ولادة عيسى بدون أب كانت آية من آيات الله:
ومن الإيمان بالرسل أن نؤمن بأن ولادة عيسى كانت آية من آيات الله، ولد بدون أب، وتكلم في المهد صبيا، وخاطب اليهود بقوله كما قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (١).
فرد بقوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ على النصارى في قولهم ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾، ورد على اليهود بقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ في قولهم إنه ولد الزنا، لأن الثابت عند بني إسرائيل أن ولد الزنا لم يكن نبيا إلى عشرة أجيال (٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٣).
وعن عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" اهـ (٤).
رفع عيسى إلى السماء بالجسد والروح حيا مذهب أهل السنة والجماعة:
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٥).
стр. 387
إن الله ذكر في بداية الآية ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ اختلف المفسرون في معنى الوفاة التي ذكرها الله في هذه الآية قال بعضهم: هي وفاة نوم، كأن معنى الكلام إني قابض من الأرض فرافعك إليّ.
وقال الآخرون: هي وفاة موت، معنى ذلك إني متوفيك وفاة موت.
وقال الآخرون: معنى ذلك إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا أي فيه تقديم وتأخير ... (١).
وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال معنى ذلك إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ في ذلك ومن ذلك ما روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، يقبض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٢)(٣).
ولأن بقية المعاني تنضم إلى هذا المعنى بحيث إن وفاة نوم ليس بموت والتقديم والتأخير هو تجنب عن الموت عند الرفع، وأما المعنى الثالث: وفاة موت فيمكن أن يؤول أنه مات ثلاث ساعات أو سبع ساعات من النهار كما وردت في ذلك آثار عن السلف (٤).
стр. 388
ومن الإيمان بالرسل الإيمان بأن الله تعالى ختم الرسالة بنبينا محمد ﷺ ، فلا نبي بعده قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١).
فهذا ملخص اعتقاد أهل السنة والجماعة تجاه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبعد هذا التأصيل نأتي إلى أقوال المتأثرين بالاستشراق .
أقوال المتأثرين بالاستشراق
وهي على ثلاثة أقسام:
أولا: أقوالهم في حقيقة آدم ﵇:
قال سيد أحمد خان عند تفسير الآية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
ليس المراد بلفظة "آدم" ذلك الشخص الذي يسميه عوام الناس ومشايخ المساجد بالأب "آدم" بل المراد به جنس الإنسان.
وقال إقبال: "وكان الهدف من ذكر آدم في التوراة إثبات قدرة النيابة في الإنسان، أما القرآن فقد حذف جميع الأسماء من قصة آدم وحواء والتي قد ذكرت في العهد القديم، لأن لا يكون هناك خطأ في الفهم والنظر إلى الحقيقة المقصودة، ومما لا شك فيه أن اسم آدم لم يحذف من هذه القصة، ولكن ليس المقصود به إشارة إلى شخص معين خلق أبا للبشر، وأسكن في جنات النعيم، وإنما هو تصور عام للحياة البشرية الساذجة، كما أن المراد بالجنة ليست تلك الجنة التي أعدت بصفة لم تدركها الحواس، بل إنما المقصود بها الإشارة إلى بداية الحياة الإنسانية تمهيدا للحياة المدنية والثقافية، وكذلك لا يراد بالهبوط، الهبوط الحسي أو الخلقي إنما يراد به الإشارة إلى
стр. 389
الشعور الساذج، وهو لمعان للشعور الذاتي، ومن هنا استيقظ الإنسان، وشعر بأنه سبب وعلة، ويمكن له الخلق" اهـ (١).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة
تتحدث العبارات السابقة عن شخصية آدم بأنه خيال لا حقيقة له، وأريد بآدم في الآيات القرآنية جنس البشر ولا غير، وقد صرح السيد بهذا الرأي وفصله في مواضع كثيرة، فذكر قصة آدم وقال: "إن في هذه القصة أربعة فرقاء:
الفريق الأول: الله .
الفريق الثاني: الملائكة، المراد بها القوى الملكوتية.
الفريق الثالث: إبليس أو الشيطان، المراد به القوى البهيمية.
الفريق الرابع: آدم، المراد به الإنسان الذي هو مجموعة القوى البشرية رجالا ونساء.
فالمقصود من القصة هو حكاية عن فطرة الإنسان بلسانه الحالي، وليس بلسانه القولي" اهـ (٢).
وبالجملة أراد السيد أن ينكر حقيقة آدم التي أجمعت عليها الشرائع السماوية كما أنكر حقيقة الملائكة والجن الشياطين، ولكنه لم يتمكن من ذلك كما سنرى في الصفحات القادمة.
وأما إقبال فدرس القصة دراسة مقارنة بين التناخ (العهد القديم) والقرآن الكريم، وأنكر جميع الروايات الإسرائيلية حول هذه القصة، ولكنه وقع في تأويلات بعيدة وهو يردّ على الرواية الإسرائيلية، فوصل إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها السيد فأنكر حقيقة آدم وأنكر أن يكون هو أبا البشر ومن ثم أنكر دخوله الجنة
стр. 390
وهبوطه منها، ثم بدأ يؤول الآيات الواردة في هذا المعنى بقوله: إن المراد بآدم جنس البشر والمراد بالهبوط الهبوط المعنوي الخلقي، وغير ذلك من التأويلات.
السؤال هنا: ماذا يريد السيد وإقبال بهذا الإصرار على إنكار الحقيقة الثابتة بالكتاب والسنة، أليس هذا هو تأثر بالمنهج الغربي وانبهار وانهزام أما النظرية الداروينية (١) التي تقول: "بدأت الحياة الأولى للإنسان والحيوان والنبات على هذه الأرض بجرثومة أو جراثيم حية، فتطورت من حال إلى حال تحت تأثير عوامل طبيعية حتى وصلت إلى هذه التنوعات التي نراها، وعلى رأسها الإنسان" اهـ (٢).
ونحن لا نتهم إقبالًا بأنه رفض النظرية الإسلامية في أصل الإنسان وقبل نظرية الداروينية في أصل البشر، بل إنه كان ممن تصدى بالرد على النظرية الداروينية، ولكنه انجرح بالأسلحة التي استخدمه للرد على الأعداء، فتأثر بهم، وأعطى الضوء الأخضر لمن يريد أن يدخل نظرية داروين وغيرها في أذهان المسلمين، وبين أن القرآن لا يعارض هذا ولا يخالفه بل أيد تلك النظرية من حيث لا يشعر فأثبت نظرية التطور البشري بأنه نشأ أول ما نشأ ساذجا سذاجة لا يبلغ بها تناول الشؤون الرفيعة والمعاني العالية من التمدن والثقافة.
стр. 391
أما السيد فقد صرح في عبارأته بأنه متمسك بنظرية الداروين من أن الإنسان كان جُرثومة لما خلق، فكتب موضوعا بعنوان: (آدم كي سر كزشت) قصة آدم وذكر حكايته بلسانه، فبدأ فيه بسؤال لآدم من أبنائه: "من أنت؟ وما اسمك؟ (فأجاب آدم) لا أدري من أنا؟ ولكن اسمي آدم. (ثم قيل له) ما هي المراحل التي مررت بها؟ (قال): وَجدتُ نفسي في هذه الدنيا، ولكنّني لا أدري من خلقني؟ ..... (حتى قال): لما خرجت من الأرض لم أكن على هذه الصورة التي عليها الآن، وبالتدريج حصلت لي هذه الصورة التي ترونها، وإذا رأيتم تلك الهيئة التي كنت عليها عندما خلقتُ من الأرض لتعجبتم واستغربتم، كنت جرثومة أمتن من الشعر وأصغر من حبة خردل، وكل صفة من حسن وجمال وعقل وكمال كانت مختفية فيها، كما تكون أثمار الشجرة وأزهارها وأغصانها مختفية في نواتها" اهـ (١).
