ومن خلال هذا التحليل العلمي تتعين الشبهة، وهي: هل هناك مرحلتان مر بها الإسلام مرحلة الإيمان ومرحلة العقل أو مرحلة القابلية ومرحلة الفعالية؟ .
تفنيد الشبهات:
الشبهات التي ظهرت في التحليل السابق نتناولها بالرد والتفنيد بالترتيب التالي:
١ - هل عقيدة التوحيد من الأمور التي يأبى قبولها العقل البشري؟
٢ - هل هناك مرحلتان مر بها الإسلام مرحلة الإيمان ومرحلة العقل أو مرحلة القابلية ومرحلة الفاعلية؟ .
الشبهة الأولى: هل عقيدة التوحيد من الأمور التي يأبى قبولها العقل البشري ؟
الجواب: لا، لأن عقيدة التوحيد هي أبسط عقيدة عرفها التاريخ الإنساني، وأسهل على العقل إدراكها، وقد ثبت ذلك من عدة وجوه:
١ - إن عقيدة التوحيد مما جعل في فطر البشر إدراك معناها قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١).
٢ - إن عقيدة التوحيد هي أساس دعوة الأنبياء والرسل قاطبة من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الرسل نبينا محمد ﷺ ، ولو لم تكن هي أسهل شيء على عقول البشر لما كلف به جميع الأنبياء للتخاطب لجميع البشر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢).
٤ - إن دعوى التوحيد قائمة، وكل آية في الكون تدل على أنه واحد ونحن أمرنا بالشهادة على دعوى قائمة بنفسها، قال الرسول ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله" اهـ (١).
٥ - إن عقيدة التوحيد قد خاطب الله بها عقول البشر وذكر الدلائل العقلية للتمانع عن التعدد فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ، إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٣).
٦ - إن عقد المقارنة بين عقيدة التثليث عند النصارى وعقيدة التوحيد الخالص في الإسلام يظهر لنا سهولة فهم عقيدة التوحيد.
يقول الدكتور سعيد إسماعيل: "عند مقارنة المفهومين اللذين يرسمهما الكتاب المقدس كما يسميه النصارى والقرآن الكريم للمعبود لا نجد صعوبة في إدراك المفهوم الإسلامي ولكن نجد صعوبة كبيرة في إدراك المفهوم المسيحي لأنه يطرح عددًا من الأسئلة:
مثلًا: هل الثالوث ليس إلا صورة من عقيدة تناسخ الأرواح ولكنها محدودة بأشكال ثلاثة؟ هل المعبود أو الإله أسرة تتألف من ثلاثة أفراد يعتمد بعضها على بعض؟ وإذا كان المخلوق قد يعصي الرب فما بال (الابن)، خاصة وأن نصفه إنسانًا ورث الخطيئة عن آدم ﵇ حسب عقيدة الثالوث؟
стр. 249
ثم نتساءل أليس أفضل معيار للتمييز بين الخالق والمخلوقين هو أن الله واحد لا شريك له وهو الصمد الغني المستقل استقلالًا تامًّا بينما المخلوقات يعتمدون على الله ثم بعضهم على بعض (١).
٧ - إن الدليل العقلي قد فهم به السلف توحيد الله ﵎، لو كان التوحيد بعيدا عن إدراك العقل البشري لما حث القرآن على ذلك، فمن نماذج الاستدلال العقلي ما قاله ابن جرير الطبري ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ (٢): "يقول الله تعالى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم، ولا حين ابتدع الأشياء، من تصلح عبادته ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته ﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾ يقول إذن لاعتزل كل إله منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شيء فانفرد به، ولتطالبوا، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القوي منهم الضعيف لأن القوي لا يرضى يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهًا فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر (٣).
"إذًا لم يبق إلا الواحد المطلق الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وما قال بالتعدد إلا عن عقلية بدائية وفكرة وثنية وتصور خيالي مصطنع، بعيد عن التحقق، مصادم للعقل (٤).
فثبت بما تقدم أن عقيدة التوحيد هي نفسها لن يأبى قبولها العقل البشري، بل هي سهلة الفهم إذا اتبعنا طريقة السلف في ذلك، ولكن جمهور المتكلمين يعتمدون على مسألة الجوهر والأعراض وهي صعبة الفهم، لأنها لم تكن معروفة على عهد النبي
стр. 250
صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين لهم بإحسان، بل هي طريقة مبتدعة مأخوذة من الفلسفة اليونانية، ومقدماتها ونتائجها غير مستقيمة لأنها لا تسلم من الاعتراضات، وقد فندها شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه "تلبيس الجهمية" وكذلك ابن رشد في كتابه "منهج الأدلة" فإن طريقة المتأخرين صعبة الفهم حتى على المتخصصين، فكيف بجمهور الناس؟ فإن قيل ما هي طريقة السلف في الاستدلال على وجود الله؟ فالجواب هي طريقة القرآن الكريم وهي الاستدلال بخلق الإنسان نفسه كما كرره القرآن إذ هو الدليل وهو المستدل ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١) ثم ما يشاهده الإنسان ويحسه من المخلوقات العظيمة كالسموات والأرض والجبال والبحار والماء والنبات ولفت النظر إلى روعة الصنع والإتقان وحسن التدبير، فيستدل بذلك على وجود خالق مبدع مدبر لهذا الكون العظيم (٢).
الشبهة الثانية: هل هناك مرحلتان مر بها الإسلام مرحلة الإيمان ومرحلة العقل أو مرحلة القابلية ومرحلة الفاعلية ؟ .
