).

стр. 216

سادسا: منهجية محمد إقبال الشاعر الفيلسوف (أ) حياته العلمية: الدكتور محمد إقبال (١٨٧٧ م -١٩٣٨ م) الشاعر الفيلسوف الشهير بشاعر الشرق ولد في سيالكوت من ولاية البنجاب في أسرة معروفة بالتصوف. تعلم في مدرسة إنكليزية في بلده، وأخد العربية والفارسية من الأستاذ السيد مير حسن، ثم التحق بالكلية وحصل على شهادة ليسانس في الفلسفة، وأيام دراسته الجامعية في لاهور اتصلت أسبابه بالمستشرق الإنكليزي الشهير السير توماس آرنولد (Sir Tomas Arnold) والأستاذ عبد القادر المحامي الأديب، وقد نظم قصيدته الأولى البديعة "جبل همالايا" وهي فارسية التركيب وإنكليزية الأفكار، ونشرها الأستاذ عبد القادر في مجلته سنة ١٩٠١ م، وعين إقبال أستاذا للتاريخ والفلسفة والسياسة في الكلية الشرقية في لاهور، ثم أستاذا للإنكليزية والفلسفة في كلية الحكومية، ثم سافر إلى لندن سنة ١٩٠٥ م حيث التحق بجامعة كامبرج وحصل على شهادة الماجستير في الفلسفة وعلم الاقتصاد، ومكث في عاصمة الدولة البريطانية ثلاث سنين يلقي محاضرات في موضوعات إسلامية، وتولى خلال تلك المدة تدريس آداب اللغة العربية في جامعة لندن مدة غياب أستاذه آرنولد (١). ثم سافر إلى ألمانيا وحصل على الدكتوراه في الفلسفة، ثم رجع إلى لندن وانتسب إلى مدرسة علم الاقتصاد والسياسة فتخصص فيهما، ورجع إلى الهند واشتغل بالمحاماة ولكن ما كان هواه في محاماة، فكان يقضي أكثر أوقاته في تأليف الكتب وقرض الشعر (٢).

стр. 217

من آثاره: وقد خلف إقبال آثارا منها قصائد شعرية وهي كثيرة وبعض الكتب المشتملة على المحاضرات. من أهم قصائده الشعرية: "شكوه وجواب شكوه" (١) (الشكوى وجواب الشكوى) "النشيد الوطني" (٢) "أنشودة المسلم" (٣). ومنها "البلاد الإسلامية" و"يا هلال العيد" و"مسلم" و"فاطمة بنت عبد الله" و "الصديق" و "بلال" و "الحضارة الحديثة" و"الدين" و "شكوى إلى الرسول" وغيرها من القصائد (٤). ثم انفجر البركان الأوربي سنة ١٩١٤ م، وحدث ما حدث فانقلب الشاعر داعيا مجاهدا وحكيما فيلسوفا، ونظم غرّ قصائده. ومن هذه القصائد: "خضر الطريق" و "الحياة" و "الحكومة" و"الرأسمالية" و "الأجير" و "علم الإسلام" و"طلوع الإسلام" وقد طبع سنة ١٩٢٤ م أول مجموع من شعره باسم "بانك درا" (جرس القافلة) (٥).

стр. 218

ثم بدأ العهد الأخير الذي انتهى إلى وفاته، وقد ازداد فكره نضجا، وأفق معارفه اتساعا، فنشر له عدة كتب بالفارسية، ومجموعتان شعريتان باللغة الأردية: فأما الدواوين الفارسية فهي: "أسرار خودي" يعني (أسرار معرفة الذات) و "رموز بيخودي" (أسرار فناء الذات) و "بيام مشرق" (رسالة الشرق) في جواب كتاب جوته (Goethe) " تحية الغرب" و "زبور عجم" و "جاويد نامه" و "بس جه بايد كرد أي أقوام شرق" (يا أمم الشرق! ماذا ينبغي أن يُعمل؟ ) و "مسافر" و "أرغمان حجاز" (هدية الحجاز). وأما المجموعتان الشعريتان بالأردية فهما: "بال جبريل" (جناح جبريل) و "ضرب الكليم" وجزء من "أرغمان حجاز" (١). وهناك محاضرات قد ألقاها إقبال باللغة الإنكليزية في مدينة مدراس طبعت باسم " Reconstruction Of Religious Thought in Islam" (٢) (إعادة صياغة المفاهيم الدينية في الإسلام) وقد ترجمت هذه المحاضرات إلى اللغة العربية بعنوان: "تجديد التفكير الديني في الإسلام" (٣). وكذلك ألقى محاضرات في جامعة كامبرج، وقد اعتنى بهذه المحاضرات المستشرقون وعلماء الفلسفة والدين اعتناء عظيما، وعلّقوا عليها أهمية كبيرة. هذا وقد تُرجم أكثر كتبه إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية والطُّليانية والروسية، وممن تولى هذا النقل الأستاذ الإنكليزي المستشرق الشهير الدكتور

стр. 219

نكلسون (R.A. Nicholson)، فترجم إلى الإنكليزية "أسرار خودي" و "رموز بيخودي"، وتشكلت في ألمانيا وإيطاليا مجامعُ وهيئات باسم إقبال لدرس شعره وفلسفته، وله كتاب صدر أخيرا باسم "تاريخ التصوف" (١). ومن الموضوعات التي اهتم بها إقبال في محاضراته: العلم الحديث والمشاهدات الدينية، والمعايير الفلسفية للمشاهدات، والمكاشفات الدينية، وتصور الذات الإلهي والدعاء، ومعرفة الذات، والجبر والقدر، والحياة بعد الممات، وروح الثقافة الإسلامية، والاجتهاد في الشريعة الإسلاميةِ، وهل الدين من الممكنات؟ ، وغيرها من الموضوعات ذات الطابعة العقدية (٢). (ب) منهجه: قد سبقت الإشارة إلى أن الشاعر محمد إقبال نشأ نشأة صوفية فقد كان ينتسب إلى الطريقة القادرية، ثم شبّ على ثقافة غربية بدءا من التقائه بالمستشرق الإنكليزي آرنولد (Arnold) أيام دراسته الجامعية في لاهور إلى أن حصل على الدكتوراه في الجامعات الغربية، مع إنكاره الشديد على الحضارة الغربية في شعره المؤثر في الناس فقد تأثر بمبادئ المنهج الاستشراقي في بعض كتاباته وبخاصة في مجال العقيدة، وتخصصه في الفلسفة جعله يؤمن ببعض المصطلحات الفلسفية حقائق ثابتة مثل: الحركة والقوة والحرية والتطور الأخلاقي، وحاول ربط هذه المعاني بالتعليمات القرآنية. ويبدو أن إقبالًا كان متأثرا جدّا في منهجيته الجديدة بنظرية الحركة (Dynamism) (٣) عند نيتشه (Nietzche)، وبالمذهب الحيوي (Vitalism) (٤) عند