وإن اختلف الرجلان في تعبيرهما فقد اتفقا في إنكارهما لحقيقة آدم ﵇ وأبوَّته للبشر ونبوَّته لهم قبل الاختلاف، إذن تتعين الشبهة كالآتي: إن شخصية آدم لم تكن حقيقة إنما هو خيال تخيله البشر.
تفنيد الشبهة
شبهة أن شخصية آدم لم تكن حقيقة إنما هو خيال تخيله البشر .
وللرد على هذه الفرية نقول:
أولا: قد خالف السيد وإقبال ومن ذهب مذهبهما إجماع الشرائع السماوية كلها على كون آدم أبا للبشرية كلها، وأيدا النظرية الداروينية التي تقول: إن بداية الإنسان كانت جرثومة من جراثيم حية تطورت من حال إلى حال تحت تأثير عوامل طبيعية، وهذا يكفي ضلالة وانحرافا عن جادة الطريق.
стр. 392
ثانيا: إن نظرية داروين مردودة على صاحبها من كل وجه قد رد عليها زعيم المدرسة العقلية المعاصرة في الإسلام السيد جمال الدين الأفغاني.
"ففي نفس العام الذي توفي فيه داروين كان السيد جمال الدين الأفغاني في حيدرآباد في الهند يخط رسالته في الرد على الدهريين وأبطل في تلك الرسالة مذهب داروين فكتب يقول تحت عنوان "قول داروين إن الإنسان كان قردا" وعلى زعم داروين هذا يمكن أن يصير البرغوث فيلا بمرور القرون وكرّ الدهور، وأن ينقلب الفيل برغوثا كذلك. فإن سئل داروين عن الأشجار القائمة على غابات الهند والنباتات المتولدة فيها من أزمان بعيدة لا يحددها التاريخ إلا ظنا، وأصولها تضرب في بقعة واحدة وفروعها تذهب في هواء واحد وعروقها تسقى بماء واحد، فما السبب في اختلاف كل منها عن الآخر في بنيته وشكل أوراقه وطوله وقصره وضخامته ورقته وزهره وثمره وطعمه ورائحته وعمره فأي فاعل خارجي أثر فيها حتى خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظن لا سبيل إلى الجواب سوى العجز عنه ...
وإن قيل له: هذه أسماك بحيرة "أورال" وبحر "قزوين" مع تشاركها في المأكل والمشرب وتسابقها في ميدان واحد نرى فيها اختلافا نوعيا وتباينا بعيدا في الألوان والأشكال والأعمال فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ لا أراه يلجأ في الجواب إلّا إلى الحصر" اهـ (١).
ثالثا: إن أكبر دليل قدمه السيد على دعواه قول بعض المفسرين وهو: "وما المقصود بـ "آدم" آدم وحده والله تعالى نفسه يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (٢) فضمير (كم) خوطب به كل الناس وأريد به جنس الإنسان" اهـ (٣).
стр. 393
وهذا القول لا يكون دليلا على ما ذهب إليه السيد إذ أنه لم يُخرج آدم من جملة من خوطب به في الآية عندما قال الله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي ليس المقصود بضمير المخاطبين آدم وحده بل آدم وأولاده، فلا إنكار لأحد إذا كان هذا هو المقصود عند السيد.
ولكن السيد يريد غير ذلك عندما قال: "ليس المراد بلفظة آدم ذلك الشخص الذي يسميه عوام الناس ومشايخ المساجد بالأب آدم ... ". فكيف يُخاطب بآدم وهو كان جرثومة عند ما خُلق على حد قول السيد (١).
رابعا: إن القرآن الكريم قد خاطب البشر كلهم بأنهم بنو آدم في عدة آيات، فمثلا: قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢).
ووردت كلمة آدم في السنة قرابة مائة مرة، وأكد الرسول ﷺ بأن كل الناس من أولهم إلى آخرهم من أب واحد فقال: "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلّا بالتقوى" اهـ (٣).
والأب الواحد هو آدم ﵇ كما قال الرسول ﷺ : "الناس بنو آدم وخلق آدم من تراب" اهـ (٤).
وكفى بالله شهيدا ومن أصدق من الله قيلا، وكفى بالرسول مبلغا وهو أصدق القائلين.
стр. 394
خامسا: أما قول إقبال: "ليس المقصود به الإشارة إلى شخص معين خلق أبا للبشر وأسكن في جنات النعيم .... " فاضطر إقبال بهذا الإنكار إلى إنكار الجنة وإلى إنكار هبوط آدم من الجنة إلى الأرض وإلى تأويل كثير من الآيات الدالة على هذه المعاني حتى وصل بالدعوى بأن الإنسان هو سبب وعلة ويمكن له الخلق وإلى غير ذلك من الانحرافات، وهكذا خطأ واحد إذا كان جسيما يجر الإنسان إلى أخطاء كثيرة نسأل الله السلامة.
ثانيا: أقوالهم في ولادة عيسى ﵇
قال سيد أحمد خان: "يظن النصارى والمسلمون جميعا أن عيسى ﵇ وُلد بدون أب بأمر من الله، خلاف ما يولد كل إنسان بأب وأم، ولو افترضنا أن هذا الظن صحيح، فما الحكمة الإلهية من خلق عيسى بدون أب، هذا وما يشبهه من الأحداث التي تفترض أنها وقعت خلاف العادة، وخرقت قانون الفطرة يُستهدف من ورائها في الغالب بيان قدرة الله الكاملة أو إشعار بأنها وقعت معجزة.
فإن كان المقصود منها إظهار قدرة الله الكاملة فقد خلق الله أنواعا من الحيوانات بدون توالد وتناسل بل خلق الإنسان نفسه وجميع الحيوانات في البداية بدون أب وأم، فأي زيادة لقدرة الله إذا قيل إنه خلق عيسى بدون أب، وهو قد خلق أدم بدون أب وأم، إذ أن الأمر الذي يدل على إظهار قدرته الكاملة فلا بد من أن يكون واضحا وجليا بحيث لا يشك فيه أحد، وخلق عيسى بلا أب كان أمرا مخفيا ولم يطلع عليه أحد.
وليس هو معجزة أيضا لأن المعجزة تظهر أمام قوم قد أنكروا النبوة، فكيف أنكروا النبوة؟ وعيسى لم يلد ولم يدّعِ النبوة أو الألوهية بعد، وإن كان معجزة لكانت لمريم وليست لعيسى ﵇" اهـ (١).
стр. 395
تحليل العبارة وتعيين الشبهة:
قد صرح السيد في العبارة السابقة بأن ولادة عيسى ﵇ لم تكن آية من آيات الله، إنما ولد عيسى ﵇ بأب وأم كسائر الناس.
وقد أكد هذا القول في مواضع عديدة من كتبه، وأفاض في بيانه في تفسيره (١) حتى قال: "فلا يمكن أن يتصور بوجه من الوجوه بأن يوسف لم يكن في الواقع أبا لعيسى، بل كان أباه حقّا لا مرية فيه" اهـ (٢).
ثم بدأ في تحريف الآيات القرآنية الصريحة الدالة على كون عيسى آية من آيات الله، وأنه كلمة الله وروح منه، وأنه ولد بدون أب، فمن تحريفاته على سبيل المثال:
في تفسير قوله تعالى: ﴿آيَةً لِلنَّاسِ﴾ (٣) قوله: ليس معناه أن ولادته كانت معجزة بلا أب بل معناه: كانت أمه آية في العبادة وابنه كان آية في رحمته على أتباعه.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿كَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ (٥) قوله: هذا لا يدل على أنه ولد بدون أب، بل لفظة "كلمة" في كثير من الآيات القرآنية نُسبت إلى الله، مثلا في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (٦) وقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا
стр. 396
﴾ (١) وغيرها من المواضع أريد بالكلمة في هذه الآيات كلها الأمور المحققة التي تحققت أو سوف تتحقق، وكذلك ولادة عيسى من مريم كان أمرا مقضيا محققا .... (٢).