تقسيم أمير علي الإسلام إلى مرحلتين المذكورتين يثير سؤالين هامين وهما:
(١) هل كان الإسلام غير معقول أو غير محتاج إلى العقل في مرحلة الإيمان قبل أن يصل إلى مرحلة العقل؟
(٢) هل فقد الإسلام قوة الإيمان عندما وصل إلى مرحلة العقل؟
والجواب عن كلا السؤالين: لا، لأن الإيمانيات الستة التي دعا إليها الإسلام في بداية الأمر بقيت إيمانيات إلى يومنا هذا، وهي الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٣) وقال الرسول
стр. 251
صلى الله عليه وسلم: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" اهـ (١)
وستبقى هذه الإيمانيات إلى يوم القيامة ولا يؤمن أحد إلا إذا آمن بهذه الإيمانيات الستة مثل ما آمن بها صحابة رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
وأما العقل فقد خاطب الله من بداية الإسلام ولم ينتظر إلى أن يدخل في مرحلة العقل حسب زعم أمير علي، بل جعل العقل مناطًا للإيمان والعمل، "وهو شرط في معرفة العلوم وفي الأعمال وصلاحها، وبه يكمل الدين والعمل ولكنه لا يستقل بذلك، إذ هو غريزة في النفس وقوة فيها كقوة البصر، إن اتصل به نور الإيمان، والقرآن كان كنور العين إن اتصل به نور الشمس والنار، وإن انفرد لم يبصر الأمور التي يعجز وجوده عن إدراكها وإن أبعد بالكلية كانت الأقوال والأفعال أمورًا حيوانية" اهـ (٣).
ومما يدل على استعمال العقل وجعله مناطًا للإيمان والعقل: أنه تعالى قد مدح من أحسن استقدام العقل واستفاد به فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤).
стр. 252
وقد ذم الله من عطل العقل أو أساء استخدامه فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣).
قال ابن القيم ﵀: "إن الله قد أنزل الكتاب والميزان (العقل) وكلاهما في الإنزال أخوان، في معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح (العقل الصريح) لا يتناقض في نفسه ولا يتناقض الكتاب والميزان (٤).
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٥).
فالإيمان والعقل متلازمان في الإسلام من أول يوم، وسيبقى متلازمين إلى أن يرث الله السماوات والأرض، وليس لأحد الفصل بينهما بأن يجعل كل واحدة في مرحلة.
وهناك نقطة أخرى قد تطرق إليها أمير علي، وهي: أن الدين الإسلامي لما كان في مرحلة القابلية كان متأثرا ثم أصبح مؤثرا عندما دخل مرحلة الفاعلية، وقد رددنا
стр. 253
على فرية تأثر الإسلام من غيره عند ذكر مناهج المستشرقين في الباب الأول ونذكر هنا خلاصته (١).
إن تبادل الآراء قديمًا وحديثًا والتفاعل والتأتر والتأثير بين الناس هي سنة اجتماعية لا يمكن إنكارها، ويثبت ذلك إذا اكتملت الشروط التالية:
ثبوت التشابه الكامل في اللفظ والمعنى بين النظريتين بدون زيادة ونقصان مع ثبوت الاتصال المباشر أو غير المباشر بين الحضارتين، وذلك لمحدودة العرفة البشرية المحصورة في الحس والعقل.
وأما ما وراء الحس والعقل والذي جاء به الوحي الإلهي يؤثر ولا يتأثر باعتباره مصدر إلهي، فالوحي الإلهي مكتمل من قبل منزله ومهيمن على الدين كله، وهو مؤثر غير متأثر قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣).
إن نصوص الكتاب والسنة كافية وافية محيطة بأبواب الأصول والفروع، فالكتاب والسنة هما العمدة في معرفة الدين بما فيه من أصوله وفروعه ودلائله ومسائله.
قال الإمام أحمد ابن حنبل ﵀: "إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة (٤).
стр. 254
وهكذا قد أحكم الله عقيدة الإسلام وعباداته وحصرها في الكتاب والسنة، وما أحدث فيها من أمور فهي بدعة ضالة توصل صاحبها إلى النار، عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة" اهـ (١).
وأما الأمور الدنيوية فقد أصل لها أصولًا يعرف بها الحلال من الحرام والمأمور به من المنهي عنه حتى تركنا رسول الله ﷺ على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يضل عنها إلا هالك.
وأما إذا أخذت القابلية بمعنى قبول ما يستجد من الأمور الدنيوية، فلم يضايق الإسلام على أتباعه، فقد أباح لهم ذلك ما لم يتعارض مع أحكام الكتاب والسنة، ومن ثم قد أصل العلماء قاعدة أصولية مشهورة بقولهم: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد النص في نهيه، والأصل في العبادة الاتباع ليس الابتداع (٢).
وأما قوة الإسلام الفعالة فلم تتأخر إلى أن انتهت مرحلة القابلية أو اكتملت حسب قول أمير علي، بل بدأت قوة الإسلام الفعالة من أول يوم نزل فيه الوحي على رسوله ﷺ فقد تأثرت به أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ (٣)، والقرآن نفسه كان فعالًا مؤثرا، وكان الكفار يخافون من فاعليته، ويُحذّرون من يأتي إلى مكة من سماع القرآن، كما حدث ذلك مع الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ (٤)، وإذا سمع أحدهم فقد وقر ذلك في قلبه كما حدث ذلك لكثير من كفار قريش فأسلموا، ومنهم عمر بن الخطاب ﵁ (٥).
стр. 255
وسيرته ﷺ العطرة كانت فعالة ومؤثرة لما فيها من صفاته الخَلقية والخُلقية، فما رآه أحد إلا قال فيه إن هذا الوجه وجه صادق وكان حلمه ولينه وعفوه وكرمه وصدقه وحكمته وشجاعته من أقوى مؤثرات قد تأثر بها أقوام وآمنوا به، والأمثلة في ذلك كثيرة لا تحصى، فقد تأثر بحلمه ذلك اليهودي الذي أقرضه ليختبر حلمه وآمن به، وتأثر بكرمه ذلك الأعرابي الذي حصل من رسول الله ﷺ مالًا كثيرًا من الغنائم فأعلن بكرمه في قومه فدخلوا في الإسلام جميعًا (١)، وقد تأثر بعفوه وسماحته أهل مكة يوم فتح مكة فدخلوا في دين الله أفواجًا، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٢).
