← Акыда

Акыда · id 118

أثر الاستشراق على المنهج العقدي بالهند

سعيد أحمد بن صغير هندي

Полный текст (713 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقد اختلف أهل العربية في معنى قوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١) فقال بعضهم معناه: نحن أملك به وأقرب إليه في المقدرة عليه، وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ بالعلم بما توسوس به نفسه" اهـ (٢). وقال القرطبي ﵀: "أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب المسافة، وقيل أي ونحن أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليه، وقيل: أي ونحن أعلم بما توسوس نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه، لأنه عرق يخالط القلب فعلم الرب أقرب إليه من علم القلب، روي معناه عن مقاتل: الوريد عرق يخالط القلب، وهذا القرب قرب العلم والقدرة، وأبعاض الإنسان يحجب البعض البعض ولا يحجب علم الله شيء" اهـ (٣). وأما في قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (٤) فبعد أن ذكر استواءه على العرش بدأ بذكر العلم واختتم بذكر البصر، إذًا معنى القرب فيها قرب العلم والبصر، يقول ابن جرير الطبري ﵀ في قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: "وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم وهو على عرشه فوق سماواته السبع" اهـ (٥). وأما الحديث القدسي فقال في شرحه ابن حجر ﵀: "قد استشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره الخ؟ والجواب من أوجه: أحدها أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى كنت سمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.

стр. 317

ثانيها: أن المعنى كليته مشغولة بي فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به. ثالثها: المعنى أجعل له مقاصده كأنه يناله بسمعه وبصره الخ. رابعها: كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه. خامسها: قال الفاكهاني وسبقه إلى معناه ابن هبيرة هو فيما يظهر لي أنه على حذف مضاف، والتقدير كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلا ما يحل استماعه، وحافظ بصره كذلك الخ. سادسها: قال الفاكهاني: يحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله، وهو أن يكون معنى سمعه مسموعة، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول مثل فلان أملى مأمولى، المعنى أنه لا يسمع إلا ذكري ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي ورجله كذلك. والاتحادية زعموا أنه على حقيقة وأن الحق عين العبد .... (ولكن) على الأوجه (السابقة) كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة لقوله في بقية الحديث .. ولئن سألني، ولئن استعاذني فإنه كالتصريح في الرد عليهم" اهـ (١). قد يحتج بعض أهل التعطيل على أهل السنة، ويقول أنتم تمنعون التأويل وأنتم تؤولون في المعية. فنقول: إن المعية حق على حقيقتها، وأن كونه معنا حق على حقيقة وكلام السلف ليس تأويلًا للمعية إنما تفسير لمقتضى المعية، فمن فسرها من السلف بالمقتضى، فلحاجة دعت إلى ذلك وهو الرد على أهل الحلول والجهمية الذين ينكرون العلو كما تقدم، والقرآن يفسر بالمطابقة وبالمفهوم وبالاستلزام والمقتضى وغير ذلك من

стр. 318

الدلالات وهؤلاء العلماء الذين روي عنهم التفسير بالمقتضى لا ينكرون المعية، بل هي عندهم كالشمس (١)، كما سبق ذلك في بداية هذا المطلب. هذه وغيرها من عبارالت السلف في وصف المعية والقرب تلمح إلى أنهم أرادوا بها كناية عن العلم والسمع والبصر والقدرة، وقد صرح بذلك ابن حجر ﵀ وقال: اتفق العلماء ممن يعتد بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته ... (٢). وأما الحديث الذي ذكره إقبال حجة لأقوال الصوفية في الحلول والاتحاد فهو حديث موضوع كما حققه الشيخ الألباني ﵀ فقال: "لا نعرف له أصلًا في شيء من كتب السنة" اهـ (٣) وهكذا تكون حجج الاعتقادات الباطلة، فإذا سقط الدليل فقد سقط المدلول. الشبهة الثانية: إثبات المكان للرب في الكون دون العرش: ولقد أثبتنا المباينة ردّا على الاتحاد والحلول، وأثبتنا الاستواء ردا على المؤولة والمعطلة، فالمباينة عن الخلق والاستواء على العرش أكبر وأجل رد على الزعم السابق، وبالإضافة إلى ما سبق نخص بالرد هنا على زعم إقبال بإثبات علو الرب على خلقه وذلك من وجوه: أولا: إن اضطراب الدكتور إقبال في أقواله عن مقام الله نفسه يدل على بطلان اعتقاده، قد يقول: "إن الإلهية مختفية في ذاتك أيها الغافل" اهـ (٤) وقد

стр. 319

يقول: "نحن نحيى ونعيش في ذات الإله" اهـ (١) وقد يقول: "الحياة الإلهية مكان لطيف في هذا الكون" اهـ (٢). فنسأل إقبالًا أين الله؟ فهل هو في الإنسان؟ أو الإنسان في الإله؟ هل هو في الكون؟ أو الكون في الإله؟ العقول الصحيحة والفطر السليمة كلها ترفض جميع الأقوال ولا ترضى إلا بما رضي به رسول الأمة من أَمةٍ حين سألها "أين الله؟ " فأجابت فطرتُها السلمية من شوائب الفلسفة وعلم الكلام بقولها: "هو في السماء" فحكم بأنها مؤمنة (٣). ثانيا: "أنه ثبت بضرورة العقل أنه مباين للمخلوقات وثبت أن العالم كروي، كما اعترف به النفاة المعطلة، وجعلوه عمدتهم في جحد علوه ، لزم أن يكون الرب تعالى في العلو ضرورة، وذلك لأن العالم إذا كان مستديرًا فله جهتان حقيقتان العلو والسفل فقط، فإذا كان الرب تعالى مباينًا للعالم، امتنع أن يكون في السفل، فوجب قطعًا أن يكون في العلو، فإذا كان العالم كرويًا وقد ثبت في الضرورة أنه إما مداخل له وإما مباين له، وليس بمداخل قطعًا، ثبت أنه باين قطعًا وإذا كان باينًا، فإما أن يكون تحته أو فوقه قطعًا، وليس تحته بالضرورة وجب أن يكون فوقه بالضرورة" اهـ (٤). ثالثا: "أنه لما كانت السماء محيطة بالأرض كانت عالية عليها، ولما كان الكرسي محيطة بالسماوات كان عاليًا عليها، ولما كان العرش محيطًا بالكرسي كان غاليًا عليها، فمن كان محيطًا بحميع ذلك، وهو رب العزة والجلال كان عاليًا عليه ضرورة ولا يستلزم ذلك مماثلته ومشابهته، فالسموات محيطة بالأرض وليست مماثلة

