← Акыда

Акыда · id 118

أثر الاستشراق على المنهج العقدي بالهند

سعيد أحمد بن صغير هندي

Полный текст (713 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المطلب الأول: حقيقة العرش والاستواء. الشبهة الأولى: إنكار حقيقة العرش العظيم. الشبهة الثانية: إنكار حقيقة استواء الرب على عرشه العظيم.

стр. 282

المطلب الأول: حقيقة العرش والاستواء: أولا: حقيقة العرش: أصل العرش في اللغة: سرير الملك، وعرش البيت سقفه، (١) والعرش في الأصل شيء مسقّفٌ وجمعه عروش، (٢) والعرش الذي يختص به رب العرش العظيم سيكون سريرًا عظيمًا فخمًا لا نظير له، إذ هو أعظم المخلوقات على الإطلاق، فقد جاء وصفه وصفًا لا مجال بعده للشك في الكتاب والسنة وأجمعت الأمة على إثباته. أما الكتاب فقد جاء فيه ذكر العرش في إحدى وعشرين موضعًا، وفي سبعة منها جاء ذكر العرش مع ذكر استواء الرب عليه، وبقية الآيات فيها مدح الرب بأنه ذو العرش العظيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤) وقال أيضًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٥) وقال أيضًا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ

стр. 283

اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣) وقال أيضًا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤). فالآيات السابقة ذكرها تبين أن الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، له الخلق والأمر، وأما الآيات التي مدح الله فيها نفسه بأنه ذو العرش العظيم فهي كما يلي: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٥) وقال أيضًا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٧) وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٨) وقال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (٩) وقال أيضًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ

стр. 284

الْعَظِيمِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ (٩).

стр. 285

وأما الأحاديث فقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة تصف العرش وصفًا لا يبقى بعده شك في ثبوت العرش العظيم على حقيقته ونذكر بعضا منها مصنفة على الموضوعات التالية: ١ - العرش أعظم المخلوقات وأكبرها على الإطلاق: قال رسول الله ﷺ : "ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" اهـ (١). ٢ - العرش له قوائم وجوانب: عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ قال: لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانبي العرش، فلا أدري أكان موسى فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثني الله" اهـ (٢) وفي رواية أبي سعيد الخدري ﵁: "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش (٣). ٣ - العرش سقف لجنات الفردوس: قال ﷺ : "إذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" اهـ (٤). ٤ - للعرش ظل يستظل به المتحابون في الله: قال الرسول ﷺ : "المتحابون في الله في ظل العرش" اهـ (٥).

стр. 286

٥ - العرش معلَّقة به قناديل فيها أرواح الشهداء: قال الرسول ﷺ : "أرواحهم (أرواح الشهداء) في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسير من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل" اهـ (١). ٦ - العرش له فوق وتحت: قال الرسول ﷺ : "إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي" اهـ (٢). وفي حديث طويل عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ..... فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي ، ثم يفتح الله علي محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي" اهـ (٣). ٧ - العرش من أثقل المخلوقات وزنًا: عن جويرية ﵂ قالت: قال لها النبي ﷺ : "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" اهـ (٤). ٨ - العرش يهتز ويسكن: قال الرسول ﷺ : "اهتز عرش الرحمن لموت سعد ابن معاذ (رضى الله عنه) " اهـ (٥). ٩ - العرش يحمله الملائكة وهم من أعظم المخلوقات:

стр. 287

قال رسول الله ﷺ : "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مائة عام" اهـ (١). ولم تعرف فرقة من فرق الإسلام أو المنتسبة إليه أنكرت حقيقة العرش حتى المتكلمون اعترفوا بوجوده، وإن خالفوا في وصفه، قال القاضي أبو العز الحنفي: "ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه "الفلك الأطلس"، و "الفلك التاسع" وهذا ليس بصحيح، لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة ..... والعرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وليس هو فلكا، ولا تفهم منه العرب ذلك والقرآن إنما أنزل بلغة العرب" اهـ (٢). ثانيا: حقيقة الاستواء: الاستواء لغة قد ورد عن السلف في تفسيره أربعة معانٍ: الأول: علا، والثاني: ارتفع، والثالت: صعد، والرابع: استقر. علا وارتفع وصعد معناها واحد، وأما استقرّ فهو يختلف عنها ودليلهم في ذلك أنها في جميع مواردها في اللغة العربية لم تأت إلا لهذا المعنى إذا كانت متعدية بـ (على) (٣). قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (٤)، وقد أخبر : عن استوائه على عرشه في سبع مواقع من القرآن كلها بلفظ استوى وهي: آية الأعراف: ٥٤، آية يونس: ٣، آية الرعد: ٢، آية طه: ٥، آية الفرقان: ٥٩، آية السجدة: ٤، وآية الحديد: ٤ كما سبق ذكرها.

стр. 288

وورد في الأحاديث الصحيحة ما يدل دلالة واضحة على أن الله تعالى أراد بالاستواء حقيقة معناه الذي هو العلو والارتفاع، (١) وقد أجمع الصحابة على هذا المعنى من غير خلاف يذكر (٢)، وتبعهم أهل السنة والجماعة وآمنوا بأن الله تعالى مستوٍ على عرشه فوف السموات السبع بائن عن خلقه، ووصفوه بما وصف به نفسه من غير تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه، وأنكروا تأويل الصفات وإخراجها عن حقيقة معناها. فصار هذا منهجهم كما أشار إليه إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس ﵀ عندما سئل عن كيفية الاستواء، أطرف رأسه فقال: "الرحمن على العرش استوى كما يصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت صاحب البدعة أخرجوه" اهـ (٣) وفي رواية عنه "الكيف غير معقول والاستواء منه مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" اهـ (٤). وما من كتاب من كتب السلف التي ألفت في بيان عقيدة السلف إلا قد تناول هذه المسألة إثباتًا للاستواء وردًا على المنكرين والمؤولين، ونذكر هنا على سبيل المثال: الإمام هبة الله بن الحسن اللالكائي (٤١٨ هـ) قد جمع النصوص الواردة في هذا الأمر وذكر بأن الإثبات هو طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الدين (٥).