стр. 220

برجسون (Borson)، واستفاد كثيرا من الفيلوسوفين المسلمين الجيلي (١) والرومي (٢) إلا أنه رأى برجسون في صورة الجيلي ورأى نيتشه في صورة الرومي، وحاول ربط التيارين المتضادين، التيار الفلسفي الغربي والتيار الصوفي الشرقي، وبمزج هذين المنهجين اخترع لنفسه منهجا جديدا معتمدا على عناصر المنهج الاستشراقي الغربي الوافد، ويعرض الدين على الفلسفة معتقدا بأن الفلسفة تتضمن تحقيقا حرا وتكشف عن جوانب الدين الكامنة (٣). والحركة عند إقبال أساس الحياة والكون في مظهريهما الفردي والجماعي، فيرى أن هناك ارتباطا وثيقا بين حركة الإنسان وحركة الكون، والإنسان عندما يصل إلى ذروة هذه الحركة الارتقائية يتمكن بقواه الطبيعية من تسخير العالم، وعدم الحركة أو الجمود عنوان الهلاك للإنسان، والإنسان في سعيه المستمر بين الحياة والطبيعة، ولا ينبغي له الهروب من هذا السعي بحجة القدر أو الجبر، لأن القدر من حيث هو مسلّم، ولكنه ليس أمرا مبرما محتما سابقا، إنما قضاء الله وقدره يدور في دائرة تتسع لإمكانات متبادلة، فالإنسان ليس فقط حرّا في أن يختار ويسلك، بل إن له كذلك القدرة الكاملة على الخلق، ولذا وصف الله نفسه بأنه ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ مما يعني وجود خالقين آخرين بجانب الله أنه الإنسان (٤).

стр. 221

ومن المعروف أن إنكار القدر السبق وجعل الإنسان خالقا مع الله من الأمور التي قد توصل الإنسان إلى الشرك الأكبر (العياذ بالله)، فسيأتي الرد على هذا الفكر المنحرف في الفصول القادمة إن شاء الله (١). وكلامه الشعري مع فكره الفلسفي قد يهيم به في كل واد حتى مدح الشيطان بأن لديه قوي متحركة، وهو في سعيه المستمر، وينبغي للإنسان أن يكسب حظا ونصيبا من هذا السعي المستمر (٢). ويذهب في تعريف الدين مذهب المستشرق وايت هيد (whitehead) بأنه عبارة عن سلسلة من حقائق، إذا قبلها المرء وصدّقه وفهمه حق الفهم تتغير به حياته وسلوكه، ومن ثم يري إقبال أنه إذا كان هذا هو تعريف الدين فليكن الدين على أساس عقلي أقوي وحقائق أعلى من حقائق العلم الحديث (٣). ويستحسن المنهج العقلاني ويمدح الغزالي بأنه استخدم هذا المنهج وقلده كانت (Kant) فعرض الدين على المنهج العقلاني في القرن الثامن عشر الميلادي، ويستخدم إقبال هذا المنهج في إثبات الحياة بعد الممات (البعث بعد الموت)، فيري أن في هذا العصر المادي لا تطمئن النفس مع الأدلة الغيبية، فلا بد من الاحتجاج بالأدلة العقلية، فمن هذه الأدلة ما قدمه كانت الذي يرى أن يكون هناك يوم يجد فيه المرء العدل الكامل. ثم يثير إقبال -بعد هذا الاعتراف باليوم الآخر- بعض التساؤلات حول هذه العقيدة: لماذا هذا الزمن غير المنتهي للمجازاة بالسعادة والسرور على الأخلاق الفاضلة؟ وكيف يمكن الله أن يوجد اتصالا بين هذه التصورات المتبادلة؟ ثم يبحث

стр. 222

عن الجواب على هذه التساؤلات المبتدعة عند وليم جيمز (William James) ونيتشه Nietzche)) (١) . ونهج المنهج المادي متأثرا بالمستشرق جوته (Goethe) عند ما يرى أن الإسلام نتيجة تصادم قوتين: هما الروحانية والمادية، ويستدل على ذلك بأن الإسلام جامع بين الروح والمادة (٢). ويبدو أن منهجه الطبيعي ممتزج بالفكر الصوفي إذ ذهب به إلى الاعتراف بأن هناك في القلب وجدانا أو نورا سماه القرآن بالفؤاد، فيرى أن هذا الوجدان إذا ربيناه يتقوى، وإذا تقوى يصل بنا إلى حقائق ما وراء الحواس، وأن اطلاعاته لا تخطئ أبدا، ومن ثم يرى أن هذا وسيلة من وسائل العلم يُعتمد عليها كاعتمادنا على المشاهدة، وتسميتها بالعلم الباطني أو العلم الصوفي أو خارق العادة لا تقلل عن قدرها، إذ أن الإنسان اعتاد أن يعبر مدركاته ومحسوساته عند الضرورة حتى وصل إلى التعرف على الطبيعة التي هي معروفة لدينا اليوم (٣). ويرى أن النبي ﷺ قد اهتم بهذه المشاهدات والكاشفات في قصة ابن الصياد (٤) وعلى هذا الأساس يعترض إقبال على الماديين عامة بأنهم افترضوا -بدون تحقيق وتفحص- أصلا يقول: إن العلم علم إذا أدركه الحواس الخارجية، وإذا تسلمنا صحة هذا الأصل يلزمنا الإنكار لذواتنا وأنفسنا، ثم يستدل على ذلك بقول المستشرق هاكنغ (Hacking)، الذي قال: "مشمولات الشعور الديني يمكن رؤيتها بالنظرة أو الرؤية العقلية" اهـ (٥).