وأما قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٣) فحرفه السيد إلى أن المراد به أن مريم عندما تكلمت بهذه الكلمات لم تكن متزوجة، ولم يمسسه بشر، ولكن بعد ذلك قد خطبها يوسف وتزوجها، فحملت من زوجها حسب قانون الفطرة الإنسانية (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥) ليس معناه عند السيد: أحصنت فرجها من كل رجل بل المراد به عنده أحصنت فرجها من غير زوجها (٦) إلى غير ذلك من التحريفات يطول ذكرها.
واستدل على ما ذهب إليه من التحريفات بتحريفات النصارى في أناجيلهم المحرفة التي أثبتوا فيها شجرة من الأب لمن ليس له أب في الأصل.
ومن المواضع التي أشار إليها السيد من الإنجيل بأن عيسى نسب إلى أبيه يوسف: إنجيل لوقا (٧) إنجيل متى (٨) إنجيل يوحنا (٩) أعمال الرسل (١٠) رسالة بولس إلى الروميين (١١).
стр. 397
بعد أن ذكر هذه الروايات أضاف قائلا: "فثبت بهذه الأسانيد الثابتة أن الناس جميعا في زمن عيسى وحوارييه كانوا على يقين بأن عيسى خلق بنطفة يوسف لا كما يظنه الناس أنه خلق بدون أب" اهـ (١).
وبعد أن أعرض عن آيات الله البينات في القرآن الكريم وعن السنة الثابتة الصحيحة عن الرسول ﷺ أصبحت عنده الروايات الكاذبة من الأناجيل المحرفة أسانيد ثابتة، فنعوذ بالله من هذا الزيغ، وما أجبره على هذا الضلال إلّا منهجه المتأثر بالاستشراق حيث آمن إيمانا جازما بحتمية قوانين الفطرة، فاضطر في ضوء هذه المنهجية إلى رفض هذه المعجزة وغيرها من المعجزات التي سيأتي بيانها بالتفصيل في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.
وقد تعينت الشبهة من التحليل السابق وهي: أن ولادة عيسى لم تكن آية من آيات الله إنما ولد عيسى ﵇ كأحد من الناس بأب وأم.
تفنيد الشبهة:
الشبهة أن ولادة عيسى لم تكن آية من آيات الله:
وللرد على هذه الفرية نقول:
أولا: إن السيد بهذه العقيدة المنحرفة قد خالف الكتاب والسنة الثابتة، وخرق إجماع الأمة الإسلامية واتفاق النصارى، وقد أشار هو نفسه إلى هذا الاتفاق في قوله: "يظن النصارى والمسلمون جميعا أن عيسى ولد بلا أب بأمر من الله" اهـ. فلا حاجة إلى إعادة الآيات والأحاديث التي سبق ذكرها.
ثانيا: بعد أن اعترف السيد بأن اليهود اتهموها اتهاما مغلظا (بالفاحشة) في صفحة ٢٠، يأتي إلى صفحة ٣٢، ويناقض قوله السابق ويقول: "لا يستدل بقول الله تعالى حكاية عن اليهود: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ
стр. 398
امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (١) على أن عيسى خُلق بدون أب لأن اليهود لم يخاطبوا بهذا الكلام، ولم يكن أحد يتهمها بالفاحشة، ولا في الآية إشارة إلى ذلك، فقوله تعالى: ﴿فَرِيًّا﴾ معناه: بديع وعجيب ... (٢).
فنسأل السيد فلماذا هذا التناقض في صفحات قليلة؟ ثم ماذا يقول السيد في قوله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٣).
ثالثا: إذا كانت الأناجيل نسبت عيسى إلى أبيه، وأنه يوسف، ففي الأناجيل ما ينافيه، يقول متى: "ولد عيسى هكذا: عندما خطب يوسف مريم ولم يجتمعا فإذا بمريم حبلت بروح القدس، ويوسف الذي كان صالحا لم يرد أن يشتهر الأمر فأراد أن يتركها خفيا، ريثما يفكر في ذلك إذ رأى رؤية في المنام أن الملك قال ليوسف ابن داود، لا تتردد من إحضار زوجتك مريم لأن الذي في بطنها هو روح القدس" اهـ (٤).
رابعا: إذا كانت ولادة عيسى من نطفة يوسف، وكانت ولادته في شريعة اليهود لا عيب فيها، فلماذا أراد يوسف أن يتركها وهو يعلم أن الحمل كان من فعله على حدّ قول السيد. وإذا قيل إن الخوف الشديد قد أصاب يوسف من أجل أن الولادة كانت خلاف العادة حيث حبلت مريم من نطفة يوسف قبل إحضارها إلى بيته، نقول: فلماذا سكت يوسف عن الجواب عند ما قال له الملك: "إن في الرحم روح القدس"؟ فهل تحولت المخافة إلى العادة بقول الملك هذا؟ ولماذا لم يصدق يوسف في هذا المقام وهو رجل صالح كما وصفه إنجيل متى؟ ولماذا لم يقل للملك: إن الندامة والخجل لم يرتفع بقولك بأنه روح القدس إذ أن الندامة كانت على أن الأمر صار خلاف العادة، وها أنا لم أكمل إجراءات الزواج بعد؟ .
стр. 399
خامسا: أما قول السيد: "فإن كان المقصود من خلق عيسى بلا أب إظهار قدرة الله الكاملة فقد خلق الله أنواعا من الحيوانات بدون توالد وتناسل بل خُلق الإنسان نفسه وجميع الحيوانات في البداية بدون أب وأم .... " اهـ (١).
فيُرد على هذا: أن هذا الدليل أضعف من بيت العنكبوت، لأن الله الذي بدأ خلْق كل حيوان بدون تناسل وتوالد قادر على أن يعكس الأمر، وكذلك أراد أن يبدع قدرته على خلْق الإنسان بدون أب كما خلقه بدون أب وأم.
قال ابن تيمية ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢): كلام حق فإنه سبحانه خلق هذا النوع البشري على الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من غير ذكر بلا أنثى، كما قال: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٣) وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر، وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى" اهـ (٤).
سادسا: أما قوله: "إذا كان المقصود إظهار قدرته الكاملة فلا بد أن يكون هذا الأمر أمرا واضحا جليا حيث لا يشك أحد، وخلق عيسى بدون أب كان أمرا مخفيا ... " اهـ (٥). فنرد على هذا الزعم بقولنا: إن مريم الصديقة كانت معروفة لدى الناس، فكانوا يعرفون عفتها وإحصانها، وليس لها زوج، ومثل هذه البتول عندما أتت بولد، فلا يكون إلّا آية من الله، لقد أخبرنا الله تعالى بصدق مريم وعفتها وإحصانها لفرجها أي أنها لم تزن ولم ترتكب الفاحشة، ولما جاءت بالولد تعجب اليهود ورموها بالزنا، فبرّأها الله بأن أنطق ولدها في المهد ليشهد لأمه أولًا ولنفسه ثانيا.
стр. 400
ثم نسأل السيد إذا كان سبب إنكاره لهذه المعجزة هو كونه أمرا مخفيا، فلماذا أنكر بالمعجزات الظاهرة الباهرة الكثيرة التي سيأتي ذكرها في المطلب القادم.
سابعا: إن هناك اعترافات بالحقيقة من السيد تعارض ما ذهب إليه في العبارات السابقة، فنذكر من أقواله على سبيل المثال ما يأتي:
١ - قوله: "أتى على الناس زمان لم يبق في الناس إنسان فيه روحانية مقدسة فشاءت إرادة الله أن يخلق رجلا يهدي الناس إلى الروحانية وينشر الهداية بينهم، ومثل هذا الشخص لا بد من أن يولد بروح من الله الخاصة ولا بسبب خارجي، فولد عيسى من روح الله ليهدي الناس إلى نور الروحانية ... " اهـ (١).
٢ - قوله: "من رأى صورة عيسى الظاهرة تيقن أنه إنسان وهو ابن مريم، ومن تدبّر في ولادته حيث لم يولد بسبب خارجي تيقن أنه روح ... " اهـ (٢).
