← Акыда

Акыда · id 118

أثر الاستشراق على المنهج العقدي بالهند

سعيد أحمد بن صغير هندي

Полный текст (713 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فنرد على هذه الفرية ونقول: إن سحرة فرعون كانت عندهم أيضا قوة مقناطيسية، على حد قول السيد، إذن الفرق عنده في الدرجة فقط، فكأنه يقول كما قال فرعون في موسى إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، فنجيبه بما أجاب به الله في تنزيله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. ولقد بينا الفرق بين المعجزة والاستدراج، والكلام نفسه يقال في الفرق بين المعجزة والسحر. سابعا: أما قول السيد: "لا يثبت من القرآن أن عيسى تكلم وهو صبي في حجر أمه بل تكلم عيسى بعد أن أوتي النبوة" فيناقض هذا القول قوله: "قالوا هذا طفل صغير كيف يخاطبنا ونخاطبه فأحضرته أمه، فقال إني عبد الله ورسوله" اهـ فلماذا قالوا إنه طفل وهو في سن النبوة؟ وأما استدلاله على ذلك بأنه جاء في الآية فعل "كان" فنقول: ألم يعرف السيد أن فعل "كان" فعل ناقص له معان: من بينها أنه يأتي على وجه الدوام، (١) كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي إنه كان ولم يزل عليما وحكيما، فيكون المعنى كيف نكلم طفلا ما زال في المهد صبيا، قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ........ (٢). ثامنا: وأما قول السيد: "إن المراد بقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ أن المسيح كان يسمح لهم دخول المعابد وتقديم النذور، والمراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ أنه كان يخرجهم من الكفر" اهـ فهذا مجرد زعم عار من الدليل، وإذا لم تدل هذه العبارة الواضحة على شفاء المرضى وإحياء الموتى بإذن الله، فأي عبارة أوضح منها على هذا المطلوب والمقصود؟ وأي قرينة تدل على ما ذهب إليه السيد من الحقيقة إلى المجاز؟ مع أنه هو القائل: نحن المسلمين عندنا قاعدة أن اللفظ يجري على الحقيقة دائما ما لم ....

стр. 422

وما معنى كلمة "بإذني" بعد كل فقرة؟ أليس هذا يدل على أن هذه الأفعال والأعمال كانت منة من الله على عيسى ﵇ وقومه؟ (١). تاسعا: أما اتهام السيد للعلماء بأنهم دائما يقلدون اليهود والنصارى في شرح آيات القرآن .... فقد تكرر هذا الاتهام عند السيد في كتابه، ولعله يريد بهذا أن يجعل نفسه بريئا من هذا الاتهام وهو واقع فيه، فكيف يبرئ نفسه وهو قد بيّن منهجه في الأخذ عن كتب اليهود والنصارى، وبرهن للأخذ من أهل الكتاب وكتبهم، فقال: "كما وصل إلينا القرآن متصلا بالسند المتصل فلا نجد سندا متصلا لهذه الكتب، ولذلك تقررت عندنا قاعدة أخرى للتمييز بين ما هو معتبر وما هو غير معتبر وتلكم القاعدة: هي "الشهرة"، وهذه الكتب -سواء أهي داخلة في الإنجيل بالفعل أو هي خارجة منه- تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول: هي الكتب التي تلقاها العلماء (علماء أهل الكتاب) بالقبول ووافقوا على صحتها واشتهرت في كل المدن واشتغل العلماء بتدريسها قرنا بعد قرن ولم ينكروا عليها في زمن من الأزمان، فهذه كلها معتمدة وصحيحة (عند السيد). الثاني: هي الكتب التي كتبها العلماء المعتبرون، وقَبِلَها أكثر العلماء وأنكرها بعضهم، أو قد كانت في زمن ما مقبولة ومقدسة عند أكثر العلماء واستدلوا بها ثم أتى عليها زمن صارت متروكة، أو هي اشتهرت في زمن وزالت شهرتها في زمن، فهذه كلها صحيحة معتمدة عندنا (عند السيد) ... " اهـ (٢). فالكتب المحرفة مهما اشتملت من الخرافات إذا اشتهرت في زمن ما هي مقبولة صحيحة يعتمد عليها السيد فهذا منهجه، ولكن الذي تقرّر عند أهل السنة والجماعة والمنهج الذي صار عليها علماء السلف في الأخذ عن أهل الكتاب هو كما يلي: قد قسم العلماء ما ورد عن أهل الكتاب من الروايات في كتبهم إلى ثلاثة أقسام:

стр. 423

"الأول: مقبولة: وهو ما علم صحته بالنقل الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وذلك كتعيين اسم الخضر ﵇، إذ ورد فيه حديث صحيح عند البخاري في صحيحه في كتاب التفسير أو ما كان له شاهد من الشرع يؤيده. الثاني: مسكوت عنه: وهو ما لم يعلم صحته ولا كذبه امتثالا لأمر النبي ﷺ : "ولا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ... " اهـ. الثالث: مرفوض: وهو ما علم كذبه لتناقضه مع شريعتنا أو مخالفته للعقل، ولا يصح تصديقه ولا قبوله ولا روايته، وإذا رواه المفسر في تفسيره وجب عليه بيانه" اهـ (١). منهج سليم محكم في ضوء الكتاب والسنة، وأين السيد من هذا المنهج وهو يستند إلى كل باطل إذا اشتهر، فكيف يتهم العلماء بأنهم يقلدون أهل الكتاب؟ ونحن نترك القارئ ليقارن بين المنهجين ثم ليحكم من المقلد لأهل الكتاب؟ أَسَيِّدٌ هو المقلد أم علماء السلف؟

стр. 424

المبحث الثالث: الكتب السماوية . فيه تمهيد ومطلبان: * المطلب الأول: الكتب السابقة. * المطلب الثاني: القرآن الكريم.

стр. 425

المطلب الأول: الكتب السابقة . وفيه: * أقوال المتأثرين بالاستشراق حول الكتب السابقة. * تفنيد الشبهة: شبهة قاعدة الشهرة.

стр. 426

تمهيد ١ - تعريف الكتب: " الكتب جمع كتاب والكتاب في الأصل مصدر، سمي المكتوب فيه كتابا، والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١) فإنه يعني صحيفة فيها كتابة، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ (٢) " اهـ (٣). إن الله أنزل على رسله كتبا حجة على العالمين ومحجة للعاملين ويعلمون بها الناس الحكمة ويزكونهم. ٢ - الإيمان بالكتب السماوية: والإيمان بالكتب السماوية ركن من أركان الإيمان الستة، فنؤمن بأن الله تعالى أنزل مع كل رسول كتابا. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٤). ٣ - الكتب المذكورة في القرآن: ونعلم من هذه الكتب: (أ) التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى ﵇، قال تعالى: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٥).