стр. 223

بعد أن آمن بجميع الغيبيات وبعد أن ادعى بإمكان رؤيتها روية عقلية في المكاشفات الصوفية اختار منهج التأويل البعيد فجعل الغيبيات كلها معنوية، ورفض أن يكون لها وجود مادي أو مكان يحتل به، فيرى الجنة والنار والحياة بعد الممات (١) حتى آدم وحواء وهبوطهما (٢) أشياء خيالية ولها معان متغايرة ومخالفة لفهم السلف، إلا أنه ذهب مذهب العراقي في إثبات مكان لطيف لله يليق بجلاله، وبعد هذا الإثبات خالف منهج السلف في اعتقاده بأن الله متصل بمخلوقاته كاتصال الروح بالجسد (٣) غير متباين عن خلقه (٤). ومنهج التأويل البعيد قد ذهب بإقبال إلى البحث عن أعذار شرعية لدعاوى الكفر عند الصوفية، فيرى أن قول الرسول ﷺ "تخلقوا بأخلاق الله" اهـ (٥) وقوله ﷺ : "لا يزال العبد يتقرب إليه" اهـ (٦) وغيرهما من الأقوال التي دفعت الصوفية إلى المشاهدات والواردات والكشوفات، فحصل لهم التقرب والاتصال، وعبروا عن هذا الاتصال بقولهم "أنا الحق" أو "أنا الدهر" أو "أنا القرآن الناطق" (٧) أو "سبحاني ما أعظم شأني" (٨) وهذه مراتب عليا من التصوف الإسلامي وما كان قصدهم من هذا الاتحاد والتقرب أن الذات المتناهي انجذب إلى

стр. 224

الذات غير المتناهي وتلاشى فيه (أفنى فيه نفسه) وإنما كان قصدهم أن غير المتناهي (الله) نفسه قد سقط في حجر حب المتناهي (العبد) (١). واختار المنهج التحليلي المادي في نظرته إلى عقيدة القدر، فيرى أن الإيمان بالقدر والاحتجاج به من إضافات بني أمية إلى الدين الإسلامي حيث ستروا مظالمهم في كربلاء وغيرها تحت هذا الستار وقالوا: "ما شاء الله فعل"، ولما بلغ ذلك إلى الإمام حسن البصري قال: "قد كذب أعداء الله"، فانتشرت هذه العقيدة المذمومة رغم التنكير الشديد عليها من العلماء (٢) هذا في رأي إقبال ولكن الحقيقة كما نعلم أن القضاء والقدر عقيدة ثابتة بكل أركانها ومراتبها في القرآن والسنة. وانطلق من منطلق استشراقي بأن النبوة هي عبارة عن أحوال وكشوفات مثل مكاشفات الصوفية، إلّا أن الصوفي معراجه لذة الاتحاد، وأما الأنبياء فهم يجدون في أنفسهم قوى مستيقظة يمكن بواسطتها (بها) قلب الدنيا كلها وتغيير الحياة الإنسانية بأكملها، فالنبي أكبر تمنياته أن تتحول أحواله إلى قوة حية يسيطر بها على جميع العالم (٣). وأما الوحي عنده فهو خاصة الحياة، ويمر بمراحل مختلفة يتطور ويرتقي، ومع هذا الرقي تتغير نوعيته، مثل أن تخرج شجرة رأسها بكل حرية من تحت الأرض، أو أن ينبعث عضو جديد لحيوان في بيئة جديدة أو أن يخرج من الإنسان نفسه من أعماق وجوده نور وضياء، فهي أشكال مختفة للوحي، بدأت تتغير نوعيته بتغيير أصحابه حسب ضرورياتهم ولما كانت البشرية في مراحلها الأولى أو في سن طفولته بدأت قوتها النفسية تنمو وتتطور حتى وصلت إلى شكل عبرنا عنه بشعور النبوة (٤).

стр. 225

وبالجملة إن إقبال يعتقد في القرآن بأنه المنبع الأول للفقه الإسلامي وفيه أصول ومبادئ تدعو الإنسان إلى التوسع في الفكر مع مراعاة الأحوال والأشخاص، قد استفاد بها الفقهاء الأولون واستنبطوا منها أنظمة قانونية متعددة، وليس في القرآن أي نوع من الحجر على الفكر الإنساني (١). وبعد أن اعترف بكون الحديث منبعا ثانيا من منابع الشريعة الإسلامية يتشكك (يتردد) في الاحتجاج به متأثرا بنظرية المستشرقين أمثال جولدتسيهر (Goldziher) والمستشرق أغانيديس (Aganides)، فوصل إلى نتيجة: أنه لا بد من التمييز بين أحاديث تدخل في إطار القانون وبين أحاديث ليس لها علاقة بالقانون، ثم لا بد من تمييز في القسم الأول بين تلك الأحاديث التي جاءت كعادات جاهلية وبين تلك التي ذكرت فيها أعراف وعادات جاهلية بعد تدخل شرعي من قبل الرسول ﷺ ، ولكنه استصعب هذا الأمر لأن الفقهاء المتقدمين لم يشيروا إلى هذه الأعراف، ولا نعلم أأجاز الرسول ﷺ هذه الأعراف بقوله الصريح أم تركها بدون أي تلميح؟ وغير ذلك من التساؤلات (٢). وأما الإجماع عند إقبال فيرى أن له أهمية بالغة في نظام التقنين ولكن مما يؤسف له أن العلماء لم يهتموا به إنما تناقشوا نظريا حول هذا المنبع، ولم يطبقوه عمليا، ولم يقيموا له إدارة خاصة به في زمن من الأزمان، ويرى أننا إذا قلدنا الغرب في إقامة مجالس لوضع القوانين سيكون للإجماع شأن عظيم في المستقبل، فليشترك فيها المندوبون من كل مدرسة فقهية ثم يسلمون حقهم في التقنين إلى هذه المجالس التشريعية، وكذلك التطور المستقبل يسمح لغير العلماء الذين لهم نظرة غائرة في أمور التقنين حق الصوت في الإجماع (٣).

стр. 226

وأما القياس في نظره فكان رأيا شخصيا للفقهاء المجتهدين وبالتدريج أصبح منبع الحركة والحياة في الشريعة الإسلامية ولكن قد أضرّه المنطق الأرسطاطاليسي حتى أراد فقهاء العراق بناء نظام القانون الفقهي الكامل على العقل المحض، وأنكروا عليه فقهاء الحجاز إنكارا شديدا وبعد المناقشات والمناظرات أصبح القياس بشروط معيَّنة مرجعا إسلاميا للشريعة الإسلامية وتلقى القبول عند جميع المذاهب الفقهية (١). ثم دعا الفقهاء والعلماء إلى إعادة بناء جديد للفقه الإسلامي والتجرؤ في هذا الصدد كما دعاهم إلى إعادة بناء المفاهيم العقدية الإسلامية عامة (٢). وسنرى تفصيل ذلك مع الرد عليه في الفصول القادمة، إن شاء الله.