٣ - قوله: "لما علم يوسف هذا الخبر تعجب لأن الحمل الذي حملت به مريم كان بطريقة عجيبة حيث لا يدركها الفهم الإنساني، ولكن يوسف لصلاحه وبره وحسن خلقه لم يرد أن يشتهر الأمر ... " اهـ (٣).
٤ - قوله: " ....... ولا يستلزم منه أنه قد حصل الجماع بين يوسف ومريم بعد، ذلك لأنه لا توجد رواية تبين أن مريم بعد الخطبة تزوجت، إذ أن الحمل المقدس الذي أعطاه الله إياها كان معجزة، فاحترم يوسف هذا الحمل وامتنع عن الزواج بها ... " اهـ (٤).
ومن هذا يتضح تناقض السيد فهو ينكر ولادة عيسى المعجزة، ويوافق اليهود على أن الحمل كان من يوسف ثم يعود ليقرّ بالحمل المعجز والولادة المعجزة، فلماذا هذا التناقض؟
стр. 401
فمما لا شك فيه أن المنهجية الجديدة غلبت عليه حيث آمن إيمانا جازما بحتمية قوانين الفطرة، فاضطر في ضوء هذه المنهجية إلى رفض هذه المعجزة وغيرها من المعجزات التي وردت في الكتاب والسنة (١).
ثالثا: أقوالهم حول وفاة عيسى ﵇:
قال السيد: "إن الله ذكر وفاة عيسى ﵇ في أربعة مواضع وهي:
١ - قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٢).
٢ - قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٤).
٤ - قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٥).
ثم أضاف السيد قائلا: "ففي الآيات الثلاث الأول بيان واضح على أن عيسى قد توفي، غير أن علماء الإسلام قبل أن يفكروا في نص الآيات وتدبروا ما فيها من المعاني اعتقدوا تقليدا لبعض فرق النصارى أنه رفع إلى السماء حيّا، وحاولوا تأويل
стр. 402
الآيات ليجعلوها مطابقة وموافقة لما ذهبوا إليه بدون تحقيق وتفحيص، والحقيقة أن عيسى ﵇ لم يرجمه اليهود بالحجارة، وما قتلوه على الصليب، إنما توفي وفاة طبيعية، ورفع الله درجته ومنزلته" اهـ (١).
وقال ميرزا غلام أحمد القادياني: " ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ المراد بالرفع الموت بكل احترام كما قيل في إدريس ﵇: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٢) " (٣).
واستدل على ما ذهب إليه فقال: "قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٤) وردت في الآية كلمة "فَان" بدلا من كلمة "يفنى" للدلالة على أن الفناء متواصل ومتسلسل مع كل مخلوق، ولكن هذا المولوي (٥) يظن أن مسيح بن مريم الذي خلق بالتراب، قد استثني من هذا القانون الفطري الطبيعي.
وقال تعالى: " ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ... ﴾ إذا طال العمر يذهب العقل ويزول الإدراك، فالمسيح إذا بقي إلى هذا اليوم فلا بد من أن يكون قد ذهب عقله، فتبين من هذا أنه مات ووافته المنية." اهـ (٦).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة:
العبارات السابقة تبين أن السيد قد أنكر رفع عيسى حيا إلى السماء، وتحمس لهذا الإنكار، واستدل بآيات عديدة، وحاول بمنهج التأويل البعيد بأن يحرف الآيات في صالحه، واستهدف من ورائه إنكار كل حادث حدث خلافا للعادة، فمنها رفع عيسى حيا إلى السماء.
стр. 403
وأما غلام أحمد القادياني فقد استدل إلى ما ذهب إليه من موت عيسى وعدم رفعه إلى السماء بثلاثين آية من القرآن الكريم، واستهدف من ورائه الادعاء بأنه هو المسيح الموعود، وجعل المسيح مسيحين: مسيح بني إسرائيل ومسيح ابن مريم، فمسيح بني إسرائيل في زعمه هو الذي ولد من مريم ليوسف النجار الذي جاء وصفه في الحديث: "فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر" اهـ (١). فمات ودفن وانضم مع صف الأنبياء الذين خلت من قبله ولن يعود أبدا.
وأما مسيح بن مريم فهو القادياني نفسه حسب زعمه، وهو المسيح الموعود الذي جاء وصفه في الحديث: بأنه "رجل آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه رَجِل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعا يديه على منكبي رجلين يطوف بالبيت، فقلت من هذا الرَجِل الشعر؟ فقالوا هذا المسيح ابن مريم" اهـ (٢).
وهكذا قد حرف القادياني جميع النصوص التي فيها ذكر المسيح حتى تكون في صالحه فجعل الرفع رفع درجات والنزول بمعنى البعثة. (٣).
ثم عقد المقارنة بين المسيحين، وجعل نفسه أفضل من مسيح بني إسرائيل، وأطال لسانه على رسول من رسل الله، ونال من شأنه ورماه بالزنا والسرقة والكذب والدجل ..... وغيرها من المنكرات التي يطول ذكرها، ولنا معه وقفات في المبحث الخاص بالقاديانية.
بعد أن عرف السيد والقادياني أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الاعتقاد بأن عيسى ﵇ قد رفع إلى السماء حيا جسدا وروحا اختارا مذهب إنكار الرفع لغرض في أنفسهما: فالسيد اختار هذا المذهب لهدف هو: أن لا يتعارض مع
стр. 404
منهجيته الجديدة في حتمية القانون الطبيعي، وقلده القادياني ليدّعي بأنه مسيح موعود.
وهكذا المستشرقون يختارون أقوالا شاذة لتخدم أغراضهم وتبلغهم مراميهم، وإن كان هذا الانحراف في المنهج قد يؤديهم إلى الهلاك والدمار، فاختار السيد مذهب الإنكار هذا في كثير من المسائل مثل الجنة والنار والجن والشياطين والمعجزات خاصة، بل في الغيبيات عامة إلّا أنه شق عليه إنشاء دين جديد، فجاء القادياني وأتم مصيره فأنشأ دينا جديدا فَسُمِّيَتْ "القاديانية".
إن الشبهة كما ظهرت عند تحليل العبارات السابقة هي: أن عيسى ﵇ توفي وفاة عادية كغيره من الناس ولم يرفع حيا إلي السماء.
تفنيد الشبهة:
شبهة أن عيسى علية السلام لم يرفع حيا إلى السماء .
أولا: مما لا شك فيه أن مسألة وفاة المسبح ورفعه إلى السماء من المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة كما بينا ذلك في بداية هذا المبحث، ولكن الذي عليه جمهور الأمة هو أن المسيح رفع إلى السماء جسدا وروحا، وسيعود إلى الدنيا عند قرب قيام الساعة، فهذا اعتقاد أهل السنة الجماعة، وهو أوسط الأقوال وأجمعها.
وذلك لأن الرفع إذا لم يكن حقيقيا وهو الرفع بالجسم والروح، فلا اختصاص بالرفع لعيسى، والله يرفع مكان جميع الأنبياء (١).
قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢).
стр. 405
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ فيه نفي القتل والموت، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ فيه رفع الجسد والروح، لأنه إذا كان الرفع بمعنى رفع الدرجات فأين المخالفة من قول اليهود بأنهم قتلوه وكلمة "بل" تقتضي خلاف ما سبق، إذا كان الرفع رفع الدرجات فما معنى لصلة "إليه" هل هي ملغاة؟ (١).
ثانيا: إننا نتساءل هنا إذا كان الرفع الحقيقي هو الراجح فلماذا هذا الإصرار من السيد وأتباعه على إنكار الرفع الحقيقي، أليس هذا يدل دلالة واضحة أنه قد أصر على هذا الإنكار لهدف يريده، إذ أننا لم نجد أحدا من المتقدمين والمتأخرين أنكر الرفع الحقيقي إلّا لغرض في نفسه فمثلا:
من المتقدمين الإمام الرازي قد أنكر الرفع الحقيقي لكيلا يتعارض هذا المعنى مذهبه في إنكار جهة العلو لله تعالى لأنه يؤدي إلى إثبات المكان، كما صرح ذلك في قوله: "إنه يمتنع كونه تعالى في المكان فوجب حمل اللفظ على التأويل وهو من وجوه .... " اهـ (٢) ثم بدأ يتكلف بالتأويلات.