стр. 289

وذكر الإمام إسماعيل بن محمد الأصبهاني (٥٣٥ هـ) بابًا في بيان استواء الله على العرش والباب مشتمل على فصول منها: فصل في بيان أن العرش فوق السموات وأن الله فوق العرش (١). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨) صفة العلو، وصفة الاستواء في عديد من كتبه وأثبتها بالأدلة النقلية والعقلية (٢). وأثبت القاضي أبو العز الحنفي العرش والكرسي واستواء الرب على عرشه العظيم، بعد أن جمع النصوص الواردة في ذلك ذكر أقوال السلف في إثبات العرش والاستواء. ومن هذه الأقوال ما روي عن مطيع البلخي أنه سأل أبا حنيفة ﵀ عمن قال: لا أعرف الله في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر، لأن الله يقول ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سماواته، قلت فإن قال: إنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر (٣). وأما ابن القيم ﵀ فقد ذكر تأويلهم الاستواء بالاستيلاء وأبطله من اثنين وأربعين وجهًا (٤).

стр. 290

وقد تناول المسألة الشيخ حافظ ابن أحمد حكمي بكل شرح وبسط، بعد أن ذكر إثبات الاستواء والعلو بوجوه في ضوء الأدلة السمعية والعقلية أورد أقوال السلف بدأً من أقوال الصحابة في ذلك إلى أن انتهى إلى أقوال الطبقة الثامنة بعد الصحابة (١)، وأفرد بعض السلف في المسألة كتبًا (٢). أما المعطلة من الأشاعرة والجهمية فسروا الاستواء بالاستعلاء واستدلوا لتأويلهم هذا بدليل موجب وبدليل سالب (٣). أما الدليل الموجب فقالوا إننا نستدل بقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق قالوا هذا البيت من رجل عربي، لا يمكن أن يكون المراد به استوى على العراق يعنى على العراق، إنما المراد به استولى على العراق. وأما الدليل السلبي: فقالوا لو أثبتنا أن الله مستوٍ على عرشه بمعنى العلو والاستقرار لزمت ثلاثة لوازم مستحيلة: لزم من ذلك أن يكون محتاجًا إلى العرش، وهذا مستحيل، استحالة اللازم تدل على استحالة الملزوم. لزم من ذلك أن يكون جسمًا: لأن استواء شيء على شيء بمعني علوه عليه أنه جسم. لزم أن يكون محدودًا، لأن المستوي على الشيء يكون محدودًا. هذه الأشياء الثلاثة التي زعموا أنها تلزم من إثبات الاستواء بمعنى العلو والارتفاع (٤). كلها باطلة وسنذكر بطلان ذلك عند المناقشة والرد.

стр. 291

أقوال المتأثرين بالاستشراق في حقيقة العرش والاستواء قال سيد أحمد خان: "الآن أعرض قضية بكل أدب في خدمة أولئك المشايخ الذين يرون المراد بالعرش في آيات الاستواء الملك والسلطة، فلماذا لا يرون هذا المعنى نفسه عند ذكر "رب العرش" أو "رب العرش العظيم" أو "ذو العرش" أو "رب العرش الكريم" أو "ذو العرش المجيد"؟ لأنه إذا أريد به العرش العريض الموجود في الخارج الذي لم يستو عليه الرب ولن يستوي عليه أبدًا، بل لا يمكن أن يستوي عليه، فما فائدة مثل هذا العرش؟ إذن المراد بالعرش في كل مكان "الملك والسلطة" ولا غير" اهـ (١). وقال أيضًا: "وأنا أتعجب من أولئك العلماء الذين يرون استواء الرب على العرش من الممتنعات، ثم يثبتون العرش على حقيقة مع كل مستلزمات الجلوس عليه" اهـ (٢). تحليل العبارة وتعيين الشبهة: قد ذكر أحمد خان عقيدة عامة المعطلة والجهمية والأشاعرة في العرش، واستغرب من إنكارهم تارة وإثباتهم أخرى، ومما لا شك فيه أن هذا أكبر الحجج على بطلان عقيدتهم، وبعد هذا الاستغراب ليته تمسك بعقيدة السلف وهي إثبات العرش والاستواء في كل موضع ذكر فيه العرش من الكتاب والسنة، ولكن منهجه المادي المتأثر بالاستشراق الغربي جعله منكرًا لكل ما وراء هذا الكون من الغيبيات، فأنكر العرش العظيم، وأورد جميع الآيات القرآنية التي فيها ذكر العرش، ثم أولها إلى أن المراد بالعرش فيها الملك والسلطة (٣).

стр. 292

وأكبر دليل قدمه السيد لزعمه بأن العرش معناه السلطة والملك: أن الرازي وغيره من أئمة أهل الكلام أخذوا هذا المعنى في آيات الاستواء فعليهم أن يأخذوا هذا المعنى نفسه عند كل موضع ذكر فيه العرش، إذ أن حقيقة العرش بدون الاستواء لا فائدة فيها، فالعرش والاستواء ليسا على حقيقتهما. ثم قال: قد يتعارض دعوانا مع أربع آيات في القرآن الكريم، وقد يقال فيها إنها تتضمن للعرش وصفًا يجبرنا القول بأنه مثل سرير الملك موجود في الخارج، والآيات الأربع هي: في سورة الزمر آية: ٧٥، وفي سورة الحاقة آية: ١٧، وفي سورة غافر آية: ٧، وفي سورة هود آية: ٧. فآية الزمر قد ذكرت فيها عظمة الله وجلاله على سبيل التصوير التمثيلي، وقد ذهب إلى هذا المعنى بعض المفسرين كصاحب الكشاف (١)، قال تعالى ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢) فمن المعروف بداهة ليس لله قبضة ولا يمين إنما هو تصوير تمثيلي أو استعارة أو مجاز. وأما آية الحاقة فقد جاء فيها ذكر يوم القيامة وما يحدث فيها من أهوال فقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (٣)