стр. 227

الباب الثاني: أثر تطبيق المنهج الجديد في مسائل العقيدة ونقدها . فيه مدخل وثلاثة فصول: الفصل الأول: أثره في مسائل الألوهية. الفصل الثاني: أثره في مجال النبوات. الفصل الثالث: أثره في مسائل الغيب.

стр. 228

مدخل الناظر في المناهج السابقة مقارنًا بين مناهج المستشرقين ومناهج المتأثرين بالاستشراق يدرك التشابه الكبير بينهما، فمنهم من تأثر تأثرًا كاملًا مثل السير سيد أحمد خان، وأمير على، ومنهم من تأثر تأثرًا أقل نسبة مثل مهدي على وشبلي النعماني، وبالجملة ما من أحد من العلماء السابق ذكرهم إلا وقد تأثر بالمناهج الاستشراقية الغربية الوافدة. بعد أن أثبتنا هذه المنهجية المتأثرة نأتي إلى بيان أثر تطبيق المنهج الجديد في المسائل العقدية، ثم ننقد تلك الآثار ونقوّمها بتحليل العبارة وتعيين الشبهة وتفنيدها. وقد يجد القارئ من هذه الآثار مزاعم قد ادعتها الفرق المنحرفة عن الإسلام قبل الاستشراق، أو قد يجد تشابهًا كبيرًا بين شبه السابقين وشبه اللاحقين، فلا غرابة في ذلك إذ أن منهج الأثر والتأثر قد عمل عمله في هذا الصدد لأن المستشرقين لم يأتوا بشيء جديد إنما رددّوا تلك الشبهات القديمة في قالب جديد، ومن ثم فلا يقال أيضًا إن العالم الفاني ليس متأثرًا بالاستشراق لأنه لم يأخذ الشبهة مباشرة من المستشرقين إنما تلقاها من فرقة معينة، بل هو في الحقيقة متأثر بالمنهج الاستشراقي إذ أن هذا الأسلوب أعنى به الأخذ من الفرق الضالة منهج من مناهج المستشرقين. أما عن الشبه المثارة حول العقيدة الإسلامية فقد أشار إليها القرآن مع الرد عليها، وعلى ذلك يمكن القول بأن المستشرقين والمتأثرين بهم رددوا تلك الشبهات نفسها، وضخموها دون الإشارة إلى تفنيد القرآن لها. يقول أبو الكلام آزاد: "ما من إيراد صغير ولا كبير يثار اليوم حول القرآن وتعاليم الأنبياء، إلا وقد قيل قديمًا، بل في عهد الرسالة وعصر نزول القرآن خلال ثلاث وعشرين سنة، وقد ردّه القرآن والسنة في وقته، ولو جمعنا تلك الشبه التي أثيرت زمن انتشار العلوم الدخيلة العجمية، وعهد نقل كتب المذاهب المندرسة اليونانية والإيرانية، إضافة إلى دفاتر شبهات الملاحدة الماديين في العهد العباسي، وإيرادات

стр. 229

اتباعهم وآذيالهم الذين جاؤوا بعدهم، لن نجد أبدًا لا أصلًا ولا فرعًا ولا انفرادًا شيئًا جديدًا من الشبه حول الوحي والتنزيل والقرآن والشريعة، وما من شيء مما يقوله المشككون المحجوبون اللاأدريون اليوم إلا وقد قاله الأولون الذين ورّثوا شجرة الضلال والبطلان في القرون الماضية، ولقد صدق الله فيما قال: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١) ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢) " اهـ (٣). وقال آزاد أيضًا: "أول الأخطاء في هذا المضمار: أننا لم نحاول أن نعرف المبدأ الأصلي للشكوك والشبهات حول التعليمات السماوية بأن نجمع جميع الشبه والإيرادات المثارة حول تعاليم الأنبياء في أزمنة مختلفة، فنجمعها بطريق القواعد والجوامع المنضبطة ثم ننظر بالسبر والتقسيم هل من جديد في هذا الوادي أو هي كما قيل إنا على آثارهم مقتدون؟ ولكن من يفعل هذا؟ الوسيلة الوحيدة لهذا العمل هو التدبر والتفكر في القرآن والسنة وهو المهجور اليوم (٤).

стр. 230

الفصل الأول: أثره في مسائل الألوهية . فيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: توحيد ذات الله وربوبيته. المبحث الثانى: أسماء الله وصفاته. المبحث الثالث: القضاء والقدر.

стр. 231

المبحث الأول: توحيد ذات الله وربوبيته . فيه تمهيد وثلاثة مطالب: المطلب الأول: عقيدة التوحيد والعقل الإنساني. المطلب الثاني: قوة الله الخلّاقة ونصيب الإنسان. المطلب الثالث: وجود الذات الإلهية ووجود العالم.

стр. 232

تمهيد إن أول واجب يؤمر به العبد شهادة أن لا إله إلا الله وهو الإيمان بأن الله هو الأحد الصمد في ذاته وأسمائه وصفاته وربوبيته وألوهيته، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١)، وذات الله متصفة بصفات الكمال ومنزهة عن صفات النقص، وذاته لا تشبه ذوات المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفاتهم، فالله هو الكمال الذي لا كمال بعده، وكل مخلوق لا بد أن يكون فيه نقص في جانب من الجوانب (٢). وتوحيد الله يتضمن ثلاثة أنواع: توحيد الألوهية، توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الأسماء والصفات سيأتي ذكره في المبحث التالي، وهنا نخص بذكر توحيد الألوهية الذي يتضمن توحيد الربوبية، يقول أبو العز ﵀: "توحيد الألوهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له" اهـ (٣). يعني إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة. وأما توحيد الربوبية فيُعرّف بـ "أنه الإقرار بأن الله وحده الخالق للعالم وهو المدبر، المحي، المميت، وهو الرزاق ذو القوة المتين، والإقرار بهذا النوع مركوز في الفطر لا يكاد ينازع فيه أحد من الأمم كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾

стр. 233

وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (١) " اهـ (٢). بعد هذا التأصيل الموجز نتطرق إلى أقوال المتأثرين بالاستشراق عرضا وتحليلا وتقويما ونقدا، فنجعلها في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: عقيدة التوحيد والعقل الإنساني، والمطلب الثاني: قوة الله الخلّاقة والإنسان، والمطلب الثالث: وجود الذات الإلهية ووجود العالم.