وقد شهد بفاعلية الإسلام في دوره الأول المستشرقون أنفسهم يقول "ولفرد بلنت" (wilfred Blunt): " ربما لم يكن هناك على مدى تاريخ الإنسان الطويل كله حادث أشد حيرة من حادث الإسلام حيث انتشر بسرعة غير عادية، فمن كان يتصور أن شخصًا في وسط عمره بعد أن كان تاجرًا في مكة أو كان رائدًا لقافلة التجارة، وقد أخرج من بلده سنة ٦٢٢ م، واضطر إلى أن يأوي إلى أهل المدينة، أسس دينًا قد انتشر بعد موته خلال مأة سنة في نصف العالم المثقف (المحضر) ففي الغرب إلى قلب فرنسا، وفي الشرق بعد أن تجاوز نهر السند إلى ديار الصين" اهـ (٣).
стр. 256
المطلب الثاني: قوة الله الخلاقة والإنسان.
الشبهة الأولى: ما الطريقة التي تبدأ بها قوة الله الخالقة في الخلق؟
الشبهة الثانية: هل للإنسان نصيب في صميم القدرة الإلهية الخالقة؟
стр. 257
المطلب الثاني: قوة الله الخلّاقة والإنسان
قال ابن تيمية ﵀: "والله لما خلق السماوات والأرض خلق آدم آخر المخلوقات كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة (١) ومن خلق آخر المخلوقات لم يمكنه أن يشهد خلق نفسه ولا ما خلق قبله، كما قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) وله فيما شهده في المخلوقات عبرة فيما لم يشهده (٣).
فعلى الإنسان أن يسلم لما قال خالقه في الكتاب ورسول الخالق في السنة، عن الخلق وغيره مما لم يشهده هو بنفسه. والكتاب والسنة حافلان ببيان قوة الله الخلاقة وكيفية خلقه وأول ما بدأ به خلقه وغيرها من موضوعات الخلق.
ذكر الله تعالى كيفية خلقه وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥).
وبين تفاصيل خلقه وقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي
стр. 258
يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (١).
وذكر أنه خلق كل دابة من ماء فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)
وأما أول ما بدأ الله به خلقه فقد سأل عن هذا الأمر أهل اليمن رسول الله ﷺ ، عن عمران بن حصين أن أهل اليمن سألوا النبي ﷺ عن أول هذا الأمر فقال: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض" اهـ (٣).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء" اهـ (٤).
ففي الحديثين المذكورين جاء ذكر كتابة المقادير فهو أول ما بدأ به خلقه، فقد خلق القلم وقال له اكتب، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "أول ما خلق الله ﵎ القلم، ثم قال له اكتب. قال: وما أكتب قال: فاكتب ما يكون وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة" اهـ (٥).
стр. 259
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه "ما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه" اهـ (١) كما ثبت ذلك في كتاب الله العزيز في آيات كثيرة، قال الله تعالي: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ (٢) وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٣) وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٤) وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٥).
وقد استنكر الله على المشركين في ظنهم أنهم خلقوا من غير خالق والخالق هو الله لا غير فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٦).
ولقد تحدى الله العابدين للأصنام تحديًا أمرنا أن نستمع له، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ (٧).
وقال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٨).
стр. 260
حتى الأعمال التي يعملها الإنسان خالقها الله لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١) وعمل الإنسان من الشيء وقال أيضا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) ففيها صراحة بأن الأعمال مخلوقة لله .
أقوال المتأثرين بالاستشراق:
طرح إقبال سؤالًا: ما الطريقة التي تبدأ بها قوة الله الخالقة في الخلق؟ ثم أجاب وقال: "وأصحاب أسلم مذهب في علم الكلام عند المسلمين وهو أكثر المذاهب انتشارًا حتى الآن أعني بهم الأشاعرة، يذهبون إلى أن الله تعالى يبدأ بخلق الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزء، ويظهر أنهم أقاموا رأيهم هذا على الآية الكريمة ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٣).
ونشوء الكلام في الجزء الذي لا يتجزء، بين المسلمين ونموه، وهو أول دليل على التمرد العقلي على مذهب أرسطو (Aristotle) القائل بعالم ثابت، ويسجّل فصلًا من أهم الفصول في تاريخ الفكر الإسلامي، وأوّل من صور مذهب أهل البصرة في الموضوع أبو هاشم المتوفى سنة ٩٣٣ هـ.
وأما مذهب مدرسة بغداد فقد رسم أبو بكر الباقلاني المتوفى ١٠١٢ هـ، وهو من أكثر علماء الدين دقة وأعظمهم جرأة، ثم نجد بعد ذلك في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي بسطًا للموضوع منسقًا كل التنسيق في كتاب "دلالة الحائرين". وهو كتاب ألفه موسى بن ميمون، وهو من علماء الدين عند اليهود، تلقى العلم في الجامعات الإسلامية في الأندلس، ونقل "مُنك" (Munk) هذا الكتاب إلى اللغة الفرنسية سنة ١٨٦٦ م، ثم نشر حديثًا الأستاذ ماكدونالد الأمريكي (Macdonald) وصفًا ممتعًا لمضمون الكتاب في مجلة "إيزيس" (Isis)، وأعاد الدكتور زويمر (Zwemer).
стр. 261
نشر هذا البحث في مجلة العالم الإسلامي (The Muslim World) في عدد يناير سنة ١٩٢٨ م، على أن الأستاذ ماكدونالد لم يبذل أي جهد للوقوف على العوامل السيكولوجية التي كيفت نمو علم الكلام في الجزء الذي لا يتجزء عند المسلمين، وهو يسلّم بأن الفلسفة اليونانية ليس فيها ما يشبه رأي المسلمين في الجوهر الفرد، ولكنه كدأبه في إنكار أصالة التفكير عند مفكري الإسلام، ولأنه وجد شبهًا ظاهرية بين النظرية الإسلامية وبين آراء إحدى الفرق البوذية، سارع إلى القول بأن نظرية الجوهر الفرد تأثرت في نشأتها بالمؤثرات البوذية التي أثرت في التفكير الإسلامي" اهـ (١).
