تحليل العبارة وتعيين الشبهة:
بعد أن رفض السيد ومن ذهب مذهبه كون أعمال العباد من قدر الله، بدءوا في تأويل الآيات التي فيها معنى القدر فقال السيد: القدر هو ما يقع حينا بعد حين وقال أمير علي: القدر هو قانون طبيعي، وانطلاقا من هذا المبدأ يرى إقبال: أن القدر ليس أمرا محتما، فالإنسان حر مختار في أن يختار ويسلك بل إن له كذلك القدرة الكاملة على الخلق.
قلت: ومن المحتمل جدّا أن السيد وأتباعه قد أرادوا بهذه العبارات السابقة بث روح النشاط والعمل في الأمة من ناحية، ومن ناحية أخرى أرادوا الرد على مزاعم المستشرقين حول قضية القدر، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا على حساب المفاهيم الثابتة عند المسلمين بالكتاب والسنة والإجماع، لأن الغاية لا تبرر الوسيلة.
فقد رفض السيد المفهوم القديم بقوله الصريح وقال: "إن الإيمان والتوكل على قضاء الله وقدره والشكر له كان من واجبات المؤمن في الأصول القديمة ولكن المنهجية الجديدة قد غيرت هذا المفهوم إلى .... " اهـ (١)، وغلب أمير علي جانب القانون الطبيعي على جانب الاعتقاد بقضاء الله وقدره في أعمال العباد.
فالمقصود بالأصول الجديدة عند السيد هي المنهجية الجديدة المتأثرة بالدراسات الغربية الاستشراقية والمقصود بالآيات السابقة عند أمير علي هي الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة "القدر" مثل قوله تعالى: ﴿ .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤).
стр. 352
فهذه وغيرها من الآيات الدالة على قدر الله المسبق وقضائه المبرم أولها المتأثرون بالاستشراق إلى مفهوم جديد خوفا من هجمات استشراقية على عقيدة القدر، مثل قول "سورديل" (Sordel): " الواضح أن القدرة الإلهية تسيطر على الوحي القرآني إلى حد أنه تخنق الحرية البشرية" اهـ (١).
أمام هذه المزاعم أرادوا أن يجعلوا الإنسان وأعماله خارجة عن إطار قدر الله فأنكروا قضاء الله فيما يفعله الإنسان، كما صرح بهذا القصد (الإنكار بعقيدة القدر) محمد علي اللاهوري القادياني (٢) في تفسيره "بيان القرآن" فقال عند تفسير الآية: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣): " ... التقدير له مفهومان لا ثالث لهما أحدها قدّر أي أعطاه القدرة والثاني: قدّر بمعنى أنه خلقه بقدر تقتضيه حكمة الله، والخروج من هذين المعنيين إلى معنى ثالث غير صحيح ..... فالتقدير معناه التخمين الذي جاء من عند الله لكل شيء حيث يستحيل أن يخرج ذلك الشيء من هذا الإطار، ولم تطلق كلمة القدر في القرآن لأعمال الإنسان، وكون الإنسان شقيا وسعيدا فهو علم الله، ولا يقال له قدر الله وقضاؤه" اهـ (٤).
وشبهة إنكار قدر الله السابق المحتم قد أثارها المعتزلة قديما، وتناولها المستشرقون حديثا ببثها بين أبناء المسلمين، فيقول جولدتسيهر: "إن هذه الأفكار التقية قد أدت بالعلماء إلى الاعتقاد بأن الإنسان في نشاطه الشرعي والأخلاق لا يمكن أن يكون عبدا لقدر لا يتغير، بل الأولى به أن يخلق بنفسه أفعاله ليكون هو نفسه علة خلاصه وسلامته أو شقائه وهلاكه، وهكذا عرفت فيما بعد نظرية هذا الفريق بنظرية
стр. 353
خلق الأفعال، كما -تسمية الضد بضده وصف هذا الفريق بالقدرية لأنهم يضيقون القدر، بينما وصف خصومهم "أنصار الإكراه الأعمى" أي الجبر بالجبرية، وهذا كان أقدم افتراق أو خلاف عقدي في صدر الإسلام القديم" اهـ (١).
بعد هذا التحليل العلمي للعبارات السابقة تتعين الشبهة في النقطتين التاليتين:
أولا: معنى القدر في القرآن قانون طبيعي أو ما يقع حينا بعد حين.
ثانيا: الإنسان خالق لأفعاله وخارق لقضاء الله وقدره.
تفنيد الشبهة:
الشبهة الأولى: معنى القدر في القرآن قانون طبيعي أو ما يقع حينا بعد حين فقط:
فيكون الرد على هذه الشبهة من وجوه:
أولا: إن المتأثرين بالاستشراق بعد أن حادوا عن معنى القدر الحقيقي الشامل لعلم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، لم يتفقوا على شيء فقال أحدهم معنى القدر: ما يقع حينا بعد حين، وقال ثانيهم معناه: القانون الطبيعي، وقال ثالثهم هو التخمين، إلّا أنهم اتفقوا على إنكار قدر الله وقضائه في أفعال العباد الذي جاء تفصيله في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ .
ثانيا: أن ما قاله السيد وأتباعه من المعاني قد تشملها كلمة القدر، ولكن ليست هي كل القدر، لأن الشارع قصد به معنى أشمل وأوفى كما سبق بيانه في تمهيد هذا المبحث، فالقدر له جوانب عديدة من أهمها جانب أعمال العباد وهو المراد في قوله عليه الصلاة السلام: "وبالقدر خيره وشره" (٢)، واهتم به النبي ﷺ من أول يوم، وبين معالمه بأقواله وأفعاله، ونهى أمته من الخوض في هذا
стр. 354
الجانب لكيلا يلعب بهم الشيطان فيضلهم، ولكن قد وقع ما حذر منه الرسول ﷺ ، ثم صار هذا موضع الخلاف بين الملل، وقد وفق أهل السنة فيه بالقول الوسط الحق بين الفرق، فإخراج هذا الجانب من معنى القدر هذا هو الضلال المبين.
ثالثا: إن هؤلاء المتأثرين بالاستشراق، والمنهزمين أمام تحديات المستشرقين استهدفوا بهذا الإنكار أن يجعلوا الإنسان حرّا طليقا فيما يفعله بل خالقا لأفعاله، وخارقا لقدر الله، فأرادوا إطلاق الإنسان من قضاء الله الخالق الحكيم، ولكنهم قيدوه في سجين الطبيعة والقانون الطبيعي من حيث لا يشعرون، حتى قال أحد رؤوس الماديين العصريين بوخفير الألماني: "إن الحرية الإنسانية التي اعتبرها الروحييون مبدأ للاختيار والإرادة وهم باطل، فإن الإنسان في ذاته حادث طبيعي محكوم بالطبيعة التي كوّنته، والمناخ الذي رباه والوسط الذي أقله والجنس الذي نشأ منه والتربية التي غرست فيه من صغره" اهـ (١).