стр. 234

المطلب الأول: عقيدة التوحيد والعقل الإنساني: الشبهة الأولى: هل عقيدة التوحيد من الأمور التي يأبى قبولها العقل البشري؟ الشبهة الثانية: هل هناك مرحلتان مر بها الإسلام مرحلة الإيمان ومرحلة العقل أو مرحلة القابلية ومرحلة الفاعلية؟ . الشبهة الثالثة: عند عجز معرفة الإنسان أسباب تقلبات الكون ينسبها إلى الله ، وإذا عرف الإنسان أسباب هذه التقلبات فهل ينكر الإله؟

стр. 235

المطلب الأول: عقيدة التوحيد والعقل الإنساني وليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني وتعتز به وتعتمد عليه في ترسيخها كالعقيدة الإسلامية، وليس هناك كتاب أطلق سراح العقل وغالى بقيمته كالقرآن الكريم كتاب الإسلام بل إن القرآن ليكثر من استشارة العقل ليؤدي دوره الذي خلق الله له. ولكن الإسلام بعد هذا التكريم كله وذلك الاهتمام قد حدد للعقل مجالاته التي يخوض فيها حتى لا يضل، وفي هذا تكريم له لأنه محدود الطاقات والملكات فلا يستطيع أن يدرك كل الحقائق (١). وقد جاءت البراهين العقلية في القرآن في أعظم المطالب الإلهية: ففي الدلالة على توحيد الله وتفرده بالعبادة دون سواه، خاطب الله أصحاب العقول مبينا لهم بطلان الآلهة التي اتخذت من دونه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (٢). فهذه الآلهة التي عبدت مع الله آلهة ضعيفة عاجزة لا تملك لعابديها نفعا ولا ضرا (٣). "وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره، لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله، ودفع أذيته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين. وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان" اهـ (٤).

стр. 236

واتباعا لما بينه القرآن من البرهان العقلي قد استخدم العلماء المتقدمون الاستدلال العقلي لبيان توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وهو مسلك فيها قوة الدلالة واضحة وسلامة الفكر مضمونة، بخلاف استدلال المتأخرين. فجاء في بيان تلبيس إبليس: "يجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع جميع الموجودات، وإما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله ووجود النبات ووجود السماوات، وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في جميع فطر الناس. أحدهما أن هذه الموجودات مخترعة، وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (١). فإنا نرى أجسامًا جمادية ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعًا أن ها هنا مُوجدًا للحياة ومنعمًا بها وهو الله ﵎، وأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بما ها هنا ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة. والأصل الثاني: فهو أن كل مخترَع فله مخترِع فيتضح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلًا مخترِعًا له، وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات. ..... وكذلك أيضًا من يتتبع معنى الحكمة في موجود عن معرفة السبب الذي من أجله خلق الغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم، فهذان الدليلان هما دليلا الشرع. وأما الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز فهي مختصرة في هذين الجنسين من الدلالة، فهذا بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى، إذا تصفحت وجدت على ثلاثة أنواع: إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية.

стр. 237

وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع. وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة معًا. فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط، فمثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ (١) ومثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٢) ومثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ (٣). وأما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط فمثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ (٤) ومثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (٥) إلى غير ذلك من الآيات. وأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضًا: بل هي الأكثر مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦). وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الدلالة. فهذه الدلالة هي الصراط المستقيم الذي دعا الله تعالى الناس منه إلى معرفة وجوده ونبههم على ذلك بما جعل في خطرهم من إدراك هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بَلَى

стр. 238

شَهِدْنَا﴾ (١). بعد هذا التأصيل الموجز نأتي إلى أقوال المتأثرين بالاستشراق عرضا وتحليلا وتقويما. أقوال المتأثرين بالاستشراق: قال سيد أحمد خان: "العقل الإنساني أو العقل الكلى إذا استخدمه الإنسان في الأحداث الواقعة والمقدمات الذهنية يصل إلى نتيجة حاسمة، فتتبع الجزئيان يستنبط منه قاعدة كلية ...... فيرى الإنسان حوله من مخلوقات عظيمة ومهيبة وهي أكبر من الإنسان بكثير فيتخيل الوجود الأعلى والأقوى، ويرى أمامه أحداثًا ولا يجد فاعلها، ويبتلى بالأمراض والأوبئة والقحط أو المجاعة، ويأتيه فصول الربيع وأيام راحة، ويشعر بالصحة والعافية ولا يعلم كثيرًا من أسباب هذا الاختلاف، فينسبها إلى وجود غير معلوم ويعتقد أن هذا الوجود غير المعلوم صانع هذه التقلبات، وله القدرة الكلية على ذلك، ثم يخافه، ويربط كل خير وسراء برضاه، وكل شر وضراء بغضبه، ثم يتفكر، ويبحت عن وسائل يكسب بها رضاه، ويبتعد به عن غضبه، ثم يتساءل: من أنا؟ وإلى أين مصيري؟ وآخر الأمر يتيقن أن هناك معادًا يجازى فيه الإنسان بما عمل من خير وشر (٢). وقال أمير على: "إننا إذا استثنينا عقيدة التوحيد التي هي أساس الإسلام لم تجد عقيدة من العقائد التي جاء بها الإسلام يأبى العقل قبولها فعقيدة المبدأ والمعاد، أي من الله بدأنا وإليه نعود، ومسئولية الإنسان الأدبية مبنية على عقيدة العلة الأولى التي هي مصدر جميع الموجودات، والعقيدة القائلة بأن الروح بعد تجريدها من الهيكل الذي ستحيى فيه بعد انحلال الجسم، هي عقيدة يؤمن بها جميع العقلاء والجهال على السواء، والإسلام يسمح بأكبر قدر من النظر العقلي ما دام المسلم مؤمنًا بأصول الدين ومحافظًا عليها، ومن ثم نجد أن الإسلام انتقل من عصر "القابلية" إلى عصر "الفاعلية"