стр. 293

فالذي يسمع هذه الأهوال يتساءل إذا هلك كل شيء فعلى أي شيء يكون ملك الله وسلطته يوم القيامة؟ أو ينتهي كل الملك؟ فأزيلت هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (١). لفظة "حمل" استخدمت استعارة كما وردت في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ (٢)، ولفظة "ثمانية" ذكرت كفصاحة الكلام ففيها غاية البلاغة، ولا يراد بها عدد مخصوص حيث حذفت مضاف إليه. وإلى غير ذلك من التأويلات. وأما آية المؤمن (غافر) فهي تتطلب منا نظرة عميقة قال الله تعالى في بدايته: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ (٣) فمن المراد بـ "الذين"؟ قال المفسرون: إن فيها إشارة إلى حملة العرش وهم الملائكة ..... فلا يستقيم به المعنى، لأن المقصود من هذه الآيات واضح جدًا، بعد أن جاء ذكر الكفار الذين يجادلون في آيات الله جاء ذكر المؤمنين الذين يحملون العرش أي يتحملون مسئولية ملك ربك وسلطته. وأما آية هود فورد فيها ذكر خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم قال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٤) وهذا لا يحتاج إلى بحث طويل إنما المقصود منه بيان اعتقاد اليهود حيث كانوا يعتقدون أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، كذلك كانوا يعتقدون بأن عرشه كان على الماء" اهـ (٥). إنكار السيد للعرش واضح في العبارات السابقة، وتضمن إنكاره للعرش إنكاره لحقيقة الاستواء، بل قد صرح إنكاره لحقيقة الاستواء معترفًا وموافقًا لما ذهب إليه

стр. 294

المعطلة عامة في باب الاستواء بقوله: "لم يستو عليه (العرش) الرب، ولن يستوي أبدًا بل لا يمكن أن يستوي عليه" اهـ (١). إذن الشبهة في العبارات السابقة واضحة وهي تنقسم إلى نقطتين: أولا: إنكار حقيقة العرش العظيم. ثانيا: إنكار حقيقة استواء رب العرش العظيم على عرشه. تفنيد الشبهة: الشبهة الأولى: إنكار حقيقة العرش العظيم: ويكون الرد على هذه الدعوى من وجوه: أولا: بإنكاره حقيقة العرش اضطر إلى إنكار جملة من الصفات الثابتة لله : قبضة الله ويمينه واستواؤه وخلقه السموات والأرض في ستة أيام، كما اضطر إلى إنكار جملة من الغيبيات: ملائكته ونفخة الصور ومقاليد السموات وكون العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض، بل أنكر الغيبيات كلها (٢)، وهذا الضلال المبين يكفيه ردا وتفينيدا لشبهته. ثانيا: في إنكاره لحقيقة العرش حمل الكلام على المجاز رغم كونه يحتمل على الحقيقة، واعتمد في ذلك على منهج الزمخشري في تفسيره "الكشاف" فقد رد عليه غير واحد من المفسرين، فقال الرازي تعليقًا على قول الزمخشري، : "ولا نرى بابًا في علم البيان أدقّ ولا ألطف من هذا الباب فيقال له (للزمخشري) هل تسلم أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة وأنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته ممتنع، فحينئذ يجب حمله على المجاز، فإن هذا الأصل فحينئذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يقول المقصود من الآية

стр. 295

الفلانية كذا وكذا، وأنا أحمل الآية على ذلك المقصود ولا ألتفت إلى الظواهر، مثاله: من تمسك بالآيات الواردة من ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار، فالمقصود بيان سعادة المطيعين، وشقاوة المذنبين، وأنا أحمل هذه الآيات على هذا المقصود، ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر الأحوال الجسمانية" اهـ (١). وهذا الذي حصل من السيد فقد أنكر حقيقة الجنة وحقيقة النار. ثالثا: أوَّل السيد العرش إلى المُلكِ والسلطة وأوَّل الحمل إلى الحمل المعنوي وأوَّل الملائكة إلى المؤمنين من الإنس فكأنه يريد أن يقول: إن الملك والسلطة لا يكون بيد الله يوم القيامة إنما يتحمله الإنسان وهو من أخص الأوقات، فأين هذا من قول الرسول ﷺ : "يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه تم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض" اهـ؟ (٢). رابعا: قال السيد: "ما فائدة هذا العرش الذي لم يستو عليه الرب .... ؟ وقد أثار هذه الشبهة اعتمادا على قول الأشاعرة المعطلة لحقيقة الاستواء وهذا يخالف ما كان عليه السلف وأئمتهم من أهل السنة والجماعة. فنحن نؤمن كما آمن أئمة السلف بأن العرش ثابت على حقيقته والرب مستو عليه كما يليق بجلاله، ثم نسأل السيد ما فائدة لفظة "العرش" التي ذكرت في القرآن إحدى وعشرين مرة، وفي السنة أكثر من وخمسين مرة إذا لم تدل على معناها الحقيقي؟ ، وإذا كان المقصود به الملك والسلطة لماذا عدل من هذا اللفظ الصريح الظاهر إلى لفظ "العرش" الغامض؟ أليس هذا اتهام على كلام الله بأنه غير فصيح.

стр. 296

الشبهة الثانية: إنكار حقيقة استواء الرب على عرشه العظيم: للرد على هذا الزعم يقال للسيد: ما قيل لعامة المعطلة من الجهمية والأشاعرة في مسألة الاستواء. أولًا: قول المعطلة والمؤولة هذا مخالف لظاهر النصوص الواردة في ذلك. ثانيًا: قولهم هذا مخالف لإجماع الصحابة، وإجماع السلف قاطبة إذ لم ينقل عنهم أنهم قالوا به، وخالفوا الظاهر، ولو كانوا يرون خلاف ظاهره لنقل إلينا فما منهم أحد قال: إن "استوى" بمعنى استولى أبدًا، ظل الأمر كذلك حتى جاء الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة وبعض متأخري الأشاعرة كالغزالي (١)، والبغدادي (٢)، والرازي (٣)، والآمدي (٤) فأوّلوا الصفات، وأخرجوها عن ظاهرها إلى معان لا تحتملها اللغة ولا يصيغها الشرع (٥). ثالثًا: أنه مخالف لظاهر اللفظ، لأن مادة الاستواء، إذا تعدت بـ "على"، فهو بمعنى العلو والاستقرار، لا غير كما أثبتنا ذلك من قبل، وأما البيت الذي استدلوا به، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيه: ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا إنه بيت مصنوع، لا يعرف في اللغة، وقد علم لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته فكيف بيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعنوا فيه أئمة اللغة (٦). رابعًا: أنه يلزم على تفسير هم الاستواء بالاستعلاء لوازم باطلة منها:

стр. 297

١ - أن يكون العرش قبل خلق السموات والأرض مُلكا لغير الله. ٢ - أن الغالب من كلمة "استولى" أنها لا تكون إلا بعد مغالبة ولا أحد يغالب على الله. ٣ - أنه يصح أن تقول -على زعمهم- إن الله استوى على الأرض والشجر والجبال والإنسان والبعير لأنه "استولى" على هذه الأشياء، فإذا صح أن ننطق كلمة "استولى" على شيء صح أن ننطق "استوى" على ذلك الشيء لأنهما مترادفان على زعمكم، وهذه لوازم باطلة وممتنعة على الله ، وبطلان اللوازم يدل على بطلان الملزوم (١). خامسًا: أما اللوازم التي ذكرها المعطلة فمنشؤها التشبيه والتمثيل، فشبهوا استواء الله باستواء الإنسان على الدابة وظنوا أن استواءه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام، وألزموا على ذات الله ما يلزم للإنسان. سادسا: أما قولهم: يلزم أن يكون محتاجًا إلى العرش فنرد على هذا الزعم بقول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "إن الله خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عالية مفتقرًا إلى سافلة، فالهواء فوق الأرض، وليس مفتقرًا إلى أن تحمله، والسماوات فوق الأرض وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجًا إلى خلقه أو عرشه! وكيف يستلزم علوه على خلقه أو عرشه! وكيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات، وقد علم أن ما ثبت لمخلوق من الغني عن غيره فالخالق سبحانه أحق به وأولى" اهـ (٢). سابعا: أما قولهم: إنه يلزم من تفسير الاستواء بالعلو أن يكون له جسم، فجوابه: كل شيء يلزم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو حق

стр. 298

ويجب علينا أن نلتزم به، ولكن الشأن كل الشأن أن يكون هذا من لازم كلام الله ورسوله، قد يمتنع أن يكون لازمًا فإذا ثبت أنه لازم فليكن، ولا حرج علينا إذا قلنا به. ثم نقول: ماذا تعنون بالجسم الممتنع؟ إن أردتم به أنه ليس لله ذات يتصف بالصفات اللازمة لها اللائقة بها، فقولهم باطل لأن لله ذاتًا حقيقية متصفة بالصفات، وأن له وجهًا ويدًا وعينًا وقدمًا .... وإن أردتم بالجسم الذي قلتم يمتنع أن يكون الله جسمًا: الجسم المركب من العظام واللحم والدم وما أشبه ذلك، فهذا ممتنع على الله وليس بلازم من القول بأن استواء الله على العرش علوه عليه. ثامنا: أما قولهم: إنه يلزم أن يكون محدودًا، فجوابه أن نقول بالتفصيل: ماذا تعنون بالحد؟ إن أردتم أن يكون محدودًا أن يكون مباينًا للخلق منفصلًا عنهم كما تكون أرض لزيد وأرض لعمرو، فهذه محدودة منفصلة عن هذه، وهذه منفصلة عن هذه فهذا حق ليس فيه شيء من النقص. وإن أردتم بكونه محدودًا: أن العرش محيط به فهذا باطل وليس بلازم، فإن الله تعالى مستو على العرش وإن كان أكبر من العرش ومن غير العرش" اهـ (١). واستواء الرب على العرش استواء خاص لا يماثله استواء شيء من مخلوقاته والعرش لا يُقله أبدًا وهذه الشمس والنجوم من مخلوقاته وهي فوق الأرض، ولكن الأرض ليست محيطة بها بل هي أكبر من الأرض أضعافًا مضاعفة، فالخالق العلي العظيم وسع كرسيه السموات والأرض، والأرض جميعًا قبضته يوم القيمة والسموات مطويات بيمنه فكيف يحيطه العرش الذي هو أحد من مخلوقاته، صدق الله حين قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢).

стр. 299

المطلب الثاني: مباينة الخالق عن الخلق. الشبهة الأولى: الحلول والاتحاد بين الخالق والمخلوق. الشبهة الثانية: إثبات المكان للرب في الكون دون العرش.

стр. 300

المطلب الثاني: مباينة الخالق عن الخلق وقد بينا فيما سبق أن الله فوق سبع سماوات مستو على عرشه العظيم، وفي هذا المطلب سنبين أن الله مباين عن خلقه ليس مختلطا بهم ولا متحدا معهم، كما هو اعتقاد أهل السنة وأئمتهم قاطبة، بل هو اعتقاد جميع الأنبياء والرسل، والفطر مفطورة على ذلك، ودلت عليه نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وهنا نشير إلى بعض منها: أولًا: أسماؤه الحسنى الدالة على ثبوت جميع معاني العلو له ﵎ كالأعلى والعلي والظاهر والقاهر وغيرها، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٢) وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٣) وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٤). ثانيًا: التصريح باستوائه على عرشه كما سبق ذكرها (٥). ثالثًا: التصريح بالفوقية لله تعالى: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٧) وقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ ﵁ لما حكم في بني قريظة: "لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة" اهـ (٨) وكانت أم المؤمنين زينب بنت جحش -رضي

стр. 301

الله عنها تفتخر على بقية أزواج النبي ﷺ وتقول: "زوّجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات" اهـ (١). رابعًا: التصريح بأنه تعالى في السماء: قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧﴾ فستعلمون كيف نذير﴾ (٢). وقال النبي ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءًا" اهـ (٣). ومن ذلك قول الجارية لما قال لها النبي ﷺ : "أين الله؟ " قالت: في السماء قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله ﷺ قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" اهـ (٤). ومن ذلك قول النبي ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة (٥) من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله" اهـ (٦). وقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها (٧).

стр. 302

خامسًا: التصريح بالرفع والصعود والعروج وهو أنواع: منها رفعه عيسى ﵇. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). ومنها صعود الأعمال إليه: قال الله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢) وقال الرسول ﷺ : "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يصعد إلى الله إلا الطيب- فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه ثم يربّيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" اهـ (٣). ومنها صعود الأرواح إلى الله : قال النبي ﷺ في الحديث الطويل في قبض أرواح المؤمنين، قال: "فيصعدون بها (بالأرواح) .... " حتى قال: "حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة، فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى" اهـ (٤). ومنها عروج الملائكة والروح إليه قال الله ﵎: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٥) وقال الرسول ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين يأتوا فيكم فيسألهم -وهو أعلم بهم- كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" اهـ (٦).