رابعا: إن الإيمان بالقدر خيره وشره من الله الخبير، قد اعترف بحقيقته هؤلاء المتأثرون بالاستشراق في أماكن أخرى ولكنهم يسمونه بتسميات أخرى، إذ أن محتوى القدر عندهم لا يشمل كل التفاصيل التي جاء ذكرها في الأحاديث النبوية الثابتة الصحيحة، لأنهم في شك في ثبوت السنة عن صاحبها ﷺ .
فمن اعترافاتهم بأن أعمال العباد من قدر الله وقضائه قول محمد علي اللاهوري: "أما كون الإنسان سعيدا أو شقيا فهو علم الله ولا يقال له قدر الله وقضاؤه" اهـ (٢).
стр. 355
وقال أمير علي: "ولا نزاع أن هناك آيات أخرى تشير إلى السيطرة الإلهية على الإرادة البشرية ولكن هذه السيطرة مرتبطة بالإرادة البشرية، فالعون الإلهي للإنسان معلق على طلب الإنسان نفسه لهذا العون فالله لا يعطي العون إلا لمن يطلبه" اهـ (١).
وقال إقبال: "اللوح المحفوظ هو الكل الذي فيه جميع العلوم التي ليس فيها تعيين لإمكاناتها، وهي كحقيقة مستحضرة منذ بدايتها، وهي في الزمن التسلسلي تُظهر تصور المتناهي في صورة متواترة، نراها كأنها تنضم إلى وحدة كانت مضمرة فيها" اهـ (٢).
الشبهة الثانية: الإنسان خالق لأفعاله وخارق لقضاء الله وقدره:
لما أن الشبهة في صيغتها وفي معناها قديمة جدا، وقد استوفى في ردها العلماء المتقدمون، فنكتفي بردهم على هذه الفرية ونقول:
أولا: زعمهم هذا مخالف لإجاع الصحابة والتابعين وما عليه أهل السنة والجماعة من أن أفعال العباد خيرها وشرها، طاعاتها ومعاصيها مخلوقة لله تعالى، فهو سبحانه خالقهم وخالق حركاتهم وعباداتهم وإراداتهم، متفرد بخلقه ذلك، لا خالق سواه (٣).
وقد نقل الإمام اللالكائي ﵀ إجماع الصحابة التابعين والخالفين لهم من علماء الأمة على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله طاعاتها ومعاصيها (٤).
ثانيا: زعمهم هذا مخالف لما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلفنا الصالح رضوان الله عليهم:
стр. 356
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١). قال ابن القيم ﵀: "وهذا عموم لا يخرج ولا يستثنى منه شيء من العالم، أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته، وليس مخصوصا بذاته وصفاته، فإنه الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوقة له" اهـ (٢).
وذكر البيهقي ﵀ قول الله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣). ثم قال: "فنفى (الله) أن يكون خالق غيره، ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق، فلو كانت الأفعال غير مخلوقة لكان الله سبحانه خالق بعض الأشياء دون جميعها وهذا خلاف الآية، ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان، فلو كان الله خالق الأعيان والناس خالقي الأفعال لكان خلق الناس أكثر من خلقه ولكانوا أتم قوة منه وأولى بصفة المدح من ربهم سبحانه" اهـ (٤).
وفي الآية "ما" موصولة أي والله خلقكم وخلق معبوداتكم التي عملتموها بأيديكم، فهي مخلوقة له وليست شريكة معه، فأخبر أنه خلق معمولهم وقد خلق عملهم وصنعهم، ولا يقال: المراد مادته، فإن مادته غير معمولة لهم، وإنما يصير معمولا بعد عملهم" اهـ (٥).
وعن حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" اهـ (٦).
стр. 357
ثالثا: " .. إن أصل ضلال القدرية والجبرية (في هذا الباب) من عدم اهتمامهم إلى الفرق بين فعله وفعل العبد، فالجبرية جعلوا التعادي والتباغض فعل الرب دون المتعادين ومتباغضين، والقدرية جعلوا ذلك محض فعلهم الذي لا صنع لله فيه ولا قدرة ولا مشيئة" اهـ (١).
التحقيق ما عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. فأفعال العباد مستندة إليهم وهم الفاعلون لها حقيقة وأنها تنسب إليهم، وتضاف إليهم، وهي مفعولة لله حقيقة ومخلوقة له، وليست فعلا له ولا يتصف بأنه فاعلها، لأن هناك فرقا بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق، فهي فعل العباد ومفعولة له " اهـ (٢).
كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣)، فالتسيير فعله، والسير فعل العباد، وهو أثر التسيير وكذلك الهدى والإضلال فعله والاهتداء والضلال أثر فعله، وهما أفعالنا قائمة بنا، فهو الهادي، والعبد الهتدي وهو الذي يضل من يشاء والعبد الضال، وهذا حقيقة وهذا حقيقة، الطائفتان (القدرية والجبرية) عن الصراط المستقيم ناكبتان" اهـ (٤).
رابعا: من جمع النصوص واستقرأها واتبع المنهج الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة اهتدى إلى سواء السبيل، ومن نظر إلى مذهب الجبرية وحده أو إلى مذهب القدرية وحده فقد ضل، كما فعل إقبال فنظر إلى النصوص التي فيها حرية الإرادة للعبد فمال إلى قول المعتزلة القدرية، ومذهبهم في أفعال العباد يتضمن الإشراك
стр. 358
والتعطيل لأنه يتضمن إخراج بعض الحوادث أن يكون لها فاعل، وإثبات فاعل (خالق) مستقل غير الله والتعطيل والشرك من شعب الكفر (١) والعياذ بالله.
стр. 359
المبحث الأول [*]: مفهوم النبوة والوحي .
فيه مطلبان:
* المطلب الأول: مفهوم النبوة.
* المطلب الثاني: مفهوم الوحي.
стр. 360
المطلب الأول: مفهوم النبوة.
وفيه.
تعريف النبوة.
أقوال المتأثرين بالاستشراق.
تحليل العبارة وتعيين الشبهة.
تفنيد الشبهة: شبهة النبوة الفطرية أو المكتسبة.
стр. 361
المطلب الأول: مفهوم النبوة
تعريف النبوة:
النبوة لغة: "من النَبَأِ وهو الخبر المفيد لما له شأن، والنبي بالتشديد أكثر استعمالا، قال بعض العلماء: هو من النَّبْوَةِ أي الرفعة، سمي النبي نبيا لرفعه عن سائر الناس المدلول عليه بقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (١) " اهـ (٢).
والنبوة اصطلاحا: "اختصاص العبد بسماع وحي من الله تعالى بحكم شرعي سواء أمر بتبليغه أم لا، وهكذا الرسالة لكن بشرط أن يؤمر بالتبليغ" اهـ (٣)، "هي في الإسلام هبة من الله تعالى لمن اختاره واصطفاه، ولا تأتي نتيجة اجتهاد أو تعلم، وإنما هي تكليف وتشريف من الله لرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين" اهـ (٤).