وهكذا اختار السيد هذا المذهب لهدف وهو أن لا يتعارض مع منهجيته الجديدة في حتمية القانون الطبيعي، وقلده ميرزا القادياني في هذا لغرض أراده من ورائه فهو الادعاء بأنه هو المسيح الموعود.
стр. 406
المطلب الثاني: المعجزات.
فيه:
* تعريف المعجزة.
* أقسام الخوارق.
* الفرق بين الكرامة والاستدراج.
* أقول المتأثرين بالاستشراق حول المعجزات.
* تفنيد شبهة إنكار المعجزات والكرامات.
стр. 407
المطلب الثاني: المعجزات
١ - تعريف المعجزة:
المعجزة في اللغة: يقال: "أعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه ... والتعجيز النسبة إلى المعجز، وقد عجزه، ويقال: عجّز فلان رأي فلان إذا نسبه إلى قلة الحزم كأنه نسبه إلى العجز. ومعجزة النبي ﷺ ما أعجز به الخصم عند التحدي والهاء للمبالغة والجمع معجزات" اهـ (١).
المعجزة اصطلاحا: قال الفخر الرازي: "المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة" اهـ (٢).
وقال ابن حمدان الحنبلي: " (المعجزة) مخرق العادة من قول أو فعل إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطبقها على جهة التحدي ابتداء بحيث لا يقدر أحد على مثلها ولا على ما يقاربها" اهـ (٣).
وقال ابن حزم وهو يذكر الفرق بين المعجزة وحيل أرباب العجائب من السحرة وغيرهم: "أما التخييل بنوع من الخديعة كسكين مثقوبة النصاب تدخل فيها السكين ويظن من رآها أنها دخلت في جسد المضروب بها، في حيل غير هذه من حيل أرباب العجائب كالحلاج (٤) وأشباهه، فأمر يقدر عليه من تعلمه، وتعلمه ممكن
стр. 408
لكل من أراده، فالذي يأتي به الأنبياء ﵈ هو إحالة الذاتيات، ومن ذلك صرف الحواس عن طبائعها كمن أراك ما لا يراه غيرك أو مسح يده على مريض فأفاقه، أو سقاه ما يضرّ علته فبرئ، أو أخبر عن الغيوب في الجزئيات عن غير تعديل ولا فكرة، فهذه كلها إحالة الذاتيات وما ثبت إذ ثباتها لا يكون إلّا لنبي" اهـ (١).
والآيات والمعجزات التي آتاها الله الأنبياء والرسل تندرج تحت ثلاثة أمور: العلم والقدرة والغنى.
فالأخبار بالمغيبات الماضية والآتية، كإخبار عيسى قومه بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم، وإخبار رسولنا صلى الله عليه بأخبار الأمم السابقة، وإخباره بالفتن وأشراط الساعة التي ستأتي في المستقبل كذلك من باب العلم.
وتحويل العصى أفعى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإخبار الموتى، وشق القمر وما أشبه هذا، من باب القدرة عصمة الله لرسوله ﷺ من الناس، وحمايته له ممن أراد به سوءا، ومواصلته للصيام مع عدم تأثير ذلك على حيويته ونشاطه من الغنى (٢).
"ويعطي الله بعض عباده أمورا خارجة للعادة إكراما لهم لصلاحهم وقوة إيمانهم، وقد يكون ذلك سدّا لحاجتهم، كالحاجة للطعام والشراب والأمن وقد يعطيهم ذلك لنصرة دينه ورفعة كلمته إحقاقا للحق وإبطالا للباطل، فمن ذلك إعطاء مريم فاكهة في غير موسمها" اهـ (٣).
стр. 409
قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).
ومن ذلك ما جرى لأصحاب الكهف حيث ضرب الله على آذانهم في الكهف ثلاث مائة سنة وازدادوا تسعا، وحفظ الله أجسادهم تلك الدهور المتطاولة، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ..... (إلي أن قال)﴾: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٢).
"الطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلّا بالمعجزات، وقد روي ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر ونحو ذلك" اهـ (٣).
٢ - أقسام الخوارق:
" الخوارق تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- قسم المعجزات: يصدر بيد الرسل والأنبياء.
ب- قسم الكرامات: ما يصدر من أولياء الله الذين فيهم الاستقامة.
ج- قسم الاستدراج والأحوال الشيطانية: هي التي تصدر من أولياء الشيطان.
٣ - الفرق بين الكرامة والاستدراج:
إذا كان الشخص مخالفا للشرع فما يجري له من هذه الأمور ليس كرامة بل هي إما من عمل الشياطين .... بخلاف الكرامة فإنها لا تحصل إلّا بعبادة الله والتقرب إليه ودعائه وحده لا شريك له والتمسك لكتابه واجتناب المحرمات، إنما يجري من الضرب فهو كرامة، وقد اتفق على هذا الفرق جميع العلماء" اهـ (٤).
стр. 410
فقد تبين بما تقدم أن الله قد أيد رسله وأنبياءه بالأدلة المتنوعة الكثيرة الدالة على صدقهم، ومن هذه الدلائل الكثيرة الآيات والمعجزات التي سبق ذكرها، وأتباع الأنبياء يؤمنون بهذه المعجزات إيمانا جازما، وهو شرط من شروط الإيمان بالرسل، ولكن المنهجية الجديدة المتأثرة بالاستشراق الغربي نظرت إلى المعجزات الحقة نظرة مادية بحتة، فرفضت أن يكون هناك شيء يخرق النظام الطبيعي أو العادة الكونية، فسيرى القارئ في الصفحات التالية شبهة هؤلاء والرد عليها.
أقوال المتأثرين بالاستشراق
قال سيد أحمد خان في تفسير الآية: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (١): "يقول العرب للبلاد الجبلية "الحجر" مثل قولهم عرب الحجر، و "الضرب" معناه الذهاب فمعنى الآية: يا موسى اصعد الجبل مستعينا بعصاك، فتجد وراء (هذا) الجبل اثنتي عشرة عينا" اهـ (٢).
وقال أيضا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٣): "قد جاء في القرآن ذكر انفلاق البحر لموسى في ثلاث آيات، الأولى: آية في سورة البقرة كما مرت معنا آنفا. والثانية: في سورة الشعراء: قالى تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٤). والثالثة: في سورة طه: قال تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ... ﴾ (٥).
стр. 411
ثم أضاف قائلا: "ليس في الآية الأولى ما يدل على أن البحر افترق لموسى خارقا للعادة الطبيعية (قانون الطبيعة)، وجل اعتماد المفسرين على الآية الثانية، وهي ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْر﴾، فقالوا إن الله أمر موسى أن يضرب بعصاه البحر فافترق البحر، لأن في الجملة شرطا وجزاءا، فالشرط علة والجزاء معلول، وضرب العصا كان سببا في افتراق البحر.
ولكن هذا الاستدلال غير صحيح لأن الفعل هنا في الزمن الماضي، والقاعدة العربية تقول: إذا وقع الفعل الماضي جزاءا للشرط فله حالتان:
الحالة الأولى: أن يخرج الفعل الماضي عن معناه، ويبقى معلولا للشرط، فلا تدخل عليه الفاء.
الحالة الثانية: أن يبقى الفعل الماضي على معناه ولا يكون معلولا للجزاء، فتدخل عليه الفاء، مثلا: إن أكرمتني فأكرمتك أمس.
ففي هذا المثال: لم يقع الجزاء معلولا للشرط إنما قد حصل الجزاء أمس قبل أن يقع الشرط، وهكذا الافتراق قد حصل للبحر قبل أن يضرب موسى بعصاه، فالافتراق ليس معلولا للضرب" اهـ (١).