وقال أيضًا: "فإن الإنسان وقد بلغت ذاتيته كمالها النسبي، له مكانة حقيقية في صميم القدرة الإلهية الخالقة وبهذا تكون حقيقته أعلى بكثير من حقيقة ما يحيط به من الأشياء، وهو وحده دون سائر مخلوقات الله قادر على أن يشعر بنصبه الذي يتجلى في وجود مبدعه الخلاق" اهـ (٢).
وقال أيضًا: "يد العبد المؤمن هي نفسها يد الله، فهي الغالبة الخالقة للعمل وكاشفته ومحققته" اهـ (٣).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة:
نحن نشكر الدكتور محمد إقبال على تزويده إيانا بهذه المعلومات التاريخية عن نمو علم الكلام في موضوع: "الجزء الذي لا يتجزء" عند المسلمين وعلى كشف القناع عن زعم المستشرقين من أن أصالة التفكير في هذه النظرية لم تكن عند مفكري الإسلام بل مأخوذة من البوذية.
ولكن السؤال هنا هل الفكرة بأن قوة الله الخالقة في الخلق بدأت بخلق الجوهر الفرد إسلامية توافقها النصوص أو غير إسلامية؟
стр. 262
ثم قوله: ما الطريقة التي تبدأ بها قوة الله الخالقة في الخلق؟ فالسؤال بهذه الصيغة لا يليق ولا ينبغي مع الله ، لأن قوة الله الخالقة هي صفة من صفات الله الأزلية الأبدية، فلا يقال كيف بدأت أو تبدأ هذه القوة، إذ أن البحث عن بدايتها يشير إلى عدم وجودها قبل بدايتها، وهذا ممتنع على الله لأنه هو الأول والآخر مع كل أسمائه الحسنى وصفاته العليا، بل إنما يقال: كيف بدأ الله الخلق؟ ولنا قدوة في الإمام البخاري ﵀ عند ما أورد في صحيحه كتاب بدء الخلق (١).
وفي العبارة إشارة أيضا إلى أن للإنسان نصيبا في الخلق وقد صرح الدكتور محمد إقبال بهذه الفكرة في غير واحد من الأماكن في تأليفاته المختلفة، وإذا أريد بالخلق تحويل شيء من صفة إلى صفة فنحن متفقون مع الدكتور لأن الله تعالى قد أعطا الإنسان مثل هذه القدرة، فالخشبة مثلًا بعد أن كانت في الشجرة يحولها الإنسان بالنجارة إلى باب.
ولكن قصد الدكتور إقبال هو الخلق الذي يختص به الله من الايجاد وتبديل الأعيان من عين إلى أخرى، فالإنسان عند إقبال ليس فقط حرًا في أن يختار ويسلك بل إن له كذلك القدرة الكاملة على الخلق، ويستدل على ذلك بأن الله تعالى وصف نفسه بأنه ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ مما يعني وجود خالقين آخرين بجانب الله وهو إنسان (٢).
لأن لا يكون هذا اتهاما على إقبال نذكر أقوال بعض الباحثين الذين درسوا إقبالًا وفهموا هذا الفهم نفسه من كلامه، فقد درس عبد الكريم الخطيب فكرة إقبال الخلاقة وكتب كتابا سماه: "الله والإنسان"، فيقول فيه: "إن إقبالًا تهبَّ عليه أحيانا عواصف مزمرة من المعتقدات الكثيرة المتضاربة في بيئته، فما زال جاهدا أن يدفعها بكلتا يديه .... لكن قد لا تمر هذه العواصف دون أن تثير فيه مثارا! !
стр. 263
فهو هنا يدعي أن المادة بطبيعتها قادرة -بما أودع الخالق فيها- أن تفجر طاقاتها المودعة فيها بنفسها، وبتقدير مضبوط محكم اقتضته إرادة الخالق منذ الأول .... وأنه عن هذا التوالد، والتطور تتخلق الجوهر ... من نفس وروح وعقل!
إلى هنا والأمر هين، وللقول مساغ من العقل لا يصادم شيئا من مقررات الشريعة .... ولكنه يحتج إلى الغلو حين يقول: والذات الأولى التي تجعل المولود يتولد، حاضرة في الطبيعة حالّة فيها! يصيغها القرآن بأنها ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ وهذا القول فيه تحريف للكلم عن موضعه، وفيه ريح من القول لمذهب الحلول.
وفي هذا يقول إقبال: "كما أنه ليس ثمة وجود على مستوى روحي أو جسمي بحت، بمعنى أن تكون لهذا الوجود مادية تعجز بجوهرها عن تفجير التركيب الخالق الذي نسميه الحياة والعقل، وتفتقر إلى: "ألوهية" خارقة للعادة تلحقها بالمحسوس والمعقول، .. إن هذا الوجود المادي البحت غير موجود ......
وهل يساغ أن يكون ما يعتقده إقبال وهو المسلم التقي أن تكون للمادة عامة بكل شيء؟ لا نظن .... ولكنها عثرة دعا إليها الحرص على مائدة الآراء العلمية بآيات القرآن وأحاديث الرسول" اهـ (١).
قد حاول الكاتب أن يوجد مساغا لإقبال ولكن بدون جدوى، لأن الفلسفة الغربية المتأثرة بالاستشراق، والصوفية الغالية في الشاعر الفيلسوف قد عملتا فعلتهما، وإن نجا من منزلق وقع في آخر، هذا ما علمته البيئة التي نشأ فيها الشاعر والمعامل الأوربية التي درس فيها.
فيقول إقبال عن نفسه: "كنت أميل بالطبع والنشأة إلى الصوفية التي كان عليها آبائي، وازداد هذا التوجه وقوي عندما درست في أوربا لأن الفلسفة الأوربية بجملتها توجه المرء إلى وحدة الوجود" اهـ (٢).
стр. 264
فرفع الإنسان فوق منزله، وجعله خالقا ولو لأعماله، لا شك هذا تأثر من تأثرات المنهج الوافد الغربي الاستشراقي.