стр. 320

لها، فالتفاوت الذي بين العالم ورب العالم أعظم من التفاوت الذي بين الأرض والسماء، ولله المثل الأعلى، فلإحاطة تقتضي المباينة والمباينة تقتضي أن يكون في العلو وهو أشرف الجهات" اهـ (١). رابعا: أنه ثابت له العلو والفوقية بالكتاب والسنة وإجماع الملائكة والأنبياء المرسلين وأتباعهم (٢) على الحقيقة على عباده فوقهم مستويًا على عرشه عاليًا على خلقه بائنًا منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم لا تخفى عليه منهم خافية، والأدلة في ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى وأجل من تستقصى، وقد سبق أن ذكرنا بعضًا منها. خامسا: "إنه قد ثبت بصريح العقل أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص فإن الله سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص، ولهذا لما تقابل الموت والحياة وصف بالحياة دون الموت، ولهذا لما تقابل العلم والجهل وصف بالعلم دون الجهل وكذلك العجز والقدرة والكلام والخرس والبصر والعمي والسمع والصمم، والغني والفقر، ولما تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو سفوله عنه، وتقابل العلو والسفول وصف بالعلو دون السفول" اهـ (٣). سادسا: "إنه يقال لمن أنكر المباينة والعلو، أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم، فقيل له: حين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه؟ فإنه يصير إلى

стр. 321

ثلاثة أقوال: لا بد له من أحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا، حين زعم أنه دخل في كل مكان وحشي قذر رديء، وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم لم يدخل فيهم (بل استوى على العرش) رجع قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة (هذا ما احتج به الإمام أحمد نفسه على الجهمية) (١). سابعا: أنه قد "اتفقت الفطرة المستقيمة والعقل الصحيح والوحي المبصر المكمل على الإقرار بموجود فطر هذا العالم بجميع ما فيه عاليه وسافله وما بينهما، وشهدت الفطر والعقول والشرائع المنزلة كلها بأنه ليس من جنس العالم ولا مماثلًا له، وأنه مباين له غير ممتزج به ولا متحد به ولا حال فيه وأنه فوق جميع العالم عالٍ عليه بجميع أنواع العلو ذاتًا وقهرًا وعظمة، وأنه موصوف بجميع الكمال المقدس من لوازم ذاته، فتوهم رفعه عنه كتوهم عدم ذاته ومن لم يكن هذا الأصل معلومًا عنده علمًا لا يشك فيه ولا يرتاب بل لقلبه كالمشاهدات لبصره، وإلّا اضطرب عليه باب معرفة الله ووحدانيته" اهـ (٢).

стр. 322

المبحث الثالث: القضاء والقدر . فيه تمهيد ومطلبان: المطلب الأول: نشأة الاعتقاد بالقضاء والقدر. المطلب الثاني: مفهوم القضاء والقدر.

стр. 323

تمهيد القدر في اللغة: بفتح الدال وإسكانها لغتان بمعنى: مبلغ الشيء وكنهه، قال ابن فارس: "أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته (١) ... قال الجوهري: "قدْر الشيء مبلغه ... والقدَر والقدْر أيضا ما يقدّره من القضاء" اهـ (٢). والقضاء في اللغة: "الحكم وأصله قَضَايٌ لأنه من قَضَيْتُ والجمع الأَقْضِيَةُ، والقَضِيَّةُ مثله، والجمع القَضَايَا، وقضى أي حكم ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣) .... وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير، .... يقال: قضاه أي صنعه وقدّره ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ومنه القضاء والقدر" اهـ (٤). ويراد به في الشرع: "الإيمان بالقضاء والقدر وهو ما قدر الله وقضاه وسبق به علمه وإرادته (٥). "وأن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أن يوجد فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة" اهـ (٦). ولا يعد المرء مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بمراتبه الأربع التي هي بمثابة الأركان منه، من أقلّ بإحداها فليس هو بمؤمن بالقدر حقيقة، وهي علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه.

стр. 324

المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء: الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون كل ذلك بعلمه الأَزَلي فلا يتجدد له علم بعد جهل ولا يلحقه نسيان بعد علم (١). قال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣). المرتبة الثانية: الإيمان بكتاب الله تعالى الذي لم يفرط فيه من شيء (٤). قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (٧)

стр. 325

عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال وعرشه على الماء" اهـ (١). المرتبة الثالثة: من مراتب الإيمان بالقدر: "الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة ..... فما شاء الله كونه فهو كائن بقدرته لا محالة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) وما لم يشأ الله تعالى لم يكن، لعدم مشيئة الله تعالى إياه، ليس لعدم قدرته عليه ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (٣) عن ابن عباس ﵁ أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فكلمه في بعض الأمر فقال: "ما شاء الله وشئت، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: "أجعلتني لله عِدْلًا، قل ما شاء الله وحده" اهـ (٤). المرتبة الرابعة: وهو الإيمان بأن الله سبحانه تعالى خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السماوات ولا في الأرض إلا والله خالقها وخالق حركتها وسكونها سبحانه لا خالق

стр. 326

غيره ولا رب سواه" اهـ (١) قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٣). "وهذه المراتب الأربع شاملة لما يكون من الله نفسه، ولما يكون من العباد، فكل ما يقوم به العباد من أقوال وأفعال أو تروك فهي معلومة لله تعالى مكتوبة عنده والله تعالى قد شاءها وخلقها" اهـ (٤). فثبت بما تقدم أن قضاء الله وقدره أمر محتم "وليس معنى هذا أن العبد مجبور على ما قدر عليه، بل مشيئة العبد للخير والشر موجودة، فإن العبد له مشيئة للخير والشر، وله قدرة على هذا وهذا، وهو العامل لهذا وهذا والله خالق ذلك كله، وربه مليكه، لا خالق غيره ولا رب سواه، ما شاء الله كان وما لم يشأ الله لم يكن" اهـ (٥). ولا يشك عاقل في أن المخلوقات المكلفة تتمتع بدرجة من حرية الاختيار بدرجة عالية، خلقها الله لها، ويؤكد الله سبحانه هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٦)، ويصدق هذه الحقيقة قوله ﷺ أيضا: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" اهـ (٧).

стр. 327

المطلب الأول: نشأة الاعتقاد بالقضاء والقدر. الشبهة الأولى: ليس في القرآن ما يدل على قضية الجبر والخيار. الشبهة الثانية: الاعتقاد بالقضاء والقدر لم يكن من مسائل الإسلام إنما هو نتيجة بعض الأفكار الفلسفية والاتجاهات السياسية. الشبهة الثالثة: اتهام بني أمية بأنهم كانوا جبرية.