والنبوة عند اليهود: أما بالنسبة لتعريف النبوة عند اليهود فقد ورد في دلالة الحائرين لموسى بن ميمون التعريف التالي لها: "اعلم أن حقيقة النبوة وماهيتها هو فيض من الله بواسطة العقل الفعال على القوة الناطقة أولا، ثم على القوة المتخيلة بعد ذلك، وهذه هي أعلى مرتبة الإنسان وغاية الكمال الذي يمكن أن يوجد بنوعه، وتلك الحالة هي كمال القوة المتخيلة" اهـ (٥).
стр. 362
والنبوة عند النصارى: "النبي هو من يتكلم أو يكتب عما يجول في خاطره، دون أن يكون ذلك الشيء من بنات أفكاره بل هو من قوة خارجة عنه" اهـ (١).
بعد هذا التعريف الموجز للنبوة في الإسلام وعند اليهود والنصارى نأتي إلى أقوال المتأثرين بالاستشراق في النبوة.
أقوال المتأثرين بالاستشراق
قال سيد أحمد خان: "لقد فهم العلماء المتقدمون النبوة كمنصب من المناصب يعطيه الله لمن يشاء أو ينتخب أفرادا لحملها، كالملوك الذين ينتخبون الوزراء ويختارون عمال الدولة، غير أني لم أفهم على هذا الوضع، بل النبوة أمر فطري، والنبي نبي ولو كان في بطن أمه، يولد نبيا، يموت نبيا، وتوجد تلك الملكة في الأنبياء لمقتضى نظرتهم كوجود أي ملكة إنسانية أخرى، فمن يوجد فيه تلك الملكة يكون نبيا، ومن يكون نبيا يوجد تلك الملكة كبقية الملكات البشرية التي تتصل بتركيب الإنسان وأعضائه من القلب والعقل ...... ملكة النبوة هذه شبيهة في صلتها بصلة أعضاء الجسم بعضها ببعض، فمن ثم لا اختصاص فيها كعدم اختصاص آلاف الصلات والملكات الكامنة في النفس البشرية، فقد يكون الإنسان بمقتضى فطرته مالكا لقوة في فن من الفنون، ويعتبر فيه إماما ونبيا كالحداد فهو إمام ونبي في فنه، والشاعر فهو إمام ونبي في فنه ... " اهـ (٢).
وقال إقبال: "ويمكن تعريف النبوة في وجه من الوجوه بأنها شكل من أشكال شعور الولاية التي تتجاوز فيها الكشوفات والواردات حدود الاتحاد، ثم تبرز تلك القوى، وتبحث عن وسائل تتشكل فيها بصيغة تحتاجها الحياة الاجتماعية، وبعبارة أخرى ذوات الأنبياء المتناهية تغوص وتنغمس في أعماق الذات غير المتناهية لتخرج
стр. 363
منها كقوة جديدة سريعة، فهي تمحو الماضي، وتنكشف عليها سبل الهداية الجديدة ... " اهـ (١).
وقال أيضا: "إن النبوة عبارة عن أحوال وكشوفات مثل مكاشفات الصوفية إلا أن الصوفي معراجه لذة الاتحاد، وأما الأنبياء فهم يجدون في أنفسهم قوى مستيقظة يمكن بواسطتها قلب العالم كله وتغيير الحياة الإنسانية بكاملها، فالنبي من أكبر تمنياته أن تتحول أحواله إلى قوة حية يسيطر بها على جميع العالم" اهـ (٢).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة
بعد أن عرف السيد مفهوم النبوة عند العلماء المتقدمين بأنها منحة إلهية، يمنحها الله لمن شاء من عباده، رفض هذا التعريف، واخترع لنفسه تعريفا جديدا للنبوة بأنها أمر فطري، والنبي نبي ولو كان في بطن أمه يوجد فيه هذه الملكة كفن من الفنون، فالإنسان مجبول عليه، وهو يطوّر هذه الجبلة بجهده الخاص، ثم جاء إقبال وبين لنا طريقة اكتساب النبوة وتطويرها عند الإنسان، وهي أن يمارس المكاشفات الصوفية، ويغوص في أعماق الذات الإلهية، حتى يتجاوز حدود الاتحاد، فيخرج كقوة حية تسيطر على جميع العالم.
فكل من السيد وإقبال قد اتبع المنهج الاستشراقي الغربي في بيان مفهوم النبوة خَشْية أن يوصف دينهما بمخالفة النظريات العلمية الحديثة، فوافق تعريفهما تعريفات اليهود والنصارى كما سبق ذكرها آنفا، إلا أن السيد سلك مسلك المادي البحت، وصرح بأنه يرفض مفهوم السلف للنبوة، وأما إقبال فعبر النبوة بلغته الفلسفية في أسلوب صوفي، ولم يتطرق إلى تعريفات العلماء المتقدمين، والنتيجة واحدة فكأنما يقولان كما قال الماديون عامة: "إننا لا نشك في صدق محمد ﷺ في خبره عما رأى وسمع، وإنما نقول أن منبع ذلك من نفسه، وليس منه شيء جاء من
стр. 364
علم الغيب الذي يقال إنه وراء عالم المادة والطبيعة الذي يعرفه جميع الناس، فإن هذا الغيب شيء لم يثبت عندنا وجوده، كما أنه لم يثبت عندنا ما ينفيه، أو يلحقه بالمحال" اهـ (١).
وهذا بعينه ما قاله أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم، فيقول المستشرق "لويس أميلي سيديو" (Louis Amelie Sedillot) (٢): " محمد الذي كان منظر الطبيعة غذاء لعقله، فعرف أن يسمو به إلى خالقه، شعر في نفسه ذلك الحس الديني لضرورة الإفصاح عما نضج في فؤاده من الفكر بأقوال وأفعال، فيجب على من يبغي إبلاغ دين أن يبدع، إذن رموزا مفطورة ظاهرة فذة، ما دعي إلى صنعه ذلك الذي يخاطب قوما تميزه من بقية الشعوب بأوصاف خاصة" اهـ (٣).
وقال المستشرق "ستودارد": "كان محمد أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يكن فيلسوفا، ولكنه لم يزل يفكر في هذا الأمر إلى أن تكونت في نفسه بطريق الكشف التدريجي المستمر عقيدة كان يراها الكفيلة بالقضاء على الوثنية" اهـ (٤).
وبالمقارنة بين آراء المستشرقين وأقوال المستغربين يظهر لنا حقيقة هؤلاء المتأثرين بالاستشراق، فإنهم أدركوا من بين مبادئ الإسلام منزلة النبوة والرسالة، وثبوتها وختامها إدراكا جيدا، ثم اطلعوا على شبهات المستشرقين في صورة صياغة
стр. 365
علمية، وخافوا على من ينخدع بها من عامة المسلمين، ولعلهم أخلصوا نياتهم أيضا، فأرادوا تضييق الفجوة بين مبادئ الدين عند المسلمين وبين مفهوم الدين عند الغرب، فجاؤوا بتعريفات للنبوة توافق ما عند الأعداء، حتى يخف الصدام الواقع بين المبادئ التي عندنا وعندهم.