وأضاف قائلا: "والحقيقة أن اليهود كانوا يرون أن موسى لما ضرب بعصاه البحر افترق البحر، وظهرت الأرض ولما ضرب بها الحجر تفجرت منه الماء، فعلماؤنا المتقدمون في تفاسيرهم وبخاصة في قصص بني إسرائيل كانوا على عادة تقليد اليهود، فأوّلوا الآيات القرآنية ومقاصدها موافقة بروايات اليهود، وفسروا الضرب على الحقيقة بمعنى الضرب، وحولوا المعجزة الساذجة إلى معجزة خارق للعادة، وخارجة من قانون الطبيعة" اهـ.
ثم قال: "وفي هذا المقام الضرب بمعنى المشي أو الإسراع في المشي كما يقول العرب ضرب في الأرض، وكما جاء في موضع آخر من القرآن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ
стр. 412
فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١)، فمعناه الواضح أن الله قال لموسى: امش في البحر مستعينا بعصاك تجده منفلقا ومفترقا بسبب المد والجزر، وكما جاء في الآية من سورة طه حيث قال الله : ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ (٢)، أي امش في طريق يابس، والمعجزة في هذا أن الله قد أنجى موسى وقومه من بطش فرعون عند ما انجزر البحر وأراد فرعون أن يسلك في هذا الانجزار فامتدّ البحر فانغرق هو وقومه" اهـ (٣).
وفسر السيد قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤) بقوله: "لا يثبت من النص القرآني أن عيسى تكلم وهو طفل في عمر لا يتكلم فيه الأطفال حسب الفطرة، لأن الله قال حكاية عن اليهود ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٥) فيه فعل "كان" يدل على أنه لم يكن في المهد حين تكلم بل كان في المهد قبل التكلم، والمعنى كيف نكلم من كان في الأمس طفلا، أو كما يقال كيف نناظر من لم يجف من شفتيه آثار الرضاعة، والآية التي بعدها تشير إلى أنه كان نبيا حين تكلم" اهـ (٦).
ثم أضاف قائلا: "والمعنى كما هو واضح أن عيسى دعاهم إلى عقائد لم يألفوها، فغضب القوم عليه، وجاؤوا إلى أمه مريم يطلبون منها أن تكف ابنها عما يدعو إليه، فقالوا يا مريم إن أباك وأمك كانا من الصالحين، وكيف أنجبت طفلا عجيبا ينقد عقائدنا، قالت مريم سلوه، قالوا هذا طفل صغير كيف يخاطبنا ونخاطبه؟
стр. 413
فأحضرته أمه فقال إني رسول الله، وهذا أمر قد وقع مطابقا لطبيعة الإنسان وفطرته، كما يحدث اليوم فيأتي الناس ويشكون من ولد شرير عند أمه ويقول أمه سلوه ... " اهـ (١).
وقال أيضا: "إن عيسى ﵇ لما كان طفلا كان يلعب مع أطفال في سنه، ويقول لهم كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ (٢).
.... فيكون تقدير الكلام هكذا: قد مرّ بعض الناس على عيسى ﵇ وهو يصنع الطيور من الطين فقالوا له: ماذا تصنع؟ قال مجيبا لهم إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، كما ثبت ذلك في التاريخ ....
ثم أضاف قائلا: "والسؤال هنا: فهل كان هذا معجزة؟ وهل يدل النص القرآني على أن الطير كانت حية؟ فجواب كافة علماء الإسلام والمفسرين "نعم" ولكن جوابنا "لا" وهذا جواب كل عاقل شريطة أن يخلي ذهنه من كل تقليد وأن يحرر عقله من كل قيد، وأن يترك ما ورد في الروايات الواهية النصرانية، وأن يفكر في القرآن الكريم بنظر التحقيق والتمحيص" اهـ (٣).
وفسر السيد قوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى ... ﴾ (٤) بقوله: "وهذا الموضوع قد جاء في سورة آل عمران بلسان عيسى ﵇ قال تعالى حكاية عن عيسى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥).
стр. 414
وأضاف قائلا: "علماء الإسلام كعادتهم القديمة فسروا هذه الآيات مطابقة لما جاء في الروايات الإسرائيلية والنصرانية، وقالوا معنى الآيات أن عيسى كان يمنح الأعمى عينين ويشفي المريض، ويحيي الموتى، فهذا غير صحيح.
بل إنما معنى الآيات أن عيسى قد نادى مناداة في الناس أن كلا من الأبرص والأعمى والمريض والصحيح والأعرج والسليم لا يحرم منهم أحد من رحمة الله، ولا يمنع أحد منهم من ممارسة أعلى العبادات في حين كان الناس يمنعون المرضى والمعوقين من دخول المعابد وتقديم الأضاحي. فكان هذا هو معنى تبرئة المرضى في الأناجيل ... وموت الإنسان كفره بالله، فأقام عيسى ﵇ توحيد الله في الخلق وهداهم إلى أحكام الله فكان هذا هو إحياء الموتى" اهـ (١).
وفسر أيضا قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (٢) بقوله: "إن الناس قد حسبوا أن أصحاب الكهف كانوا من آيات الله العجيبة، وفي الواقع أنهم لم يكونوا آية عجيبة، فلا عجب فيه ولا كرامة، إنما هم سبعة أشخاص من فلاسفة النصارى، وكانوا من فرقة قد أنكرت عقيدة التثليث فعاتبهم الملك دقيانوس، وهم لم يكونوا نائمين إنما قد ماتوا وترممت أجسامهم في الغار غير أن جثثهم كانت تُرى من خارج الغار كأنهم أجسام كاملة، فحسب الناس أنهم نائمون غير ميتين" اهـ (٣).
تحليل العبارات وتعيين الشبهات
إنكار المعجزات والكرامات من الأمور التي اضطرّ إليه السيد عندما سلك المنهجية الجديدة المتأثرة بالاستشراق، وهو مما غطى مساحة كبيرة من كتاباته الدينية،
стр. 415
وهذا الذي ذكرناه قليل من الكثير الذي نجده في كتبه من هذا الباب، فقد أوردنا هنا نماذج من تلك التحريفات خوفا من الإطالة.
ولإنكار الآيات البينات سببان عند السيد، وهما مبدءان من مبادئ التأثر بالمنهجية الغربية الاستشراقية.
السبب الأول: الإيمان بحتمية قوانين الطبيعة مع إنكار كل ما يخالفها أو إنكار كل ماله ارتباط بالغيبيات.
والثاني: اعتماده على كتابات المستشرقين في شرح معتقدات إسلامية.
ففي ضوء المبدأ الأول نسأل السيد، فهل المعجزات خارقة للطبيعة التي فطر الله عليها كل شيء؟
ومما لا شك فيه أن المعجزات خارقة للعادة أو الفطرة أو الطبيعة التي أطلعنا الله عليها، ولكنها لا تخرج ولن تخرج من قانون الفطرة الذي قال الله فيه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ فهي السنة الكونية. مثلا: من العادة أن تكون للشاة أربع أرجل وعينان في طرفي رأسها، ولكن قد تولد شاة لها عين على جبهتها أو لها خمس قوائم، فهل معنى ذلك أنها خرقت الفطرة التي فطر الله عليها كل شيء؟
الجواب لا ولن تجد لسنة الله تبديلا، فلا بد من أن يكون هناك قانون لهذه الشاة العجيبة الخلق، ونحن لم نطلع عليها، وكذلك الآيات والمعجزات والكرامات فلا بد من أن يكون لها قانون فطري أو السنة الكونية، ونحن لم نطلع عليها، وعلى هذا الأساس قلنا إن الآيات والمعجزات خارقة للعادة (١).
والسيد نفسه معترف بهذا الأساس فيقول: "ومما لا شك فيه أن قوانين القدرة جميعها غير معلومة عندنا، والقدر الذي نعلمه من قوانين الفطرة قليل جدّا ... ولذلك إذا رأينا غرابة في أمر ما، وثبت وقوعه بالأدلة، ووقوعه إذا لم ينطبق مع القانون
стр. 416
المعلوم لدينا، علمنا أنه ليس فيه خداع ولا مكر من الثبوت، فلا بد من أن نسلم أن هناك قانون القدرة لوقوع هذا الأمر ونحن لا نعلم كنهه" اهـ (١).