стр. 328

المطلب الأول: نشأة الاعتقاد بالقضاء والقدر قد ثبت بما سبق من الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة بأن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان قد أنزله الله على نبيه ﷺ في القرآن الكريم وبينه النبي ﷺ في سننه المطهرة الثابتة، فقد نشأ هذا الاعتقاد، بل أنشأه الله في قلوب المؤمنين الأولين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ردًّا على ما كان عليه الجاهليون من الانحرافات في هذه القضية. فالجاهليون إمَّا كانوا يحتجون بقدر الله على أفعالهم الشنيعة من الكفر والإلحاد والفسق والفجور أو كانوا ينكرون قضاء الله وقدره من أصله بإنكارهم قدرة الله الباهرة على الخلق والمشيئة، وبقولهم إن حياتهم هذه تمضي بدون أي مراقب يراقبهم ويقيد أعمالهم. فأنكر الله عليهم هذا الاعتقاد بأنه خرص وظن لا يقوم على دليل. قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (٢). اتباعا لهؤلاء الكفار فقد ضلت طائفتان من المسلمين في هذا الباب وهما الجبرية والقدرية: فقالت الجبرية: الكون كله بقضاء الله وقدره فيكون محبوبا مرضيا، والإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، ومن ثم فتحوا باب المعاصي على مصراعيه، واحتجوا بقضاء الله وقدره على كل معصية ارتكبوها.

стр. 329

وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله ، وأنهم هم المحدثون لها من دونه، فجعلوا الإنسان خالقا لأفعاله من دون الله (١). وأهل السنة والجماعة قد اهتدوا إلى سواء السبيل، وهو وسط بين الطرفين فقالوا: إن أفعال العباد مخلوقة لله على الحقيقة، وهي فعل للعباد على الحقيقة، وهم قادرون على أفعالهم بقدرة حقيقة مؤثرة في وقوع الفعل منهم، والله أقدرهم على ذلك. هذا هو مجمل قول أهل السنة في هذه المسألة، وبعد هذا التأصيل نأتي إلى ما قاله المتأثرون بالاستشراق في هذا الباب. أقوال المتأثرين بالاستشراق حول القضاء والقدر قال سيد أحمد خان: "عند تفسير قول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) هذه الآيات وأمثالها من الآيات التي لا يمكن الاستدلال بها على الجبر ولا على الخيار، بل الآيات السابقة على هذه الآية تنافي هذا المفهوم، فليس ثمة في القرآن آية تدل على قضية الجبر ولا على الخيار، ولكن مما يؤسف له أن العلماء المتقديمن قد بحثوا عن مسألة الجبر والخيار في هذه الآيات، ومن الخطأ ظنوا أن هذه المسألة من مسائل الإسلام التي أثبتها الوحي أو القرآن، ثم اختلفوا فيما بينهم: فمنهم من قال: إن الإنسان مجبور في أفعاله، ومنهم من قال: بل الإنسان مختار فيما يفعل، ومنهم من قال: إن الإنسان بين الجبر والخيار، وهذا الأخير أصبح مذهب أهل السنة والجماعة .....

стр. 330

والمقصود في هذا المقام هو قولنا: إن الاستدلال بالقرآن المجيد على قول من هذه الأقوال، واعتباره مسألة من مسائل الإسلام المنزلة من الله خطأ من أخطاء العلماء المتقدمين" اهـ (١). وقال إقبال: "مسألة القضاء والقدر كانت هي نتيجة لبعض الأفكار الفلسفية وبعض المصالح السياسية ... لما أن سلسلة العلة والمعلول أخيرا تنتهي إلى ذات الله فقالوا: كل ما يحدث في الكون هو من أمر الله. ومن جهة أخرى قد استغل هذه الفكرة حكام دمشق الأمويون الماديون، فركبوا مطية عقيدة القدر لستر مظالمهم في كربلاء وغيرها من الأماكن تحت هذا الستار، لكيلا يثور عليهم العامة، ويحرموهم من ثمرات نتيجة خروج معاوية ﵁، فكانوا يقتلون الناس ويقولون: "ما شاء الله فعل". فلما بلغ هذا إلى (الإمام) حسن البصري ﵀ قال: "كذب أعداء الله" اهـ. ثم انتشرت هذه العقيدة المذمومة رغم النكير عليها من قبل العلماء، ..... والذين تمسكوا بهذه العقيدة حاولوا الاستدلال بالقرآن الكريم كدأب المسلمين عامة في كل مسألة" اهـ (٢). وقال أيضا: "إن الإنسان الذي يقول عنه الجهال: إنه تابع لقدر الله وسجين في قضائه، فلم تزل فيه قوة يخرق بها قضاء الله وقدره" اهـ (٣). تحليل العبارة وتعيين الشبهة عبارات السيد تبين أن مسألة الجبر والخيار-التي هي أساس عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر- لا علاقة لها بالإسلام ولكن العلماء المتقدمين أخطؤوا عندما جعلوها مسألة من مسائل الإسلام.

стр. 331

فقال: "إن الاستدلال بالقرآن المجيد على قول من أقوال هذه المسألة واعتباره مسألة من مسائل الإسلام المنزلة من الله خطأ من أخطاء العلماء المتقدمين" اهـ (١). فالعبارة السابقة يريد بها السيد أن يلغي ركنا من أركان الإيمان الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ومما لا شك فيه إن هذا انهزام أمام مزاعم وتحديات استشراقية، لأن المستشرقين قد أثاروا شبها كثيرة حول عقيدة القضاء والقدر. فمن المزاعم الاستشراقية شبهة التعارض بين آيات تدل على مشيئة الله ونصوص دالة على مشيئة الإنسان التابعة لمشيئة الله تعالى، يقول جولدتسيهر: "وليس في الإسلام على ما نرجح مسألة مذهبية يمكن أن نستخلص من شأنها من القرآن تعاليم متناقضة كتلك التي نبحثها الآن: فالعبارات الجبرية العديدة يمكن أن تعارض بعبارات النبي ﷺ التي تدل على أن الله ليس هو الذي يضل النفوس بل هو الشيطان الرجيم العدو الغرور (سورة الحج: ٤٠، سورة فاطر، سورة فصلت: ٣٦، سورة زخرف: ٣٧، سورة المجادلة: ١٩) منذ عهد آدم (سورة البقرة: ٣٦ وسورة ص: ٨٣ وما يليها). أما الذين كانوا يريدون أن يستندوا إلى نظرية أو مذهب حرية الإنسان التامة البعيدة عن تأثير الشيطان الرجيم، فكانوا كذلك يستطيعون أن يجدوا عددا كبيرا من الآيات الواضحة التي يمكن أن يؤخذ منها لرأيهم المعارض للجبر، فالحسنات والسيئات التي يأتي بها الإنسان قد سميت "بالكسب" فهي لهذا أعمال تمت بحرية كاملة (مثال ذلك سورة آل عمران: ٢٥، سورة المطففين: ١٤) " اهـ (٢). ومن الشبهات التي أثارها المستشرقين حول قضية القضاء والقدر زعمهم: "أن الإنسان في التصور الإسلامي شخص عاجز فاقد لحرية الاختيار أمام إرادة الله