стр. 303

ومنها معراج النبي ﷺ : فصعد إلى ربه حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، وإلى حيث شاء الله ، فقال النبي ﷺ : " .... فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا .... ثم صعد حتى أتى السماء الثانية ..... ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح .... ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح .... ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح ... ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح .... ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح .... ثم رفعت إلي سدرة المنتهى ... " اهـ (١). سادسًا: التصريح بتنزيل الملائكة والروح من الله ونزول الأمر منه وتنزيل الكتاب منه : قال الله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٢) وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (٤) وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٥) وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٦). سابعًا: إشارة النبي ﷺ إلى العلو في خطبته في حجة الوداع بإصبعه وبرأسه، فقال النبي صلى لله عليه وسلم: "قد تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس،

стр. 304

اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات (١) هذا عند أبي داود وعند البخاري ثم رفع رأسه فقال اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت ... " اهـ (٢). ثامنًا: تكذيب فرعون لموسى في أن رب السموات والأرض فوق جميع خلقه مباينًا لهم لا تخفى عليه خافية فقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ (٣). وبالجملة "فجميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام وجميع كتبه المنزلة وجميع أهل السموات ومؤمني أهل الأرض من الجن والإنس أتباع رسل الله وجميع الفطر السليمة والقلوب المستقيمة التي لم تحتلّها الشياطين عن دينها جميعها شاهدة حالًا ومقالًا أن خالقها وفاطرها ومعبودها الذي تألهه وتفرع إليه وتدعوه رغبًا ورهبًا هو فوق كل شيء عالٍ على جميع خلقه استوى على عرشه بائنًا من مخلوقاته وهو يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم وجميع تقلباتهم وأحوالهم ولا يخفى عليه منهم خافية" اهـ (٤). مع وجود هذه الآيات البينات قد ضلت عامة الحلولية والاتحادية في هذا الباب، فقد أشار إلى مذاهبهم ابن القيم ﵀ فقال: "إنه (الله لو لم يكن مباينًا للعالم، لزم أحد أمور ثلاثة، قد قال بكل منها قائل: أحدها: أن يكون هو هذا العالم كما قال أهل وحدة الوجود، والذي قادهم إلى هذا القول هو نفي المباينة كأن قلوبهم وفطرهم طلبت معبودًا، فلما اعتقدوا أنه غير مباين للعالم، وتيقنوا أنه موجود قائم بنفسه، قالوا: فهو هذا العالم بعينه.

стр. 305

الثاني: قول من يقول، بل هو حالّ في العالم وهو قول الحلولية. الثالث: قول من يقول: لا هو العالم ولا هو حالّ فيه ولا بائن عنه، ولا متصل به ولا منفصل عنه وهو قول الجهمية" اهـ (١). وهناك نصوص من الكتاب والسنة تثبت لله صفة المعية والقرب، فقد ضلت عامة الحلولية والمعطلة في الاستدلال بتلك النصوص، فحولوها إلى الاتحاد والحلول، وعطلوا بمقابلها صفة العلو والاستواء، وأما أهل السنة والجماعة فقد اهتدوا إلى التفسير الصحيح للمعية والقرب، فأثبتوا لله وصف المعية والقرب كما يليق بجلاله، وأثبتوا له العلو والمباينة كما يليق بجلاله لأنهم نظروا إلى جميع النصوص، إذ أن من أصول المنهج السني الرجوع إلى جميع النصوص الواردة في مسألة ما وعدم الاقتصار على بعضها دون البعض الآخر، ومن خالف هذه القاعدة فقد ضل. والمعية في (معناها الصحيح) تنقسم إلى أقسام: عامة وخاصة وخاصة الخاصة ولكل قسم من هذه الأقسام مقتضى: فالعامة: تشتمل كل أحد من مؤمن وكافر وبر وفاجر ومثالها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) ومقتضاها العلم والسمع والبصر والقدرة والسلطان وغير ذلك. والخاصة: تشتمل كل وصف بصفة معينة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٣) ومقتضاها النصر والتائيد. وخاصة الخاصة: تشتمل من ذُكر بالتعيين، مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٤) وقوله تعالى عن رسوله محمد ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٥) ومقتضى هذه المعية النصر والتأييد (٦).

стр. 306

ولا تناقض العلو والمعية كما أثبت ذلك ابن تيمية ﵀ من وجوه ثلاثه: الوجه الأول: أن الله جمع بينهما فيما وصف به نفسه (١) ولو كانا يتناقضان ما صح أن يصف الله بهما نفسه. الوجه الثاني: أن نقول ليس بين العلو والمعية تعارض أصلًا إذ من الممكن أن يكون الشيء عاليًا وهو معك، فالقمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، (٢) فإذا أمكن اجتماع العلو والمعية في المخلوق فاجتماعهما في الخالق من باب أولى. الثالث: لو فرض تعارضهما بالنسبة للمخلوق، لم يلزم ذلك بالنسبة للخالق لأن الله ليس كمثله شيء (٣). أقوال المتأثرين بالاستشراق قال إقبال: "ولما أقدم العالم الإسلامي إلى المشاهدات والواردات الدينية في ضوء الحديث النبوي ﷺ : "تخلقوا بأخلاق الله" اهـ، (٤) قد وصل إلى مراتب التقرب والاتصال، وقد علمنا من دراسة التاريخ أن هذا الاتصال والاتحاد قد عبر عنه بقولهم: "أنا الحق" أو "أنا الدهر" أو "أنا القرآن الناطق" (٥) أو "سبحاني ما

стр. 307

أعظم شأني" (١) فهذه كانت مراتب عليا من التصوف الإسلامي، وما كان قصدهم من هذا الاتحاد والتقرب أن ذات المتناهي انجذب إلى ذات غير المتناهي وتلاشت فيه وإنما كان قصدهم أن غير المتناهي (الله) نفسه قد جاء في حجر حب المتناهي (العبد") اهـ (٢). وقال أيضًا: "واعلم أن القرب والاتصال والافتراق كلمات لا تطلق على الذات الإلهية، كما تطلق على الأجسام المادية، فالحياة الإلهية لها علاقة بجميع الكائنات مثل علاقة الروح بالبدن كله، فإن الروح في البدن لا في خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه مع ذلك للروح علاقة بكل جزء من أجزاء الجسم، فلا يمكن أن نتصور له مكانًا إلا حسب ما يليق لمثل هذا الجسم اللطيف، وعلى هذا القياس يتعين علينا أن نثبت للحياة الإلهية مكانًا يليق بجلاله، ويعرف هذا المكان بتعريف يليق بجلاله المطلق" اهـ (٣). وقال في كلامه الشعري: "أيها الغافل ابحث عن الألوهية في ذاتك فإنها مختفية فيها، وهذا هو الطريق الصحيح لك" اهـ (٤). تحليل العبارة وتعيين الشبهة: كان الدكتور إقبال ممن جمع التيارين الفلسفي والصوفي (٥) فاتبع منهج التأويل البعيد وبحث عن أعذار شرعية لدعاوى الكفر والحلول عند الصوفية، فالصوفية وقفوا عند حدّ، وقالوا إن ذات المتناهية (الإنسان) قد تلاشت في غير المتناهي (الرب) عند الحلول، ولكن إقبال قد تجاوز هذا الحد، فسلك المسلك الغربي الاستشراقي الذي