بعد هذا التحليل العلمي يمكن تعيين الشبهة في النقطتين:
أولًا: ما الطريقة التي تبدأ بها قوة الله الخالقة في الخلق؟
ثانيًا: هل للإنسان نصيب في صميم القدرة الإلهية الخالقة؟
تفنيد الشبهات:
الشبهة الأولى: ما الطريقة التي تبدأ بها قوة الله الخالقة في الخلق ؟
وللإجابة عن هذا السؤال كان واجبًا على الدكتور محمد إقبال الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، لأن الكتاب والسنة هما العمدة في معرفة ذات الله ومعرفة صفته الخلاقة، وهما مشتملان على أصول الدين دلائله ومسائله كما أثبتنا ذلك في المنهج العقدي السني عند ذكر القاعدة الثالثة (١)، فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على بداية الخلق وكيفية بدايته كثيرة جدًّا، فذكرنا بعضًا منها في بداية هذا المطلب، وفيه كفاية، وقد اتضح من خلال تلك النصوص أن الله إذا أراد أن يخلق شيئا فيقول له كن فيكون، وقد بدأ الخلق بالقلم وكتب به المقادير وكان عرشه على الماء، وذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم خلق السماوات والأرض، وأنه خلق كل حي بماء وخلق أول الإنسان من طين ثم جعل نسله من ماء مهين.
فالنصوص واضحة جلية في الموضوعات المذكورة، فإذا كان السؤال عن بداية الخلق فالجواب: أول ما خلق الله القلم، وإذا كان السؤال عن مادة الخلق فالجواب:
стр. 265
الله خلق كل دابة من ماء، وإذا كان السؤال عن كيفية الخلق فالجواب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وبقية النصوص تدل على تفاصيل الخلق.
إن الله له الخلق وله الأمر يخلق ما يشاء وكيف يشاء ومهما يشاء سواء خلق الجوهر أم خلق العرض، بل هو مبدع الجوهر والأعراض من عدم، يقول ابن تيمية ﵀: "وهذا الذي من أبلغ الإبداع أنه يخلق من الشيء ما لا يكون مجانسًا له، ولا يكون الأصل مشتملًا على ما في الفرع من الصفات، فهذه الأمور المخلوقة التي لم تكن موجودة في أصلها ولا كامنة فيه هي مبدعة بعد العدم، لا منقولة من وصف إلى وصف ولو كان منقولة فنفس الصفات القائمة بها مبدعة بعد العدم فقد شهدنا إبداع الجواهر والأعراض بعد عدمها (١).
وهذا إذا سلمنا أن نظرية الجوهر والعرض لها حقيقة مقبولة عند السلف وأئمتهم ولكنهم قد ذموا كلام المتكلمين في الجواهر والأعراض وبناءهم علم الدين على ما ذكروه من هذه المقدمات.
قال الإمام أبو المظفر السمعاني (٢) "والأصل الذي يؤسسه المتكلمون، والأصل الذي يجعلونه قاعدة علومهم: مسألة العرض والجوهر وإثباتهما، وأنهم قالوا إن الأشياء لا تخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تكون جسمًا أو عرضًا أو جوهرًا فالجسم ما اجتمع من الافتراق، والجوهر ما احتمل الأعراض، والعرض ما لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بغيره وجعلوا الروح من الأعراض وردوا أخبار النبي ﷺ التي لا توافق نظريتهم على حدسهم وظنونهم، وما يؤدي إليه نظرهم وفكرهم ثم يعرضون عليه الأحاديث فما وافقه عليه فقبلوه وما خالفه ردوه، وأما أهل السنة سلمهم الله تعالى
стр. 266
فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب ووردت به السنة ويحتجون له بالحجج الواضحة على حسب ما أذن فيه الشرع وورد به السمع" اهـ (١).
الشبهة الثانية: هل للإنسان نصيب في صميم القدرة الإلهية الخالقة ؟
وللرد على هذه الفكرة المنحرفة نقول: إن في الكتاب والسنة أدلة كثيرة تدل على أنه "ما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه" اهـ (٢) وقد ذكرنا بعضًا منها عند ما تكلمنا عن الجانب التأصيلي في الموضوع. قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ (٣).
وقلنا: حتى الأعمال التي يعملها الإنسان خالقها الله لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٤) ففيها صراحة بأن الأعمال مخلوقة لله .
"وهناك دليل نظري على أن أفعال العباد مخلوقة لله، فتقريره أن نقول: إن فعل العبد ناشئ عن أمرين: عزيمة صادقة، وقدرة تامة.
مثال ذلك: أردت أن أعمل عملا من الأعمال فلا يوجد هذا العمل حتى يكون مسبوقا بأمرين هما:
أحدهما: العزيمة الصادقة على فعله، لأنك لو لم تعزم ما فعلته.
والثاني: القدرة التامة لأنك لو لم تقدر ما فعلته، فالذي خلق فيك هذه القدرة هو الله ، وهو الذي أودع فيك العزيمة، وخالق السبب التام خالق للمسبب.
стр. 267
ووجه آخر نظري: أن نقول: الفعل وصف الفاعل والوصف تابع للموصوف، فكما أن الإنسان بذاته مخلوق لله فأفعاله مخلوقة لأن الصفة تابعة للموصوف" اهـ (١).
وأما قول إقبال: إن الله ذكر أن هناك خالقين غير الله في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢).
فالجواب: " أن الخلق الذي ننسبه إلى الله هو الإيجاد وتبديل الأعيان من عين لأخرى، فلا أحد يوجد إلّا الله ولا أحد يبدل عينا إلى عين إلّا الله ، وما قيل إنه خلق بالنسبة للمخلوق، فهو عبارة عن تحويل شيء من صفة إلى صفة ... ولكنه ليس الخلق الذي يختص به الخالق، وهو الإيجاد من العدم، أو تبديل العين من عين إلى أخرى" اهـ (٣).
قال الإمام ابن جرير الطبري في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: "اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: معناه فتبارك الله أحسن الصانعين ....... يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين ....... وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لأن عيسى كان يخلق، فأخبر جل ثناؤه عن نفسه أنه يخلق أحسن مما كان يخلق ..... وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد (وهو القول الأول) لأن العرب تسمي كل صانع خالقا، ومنه قول زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ض القوم يخلق ثم لا يفري" اهـ (٤).