стр. 239

ومن عصر "الإيمان" إلى عصر "العقل" دون أن يفتقر إلى المرحلة المتوسطة التي احتاجت إليها المسيحية" اهـ (١). تحليل العبارة وتعيين الشبهة: كل من سيد أحمد خان وأمير على نهج المنهج العقلي في معرفة عقيدة التوحيد إلا أن كلا منهما وصل إلى نتيجة تخالف ما وصله الآخر، فيرى سيد أحمد خان أن العقل البشري يمكن به الوصول إلى معرفة خالق الكون وذلك عند انعدام العلم لكثير من أسباب اختلاف هذا الكون، بينما يرى أمير علي أن عقيدة التوحيد هي العقيدة الوحيدة من بين عقائد الإسلام يأباها العقل الإنساني، إضافة إلى ما أثار إليه أمير على من شبهة هي: أن الإسلام انتقل من عصر القابلية إلى عصر الفاعلية ومن عصر الإيمان إلى عصر العقل، فيمكن لنا تحليل العبارات السابقة لتعيين الشبهة في النقاط التالية: أولًا: عند عجز الإنسان عن معرفة كثير من أسباب اختلاف الكون ينسبها إلى وجود غير معلوم وهو الله. ثانيًا: عقيدة التوحيد من الأمور التي يأبى قبولها العقل الإنساني. ثالثًا: هناك مرحلتان مر بهما الإسلام مرحلة القابلية ومرحلة الفاعلية أو مرحلة الإيمان ومرحلة العقل. أولًا: قول السيد: عند عجز الإنسان عن معرفة كثير من الأسباب لاختلاف هذا الكون ينسبها إلى وجود غير معلوم وهو الله. هذا الأصل قد أصله سيد أحمد خان لمعرفة ذات الله بطريق العقل، ولكن التقلبات التي ذكرها السيد من الأمراض والأوبئة والمجاعة، وفصول الربيع والأيام الجميلة والصحة والعافية إلى غير ذلك من الأمور التي قد عرفت أسبابها، ونجد تفصيل

стр. 240

ذلك في العلوم الحديثة مثل الجغرافية والفلكية والطبية، ولأن السيد هو نفسه يرى في منهجيته الجديدة المتأثرة بالاستشراق "أنه بعد أن ظهرت الاكتشافات العلمية الحديثة والمعارف الجديدة، تعين علينا أن لا نقبل شيئا إلا إذا عقلناه وجربناه في ضوء قوانين الطبيعة، فالعقل والطبيعة قوّتان متبادلتان فعالتان معًا في هذا المنهج" اهـ (١). وفي ضوء هذه المنهجية الخطيرة قد تقرر في نظر الباحثين الغربيين تاريخ فكرة الإله عند الإنسان من أن بدايته كان بتعدد الآلهة، حيث اعتقد الإنسان في كل تقلب لا يعرف سببه إلهًا ثم تقدم العلم وتطورت فكرة الإله من التعدد إلى التثليث ومن التثليث إلى التثنية (خالق الخير وخالق الشر) ثم إلى التوحيد وأخيرًا إلى الإلحاد. وهذا ما حدث في أوربا الحديثة، يقول الدكتور محمود ماضي: "إن الصدام التقليدي بين الدين والعلم في أوربا، نتاج من نتاج القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهما العصران اللذان ظهرت فيهما العلوم الحديثة وبعد ظهور هذه الانكشافات الحديثة بدأ كثيرًا من الأوربيين يظنون أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الإيمان بالله، وهكذا أصبح الإله في نظرهم فكرة غير ضرورية وكل فكرة غير ضرورية لا يقوم على أساس، ولعله لا يغيب عنا مقالة نيتشه (Nietzsche): " لقد مات الإله الآن" اهـ (٢). فلا عجب أن يقول بهذا القول الباطل قوم لم يمنحهم الله كتابه الذي يحكى في لغتهم تاريخ العقيدة بوضوح لا لبس فيه، إلا أن العجب أن يتأثر بهذا المنهج رجال يعدون أنفسهم باحثين مسلمين. فيرى عباس محمود العقاد أن الحقيقة الإلهية لم تتجل للناس مرة واحدة، فيقول في كتابه: "الله": "فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين ولا على أنها تبحث عن محال، كل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحد" اهـ (٣).

стр. 241

ويقول أيضًا: "كانت عقائد الإنسان الأولى مساوية لحياته الأولى وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليس أوائل العلم والصناعة بأرقي من أوائل الأديان والعبادات، وليس عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى" اهـ (١). ثم أخذ يستعرض آراء الباحثين في تاريخ العقيدة: منهم من يرى أن السبب في نشأة العقيدة هو ضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه، ومن قوى الطبيعة والأحياء .... وبعضهم يرى أن العقيدة الدينية حالة مرضية في الآحاد والجماعات ويرى البعض أن أصل العقيدة الدينية عبادة "الطوطم" كأن تتخذ بعض القبائل حيوانًا "طوطما" تزعمه أبًا لها، وقد يكون شجرًا أو حجرًا يقدسونه، إلى آخر تلك الفروض التي قامت في أذهان المستشرقين الباحثين الغربيين (٢). ومن ثم تأثر من تأثر أمثال السيد بهذه المنهجية الغربية الاستشراقية فقالوا: إن العقل البشري يمكن به الوصول إلى معرفة خالق الكون وذلك عند انعدام العلم لكثير من أسباب اختلاف هذا الكون، فالمستحسن في هذا الأمر أنه اعترف بالدليل العقلي في معرفة الخالق، ولكنه ترك ما كان عند السلف من الأدلة العقلية. واتخذ ما قدمته المنهجية الغربية دليلا، وهو لا يشعر أن هذا الدليل يشق الطريق إلى الإلحاد، وهو أن يقال: عند عجز معرفة الإنسان أسباب تقلبات الكون ينسبها إلى الله ، وإذا عرف الإنسان أسباب هذه التقلبات فهل ينكر الإله؟ هذا في الحقيقة ليس شبهة وإنما هو استنتاج مما ذهب إليه السيد من استخدام الدليل العقلي لمعرفة الخالق متأثرا بالمنهجية الاستشراقية، وهذا الدليل قد استخدمته المنهجية الغربية التي لا علم لها عن تاريخ العقيدة، فتخبطت في معرفة الخالق، وتحديد بداية عقيدة الإله، فهل كانت بدايتها بالتعدد أو بالتوحيد؟

стр. 242

ولكن الله قد أغنانا عن مثل هذه الفروض والتخمينات بكتابه العزيز الذي فيه علم غزير عن تاريخ العقيدة الإلهية في البشر، بعد أن هبط آدم إلى الأرض قد أنشأها الله ذرية كانت على التوحيد الخالص، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" اهـ (٢). وبعد أن كان الناس أمة واحدة على التوحيد حصل الزيغ والانحراف، فبعث الله نوحًا أول رسولٍ بعد الانحراف، عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (٣) قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وانتسخ العلم (نسي ودرس) عبدت" اهـ (٤). فالتوحيد أولًا ثم التعدد والشرك وليس العكس كما تدعيه المنهجية الجديدة من أن التعدد أولًا ثم التوحيد ثم انشق الطريق إلى الإلحاد (٥).