وهكذا قد أثار السيد وإقبال ومن على شاكلتهما شبهة النبوة المكتسبة أو المحترفة، ومهدوا الطريق لمن ادعى النبوة من الكذابين والدجالين، كما سيأتي بيان ذلك في الفصول القادمة عند ذكر الفرقة القاديانية، ويجدر الإشارة هنا إلى أنه قد اعتبر السيد "إيديسن" و"ستيل" الإنكليزين من الأنبياء على هذا الأساس (١)، وقال إقبال عن الغزالي: "وعلى كل حال يتعين علينا اعتراف بأنه قد وجد في دعوة الغزالي شأن النبوة (Apostle) كما حصلت هذه المنزلة نفسها لـ "كانت" (Kant) في ألمانيا في القرن الثامن عشر الميلادي" اهـ (٢).
بعد هذا التحليل العلمي لعبارات المستغربين تتبين الشبهة وهي أن النبوة ليست منحة إلهية إنما هي أمر فطري يوجد في المرء فيطوره، أو هي أمر كسبي فيكسبه بالمجاهدات الصوفية.
تفنيد الشبهة
شبهة النبوة الفطرية أو المكتسبة:
والرد على هذه الشبهة يكون على وجوه:
أولا: اختلاف مفهوم النبوة في اليهودية والنصرانية عنه في الإسلام، وهو اختلاف جوهري، فالنبوة عند اليهود لها مفهوم واسع الحدود وعديم الانضباط، وهذا الأمر قد أتاح لكثير من الشخصيات الإسرائيلية القديمة أن تكتسب صفة النبوة،
стр. 366
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى اختلاط مفهوم النبوة بمفاهيم أخرى مثل الكهانة والعرافة والتنبأ مما أدى إلى إطلاق لفظ "النبي" على كثير من الشخصيات التي لا تستحق ذلك، وقد تعدد أصناف الأنبياء في التاريخ الديني لبني إسرائيل فهناك أنبياء الطقوس والشعائر والمرتبطين بالهيكل وخدمته، وهناك ما يسمى بـ "الأنبياء المحترفين" الذين اتخذوا من التنبؤ حرفة لهم، وهناك طائفة "بني الأنبياء" الوارد ذكرهم في سفر الملوك الإصحاح رقم: ٣، ٢ وبسبب هذا التشعث في النبوة وأهدافها، ووظائفها ظهرت طائفة من المدعين للنبوة باسم "الأنبياء الكذبة" في بني إسرائيل ... " اهـ (١).
فالنبوة في مفهوم اليهود والنصارى تكسب في الغالب بالتعلم، ولها مدارس خاصة، لا يخرج التلميذ منها إلّا وقد حلّ عليه روح القدس وتنبأ، هكذا يتقولون، فجاء في قاموس الكتاب المقدس "وكان الله يختار من بين هؤلاء التلاميذ (تلاميذ المدارس الخاصة من أولاد الأنبياء) عددا ويقبلهم أبناء له ليعلموا الشعب بما يريده منهم، ويختصهم بوحيه" اهـ (٢).
ولا عجب إذن أن يختلط أمر النبوة على اليهود والنصارى فيضمون إلى قائمة النبوة بعض أصحاب الرأي والمتنبئين والعرافين والكهنة والسحرة وغيرهم.
ولكن الأمر في الإسلام واضح جدا، فقد ختمت النبوات والرسالات بنبوة محمد ﷺ قال الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣)، وقال النبي ﷺ : "كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا بيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم،
стр. 367
فإن الله سائلهم عما استرعاهم" اهـ (١)، والذي يدعي النبوة لنفسه أو يزعم النبوة لأحد من الخلق بعد هذا التصريح الصريح فهو كذاب ودجال.
ثانيا: لو كانت النبوة حرفة كأي حرفة أخرى يكتسبها المرء بمجاهدات شخصية، أو هي ملكة فطرية توجد في ذات النبي كوجود أي ملكة إنسانية أخرى، فلماذا خاف وارتجف عند ما نبئ نبينا محمد ﷺ بنبوة سماوية؟ كما روت أم المؤمنين عائشة ﵂: ... "فجاءه الملك فقال اقرأ ... ثم غطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهبت عنه الروع" اهـ (٢).
ثالثا: أنه وردت هناك أمور في الحديث الصحيح على لسان هرقل الملك النصراني الجزاء الذي كان ينظر في النجوم، فيعرف بها النبوة الصادقة من النبوة الكاذبة، فالنبوة الصادقة هي منة من الله لا يعطيها الله إلّا من كان ذا نسب كريم، ولا تكون النبوة توارثا، ولا تقليدا لأحد، والنبي الصادق لا يريد من نبوته ملكا لآبائه والنبي لا يكون كذابا، ويتبعه ضعفاء الناس، وهم يزيدون ولا ينقصون، ولا يرتدّ أحد بعد أن دخل في دينه، ولا يغدر، ويأمر بالتوحيد، وينهى عن الشرك، ويأمر بالصلاة والصدق والعفاف (٣).
أما النبوة الكاذبة فتكون مكتسبة، ويدعي صاحبها تقليدا لمن سبق بهذا الادعاء، ويهدف من ورائها المُلك والسلطة، ويكون كذّابا، ويتبعه أشراف الناس، وهم ينقصون ولا يزيدون، وبعد أن عرفوا كذبه يرتدون، ويغدر الكذاب، ويأمر بالشرك، ولا يأمر بالصلاهَ والصدق والعفاف.
стр. 368
كما رواها ابن عباس ﵁ "أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام ... (حتى قال) قال (هرقل) لترجمانه: قل إني سائل هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه ... (ثم قال): فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أن أخلص إليه لتشجعت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه" اهـ (١).
رابعا: لا ندعي أن هذه الحقائق غابت عن ذهني السيد وإقبال، وكذلك لا نتهمهما بأنهما كذّبا نبوة محمد ﷺ ، بل نحسن بهما الظن، ونقول إنهما كانا ممن دافع عن الإيمان بنبوة محمد ﷺ ، فكان لزاما عليهما أن يقفا وفقات مع كل مستشرق ومكابر في إنكار نبوة محمد ﷺ ، وكان على السيد أن يفرق بين النبوة الصادقة والنبوة الكاذبة، وأن يربط النبوة الصادقة بما وراء الغيب من وحي وجبرئيل وكلام من الله ، ولكنه قد أنكر هذه الحقائق الثابتة من الكتاب والسنة وأولها بتأويلات باردة، فإنكار هذه الإيمانيات الصادقة كفاه ردا على الفرية التي افتراها بقوله إن النبوة ليست منحة إلهية.
وأما إقبال إذا كان يعرف الحقائق المذكورة كان لزاما عليه أن لا يقيس النبوة التي هي منحة إلهية بما اخترعه من عند نفسه من الشطحات الصوفية، والمكاشفات الشيطانية التي سماها الكشوفات والواردات والاتحاد.
стр. 369
المطلب الثاني: مفهوم الوحي.
وفيه
* تعريف الوحي.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق.
* تحليل العبارة وتعيين الشبهة.
* تفنيد الشبهة: شبهة الوحي النفسي.