стр. 427

(ب) الإنجيل الذي أنزله الله تعالى على عيسى ﵇، وهو مصدق للتوراة ومتمم لها قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). (ج) الزبور الذي آتاه الله تعالي داود ﵇ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٢). (د) صحف إبراهيم وموسى ﵉: قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٣). (هـ) القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه محمد خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٥). نسخ الله به جميع الكتب السابقة وتكفل بحفظه عن عبث العابثين وزيغ المحرفين: قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٦) لأنه سيبقى حجة على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة (٧). وقد أمرنا الله بأن نؤمن بكل ما أنزل الله على رسله بلا تفريق: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا

стр. 428

أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٢). "ومعنى الإيمان بالكتب التصديق الجازم بأن كلها منزل من عند الله على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين، وأنها كلام الله لا كلام غيره، وأن الله تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد" اهـ (٣). وبعد هذا التمهيد اللازم يمكننا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين: المطلب الأول: الكتب السابقة، والمطلب الثاني: القرآن الكريم.

стр. 429

المطلب الأول: الكتب السابقة فأما الكتب السماوية السابقة على القرآن فنحن نؤمن إيمانا جازما بأن الله أنزل على كل رسول كتابه، قد حكم به كل نبي ثم حكم به كل أمة بما استحفظوا من تلك الكتب ثم حدث فيها التحريف والتبديل، فحدث فيها التحريف اللفظي كما حدث فيها التحريف المعنوي، لأنها كانت مؤقتة بأمد قد انتهى بنزول ما ينسخها وببيان ما حصل فيها من تحريف وتغيير، ولهذا لم تكن هذه الكتب معصومة من التحريف، فقد وقع فيها التحريف والزيادة والنقص. قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٢). أقوال المتأثرين بالاستشراق حول الكتب السابقة: قال سيد أحمد خان: "لا أريد أن أجبر أحدا على قبول ما جاء في القرآن من العلم الصحيح بحجة أنه قد ورد في القرآن، ولكنني مؤرخ ناقد أتدبر في الروايتين رواية القرآن ورواية كتاب "صموئيل" وبعد المقارنة بينهما أرجح إحداهما على الأخرى" اهـ (٣). وقال أيضا: "كما وصل إلينا القرآن متصلا بالسند المتصل فلا نجد سندا متصلا لهذه الكتب (الكتب السابقة) ولذلك تقررت عندنا قاعدة أخرى للتمييز بين ما هو معتبر وما هو غير معتبر، وتلكم القاعدة هي: "الشهرة"، فهذه الكتب سواء داخلة فيم يسمى بالكتاب المقدس بالفعل أو خارجة عنه تنقسم على أربعة أقسام:

стр. 430

الأول: هي الكتب التي تلقاها العلماء (علماء أهل الكتاب) بالقبول واتفقوا على صحتها، ثم اشتهرت في كل المدن، واشتغل العلماء بتدريسها قرنا بعد قرن ولم ينكروا عليها في زمن من الأزمنة فهذه كلها صحيحة يعتمد عليها. الثاني: هي الكتب التي كتبها العلماء المعتبرون وقبلها أكثر العلماء وأنكرها بعضهم، أو كانت في زمن ما مقبولة ومقدسة عند أكثر العلماء، واستدلو بها في أمورهم، ثم أتى عليها زمن صارت فيه متروكة، أو هي اشتهرت في زمن ثم زالت شهرتها في زمن، فهذه كلها صحيحة ومعتمدة عندنا ولكنها أقل درجة من القسم الأول .... " اهـ (١). تحليل العبارة وتعيين الشبهة إن المنهجية الجديدة المتأثرة بالاستشراق التي نادت بالدعوة إلى تقارب الأديان قامت على أساس أن الديانات الموجودة في الساحة كلها صحيحة بوجه ما، ومن ثم حاولوا التسوية بين الإسلام والديانات الأخرى المحرفة، وكما حاولوا التسوية بين القرآن والكتب الأخرى. فنرى السيد نهج هذا المنهج وسوّى بين القرآن والكتب السابقة، بل وبين القرآن وبين ما هو من وضع البشر، وبعد أن عرف أن للقرآن سندا متصلا والكتب الأخرى ليس لها سند، اخترع لها قاعدة من عنده وهي قاعدة "الشهرة"، واعتمادا على هذه القاعدة أنكر التحريف اللفظي في التوراة واعتبر الأناجيل الموجودة بأيدي النصارى كتبا مقدسة ثابتة صحيحة، واعتنى بها اعتناء كبيرا حتى فسر التوراة والإنجيل في ضوء القرآن الكريم كما يُفسَّر القرآن في ضوء الأحاديث النبوية وسماه "تبيين الكلام في تفسير التوراة والإنجيل على ملة الإسلام" وبين غرضه من هذا التفسير قائلا: "من تمنياتي أن أؤلف بين قلوب المسلمين وقلوب النصارى فيتحابون فيما بينهم، لأن القرآن يشير إلى أن أقرب فرقة إلى مودة المسلمين هم النصارى" اهـ (٢).

стр. 431

ولعله يريد الإشارة بالعبارة السابقة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ (١). فهل تناسى السيد تاريخ العداوة (تاريخ الحروب الصليبية)؟ وكيف يدعو المسلمين إلى ولاية النصارى؟ ومع أن الله سبحانه تعالى قد حسم موضوع المودة والعداوة بيننا وبين أهل الكتاب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٣). ولكن الذي يهمنا أنه كيف تنازل السيد في سبيل إيجاد المودة والمحبة عن دينه وقرآنه، وسوّي بين الحق والباطل ونظر إلى القرآن -الذي تكفل الله بحفظه، والذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه- وإلى الأناجيل المحرفة التي شهد أهلها على بطلانها بنظرة واحدة. والدعوة إلى تقارب الأديان من أخطر الدعوات التي دعت إليها المنهجية الجديدة المتأثرة بالاستشراق، وهي تهدم كل الفوارق الموجودة بين الإسلام الحق والنصرانية المحرفة، كما صرح بذلك أمير علي وقال: "إننا إذا استثنينا عقيدة الأبوة الإلهية لعيسى ﵇ فهما (الإسلام والمسيحية) في جوهرهما دين واحد، كلاهما وليد القوى الروحية المتشابهة في الإنسانية" اهـ (٤). وقد أشار إلى خطورة هذه الدعوة الأستاذ محمد حسين فقال: "التقريب بين الأديان إفساد لها وتحدٍّ لسنة الله في خلقه" اهـ (٥) قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ

стр. 432

النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١) وقال تعالى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٢). وهذه الدعوة تخدم الهدف نفسه الذي تخدمه الماسونية وشبيهاتها من الجمعيات التي تقف من ورائها الصِهْيَونية العالمية، وكلها تهدف إلى إزالة العصبيات الدينية، حتى لا يبقى في وجه الأرض سوى العصبية اليهودية، وللقارئ أن يتدبر قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور ... ﴾ (٣) إلى قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٤). (٥). بعد هذا التحليل العلمي لعبارات السيد تتعين الشبهة في النقطة التالية: إن الشهرة تخرج الكتب السابقة من كونها محرفة إلى كونها معتبرة وصحيحة. تفنيد الشبهة: شبهة قاعدة الشهرة: ويكون الرد على الزعم من وجوه: أولا: إننا لسنا بحاجة إلى اختراع قاعدة "الشهرة" في الرد أو القبول لما ورد عن أهل الكتاب من أقوال منسوبة إلى كتبهم المحرفة، بل تكفل الله ورسوله ببيان قاعدة القبول والرد، حيث تضمن بحفظ القرآن وفوض أمر كتبهم إلى علمائهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا

стр. 433

هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (١). وبين الله من صفات علماء أهل الكتاب التحريف والكذب، قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٣). ولما كانت هذه الكتب غير معصومة عن التحريف والتبديل، ولما كان من صفة علمائهم التحريف والكذب، فقد بين الرسول ﷺ المنهج الواضح وقال: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ ... ﴾ الآية (٤). قال ابن حجر ﵀: "أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا لئلًا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه" اهـ (٥). أما أن تكون الشهرة ميزانا، بها يعرف الحق من الباطل، فلم نعرف أحدا قال به إلّا السيد، ويبدو أنه متأثر بفلاسفة مذهب المنفعة الذين جعلوا الرأي العام هو المعيار على القيم الأخلاقية. ثانيا: بين العلماء في ضوء ما سبق من الآيات والأحاديث المنهج الصحيح لقبول روايات أهل الكتاب وردها، فقسموا رواياتهم كلها إلى ثلاثة أقسام: الأول: مقبول، والثاني: مسكوت عنه، والثالث: مرفوض (٦).

стр. 434

فهذا هو المنهج السني السليم في قبول روايات أهل الكتاب وكتبهم أو ردها، فأين منهج السيد -الذي يقول بقبول جميع الكتب المشهورة- من هذا المنهج الصحيح الذي فيه التوازن والعدل. ثالثا: وقد ثبت تحريف التوراة بأدلة قاطعة، وقد بين ابن حزم ﵀ كيف تم هذا التحريف تاريخيا بسبب رِدَّاتِهم، وبعد أن سرد هذا التاريخ قال: "فاعلموا الآن أنه كان منذ دخلوا (أي اليهود) الأرض المقدسة إثر موت موسى ﵇ إلى ولاية أول ملك لهم وهو "شاول"، المذكور سبع ردّات، فارقوا فيها الإيمان وأعلنوا عبادة الأصنام، فأولها: بقوا فيها ثمانية أعوام، والثانية: ثماني عشرة عاما، والثالثة: عشرين عاما، والرابعة: سبعة أعوام، والخامسة: ثلاثة أعوام وربما أكثر، والسادسة: ثماني عشرة عاما، والسابعة: أربعين عاما. فتأملوا! ! أي كتاب يبقى مع تمادي الكفر ورفض الإيمان هذه المدد الطوال في بلد صغير مقدار ثلاثة أيام في مثلها فقط، ليس علي دينهم واتباع كتابهم أحد على ظهر الأرض غيرهم" اهـ (١). رابعا: إن علماء بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا، وأبقى الله بعضها حجة عليهم كما شاء، وبدل علماء النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا، وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢) (٣). خامسًا: وإن قيل إن عيسى كانت عنده التوراة كما نزلت وكان عنده الإنجيل كما نزل، نعم إن المسيح بلا شك كانت عنده التوراة المنزلة كما أنزلها الله تعالى، وكان عنده الإنجيل المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤) إلّا أنه عرض في النقل عنه بعد رفعه عارض

стр. 435

أشد وأفحش من العارض في النقل إلى موسى ﵇، فلا كافة في العالم متصلة إلى المسيح ﵇ أصلا، والنقل إليه راجع إلى خمسة فقط وهم: "متى" (Matthew) و"باطرة بن نونا" و "يوحنا بن سبذاي" و "يعقوب" و "يهوذا" و "أبناء يوسف" فقط. ثم لم ينقل عن هؤلاء إلّا ثلاثة فقط، وهم: "لوقا الطبيب" (Doctor Luke) الأنطاكي و "مرقس الهاروني" (Mark Antony) و "بولس البنياميني" (Benjamin Pauls)، وهؤلاء كلهم كذّابون ....... وكل هؤلاء مع ما صح من كذبهم وتدليسهم في الدين، فإنما كانوا مستترين بإظهار دين اليهود، ولزوم السبت بنص كتبهم، ويدعون إلى التثليث سرًّا، وكانوا مع ذلك مطلوبين حيث ما ظفروا بواحد منهم ظاهرا قتل، فبطل الإنجيل والتوراة لرفع المسيح ﵇ بطلانا كليا" اهـ (١). سادسًا: أما استشهاد رسول الله ﷺ بالتوراة في أمر رجم الزاني المحصن وضرب ابن سلام ﵁ يد "ابن صوريا" إذ جعلها على آية الرجم فحق وهو مما قلنا آنفا: إن الله تعالى أبقاه خزيا لهم وحجة عليهم .. أما قول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢) فحق لا مرية فيه، وهكذا نقول ولا سبيل لهم إلى إقامتهما أبدا لرفع ما أسقطوا منهما، فليسوا على شيء إلا بالإيمان بمحمد ﷺ فيكونون حينئذ مقيمين للتوراة والإنجيل ... وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) فنَعَمْ إنما هو في كذب كذبوه ونسبوه إلى التوراة على جاري عادتهم زائدا على الكذب الذي وصفه أسلافهم في توراتهم فبكّتهم ﵇ في ذلك الكذب المحدث بإحضار التوراة إن كانوا صادقين فظهر كذبهم" اهـ (٤).

стр. 436

المطلب الثاني: القرآن الكريم . وفيه: * تعريف القرآن وخصائصه. * أقوال المتأثرين بالاستشراق في القرآن الكريم. * تفنيد شبهة عدم شمول القرآن. * تفنيد شبهة بشرية القرآن. * تفنيد شبهة حول إيجاد تفسير جديد.

стр. 437

تعريف القرآن وخصائصه . تعريف القرآن: القرآن معنى القراءة يقال قَرَأَ يَقْرَأُ قرآنا وهو مصدر ككفران ورجحان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١) ثم نقل هذا المعنى المصدري، وجعل اسما للكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته (٢). خصائص القرآن الكريم: من خصائص القرآن أنه كلام الله غير مخلوق لا كلام غيره وأن الله تعالى تكلم به حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، منه المسموع تسمعه الملائكة ويسمعه جبرئيل وقد سمعه موسى ﵇ وسيسمعه الخلائق يوم القيامة، ومنه المسموع من وراء حجاب بدون واسطة، ومنه ما يسمعه الرسول الملكي، ويأمره بتبليغه منه إلى الرسول النبي كما قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٤) (٥).