стр. 243

وإذا كان للسيد أن يثبت وجود الله تعالى بالدليل العقلي فله أن يسلك مسلك العلماء المتقدمين الذي فيها قوة الدلالة واضحة وسلامة الفكر مضمونة كما سبق ذلك في بداية هذا المطلب. ثانيًا: قول أمير علي: إن عقيدة التوحيد من الأمور التي يأبى قبولها العقل البشري: بعد أن عرف أمير علي أن عقيدة التوحيد هي الأساس في الإسلام، فلماذا يجعلها مرفوضة في معطيات العقل البشري؟ وهو يعرض الإسلام على المجتمع الغربي الذي يعتمد على العقل البشري كإيماننا بالنقل الصحيح، فإذا رفض العقل البشرى أساس الإسلام فأي شيء يبقى بعد هدم الأساس؟ أليس هذا دليل على ما يدعو إليه أمير علي من تقارب الأديان ومحاولة منه أن يسوي بين النصرانية والإسلام، وقد صرح بدلك في مقام آخر فقال: "إننا إذا استثنينا عقيدة الأبوة الإلهية بعيسى ﵇، لم نجد خلافًا أساسيًا بين المسيحية والإسلام، فهما في جوهرهما دين واحد وكلاهما وليد القوى الروحية المتشابهة في الإنسانية" اهـ (١). ولا شك من أن أساس النصرانية المحرفة عقيدة الأبوة الإلهية لعيسى ﵇ وأساس الإسلام عقيدة التوحيد، وإذا استثنينا هاتين العقيدتين فهل تتساوى الديانتان؟ الجواب: لا، لأن هناك أمورًا كثيرة تفرق أساسًا بين الإسلام الصحيح والنصرانية المحرفة، بالإضافة إلى شبهة أخرى قد أشار إليها أمير علي في العبارة من أن الديانتين من إنشاء القوى البشرية، ولكننا لسنا بصدد إقامة المقارنة بين الديانتين في هذا المكان، بل إنما نريد الرد على أمير علي في زعمه أن عقيدة التوحيد في الإسلام يأبى قبولها العقل. وقد أبدا أمير علي في هذا الزعم تأثره بالمنهج الاستشراقي الغربي الوافد لأن المستشرقين عمومًا يرفضون قبول العقيدة السلفية المؤمنة بالآيات والأحاديث التي

стр. 244

تتحدث عن صفات الله تعالى كما وردت، ومن غير تأويل لها أو تعطيل أو تشبيه، ويرون أن هذا تصور خشن للربوبية (١) وأنه يجعل الإله بعيدا عن مدار البشر مقارنة بتصور الإله في النصرانية (٢) ولعل أمير علي مال إلى هذا الرأي الاستشراقي. فالشبهة إذا هي: هل عقيدة التوحيد من الأمور التي يأبى قبولها العقل البشري؟ وسيأتي الرد بعد قليل إن شاء الله. ثالثًا: قول أمير علي: هناك مرحلتان مر بهما الإسلام مرحلة: "القابلية" ومرحلة: "الفاعلية" أو مرحلة: "الإيمان" ومرحلة: "العقل": قبل الخوض في تفاصيل التحليل والمناقشة يتعين علينا أن نحدد معنى القابلية والفاعلية عند أمير على: وبالنظر في العبارة السابقة يظهر لنا أنه يقصد بالقابلية قوة التأثر وبالفاعلية قوة التأثير، لأنه ذكر أولًا حرية النظر العقلي في الإسلام، ثم شرح مرحلتي القابلية والفاعلية بمرحلتي الإيمان والعقل، ثم ذكر المرحلة المتوسطة التي مرت بها النصرانية، والمرحلة المتوسطة يقصد بها مرحلة الصراع بين الدين والعلم التي مرت بها النصرانية. فكأنه يريد أن يقول إن الإسلام كان ناقصًا منحصرًا على بعض الإيمانيات، ولكن كانت عنده صلاحية التأثر من كل جديد فأكمل نفسه آخذًا من كل ما أحدثه العقل البشري والعلم الحديث، حتى أصبح قوة فعالة تؤثر في النظريات الأخرى، خلافًا للنصرانية التي لم تكن عندها صلاحية القبول للجديد فظلت منحصرة على بعض الإيمانيات المخالفة للعقل ثم تعرضت للصراع الطويل حتى أصبحت صالحة لقبول معطيات العقل البشري والعلم الحديث.

стр. 245

قد أراد أمير علي مدح الإسلام بالفكرة السابقة إلا أنه قد وقع في أخطاء عدة من حيث لا يشعر، لأن تقسيم الإسلام إلى مرحلتين منفصلتين يثير تساؤلات كثيرة: - هل كان الإسلام غير فعال في مرحلة القابلية؟ - هل كان الإسلام ناقصًا حتى احتاج إلى قبول معطيات أخرى؟ - هل كان الإسلام غير معقول أو غير محتاج إلى العقل في مرحلة الإيمان قبل أن يصل إلى مرحلة العقل؟ - هل فقد الإسلام قوة الإيمان عندما وصل إلى مرحلة العقل؟ وغير ذلك من التساؤلات. فنظرة التطور من مرحلة التأتر إلى مرحلة التأثير نشأت عند أمير علي عندما درس الإسلام بمنظور المنهج التطوري التاريخي المتأثر بالمنهج الاستشراقي الغربي، فقد أشار إلى ذلك المنهج بقوله: "أن الشريعة الإسلامية حلقة من حلقات التطور الديني وهي في ذاتها ترتقي وتتطور استجابة لدواعي التطور البشري ومعطيات التقدم الزمني" اهـ (١). وهذا ما قاله المستشرق جولدتسيهر: "إن الإسلام كما يبدو عند اكتمال نموه، هو نتيجة تأثيرات مختلفة تكون بعضها باعتباره تصورًا وفهمًا وأخلاقيًا للعالم وباعتباره نظامًا قانونيًا وعقديًا حتى أخذ شكله السني" اهـ (٢). وأما تقسيم الإسلام إلى مرحلة الإيمان ومرحلة العقل فليس هذا إلّا شرح لمرحلتي القابلية والفاعلية عند أمير علي، ومما لا شك فيه إن هذا التقسيم كان نتيجة المنظور التطوري حيث يرى هو ومن معه من المتأثرين بالاستشراق أن العقيدة كانت تقليدية قديمًا، وأما اليوم فهي اجتهادية وعقلية (٣).