стр. 332

المهيمنة المسيطرة، كما قال سورديل (Sordel): والواضح أن القدرة الإلهية تسيطر على الوحي القرآني إلى حد أنها تخنق الحرية البشرية" اهـ (١). وهذه وغيرها من الشبهات الاستشراقية التي قد أتيرت حول قضية الإيمان بالقضاء والقدر، فكان من المفروض أن يقف السيد وقفات عديدة، ويعطي توجيهات سليمة سديدة جريئة من منطلق المنهج السني، وهذا ما توقعنا من السيد الذي قيل عنه: إنه قد خاض البحر في الرد على المستشرقين (٢)، ولكنه انهزم انهزامًا تامًّا أمام تحدياتهم الاستشراقية، وحاول أن يسقط ركنا من أركان الإيمان الستة، فقال في موضع آخر: "من الأصول القديمة أن الإيمان والتوكل على قضاء الله وقدره والشكر له من واجبات المؤمن، بينما الأصول الجديدة تعرف القدر بأنه ما يقع حينا بعد حين ... "اهـ (٣). فأنكر أن تكون هناك آية في القرآن الكريم تدل على الجبر أو الخيار، فمثل السيد في هذا -إذا صح التعبير- كمثل النعامة تدس رأسها في التراب إذا رأت الصياد. بل هناك آيات في القرآن تصف مشيئة الله المهيمنة وإرادته الكونية حيث يتبادر إلى الذهن أنها آيات الجبر، وهناك آيات تصف مشيئة الإنسان وإرادته الحرة حيث يتبادر إلى الذهن أنها آيات الخيار المطلق، وللعلماء توجيهات سليمة في فهم هذه الآيات فهما صحيحا.

стр. 333

وأما إقبال فقد قال: إن الإيمان بالقضاء والقدر كان من نتيجة بعض الأفكار الفلسفية والاتجاهات السياسية، ثم اتهم حكام بني أمية بأنهم كانوا جبريين واحتجوا بالقدر، فركبوا هذا المركب لبيان تبرير جرائمهم. قلت هذا بعينه ما تفوه به أعداء الإسلام من المستشرقين، فقال جولدتسيهر: "فالحركة القدرية في عصر الدولة الأموية كانت إذن المرحلة الأولى في طريق زلزلة المذهب السني في العالم الإسلامي" اهـ (١). وقال أيضا: "وكما أن هذه الفكرة أو هذا المذهب استخدم لتبرير الأسرة الأموية على العموم، قد استخدم أيضا بطيبة خاطر ورضى في تهدئة الشعب حينما كان يبتلى أو يغرى بأن يرى في أعمال الحكام أو العمال الظلم والطغيان، فعقلية الرعية الهادئة المطيعة يجب أن تعتبر أمير المؤمنين وما يجيء عنه من آلامٍ قدرا من الله، فليس يمكن لأحد أن يتهم ما يصدر عنه" اهـ (٢). ثم احتج جولدتسيهر على ما تفوه به من المزاعم بقصة مفتراة، فقال: "حينما كان من عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي الذي اضطلع بكفاح مؤلم لتقوية سلطانه أن اجتذب إلى قصره أحد نظرائه وخصومه وذبحه باستحسان صاحب مشورته، وأمر برمي رأسه إلى الجمهور المخلصين له، الذين كانوا ينتظرون أمام القصر عودته، كما أمر بإعلامهم أن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ" اهـ (٣). ففي العبارات السابقة نرى توافقا كبيرا بين آراء المستشرقين وأقوال المستغربين، وليست الغرابة من أن نسمع مثل هذه الاتهامات من أعداء الإسلام، ولكن الغرابة كل الغرابة عند ما نجد هذا الكلام عند شاعر إسلامي مثل محمد إقبال الذي يضرب به المثل في الأدب الإسلامي لعاطفة دينية صادقة.

стр. 334

ومما يزيد الطين بلة عندما سمى فكرة الجبر المنحرفة بالاعتقاد بقضاء الله وقدره، فقال: "الاعتقاد بالقدر الذي يسميه المصنفون الغربيون بالحظ (Luck) كان نتيجة بعض الأفكار الفلسفية وبعض المصالح السياسية" اهـ (١). ونحن لا نتهم إقبالًا إذا قلنا: كأنه يريد بهذه التسمية إلغاء ركن من أركان الإيمان، لأنه عندما بدأ خطبته الرابعة بعنوان: (ذات الإنسان - الجبر والقدر- الحياة بعد الموت) ذكر من صفات الإنسان: "أنه مطيع لله، وأنه خليفته في الأرض مع ما فيه من النقائص، وأنه أمين لشخصية حرة مطلقة، وقد حاذ الإنسان هذا المنصِب بعد أن أوقع نفسه في أخطار ... " اهـ (٢). ثم اعترض على قدر الله وقال: " ... مشاعري وحُبي وبُغضي وأوامري وعزائمي إنما هي جزء من ذاتي ولا ينبغي لله أن ينزل منزل مشاعري ويرد حكمي أو إذا كان هناك طريقان فيختار لي منهما واحدا ... " اهـ (٣). ثم اختار إقبال المنهج التعليلي في بيان أسباب نشأة الاعتقاد بالقدر فقال: "إن مسألة القضاء والقدر كانت هي نتيجة لبعض الأفكار الفلسفية وبعض المصالح السياسية ... لما أن سلسلة العلة والمعلول أخيرًا تنتهي إلى ذات الله فقالوا كل ما يحدث في الكون هو من أمر الله. ومن جهة أخرى قد استغل هذه الفكرة حكام دمشق الأمويون الماديون، فركبوا مطية عقيدة القدر لستر مظالمهم في كربلاء وغيرها من الأماكن تحت هذا الستار، .... إلى أن قال: انتشرت هذه العقيدة المذمومة رغم النكير الشديد عليها من قبل العلماء (٤).

стр. 335

قد يقول قائل: إن إقبالًا لم يقصد هنا بالقدر الاعتقاد الصحيح في مفهومه الصحيح، إنما مراده هو ذم الاتكال على القدر وترك العمل، لما أنه رأى أن الأمة قد أصابها تخلف علمي وتخلف حضاري، فأراد أن يبعث فيهم روح النشاط والاعتماد على الذات فقال ما قال في ذم القدر. ولكن هذا الاعتذار غير صحيح لأنه قد رأينا فيما سبق من العبارات، أنه قد اعترض على قدر الله، وافترض على الله أنه لا يتدخل في شؤون الإنسان أو أنه لا يختار له طريقا من طريقين، فأين هذا من قول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١) وقول الرسول ﷺ : "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" اهـ (٢) وهذا كله يدل على أنه أراد بالقدر هو القدر المعروف في الكتاب والسنة. ولو افترضنا أنه أراد بالقدر مفهومه الخاطئ عند بعض المسلمين، فما ينبغي لإقبال لخطأ بعض الأمة في فهم معنى القدر أن يجعل هجمة شرسة على ركن من أركان الإيمان، وهو عقيدة القضاء القدر، حتى قال في كلامه الشعري: "إن الإنسان الذي يقول عنه الجهال إنه تابع لقدر الله وسجين في قضائه، فلم تزل فيه قوة يخرق بها قضاء الله وقدره" اهـ (٣). فقد وصف من اعتقد أن الإنسان تابع لقدر الله بأنه جاهل، ووزعم أن الإنسان يخرق قضاء الله وقدره، ومثل هذه التصريحات من إقبال قد وجدت في غير واحد من المواضع في تأليفاته، وسيأتي بعض العبارات في المطلب القادم عند ذكر معنى القدر عند هؤلاء المتأثرين بالاستشراق. بعد هذا التحليل العلمي لعبارات السيد وإقبال يمكن تعيين الشبهة في النقاط التالية:

стр. 336

أولا: ليس في القرآن ما يدل على قضية الجبر والخيار. ثانيا: الاعتقاد بالقضاء والقدر لم يكن من مسائل الإسلام إنما هو نتيجة بعض الأفكار الفلسفية والاتجاهات السياسية. ثالثا: اتهام بني أمية بأنهم كانوا جبرية وكانو يحتجون بالقضاء والقدر تبريرا لأعمالهم الشنيعة. تفنيد الشبهات: الشبهة الأولى: ليس في القرآن ما يدل على قضية الجبر والخيار: أبسط رد على هذه الفرية الإشارة إلى الآيات الدالة على القضية المذكورة فحسب، ولكن الأمر أضخم من ذلك بكثير إذ أن السيد أنكر القضية من أصلها، ورفض أن تكون من الإسلام مسألة الجبر (١) والخيار التي هي عقيدة القدر. فللرد على زعم السيد السابق نذكر أولا الآيات التي تصف إرادة الله ثم نذكر ثانيا الآيات التي تصف حرية إرادة الإنسان، ثم نأتي إلى توجيهات سليمة وفق منهج أهل السنة والجماعة. الآيات الدالة على إرادة الله المسيطرة على إرادة الإنسان التابعة: قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢)

стр. 337

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦). ومن الآيات الدالة على حرية الإنسان: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٩) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (١٠).

стр. 338

وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). التوجيه الصحيح لما سبق من الآيات: أولا: إن الآية التي ذكرها السيد من سورة البقرة قد ورد تفسيرها عند الطبري، فقال: "والحق في ذلك عندي ما صح نظيره الخبر عن رسول الله صلى لله عليه وسلم: "إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه، فذلك "الران" الذي قال الله جل ثناؤه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فأخبر صلى الله عليه سلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله والطبع، فلا يكون للإيمان مسلك، ولا للكفر مخلص، فلذلك هو الطبع والختم اللذين ذكرهما الله في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ " اهـ (٢). ثانيا: إن الآيات السابق ذكرها قد بينت مشيئتين مشيئة للرب ومشيئة للعبد ولا تعارض بينهما، كما قال ابن تيمية ﵀: "وقد أثبت الله المشيئتين مشيئة الرب ومشيئة العبد، وبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، وقد قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ

стр. 339

يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١) " اهـ (٢). فإن العبد له مشيئة للخير والشر، وله قدرة على هذا وهذا، وهو العامل لهذا وهذا والله خلق ذلك كله وربه ومليكه، لا خالق غيره ولا رب سواه، ما شاء الله كان وما لم يشأ الله لم يكن" اهـ (٣). ثالثا: "إن العبد عليه إذا أذنب أن يستغفر ويتوب ولا يحتج على الله بالقدر، ولا يقول: أي ذنب لي وقد قدر عليّ هذا الذنب، بل يعلم أنه هو المذنب العاصي الفاعل للذنب، وإن كان ذلك كله بقضاء الله وقدره ومشيئته، إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته وخلقه، ولكن العبد هو الذي أكل الحرام، وفعل الفاحشة، وهو الذي ظلم نفسه، كما أنه هو الذي صلى وصام وحج وجاهد، فهو الموصوف بهذه المحدثات، وله ما كسب وعليه ما اكتسب، والله خلق ذلك وغيره من الأشياء لما له في ذلك من الحكمة البالغة بقدرته التامة ومشيئته النافذة، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٤) فعلى العبد أن يصبر على المصائب وأن يستغفر من المعائب" اهـ (٥). رابعا: إن الأفعال التي تصدر من العبد على نوعين: أعمال غير اختيارية، وأعمال اختيارية، فالأعمال غير اختيارية مثلا: إتيانه إلى الوجود من أب وأم معينين ليس من

стр. 340

اختياره وولادته على شكل مخصوص ليس من اختياره، وجريان الدم في عروقه ليس له فيه خيار، وكذلك نضام الهضم في بطنه لا خيار له فيه، وإذا أراد خلاف هذه الأفعال لم تتحقق له إرادته. وأما الأفعال الاختيارية: فهي كثيرة فهو يقوم ويقعد ويدخل ويخرج ويسافر ويقيم بمحض إرادته، ولا يشعر بأن أحدا يكرهه على ذلك، فيفرق تفريقا واقعيا بين أن يفعل الشيء باختياره وبين أن يكرهه عليه مكره، كذلك فرق الشرع بينهما تفريقا حكيما فلم يؤاخذ الفاعل بما فعله مكرها عليه فيما يتعلق بحق الله تعالى. خامسا: إنه لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله تعالى لأن العاصي يقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن الله تعالى قدرها عليه، إذ لا يعلم أحد قدر الله إلّا بعد وقوع مقدوره، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (١)، فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج بها حين إقدامه على ما اعتذر لها عنه، وقد أبطل الله تعالى هذه الحجة بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (٢) (٣). الشبهة الثانية: الاعتقاد بالقضاء والقدر لم يكن من مسائل الإسلام إنما هو نتيجة بعض الأفكار الفلسفية والاتجاهات السياسية: فهذا الزعم لا يخلو من وجهين إما أريد به الإيمان بالقضاء والقدر في معناه الأصلي أو أريد به الاحتجاج بالقدر، فإذا أريد به الوجه الأول فيُرد عليه بما يلي:

стр. 341

إن الإيمان بالقضاء والقدر ليس من معطيات الفلسفة اليونانية، ولا هو نتيجة الاتجاهات السياسية كما زعم إقبال ومن ذهب مذهبه، بل هو ركن من أركان الإيمان الستة الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قد أنزل الله عديدا من الآيات القرآنية ليبين دعائم هذه العقيدة، وأرساها النبي ﷺ في قلوب المسلمين بأقواله وأعماله، وقد أثمرت هذه العقيدة في حياة الصحابة في عهد النبوة وما بعد النبوة في عصر الخلفاء الراشدين وفي العهود التي أتت بعدهم. ومما يدل على ذلك ما ثبت عن أبي هريرة ﵁: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ " اهـ (١) (٢). عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث جبريل قال (جبريل): فأخبرني عن الإيمان قال (رسول الله ﷺ : "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره قال (جبريل): صدقت ... " اهـ (٣). وعن زيد بن ثابت ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أن الله تعالى عذب أهل سماواته وأرَضيه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو كان لرجل أحد أو مثل أحد ذهبا ينفقه في سبيل الله لا يقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإنك إن مت على غير هذا أدخلت النار" اهـ (٤).