стр. 438

ومنها أنه معجز: معنى المعجز هو الذي لا يستطيع البشر تقليده أو الإتيان بشيء يشبهه، خاصة أن الله تحدى به العرب الذين هم أهل فصاحة وبلاغة وبيان للإتيان، ولو بسورة منه فما قدروا قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١). ومنها أنه منزل على النبي ﷺ : قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٢). ومنها أنه مكتوب في المصاحف: إن الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله، ولم ينقلوا آية إلا بشهادتين من الكتابة والحفظ، فهو المنقول بالتواتر حيث تلقى التواتر على نوعين: التواتر القلبي والتواتر الكتابي، ولم يلق مثل هذا التواتر غيره من الكتب السماوية. ومنها أنه متعبد بتلاوته: إن قراءته وتدبر أحكامه والامتثال بأوامره والامتناع عن نواهيه من الأمور الاعتقادية التي يثاب عليها المسلم ويعاقب عليها طبقًا لتصرفاته تجاه تلك الأحكام (٣). ومن خصائص القرآن أنه نزل منجمًا أي مفرقًا لتثبيت فؤاد النبي صلي الله عليه وسلم أولًا، والتدرج في تربية الأمة الناشئة علمًا وعملًا ثانيًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (٤).

стр. 439

ومنها أن بعضه نزل بمكة وبعض الآخر نزل بالمدينة، ويمتاز كل نوع بخصائص فنية ولفظية وعلمية، وكان هذا الاختلاف مثار انتقاد المستشرقين والمتأثرين بالاستشراق. أقوال المتأثرين بالاستشراق في القرآن الكريم وهى تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - أقوال المتأثرين في شمولية القرآن. ٢ - أقوالهم في مصدرية القرآن. ٣ - أقولهم في إخراج تفسير جديد. الأول: أقوال المتأثرين بالاستشراق في شمولية القرآن: قال أمير علي: "والقول بأن الرجل نادى بأن الوجود يخضع لحكم القانون والنظام، وأن قانون الفطرة معناه التقدم إلى الإمام بأنه ﵊ أراد أن تكون صورة المجتمع التي دعت إليها ظروف الحياة في شبه الجزيرة العربية ضربة لازب إلى يوم يبعثون، قول فيه ظلم لنبي الإسلام ﵊، ولم يكن أحد أشد منه ﷺ إدراكا لمطالب هذا العلم الدائب التقدم بكل ما يشمل عليه من الظواهر الاجتماعية والأدبية المستمرة التغير، ولأن ما نزل عليه من الكتاب لا يشمل على جميع تفصيلات الأحكام التي تناسب كل ما يعرض من الحوادث والنوازل" اهـ (١). وقال جراغ علي: "لا يعلمنا القرآن قوانين المدنية والسياسة بل كان هدفه إحياء قوم العرب ودفعهم إلى قمة التقدم، وتغييرهم تغييرا كليا، ولم يكن المقصود من القرآن والسنة تقديم القوانين المدنية مثل: قوانين ديوانية وقوانين جندية وقوانين

стр. 440

اقتصادية ولا بيان أصول الفقه وشرحها، ومما لا شك فيه أنه قد جاء فيها بعض الأمور المدنية والسياسية، ولكنها تتعلق بأمور قد ساء استخدامها في ذاك الزمن، مثلا تعدد الزوجات، والطلاق، واستعباد الرجال والنساء، فجاء القرآن وأنكر هذه المنكرات وغيرها من العادات القبيحة" اهـ (١). وقال جراغ علي أيضا: "إن الرسول ﷺ لم يترك لنا ضابطا قانونيا ولا دينيا، ولم يأمر أحدا من أتباعه بترتيب ذلك، وهذا الأمر يدل على أنه خَيَّر أمته في ترتيب نظام من عندهم مطابقا للمقتضيات السياسية والاجتماعية التي تحيط بهم في كل زمان ومكان" اهـ (٢). تحليل العبارة وتعيين الشبهة انطلق كل من أمير علي وجراغ علي فى العبارات السابقة من مبدأ التطور والارتقاء في الإسلام ردًّا على الدعوى القائمة من قبل بعض المسشرقين: أن القرآن فيه جمود ولا يمكن أن ينتفع به الناس مع تقدم الزمن وتتطور الحياة، فالعمل بالقرآن هو إرجاع الناس سياسة واجتماعا إلى صورة المجتمع البدائي، ولا انفكاك بين العقيدة وقوانين الاجتماع البدائي. كما قال "وليم ميور" (W.Muir): " إن القرآن قد ربط الدين في غلاف قواعد ذلك المجتمع وتقاليد ذلك الزمن إذ لا يمكن الفرار منه، فإذا تمزق هذا الغلاف ذهب معه أصل الحياة" اهـ (٣). قلت: وكان الحل البسيط لهذه المعضلة عند هؤلاء المستغربين هو الفصل بين الدين والدولة، فزعموا أن القرآن لم يعلمنا قواعد السياسة وقوانين المدنية، إنما أتى

стр. 441

القرآن ليعلم الناس الأخلاق الفاضلة ولينهاهم عن العادات الرذيلة، كسابقه من الأديان مثل النصرانية واليهودية. كما أشار إلي ذلك جراغ علي في العبارة التالية فقال: "إن النصارى حاولوا أن يوسعوا سيطرة الدين على الأمور الاجتماعية اليومية، ولكنهم فشلوا في هذه المحاولة، فلم يمض زمن وجيز إلا وهم فصلوا بين الدين والدولة، وفصلوا الأخلاق من الدين في القرن السابع عشر" اهـ (١). ثم أضاف قائلا: "والمسلمون قلدوا النصارى في هذا الصدد وطبقوا تعاليم القرآن على الحياة اليومية بقدر ما استطاعوا رغم كون القرآن لم يستهدف إلى هذا، ولم يؤتنا ضابطا في السياسة والمعاشرة، إنما أصحاب محمد ﷺ وأتباعهم خلقوا الأحاديث، والآثار، ثم الذين جاؤوا من بعدهم رفعوها إلى منزلة القداسة كما فعل النصارى بأناجيلهم" اهـ (٢). وقال أيضا: "إن المستشرقين أمثال: "ميور" و"آسبرين" و"هيو" و "سيل" عندما يذكرون الأحاديث يتناسون الضابط الذي تقرر عند المسلمين: أن الأحاديث -أصلا وعقيدة لا سيما الآحاد كلها- لا يجب على المسلمين اتباعها إذ أن الفقهاء قالوا إن الآحاد تفيد الظن ولا تفيد اليقين، وأما القرآن -وهو غير شامل لكل ما يحتاجه الإنسان- فهو أيضا لا يجب عليهم اتباعه حرفيا" اهـ (٣). ثم استحسن جراغ علي في هذا قول المستشرق "أوستين لي لين بول" حيث يقول: "إذا أراد الإسلام أن يتقوى في المستقبل يجب على المسلمين الفصل بين الدين والدولة، إذ أن البشرية لم تتطور حضارتها ولم يتبين نقصها في اجتماع، ولكن الآن