стр. 370
المطلب الثاني: مفهوم الوحي
تعريف الوحي:
الوحي لغة: قال الجوهري: "الوَحْيُ الكتاب، جمعه وُحِيٌّ، مثل حَلْيٍ وحُلِيٌّ ... والوحي أيضا الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. يقال: وحيت له الكلام وأوحيت، وهو أن تكلمه بكلام تخفيه .... وأوحى الله إلى أنبيائه، ووحى: أي أشار" اهـ (١).
و"أصل الوحي الإشارة السريعة، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة بعض الجوارح، وبالكتابة" اهـ (٢).
إذن فمعنى الوحي في اللغة الإعلام الخفي السريع الخاص لمن يوجه إليه، بحيث يخفى على غيره، ويدخل تحت ذلك أنواع عديدة من الإعلام:
منها الإلهام الغريزي كالوحي إلى النحل ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (٣).
ومنها إلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة الطاهر الروح كالوحي إلى أم موسى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤).
ومنها وسوسة الشيطان ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (٥). ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٦).
стр. 371
الوحي شرعا: "هو إعلام الله (لأحد من عباده) بالشرع، وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه أي الموحى، وهو كلام الله المنزل على أحد من الأنبياء" اهـ (١).
وقال الزرقاني: "أما الوحي فمعناه في لسان الشرع: أن يُعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر" (٢) اهـ.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ مراتب الوحي إلى نبينا محمد ﷺ ، فقال: " ..... وكمل الله له من مراتب الوحي مراتب عديدة" اهـ (٣).
١ - الرؤيا الصادقة.
٢ - ما كان يلقيه الملك في روعه من غير أن يراه.
٣ - أنه ﷺ كان يتمثل له الملك رجلا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانا.
٤ - أنه ﷺ كان يأتيه (الوحي) في مثل صلصلة الجرس.
٥ - أنه ﷺ يرى الملك في صورته التي خلق عليها.
٦ - ما أوحاه الله، وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.
٧ - كلام الله له ﷺ منه بلا واسطة ملك.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤).
стр. 372
عن الحارث بن هشام ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد عليّ فيفصَمُ عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" اهـ.
قالت عائشة رضى الله عنها: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليفصد عرقا" اهـ (١).
عن عائشة رضى الله عنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم وكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح" اهـ (٢).
وقال ابن حجر ﵀: "والرؤيا الصادقة قد يشركه غير النبي، وإن كانت هي جزءا من النبوة فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلّا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيا وليس كذلك" اهـ (٣).
الوحي عند اليهود:
أما الوحي عند اليهود فكثير من كتب اليهود المعروفة عندهم بالتناخ (٤) تعبر عن الوحي "بكلام الرب" وقد تعبر عن "الرؤيا" بلفظة "الوحي" (٥).
стр. 373
الوحي عند النصارى:
وأما الوحي عند النصارى فقد عرفوا الوحي بقولهم: "الوحي هو إبلاغ الحق الإلهي للبشر بواسطة بشر، وهو عمل روح الله، أو بعبارة أدق عمل روح القدس، فروح القدس يعمل في أفكار أشخاص مختارين في قلوبهم، ويجعلهم أداة للوحي الإلهي" اهـ (١).
وبالجملة قد عرفنا مما سبق من تعريف الوحي أن النظرية اليهودية والنصرانية قد اتفقت مع النظرية الإسلامية في حدوث الوحي لأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، إلّا أنهم خلطوا في تعريف الوحي بين الإلهام الناشئ عن طريق الوحي الرباني، وبين الإلهام الآخر، كإلهام الخواطر للإنسان النقي الفطرة أو الإلهام الغريزي، ولا يخلط مثل هذه الأمور بوحي الله تعالى لمن اصطفاهم بالنبوة، واختصهم بالرسالة إلّا من اتخذ إلهه هواه (٢).
وبعد هذا العرض السريع لتعريف الوحي عند المسلمين واليهود والنصارى نأتي إلى أقوال المتأثرين بالاستشراق في مفهوم الوحي لنعرف مدى تأثرهم بالمعطيات الغربية.
أقوال المتأثرين بالاستشراق
قال سيد أحمد خان: "لا توجد واسطة بين الله والنبي لإيصال الوحي إليه إلّا هذه الملكة، وهي التي يقال عنه الناموس الأكبر، وفي لسان الشرع جبريل. فقلب النبي هو المرآة التي تتراءى له فيها التجليات، وتلك المضغة المجسدة هي التي تسمع تلك النبرات غير الصوتية، ومن ذلك القلب يخرج الوحي كخروج الماء من النافورة، وعليه ينزل، ويرى صاحبه صورة الوحي فيه، فيخرج عنها بالإيحاء والإلهام دون أن يكلمه
стр. 374
أحد، بل يتكلم من نفسه ويقول عن نفسه، وما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى.
هذه الحوادث والأمور الواردة على القلب فطرة بشرية لا يتخلف قانونها أبدا، ويسمع النبي كلامه النفسي بإذنيه الخارجيتين كأن شخصا يخاطبه من الخارج، ويرى بعينيه الخارجيتين كأنه شخص يقف أمامه .... ، ومع فارق التشبيه نثبت أن آلافا منا من رأى حالات فاقدي العقل فهم يسمعون أصواتا دون متكلم، ويرون أشخاصا في الخارج مع انفرادهم عن البشر .... ، وتلك كلها أوهام من أوهامهم لارتكاز كل قواهم واتجاهها إلى شيء معين" اهـ (١).
وقال إقبال: "إن هناك في القلب وجدانا أو نورا سماه القرآن بالفؤاد، فإذا ربَّيْنَا هذا الوجدان يتقوَّى، فإذا تقوَّى يصل بنا إلى حقائق ما وراء الحواس، وإفاداته لا تخطئ أبدا، فهذه وسيلة من وسائل العلم يعتمد عليها كاعتمادنا على المشاهدات، وتسميتها بالعلم الباطني أو العلم التصوفي أو خارق العادة لا يقل عن قيمتها وقدرها، إذ أن كل المشاهدات كانت بدايتها شيئا ما فوق العادة فبدأ الإنسان التعبير عن مدركاته، ومحسوساته عند الضرورة حتى وصل إلى التعرف على الطبيعة التي هي معروفة لدينا اليوم، .... والنبي ﷺ قد اهتمّ لهذه المشاهدات والمكاشفات في قصة ابن صياد المذكورة في صحيح البخاري بكل تفاصيلها (٢)، فالكيف الوجداني الذي كان عند ابن صياد الشاب اليهودي قد لفت نظر النبي ﷺ إليه فحقق تنبآته، واختبره وراقبه في أحوال متعددة قد نقلها المحدثون في كتبهم، إلّا أن فهمهم لهذه القصة قد تقاصر فشرحوها لوجهات نظرهم الساذَجة.
وتناول هذه القصة المستشرق "ماكدونالد" (Macdonald)، وتمتع بها ولكنه كان ممن لم يدرك حقيقة الفرق الأساسي بين شعور النبوة وشعور الولاية" اهـ (٣).