стр. 246

ومن خلال هذا التحليل العلمي تتعين الشبهة، وهي: هل هناك مرحلتان مر بها الإسلام مرحلة الإيمان ومرحلة العقل أو مرحلة القابلية ومرحلة الفعالية؟ . تفنيد الشبهات: الشبهات التي ظهرت في التحليل السابق نتناولها بالرد والتفنيد بالترتيب التالي: ١ - هل عقيدة التوحيد من الأمور التي يأبى قبولها العقل البشري؟ ٢ - هل هناك مرحلتان مر بها الإسلام مرحلة الإيمان ومرحلة العقل أو مرحلة القابلية ومرحلة الفاعلية؟ . الشبهة الأولى: هل عقيدة التوحيد من الأمور التي يأبى قبولها العقل البشري ؟ الجواب: لا، لأن عقيدة التوحيد هي أبسط عقيدة عرفها التاريخ الإنساني، وأسهل على العقل إدراكها، وقد ثبت ذلك من عدة وجوه: ١ - إن عقيدة التوحيد مما جعل في فطر البشر إدراك معناها قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). ٢ - إن عقيدة التوحيد هي أساس دعوة الأنبياء والرسل قاطبة من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الرسل نبينا محمد ﷺ ، ولو لم تكن هي أسهل شيء على عقول البشر لما كلف به جميع الأنبياء للتخاطب لجميع البشر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢).

стр. 247

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٤) وإلى غير ذلك من الآيات قد خاطب فيها جميع الأنبياء أقوامهم بكلمة التوحيد. ٣ - إن الله قد استعجب من قوم يمرون بآيات الله الكونية ولا يستخدمون عقولهم ليعلموا أنما إلههم إله واحد. فقال تعالى: نهارًا وجعل لها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥).

стр. 248

٤ - إن دعوى التوحيد قائمة، وكل آية في الكون تدل على أنه واحد ونحن أمرنا بالشهادة على دعوى قائمة بنفسها، قال الرسول ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله" اهـ (١). ٥ - إن عقيدة التوحيد قد خاطب الله بها عقول البشر وذكر الدلائل العقلية للتمانع عن التعدد فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ، إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٣). ٦ - إن عقد المقارنة بين عقيدة التثليث عند النصارى وعقيدة التوحيد الخالص في الإسلام يظهر لنا سهولة فهم عقيدة التوحيد. يقول الدكتور سعيد إسماعيل: "عند مقارنة المفهومين اللذين يرسمهما الكتاب المقدس كما يسميه النصارى والقرآن الكريم للمعبود لا نجد صعوبة في إدراك المفهوم الإسلامي ولكن نجد صعوبة كبيرة في إدراك المفهوم المسيحي لأنه يطرح عددًا من الأسئلة: مثلًا: هل الثالوث ليس إلا صورة من عقيدة تناسخ الأرواح ولكنها محدودة بأشكال ثلاثة؟ هل المعبود أو الإله أسرة تتألف من ثلاثة أفراد يعتمد بعضها على بعض؟ وإذا كان المخلوق قد يعصي الرب فما بال (الابن)، خاصة وأن نصفه إنسانًا ورث الخطيئة عن آدم ﵇ حسب عقيدة الثالوث؟

стр. 249

ثم نتساءل أليس أفضل معيار للتمييز بين الخالق والمخلوقين هو أن الله واحد لا شريك له وهو الصمد الغني المستقل استقلالًا تامًّا بينما المخلوقات يعتمدون على الله ثم بعضهم على بعض (١). ٧ - إن الدليل العقلي قد فهم به السلف توحيد الله ﵎، لو كان التوحيد بعيدا عن إدراك العقل البشري لما حث القرآن على ذلك، فمن نماذج الاستدلال العقلي ما قاله ابن جرير الطبري ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ (٢): "يقول الله تعالى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم، ولا حين ابتدع الأشياء، من تصلح عبادته ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته ﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾ يقول إذن لاعتزل كل إله منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شيء فانفرد به، ولتطالبوا، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القوي منهم الضعيف لأن القوي لا يرضى يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهًا فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر (٣). "إذًا لم يبق إلا الواحد المطلق الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وما قال بالتعدد إلا عن عقلية بدائية وفكرة وثنية وتصور خيالي مصطنع، بعيد عن التحقق، مصادم للعقل (٤). فثبت بما تقدم أن عقيدة التوحيد هي نفسها لن يأبى قبولها العقل البشري، بل هي سهلة الفهم إذا اتبعنا طريقة السلف في ذلك، ولكن جمهور المتكلمين يعتمدون على مسألة الجوهر والأعراض وهي صعبة الفهم، لأنها لم تكن معروفة على عهد النبي

стр. 250

صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين لهم بإحسان، بل هي طريقة مبتدعة مأخوذة من الفلسفة اليونانية، ومقدماتها ونتائجها غير مستقيمة لأنها لا تسلم من الاعتراضات، وقد فندها شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه "تلبيس الجهمية" وكذلك ابن رشد في كتابه "منهج الأدلة" فإن طريقة المتأخرين صعبة الفهم حتى على المتخصصين، فكيف بجمهور الناس؟ فإن قيل ما هي طريقة السلف في الاستدلال على وجود الله؟ فالجواب هي طريقة القرآن الكريم وهي الاستدلال بخلق الإنسان نفسه كما كرره القرآن إذ هو الدليل وهو المستدل ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١) ثم ما يشاهده الإنسان ويحسه من المخلوقات العظيمة كالسموات والأرض والجبال والبحار والماء والنبات ولفت النظر إلى روعة الصنع والإتقان وحسن التدبير، فيستدل بذلك على وجود خالق مبدع مدبر لهذا الكون العظيم (٢). الشبهة الثانية: هل هناك مرحلتان مر بها الإسلام مرحلة الإيمان ومرحلة العقل أو مرحلة القابلية ومرحلة الفاعلية ؟ . تقسيم أمير علي الإسلام إلى مرحلتين المذكورتين يثير سؤالين هامين وهما: (١) هل كان الإسلام غير معقول أو غير محتاج إلى العقل في مرحلة الإيمان قبل أن يصل إلى مرحلة العقل؟ (٢) هل فقد الإسلام قوة الإيمان عندما وصل إلى مرحلة العقل؟ والجواب عن كلا السؤالين: لا، لأن الإيمانيات الستة التي دعا إليها الإسلام في بداية الأمر بقيت إيمانيات إلى يومنا هذا، وهي الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٣) وقال الرسول
следующие страницы →