стр. 442

أهل الشرق يزعمون أنهم يتساوون أهل الغرب، ويسعون في تقليد آداب ومراسيم الغرب، وإذا أرادوا الانتساب إلى حضارتنا فعليهم أن يغيروا أحوال المرأة عندهم. ولكن المشكلة كلها تكمن في أن القرآن يربط بين الدين والدولة، ولا يمكن الفصل بينهما، والحل الوحيد لهذه المعضلة القضاء عليهما جميعا والتغيير في النظر إلى الوحي والإلهام، ترك الاعتقاد بأن كل حرف من حروف القرآن وحي من الله، والتقريب بين العام والخاص العارض والمستقل، وهذا التمييز لا يحصل إلا بقوة الأخلاق وعليهم أن يفكروا في أن تعاليم الرسول معظمها وإن كان قد أفاد في زمنه، ولا يناسب الظروف الحالية وأيضا كان علمه جزئيا وقد يخطئ، وبالإضافة إلى أن قوة الأخلاق يمكن تعلمها كقوة الذهن، ولذلك الخلق الذي كان فاضلا في القرن السابع الميلادي قد يتحول إلى خلق دني في القرن التاسع عشر ويعتبر ضربا وهلاكا للمجتمع. فقد قال رسول الإسلام (صلى الله عله وسلم): إذا أمرتكم بشيء من الدين فاقبلوه وإذا أمرتكم بشيء من الدنيا فإنما أنا بشر. وكان يدرك جيدا أنه سيأتي زمان يحتاج أحكامه الجزئية إلى إعادة النظر فيه، وقال رسول الإسلام أيضا: "أنتم في زمن إذا تركتم معشار ما أمرتكم هلكتم، ولكن سيأتي زمان لو عمل الناس فيه بمعشار ما أمرتم يغفر الله لهم" اهـ (١). وعلق جراغ علي على هذه الشبهة الطويلة العريضة بقوله: "إن الإسلام من حيث الدين منفصل عن الدولة والحضارة، وليس للإسلام أي ارتباط بسياسة المسلمين وحضارتهم، وإن كان المسلمون قد ربطوا المدنية بالقرآن كما فعل اليهود والنصارى الذين خلطوا بين الأناجيل، ولكن هذا ليس معضلة لا تنحلّ حتى نقضي على الدين والحضارة القرآنيين أو تحتاج إلى تغيير إلى الوحي والإلهام" اهـ (٢).

стр. 443

بعد هذا التعليق البسيط أعطى حلًّا للمعضلة السابقة وقال: "إن القرآن وتعاليم الرسول لم يمنع المسلمين من التطور الروحاني ومن حرية الإرادة ولم يمنع من ينادي بالجدّة في الحياة السياسية والحضارية والأخلاقية والعقلية" اهـ (١). ثم استحسن كل المحاولات الروحانية والحضارية ورغب في ذلك بذكر بعض الآيات القرآنية مثلا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ثم ذكر حديث تأبير النخل: أنتم أعلم بأمور دنياكم" اهـ بعد ذلك قال: "إن الرسول ﷺ لم يجمع بين الدين والدولة، وقول العرب "الملك والدين توءمان" قول باطل، وظنهم بأن أفعال الرسول وأقوله (القرآن والحديث) فيهما كفاية لأمور السياسة والملك والمدنية والأخلاق ظن غير صحيح (٢). وقد اتضحت الشبهة بعد هذا التحليل وهي: أن القرآن لا يشتمل ما يحتاج إليه كافة البشر إلى يوم القيامة. تفنيد الشبهة: شبهة عدم شمول القرآن على ما يحتاج إليه البشر إلى يوم القيامة: فنرد على هذه الفرية من وجوه: أولا: قد سلك جراغ علي وأمير علي منهج المستشرقين أمثال "جولدتسيهر" و "شاخت" و "بول" و "كولسن" في بيان تاريخ التشريع الإسلامي، وهو المنهج التطوري والمنهج الإسقاطي معا، لما أن الديانات الأخرى مثل اليهودية والنصرانية المحرفتين والهندوسية لم توجد مرة واحدة، إنما وجدت في بدايتها كفكرة ضئيلة ثم تطورت حسب تقدم البشرية واحتياجاتها ورغباتها، حتى أصبحت ديانات بشرية

стр. 444

خالصة، فكذلك القرآن كان ناقصا غير شامل لمقتضيات الحياة فاحتاج المسلمون إلى إيجاد السنة ثم إلى الإجماع ثم إلى القياس. ولا شك أن هذا الكلام وإن كان صحيحا مع الديانات الأخرى، فإنه خطأ منهجي مع الإسلام، لأن الإسلام لم يكتمل في مجرى التطور كما هو شأن الأديان الباطلة، إنما هو اكتمل في حياة الرسول ﷺ يقول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). وأما التطور الذي حدث في التشريع الإسلامي هو شرح وتوضيح لما ورد في القرآن والسنة. ثانيا: إن القرآن شامل لكل ما يحتاج إليه الإنسان إلى قيام الساعة من عقيدة وأحكام دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية، وإن القرآن في حجمه الصغير قد أعطى خطوطا عريضة لكل ما يحتاجه إليه الإنسان، وهو كلام الله المعجز الخالد المهيمن ولم يفرط فيه من شيء، قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. وقد وضع بعض العلماء الآيات القرآنية في موضوعات يحتاج إليها الإنسان، لم يخل حَقل من حقول هذه الموضوعات إلّا وفيها حكم من أحكام الله قد ذكر في القرآن، وأحسن تأليف في هذا الموضوع: "تقابل ثلاثة (توراة- إنجيل- قرآن" للشيخ ثناء الله الأمرتسري (٢)، وقد قسم الشيخ حاجيات الإنسان إلى موضوعات تالية: إثبات واجب الوجود، ودعوى التوحيد ودلائله، أسماء الله وصفاته، أحكام العبادة الشرعية، الأخلاق العامة، تدبير المنزل، القوانين العسكرية والسياسية، أحكام القتال، أحكام الصلح، أحكام القيامة، طريق النجاة. وقد أثبت الشيخ في هذا المؤلف شمولية القرآن وهدايته في كل مجال، وقارن بينه وبين التوراة والإنجيل فبين نقص الكتب السابقة وحاجتها إلى القرآن.

стр. 445

ثالثا: وأصل الخطأ قد جاء عند هؤلاء المستغربين لتفريقهم بين القرآن والسنة، إذ أن السنة جاءت شرعًا وبيانًا لما ورد في القرآن من أحكام مجملة، قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) فمن أراد الإسلام بدون سُنّةٍ فقد ضل، وعاب الإسلام، واتهم القرآن بأنه ناقص. والنصوص في ذلك كثيرة جدًا قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) والرسول ﷺ قد يأمر بشيء وقد ينهى عن شيء قد لا تجد ذكره في كتاب الله، ولكن الصحابة اعتبروه من كتاب الله مستدلين بالآية السابقة. عن ابن مسعود ﵁ قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمنتصمات والمنفلجات للحسن المغيرات خلق الله ، قال: فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت: بلغني أنك قلت كيت وكيت قال مالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله تعالى، فقالت إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته، فقال إن كنت قرأته فقد وجدتيه أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت بلى: قال: فإن رسول الله ﷺ نهى عنه" اهـ (٣). رابعا: والقاعدة التي تقررت من منهج أهل السنة والجماعة هو الإيمان باشتمال الكتاب والسنة على أصول الدين وأمور الدنيا، قال ابن القيم ﵀: إن النصوص (الكتاب والسنة) محيطة بأحكام الحوادث لم يُحِلْنا الله ورسوله على رأي ولا قياس، بل بين الأحكام كلها والنصوص كافية وافية (٤).