стр. 375
وقال إقبال في كلامه الشعري: "قد جاء زمن بدأت تنكشف فيه الأسرار المكنونة كلها وولّى دور كان يقال فيه ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ " اهـ (١).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة
بعد أن أثبت السيد وإقبال أن النبوة أمر طبيعي يكتسبها الإنسان أو يطورها بالممارسة والمجاهدة، فسّرا الوحي بما يناسب لهذا الأمر الكسبي أو الفطري، فمصدر الوحي عند السيد هو قلب النبي ﷺ ثم حدد إقبال موقع الوحي من القلب هو الوجدان أو الكيف الوجداني، إلّا أن إقبالًا لم يوضح لنا فهل هو يتكلم في هذا المقام عن الوحي أو يتكلم عن الكشف الذي يدعيه المتصوفة، ولكن السيد بيّن أن هذا الكيف الوجداني هو اللسان الناطق للوحي وهو الأذن السامعة التي يسمع بها الوحي وهو العين الباصرة يبصر بها الوحي، فالنبي كفاقد العقل (عنده) يسمع صوتا دون أن يرى المتكلم ويبصر شخصا خياليا لا وجود له.
فمفهوم الوحي عند السيد وإقبال مختلف عن المفهوم الذي أورده الشرع للوحي، والذي اتفقت عليه سائر الأمة. فتعريف السيد للوحي يكاد يتحد بالتحليل النفسي عند العلماء لبعض الحالات المرضية، بينما تعريف إقبال للوحي يتحد تماما بحالات المراقبة والكشف عند الصوفية، ومردّ ذلك كله أنهما تكلفا بشرح الإسلام في ضوء ما يقبله الغرب، وتقرّه علومهم التجريبية، وبما أن الوحي غير معترف به في المعامل الغربية، فليكن شبيها بحالة من حالات النفسية المعترف بها لدى الغرب أو الحالة الصوفية المعترف بها عند الغرب، نسأل الله السلامة من زيغ الفكر.
فشبهة الوحي النفسي قد اهتم بها الأعداء من المستشرقين وغيرهم ليقطع صلة الإسلام من الله تعالى.
يقول المستشرق "درمنغم": "وجعل (الرسول ﷺ يقضي ساعات طويلة (٢) جافيا في أطلال الغار، أو متقلبا تحت وهج الشمس، وسائرا بخطى
стр. 376
واسعة في الشعاب، وكان كلما سار خيل إليه أن أصواتا تخرج من الحجارة ... هذه الكواكب تكون في ليالي صيف الصحراء من الكثرة وشدة النور ما يخيل معه أنه يسمع صوتا لِلَمَعَانِهَا كما يسمع صوت نار موقد كبير" اهـ (١).
ويقول المستشرق "لوثروب ستودارد": "كان محمد أميا لا يقرأ ولا يكتب ولم يكن فيلسوفا ولكنه لم يزل يفكر في هذا الأمر إلى أن تكونت في نفسه بطريق الكشف التدريجي المستمر عقيدة كان يراها الكفيلة بالقضاء على الوثنية" اهـ (٢).
وقال أيضا: "إن سبب الوحي النازل على محمد ﷺ والدعوة التي قام بها هو ما كان ينتابه من داء الصرع" اهـ (٣).
أما "ماكدونالد" فقد اتهم محمدا ﷺ بأن الغيرة قد أخذته من غلام يهودي كان يُدعى ابن صياد، لأنه كان يتمتع بالظواهر نفسها التي سماها "ماكدونالد" ظواهر مرض الصرع، فيقول: "كان هناك طفل يهودي في الثالثة عشرة من العمر يُدعى ابن صياد .... " اهـ، ثم ذكر القصة بأسلوبه الماكر وأخيرا استنتج نتيجة يقول فيها: "إنه لمن الواضح والبين أن محمدا كان يميز ما حوله من ظواهر شبيهة بالظاهرة التي كانت تعتريه، وكان يعلم أنه لا توجد خطورة عليه من تلك الظواهر وأصحابها، ولكن كان يجب عليه أن يضع لها تعليلا لكي لا ينصرف الناس منه إليها، فأخبر من حوله بأنه أوحي إليه، وأن تلك الظواهر الشبيهة بظاهرته إنما هي من التكهن، فبينما يؤيده هو ملك يسمى بروح القدس، فإن الكهنة يؤيد هم الجن ... لكن بالرغم من كل المحاولات كان معارضوه يلقبونه بالشاعر رغم أن ما كان يقوله
стр. 377
يقترب إلى مقومات الشعر في عصره، ولا يرتقي لمستوى حديث الشعراء، ولقد لقبه آخرون بالكاهن، وقال بعضهم الآخر بأنه مؤيد من قبل الجن" اهـ (١).
هذه وغيرها من الاتهامات تفوه بها أعداء الإسلام على الوحي القرآني، فكان مما ينبغي لسيد أحمد خان والدكتور إقبال ومن سلك مسلكهما أن يردوا على هذه الشبهات الاستشراقية بأدلة عقلية ونقلية مقنعة. وأن يقفوا أمام هذه التحديات وقفات جريئة، ولكنهم انساقوا إلى ما قاله المستشرقون، وتركوا ما عندهم من الحق، فرفض السيد مفهوم السلف في مسألة النبوة والوحي بقوله الصريح، واتهم إقبال المحدثين بأن فهمهم لقصة ابن صياد قد تقاصر، ولم يبق بعد الحق إلا الضلال، فقالوا مثل ما قال المستشرقون أنفسهم، ولقد عبر عن هذا الرأي أحد العرب المتأثر بالاستشراق بتعبير بليغ فقال:
"إن الوحي والإلهام كان يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج، ذلك أن منازع نفسه العالية، وسريرته الطاهرة، وقوة إيمانه بالله، وبوجوب عبادته وترك ما سواها من عبادة وثنية وتقاليد وراثية رديئة، يكون لها في جملتها من التأثير ما يتجلى في ذهنه، ويحدث في عقله الباطن الرؤى والأحوال الروحية، فيتصور ما يعتقد وجوبه إرشادا إلهيا نازلا عليه من السماء بدون وساطة أو يتمثل له رجل يلقنه ذلك، ويعتقد أنه ملك من عالم الغيب، وقد يسمعه يقول ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند جميع الأنبياء، فكل ما يخبر به النبي من كلام ألقي في روعه، أو عن ملك ألقاه على سمعه، فهو خبر صادق عنده" اهـ (٢).
стр. 378
وهكذا قد أراد المتأثرون بالاستشراق تضييق الفجوة بين المسلمين وأعدائهم في هذه العقيدة عقيدة الوحي، فجاؤوا بتعريفات للوحي وشروحات للوحي لكي لا يكون بينها وبين نظريات الأعداء ذلك الصدام الواقع.
إذن الشبهة واسعة الأطراف، فيها إنكار اللوح المحفوظ الذي فيه كلام الله، وفيها إنكار بيت العزة الذي نزل فيه القرآن جملة وأحدة، وفيها إنكار جبريل الأمين الذي كان واسطة بين الله ورسله، فيمكن إجمال هذه المزاعم كلها في شبهة وهي: شبهة الوحي النفسي .