стр. 342

وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: "القدر نظام التوحيد فمن وحّد الله وآمن بالقدر وتم توحيده ومن وحّد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده" اهـ (١). وهناك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تدل على مقادير الخلق ومراتب الإيمان بالقدر والقضاء الأربع: من العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وقد ذكرنا بعضا منها في تمهيد هذا المبحث. هذا إذا أراد إقبال والسيد في عباراتهما السابقة الإيمان بالقدر في معناه الحقيقي. وأما إن أرادا بها الاحتجاج بالقدر عند ارتكاب المعاصي فهما بهذا القول قد تأثرا بأقوال المستشرقين، وتجاهلا عن تاريخ نشأة فكرة الاحتجاج بالقدر من ناحية، ومن ناحية أخرى اتهم إقبال بني أمية بأنهم كانوا جبريين وكانوا يحتجون بالقدر. لأن فكرة الاحتجاج بالقدر من الأمور التي صاحبت الإسلام منذ نشأته، فأول من خاصم في القدر هم كفار قريش كما سبق آنفا في حديث أبي هريرة ﵁، وكانوا يحتجون بالقدر، ويتعللون بمشيئة الله، وينسبون ما وقع منهم من كفر وشرك وعصيان إلى إرادة الله، وذلك خروجا عن مسؤولية ما اقترفوا من شرك وإثم. قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢)، فأجابهم وردّ عليهم شبهتهم قائلا: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (٣).

стр. 343

وقال تعالى مؤكدًا وقوع ذلك منهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (١). فقوله في آية "الأنعام" ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وفي آية "النحل": ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يشير إلى أن جذور هذا القول ضاربة في أعماق الأمم المشركة، ويدل دلالة واضحة وصريحة على أن من شأن المشركين والكافرين من بني الإنسان التعلل بالقدر والميل إلى الجبر لتبرير شركهم وكفرهم، أو على الأقل للتنصل من جريرة ذلك ومسؤليته" اهـ (٢). وفي عهد الرسول ﷺ خاض بعض الصحابة الكرام في القدر فنهاهم الرسول ﷺ عن ذلك، فانتهوا لمثل ذلك أبدا. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يفقشأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: "بهذا أمرتم؟ ولهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، وبهذا هلكت الأمم قبلكم" اهـ (٣). فثبت بما تقدم باُن الإيمان بالقضاء والقدر كان ركنا من أركان الإيمان منذ العهد الأول وليس هو من معطيات الفلسفة اليونانية، وكذلك الاحتجاج بالقدر قد وجد جزوره عند الجاهليين فليس هو نتيجة بعض الاتجاهات السياسية في العهد الأموي، بل كانت هي شبهة قد تعلقت بأذهان الجاهليين فجاء القرآن، ورد عليهم

стр. 344

هذا الانحراف، ثم تكلم فيه بعض الصحابة فنهاهم الرسول ﷺ ، فانتهوا لمثل ذلك أبدا. الشبهة الثالثة: اتهام بني أمية بأنهم كانوا جبرية: فيُردّ على هذا الزعم من وجوه: أولا: لو كان بنو أمية يدعون للجبر لوجدوا في الجعد بن درهم (١) وجهم بن صفوان (٢) فرصة سانحة لا تعوض، لكن التاريخ يثبت لنا مناظرات، ومساجلات بين هذين من جانب وبين علماء السنة من جانب آخر، حتى أفتوا بقتلهم لما جاؤوا من بدع وما فتنوا به الناس، فقتل أعيان القدرية، كما قتل أعيان الجبرية في العصر الأموي (٣). ثانيا: فلم نر حزبا سياسيا في العصر الأموي قام على مبادئ جبرية، بل القدرية والجبرية لم تكن جماعات سياسية بل كانت جماعات دينية، لو أن بني أمية اتخذوا القدر مطية لسياستهم وظلمهم فلا صحة لهذا القول، إذ أننا نرى أن الجبرية

стр. 345

كانوا يندسون في الحركات المعارضة لبني أمية سواء من العلويين أو الخوارج أو الزبيريين (١). ثالثا: وأما ما نسب إلى عبد الملك بن مروان من أنه قال بعد أن قتل عمرو بن سعيد: "أن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم مما كان من القضاء السابق والأمر النافذ" اهـ فهو مقولة كاذبة لم تثبت في التاريخ الصحيح (٢). هذه القصة التي جاء إثرها هذا المقال قد رواها المسعودي (٣) وابن سعد (٤) وغيرهما من المؤرخين، ولم يذكر أحد منهم هذه المقولة، بل لا وجود لها في التاريخ الإسلامي الصحيح فيما أعلم. رابعا: ولو افترضنا أنه قد حصل من أحد حكام بني أمية الاحتجاج بالقدر، قد يكون هذا من مقارعة الحجة بالحجة كما ردّ عمر بن الخطاب ﵁ على السارق الذي احتج بالقدر، فأجابه بأنه قطع يده أيضا بقدر الله، وإن حصل هذا الكلام من أحد هم احتجاجا بالقدر فلا يلزم منه أيضا أن يكون دليلا على أن بني أمية أضافوا فكرة الاحتجاج بالقدر والقضاء إلى الإسلام، وذلك لما سبق من الأدلة القاطعة بأن الإيمان بالقدر والقضاء ركن من أركان الإيمان قد أنزله الله على نبيه ﷺ في القرآن الكريم وبينه النبي صلى الله عليه سلم في سننه المطهرة الثابتة.

стр. 346

المطلب الثاني: مفهوم القضاء والقدر. الشبهة الأولى: معنى القدر في القرآن قانون طبيعي أو ما يقع حينا بعد حين. الشبهة الثانية: الإنسان خالق لأفعاله وخارق لقضاء الله وقدره.

стр. 347

المطلب الثاني: مفهوم القضاء والقدر سبق أن ذكرنا معنى القضاء والقدر لغة وشرعا، وبينا مراتبه التي هي بمثابة الأركان الأربعة للقدر: وهي علم الله المحيط لكل شيء، وكتابه الذي لم يفرط فيه من شيء، ومشيئته النافذة في كل شيء، وخلقه الذي لا يخرج منه شيء. وهنا سنبين مدلولات مختلفة لكلمتي القضاء والقدر التي وردت في الكتاب والسنة، ثم نأتي إلى مفهوم شرعي لهاتين الكلمتين، مع بيان العلاقة بين الكلمتين من ناحية، وبيان العلاقة بين المفهوم اللغوي والمفهوم الشرعي من ناحية أخرى. لقد وردت كلمة القضاء في الكتاب والسنة في معان عديدة ويمكن حصر مدلولها فيما يلي: ١ - فصل الأمر قولا أو فعلا كقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٢). ٢ - الشيء الذي تم تنفيذه كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ (٣). ٣ - الفراغ من الأمر كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ (٤). ٤ - الحكم الحتمي كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥) وكقوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٦) (٧).