стр. 446

وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: إنه ما من مسألة فقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإن تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة (١). خامسا: وأما استدلال معظم المستشرقين والمستغربين بقول الرسول ﷺ : "أنتم أعلم بأمور دنياكم" فهو رواية وردت في الصحيح عن موسى بن طلحة عن عبيد الله عن أبيه قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء" فقالوا يلحقونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح، فقال رسول الله ﷺ : "ما أظن يغني ذلك شيئا قال: فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله (٢). والرسول ﷺ في هذه الرواية لم يأمر بشيء ولم ينه عن شيء، إنما ظن ظنًا، وقال لهم: أنتم بالخيار لأنه لم يحدثهم عن الله ولم يجتهد رأيه. وهذا الاختيار مقيد بالنظر إلى الأمر بالعبادات وبالنظر إلى النهي في المعاملات إذ أنه قد ثبت عند أهل السنة والجماعة "الأصل في العبادة الإتباع ليس الابتداع والأصل في الأشياء (المعاملات) الإباحة ما لم يرد فيه النهي" اهـ (٣). الثاني: أقوال المتأثرين في مصدرية القرآن: قال أمير علي: "أراد النبي ﷺ أن تظل ذكرى المكان الذي شهد مولد الإسلام في أذهان العالم الإسلامي، فأمر المسلمين أن يولّوا وجوههم في الصلاة شطر مكة باعتبارها المركز المجيد الذي أشرقت منه شمس الدين الجديد، ورأي بنور النبوة ما ينشأ من التضامن بين المسلمين إذ اتخذت نقطة مركزية تلتف حولها قلوب آمنة في كل

стр. 447

زمان، ولذلك أمر ﷺ أن يتجه المسلمون في جميع أنحاء الأرض إلى الكعبة المشرفة" اهـ (١). قال جراغ علي: "لما رأى الرسول ﷺ أن عادة تعدد الزوجات قد انتشرت في العرب والدول الشرقية، وامتزجت بطبيعتهم، لم يكن أمامه بد إلّا أن يأمرهم في القرآن خلاف هذه العادة، واتباع القرآن كان فرضا عليهم" اهـ ﴿ ...... فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (٢) ﴿ ..... وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (٣) ولم يكن من وسعه أكثر من هذا، وكل مصلح ومقنن لا يستطيع أكثر من هذا" اهـ (٤). تحليل العبارة وتعيين الشبهة إن أمير علي وجراغ علي في العبارات السابقة قد صرحا بأن القرآن كان من عند محمد ﷺ ولم يكن إلهي المصدر، وأن الرسول ﷺ كان يصدر الأحكام القرآنية من عنده، واتبعا في ذلك منهجًا استشراقيًا من وجوه عديدة: الأول: قد فسرا الظاهرة الدينية الخالصة بتفسير مادي بحت فقد ذكر أمير علي أن من أسباب تحويل القبلة أن تظل ذكرى المكان الذي شهد مولد الإسلام حية في أذهان العالم الإسلامي. وذكر جراغ علي أن من أسباب تحديد تعدد الزواجات في زوجة واحدة (في زعمه) أن النبي ﷺ رأى أن عادة تعدد الزوجات قد انتشرت في العرب، فأراد أن يجعل الحد عليه.

стр. 448

فربطا أحكام الدين بأحداث اجتماعية وتاريخية ومنهجيتهما هذه عرفت في الغرب بمنهجية علم الاجتماع المعرفي المادي والتي استخدمها المستشرقون في دراسة الإسلام بهدف إنكار المصدر الرباني للعقيدة الإسلامية، وإرجاع وجود الأفكار والمبادئ العقدية في الإسلام إلى حوادث وظروف تاريخية واجتماعية أو اقتصادية أو سياسية الخ، باعتبار أن هذه العوامل هي الباعث الحقيقي لتلك التعاليم الدينية (١). الثاني: نسبة الأمر والنهي الإلهيين إلى النبي ﷺ ، فقد نسب أمير علي الأمر بتحويل القبلة إلى النبي ﷺ ، مع أن القضية منصوصة نسبتها إلى الله في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (٢). ونسب جراغ علي الأمر في تحديد الزواج بواحدة إلى النبي ﷺ مع أن القضية نازلة من عند الله في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (٣). ثم أصرّ على ذلك فقال: "أمرهم الرسول ﷺ في القرآن" اهـ ثم أكّد الأمر بقوله: ولم يكن في وسعه أكثر من هذا، وبين سبب نسبة الأمر إلى القرآن هو أن محمدًا كان يعرف أن أتباعه يعتقدون بأن القرآن كان فرضًا عليهم، فاستغلّ النبي ﷺ هذا الاعتقاد فأمرهم في القرآن. وإن نسبة الأمر إلى محمد ﷺ والتجنب من نسبته إلى الله أسلوب من الأساليب الاستشراقية، قد مارسه المستشرقون وأصروا عليه ليجعل القرآن بشري المصدر، وهذا أشدّ ضررًا من نسبة الأمر إلى القرآن إذ أن بعض

стр. 449

المستشرقين نسبوا ما ورد في القرآن إلى القرآن مثل قولهم: قال القرآن، وذلك خروجًا من الخلاف (على حسب زعمهم) الذي حدث بين فئات المستشرقين هل القرآن كلام الله أو كلام محمد ﷺ . تتعين الشبهة بعد هذا التحليل العلمي إذن في النقطة التالية وهي: أن مصدر القرآن كان بشريا وإن محمدا ﷺ كان يصدر الأحكام من عنده، وينسبها إلى الله. تفنيد الشبهة: شبهة بشرية القرآن: ويكون الرد على هذه الشبهة من وجوه: أولًا: إن الثابت عند جميع الفرق الإسلامية التمييز بين ما قال الله وبين ما قال الرسول ﷺ . فالقرآن هو كلام الله يختلف عن كلام الرسول، والأحاديث النبوية هي الأخرى وحي من الله ولكنها مضافة إلى الرسول ﷺ ، فما ثبت في القرآن نُسب إلى الله تشريفًا وتعظيما وتفريقًا بين قول الله وقول الرسول ﷺ . ثانيًا: لم يكن للرسول ﷺ من خيار في تشريع الأحكام وما كان يتّبع إلا ما يوحى إليه، وقد حذر الله نبيه من أن يأتي من عنده بشيء: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). أمر الله نبيه أن يتبع الوحي ولا يستعجل في الحكم حتى يأتي أمر الله قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (٢).