وقال القرطبي: "وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى، وقال ابن جريج: إنما قال ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لأنه تعالى قد أذن
стр. 268
لعيسى ﵇ أن يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع ولإيجاد من العدم" اهـ (١).
стр. 269
المطلب الثالث: وجود الذات الإلهية ووجود العالم:
الشبهة: هل الذات الإلهية والعالم وجودان مستقلان أو وجود واحد؟
стр. 270
المطلب الثالث: وجود الذات الإلهية ووجود العالم
إن الثابت عند أهل السنة والجماعة هو أن الله له وجود مستقل استقلالًا تامًا يليق بجلاله مستوٍ على عرشه بائن عن خلق، وللخلق وجود منفصل عن خالقها لا هو جزء منه ولا هو متحد به، كما جاء في بيان المحجة: "إن الله على عرشه بائن عن خلقه" اهـ (١) وقيل لابن المبارك كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السموات السبع على العرش بائن عن خلقه" اهـ (٢).
يقول الشيخ ابن العثيمين ﵀: "إن الإنسان مفطور على أن الخالق بائن من المخلوق ليس أحد إذا قال: يا الله! إلا وقد يعتقد أن الله تعالى بائن من خلقه، لا يعتقد أنه حالٌّ في خلقه، فدعوى أنه مختلط بالخلق مخالف للشرع، ومخالف للعقل ومخالف للفطرة" اهـ (٣).
والعالم له وجود مستقل بائن من الوجود الإلهي ولا اتحاد بين الوجودين ولا تشابه بينهما، لأنه لا يمكن القياس بين وجود العالم ووجود عرش الرب وهو من خلقه فكيف بوجود الباري تعالى، قال ابن عباس ﵁ "ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" اهـ (٤).
فالموجود إما الخالق وإما المخلوق ولكل منهما وجود مستقل، يقول ابن تيمية ﵀: "من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما
стр. 271
هو محدث ممكن، يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود فلا يلزم من اتفاقهما في مسمى "الوجود" أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه (١).
أقوال المتأثرين بالاستشراق:
قال إقبال: "ولكي يؤكد القرآن وحدانية الذات الأولى، فإنه يطلق عليها اسم علم هو "الله" ثم يعرفه فيقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢).
على أنه من العسير أن نفهم على وجه الدقة معنى الفرد، فالفردية على حد قول "برجسون" في كتابه "التطور المبدع" (Creative Evolution) تتفاوت في مراتبها، وهي لا تتحق تحققًا تامًا حتى في حالة وحدة الإنسان التي تبدو لنا منعزلة عن غيرها.
يقول برجسون: "وعلى وجه خاص يمكن أن يقال في الفردية إنه بينما نجد الميل إلى تحقيق الفردية مائلًا في كل شيء في الوجود، ونجد الميل إلى التوالد لجسم حي أن يعيش مفترقًا عنه، ولكن هذا يجعل التوالد أمرًا مستحيلًا، فأي معنى للتوالد سوى بناء جسم عضوي جديد بواسطة جزء انفصل عن جسم عضوي قديم" اهـ (٣).
ثم أضاف إقبال قائلا: "فالفردية إذن تحمل في طياتها خصيمها نفسه، وعلى ضوء هذه العبارة يتضح أن الفرد الكامل المتمايز عما سواه بوصف كونه ذاتًا فريدة ولا نظير لها، لا يمكن أن نتصوره متضمنًا لعدوه، بل يجب أن نتصوره بريئًا من الميل
стр. 272
إلى التوالد المضاد له، وهذه الخاصية من خصائص الذات الكاملة هي عنصر من أهم العناصر اللازمة في مفهوم الذات الإلهية كما صورها القرآن" اهـ (١).
ثم أثار إقبال سؤالا بقوله: "هل العالم يواجه الذات الإلهية بوصف كونه غيرًا" لها وبينهما فراغ مكاني يتوسط بين الذات وبين هذا الغير؟ " (٢).
ثم أجاب فقال: "والجواب عن هذا هو أنه بالنسبة للذات الإلهية لا يوجد خلق بمعنى حادث معين له "قبل" وله "بعد"، فالعالم لا يمكن أن يعد حقيقة مستقلة الوجود مقابلة للذات الإلهية، ولو أننا نظرنا إلى الأمر كذلك لأصبحت الذات الإلهية والكون ذاتين منفصلتين تقابل إحداهما الأخرى في ظرف فارغ من حيّز غير متناه وقد رأينا فيما سبق أن المكان والزمان والمادة تفسيرات يضمها الفكر لقدر الذات الإلهية الخالقة الحرة، وهي ليست حقائق مستقلة لها وجود في ذاتها، وإنما أحوال للعقل في تصوره لوجود الله.
وقد أثير مرة البحث في موضوع الخلق بين مريدي بايزيد البسطامي الصوفي المشهور، فأدلى أحدهم، في صراحة، بالرأي الذي تقبله الفطرة السليمة: "كان الله ولا شيء معه" فأجاب الولي: جوابًا قاطعًا أيضًا فقال: "الآن كما كان" أي لا وجود إلا الله، فعالم المادة إذن ليس شيئًا يشارك الله في الأزل، ويحدث الله ما يشاء، وهو كأنه على مسافة منه بل هو في طبيعته الحقيقة فعل واحد متصل يجزئه الفكر إلى كثرة من أشياء منفصل بعضها عن بعض ولقد ألقى الأستاذ "ايدنجتون" (Eddington) ضوءًا جديدًا على هذه النقطة الهامة وإني أبيح لنفسي أن أقتبس العبارة الآتية من كتابه "المكان والزمان والجاذبية" (Space Time and Gravitation) (٣) .
стр. 273
بعد أن نقل إقبال عبارة ادنجتون ذكر النتيجة التي وصل إليها العالم المذكور فقال: "أفنكون مسرفين إذن إذا قلنا: إن العقل في سعيه وراء"الدوام" قد خلق عالم الطبيعات؟ (١).