ويقول الشيخ ثناء الله الأمرتسري ﵀: "المعجزة خارقة للعادة من العادة المعروفة، ولكنها في الحقيقة ليست خارقة للعادة الكونية، إذ أن لها ارتباط بالنبوة، كما أن للنبوة قانونا غير معروف لدينا، وبدون هذا القانون فلا يمكن أن تستمر سلسلة النبوة العظيمة، وكذلك لا بد من أن يكون للمعجزة قانون وكيفيته غير معروف لدينا.
فالمسلمون كلهم وفيهم سيد أحمد خان يعتقدون أن النبوة انتهت بنبوة خاتم النبيين ﷺ ، وكذلك ظهور المعجزات له ارتباط بقانون لا ندرك حقيقته، والمعجزات من لوازم النبوة، ويأتي هذا القانون عند رفض وإنكار المخالفين وإصرارهم على الرفض، فإذا جاء وقته أمر الله تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فظهوره كان كظهور أمر الله تعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ فلا فرق بينهما.
والنبي لا يعلم أنه سيكون نبيا قبل بعثته، والله يعلم حيث يجعل رسالته، وكذلك المعجزة لا يعلمها النبي متى تصدر منه بل لا يعلم حقيقتها إلّا عند صدورها أو إذا علّمه الرب إياها علمها، حيث خاف موسى على نفسه عند ما تحول العصا إلى حية تسعى، فال تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ (٢).
فالمعجزة سميت معجزة لأن فيها إعجازا، فيعجز غير النبي عن صدور المعجزة على يديه، فالنبي يأتي بالمعجزات بإذن من الله، فقانون الفطرة الذي جاء على وفقه المعجزة لن يسمح لغير النبي أن يصدر منه المعجزة.
فإذا ثبت هذا: أن المعجزة لها قانون سيوافقنا السيد عند ما يقول: "المعجزات والكرامات إذا أريد بها أنها خارقة لقانون الفطرة فنحن ننكرها، وإذا أريد بها أنها تقع مطابقة لقانون الفطرة فنحن وأنتم لا نزاع بيننا إلّا نزاع لفظي، إذ أننا نقول بوقوع هذا
стр. 417
الأمر ونسلم من صدر منه هذا الأمر ولا نسميها معجزة ولا كرامة، نعم الوفاق وحبذا الاتفاق مهما اختلفنا في الاسم اتفقنا في الموضوع" اهـ (١).
وقد يكفيه ردّا هذا الاتفاق ولكن ذكرناه على سبيل المناقشة والتحليل، وسيأتي الرد مفصلا عند تفنيد الشبهة إن شاء الله.
وأما المبدأ الثاني: اعتماد السيد على كتابات المستشرقين فقد ثبت ذلك بما يلي: يقول السيد: "عند عبور بني إسرائيل البحر الأحمر لم يكن البحر عميقا جدّا كما نراه اليوم، ولم نجد خريطة البحر الأحمر القديم زمن بني إسرائيل، وقد وصل إلينا من حسن حظنا أقدم خريطة قد أعدّها المستشرق اليوناني بطلميوس (Ptolemy) (٢)، فإذا نظرنا هذه الخريطة يظهر لنا أنه كانت في البحر الأحمر ثلاثون جزيرة، وأن المكان الذي عبر منه بنوا إسرائيل كان فيه مدّ وجزر. وهذا دليل على أن البحر الأحمر لم يكن قهّارا كما نراه اليوم، ويراه علماء الإسلام منذ اثنتي عشرة سنة" اهـ (٣).
وهنا نسأل السيد: فهل كان البحر سهلا ولم يكن قهارا لبني إسرائيل وقهارا لفرعون وجنوده؟ وظاهرة المد والجزر هذه مجرد افتراض بشري، فكيف بالسيد وهو يدعي الأعيان الأصح، كيف به يأخذ بالافتراض البشري ويترك الخبر الموثوق به خبر القرآن.
وكذلك نرى السيد عندما يستند إلى كتابات المستشرقين يتغافل عن أصول التحقيق، ومن المعروف عند المحدثين والمحققين أن أوثق الروايات رواية شهود العيان
стр. 418
باعتبار قرب الزمن للواقع، أو هي أصح الروايات سندا، فرواة التوراة كانوا شهود عيان للحادث، وليس الخبر كالمعاينة، فرواية التوراة أوثق من رواية بطلميوس.
وأصح الروايات على الإطلاق سندا رواية القرآن الكريم الذي جاء من عالم الغيب والشهادة، فخالف السيد القرآن وحرّف آياته لغرض في نفسه (١).
إضافة إلى ما سبق أن الزمن الذي حدده السيد لتغيير الجغرافية مدة ثلاث مائة سنة (من القرن الثاني الميلادي الذي عاش فيه بطلميوس إلى بعثة محمد ﷺ فعلى حد قوله إذا حدث هذا الحدث الكبير: أن اختفت من الأرض ثلاثون جزيرة خلال ثلاث مائة سنة (منذ عبور بني إسرائيل إلى يوم بطلميوس)، ومن الممكن جدّا أن يكون البحر الأحمر عميقا وخطيرا جدّا يوم عبور بني إسرائيل كما حكاه التوراة والقرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٢).
قد تعينت الشبهة فيما سبق من التحليل وهي: أن المعجزات والكرامات المذكورة في القرآن والسنة لا بد من تأويلها لأنها تتعارض مع قانون الطبيعة الذي أودعه الله في كل شيء، وبعبارة أخرى: الشبهة هي إنكار المعجزات والكرامات.
تفنيد الشبهة
شبهة إنكار المعجزات والكرامات .
قد سبق نقد إجمالي لهذه الشبهة الخطيرة عند تحليل العبارات، ولكي نأتي إلى ردّ تفصيلي نقول: إن الشيخ ثناء الله الأمرتسري ﵀ قد تناول هذه الشبهة في تفسيره للقرآن الكريم بالرد والتفنيد، فنلخص ما قاله الشيخ في هذا الصدد بإضافة إلى ما يبدو لنا في سبيل الرد من الحق.
стр. 419
أولا: معجزة شق البحر ونجاة موسى وغرق فرعون قد اتفق على ثبوتها القرآن والتوراة، فقد جاء في التوراة: "مد موسى يده على البحر ... انشق الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة ... وتبعهم المصريون ... فمد موسى يده فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة ... وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون ... لم يبق منهم ولا واحد" اهـ (١).
وهكذا وردت في التوراة تفاصيل هذه القصة، والسيد يقول بعدم وقوع التحريف اللفظي في التوراة ويحتج بها في كثير من الأحيان.
ثانيا: أما قول السيد: "إن شقّ البحر كان بسبب المد والجزر" اهـ فُيرد على هذا بأن السيد قد نسي سياق الآيات، ففي الآية السابقة قد بدأ الله في ذكر النعم التي منّ بها على بني إسرائيل، فمن تلك المنن أن فرق البحر لهم فأنجاهم وأغرق أعداءهم فرعون وقومه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، فالآية واضحة جدا في معناها، وإذا صار الافتراق من طبيعته فأي منة فيه تذكر؟ وإذا كان هذا الافتراق من المد والجزر فلماذا لم ينتظر فرعون إلى جزر آخر؟ (٢).
ثالثا: وأما قول السيد: "الضرب بمعنى الإسراع في المشي وقبل البحر "في" محذوفة في قوله تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ .... " فهل عنده شاهد على هذا الحذف من كلام العرب؟ وهل تحذف حروف الجر في كل مكان بدون أي ضابط؟ وماذا يكون المعنى إذا حذفنا "في" من جملة "صلى في المسجد"؟ أو إذا حذفنا "ل" من جملة "دعا له" فهل المعنى في هذه الجمل واحد قبل الحذف وبعده؟ أو هذا له معنى وذلك له معنى؟ (٣).