стр. 308

يمجد الإنسان فوق منزلته، فرفع الإنسان إلى حد أن غير المتناهي نفسه قد جاء في حجر المتناهي، ثم تناسي مكان الرب الحقيقي الذي هو العرش العظيم، وأثبت له مكانًا لطيفًا في الكون لا في خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه وله علاقة بكل جزء من أجزاء الكون كعلاقة الروح بالجسد غير متباين عن خلقه، ومما لا شك فيه إن هذه دعوى سافرة من إقبال بالحلول والاتحاد والفناء (١). "و .... الفناء الموجود في كلام المشايخ والصوفية على ثلاثة أقسام: قسم كامل للسابقين، وقسم ناقص لأصحاب اليمين، قسم ثالث للظالمين الفاسقين والكافرين. فالأول: الفناء عن عبادة ما سوى الله، والاستعانة به بحيث لا يعبد إلّا الله، ولا يستعين إلا بالله، وهذا هو دين الإسلام (٢). والثاني: الفناء عن شهود ما سوى الله، بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده، وهذا لمن لم يقدر على الجمع بين شهود الحقائق وعبادة الخالق، بل ما شهده عنده، ومعبوده واحد، فمشهوده واحد، وهذا يعتري كثيرًا ..... والثالث: وهو فناء الكافرين، وهو جعل وجود الأشياء هو عين وجود الخالق أو هو وجود نفسه عين وجوده .... فإن هذا كفر وصاحبه كافر بعد قيام الحجة

стр. 309

عليه، وإن كان جاهلًا أو متأولًا لم تقم عليه الحجة كالذي قال إذا أنا مت فأحرقوني ثم زروني في اليم (١) فهذأ أمره إلى الله" اهـ (٢). ولعل فناء إقبال يدخل في النوع الثالث حيث يجعل وجود الأشياء عين وجود الحق فيقول: "العالم بكافة جزئياته من الحركة الإلهية فيما نسميه ذرة من المادة إلّا حركة الفكر الإنساني الطليق من كل قيد، كل أولئك ما هي إلا تجلي الإلوهية العظمى أو العلي الأعلى" اهـ (٣). بل المتأمل في دراسة إلهيات إقبال يجده مضطربًا بين الأمور الثلاثة السابقة، وهذا تخبط قد حصل لكل من نزّل الإله عن عرشه العظيم فقصُر باعه من أن يتصور الله مباينًا لخلقه مستويًا على عرشه المجيد، ولم يستطع أن يقدره حق قدره ويحدد له مكانه العالي عندما تناسى مكانه الحقيقي. ومن البواعث التي حملت الدكتور إقبال على القول بهذه الآراء المنحرفة اعتماده على أقوال المستشرقين في تفسير شطحات الاتحاديين المتصوفة ثم تأثره بنتائجهم، وتدل على ذلك العبارة التالية لإقبال فيقول: "وقد بلغ تطور هذه الرياضية ذروته في تاريخ الإسلام في عبارة الحلاج (٤) المشهورة "أنا الحق" وفسّروا الذين عاصروا الحلاج والذين جاءوا من بعده عبارته هذه على أنها تتضمن الشرك، ولكن مجموعة نصوص الحلاج التي جمعها ونشرها المستشرق الفرنسي ماسينيون (M. Massignon) لا تدع مجالًا للشك في أن الولي الشهير لم يكن يقصد من عبارته أن ينكر على الله صفة التنزيه، والتفسير الصحيح لتجربته إذن، ليس هو أن الفطرة تنزلق في البحر، ولكنه إدراك لحقيقة النفس الإنسانية

стр. 310

وتأكيد جريء لدوامها في شخصية أعمق بعبارة قوية باقية على الدهر، وتبدو عبارة الحلاج كأنها كانت تحديًا للمتكلمين" اهـ (١). والعبارة لا تحتاج إلى مزيد من التعليق ففيها دلالة واضحة على أن إقبالًا ترك حكم علماء الإسلام على قول الحلاج بأنه شرك، وتمسك تفسير المستشرق بأنه ليس بشرك إنما هو تمجيد للإنسان. ومن البواعث التي حملته على هذا الانحراف استناده إلى بعض الاستدلالات الخاطئة التي ذهب إليها العراقي (٢) في إثبات المكان اللطيف في هذا الكون، فعلى سبيل المثال نذكر بعض الآيات القرآنية التي استدل بها العراقي وما يشابهها من النصوص التي قد يستدل بها عامة الحلولية الاتحادية. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤).

стр. 311

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢). وقال رسول الله ﷺ : "إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" اهـ (٣). هذه وغيرها من النصوص الواردة في صفة المعية والقرب (٤) قد ضلت عامة الحلولية في الاستدلال بها، وقالوا: وإذا كان الله معنا، فنحن لا نفهم من المعية إلا المخالطة والحلول أو المصاحبة في المكان (٥). وعلى ذلك تتعين الشبهة فيما يلي:

стр. 312

١ - الحلول والاتحاد بين الخالق والمخلوق. ٢ - إثبات المكان اللطيف للرب في الكون دون العرش. تفنيد الشبهات: الشبهة الأولى: الحلول والاتحاد بين الخالق والمخلوق . وللرد على تخبطات إقبال السابقة ومن على شاكلته نقول: أولا: إن وصف الله بالاختلاط والمشاركة في المكان من أبطل الباطل، وأشد النقص لله ، والله ذكر المعية والقرب ..... عن نفسه ممتدحًا أنه مع علوه على عرشه، فهو مع الخلق وإن كانوا أسفل منه، فإذا جعلوا الله في الأرض، فهذا النقص. إذا جعلوا الله نفسه مع الإنسان في كل مكان والإنسان يدخل الكنف، هذا أعظم النقص، ولا نستطيع أن نقوله ولا لملك من ملوك الدنيا: إنك أنت في الكنف! لكن كيف نقوله لله ؟ وهل هذا إلا أعظم النقص والعياذ بالله! (١). ثانيا: أنه قد ثبت في الحديت الصحيح عن النبي ﷺ قال: "ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" اهـ (٢). فإذا كان هذا التفاوت الكبير بين مخلوقاته فالتفاوت الذي بين الخالق والمخلوقات ضرورة يكون فوق التصور ولذلك قال ابن عباس ﵁: "ما السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" اهـ (٣).