ثم قال إقبال: "فالعالم بكافة جزئياته من الحركة الإلهية فيما نسميه ذرة من المادة حركة الفكر الإنساني الطليق من كل قيد، كل أولئك ما هو إلا تجلّي الإلهية العظمى أو العلي الأعلى، وكل ذرة من ذرات القوة الإلهية، هي روح أو ذات مهما ضؤلت في ميزان الوجود، على أن هناك درجات في تجلي الروحية أو الذاتية وتجلي هذه الروحية يرتقي في سُلّم الوجود درجة درجة إلى أن يبلغ كماله في الإنسان، وهذا السر في تصريح القرآن أن الله أو الذات القصوى أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، ونحن كاللؤلؤ نحيى ونتحرك ونكتسب الوجود من فيض الوجود الإلهي الدائم (٢).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة:
بدأ إقبال في العبارات السابقة يشرح وحدانية الله ، وكان مما ينبغي له أن يرجع إلى تفسير القرآن الكريم في شرح آياته، ولكن سمي الوحدانية بالفردية، وهو اصطلاح فلسفي، وبحث عن معناها، عند الفيلسوف برجسون (Bergson).
فلا غبار على هذا البحث لبيان شهادة الغير على معنى الفردية التي قد بينها القرآن، ولكنه لم يكتف بهذا القدر من الأخذ عن الفلاسفة والمستشرقين بل أثار تساؤلات حول فردية الذات الإلهية ومن بين هذه التساؤلات قوله:
"هل العالم يواجه الذات الإلهية بوصف كونهه "غيرًا" لها وبينهما فراغ مكاني يتوسط بين الذات وبين هذا الغير؟ " اهـ (٣).
стр. 274
ثم أجاب مقارنا بين فردية الذات الإلهية وبين العالم الحادث فوصل إلى نتيجة أن العالم لا يمكن أن يعد حقيقة مستقلة الوجود مقابلة للذات الإلهية، ومن ثم شق الطريق إلى الاتحاد ووحدة الوجود، واستدل على ذلك بأقوال الصوفية حتى اتفق فكره مع فكر "ادنجتون" حيث يرى أن الخالق والمخلوق في الحقيقة شيء واحد وإن كان الفكر يجزئه في ظاهره وهو نفسه يخلق عالم الطبيعات.
فاتباعًا للفلاسفة الاتحادية من المستشرقين وغيرهم قد ادعى إقبال في العبارة السابقة الحلول والاتحاد، كما صرح ذلك في مكان آخر فقال: أيها الغافل ابحث عن الإلهية وهي متلاشية فيك وهذا هو الطريق الوحيد الذي تصلح به أعمالك (١).
إذن العالم في نظر إقبال لا يمكن أن يعد حقيقة مستقلة الوجود مقابلة للذات الإلهية، إنما هو وجود واحد يجزئه العقل أو الفكر الإنساني. فهذه هي شبهة قد تعلقت بذهن إقبال ومعظم كتاباته عن الذات الإلهية تدور حول هذه الشبهة.
تفنيد الشبهة:
وللرد على هذه الفرية نقول: إن الدكتور محمد إقبال في دعواه الاتحادية قد وقع في تناقضات عجيبة منها: قد يقول: "نحن كاللؤلؤ نحيى ... في الوجود لإلهي، وقد يقول: "الإلهية متلاشية فيك أيها الإنسان" اهـ.
فنسأل إقبالًا فأي الوجود أصل وأي الوجود فرع؟ وإذا كان الأصل الوجود الإنساني، فكيف يتلاشى الوجود الأصلي في الوجود الفرعي؟ هذا تناقض عجيب.
وإذا قال إنهما في الحقيقة وجود واحد وإنما يبدو للإنسان كأنهما وجودان منفصلان، فهو صادق في إظهار قصده هذا، لأنه قد صرح بذلك في مقام آخر فقال: "يد العبد المؤمن هي نفسها يد الله، فهي الغالبة الخالقة للعمل وكاشفته ومحققه (٢).
ولكن هو نفسه قد اعترف في العبارات السابقة أكثر من مرة بأن لله وجودا
стр. 275
وللإنسان وجودا يستمد بعضها من بعض ويتلاشى بعضهما في بعض، وهذا تناقض آخر.
والحقيقة كما ذكرنا سابقا أن الله له وجود مستقل استقلالًا تامًا يليق بجلاله مستوٍ على عرشه بائن عن خلقه، وللخلق وجود منفصل عن خالقها لا هو جزء منه ولا هو متحد به، كما جاء في بيان المحجة: "إن الله على عرشه بائن عن خلقه" اهـ (١) وقيل لابن المبارك كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السموات السبع على العرش بائن عن خلقه" اهـ (٢).
ما دام إقبال قد اعترف بوجودين وجود للخالق وآخر للخلق، فلماذا ينكر نقطة أخرى قد أجمع عليها أهل السنة والجماعة بأن هذين الوجودين منفصلان لا يتشابهان ولا يتحدان أبدًا؟ (٣).
стр. 276
المبحث الثاني: أسماء الله وصفاته .
وفيه تمهيد ومطلبان:
المطلب الأول: حقيقة العرش والاستواء.
المطلب الثاني: مباينة الخالق عن الخلق.
стр. 277
تمهيد
تقدم أن بينا أن التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. وقد تكلمنا عن النوعين الأولين منه، وهما توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وهنا سنتكلم عن توحيد الأسماء والصفات.
إن لله الأسماء الحسنى وله الصفات العلى، "وأسماء الله الحسنى هي التي أثبتها تعالى لنفسه وأثبتها له عبده ورسوله محمد ﷺ ، وآمن بها المؤمنون، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣) " (٤).
"لما كثر منكروه وروجوا الشبه حوله، أفرد بالبحث وجعل قسما مستقلا وألفت فيه المؤلفات الكثيرة، فألف الإمام أحمد رده المشهور على الجهمية، وألف ابنه عبد الله كتاب "السنة"، وألف عبد العزيز الكناني كتاب "الحيدة" في الرد على بشر المريسي، وألف أبو عبد الله المروزي كتاب "السنة"، وألف عثمان بن سعيد كتاب "الرد على بشر المريسي"، وألف إمام الأئمة محمد بن خزيمة "كتاب التوحيد"، وألف غير هؤلاء كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، هؤلاء ممن جاء بعدهم وسار على نهجهم، فلله الحمد والمنة على بيان الحق ودحض الباطل" اهـ (٥).