تفنيد الشبهة
شبهة الوحي النفسي:
وللرد على هذه الشبهة نقول:
أولا: قول السيد "يسمع النبي كلامه النفسي بأذنيه" يرده قول النبي ﷺ -وهو الصادق والمصدوق- حيث سئل كيف يأتيك الوحي فأجاب: "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّ عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ... " اهـ (١).
ومن ذلك قوله تعالى -ومن أصدق من الله قيلا-: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢).
ثانيا: أما قول السيد: "إن النبي ﷺ يرى أمامه شخصا خياليا عند نزول الوحي كفاقد العقل" اهـ يرده قول النبي ﷺ في حديث روته أم المؤمنين عائشة ﵂: " .... حتى جاءه الحق وهو في غار
стр. 379
حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ ...... فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق .... " اهـ (١).
ومن ذلك قوله تعالى -وهو أصدق القائلين-: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (٢).
ثالثا: ولا ندري كيف ساغ للسيد أن يشبه النبي ﷺ بفاقد العقل، وحالته ﷺ عند نزول الوحي كحالة المجنون، فكيف تجرأ لهذه الفرية وهو السيد الذي يقول عن نفسه: "إنني لما رأيت اتهامات "وليم ميور" على جدي ﷺ احترق قلبي من شدة الحزن" اهـ (٣).
ومن المعروف أن فاقد العقل إذا رأى شيئا خياليا، يرى هو وحده دون غيره، ولكن النبي ﷺ عندما كان يرى جبريل قد يراه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين كما جاء في حديث جبريل:
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرف منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ..... (حتى قال: ) قال النبي ﷺ : أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" اهـ (٤).
رابعا: أما قول إقبال: "فإذا تقوّى هذا الوجدان يصل بنا إلى حقائق ما وراء الحواس، وإفاداته لا تخطئ أبدا" اهـ فنرد عليه ونقول: لو كان تربية الوجدان وسيلة إلى معرفة حقائق ما وراء الحواس لصار كل منا نبيا، ولتعطلت رسالات الله من
стр. 380
السماء، ولم تعد لها فائدة على البشر، إذ أن بعض النفوس قد تستيقن ما تجد من عرفان بأنه من عند الله، وما هو من عند الله بل هو من الشيطان، فما الوسواس الذي يجده الموسوسون في نفوسهم في الأمر الديني إلّا اعتقادا منهم بأنه تنبيه إلهي لهم، بتقصيرهم في الوضوء مثلا، فيعيدونه مرات ومرات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وما ذلكم الوسواس إلّا من الشيطان، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (١)(٢).
قال ابن تيمية ﵀: "كل من خالف الرسول لا يخرج من الظن، وما تهوى الأنفس، فإن كان ممن يعتقد ما قاله، وله فيه حجة يستدل بها كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئا كاحتجاجهم بقياس فاسد، أو نقل كاذب أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من الله، وكان من إلقاء الشياطين" اهـ (٣).
خامسا: قد أورد إقبال قصة ابن صياد وقال قد اهتم النبي ﷺ مكاشفاته واختبره ... فالسؤال هنا: لماذا اهتم النبي ﷺ بهذه الواردات عند ابن صياد؟ وفي الجواب إذا ذهبنا إلى ما ذهب إليه علماء الإسلام بأن النبي ﷺ اختبره لإزالة الظن التي ظنه بعض الناس بأنه الدجال الذي حذر عنه كل نبي مرسل لأنه كان ممسوحة عينه والأخرى طالعة ناتئة، فأشفق النبي ﷺ أن يكون هو الدجال، فذهب إليه وحقق أمره وبين أنه ليس بالدجال المحذر منه (٤)، يقول إقبال: هذا فهم قاصر، وإذا كان فهم المحدثين قاصرا، فهل فهم أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم كامل؟
المطلب الأول: الأنبياء.
وفيه:
* تعريف النبي.
* تعريف الرسول.
* الإيمان بالأنبياء والرسل.
* آدم ﵇ أبو البشر وأول الرسل.
* ولادة عيسى بدون أب كانت آية من آيات الله.
* رفع عيسى إلى السماء بالجسد والروح حيا مذهب أهل السنة والجماعة.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق وهي على ثلاثة أقسام:
* تفنيد شبهة أن شخصية آدم لم تكن حقيقة إنما هو خيال تخيله البشر.
* تفنيد شبهة أن ولادة عيسى لم تكن آية من آيات الله.
* تفنيد شبهة أن عيسى ﵇ لم يرفع حيا إلى السماء.
стр. 383
المطلب الأول: الأنبياء
١ - تعريف النبي:
النبي مشتق من النَبَأِ.
قال الجوهري: "والنَبَأُ، الخبر يقول: نَبَأَ ونبّأَ أي أخبر، ومنه أُخذ النبي لأنه أنبأ الخبر عن الله تعالى، وهو فعيل بمعنى فاعل" اهـ (١).
أي هو مخبر عن الله تعالى أَمره ووحيه قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٣).
أو أُخذ النبي من النبأ لأن الله أنبأه وأخبره فهو مخبَر، فهو فعيل بمعنى مفعول، والله أوحى إليه أمره ووحيه، قال تعالى: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٤).
فالأنبياء مُخْبَرون ومُخْبِرون، وهم أشرف الخلق وأولو قدر عظيم في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٦).
стр. 384
٢ - تعريف الرسول:
قال الزَّبِيدي: "الإرسال .... التوجيه، وبه فسر إرسال الله أنبياءه ﵈ كأنه وجَّه إليهم أن أنذروا عبادي .. (والرسول أيضا المرسَل) وقال ابن الأنباري في قول المؤذن "أشهد أن محمدا رسول الله" أعلم وأبين أن محمدا تتابع الأخبار عن الله ، والرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذا من قولهم جاءت الإبل رسلا متتابعة" اهـ (١).
فالرسل موَجَّهودن ومرسلون متتابعون، قال تعالى حاكيا قول ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (٣).
الفرق بين النبي والرسول كما ذكر ابن تيمية: النبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله فهو رسول اهـ (٤) وعلى ذلك كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.
٣ - الإيمان بالأنبياء والرسل:
معنى الإيمان بالأنبياء والرسل هو التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه وأن جميعهم صادقون مصَدقَّون بارون راشدون، كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات القاهرة من ربهم مؤيدون، وأنهم بلّغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا منه حرفا، ولم يغيروه، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم
стр. 385
ينقصوه، فهل على الرسل إلّا البلاغ المبين وأنهم كلهم كانوا على الحق المبين والهدى المستبين.
وأن الله اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ محمدا ﷺ خليلا، وكلم موسى تكليما، ورفع إدريس مكانا عليا، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه" اهـ (١).
آدم ﵇ أبو البشر وأول الرسل:
ومن الإيمان بالرسل أن نؤمن بأن الله تعالى خلق آدم بيديه حيث قبض قبضة من كل أرض، فخلقه ونفخ من روحه، وكان طوله ستون ذراعا (٢)، وأسجد له الملائكة، وخلق زوجته حواء ﵉، وأسكنهما في الجنة، ثم أنزلهما إلى الأرض لحكمة يعلمها الله، وبث منهما رجالا ونساء، واصطفى من بينهم آدم نبيا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣) فكان أول الرسل قبل الاختلاف، وكان الناس كلهم متبعون له، وكانوا على التوحيد الخالص عشرة قرون ثم حدث الشرك والاختلاف، فأرسل نوحا أول رسول بعد الاختلاف (٤).