стр. 348

ولم تخرج مدلولاتها في الأحاديث النبوية عن هذه المدلولات كقول النبي ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي" اهـ (١). يلاحظ من المدلولات السابقة عموما أن كلمة "القضاء" تنحصر في معنى واحد وهو الحكم حتمي التنفيذ، أو الفراغ من الأمر ذو النتيجة الحتمية (٢). وكلمة القدر له مدلولات عديدة وردت في الكتاب والسنة فمن هذه المعاني: ١ - القضاء والحكم كقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٣). ٢ - القضاء النافذ كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ (٤). ٣ - تحديد واقع الشيء ومبلغه كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٥). لعل هذا المدلول هو المقصود في قول الرسول ﷺ : "فإن غم عليكم فاقدُروا له" اهـ (٦). فيلاحظ في النصوص السابق الاستشهاد بها تداخل بين مدلول كلمة "القضاء" وبعض استعمالات كلمة "القدر"، وإن كان هناك فرق بينهما في بعض الاستعمالات من حيث اللغة، ولكن عند استخدامهما شرعا وبخاصة كركن من أركان الإيمان نتقيد في بيان معانيهما بما قاله رسول الله ﷺ .

стр. 349

فقال الرسول ﷺ عند إجابته عن سؤال جبريل ﵇ عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" اهـ (١). وقد تقيد أهل السنة وأئمتهم بهذه المعاني كلها لأن ما قاله الشارع هو أشمل وأوفى لمراد الله تعالى، يقول ابن جرير الطبري ﵀: "الذي عليه أهل السنة أن الله قدر الأشياء، أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي والسفلي إلا هو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة وأن ذلك كله إنما حصل بتسييره تعالى وقدرته وتوفيقه وإلهامه سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القدرية وغيرهم من أن الأعمال إلينا الآجال بيد غيرنا، قال أبو ذر ﵁: قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا فنزلت هذه الآيات إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فقالوا يا محمد يكتب علينا ويعذبنا؟ فقال أنتم خصماء الله يوم القيامة" اهـ (٢). أقوال المتأثرين بالاستشراق قال سيد أحمد خان: "من الأصول القديمة أن الإيمان والتوكل على قضاء الله وقدره والشكر له من واجبات المؤمن، بينما الأصول الجديدة تعرف القدر بأنه ما يقع حينا بعد حين، والانتظار قبل الوقوع يبطل حكمة الله في سعيه وتدبيره، وعدم التحمل بعد الوقوع كفر لنعمته (٣).

стр. 350

قال أمير علي: "إن المراد بكلمة القدر في كثير من هذه الآيات هو القانون، فالنجوم والكواكب لها مسار معلوم، وهكذا كل شيء في الخليقة، فحركات الأجرام السماوية والظواهر الطبيعية والموت والحياة، كل يخضع لقانون معلوم" اهـ (١). وقال إقبال: "إن القدر والقضاء من حيث هو وإن كان شيئا مسلما، ولكنه ليس أمرا مبرما محتما سابقا، إنما قضاء الله وقدره يدور في فلك يتسع لإمكانات متبادلة، فالإنسان ليس فقط حرا في أن يختار ويسلك بل أن له كذلك القدرة الكاملة على الخلق، ولهذا وصف الله نفسه بأنه ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ مما يعني وجود خالقين آخرين بجانب الله وهو الإنسان" اهـ (٢). وقال أيضا في كلامه الشعري: "إذا كان الكافر تابعا لقدر المسلم وقضائه فيه، فإن المؤمن هو نفسه خالق قضاء الله وقدره" اهـ (٣). "أكرم نفسك وارفعه (يا مسلم) حتى يسأل الرب عبده عن مرضاته قبل كل قضاء يقضي فيه" اهـ (٤). "إن الإنسان الذي يقول عنه الجهال: إنه تابع لقدر الله وسجين في قضائه، فلم تزل فيه قوة يخرق بها قضاء الله وقدره" اهـ (٥).

стр. 351

تحليل العبارة وتعيين الشبهة: بعد أن رفض السيد ومن ذهب مذهبه كون أعمال العباد من قدر الله، بدءوا في تأويل الآيات التي فيها معنى القدر فقال السيد: القدر هو ما يقع حينا بعد حين وقال أمير علي: القدر هو قانون طبيعي، وانطلاقا من هذا المبدأ يرى إقبال: أن القدر ليس أمرا محتما، فالإنسان حر مختار في أن يختار ويسلك بل إن له كذلك القدرة الكاملة على الخلق. قلت: ومن المحتمل جدّا أن السيد وأتباعه قد أرادوا بهذه العبارات السابقة بث روح النشاط والعمل في الأمة من ناحية، ومن ناحية أخرى أرادوا الرد على مزاعم المستشرقين حول قضية القدر، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا على حساب المفاهيم الثابتة عند المسلمين بالكتاب والسنة والإجماع، لأن الغاية لا تبرر الوسيلة. فقد رفض السيد المفهوم القديم بقوله الصريح وقال: "إن الإيمان والتوكل على قضاء الله وقدره والشكر له كان من واجبات المؤمن في الأصول القديمة ولكن المنهجية الجديدة قد غيرت هذا المفهوم إلى .... " اهـ (١)، وغلب أمير علي جانب القانون الطبيعي على جانب الاعتقاد بقضاء الله وقدره في أعمال العباد. فالمقصود بالأصول الجديدة عند السيد هي المنهجية الجديدة المتأثرة بالدراسات الغربية الاستشراقية والمقصود بالآيات السابقة عند أمير علي هي الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة "القدر" مثل قوله تعالى: ﴿ .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤).