стр. 313

فإذا كان حلول الإنسان في الخردلة من الممتنعات والمحالات فبأولى وأجل بطلانًا حلول الخالق في المخلوق ولله المثل الأعلى. ثالثًا: "أنه يلزم على قول المخالطة هذا أحد أمرين لا ثالث لهما وكلاهما ممتنع: إما أن يكون الله متجزئا كل جزء منه في مكان، وإما أن يكون متعددًا، يعني كل إله في جهة ضرورة تعدد الأمكنة" اهـ (١). رابعا: "أن يقال (للاتحادية والحلولية): كل موجودين فإما أن يكون أحدهما قائمًا بنفسه أو قائمًا بالآخر، فإن كان قائمًا بالآخر امتنع قيام الآخر به ضرورة، وإن كان قائمًا بنفسه فحقيقته خارجة عن حقيقة الآخر ضرورة والإلزام اتحادهما، وإذا كانت حقيقة خارجة عن حقيقة الآخر كان مباينًا له بالضرورة، هذا برهان ضروري لا يقدح فيه إلا ما يقدح في سائر الضروريات" اهـ (٢). خامسا: "أن يقال للمعطلة (والاتحادية والحلولية): تنزيهكم له سبحانه عن كونه مباينًا لخلقه تنزيه له عن غناه ووجوده، تنزيهكم له عن استوائه على عرشه تنزيه له عن كماله، والمثبت لو شبهه بخلقه بافترائكم وكذبكم عليه تعالى الله عن ذلك لكان قد أثبت موجودًا قائمًا بنفسه مباينًا لخلقه، له الكمال المطلق مع نوع تشبيه، وهذا خير من تنزهكم، وأقرب إلى العقول والفطر فكيف (يكون فيه نوع من التشبيه) وهو مع ذلك يثبت أنه لا يماثل خلقه ولا يشابههم" اهـ (٣). ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤).

стр. 314

سادسا: أن يقال (لهم): هل للرب تعالى ماهية متميزة على سائر الماهيات يختص بها لذاته أم تقولون لا ماهية له، فإن قلتم: بالثاني كان هذا إنكارًا له سبحانه وجحودًا وجعله وجودًا مطلقًا لا ماهية له، وإن قلتم: بل له ذات مخصوصة وماهية متميزة عن سائر الماهيات قيل لكم: ماهيته وذاته سبحانه غير متناهية بل ذاهبة في الأبعاد إلى غير نهاية أم متناهية، فإن قلتم: بالأول لزم منه محالات غير واحدة (١)، وإن قلتم: بالثاني بطل قولكم، ولزم إثبات المباينة والجهة وهذا لا محيد عنه (٢). سابعًا: أنه ليست كل معية تقتضي المخالطة والمصاحبة بل المعية لها ثلاث إطلاقات: الأول: معية تقتضي المخالطة مثل أن يقال اسقوني لبنًا مع ماء أي مخلوطًا بماء. الثاني: معية تقتضي المصاحبة في المكان مثل أن يقال وجدت فلانًا مع فلانٍ أي يمشيان جميعًا وينزلان جميعًا. الثالث: وهناك معية لا تقتضي الاختلاط ولا المشاركة في المكان، مثل أن يقال فلان مع جنوده، وإن كان هو في غرفة القيادة إنما يوجههم ولا يشاركهم في المكان (٣). ثامنا: إن التفسير الصحيح الوارد عن السلف في فهم وشرح النصوص الدالة على القرب والمعية (٤) نفسه أكبر دليل على بطلان استدلال الحلولية والاتحادية. فالتفسير الصحيح كما يلي:

стр. 315

قول الله تعالى في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ...... ﴾ (١). قال ابن جرير الطبري ﵀: "وعني بقوله: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ بمعنى أنه شاهدهم بعلمه وهو على عرشه. كما حدثني عبد الله ابن أبي زياد قال حدثني نضر بن ميمون المضروب، قال: ثنا بكير بن معروف عن مقاتل ابن حبان عن الضحاك في قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ إلى قوله ﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ قال: هو فوق العرش وعلمه معهم" اهـ (٢). وقال ابن كثير ﵀: "حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم" اهـ (٣). وأما آية سورة يونس (٤) فجاء فيها ذكر العلم والشهادة فلا استدلال فيها ولا تمسك فيها لمن ذهب إلى الاختلاط والحلول. وفي سورة "ق" قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٥). يقول الطبري في معناه: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما تحدث به نفسه، فلا يخفى علينا سرائره وضمائر قلبه ..... " اهـ (٦).

стр. 316

وقد اختلف أهل العربية في معنى قوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١) فقال بعضهم معناه: نحن أملك به وأقرب إليه في المقدرة عليه، وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ بالعلم بما توسوس به نفسه" اهـ (٢). وقال القرطبي ﵀: "أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب المسافة، وقيل أي ونحن أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليه، وقيل: أي ونحن أعلم بما توسوس نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه، لأنه عرق يخالط القلب فعلم الرب أقرب إليه من علم القلب، روي معناه عن مقاتل: الوريد عرق يخالط القلب، وهذا القرب قرب العلم والقدرة، وأبعاض الإنسان يحجب البعض البعض ولا يحجب علم الله شيء" اهـ (٣). وأما في قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (٤) فبعد أن ذكر استواءه على العرش بدأ بذكر العلم واختتم بذكر البصر، إذًا معنى القرب فيها قرب العلم والبصر، يقول ابن جرير الطبري ﵀ في قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: "وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم وهو على عرشه فوق سماواته السبع" اهـ (٥). وأما الحديث القدسي فقال في شرحه ابن حجر ﵀: "قد استشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره الخ؟ والجواب من أوجه: أحدها أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى كنت سمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.