стр. 450

ثالثًا: أما قول أمير علي: "أراد النبي ﷺ أن تظل ذكرى المكان الذي شهد مولد الإسلام فيه .... " اهـ فنرد عليه ونقول: قد أخطأ أمير علي حيث جعل مولد الإسلام مكة مكانًا والعهد المكي زمانا قياسا على الأديان الباطلة إذ أن لكل ديانة منها مولدا، ولكن الإسلام ليس له مولد في الدنيا لا مكانًا ولا زمانًا، لأن الدين عند الله الإسلام، وهو دين جميع أهل السماء وأهل الأرض وهو دين جميع الأنبياء والرسل، فقد جاء الإسلام إلى هذه المعمورة مع أبي البشر وأول الرسل أبينا آدم ﵇، وهو أول إنسان على وجه الأرض. رابعًا: أما قول جراغ علي: "أمرهم النبي ﷺ في القرآن خلاف هذه العادة، واتباع القرآن كان فرضًا عليهم" اهـ فيقصد به الأمر بعدم التعدد وتحديد الزواج بواحدة. وإذا كان هذا هو المقصود بالآية وكان اتباع القرآن فرضًا علي كل المسلمين، فلماذا لم يتبع هذا الحكم الخلفاء الراشدون والصحابة أجمعون؟ فلماذا أجازوا لأنفسهم التعدد؟ بل الأصل في الزواج هو التعدد لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وعند الخوف من الجور فواحدة قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، وهذا وذاك كل من عند الله وليس من عند محمد ﷺ . وبالجملة قد أخطأ أمير علي وجراغ علي في نسبة هذه الأحكام إلى النبي ﷺ بعد أن عرفا أنها من عند الله ، وصرحا ببشرية القرآن وفتحا المجال للمستشرقين المتشككين والمستغربين للظن بأن القرآن من عند محمد ﷺ .

стр. 451

الثالث: أقوال المتأثرين بالاستشراق في التفسير الجديد للقرآن: قال أحمد خان: "إنه لم ينزل القرآن دفعة واحدة إنما نزل منجّمًا وقال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (١) فنزل القرآن حسب النوازل والأحداث ..... ولذلك توجه العلماء إلى معرفة الأسباب لفهم مقتضى الآيات القرآنية، وظهرت لهم أسباب وُضِعَ أساسها على الروايات الضعيفة، ولكن الطريقة المأمونة لفهم مقتضى الآيات النظر في سباق الآيات وسياقها والنظر في الأمور المستنبطة منها" اهـ (٢). قال مهدي علي: "إنه ليس من النهي التدبر في كتاب الله والتحقيق في ألفاظه حتى نصل إلى معانٍ ومطالب جديدة، فلا نقف عند تقليد المفسرين السابقين، بل نختبر العلوم الجديدة في ضوء ألفاظ القرآن، ولا يُسمى هذا التفسير تفسيرًا بالرأي، وكيف يكون منه وألفاظ القرآن تدل على هذه المعاني، بل هذا التفسير الذي نحن بصدده أحسن سندًا من تفسير السلف، لأنه مبني على حقائق محققة، ولا دخل فيه للعقل والقياس، ولا يمكن أن يكون هذا من التفسير بالرأي المنهي عنه، بل هو حقيقة القرآن والله نسأل أن يهدي الجميع إلى مثل هذا التفسير" اهـ (٣). تحليل العبارة وتعيين الشبهة هذه دعوة صريحة من كل من سيد أحمد خان ومهدي علي إلى وضع تفسير جديد للقرآن الكريم حسب مقتضيات الزمان والمكان، وترك التفاسير القديمة. ولا جدال في أن يفسر أي إنسان القرآن إن كان مستجمع لأدوات التفسير، وسوف نرى فيما يأتي ما هي الأسباب التي دعت أصحابها إلى الدعوة إليها؟ وما

стр. 452

مدى صحتها وصدقها في ضوء القرآن الكريم نفسه؟ وهل هناك فرق بين دعوة السيد ودعوة مهدي علي إلى تفسير جديد؟ فقد بين السيد أسباب هذه الدعوة فقال: "قد قرأت ما استطعت من تفاسير القرآن، فوجدتها -إذا استثنينا منها الموضوعات المرتبطة بعلم الأدب- عقيمة ومليئة بالروايات الضعيفة والموضوعة وبالقصص التافهة الإسرئيلية. ثم درست ما استطعت من كتب أصول التفسير مستهدفا لأجد فيها أصولا مبنية على القرآن أو مبنية على شيء لا يختلف فيه اثنان، فلم أجد فيها إلا مسائل ثانوية لا فائدة فيها مثلا: علم الفقه وعلم العقيدة وعلم خفاء نظم القرآن ولطائفه، واختلاف التفاسير وشرح الغريب، ومن المسائل التي بُسط الكلام فيها هي: تقسيم الآيات إلى مكية ومدنية وصيفية وشتوية، ونهارية وليلية (ما نزل في الصيف وما نزل في الشتاء، وما نزل في النهار وما نزل في الليل) وبيان نوعية حروف وآيات لكل قسم مما مضى من الأقسام، أو وجدتُ فيها مباحث حول المجاز، فلم أجد فيها أصولا وضوابط تحل مشكلات اليوم" اهـ (١). لإكمال هذا الغرض دعا السيد إلى كتابة تفسير جديد، وإلغاء تفاسير قديمة، ثم بدأ بكتابة تفسير باسم "تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان"، فكان من شأنه التقليل من ذكر التفسير المأثور، والاهتمام بالتفسير العلمي الحديث -كما يدعي- وترك الاعتماد على الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، ومحاولة الربط بين الطبيعة والآيات، وعلى منوال هذا التفسير برز في الساحة تفاسير عديدة. والناظر في هذه التفاسير يجد فيها إنكارا للحقائق الدينية الثابتة في القرآن والسنة مما تُعَدُّ من أصول الدين ليست من فروعه، مثل إنكار الملائكة والنار بل إنكار الغيبيات كلها بالتأويل البعيد ماعدا ذات الله .

стр. 453

تفنيد الشبهة هذه ليست بشبهة إنما هو رأي رآه السيد وأنجزه، فوضع تفسيرا باسم "تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان"، وقد ترك هذا التفسير آثارا في التفاسير المعاصرة، فالتفسير الطبيعي أو التفسير المحدث قد اختلف العلماء في جوازه وعدمه. وممن أيد مثل هذا التفسير الإمام الغزالي ﵀ فقال: "وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله وصفاته، وفي القرآن شرح لذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها، والمقامات في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن، ومجرد ظاهر التفسير لا يشير إلى ذلك، بل كل ما أشكل فيه على النظار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات، ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بدركها" اهـ (١). وممن أعرض عن مثل هذا التفسير الإمام الشاطبي ﵀ فقال: "إن كثيرًا من الناس تجاوزوا الحد في الدعوى على القرآن، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح وإلى هذا فإن السلف الصالح -من الصحابة والتابعين ومن يليهم- كانوا أعرف بالقرآن ولعلومه وما أودع فيه ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام التكليف وأحكام الآخرة وما يلي ذلك، ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدل على أصل المسألة إلا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجود عندهم وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا" (٢).