стр. 420
رابعا: أما القاعدة التي ذكرها السيد: إذا وقع الفعل الماضي جزاء للشرط له حالتان .... الخ فلا تصح هذه القاعدة إذ أن الفعل الماضي لا يقع جزاء للشرط وهو باق في معناه الماضي، بل يقع دليلا على الجزاء المحذوف، والمثال الذي ذكره السيد: "إن أكرمتني فأكرمتك أمس" لا يستقيم دليلا لما ذهب إليه، بل هو دليل على الجزاء كما قال المتنبي:
إن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
ثم إذا نظرنا إلى نهاية الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تيقنّا بأنها كانت آية من آيات الله صدرت معجزة على يد موسى ﵇، لبيان قدرة الله الكاملة على خلقه، ولكن السيد وأمثاله لا يؤمنون بهذه الآيات (١).
خامسا: من القواعد المطردة عند المفسرين وغيرهم من أهل اللغة: أن الكلمة دائما تجري على الحقيقة ما لم يصرفها صارف عن معناها الحقيقي، والسيد مقرّ بهذه القاعدة فيقول: "نحن المسليمين نعتمد على قاعدة مطردة وهي أن اللفظ يطلق على الحقيقة ما لم يصرفه صارف، والصارف قد يكون في سياق الكلام أو قد يكون قرينة في غير هذا المكان، فيصرفه هذا الصارف إلى المعنى التسلسلي، وقد نسميه مجازا أو استعارة" اهـ (٢).
فلماذا حاول السيد تحريف كثير من الكلمات التي وردت في شأن المعجزات، وهو يعرف أنه لا يُذهب إلى المجاز والاستعارة إلّا في حالة اضطرارية.
سادسا: أما قول السيد في معجزة موسى ﵇ عند ما تحولت العصا إلى حية تسعى: "هي قوة مقناطيسية توجد في كل إنسان فيتأثر بها ويؤثر بها على الآخرين، وهي ما يسمى "مسمرزم" (Mismerism) أي نوع من السحر، وموسى قد أعطي هذه القوة في أعلى درجاتها وليست هذه معجزة تخرق العادة" اهـ.
стр. 421
فنرد على هذه الفرية ونقول: إن سحرة فرعون كانت عندهم أيضا قوة مقناطيسية، على حد قول السيد، إذن الفرق عنده في الدرجة فقط، فكأنه يقول كما قال فرعون في موسى إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، فنجيبه بما أجاب به الله في تنزيله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.
ولقد بينا الفرق بين المعجزة والاستدراج، والكلام نفسه يقال في الفرق بين المعجزة والسحر.
سابعا: أما قول السيد: "لا يثبت من القرآن أن عيسى تكلم وهو صبي في حجر أمه بل تكلم عيسى بعد أن أوتي النبوة" فيناقض هذا القول قوله: "قالوا هذا طفل صغير كيف يخاطبنا ونخاطبه فأحضرته أمه، فقال إني عبد الله ورسوله" اهـ فلماذا قالوا إنه طفل وهو في سن النبوة؟
وأما استدلاله على ذلك بأنه جاء في الآية فعل "كان" فنقول: ألم يعرف السيد أن فعل "كان" فعل ناقص له معان: من بينها أنه يأتي على وجه الدوام، (١) كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي إنه كان ولم يزل عليما وحكيما، فيكون المعنى كيف نكلم طفلا ما زال في المهد صبيا، قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ........ (٢).
ثامنا: وأما قول السيد: "إن المراد بقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ أن المسيح كان يسمح لهم دخول المعابد وتقديم النذور، والمراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ أنه كان يخرجهم من الكفر" اهـ فهذا مجرد زعم عار من الدليل، وإذا لم تدل هذه العبارة الواضحة على شفاء المرضى وإحياء الموتى بإذن الله، فأي عبارة أوضح منها على هذا المطلوب والمقصود؟
وأي قرينة تدل على ما ذهب إليه السيد من الحقيقة إلى المجاز؟ مع أنه هو القائل: نحن المسلمين عندنا قاعدة أن اللفظ يجري على الحقيقة دائما ما لم ....
стр. 422
وما معنى كلمة "بإذني" بعد كل فقرة؟ أليس هذا يدل على أن هذه الأفعال والأعمال كانت منة من الله على عيسى ﵇ وقومه؟ (١).
تاسعا: أما اتهام السيد للعلماء بأنهم دائما يقلدون اليهود والنصارى في شرح آيات القرآن .... فقد تكرر هذا الاتهام عند السيد في كتابه، ولعله يريد بهذا أن يجعل نفسه بريئا من هذا الاتهام وهو واقع فيه، فكيف يبرئ نفسه وهو قد بيّن منهجه في الأخذ عن كتب اليهود والنصارى، وبرهن للأخذ من أهل الكتاب وكتبهم، فقال: "كما وصل إلينا القرآن متصلا بالسند المتصل فلا نجد سندا متصلا لهذه الكتب، ولذلك تقررت عندنا قاعدة أخرى للتمييز بين ما هو معتبر وما هو غير معتبر وتلكم القاعدة: هي "الشهرة"، وهذه الكتب -سواء أهي داخلة في الإنجيل بالفعل أو هي خارجة منه- تنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: هي الكتب التي تلقاها العلماء (علماء أهل الكتاب) بالقبول ووافقوا على صحتها واشتهرت في كل المدن واشتغل العلماء بتدريسها قرنا بعد قرن ولم ينكروا عليها في زمن من الأزمان، فهذه كلها معتمدة وصحيحة (عند السيد).
الثاني: هي الكتب التي كتبها العلماء المعتبرون، وقَبِلَها أكثر العلماء وأنكرها بعضهم، أو قد كانت في زمن ما مقبولة ومقدسة عند أكثر العلماء واستدلوا بها ثم أتى عليها زمن صارت متروكة، أو هي اشتهرت في زمن وزالت شهرتها في زمن، فهذه كلها صحيحة معتمدة عندنا (عند السيد) ... " اهـ (٢).
فالكتب المحرفة مهما اشتملت من الخرافات إذا اشتهرت في زمن ما هي مقبولة صحيحة يعتمد عليها السيد فهذا منهجه، ولكن الذي تقرّر عند أهل السنة والجماعة والمنهج الذي صار عليها علماء السلف في الأخذ عن أهل الكتاب هو كما يلي:
قد قسم العلماء ما ورد عن أهل الكتاب من الروايات في كتبهم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 423
"الأول: مقبولة: وهو ما علم صحته بالنقل الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وذلك كتعيين اسم الخضر ﵇، إذ ورد فيه حديث صحيح عند البخاري في صحيحه في كتاب التفسير أو ما كان له شاهد من الشرع يؤيده.
الثاني: مسكوت عنه: وهو ما لم يعلم صحته ولا كذبه امتثالا لأمر النبي ﷺ : "ولا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ... " اهـ.
الثالث: مرفوض: وهو ما علم كذبه لتناقضه مع شريعتنا أو مخالفته للعقل، ولا يصح تصديقه ولا قبوله ولا روايته، وإذا رواه المفسر في تفسيره وجب عليه بيانه" اهـ (١).
منهج سليم محكم في ضوء الكتاب والسنة، وأين السيد من هذا المنهج وهو يستند إلى كل باطل إذا اشتهر، فكيف يتهم العلماء بأنهم يقلدون أهل الكتاب؟ ونحن نترك القارئ ليقارن بين المنهجين ثم ليحكم من المقلد لأهل الكتاب؟ أَسَيِّدٌ هو المقلد أم علماء السلف؟
стр. 424
المبحث الثالث: الكتب السماوية .
فيه تمهيد ومطلبان:
* المطلب الأول: الكتب السابقة.
* المطلب الثاني: القرآن الكريم.
стр. 425
المطلب الأول: الكتب السابقة .
وفيه:
* أقوال المتأثرين بالاستشراق حول الكتب السابقة.
* تفنيد الشبهة: شبهة قاعدة الشهرة.