стр. 386
ولادة عيسى بدون أب كانت آية من آيات الله:
ومن الإيمان بالرسل أن نؤمن بأن ولادة عيسى كانت آية من آيات الله، ولد بدون أب، وتكلم في المهد صبيا، وخاطب اليهود بقوله كما قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (١).
فرد بقوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ على النصارى في قولهم ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾، ورد على اليهود بقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ في قولهم إنه ولد الزنا، لأن الثابت عند بني إسرائيل أن ولد الزنا لم يكن نبيا إلى عشرة أجيال (٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٣).
وعن عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" اهـ (٤).
رفع عيسى إلى السماء بالجسد والروح حيا مذهب أهل السنة والجماعة:
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٥).
стр. 387
إن الله ذكر في بداية الآية ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ اختلف المفسرون في معنى الوفاة التي ذكرها الله في هذه الآية قال بعضهم: هي وفاة نوم، كأن معنى الكلام إني قابض من الأرض فرافعك إليّ.
وقال الآخرون: هي وفاة موت، معنى ذلك إني متوفيك وفاة موت.
وقال الآخرون: معنى ذلك إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا أي فيه تقديم وتأخير ... (١).
وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال معنى ذلك إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ في ذلك ومن ذلك ما روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، يقبض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٢)(٣).
ولأن بقية المعاني تنضم إلى هذا المعنى بحيث إن وفاة نوم ليس بموت والتقديم والتأخير هو تجنب عن الموت عند الرفع، وأما المعنى الثالث: وفاة موت فيمكن أن يؤول أنه مات ثلاث ساعات أو سبع ساعات من النهار كما وردت في ذلك آثار عن السلف (٤).
стр. 388
ومن الإيمان بالرسل الإيمان بأن الله تعالى ختم الرسالة بنبينا محمد ﷺ ، فلا نبي بعده قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١).
فهذا ملخص اعتقاد أهل السنة والجماعة تجاه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبعد هذا التأصيل نأتي إلى أقوال المتأثرين بالاستشراق .
أقوال المتأثرين بالاستشراق
وهي على ثلاثة أقسام:
أولا: أقوالهم في حقيقة آدم ﵇:
قال سيد أحمد خان عند تفسير الآية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
ليس المراد بلفظة "آدم" ذلك الشخص الذي يسميه عوام الناس ومشايخ المساجد بالأب "آدم" بل المراد به جنس الإنسان.
وقال إقبال: "وكان الهدف من ذكر آدم في التوراة إثبات قدرة النيابة في الإنسان، أما القرآن فقد حذف جميع الأسماء من قصة آدم وحواء والتي قد ذكرت في العهد القديم، لأن لا يكون هناك خطأ في الفهم والنظر إلى الحقيقة المقصودة، ومما لا شك فيه أن اسم آدم لم يحذف من هذه القصة، ولكن ليس المقصود به إشارة إلى شخص معين خلق أبا للبشر، وأسكن في جنات النعيم، وإنما هو تصور عام للحياة البشرية الساذجة، كما أن المراد بالجنة ليست تلك الجنة التي أعدت بصفة لم تدركها الحواس، بل إنما المقصود بها الإشارة إلى بداية الحياة الإنسانية تمهيدا للحياة المدنية والثقافية، وكذلك لا يراد بالهبوط، الهبوط الحسي أو الخلقي إنما يراد به الإشارة إلى
стр. 389
الشعور الساذج، وهو لمعان للشعور الذاتي، ومن هنا استيقظ الإنسان، وشعر بأنه سبب وعلة، ويمكن له الخلق" اهـ (١).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة
تتحدث العبارات السابقة عن شخصية آدم بأنه خيال لا حقيقة له، وأريد بآدم في الآيات القرآنية جنس البشر ولا غير، وقد صرح السيد بهذا الرأي وفصله في مواضع كثيرة، فذكر قصة آدم وقال: "إن في هذه القصة أربعة فرقاء:
الفريق الأول: الله .
الفريق الثاني: الملائكة، المراد بها القوى الملكوتية.
الفريق الثالث: إبليس أو الشيطان، المراد به القوى البهيمية.
الفريق الرابع: آدم، المراد به الإنسان الذي هو مجموعة القوى البشرية رجالا ونساء.
فالمقصود من القصة هو حكاية عن فطرة الإنسان بلسانه الحالي، وليس بلسانه القولي" اهـ (٢).
وبالجملة أراد السيد أن ينكر حقيقة آدم التي أجمعت عليها الشرائع السماوية كما أنكر حقيقة الملائكة والجن الشياطين، ولكنه لم يتمكن من ذلك كما سنرى في الصفحات القادمة.
وأما إقبال فدرس القصة دراسة مقارنة بين التناخ (العهد القديم) والقرآن الكريم، وأنكر جميع الروايات الإسرائيلية حول هذه القصة، ولكنه وقع في تأويلات بعيدة وهو يردّ على الرواية الإسرائيلية، فوصل إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها السيد فأنكر حقيقة آدم وأنكر أن يكون هو أبا البشر ومن ثم أنكر دخوله الجنة
стр. 390
وهبوطه منها، ثم بدأ يؤول الآيات الواردة في هذا المعنى بقوله: إن المراد بآدم جنس البشر والمراد بالهبوط الهبوط المعنوي الخلقي، وغير ذلك من التأويلات.
السؤال هنا: ماذا يريد السيد وإقبال بهذا الإصرار على إنكار الحقيقة الثابتة بالكتاب والسنة، أليس هذا هو تأثر بالمنهج الغربي وانبهار وانهزام أما النظرية الداروينية (١) التي تقول: "بدأت الحياة الأولى للإنسان والحيوان والنبات على هذه الأرض بجرثومة أو جراثيم حية، فتطورت من حال إلى حال تحت تأثير عوامل طبيعية حتى وصلت إلى هذه التنوعات التي نراها، وعلى رأسها الإنسان" اهـ (٢).
ونحن لا نتهم إقبالًا بأنه رفض النظرية الإسلامية في أصل الإنسان وقبل نظرية الداروينية في أصل البشر، بل إنه كان ممن تصدى بالرد على النظرية الداروينية، ولكنه انجرح بالأسلحة التي استخدمه للرد على الأعداء، فتأثر بهم، وأعطى الضوء الأخضر لمن يريد أن يدخل نظرية داروين وغيرها في أذهان المسلمين، وبين أن القرآن لا يعارض هذا ولا يخالفه بل أيد تلك النظرية من حيث لا يشعر فأثبت نظرية التطور البشري بأنه نشأ أول ما نشأ ساذجا سذاجة لا يبلغ بها تناول الشؤون الرفيعة والمعاني العالية من التمدن والثقافة.