стр. 352

فهذه وغيرها من الآيات الدالة على قدر الله المسبق وقضائه المبرم أولها المتأثرون بالاستشراق إلى مفهوم جديد خوفا من هجمات استشراقية على عقيدة القدر، مثل قول "سورديل" (Sordel): " الواضح أن القدرة الإلهية تسيطر على الوحي القرآني إلى حد أنه تخنق الحرية البشرية" اهـ (١). أمام هذه المزاعم أرادوا أن يجعلوا الإنسان وأعماله خارجة عن إطار قدر الله فأنكروا قضاء الله فيما يفعله الإنسان، كما صرح بهذا القصد (الإنكار بعقيدة القدر) محمد علي اللاهوري القادياني (٢) في تفسيره "بيان القرآن" فقال عند تفسير الآية: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣): " ... التقدير له مفهومان لا ثالث لهما أحدها قدّر أي أعطاه القدرة والثاني: قدّر بمعنى أنه خلقه بقدر تقتضيه حكمة الله، والخروج من هذين المعنيين إلى معنى ثالث غير صحيح ..... فالتقدير معناه التخمين الذي جاء من عند الله لكل شيء حيث يستحيل أن يخرج ذلك الشيء من هذا الإطار، ولم تطلق كلمة القدر في القرآن لأعمال الإنسان، وكون الإنسان شقيا وسعيدا فهو علم الله، ولا يقال له قدر الله وقضاؤه" اهـ (٤). وشبهة إنكار قدر الله السابق المحتم قد أثارها المعتزلة قديما، وتناولها المستشرقون حديثا ببثها بين أبناء المسلمين، فيقول جولدتسيهر: "إن هذه الأفكار التقية قد أدت بالعلماء إلى الاعتقاد بأن الإنسان في نشاطه الشرعي والأخلاق لا يمكن أن يكون عبدا لقدر لا يتغير، بل الأولى به أن يخلق بنفسه أفعاله ليكون هو نفسه علة خلاصه وسلامته أو شقائه وهلاكه، وهكذا عرفت فيما بعد نظرية هذا الفريق بنظرية

стр. 353

خلق الأفعال، كما -تسمية الضد بضده وصف هذا الفريق بالقدرية لأنهم يضيقون القدر، بينما وصف خصومهم "أنصار الإكراه الأعمى" أي الجبر بالجبرية، وهذا كان أقدم افتراق أو خلاف عقدي في صدر الإسلام القديم" اهـ (١). بعد هذا التحليل العلمي للعبارات السابقة تتعين الشبهة في النقطتين التاليتين: أولا: معنى القدر في القرآن قانون طبيعي أو ما يقع حينا بعد حين. ثانيا: الإنسان خالق لأفعاله وخارق لقضاء الله وقدره. تفنيد الشبهة: الشبهة الأولى: معنى القدر في القرآن قانون طبيعي أو ما يقع حينا بعد حين فقط: فيكون الرد على هذه الشبهة من وجوه: أولا: إن المتأثرين بالاستشراق بعد أن حادوا عن معنى القدر الحقيقي الشامل لعلم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، لم يتفقوا على شيء فقال أحدهم معنى القدر: ما يقع حينا بعد حين، وقال ثانيهم معناه: القانون الطبيعي، وقال ثالثهم هو التخمين، إلّا أنهم اتفقوا على إنكار قدر الله وقضائه في أفعال العباد الذي جاء تفصيله في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ . ثانيا: أن ما قاله السيد وأتباعه من المعاني قد تشملها كلمة القدر، ولكن ليست هي كل القدر، لأن الشارع قصد به معنى أشمل وأوفى كما سبق بيانه في تمهيد هذا المبحث، فالقدر له جوانب عديدة من أهمها جانب أعمال العباد وهو المراد في قوله عليه الصلاة السلام: "وبالقدر خيره وشره" (٢)، واهتم به النبي ﷺ من أول يوم، وبين معالمه بأقواله وأفعاله، ونهى أمته من الخوض في هذا

стр. 354

الجانب لكيلا يلعب بهم الشيطان فيضلهم، ولكن قد وقع ما حذر منه الرسول ﷺ ، ثم صار هذا موضع الخلاف بين الملل، وقد وفق أهل السنة فيه بالقول الوسط الحق بين الفرق، فإخراج هذا الجانب من معنى القدر هذا هو الضلال المبين. ثالثا: إن هؤلاء المتأثرين بالاستشراق، والمنهزمين أمام تحديات المستشرقين استهدفوا بهذا الإنكار أن يجعلوا الإنسان حرّا طليقا فيما يفعله بل خالقا لأفعاله، وخارقا لقدر الله، فأرادوا إطلاق الإنسان من قضاء الله الخالق الحكيم، ولكنهم قيدوه في سجين الطبيعة والقانون الطبيعي من حيث لا يشعرون، حتى قال أحد رؤوس الماديين العصريين بوخفير الألماني: "إن الحرية الإنسانية التي اعتبرها الروحييون مبدأ للاختيار والإرادة وهم باطل، فإن الإنسان في ذاته حادث طبيعي محكوم بالطبيعة التي كوّنته، والمناخ الذي رباه والوسط الذي أقله والجنس الذي نشأ منه والتربية التي غرست فيه من صغره" اهـ (١). رابعا: إن الإيمان بالقدر خيره وشره من الله الخبير، قد اعترف بحقيقته هؤلاء المتأثرون بالاستشراق في أماكن أخرى ولكنهم يسمونه بتسميات أخرى، إذ أن محتوى القدر عندهم لا يشمل كل التفاصيل التي جاء ذكرها في الأحاديث النبوية الثابتة الصحيحة، لأنهم في شك في ثبوت السنة عن صاحبها ﷺ . فمن اعترافاتهم بأن أعمال العباد من قدر الله وقضائه قول محمد علي اللاهوري: "أما كون الإنسان سعيدا أو شقيا فهو علم الله ولا يقال له قدر الله وقضاؤه" اهـ (٢).

стр. 355

وقال أمير علي: "ولا نزاع أن هناك آيات أخرى تشير إلى السيطرة الإلهية على الإرادة البشرية ولكن هذه السيطرة مرتبطة بالإرادة البشرية، فالعون الإلهي للإنسان معلق على طلب الإنسان نفسه لهذا العون فالله لا يعطي العون إلا لمن يطلبه" اهـ (١). وقال إقبال: "اللوح المحفوظ هو الكل الذي فيه جميع العلوم التي ليس فيها تعيين لإمكاناتها، وهي كحقيقة مستحضرة منذ بدايتها، وهي في الزمن التسلسلي تُظهر تصور المتناهي في صورة متواترة، نراها كأنها تنضم إلى وحدة كانت مضمرة فيها" اهـ (٢). الشبهة الثانية: الإنسان خالق لأفعاله وخارق لقضاء الله وقدره: لما أن الشبهة في صيغتها وفي معناها قديمة جدا، وقد استوفى في ردها العلماء المتقدمون، فنكتفي بردهم على هذه الفرية ونقول: أولا: زعمهم هذا مخالف لإجاع الصحابة والتابعين وما عليه أهل السنة والجماعة من أن أفعال العباد خيرها وشرها، طاعاتها ومعاصيها مخلوقة لله تعالى، فهو سبحانه خالقهم وخالق حركاتهم وعباداتهم وإراداتهم، متفرد بخلقه ذلك، لا خالق سواه (٣). وقد نقل الإمام اللالكائي ﵀ إجماع الصحابة التابعين والخالفين لهم من علماء الأمة على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله طاعاتها ومعاصيها (٤). ثانيا: زعمهم هذا مخالف لما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلفنا الصالح رضوان الله عليهم:
следующие страницы →