стр. 454

فرأي الغزالي إن كان مؤيدًا لما ذهب إليه المستغربون في جواز تفسير القرآن بالتفسير العلمي أو الطبيعي ولكنه أراد به إخضاع المخترعات الحديثة لما ثبت من حقائق القرآن وليس العكس .... ولهذا السبب إن رأي الشاطبي واضح جدًا بأن السلف كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا. فالسابقون جعلوا الحقيقة القرآنية أصلًا وفي ضوئها تُفسّر الحقائق العلمية، وللأسف جعل المعاصرون النظريات أو الحقائق العلمية أصلًا يدعمونها ويفسرونها بآيات قرآنية قد تؤيدها صراحة ويفهم منها ذلك وقد لا تدل على شيء من ذلك فيتكلفون في التوفيق بين هذا وذاك (١). ولذلك حصل ما حصل من إنكار الحقائق الثابتة من أصل الدين وهذا الباب كله بيان لهذا الانحراف فلا يحتاج إلى مزيد من التفصيل. وأما تلميذه سيد مهدي علي فقد تنبه إلى خطورة هذا التفسير وبين السلبيات التي تعود على الأمة لسبب مثل هذا التفسير في خطاب له إلى السيد بعد أن نظر في تفسيره فقال: "إن هذا التفسير لا يفهمه أحد إلّا بعد فهمه مطالب القرآن وشرحه وتفصيله (بتفاسير أخرى)، بل هو تفسير يقال فيه تفسير القول بما لا يرضى به قائله، وأنت يا أستاذي السيد قد جئت ببيان سحري فيما أردت أن تبينه من الموضوعات، وعرضته بأسلوب يُسرُّ به القارئ، وإذا لم يكن راسخا في عقيدته فقد يصدقه يؤمن به أيضا ........ ومما يؤسف له أنك تؤمن بتلك المسائل التي قد آمن بها المثقفون الملحدون الغربيون، وفي ضوء تلك المعارف قد أولت الآيات تأويلا قد يبلغ إلى التحريف، وشتمت المفسرين المسلمين واتهمتهم بأنهم مقلدو اليهود، وأنت اتبعت الملحدين، وآمنت بأقوالهم ونظرياتهم إيمانا جازما، وصدقت بها.

стр. 455

فتؤول الآيات وتقول هذا ليس تأويلا، إنما هو تفسير صحيح، بل هو أصل التفسير، مع أن سياق الكلام وألفاظ القرآن لا تدل على ذلك ولا كلام العرب ولا أساليبه تؤيده" اهـ (١). ومن ثم جاء قول سيد مهدي علي معتدلا في هذا الصدد فقال: "ونحن في هذا الزمن بحاجة إلى تفسير يكون خاليًا من الحشو والزوائد، ومنزهًا من الروايات الضعيفة والموضوعة، وخاليا من الفلسفة اليونانية، فيشرح فيه الحقائق الحديثة، ويذكر فيه الأحاديث الصحيحة الثابتة في المواضع المناسبة، وينقل فيه آثار الصحابة الكرام التي يستدل بها على المسائل الأصولية والفرعية. ويُفنّد به شبهات العقلانيين المعاصرين بأدلة لا تخالف القواعد العربية والشريعة المحمدية، ويكون فيه تأييد للأخبار التي دلت عليه ألفاظ القرآن والتي يتشكك فيها المتشككون لكونها تخالف الحقائق التاريخية والمعارف العلمية، وينقد فيه الأقوال والروايات الكاذبة سندًا ومتنًا والتي دخلت في التفسير بسبب غفلة بعض المفسرين وسهوهم، وإن كانت هذه الروايات لم يتضرر بها الأولون ولكنها قد أضرت هذا الجيل حيث أثيرت بسب هذه الروايات الموضوعة شبهات حول الوحي وصاحب الوحي، لكي يتزلزل أقدام المتعلمين الذين يتعلمون العلوم العقلية، والذين يؤمنون بأن هذا الدين هو حق جاء من عند الله ويتمسكون به ويعملون به" اهـ (٢).

стр. 456

المبحث الرابع: الرسول الخاتم . فيه تمهيد ومطلبان: * المطلب الأول: أقوال المتأثرين بالاستشراق حول منصب الرسالة التشريعي. * المطلب الثاني: أقوال المتأثرين بالاستشراق حول ختم الرسالة المحمدية.

стр. 457

تمهيد الإيمان برسالة محمد ﷺ هو الجزء الثاني من كلمة شهادة: أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، وهو في ذاته كلمة الرسالة إذ أن كلمة الشهادة تنقسم إلى جزءين: الجزء الأول: كلمة التوحيد والجزء الثاني: كلمة الرسالة. معنى كلمة الرسالة: " ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ : هو العلم والاعتراف بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي عبد الله ورسوله، أرسله الله إلى الناس كافة بالهدى ودين الحق الباقي إلى قيام الساعة، ولا نبي بعده" اهـ (١). مقتضى كلمة الرسالة: ومقتضاها: طاعته في ما أمر وتصديقه في ما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا نعبد الله إلا بما شرعه ﵊، وأن طاعته واتباع هديه فريضة على جميع الأمة، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه واتبع هدى غيره دخل النار، ... قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢) " (٣). وإذا حللنا عبارة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فإننا نقول: إن الشهادة بأن محمدًا رسول الله يقتضي الإيمان بما يأتي: ١ - أن الرسول ﷺ قد أُرسل مبينًا لكتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤).

стр. 458

٢ - أنه ﷺ مطاعٌ وجوبًا: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣). ٣ - أنه ﷺ أسوة حسنة يجب على المسلمين اتباعه قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٤). ٤ - أنه ﷺ صاحب سلطة تشريعية: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥). ٥ - أن سننه ﷺ يجب على المسلمين اتباعها لأنها وحي من الله وهو مثل القرآن قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٦).

стр. 459

وقال الرسول ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه .... " (١). ٦ - أنه ﷺ هو خاتم الرسل والأنبياء قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢). وقال النبي ﷺ : "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون" (٣). بعد هذا العرض السريع للجانب التأصيلي في هذا المبحث نأتي إلى موضوع التأثر بالمنهج الاستشراقي، فنذكر أقوال المتأثرين بالاستشراق حول رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي تنقسم قسمين، وكلٌ منهما نجعله في مطلب: المطلب الأول: أقوالهم حول منصب الرسالة التشريعي. المطلب الثاني: أقوالهم حول ختم الرسالة المحمدية.

стр. 460

المطلب الأول: أقوال المتأثرين بالاستشراق حول منصب الرسالة التشريعي وتفنيد شبهة نزع السلطة التشريعية عن صاحبها ﷺ -.
следующие страницы →