стр. 317

ثانيها: أن المعنى كليته مشغولة بي فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به. ثالثها: المعنى أجعل له مقاصده كأنه يناله بسمعه وبصره الخ. رابعها: كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه. خامسها: قال الفاكهاني وسبقه إلى معناه ابن هبيرة هو فيما يظهر لي أنه على حذف مضاف، والتقدير كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلا ما يحل استماعه، وحافظ بصره كذلك الخ. سادسها: قال الفاكهاني: يحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله، وهو أن يكون معنى سمعه مسموعة، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول مثل فلان أملى مأمولى، المعنى أنه لا يسمع إلا ذكري ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي ورجله كذلك. والاتحادية زعموا أنه على حقيقة وأن الحق عين العبد .... (ولكن) على الأوجه (السابقة) كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة لقوله في بقية الحديث .. ولئن سألني، ولئن استعاذني فإنه كالتصريح في الرد عليهم" اهـ (١). قد يحتج بعض أهل التعطيل على أهل السنة، ويقول أنتم تمنعون التأويل وأنتم تؤولون في المعية. فنقول: إن المعية حق على حقيقتها، وأن كونه معنا حق على حقيقة وكلام السلف ليس تأويلًا للمعية إنما تفسير لمقتضى المعية، فمن فسرها من السلف بالمقتضى، فلحاجة دعت إلى ذلك وهو الرد على أهل الحلول والجهمية الذين ينكرون العلو كما تقدم، والقرآن يفسر بالمطابقة وبالمفهوم وبالاستلزام والمقتضى وغير ذلك من

стр. 318

الدلالات وهؤلاء العلماء الذين روي عنهم التفسير بالمقتضى لا ينكرون المعية، بل هي عندهم كالشمس (١)، كما سبق ذلك في بداية هذا المطلب. هذه وغيرها من عبارالت السلف في وصف المعية والقرب تلمح إلى أنهم أرادوا بها كناية عن العلم والسمع والبصر والقدرة، وقد صرح بذلك ابن حجر ﵀ وقال: اتفق العلماء ممن يعتد بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته ... (٢). وأما الحديث الذي ذكره إقبال حجة لأقوال الصوفية في الحلول والاتحاد فهو حديث موضوع كما حققه الشيخ الألباني ﵀ فقال: "لا نعرف له أصلًا في شيء من كتب السنة" اهـ (٣) وهكذا تكون حجج الاعتقادات الباطلة، فإذا سقط الدليل فقد سقط المدلول. الشبهة الثانية: إثبات المكان للرب في الكون دون العرش: ولقد أثبتنا المباينة ردّا على الاتحاد والحلول، وأثبتنا الاستواء ردا على المؤولة والمعطلة، فالمباينة عن الخلق والاستواء على العرش أكبر وأجل رد على الزعم السابق، وبالإضافة إلى ما سبق نخص بالرد هنا على زعم إقبال بإثبات علو الرب على خلقه وذلك من وجوه: أولا: إن اضطراب الدكتور إقبال في أقواله عن مقام الله نفسه يدل على بطلان اعتقاده، قد يقول: "إن الإلهية مختفية في ذاتك أيها الغافل" اهـ (٤) وقد

стр. 319

يقول: "نحن نحيى ونعيش في ذات الإله" اهـ (١) وقد يقول: "الحياة الإلهية مكان لطيف في هذا الكون" اهـ (٢). فنسأل إقبالًا أين الله؟ فهل هو في الإنسان؟ أو الإنسان في الإله؟ هل هو في الكون؟ أو الكون في الإله؟ العقول الصحيحة والفطر السليمة كلها ترفض جميع الأقوال ولا ترضى إلا بما رضي به رسول الأمة من أَمةٍ حين سألها "أين الله؟ " فأجابت فطرتُها السلمية من شوائب الفلسفة وعلم الكلام بقولها: "هو في السماء" فحكم بأنها مؤمنة (٣). ثانيا: "أنه ثبت بضرورة العقل أنه مباين للمخلوقات وثبت أن العالم كروي، كما اعترف به النفاة المعطلة، وجعلوه عمدتهم في جحد علوه ، لزم أن يكون الرب تعالى في العلو ضرورة، وذلك لأن العالم إذا كان مستديرًا فله جهتان حقيقتان العلو والسفل فقط، فإذا كان الرب تعالى مباينًا للعالم، امتنع أن يكون في السفل، فوجب قطعًا أن يكون في العلو، فإذا كان العالم كرويًا وقد ثبت في الضرورة أنه إما مداخل له وإما مباين له، وليس بمداخل قطعًا، ثبت أنه باين قطعًا وإذا كان باينًا، فإما أن يكون تحته أو فوقه قطعًا، وليس تحته بالضرورة وجب أن يكون فوقه بالضرورة" اهـ (٤). ثالثا: "أنه لما كانت السماء محيطة بالأرض كانت عالية عليها، ولما كان الكرسي محيطة بالسماوات كان عاليًا عليها، ولما كان العرش محيطًا بالكرسي كان غاليًا عليها، فمن كان محيطًا بحميع ذلك، وهو رب العزة والجلال كان عاليًا عليه ضرورة ولا يستلزم ذلك مماثلته ومشابهته، فالسموات محيطة بالأرض وليست مماثلة

стр. 320

لها، فالتفاوت الذي بين العالم ورب العالم أعظم من التفاوت الذي بين الأرض والسماء، ولله المثل الأعلى، فلإحاطة تقتضي المباينة والمباينة تقتضي أن يكون في العلو وهو أشرف الجهات" اهـ (١). رابعا: أنه ثابت له العلو والفوقية بالكتاب والسنة وإجماع الملائكة والأنبياء المرسلين وأتباعهم (٢) على الحقيقة على عباده فوقهم مستويًا على عرشه عاليًا على خلقه بائنًا منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم لا تخفى عليه منهم خافية، والأدلة في ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى وأجل من تستقصى، وقد سبق أن ذكرنا بعضًا منها. خامسا: "إنه قد ثبت بصريح العقل أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص فإن الله سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص، ولهذا لما تقابل الموت والحياة وصف بالحياة دون الموت، ولهذا لما تقابل العلم والجهل وصف بالعلم دون الجهل وكذلك العجز والقدرة والكلام والخرس والبصر والعمي والسمع والصمم، والغني والفقر، ولما تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو سفوله عنه، وتقابل العلو والسفول وصف بالعلو دون السفول" اهـ (٣). سادسا: "إنه يقال لمن أنكر المباينة والعلو، أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم، فقيل له: حين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه؟ فإنه يصير إلى
следующие страницы →