"وصفاته العلى (هي) التي وصف بها نفسه تعالى ووصفه بها نبيه ﷺ من صفات الكمال ونعوت الجلال، من صفات الذات وصفات الأفعال، مما تضمنته أسماؤه بالاشتقاق كالعلم والقدرة والسمع والبصر والحكمة والرحمة والعزة
стр. 278
والعلو وغيرها، ومما أخبر به عن نفسه وأخبر به (في الأصل بها) عنه رسوله ﷺ ، ولم يشتق منه اسم (في الأصل اسما) كحبه المؤمنين والمتقين والمحسنين ورضاه (في الأصل رضائه) عن عباده المؤمنين، ورضاه لهم الإسلام دينا، وكراهته انبعاث المنافقين، وسخته على الكافرين وغضبه عليهم، وإثبات وجهه ذي الجلال والإكرام، ويديه المبسوطتين بالإنفاق، وغير ذلك مما هو ثابت في الكتاب والسنة والفطر السليمة" اهـ (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "مذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يثبتون لله ما أثبته (لنفسه) من الصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، ويثبتون له صفات الكمال، وينفون عنه ضروب الأمثال، وينزهونه من النقص والتعطيل وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعطلة" اهـ (٢).
الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات تقتضي أمورا منها:
أولا: أن لا يوصف الله إلّا بما وصف به نفسه أو وصفه رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث (٣):
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالواجب أن ينظر في هذا الباب، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه وما نفاه الله ورسوله نفيناه" اهـ (٤).
стр. 279
ثانيا: القطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه أو تمثيل لصفاته بصفات خلقه.
كما قال ابن حماد ﵀: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس فيما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله تشبيه" اهـ (١).
ثالثا: قطع الطمَع عن إدراك كيفية صفات الله سبحانه وكل من حاول إدراك ذلك خرج إلى ضرب من التشبيه (٢).
رابعا: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر:
بسبب الغفلة عن هذا الأصل، ضلّ من أثبت بعض الصفات، ونفى البعض الآخر، إذ لا فرق بين ما نفاه وما أثبته، والقول فيهما واحد وكذلك القول في الأسماء (٣).
خامسا: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه:
ومثاله: فإذا كان معلوما أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف (٤).
سادسا: الاعتصام بالألفاظ الشرعية الواردة في هذا الباب نفيا وإثباتا، والتوقف في الألفاظ التي لم يرد نص بذكرها نفيا ولا إثباتا:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " .... والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي ...... وأما الألفاظ التي تنازع فيها من ابتدعها من
стр. 280
المتأخرين، مثل لفظ "الجسم" و "الجوهر" و "المتحيز" و "الجهة" ونحو ذلك ..... ولا يعدل إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها، والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، وأما إن أريد بها معنى باطل نفي ذلك المعنى، وإن جمع بين حق وباطل أثبت الحق وأبطل الباطل" اهـ (١).
ومن صفات الله العلى أن الله تعالى مستو على عرشه العظيم، ومنها هو عال فوق كل شيء، وهو بائن عن خلقه. ولما أنه قد تخبط بعض المتأثرين بالاستشراق في إثبات هاتين الصفتين لله أعني بهما صفتي الاستواء والعلو، بل أنكر بعضهم حقيقة عرش الله العظيم، خصصنا هذا المبحث لمطلبين: المطلب الأول: حقيقة العرش والاستواء. والمطلب الثاني: مباينة الخالق عن الخلق.
стр. 281
المطلب الأول: حقيقة العرش والاستواء.
الشبهة الأولى: إنكار حقيقة العرش العظيم.
الشبهة الثانية: إنكار حقيقة استواء الرب على عرشه العظيم.
стр. 282
المطلب الأول: حقيقة العرش والاستواء:
أولا: حقيقة العرش:
أصل العرش في اللغة: سرير الملك، وعرش البيت سقفه، (١) والعرش في الأصل شيء مسقّفٌ وجمعه عروش، (٢) والعرش الذي يختص به رب العرش العظيم سيكون سريرًا عظيمًا فخمًا لا نظير له، إذ هو أعظم المخلوقات على الإطلاق، فقد جاء وصفه وصفًا لا مجال بعده للشك في الكتاب والسنة وأجمعت الأمة على إثباته.
أما الكتاب فقد جاء فيه ذكر العرش في إحدى وعشرين موضعًا، وفي سبعة منها جاء ذكر العرش مع ذكر استواء الرب عليه، وبقية الآيات فيها مدح الرب بأنه ذو العرش العظيم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤) وقال أيضًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٥) وقال أيضًا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
стр. 283
اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣) وقال أيضًا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤).
فالآيات السابقة ذكرها تبين أن الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، له الخلق والأمر، وأما الآيات التي مدح الله فيها نفسه بأنه ذو العرش العظيم فهي كما يلي:
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٥) وقال أيضًا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٧) وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٨) وقال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (٩) وقال أيضًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
وأما الأحاديث فقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة تصف العرش وصفًا لا يبقى بعده شك في ثبوت العرش العظيم على حقيقته ونذكر بعضا منها مصنفة على الموضوعات التالية:
١ - العرش أعظم المخلوقات وأكبرها على الإطلاق:
قال رسول الله ﷺ : "ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" اهـ (١).
٢ - العرش له قوائم وجوانب:
عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ قال: لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانبي العرش، فلا أدري أكان موسى فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثني الله" اهـ (٢) وفي رواية أبي سعيد الخدري ﵁: "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش (٣).
٣ - العرش سقف لجنات الفردوس:
قال ﷺ : "إذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" اهـ (٤).
٤ - للعرش ظل يستظل به المتحابون في الله:
قال الرسول ﷺ : "المتحابون في الله في ظل العرش" اهـ (٥).